بسم الله و الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله و على آله و صحبه و من والاه أما بعد :
فبادئا أعتذر عن كثرة الأخطاء التي تقع فيما أكتب لفرط التسرع ربما أو لعدم المراجعة لما أكتب و لعل كثيرا منه لقلة بضاعتي في اللغة...
شكر الله لك شيخنا الفاضل هانئ هنأه الله في الدارين، و الحقيقة أن كلامك لا يعلى عليه فلا فض فوك على ما بينت و شرحت...
نقلت سيدي الفاضل ما روى ابن عبد البر في التمهيد بسنده عن سعيد بن جبير قال قلت لابن عباس : آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر ؟ قال : "إن خشيت أن يقتلك فلا".
و هذا مخالف لما ثبت عن سيدنا سعيد بن جبير، و لو صح لما أفاد غير رأي سيدنا ابن عباس و هو مخالف لما سبق و أشرنا إليه جميعنا من حديث الرسول صلى الله عليه و على آله و سلم و ما قررته، و غاية ما فيه أن يؤخذ على سبيل الترخص، فإن فعل كان من سادة الشهداء كما لا نختلف جميعا، و لست بحاجة لتذكريك كيف قتل سيدنا سعيد بن جبير عليه رحمات الله تترا...
و أما ما نقلته من كلام سيدنا ابن العربي عليه رحمة الله فليس فيه ممسك كذلك، لأننا متفقون على سقوط الفرض من الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر لمن خشي على نفسه أو غيره أو أداه ظنه إلى وقوع منكر أكبر مما سينهي عنه و عدل عن بذل نفسه في سبيل الله ...
و أما مسألة أن يتعرض غيره معه للأذية فبإحدى اثنتين فإما أن يكونوا معه على رأيه و أمره، فحالهم جميعا سواء و ميتتهم جميعا خير ميتة إن شاء الله تعالى، و إما ببطش الظالم و اقتحامه حرمات الله تعالى فذلك منه معتاد و لم يكن بحاجة إلى إنكار الشهيد عليه...
و كذلك ما نقلته عن العيني رحمه الله سيدي فهو مماثل لقول سابقه و نحن ما في هذا اختلفنا، فلسنا مختلفين عن سقوط الفرضية في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و إن كان ذلك لا يسقط إلا باليد و اللسان كما نحن متفقون عليه، أما بالقلب فلا يسقط البتة، و مسألة سقوط الفرضية لا يعني بالاتفاق سقوط أفضلية البذل في سبيل الله يا مولانا...
قلت شيخنا الفاضل :ههنا خلط أخي حسين ، فاول كلامك عن الأمر والنهي ، وآخره عن الخروج على الحاكم الظالم وشتان ما بينهما ....
ليتك تفيدنا في هذا الشتان الذي بينهما يا مولاي، فالخروج على على الحاكم الذي نتكلم فيه يا مولانا إنما هو إنكارا لظلمه و جوره و تعديه، و لعلك فهمت أننا نتكلم عن الحرابة و البغي و قطع الطريق؟؟
و أما قولك : فأما الحسين عليه السلام فلم يكن خارجا على حاكم ظالم فاسق
فلست أدري كيف تسمي فعل سيدنا الحسين عليه السلام و قد عين الصحابي معاوية ابنه اليزيد على سدة الحكم، ثم بويع للوزغ و تمت البيعة له في الأقطار و لما جاء عامله على المدينة ليأخذ البيعة للوزغ من سيدنا الحسين فرفضها سيدنا الحسين ... فثبت أن يزيد عين أولا و تمت له البيعة في الأقطار ثانيا مع تململ عند آحاد الناس في بعض الأقطار كالكوفة التي كانت ناقمة على حكم معاوية كارهة لحكم اليزيد... فالحكم هو كما نقلت سيادتك شيخنا قال الإمام
[ واعلم أن الإمامة تثبت بأحد أمور ثلاثة : إما بيعة أهل الحل والعقد ، وإما بعهد الإمام الذي قبله له وإما بتغلبه ، على الناس ، وحينئذ فلا يشترط فيه شرط لأن من اشتدت وطأته وجبت طاعته
و هذا ما حدث مع سيدنا الحسين يا مولانا فكيف تريد الانفلات مما بدأته؟
و أما ما استشهدت به من قول القطب الدردير رحمة الله عليه فتفلت من قبل سيدنا الدردير رحمه الله تعالى إذ متى اعتبر الاتفاق في التغلب على حكم المسلمين، ثم متى وقع الاتفاق على هؤلاء الظلمة ليحكمونا؟ فإما أن نقيس بالعدل هؤلاء على اليزيد و إما أن نقيس اليزيد على هؤلاء، و هذا الأمر مما يشكل على ساداتنا الفقهاء من القول فيه صراحة و مخالفتهم ما هو باد...
فقولك أن اليزيد لم يكن إمام الوقت .... فكيف يقال إنه قد استقر له الأمر وخرج عليه الحسين باغيا ؟؟
فأما أننا نقول بأن اليزيد كان حاكما في وقته فبالرجوع إلى ما سبق يتضح أنه عين و أخذت له البيعة و أبوه حي، فلم يكن ينبغي حسب تقريرات الفقهاء التي نقلتها أن يخرج عليه أحد، لأن هذه شريعة ثابتة و إنما قام السادة الفقهاء بتقريرها فقط، يعني على حسب مدعاك سيدي ما كان ينبغي أن يخرج لا هو و لا من ادعيت من باقي الأقطار... هذا فضلا عن أن نتكلم عن التغلب الذي حصل له حتى قبل أن يحكم بفعل أبيه ثم هو من بعده، و ما قام به من مخاز لا ينبغي أن يتصور على أنه إنما كان بفعل خروج سيدنا الحسين عليه...
و أما قولك سيدي :
الحسين عليه السلام لم يكن خارجا باغيا كما يظنه البعض...
فلسنا نحن من يقول ذلك شيخنا ، و لكنه على حسب ما تقررونه يكون كذلك..
قلتم شيخنا الفاضل، و إن لم يكن ينبغي أن أتعقب كلامكم و تقريركم إلى أنني أحس أن بذلك ينجلي الكثير من الغموض في المسألة و يستفيد القارئ من خلال ما أستفهم عنه و تبينونه، فمعذرة إن كنت أطيل مع أنني أحاول جهدي أن أوجز...
قلت : ثم الاستدلال بفعل الحسين على جواز القيام بالأمر والنهي رغم تعريض الآخرين للهلاك والأذى فاسد وقياس لا يصح ، وذلك ان حسينا عليه السلام ما خرج إلى العراق وقد غلب على ظنه أنه ملاق حتفه هو ومن معه....
عجيب أن يصدر منك ذلك شيخنا الفاضل، فسيدنا الحسين و هو يخرج من المدينة كانت الناس تودعه على أنه شهيد و هو يعلم أنه ماض إلى حتفه، و يعلم أي مكان سيلقى فيه قتلته، و ما إلى ذلك، فهذا القول منك بديع سيدي...
و أما ما نقلته عن تخيير قتلته بين أن يدعوه يخرج إلى الثغور أو يذهب إلى ذلك اليزيد بنفسه و ما إلى ذلك، فإقامة للحجة ليس إلا، و هل يرد ما أخبر عنه رسول الله صلى الله عليه و على آله و سلم؟؟؟ بل كان ذلك منه للأمة بعده بفجور القوم و معدنهم و دناءتهم و خستهم...
فإن كنت مصرا سيدي على أن قياسي بعيد، فأنا لم أقس عليه، و إنما اقتديت به، و بمن جاء بعده من أفضل الناس و أحسنهم دينا...
ثم نأتي إلى مسألة لإفتاء الإمام مالك رحمة الله تعالى أهل المدينة بسقوط بيعتهم مما دعاهم إلى اللحاق بالخارج على الحاكم يومها، فهنا يكفينا يا سيدي كلام الأكابر كما تقول و إنما نحن متبعون لمن هم أعرف منا في كل فن، قال السيوطي في الخلفاء: و ممن أفتى بجواز الخروج مع محمد على المنصور مالك بن أنس رحمه الله و قيل له : إن في أعناقنا بيعة للمنصور فقال : إنما بايعتم مكرهين و ليس على مكره يمين.
قال ابن الأثير :
وكان أهل المدينة قد استفتوا مالك بن أنس في الخروج مع محمد وقالوا: إن في أعناقنا بيعة لأبي جعفر، فقال: إنما بايعتم مكرهين وليس على مكره يمين. فأسرع الناس إلى
محمد ولزم مالك بيته
و على العموم فحتى لا نكثر من النقول عبثا، مع أن كل هؤلاء ليسوا إخوانيين، إلا أنك أرجعت رد الرواية لأنها كما قلت أنت متخمة بالمجاهيل، فأنتم أعلم مني و ربما ممن أرودها من غير تعقب، و أما ايرادكم المجهول الوحيد في الرواية سعيد بن عبد الحميد و الرجل معروف الحال وثقه ابن شيبة و صدقه ابن حجر وقال عنه ابن معين لابأس به ,وسمع من مالك بن أنس
و أما إن أردت قوله أخبرني غير واحد، فربما شيخنا الفاضل مما يقوي الرواية و يجعلها مشهورة متواترة، لا يضرب صحتها، و على العموم فليست الرواية هي ما نحب أن نستند عليه، و لكننا لما رأيناك أوردتها في مقام الحجة قابلناك بها...و هي على العموم تثبت بقول مالك في بيعة المكره.. و لو كانت خلاف ذلك لما استسغنا إيرادها...فضلا على أن الإمام مالكا رحمه الله اعتزل الناس بعد مقتل سيدنا النفس الزكية مباشرة كما أورده أهل الرواية...
و أما ما تفضلت به مما ثبت بعدها من تقريب الوزغ له بعد ضرب عامله على المدينة للإمام رحمه الله تعالى فلم أر الشاهد فيها البتة، و اعذر قلة فهمي...
و أما أنك حسبتني أعتمد على ضرب الإمام مالك رحمه الله من قبل عامل المدينة فأنا لم أشر إلى ذلك بتاتا، و لعلني وهمت، فكيف تدرعت بها لترد الرواية؟ مع أن بين ذينك و ذينك فاصلا زمنيا ممتدا...
و أما ترك الوزغ له من غير عقاب، فلأنه لم يكن من الخارجين بيده، و لا كان رحمه الله تعالى ممن لهم النفس في مقابلة الطغاة بالسيف، و ليس هذا مطعنا فيه...
و أما ما أوردته من رواية الطبري توسط الإمام مالك رحمه فهي كما تمسكت بها أنت يتمسك بها مخالفك ليقول لك و كيف يوسط المنصور من يراه ظالما و يرى من يخرج عليه ظالما كذلك، مع أن الإمام مالكا رحمه الله تعالى لم يكن يرى النفس الزكية ظالما، فهل كان يراه كذلك؟ و هل ترى النفس الزكية كان ظالما شيخنا هانئ؟ هذا طبعا لو سلمنا صحة الرواية...
و السؤال الذي يطرح نفسه شيخنا، هل كان الإمام مالك رحمه الله تعالى يرى النفس الزكية ظالما؟ و هل أنت ترى النفس الزكية ظالما رحمه الله تعالى؟
و أما ايرادك لرواية العمري يا شيخنا و إيراد القاضي رحمه الله تعالى مما يبكي حقيقة، فكيف يستساغ أن يقال مثل ذلك عن سيدنا عمر و هو من أعلم الناس بأنه موقوف أمام ربه فمساءل عما ترك الناس عليه و من اختار لهم عليهم، فالأمر فيه خيانة لله و رسوله يا شيخنا...و بذلك تسقط الرواية متنا و أما عن سندها فلا تسأل...
و أما قولك عن معنة يسعك بيتك بأنه مما أجيب عليه بقول مالك فاعذر جهلي و قلة فهمي و حاول أن تشرح العبارة لي، يسعك بيتك هل هي رخصة؟ هل هو واجب؟ هل فيه فضل؟
و أما معتمدكم لحد الآن فهو ما نقلتم عن الإمام مالك رحمه الله تعالى أنه لا ينبغي نصرة الحاكم الظالم فهذا محل اتفاق بيننا، و لاأن نناصر الظالم الخارج عليه، و هذا أيضا نتفق عليه، و لكننا نختلف فقط في كون من خرج عليه ظالما، فنحن نقول أن من خرج عليه مظلوم و أنتم تجعلونه ظالما بخروجه...
قلت سيدي :
أقول : الدفع عن النفس والمال والمسلمين لا يشمل السعي إلى إقامة دولة ديموقراطية تعددية والانخراط في حزب من يروج لها والانخراط في حرب شاملة لأجله فتأمل .
لم يطالبك أحد سيدي بالانخراط في جماعتهم، و لكن كذلك أن نقول كلاما يؤصل لحكم الطاغية على أساس أن كل من يخرج عليه فهو ظالم، فهذا إطلاق لا يحتمله أحد، و قد مر علينا في الجزائر أن جماعة و إن اختلف معها من اختلف- وصلت إلى الحكم بالطريقة النزيهة المرضية فصارت بحكم الواقع هي الحاكمة في البلاد بعد أن استقال الرئيس فتسلط طاغية العسكر على الحكم و صادر اختيار الشعب و فهر المؤمنين بجبروته و اغتصب الحكم، فرأينا ساداتنا العلماء ينكرون على من خرج عليه و في قيادتهم أناس شرفاء مؤمنون، بغض النظر عن الأخطاء التي ارتكبت إلا أنهم كانوا ثلة مؤمنة تسعى إلى تطبيق شرع الله و التمكين لدينه...
و كان على المسلمين جميعا أن يقفوا إلى جانب هذه الثلة ضد ذلك المستبد الغاشم، و لكننا وجدنا السادة العلماء يفتون بأن من خرج على أولئك فهم من كلاب النار و يحرم الخروج على الحاكم و لو كان مغتصبا ظالما جائرا... والله المستعان..
أما سؤالك يا مولاي من نصر هؤلاء الطغمة فلا أفيد في الإجابة على سؤالك من التأمل في كل الثورات العربية بمن يتدرع المستبد قبل أن يتدرع بجيشه، فهو يظهر العلماء الذين ركنوا إليه و استمالهم و قربهم إليه ليفتوه بكل ما ينصر ركنه و يعضده، و لذلك نجد حكومات عربية أصبحت تكون علماء لها و قنوات تعلي أبواقها بكل ما من شأنه أن يخدمها يوما ما..
إن محاولة تصوير الأمر على أنه مسألة منتهية في الفقه، و القول القطعي فيها بذا أو ذاك بعيد، و لا ينبغي أن نحاول تقديم كلام الفقهاء على أنه واقف مع الحاكم المستبد الظالم الطاغية لما في ذلك من غبن على الفقه و الفقهاء... و أنا أعلم أن الإخوة سينقلون أقوالا لفقهاء يخالفون به ما تفضلتم به، و يبقى الأمر ربما في فقه الأقوال و فقه الواقع...
إن محاولتنا القطع بعدم جدوى ما نقوم به يخالفه الواقع الحالي، و يرد بإرادتنا تعليم الناس البذل في سبيل الله من غير انتظار مقابل دنيوي، أن نعلمهم كيف أن من خرج عصبية أو شجاعة أو لغير ذلك فهو في سبيل ما خرج إليه، و أنه من مات لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله، و لا سبيل لتزكية أحد على أحد و لا لاطلاع أحد على ما لا يعلمه إلا الله...
و قد حاولت أن أبتعد عن حشد الأقوال في مقابلة الأقوال لألا نضيع...
والله أعلى و أعلم و هو يهدي للتي هي أقوم...
فبادئا أعتذر عن كثرة الأخطاء التي تقع فيما أكتب لفرط التسرع ربما أو لعدم المراجعة لما أكتب و لعل كثيرا منه لقلة بضاعتي في اللغة...
شكر الله لك شيخنا الفاضل هانئ هنأه الله في الدارين، و الحقيقة أن كلامك لا يعلى عليه فلا فض فوك على ما بينت و شرحت...
نقلت سيدي الفاضل ما روى ابن عبد البر في التمهيد بسنده عن سعيد بن جبير قال قلت لابن عباس : آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر ؟ قال : "إن خشيت أن يقتلك فلا".
و هذا مخالف لما ثبت عن سيدنا سعيد بن جبير، و لو صح لما أفاد غير رأي سيدنا ابن عباس و هو مخالف لما سبق و أشرنا إليه جميعنا من حديث الرسول صلى الله عليه و على آله و سلم و ما قررته، و غاية ما فيه أن يؤخذ على سبيل الترخص، فإن فعل كان من سادة الشهداء كما لا نختلف جميعا، و لست بحاجة لتذكريك كيف قتل سيدنا سعيد بن جبير عليه رحمات الله تترا...
و أما ما نقلته من كلام سيدنا ابن العربي عليه رحمة الله فليس فيه ممسك كذلك، لأننا متفقون على سقوط الفرض من الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر لمن خشي على نفسه أو غيره أو أداه ظنه إلى وقوع منكر أكبر مما سينهي عنه و عدل عن بذل نفسه في سبيل الله ...
و أما مسألة أن يتعرض غيره معه للأذية فبإحدى اثنتين فإما أن يكونوا معه على رأيه و أمره، فحالهم جميعا سواء و ميتتهم جميعا خير ميتة إن شاء الله تعالى، و إما ببطش الظالم و اقتحامه حرمات الله تعالى فذلك منه معتاد و لم يكن بحاجة إلى إنكار الشهيد عليه...
و كذلك ما نقلته عن العيني رحمه الله سيدي فهو مماثل لقول سابقه و نحن ما في هذا اختلفنا، فلسنا مختلفين عن سقوط الفرضية في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و إن كان ذلك لا يسقط إلا باليد و اللسان كما نحن متفقون عليه، أما بالقلب فلا يسقط البتة، و مسألة سقوط الفرضية لا يعني بالاتفاق سقوط أفضلية البذل في سبيل الله يا مولانا...
قلت شيخنا الفاضل :ههنا خلط أخي حسين ، فاول كلامك عن الأمر والنهي ، وآخره عن الخروج على الحاكم الظالم وشتان ما بينهما ....
ليتك تفيدنا في هذا الشتان الذي بينهما يا مولاي، فالخروج على على الحاكم الذي نتكلم فيه يا مولانا إنما هو إنكارا لظلمه و جوره و تعديه، و لعلك فهمت أننا نتكلم عن الحرابة و البغي و قطع الطريق؟؟
و أما قولك : فأما الحسين عليه السلام فلم يكن خارجا على حاكم ظالم فاسق
فلست أدري كيف تسمي فعل سيدنا الحسين عليه السلام و قد عين الصحابي معاوية ابنه اليزيد على سدة الحكم، ثم بويع للوزغ و تمت البيعة له في الأقطار و لما جاء عامله على المدينة ليأخذ البيعة للوزغ من سيدنا الحسين فرفضها سيدنا الحسين ... فثبت أن يزيد عين أولا و تمت له البيعة في الأقطار ثانيا مع تململ عند آحاد الناس في بعض الأقطار كالكوفة التي كانت ناقمة على حكم معاوية كارهة لحكم اليزيد... فالحكم هو كما نقلت سيادتك شيخنا قال الإمام
[ واعلم أن الإمامة تثبت بأحد أمور ثلاثة : إما بيعة أهل الحل والعقد ، وإما بعهد الإمام الذي قبله له وإما بتغلبه ، على الناس ، وحينئذ فلا يشترط فيه شرط لأن من اشتدت وطأته وجبت طاعته
و هذا ما حدث مع سيدنا الحسين يا مولانا فكيف تريد الانفلات مما بدأته؟
و أما ما استشهدت به من قول القطب الدردير رحمة الله عليه فتفلت من قبل سيدنا الدردير رحمه الله تعالى إذ متى اعتبر الاتفاق في التغلب على حكم المسلمين، ثم متى وقع الاتفاق على هؤلاء الظلمة ليحكمونا؟ فإما أن نقيس بالعدل هؤلاء على اليزيد و إما أن نقيس اليزيد على هؤلاء، و هذا الأمر مما يشكل على ساداتنا الفقهاء من القول فيه صراحة و مخالفتهم ما هو باد...
فقولك أن اليزيد لم يكن إمام الوقت .... فكيف يقال إنه قد استقر له الأمر وخرج عليه الحسين باغيا ؟؟
فأما أننا نقول بأن اليزيد كان حاكما في وقته فبالرجوع إلى ما سبق يتضح أنه عين و أخذت له البيعة و أبوه حي، فلم يكن ينبغي حسب تقريرات الفقهاء التي نقلتها أن يخرج عليه أحد، لأن هذه شريعة ثابتة و إنما قام السادة الفقهاء بتقريرها فقط، يعني على حسب مدعاك سيدي ما كان ينبغي أن يخرج لا هو و لا من ادعيت من باقي الأقطار... هذا فضلا عن أن نتكلم عن التغلب الذي حصل له حتى قبل أن يحكم بفعل أبيه ثم هو من بعده، و ما قام به من مخاز لا ينبغي أن يتصور على أنه إنما كان بفعل خروج سيدنا الحسين عليه...
و أما قولك سيدي :
الحسين عليه السلام لم يكن خارجا باغيا كما يظنه البعض...
فلسنا نحن من يقول ذلك شيخنا ، و لكنه على حسب ما تقررونه يكون كذلك..
قلتم شيخنا الفاضل، و إن لم يكن ينبغي أن أتعقب كلامكم و تقريركم إلى أنني أحس أن بذلك ينجلي الكثير من الغموض في المسألة و يستفيد القارئ من خلال ما أستفهم عنه و تبينونه، فمعذرة إن كنت أطيل مع أنني أحاول جهدي أن أوجز...
قلت : ثم الاستدلال بفعل الحسين على جواز القيام بالأمر والنهي رغم تعريض الآخرين للهلاك والأذى فاسد وقياس لا يصح ، وذلك ان حسينا عليه السلام ما خرج إلى العراق وقد غلب على ظنه أنه ملاق حتفه هو ومن معه....
عجيب أن يصدر منك ذلك شيخنا الفاضل، فسيدنا الحسين و هو يخرج من المدينة كانت الناس تودعه على أنه شهيد و هو يعلم أنه ماض إلى حتفه، و يعلم أي مكان سيلقى فيه قتلته، و ما إلى ذلك، فهذا القول منك بديع سيدي...
و أما ما نقلته عن تخيير قتلته بين أن يدعوه يخرج إلى الثغور أو يذهب إلى ذلك اليزيد بنفسه و ما إلى ذلك، فإقامة للحجة ليس إلا، و هل يرد ما أخبر عنه رسول الله صلى الله عليه و على آله و سلم؟؟؟ بل كان ذلك منه للأمة بعده بفجور القوم و معدنهم و دناءتهم و خستهم...
فإن كنت مصرا سيدي على أن قياسي بعيد، فأنا لم أقس عليه، و إنما اقتديت به، و بمن جاء بعده من أفضل الناس و أحسنهم دينا...
ثم نأتي إلى مسألة لإفتاء الإمام مالك رحمة الله تعالى أهل المدينة بسقوط بيعتهم مما دعاهم إلى اللحاق بالخارج على الحاكم يومها، فهنا يكفينا يا سيدي كلام الأكابر كما تقول و إنما نحن متبعون لمن هم أعرف منا في كل فن، قال السيوطي في الخلفاء: و ممن أفتى بجواز الخروج مع محمد على المنصور مالك بن أنس رحمه الله و قيل له : إن في أعناقنا بيعة للمنصور فقال : إنما بايعتم مكرهين و ليس على مكره يمين.
قال ابن الأثير :
وكان أهل المدينة قد استفتوا مالك بن أنس في الخروج مع محمد وقالوا: إن في أعناقنا بيعة لأبي جعفر، فقال: إنما بايعتم مكرهين وليس على مكره يمين. فأسرع الناس إلى
محمد ولزم مالك بيته
و على العموم فحتى لا نكثر من النقول عبثا، مع أن كل هؤلاء ليسوا إخوانيين، إلا أنك أرجعت رد الرواية لأنها كما قلت أنت متخمة بالمجاهيل، فأنتم أعلم مني و ربما ممن أرودها من غير تعقب، و أما ايرادكم المجهول الوحيد في الرواية سعيد بن عبد الحميد و الرجل معروف الحال وثقه ابن شيبة و صدقه ابن حجر وقال عنه ابن معين لابأس به ,وسمع من مالك بن أنس
و أما إن أردت قوله أخبرني غير واحد، فربما شيخنا الفاضل مما يقوي الرواية و يجعلها مشهورة متواترة، لا يضرب صحتها، و على العموم فليست الرواية هي ما نحب أن نستند عليه، و لكننا لما رأيناك أوردتها في مقام الحجة قابلناك بها...و هي على العموم تثبت بقول مالك في بيعة المكره.. و لو كانت خلاف ذلك لما استسغنا إيرادها...فضلا على أن الإمام مالكا رحمه الله اعتزل الناس بعد مقتل سيدنا النفس الزكية مباشرة كما أورده أهل الرواية...
و أما ما تفضلت به مما ثبت بعدها من تقريب الوزغ له بعد ضرب عامله على المدينة للإمام رحمه الله تعالى فلم أر الشاهد فيها البتة، و اعذر قلة فهمي...
و أما أنك حسبتني أعتمد على ضرب الإمام مالك رحمه الله من قبل عامل المدينة فأنا لم أشر إلى ذلك بتاتا، و لعلني وهمت، فكيف تدرعت بها لترد الرواية؟ مع أن بين ذينك و ذينك فاصلا زمنيا ممتدا...
و أما ترك الوزغ له من غير عقاب، فلأنه لم يكن من الخارجين بيده، و لا كان رحمه الله تعالى ممن لهم النفس في مقابلة الطغاة بالسيف، و ليس هذا مطعنا فيه...
و أما ما أوردته من رواية الطبري توسط الإمام مالك رحمه فهي كما تمسكت بها أنت يتمسك بها مخالفك ليقول لك و كيف يوسط المنصور من يراه ظالما و يرى من يخرج عليه ظالما كذلك، مع أن الإمام مالكا رحمه الله تعالى لم يكن يرى النفس الزكية ظالما، فهل كان يراه كذلك؟ و هل ترى النفس الزكية كان ظالما شيخنا هانئ؟ هذا طبعا لو سلمنا صحة الرواية...
و السؤال الذي يطرح نفسه شيخنا، هل كان الإمام مالك رحمه الله تعالى يرى النفس الزكية ظالما؟ و هل أنت ترى النفس الزكية ظالما رحمه الله تعالى؟
و أما ايرادك لرواية العمري يا شيخنا و إيراد القاضي رحمه الله تعالى مما يبكي حقيقة، فكيف يستساغ أن يقال مثل ذلك عن سيدنا عمر و هو من أعلم الناس بأنه موقوف أمام ربه فمساءل عما ترك الناس عليه و من اختار لهم عليهم، فالأمر فيه خيانة لله و رسوله يا شيخنا...و بذلك تسقط الرواية متنا و أما عن سندها فلا تسأل...
و أما قولك عن معنة يسعك بيتك بأنه مما أجيب عليه بقول مالك فاعذر جهلي و قلة فهمي و حاول أن تشرح العبارة لي، يسعك بيتك هل هي رخصة؟ هل هو واجب؟ هل فيه فضل؟
و أما معتمدكم لحد الآن فهو ما نقلتم عن الإمام مالك رحمه الله تعالى أنه لا ينبغي نصرة الحاكم الظالم فهذا محل اتفاق بيننا، و لاأن نناصر الظالم الخارج عليه، و هذا أيضا نتفق عليه، و لكننا نختلف فقط في كون من خرج عليه ظالما، فنحن نقول أن من خرج عليه مظلوم و أنتم تجعلونه ظالما بخروجه...
قلت سيدي :
أقول : الدفع عن النفس والمال والمسلمين لا يشمل السعي إلى إقامة دولة ديموقراطية تعددية والانخراط في حزب من يروج لها والانخراط في حرب شاملة لأجله فتأمل .
لم يطالبك أحد سيدي بالانخراط في جماعتهم، و لكن كذلك أن نقول كلاما يؤصل لحكم الطاغية على أساس أن كل من يخرج عليه فهو ظالم، فهذا إطلاق لا يحتمله أحد، و قد مر علينا في الجزائر أن جماعة و إن اختلف معها من اختلف- وصلت إلى الحكم بالطريقة النزيهة المرضية فصارت بحكم الواقع هي الحاكمة في البلاد بعد أن استقال الرئيس فتسلط طاغية العسكر على الحكم و صادر اختيار الشعب و فهر المؤمنين بجبروته و اغتصب الحكم، فرأينا ساداتنا العلماء ينكرون على من خرج عليه و في قيادتهم أناس شرفاء مؤمنون، بغض النظر عن الأخطاء التي ارتكبت إلا أنهم كانوا ثلة مؤمنة تسعى إلى تطبيق شرع الله و التمكين لدينه...
و كان على المسلمين جميعا أن يقفوا إلى جانب هذه الثلة ضد ذلك المستبد الغاشم، و لكننا وجدنا السادة العلماء يفتون بأن من خرج على أولئك فهم من كلاب النار و يحرم الخروج على الحاكم و لو كان مغتصبا ظالما جائرا... والله المستعان..
أما سؤالك يا مولاي من نصر هؤلاء الطغمة فلا أفيد في الإجابة على سؤالك من التأمل في كل الثورات العربية بمن يتدرع المستبد قبل أن يتدرع بجيشه، فهو يظهر العلماء الذين ركنوا إليه و استمالهم و قربهم إليه ليفتوه بكل ما ينصر ركنه و يعضده، و لذلك نجد حكومات عربية أصبحت تكون علماء لها و قنوات تعلي أبواقها بكل ما من شأنه أن يخدمها يوما ما..
إن محاولة تصوير الأمر على أنه مسألة منتهية في الفقه، و القول القطعي فيها بذا أو ذاك بعيد، و لا ينبغي أن نحاول تقديم كلام الفقهاء على أنه واقف مع الحاكم المستبد الظالم الطاغية لما في ذلك من غبن على الفقه و الفقهاء... و أنا أعلم أن الإخوة سينقلون أقوالا لفقهاء يخالفون به ما تفضلتم به، و يبقى الأمر ربما في فقه الأقوال و فقه الواقع...
إن محاولتنا القطع بعدم جدوى ما نقوم به يخالفه الواقع الحالي، و يرد بإرادتنا تعليم الناس البذل في سبيل الله من غير انتظار مقابل دنيوي، أن نعلمهم كيف أن من خرج عصبية أو شجاعة أو لغير ذلك فهو في سبيل ما خرج إليه، و أنه من مات لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله، و لا سبيل لتزكية أحد على أحد و لا لاطلاع أحد على ما لا يعلمه إلا الله...
و قد حاولت أن أبتعد عن حشد الأقوال في مقابلة الأقوال لألا نضيع...
والله أعلى و أعلم و هو يهدي للتي هي أقوم...
تعليق