الرجاء التعليق العلمى وتوضيح سوء الفهم واللف والدوران ، على بعض أقوال الوهابية التى ينشرونها فى موضوعاتهم ومشاركتهم فى المنتديات ، والتى كانت سبب فى تحير الكثير
ومنها
( 1 ) ما يقوله السلفيون أن الله سبحانه فوق السماءوفوق كل شيء و لا يلزم من هذا أن يكون داخل المكان المخلوق بل هو سبحانه عال على خلقه كل خلقه بما فيه المكان.
أحسب أن كلامي واضح وقد صرحت أن علو الله سبحانه وتعالى علو مطلق ... علو الذات والقدر والمكانة، واستدللت عليه بكلام الله سبحانه {وهو العلي العظيم } .... وأنا لا أسمي هذا الذي أثبته ( فوقية مكانية ) ... بل قلت إن الله سبحانه وتعالى عال علواً مطلقاً على كل الخلق بما فيه المكان ... فما وجه الاعتراض؟
( 2 ) نعم نحن نثبت لله يداً على الحقيقة ـ أي أنها ليست مجازية ـ ولا يعني هذا أننا نثبتها جارحة !
مذهبنا في الصفات أننا نثبت لها معنى يليق بالله سبحانه وتعالى ونفوض العلم بكيفية الصفة ( أي ماهيتها وحقيقتها ) لله سبحانه وتعالى.
فإذا سألتني ما المعنى الذي تثبته لصفة اليد أقول لك:
هي صفة ذاتية خلق الله بها آدم وغرس بها جنة عدن وكتب بها توراة موسى ( كما جاء الخبر )
ولله سبحانه وتعالى يدين وكلتا يديه يمين ( كما أخبر أعلم الخلق بربه ) وهما يدان على الحقيقة فلا يصح أن تؤول اليد بالنعمة لأن نعمه سبحانه لا تعد ولا تحصى لا نعمتان فحسب ولا توصف النعمة باليمين، و لا بالقدرة لأن له سبحانه قدرة لا قدرتان، والقدرة لا توصف باليمين.
وكذلك فإنه سبحانه يطوي السماوات بيمينه، والسماوات والأرض قبضته يوم القيامة ... إلى غير ذلك من الأوصاف الواردة في الكتاب والسنة الدالة على معنى اليد ... .
( 3 ) أحسب أنني قد بينت في المشاركة الأولى مرادي بوضوح من مطلق العلو المثبت بالشرع، لكن الأخ الكريم ما زال يسألني عن العلو المكاني، وقد بينت أكثر من مرة أنه إن أراد به أن الله سبحانه وتعالى داخل المكان ـ والعياذ بالله ـ فنحن لا نقول به، بل نقول إن الله سبحانه وتعالى فوق المكان و{ليس كمثله شيء} ... لا في ذلك و لا في غيره.
( 4 ) قول من قال " والمجسمة يثبتون لله تعالى جهة العلوّ "
تكون قد نسبت السلف للمجسمة .
( 5 ) فهل إثبات أن للصفة حقيقة وماهية طامة من الطامات ... أرجو أن يبين لنا الأخ الكريم من سبقه إلى هذا القول !!
ومع ذلك ...
فكلام الإمام مالك رحمه الله والذي ينسب مثله لشيخه ربيعة ولأم سلمة رضي الله عنها معلوم مشهور ... إذ لما سأله السائل عن كيفية النزول ... لم يقل له إنه لا كيفية له بل قال:
" الكيف مجهول " وفي رواية " الكيف غير معقول "
فكيفية الصفات ـ أي حقيقتها وماهيتها ـ لا تدركها عقولنا وهي مجهولة لنا ... لذا نحن نفوض كيفية الصفات لله سبحانه وتعالى.
( 6 ) ما نقله القرطبي عن السلف وهو قوله رحمه الله:
( ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة.
وخص العرش بذلك لأنهأعظم مخلوقاته، وإنما جهلوا كيفية الاستواء فإنه لاتعلم
حقيقته.)
إن ما نقله القرطبي رحمه الله في العلو والاستواء عن السلف الصالح هو عقيدتنا بحذافيرها...
فهم ـ أي السلف ـ يثبتون استواء حقيقياً لا مجازياً ...
( 7 ) أما بالنسبة لحديث الجارية فأقول:
لقد ذكر الأخ الكريم الأسباب التي تمنع من الاستدلال بحديث الجارية في العقيدة وأول هذه الأسباب ما ذكره من وجود
( صور ونُسخ ) أخرى للحديث:
بداية أقول: إن التعبير بهذين اللفظين غير سديد ... التعبير بالنُسخ يستعمل عند وجود أكثر من نُسخة لصحيح مسلم في بعضها هذا اللفظ وفي بعضها غيره.
حديث مسلم يتعلق بحادثة جرت مع الصحابي معاوية بن الحكم السلمي ... بينما حديث ابن حبان يتحدث عن حادثة أخرى جرت مع الصحابي الشريد بن سويد ! وهذا نص حديث ابن حبان:
عن الشريد بن سويد الثقفي قال : قلت : يا رسول الله إن أمي أوصت أن نعتق عنها رقبة وعندي جارية سوداء قال : ( ادع بها ) فجاءت فقال : ( من ربك ؟ ) قالت : الله قال : ( من أنا ؟ ) قالت : رسول الله قال : ( أعتقها فإنها مؤمنة ).
وهي قصة مختلفة بالكلية كما ترون ...
الغريب أن ابن حبان رحمه الله ذكر حديث معاوية بن الحكم السلمي بلفظ ( أين الله ؟ قالت في السماء ) في موضعين من صحيحه الأول ( باب فرض الإيمان ) والثاني (باب ما يكره للمصلي وما لا يكره ) ...
ومن الجدير بالذكر أن ابن حبان رحمه الله عندما أتى بالحديث في باب (فرض الإيمان) قال قبله (ذكر إثبات الإيمان للمقر بالشهادتين معا ) ...
وهذا يدل على فقه ابن حبان وفهمه للحديث ...
وهو أن المقر بأن الله في السماء مقر بشهادة لا إله إلا الله ... فتأمل ذلك جيداً بارك الله فيك.
وأما حديث مصنف عبد الرزاق فهو من رواية عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن رجل من الأنصار، ومعاوية رضي الله عنه من بني سُليم ولم أجد من عدهم من الأنصار وإن كانوا سكنوا المدينة.
أما حديث الإشارة إلى السماء فلا أعرفه إلا من رواية المسعودي فهو حديث ضعيف لاختلاطه، فإن كان عند الأخ الكريم سند صحيح له فليأتنا به للنظر فيه.
ثم على فرض الصحة فلا أدري وجه المعارضة مع ما في صحيح مسلم !
فالنبي صلى الله عليه وسلم قال لها في كل ما وجدته من روايات الإشارة ( أين الله ؟ ) فهذا يقوي ما عند مسلم ولا يعارضه وهو دليل على مشروعية هذا السؤال لا العكس !!
وأما إشارتها للسماء فهي أيضاً موافقة ل ( في السماء ) !!
لكن الذي آلمني في هذه النقطة حقيقة هو ما يتعلق بكلام الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير ( وهذا هو الصواب في اسم الكتاب لا " تلخيص الحبير " فهذا خطأ شائع )
بداية لا بد أن نعلم أن الحافظ رحمه الله يتكلم ـ أساساً ـ عن حديث أورده الرافعي رحمه الله نصه:
{ روي أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أعجمية أو خرساء فقال : يا رسول الله علي عتق رقبة ، فهل يجزي عني ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم لها : أين الله ؟ فأشارت إلى السماء ثم قال لها : من أنا ؟ فأشارت إلى أنه رسول الله ، فقال : اعتقها فإنها مؤمنة }
ثم أقول إن عبارة الحافظ رحمه الله التي فهم منها الأخ الكريم ما ذكره هي هذه:
ورواه أبو داود من حديث عون بن عبد الله عن عبد الله بن عتبة عن أبي هريرة : { أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم بجارية سوداء ، فقال : يا رسول الله إن علي رقبة مؤمنة ، فقال لها .
أين الله ؟ .
فأشارت إلى السماء بإصبعها ، فقال لها : فمن أنا ؟ .
فأشارت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإلى السماء - يعني أنت رسول الله - فقال : اعتقها فإنها مؤمنة}.
ورواه الحاكم في المستدرك من حديث عون بن عبد الله بن عتبة : حدثني أبي ، عن جدي فذكره ، وفي اللفظ مخالفة كثيرة ، وسياق أبي داود أقرب إلى ما ذكره المصنف ..." انتهى
فمراد الحافظ أيها الأخوة الكرام ـ ويا أخي صاحب الموضوع ـ ليس بيان تناقض نسخ وصور وألفاظ حديث الجارية، بل هو يقول إن حديث الحاكم في لفظه مخالفة كثيرة لحديث أبي داود السابق عليه ـ وكلاهما من رواية عون بن عبد الله ـ ثم يبين الحافظ أن (( سياق )) أبي داود أقرب إلى ما ذكره الرافعي أعلاه، أي أقرب من رواية الحاكم ... وهذه هي رواية الحاكم حيث روى بسنده عن:
" عون بن عبد الله بن عتبة حدثني أبي : عن جدي قال : جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم بأمة سوداء فقالت : يا رسول الله إن علي رقبة أفتجزئ عني هذه ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : من ربك قالت : ربي الله قال : فما دينك قالت : الإسلام قال : فمن أنا قالت أنت رسول الله : قال فتصلين الخمس و تقرين بما جئت به من عند الله قالت : نعم فضرب على ظهرها و قال أعتقيها "
إذاً إخوتي الكرام ليس مراد الحافظ رحمه الله أن يبين التناقض العظيم في ألفاظ الحديث ـ كما ظن أخي الكريم ـ وهو ما بنى عليه ما بنى من كلام عن الرواية بالمعنى من أجل إبطال الاستدلال بالحديث !
وكيف يكون هذا هو مراد الحافظ وقد صحح رواية مسلم لحديث الجارية واحتج به في شرحه للبخاري المعروف بفتح الباري حيث قال: [ جزء 13 - صفحة 359 ]
"كما في قصة الجارية التي سألها النبي صلى الله عليه وسلم أنت مؤمنة قالت نعم قال فأين الله قالت في السماء فقال اعتقها فانها مؤمنة وهو حديث صحيح أخرجه مسلم"
أما ما ذكره من توجيه العلماء للفظ (( أين )) وهو أن الجارية كانت خرساء ... إلخ، فيبدو أن أخي الكريم قد نسي أن رواية صحيح مسلم الصحيحة فيها ((( قالت ))) في السماء !
أما باقي التأويلات فنحن مع احترامنا لعلمائنا المتقدمين ... فإن الأمر عندما يدور حول تأويل للكلام بما يخالف ما يفهم منه بداهة، وعندما نجد من علمائنا الأجلاء هؤلاء من يمنع صراحة من السؤال ب ( أين الله ) وقد سأل هذا السؤال سيد العلماء ومن هو خير من كل العلماء مجتمعين فإننا لا نملك أن نقلدهم في ذلك.
على كل حال فإن التأويل المذكور تأويل شديد التكلف ...
(أين الله) تعني: هل تعبدين الأصنام أم تعبدين الله الذي حين يدعى ترفع الأيدي إشارة إلى عظم مكانته ؟!!!
لا شك أن مثل هذا التأويل مناسب لعقول علماء الكلام التي تغوص في الدقائق وتتعمق في المعقولات ... أما أن نتصور أن النبي صلى الله عليه وسلم الذي أمره ربه سبحانه وتعالى أن يقول {وما أنا من المتكلفين } أراد مثل هذا المعنى وأن (( الجارية )) راعية الغنم فهمت هذه المعاني العميقة من ذلك السؤال البسيط ... فهذا أشبه بالمحال !
لا أدري ... هل يفرق الأخ الكريم بين التأويل بمعنى التفسير ... والتأويل بمعنى صرف اللفظ عن ظاهره أم لا ؟ وإن كان لا يفرق فلماذا بقينا مجسمة عنده رغم أننا نؤول ؟!!
ومهما يكن من أمر ... فلا أعرف ما الذي ينقمه علينا أخي الكريم من قولنا ( في السماء ) أي ( على السماء )
فبهذا يظهر بطلان السبب
( 9 ) لقد قلتُ وما زلت أقول وسأظل أقول ... نحن لا نقول إن الله سبحانه وتعالى يحويه المكان و لا أي شيء من خلقه ـ تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً ـ فلماذا يصر الأخ الكريم على تقويلنا ما لم نقله ؟!!!
فما يقوله الطحاوي رحمه الله هو عين ما نقوله ...
وقد نقلتُ للأخ الكريم ما ذكره القرطبي (( الأشعري )) رحمه الله من اتفاق السلف الصالح على إثبات الجهة (( العلو )) لله سبحانه وتعالى ... فكيف يكون من يوافق السلف في معتقدهم مخالفاً لعقيدة السنة والجماعة ... وهل أهل السنة والجماعة إلا السلف الصالح ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ؟
.
( 10 ) قال الألباني رحمه الله في السلسلة الضعيفة (ج 15 / ص 235)
وإن من عجيب أمر هؤلاء ... النفاة لعلو الله على عرشه أنهم يتوهمون من إثبات العلو إثبات المكان لله عَزَّ وَجَلَّ ... الله تعالى كان قبل كل شيء ثم خلق الأمكنة والسماوات والأرض وما بينهما ، وقد صح في المعقول وثبت بالواضح من الدليل أنه كان في الأزل لا في مكان كما قال حافظ الأندلس ابن عبدالبر رحمه الله في "التمهيد" (7/135 - 136) - ، فهو تعالى ليس في مكان أزلاً وأبداً .
تعليق