بسم الله الرحمن الرحيم
هذا فصل من كتاب اقتربت من الانتهاء منه إن شاء الله تعالى ..
فيه مذهب المجسمة المعاصرين ادعياء السلفية في قضية الصفات ..
أرجو أن يفيد الإخوة الكرام وينفعهم في كلامهم مع المجسمة وإلزامهم الحجة من كلام شيوخهم .. فالقوم مجمسة بالفعل لكنهم ينفون عن انفسهم هذه الصفة ..
ولكونهم لا يجيدون شوى التقليد بغير وعي ولا فهم لشيوخهم ولم يقرؤوا من كلامهم ما يدل على التجسيم فشوف نوقفهم عليه من كلامهم ..
وسأرفق ما كتبته هنا في ملف وورد أيضا حتى يكون الاطلاع عليه اكثر سهولة إن شاء الله تعالى ..
ولا تنسوا أخاكم من الدعاء بإتمام الكتاب وأن يكتب الله تعالى له القبول في الدنيا والاخرة وينفع به المسملين جميعا ..
ثانيا: قول المجسمة أدعياء السلفية
كما سبق وأشرنا: فمذاهب المجسمة لها وجود قديم , كان ضعيفا في الماضي ولم يكن لها ضوابط تجمعها , حتى رتب أصولها وهذب شواردها الإمام ابن تيمية وتلميذه الإمام ابن القيم ..
والمجسمة في عصرنا هذا تبع لما صنفاه وسطراه ورتباه , وعلى كتبهما مدار الدراسة عند أدعياء السلفية ..
وحاصل مذهبهم في هذه المسألة: أنهم يقولون نثبت لله ما ذكره عن نفسه إثباتا حقيقيا إلى ذاته تعالى , ونفوّض الكيفية .. فنثبت ظواهر النصوص , مع نفي مماثلة الله تعالى لخلقه !!
فنثبت له يدين حقيقيتين , وعينين حقيقيتين , ووجها حقيقيا , وساقًا حقيقية وأصابع حقيقية , واستواء حقيقيا على العرش فوق السماوات بذاته , وهو مستوٍ على العرش استواء استقرار , وواضع قدميه على الكرسي , والكرسي غير العرش , وأن الله تعالى متصف بجهة حقيقية هي جهة فوق , وأنه ينزل بذاته نزولا حقيقيا , ويجيء بذاته مجيئا حقيقيا , ويعجب ويضحك على الحقيقة , ولا نقول أن الله تعالى جسم ولا ننفي ذلك ..!!
وبعبارة أخرى .. يقولون: نثبت معاني هذه الألفاظ على ظاهرها وحقيقتها .. ونفوض كيفيتها إلى الله تعالى .. !!
يقول الشيخ محمد بن صالح العثيمين في شرحه الكبير على الواسطية , عند شرح حديث النزول الذي ذكرناه: (( قوله: "ينزل ربنا إلى السماء الدنيا": نزوله تعالى حقيقي ؛ لأنه كما مر علينا من قبل: أن كل شيء كان الضمير يعود فيه إلى الله فهو يُنسَب إليه حقيقة ..
ثم قال: فعلينا أن نؤمن به ونصدق ونقول: ينزل ربنا إلى السماء الدنيا , وهي أقرب السماوات إلى الأرض , والسماوات سبع , وإنما ينزل عزّ وجلّ في هذا الوقت من الليل للقرب من عباده جلّ وعلا ..
ثم قال: بهذا يتبين أن المراد بالنزول هنا نزول الله نفسه , ولا نحتاج أن نقول بذاته .. ما دام الفعل أضيف إليه , فهو له .. لكن بعض العلماء قالوا: ينزل بذاته , لأنهم لجؤوا إلى ذلك واضطروا إليه , لأن هناك من حرّفوا الحديث وقالوا بل الذي ينزل رحمة الله .. ))( 1) أهـ.
فالشيخ ينسب إلى الله تعالى النزول الحقيقي .. وَذَكَرَ السماوات وعددهن في كلامه , لأن النزول عنده عبارة عن التحرك بقطع المسافة من أعلى إلى أسفل .. وبرهن على ذلك بأن السماء الدنيا أقرب إلى الأرض من بقية السماوات .. !! ثم أكّد على المعنى الحقيقي بقوله: "أن المراد بالنزول هنا نزول الله نفسه" !!
ولا يخفى أن قوله: ينزل بنفسه لا يختلف عن قولهم: ينزل بذاته .. وغاية الأمر أنه أراد أن يصرف اللوم عن بدعتهم بزيادة لفظ الذات , فابتدع هو من عنده لفظا آخر .. فاستبدل البدعة بمثلها أو أشد ..
ثم يقول في نفس الكتاب عند محاولته الجمع بين نصوص الاستواء على العرش وبين نصوص النزول إلى السماء الدنيا: (( نحن نقول: ينزل حقيقةً , مع علُوِّه حقيقةً , وليس كمثله شيء !! ))( 2) أهـ.
قلت: ولا شك أن إثبات حقيقة النزول: الذي هو انتقالٌ وقطعُ مسافةٍ من أعلى إلى أسفل مع إثبات حقيقة العلُوّ: الذي هو تحيُز الجسم في جهة الفَوْقِ .. مع التمسك بنفي المماثلة الوارد في الآية لا يجتمعان , فضلا عن اجتماع حقيقة العلو وحقيقة النزول إلى أسفل في الوقت نفسه ..
ثم يقول ناقلا عن الشيخ ابن تيمية , ومُؤَكِّدًا على مذهبه في إثبات المعنى الحقيقي وتفويض الكيفية: (( وشيخ الإسلام رحمه الله في الرسالة العَرْشِيَّةِ يقول: هو مستوٍ على عرشه , نازل إلى السماء الدنيا , والله أعلم بكيفية ذلك( 3) ..... ))(4 ) أهـ.
وقال أيضا عند محاولته الجمع بين حقيقة الاستواء على العرش في قوله تعالى ﴿ ثم استوى على العرش ﴾ وبين حقيقة المعِيّةِ في قوله تعالى ﴿ وهو معكم أينما كنتم ﴾ كلاما يؤكد اعتقادهم التشبيه: (( قد يجتمع العلو والمعية في المخلوقات , كما سيذكر المؤلف( 5) في قول الناس: ما زلنا نسير والقمر معنا ))( 6) أهـ !!
فالشيخ يضرب المثل هنا: على أن الله تعالى يجوز أن يوصف بالمعنى الحقيقي للعلو , والمعنى الحقيقي للمعية من غير تعارض بينهما .. وشبه ذلك بقول الناس ما زلنا نمشي والقمر معنا .. !!
قلت: ولا شك أن استدلال الشيخ بهذا المثال باطل:
أولا: لأن النص القرآني المُحكم يمنع التشابه بين الخالق والمخلوق بأي وجه من الوجوه .. وهو قوله تعالى: ﴿ ليس كمثله شيء ﴾ .. فمعية القمر وعلوّه لا يشبهان معية الله تعالى وعلوّه بأي وجه من الوجوه , إلا إن كان الشيخ يعتقد ذلك , وهذا ما نقطع به .
ثانيا: أن القمر لا يمشي مع الناس على الحقيقة , بل هو يتحرك بدقة بين منازله ويقطع مساره الكوني الذي حدده الله سبحانه له , لكي يعرف الناس حساب الزمن , كما قال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ﴾(7 ) .. ﴿ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ ..
فعلى ذلك: لا ينطبق المثال المضروب على الصورة المطلوبة من هذا الوجه أيضا.
ثالثا: أن المشي في الحقائق اللغوية والعرفية والشرعية: هو التحرك على القدمين بقطع مسافة على الأرض من مكان إلى مكان .. والمعلوم قطعا أن القمر ليس له أقدام ولا يمشي هكذا على الأرض مع الناس أبدا ..
فيجب حمل معنى الكلام على معنى مَجَازِيٍّ غير المعنى المتبادر إلى الذهن للألفاظ , لأن المعنى المتبادر للذهن هنا مستحيل ..
ومفاد هذا المعنى المجازي: أن القمر ما غاب عن عيونهم , لكونه مرتفعا إلى مدىً يجعل كل من تحته يرونه كأنه معهم ..
ويقول العثيمين أيضا وهو يحاول الجمع بين نصوص الفوقية وبين الحديث الذي فيه أن الله يكون أمام وجه المصلي: (( ... يمكن أن يكون الشيء عاليا وهو قِبَل وجهك .. فهاهو الرجل يستقبل الشمس أول النهار , فتكون أمامه وهي في السماء , ويستقبلها آخر النهار , تكون أمامه وهي في السماء .. فإذا كان هذا ممكنا في المخلوق , ففي الخالق من باب أولى بلا شك .. ))( 8) أهـ.
ولا أظن القارئ اللبيب يجد صعوبة في كشف أن الشيخ يقيس الخالق على المخلوق .. وهل قياس الخالق على المخلوق إلا التشبيه المحض ؟ .. !!
فالشيخ وأهل مذهبه يثبتون لله صفات المخلوقين على اعتبار أنها صفات كمال في المخلوق , وأن كل كمال في المخلوق فهو يثبت للخالق بطريق الأَوْلَى .. !!
يقول العثيمين بعد ذلك عن المثال الذي ضربه شيخه للقمر: (( فإذا كان هذا المخلوق أي القمر - وهو من أصغر المخلوقات نقول إنه معنا وهو في السماء , ولا يعد ذلك تناقضا ولا يقتضي اختلاطا .. فلماذا لا يصح أن نُجري آيات المعية على ظاهرها ونقول: هو معنا حقيقة , وإن كان في السماء فوق كل شيء ))(9 ) أهـ !!!
قلت: ولا تخفى دلائل التشبيه والتجسيم على العاقل في هذا الكلام .. فالشيخ يستنكر على من يعترف بجواز الجمع بين علو القمر في السماء وبين معيته لمن يمشي على الأرض وهو لا يصح على الحقيقة كما وضحنا - , يستنكر عليه أنه لا يعترف بنفس المعنى لله عز وجل , وأنه في السماء ومعنا في الوقت نفسه .. بناء على قاعدتهم التي ألمحنا إليها ، في كون إثبات كمالات المخلوق للخالق من باب أَوْلَى .. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا .. !!
ثم يقول بعد ذلك: (( وهذا الذي حققه شيخ الإسلام في كتبه , وقال: إنه لا حاجة إلى أن نُؤَوّل الآية , بل الآية على ظاهرها ......... فهو معنا حقا , وهو على عرشه حقا ؛ كما نقول إنه ينزل إلى السماء الدنيا حقا , وهو في العلو .. ))(10 ) أهـ.
وإثبات الحقيقة وظاهر الألفاظ الموهمة للتشبيه واضح في كلام الشيخ ولا يحتاج إلى بيان , وزاد عليه الشيخ اعتراضه على التأويل ..
يقول الدكتور صالح الفوزان: (( فأهل السنة( 11) يؤمنون بأسماء الله وصفاته التي سمى الله تعالى بها نفسه أو سماه بها رسوله , من غير تحريف ولا تعطيل , ومن غير تكييف(12 ) ولا تمثيل .. يؤمنون بها ويثبتون معانيها وما تدل عليه , ولكن كيفيتها لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى ))(13 )أهـ.
فهم يثبتون معاني هذه الألفاظ وما تدل عليها , كما سبق وأشرنا , ويفوّضون الكيفية .. على خلاف السلف الذين ينفون الكيفية من الأصل , لأن الكيفية هيئة وصورة ..
ثم إنهم يسمون التفويض والتأويل تعطيلا وتحريفا وتجهيلا وإلحادا وابتداعا , لكي ينفّروا الناس عن الاستماع لأهل السنة من علماء السلف الصالح , وعلماء الخَلَف من الأشاعرة والماتريدية , لخوفهم من انكشاف تلبيسهم على الناس ..
وفي ذلك يقول الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ: (( .. ومن الإلحاد أي في أسماء الله أيضا والميل بها عن الحق الثابت الذي يجب لله جل وعلا: أن تُؤَوَّل وتُصْرَفَ عن ظاهرها لِمَعَانٍ لا يجوز أن تُصرف إليها , فيكون ذلك من التأويل ............ فنؤمن بها , ولا نصرفها عن حقائقها بتأويل أو بمجاز .... كل هذا نوع من أنواع الإلحاد .. ))( 14) أهـ.
أي أن الشيخ يسمي التأويل والمجاز المستخدم في لسان العرب هنا إلحادا .. !!
قال الإمام القرطبي في تفسيره: (( قال تعالى: ﴿ ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ﴾ , قال ابن عباس : الوجه عبارة عنه ..
وقال القرطبي أيضا: أي ويبقى الله , فالوجه عبارة عن وجوده وذاته سبحانه.. وهذا الذي ارتضاه المحققون من علمائنا ابن فورك وأبو المعالي وغيرهم .. ))( 15) أهـ.
فهذا تأويل صريح من حبر الأمة وترجمان القرآن وابن عم رسول الله وصاحبه ..
ويقول الشيخ عبد العزيز بن باز: (( ليس الأسلم تفويض الأمر في الصفات إلى علام الغيوب ؛ لأنه سبحانه بينها لعباده , وأَوْضَحَهَا في كتابه الكريم , وعلى لسان رسوله الأمين , ولم يبين كيفيتها .. فالواجب تفويض علم الكيفية لا علم المعاني .. وليس التفويض مذهب السلف , بل هو مذهب مبتدَع مخالف لما كان عليه السلف الصالح ..))( 16) أهـ.
فالشيخ يدعي أن التفويض مذهب بِدْعِيٌّ , وأنه ليس مذهب السلف , وأن الواجب تفويض الكيفية لا تفويض المعنى ..
قال الإمام الترمذي في سننه: (( والمذهب في هذا عند أهل العلم من الأئمة مثل سفيان الثوري ومالك بن أنس وابن المبارك وابن عيينة ووكيع وغيرهم: أنهم رَوَوْا هذه الأشياء ثم قالوا: تُرْوَى هذه الأحاديث ونؤمن بها ولا يقال كيف ..
وهذا الذي اختاره أهل الحديث: أن تُروَى هذه الأشياء كما جاءت ويؤمَن بها ولا تُفَسَّر ولا تُتَوَهَّم ولا يقال كيف ، وهذا أمر أهل العلم الذي اختاروه وذهبوا إليه ))( 17). اهـ.
وقوله: "يؤمَن بها" إثبات الإيمان بما ورد في النصوص الصحيحة في القرآن والسنة ، وبه يفارقون أصحاب التعطيل .. وقوله: "ولا تفسر ولا تتوهم" تفويض لله تعالى في معانيها , لأن التفسير في لغة العرب هو ذكر المعنى , والتوهم هو تخيل معنى من المعاني التي لا تليق به تعالى .. وقوله: "ولا يقال كيف" نفي للكيفية من الأساس , لأن الله تعالى لا يُسأَل عنه بكيف ، وبه يفارقون أصحاب التشبيه( 18).
كما يقول ابن عثيمين في شرحه المطول على الواسطية في شرح حديث النزول الذي نقلناه قبل ذلك: (( .... بهذا يتبين أن المراد بالنزول هنا نزول الله نفسه , ولا نحتاج أن نقول بذاته .. ما دام الفعل أضيف إليه , فهو له .. لكن بعض العلماء قالوا: ينزل بذاته , لأنهم لجؤوا إلى ذلك واضطروا إليه , لأن هناك من حرّفوا الحديث وقالوا بل الذي ينزل رحمة الله , وقال آخرون: بل الذي ينزل ملك من ملائكة الله , وهذا باطل.. ))( 19) أهـ.
ويقول في شرحه المختصر على الواسطية في الكلام على نفس الحديث: (( .. ومعنى النزول عند أهل السنة: أنه ينزل بنفسه سبحانه , نزولا يليق بجلاله , ولا يعلم كيفيته إلا هو .. ومعناه عند أهل التأويل: نزول أمره , ونرد عليهم بما يأتي:
1- أنه خلاف ظاهر النص وإجماع السلف. ..... إلخ كلامه ))( 20) أهـ.
وها هو قول الإمام أحمد نفسه , يخالف كلام ابن العثيمين , ويؤوّل النزول بأنه ملك ينزل بأمر الله تعالى , فيجمع في كلامه المعنيين اللَّذَيْنِ اعترض عليهما الشيخ , وادعى أنهما خلاف كلام السلف الصالح ..
أخرج البيهقي في الشُّعَبِ حديث: "إن الله عز وجل ينزل ليلة النصف من شعبان إلى السماء الدنيا فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم كلب" .. ثم قال: (( قال أحمد: "وهذا النزول المراد به والله أعلم: فعلا سماه الرسول عليه السلام نزولا بلا انتقال ولا زوال ، أو أراد به نزول ملك من ملائكته بأمره" ))( 21) أهـ.
فَمَنْ أولى بالتصديق عندما يتكلم عن السلف .. هل نصدق الإمام أحمد والإمام الترمذي وأمثالهما رحمهما الله وهما من السلف , أم نصدق ابن باز وابن عثيمين وغيرهم ممن يعيشون معنا , وبينهم وبين السلف خمسة عشر قرنا من الزمان ؟!!
ولم يقف الأمر عند التهويش بوصف الأشاعرة أنهم ملحدون ومحرفون ومعطلون .. بل تجاوز ذلك إلى الشتم بألفاظ لا تصدر عن إنسان سَوِيٍّ من عامة الناس , فضلا عن أن يكون عالما وقدوة يحتذي العوام أفعاله ..
قال الشيخ ابن تيمية: (( .... كما يقال الأَشعرية مخانيثُ المعتزلة ، والمعتزلة مخانيث الفلاسفة .. !!!
ثم قال بعد ذلك في كلام لاحق: ...... وإِنما اعتقادهم أَنَّ القرآن غيرُ موجود ، لفظته الجهمية الذكور بمرَّة , والأشعرية الإناث بعشرِ مرات ..!!!!!))( 22) أهـ.
فهل التلفُّظ بمثل هذا مما يليق بعالم من علماء المسلمين؟ , فضلا عن التهمة الكاذبة للأشاعرة أنهم ينكرون وجود القرآن ..!!
وليس أدل على التلبيس المتعمّد , من أنهم يكذبون عمدا ويدّعون زورا وبهتانا على أهل السنة من الأشاعرة والماتريدية , ليصرفوا الناس عنهم , فينسبون إليهم أقول ومذاهب أهل البدع .. وينتج عن ذلك , أن القارئ الذي لم يطّلع على كتب أهل السنة الأشاعرة والماتريدية يُصَدِّقُ ذلك , لثقته فيهم وإحسان ظنه بهم ..
يقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: (( ..... فإذا كان المشركون جحدوا اسما من أسمائه تعالى , وهو من الأسماء التي دلت على كماله سبحانه وبحمده , فجحود معنى هذا الاسم ونحوه من الأسماء يكون كذلك .. فإن جهم بن صفوان( 23) ومن تبعه يزعمون أنها لا تدل على صفة قائمة بالله تعالى , وتبعهم على ذلك طوائف من المعتزلة والأشاعرة وغيرهم .. فلذلك كفّرهم كثيرون من أهل السنة ..
قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى:
فقالوا: هذه الصفات هي صفات الأجسام , فيلزم من إثباتها أن يكون الله جسما , هذا منشأ ضلال عقولهم ... ))( 24)أهـ.
فالرجل لم يتورع عن أن يضع الأشاعرة الذين يثبتون لله صفات قائمة به تعالى , مع الجهمية والمعتزلة الذين ينكرون اتصافه تعالى بصفات .. مع أن الفرق بين مذهب الجهمية والمعتزلة نفاة الصفات وبين مذهب الأشاعرة مثبتي الصفات يعرفه أصغر طالب علم في الأزهر أو الزيتونة أو حتى في كتاتيب موريتانيا .. !!
وساق الكلام بطريقة يُفْهَمُ منها: أن العلماء حكموا بكفر الأشاعرة , وأن الأشاعرة عند العلماء كالجهمية .. !!
ولم ينقِل حرفا واحد عن هؤلاء العلماء الخمسمائة الذين حكموا على الأشاعرة بالكفر , ولا عن حيثيات هذا الحكم بالتكفير , فضلا عن أن يذكر أسماءهم( 25) .. !!
مع أن التكفير ليس أمرا سهلا حتى يُكتَفَى فيه بحكاية تكفير العلماء , كما أنه تكفير للأغلبية الساحقة من أكابر علماء الأمة ومن تبعهم من عوام المسلمين وقلّدهم في الاعتقاد , فكيف يمر هكذا بدون تأكيد ولا نقل صحيح ..؟!!
ويقول العثيمين في شرحٍ مختصر على الواسطية: (( التحريف لغة التغيير .. واصطلاحا تغيير لفظ النص أو معناه ......... ومثال تغيير المعنى: تغيير معنى استواء الله على عرشه من العلو والاستقرار إلى الاستيلاء والمُلْك , لينتفي عنه معنى الاستواء الحقيقي ))( 26) أهـ.
فالشيخ هنا أثبت أن الاستواء هو الاستقرار أي الجلوس في مكان هو فوق العرش - , ويتهم من لا يصف الله تعالى بالجلوس تعريضا بالأشاعرة - أنه محرف للقرآن .. فإما أن تثبت لله تعالى ما تتصف به الأجسام , ثم تناقض نفسك وتقول لا كالأجسام , وإما تكون في نظر الشيخ ملحدا محرفا للقرآن ..!!
ثم يقول: (( والواجب في نصوص الأسماء والصفات: إجراؤها على ظاهرها , وإثبات حقيقتها لله على الوجه اللائق به , وذلك لوجهين:
1- أن صرفها عن ظاهرها مخالف لطريقة النبي وأصحابه.
2- أن صرفها إلى المجاز قول على الله بلا علم وهو حرام. ))(27 ) أهـ.
فلكي يصرف الشيخ انتباه القارئ , قال أن هذه طريقة النبي وأصحابه , وهذا ادعاء منه , سنثبت لك خطأه الآن , ثم في مبحث تأويل السلف .. وادعى أن المجاز قولٌ على الله بغير علم ..
----------------------------------------------------
( 1) شرح العقيدة الواسطية لابن تيمية محمد بن صالح العثيمين, (2/ 13 15), طبعة دار ابن الجوزي.
( 2) المرجع السابق , (2/16).
( 3) لاحظ أن الشيخ هنا لا ينفي التكييف , لكنه فقط يفوض تحديد الكيفية كما هو واضح من اللفظ , وهذا كثير في كلامهم.
( 4) المرجع السابق , (2/17).
(5 ) يقصد ابن تيمية رحمه الله مؤلف الواسطية.
( 6) المرجع السابق , (2/80).
( 7) يونس: [5].
( 8) شرح العقيدة الواسطية لابن تيمية محمد بن صالح العثيمين (2/46) , طبعة دار ابن الجوزي.
( 9) المرجع السابق (2/82) .
( 10) المرجع السابق نفس الصفحة.
( 11) يقصد طائفته من المجسمة , فقد أخبرناك بقول الحافظ ابن الجوزي الحنبلي في أسلافهم ومؤسسي مذهبهم: أنهم ينسبون أنفسهم إلى السنة وإلى الإمام أحمد بن حنبل وهو منهم بريء .
( 12) يقصد بقوله من غير تكييف أنه لا يحدد الكيفية .. ولا يقصد أنه ينفي الكيفية كما مر في كلام ابن تيمية السابق , ويتضح ذلك من قوله في آخر كلامه " ولكن كيفيتها لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى" , فهو يثبت أن لها كيفية , لكنه يفوض معرفتها إلى الله .. ولا يعلم المسكين أن السلف ينفون الكيفية من الأصل , لأن الكيفية هي الهيئة والصورة , وذلك محال على الله تعالى , وسننقل لك من كلام السلف ما يثبت ذلك إن شاء الله تعالى.
( 13) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد لمحمد بن عبد الوهاب - د. صالح فوزان الفوزان (2/142) , طبعة مؤسسة التوحيد الخيرية.
(14 ) التمهيد لشرح كتاب التوحيد صالح بن عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم آل الشيخ - طبعة دار التوحيد , ص: 508.
(15 ) تفسير القرطبي (17/165) دار عالم الكتب , الرياض.
( 16) مجموعة فتاوى ومقالات متنوعة عبد العزيز بن باز (3/55) , جمع د. محمد بن سعد الشويعر , طبعة جماعة تحفيظ القرآن الكريم بالوشم , الطبعة الثانية 1410هـ - 1990م.
( 17) سنن الترمذي (4 / 492).
( 18) أهل السنة الأشاعرة .. شهادة علماء الأمة وأدلتهم الأستاذان حمد السنان وفوزي العنجري , ص: 148 طبعة دار الضياء - الكويت.
( 19) شرح العقيدة الواسطية لابن تيمية محمد بن صالح العثيمين, (2/ 13 15), طبعة دار ابن الجوزي.
( 20) مذكرة على العقيدة الواسطية العثيمين , ص: 43 طبعة مدار الوطن للنشر , الرياض.
( 21) شعب الإيمان للبيهقي (3/378).
( 22) التسعينية لابن تيمية , ص: (272 276) .
( 23) قال الذهبي في السير (11/27): جهم بن صفوان أبو محرز الراسبي مولاهم السمرقندي , الكاتب المتكلم أُسُّ الضلالة ورأس الجهمية .. كان ينكر الصفات، وينزه الباري عنها بزعمه ، ويقول بخلق القرآن ، ويقول: إن الله في الأمكنة كلها , وأن الإيمان عقد بالقلب وإن تلفظ بالكفر.
وقال الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق (5/318): انتسب إليه خلق كثير ومن قوله إنه كان يزعم أن الله تعالى لا يوصف بأنه شيء , ولا بأنه حي عالم.
(24 ) فتح المجيد شرح كتاب التوحيد عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ دار إحياء التراث العربي ببيروت ص: 402.
( 25) قلت: وقد تلقفوا هذا المنهج في التلبيس والمخادعة وتعمد نسبة الآراء إلى غير قائليها من ابن القيم سامحه الله , فقصيدته النونية مليئة بمثل هذه التلبيسات , كحكاية مذاهب أهل البدع ونسبتها إلى الأشاعرة زورا وبهتانا .. وقد أجاد شيخ الإسلام تقي الدين السبكي في كتابه "السيف الصقيل" وفضح تزوير ابن القيم , وأكمله العلامة محمد زاهد الكوثري رحمه الله تعالى في "تبديد الظلام المخيم" بما يرفع الجهل ويقيم الحجة على كذبه وتزويره .. والكتاب والتكملة طبعتهما المكتبة الأزهرية للتراث بالقاهرة في غلاف واحد.
( 26) مذكرة على العقيدة الواسطية العثيمين , ص: 6 طبعة مدار الوطن للنشر , الرياض.
( 27) المرجع السابق , ص: 8.
يتبع ====>
هذا فصل من كتاب اقتربت من الانتهاء منه إن شاء الله تعالى ..
فيه مذهب المجسمة المعاصرين ادعياء السلفية في قضية الصفات ..
أرجو أن يفيد الإخوة الكرام وينفعهم في كلامهم مع المجسمة وإلزامهم الحجة من كلام شيوخهم .. فالقوم مجمسة بالفعل لكنهم ينفون عن انفسهم هذه الصفة ..
ولكونهم لا يجيدون شوى التقليد بغير وعي ولا فهم لشيوخهم ولم يقرؤوا من كلامهم ما يدل على التجسيم فشوف نوقفهم عليه من كلامهم ..
وسأرفق ما كتبته هنا في ملف وورد أيضا حتى يكون الاطلاع عليه اكثر سهولة إن شاء الله تعالى ..
ولا تنسوا أخاكم من الدعاء بإتمام الكتاب وأن يكتب الله تعالى له القبول في الدنيا والاخرة وينفع به المسملين جميعا ..
ثانيا: قول المجسمة أدعياء السلفية
كما سبق وأشرنا: فمذاهب المجسمة لها وجود قديم , كان ضعيفا في الماضي ولم يكن لها ضوابط تجمعها , حتى رتب أصولها وهذب شواردها الإمام ابن تيمية وتلميذه الإمام ابن القيم ..
والمجسمة في عصرنا هذا تبع لما صنفاه وسطراه ورتباه , وعلى كتبهما مدار الدراسة عند أدعياء السلفية ..
وحاصل مذهبهم في هذه المسألة: أنهم يقولون نثبت لله ما ذكره عن نفسه إثباتا حقيقيا إلى ذاته تعالى , ونفوّض الكيفية .. فنثبت ظواهر النصوص , مع نفي مماثلة الله تعالى لخلقه !!
فنثبت له يدين حقيقيتين , وعينين حقيقيتين , ووجها حقيقيا , وساقًا حقيقية وأصابع حقيقية , واستواء حقيقيا على العرش فوق السماوات بذاته , وهو مستوٍ على العرش استواء استقرار , وواضع قدميه على الكرسي , والكرسي غير العرش , وأن الله تعالى متصف بجهة حقيقية هي جهة فوق , وأنه ينزل بذاته نزولا حقيقيا , ويجيء بذاته مجيئا حقيقيا , ويعجب ويضحك على الحقيقة , ولا نقول أن الله تعالى جسم ولا ننفي ذلك ..!!
وبعبارة أخرى .. يقولون: نثبت معاني هذه الألفاظ على ظاهرها وحقيقتها .. ونفوض كيفيتها إلى الله تعالى .. !!
يقول الشيخ محمد بن صالح العثيمين في شرحه الكبير على الواسطية , عند شرح حديث النزول الذي ذكرناه: (( قوله: "ينزل ربنا إلى السماء الدنيا": نزوله تعالى حقيقي ؛ لأنه كما مر علينا من قبل: أن كل شيء كان الضمير يعود فيه إلى الله فهو يُنسَب إليه حقيقة ..
ثم قال: فعلينا أن نؤمن به ونصدق ونقول: ينزل ربنا إلى السماء الدنيا , وهي أقرب السماوات إلى الأرض , والسماوات سبع , وإنما ينزل عزّ وجلّ في هذا الوقت من الليل للقرب من عباده جلّ وعلا ..
ثم قال: بهذا يتبين أن المراد بالنزول هنا نزول الله نفسه , ولا نحتاج أن نقول بذاته .. ما دام الفعل أضيف إليه , فهو له .. لكن بعض العلماء قالوا: ينزل بذاته , لأنهم لجؤوا إلى ذلك واضطروا إليه , لأن هناك من حرّفوا الحديث وقالوا بل الذي ينزل رحمة الله .. ))( 1) أهـ.
فالشيخ ينسب إلى الله تعالى النزول الحقيقي .. وَذَكَرَ السماوات وعددهن في كلامه , لأن النزول عنده عبارة عن التحرك بقطع المسافة من أعلى إلى أسفل .. وبرهن على ذلك بأن السماء الدنيا أقرب إلى الأرض من بقية السماوات .. !! ثم أكّد على المعنى الحقيقي بقوله: "أن المراد بالنزول هنا نزول الله نفسه" !!
ولا يخفى أن قوله: ينزل بنفسه لا يختلف عن قولهم: ينزل بذاته .. وغاية الأمر أنه أراد أن يصرف اللوم عن بدعتهم بزيادة لفظ الذات , فابتدع هو من عنده لفظا آخر .. فاستبدل البدعة بمثلها أو أشد ..
ثم يقول في نفس الكتاب عند محاولته الجمع بين نصوص الاستواء على العرش وبين نصوص النزول إلى السماء الدنيا: (( نحن نقول: ينزل حقيقةً , مع علُوِّه حقيقةً , وليس كمثله شيء !! ))( 2) أهـ.
قلت: ولا شك أن إثبات حقيقة النزول: الذي هو انتقالٌ وقطعُ مسافةٍ من أعلى إلى أسفل مع إثبات حقيقة العلُوّ: الذي هو تحيُز الجسم في جهة الفَوْقِ .. مع التمسك بنفي المماثلة الوارد في الآية لا يجتمعان , فضلا عن اجتماع حقيقة العلو وحقيقة النزول إلى أسفل في الوقت نفسه ..
ثم يقول ناقلا عن الشيخ ابن تيمية , ومُؤَكِّدًا على مذهبه في إثبات المعنى الحقيقي وتفويض الكيفية: (( وشيخ الإسلام رحمه الله في الرسالة العَرْشِيَّةِ يقول: هو مستوٍ على عرشه , نازل إلى السماء الدنيا , والله أعلم بكيفية ذلك( 3) ..... ))(4 ) أهـ.
وقال أيضا عند محاولته الجمع بين حقيقة الاستواء على العرش في قوله تعالى ﴿ ثم استوى على العرش ﴾ وبين حقيقة المعِيّةِ في قوله تعالى ﴿ وهو معكم أينما كنتم ﴾ كلاما يؤكد اعتقادهم التشبيه: (( قد يجتمع العلو والمعية في المخلوقات , كما سيذكر المؤلف( 5) في قول الناس: ما زلنا نسير والقمر معنا ))( 6) أهـ !!
فالشيخ يضرب المثل هنا: على أن الله تعالى يجوز أن يوصف بالمعنى الحقيقي للعلو , والمعنى الحقيقي للمعية من غير تعارض بينهما .. وشبه ذلك بقول الناس ما زلنا نمشي والقمر معنا .. !!
قلت: ولا شك أن استدلال الشيخ بهذا المثال باطل:
أولا: لأن النص القرآني المُحكم يمنع التشابه بين الخالق والمخلوق بأي وجه من الوجوه .. وهو قوله تعالى: ﴿ ليس كمثله شيء ﴾ .. فمعية القمر وعلوّه لا يشبهان معية الله تعالى وعلوّه بأي وجه من الوجوه , إلا إن كان الشيخ يعتقد ذلك , وهذا ما نقطع به .
ثانيا: أن القمر لا يمشي مع الناس على الحقيقة , بل هو يتحرك بدقة بين منازله ويقطع مساره الكوني الذي حدده الله سبحانه له , لكي يعرف الناس حساب الزمن , كما قال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ﴾(7 ) .. ﴿ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ ..
فعلى ذلك: لا ينطبق المثال المضروب على الصورة المطلوبة من هذا الوجه أيضا.
ثالثا: أن المشي في الحقائق اللغوية والعرفية والشرعية: هو التحرك على القدمين بقطع مسافة على الأرض من مكان إلى مكان .. والمعلوم قطعا أن القمر ليس له أقدام ولا يمشي هكذا على الأرض مع الناس أبدا ..
فيجب حمل معنى الكلام على معنى مَجَازِيٍّ غير المعنى المتبادر إلى الذهن للألفاظ , لأن المعنى المتبادر للذهن هنا مستحيل ..
ومفاد هذا المعنى المجازي: أن القمر ما غاب عن عيونهم , لكونه مرتفعا إلى مدىً يجعل كل من تحته يرونه كأنه معهم ..
ويقول العثيمين أيضا وهو يحاول الجمع بين نصوص الفوقية وبين الحديث الذي فيه أن الله يكون أمام وجه المصلي: (( ... يمكن أن يكون الشيء عاليا وهو قِبَل وجهك .. فهاهو الرجل يستقبل الشمس أول النهار , فتكون أمامه وهي في السماء , ويستقبلها آخر النهار , تكون أمامه وهي في السماء .. فإذا كان هذا ممكنا في المخلوق , ففي الخالق من باب أولى بلا شك .. ))( 8) أهـ.
ولا أظن القارئ اللبيب يجد صعوبة في كشف أن الشيخ يقيس الخالق على المخلوق .. وهل قياس الخالق على المخلوق إلا التشبيه المحض ؟ .. !!
فالشيخ وأهل مذهبه يثبتون لله صفات المخلوقين على اعتبار أنها صفات كمال في المخلوق , وأن كل كمال في المخلوق فهو يثبت للخالق بطريق الأَوْلَى .. !!
يقول العثيمين بعد ذلك عن المثال الذي ضربه شيخه للقمر: (( فإذا كان هذا المخلوق أي القمر - وهو من أصغر المخلوقات نقول إنه معنا وهو في السماء , ولا يعد ذلك تناقضا ولا يقتضي اختلاطا .. فلماذا لا يصح أن نُجري آيات المعية على ظاهرها ونقول: هو معنا حقيقة , وإن كان في السماء فوق كل شيء ))(9 ) أهـ !!!
قلت: ولا تخفى دلائل التشبيه والتجسيم على العاقل في هذا الكلام .. فالشيخ يستنكر على من يعترف بجواز الجمع بين علو القمر في السماء وبين معيته لمن يمشي على الأرض وهو لا يصح على الحقيقة كما وضحنا - , يستنكر عليه أنه لا يعترف بنفس المعنى لله عز وجل , وأنه في السماء ومعنا في الوقت نفسه .. بناء على قاعدتهم التي ألمحنا إليها ، في كون إثبات كمالات المخلوق للخالق من باب أَوْلَى .. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا .. !!
ثم يقول بعد ذلك: (( وهذا الذي حققه شيخ الإسلام في كتبه , وقال: إنه لا حاجة إلى أن نُؤَوّل الآية , بل الآية على ظاهرها ......... فهو معنا حقا , وهو على عرشه حقا ؛ كما نقول إنه ينزل إلى السماء الدنيا حقا , وهو في العلو .. ))(10 ) أهـ.
وإثبات الحقيقة وظاهر الألفاظ الموهمة للتشبيه واضح في كلام الشيخ ولا يحتاج إلى بيان , وزاد عليه الشيخ اعتراضه على التأويل ..
يقول الدكتور صالح الفوزان: (( فأهل السنة( 11) يؤمنون بأسماء الله وصفاته التي سمى الله تعالى بها نفسه أو سماه بها رسوله , من غير تحريف ولا تعطيل , ومن غير تكييف(12 ) ولا تمثيل .. يؤمنون بها ويثبتون معانيها وما تدل عليه , ولكن كيفيتها لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى ))(13 )أهـ.
فهم يثبتون معاني هذه الألفاظ وما تدل عليها , كما سبق وأشرنا , ويفوّضون الكيفية .. على خلاف السلف الذين ينفون الكيفية من الأصل , لأن الكيفية هيئة وصورة ..
ثم إنهم يسمون التفويض والتأويل تعطيلا وتحريفا وتجهيلا وإلحادا وابتداعا , لكي ينفّروا الناس عن الاستماع لأهل السنة من علماء السلف الصالح , وعلماء الخَلَف من الأشاعرة والماتريدية , لخوفهم من انكشاف تلبيسهم على الناس ..
وفي ذلك يقول الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ: (( .. ومن الإلحاد أي في أسماء الله أيضا والميل بها عن الحق الثابت الذي يجب لله جل وعلا: أن تُؤَوَّل وتُصْرَفَ عن ظاهرها لِمَعَانٍ لا يجوز أن تُصرف إليها , فيكون ذلك من التأويل ............ فنؤمن بها , ولا نصرفها عن حقائقها بتأويل أو بمجاز .... كل هذا نوع من أنواع الإلحاد .. ))( 14) أهـ.
أي أن الشيخ يسمي التأويل والمجاز المستخدم في لسان العرب هنا إلحادا .. !!
قال الإمام القرطبي في تفسيره: (( قال تعالى: ﴿ ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ﴾ , قال ابن عباس : الوجه عبارة عنه ..
وقال القرطبي أيضا: أي ويبقى الله , فالوجه عبارة عن وجوده وذاته سبحانه.. وهذا الذي ارتضاه المحققون من علمائنا ابن فورك وأبو المعالي وغيرهم .. ))( 15) أهـ.
فهذا تأويل صريح من حبر الأمة وترجمان القرآن وابن عم رسول الله وصاحبه ..
ويقول الشيخ عبد العزيز بن باز: (( ليس الأسلم تفويض الأمر في الصفات إلى علام الغيوب ؛ لأنه سبحانه بينها لعباده , وأَوْضَحَهَا في كتابه الكريم , وعلى لسان رسوله الأمين , ولم يبين كيفيتها .. فالواجب تفويض علم الكيفية لا علم المعاني .. وليس التفويض مذهب السلف , بل هو مذهب مبتدَع مخالف لما كان عليه السلف الصالح ..))( 16) أهـ.
فالشيخ يدعي أن التفويض مذهب بِدْعِيٌّ , وأنه ليس مذهب السلف , وأن الواجب تفويض الكيفية لا تفويض المعنى ..
قال الإمام الترمذي في سننه: (( والمذهب في هذا عند أهل العلم من الأئمة مثل سفيان الثوري ومالك بن أنس وابن المبارك وابن عيينة ووكيع وغيرهم: أنهم رَوَوْا هذه الأشياء ثم قالوا: تُرْوَى هذه الأحاديث ونؤمن بها ولا يقال كيف ..
وهذا الذي اختاره أهل الحديث: أن تُروَى هذه الأشياء كما جاءت ويؤمَن بها ولا تُفَسَّر ولا تُتَوَهَّم ولا يقال كيف ، وهذا أمر أهل العلم الذي اختاروه وذهبوا إليه ))( 17). اهـ.
وقوله: "يؤمَن بها" إثبات الإيمان بما ورد في النصوص الصحيحة في القرآن والسنة ، وبه يفارقون أصحاب التعطيل .. وقوله: "ولا تفسر ولا تتوهم" تفويض لله تعالى في معانيها , لأن التفسير في لغة العرب هو ذكر المعنى , والتوهم هو تخيل معنى من المعاني التي لا تليق به تعالى .. وقوله: "ولا يقال كيف" نفي للكيفية من الأساس , لأن الله تعالى لا يُسأَل عنه بكيف ، وبه يفارقون أصحاب التشبيه( 18).
كما يقول ابن عثيمين في شرحه المطول على الواسطية في شرح حديث النزول الذي نقلناه قبل ذلك: (( .... بهذا يتبين أن المراد بالنزول هنا نزول الله نفسه , ولا نحتاج أن نقول بذاته .. ما دام الفعل أضيف إليه , فهو له .. لكن بعض العلماء قالوا: ينزل بذاته , لأنهم لجؤوا إلى ذلك واضطروا إليه , لأن هناك من حرّفوا الحديث وقالوا بل الذي ينزل رحمة الله , وقال آخرون: بل الذي ينزل ملك من ملائكة الله , وهذا باطل.. ))( 19) أهـ.
ويقول في شرحه المختصر على الواسطية في الكلام على نفس الحديث: (( .. ومعنى النزول عند أهل السنة: أنه ينزل بنفسه سبحانه , نزولا يليق بجلاله , ولا يعلم كيفيته إلا هو .. ومعناه عند أهل التأويل: نزول أمره , ونرد عليهم بما يأتي:
1- أنه خلاف ظاهر النص وإجماع السلف. ..... إلخ كلامه ))( 20) أهـ.
وها هو قول الإمام أحمد نفسه , يخالف كلام ابن العثيمين , ويؤوّل النزول بأنه ملك ينزل بأمر الله تعالى , فيجمع في كلامه المعنيين اللَّذَيْنِ اعترض عليهما الشيخ , وادعى أنهما خلاف كلام السلف الصالح ..
أخرج البيهقي في الشُّعَبِ حديث: "إن الله عز وجل ينزل ليلة النصف من شعبان إلى السماء الدنيا فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم كلب" .. ثم قال: (( قال أحمد: "وهذا النزول المراد به والله أعلم: فعلا سماه الرسول عليه السلام نزولا بلا انتقال ولا زوال ، أو أراد به نزول ملك من ملائكته بأمره" ))( 21) أهـ.
فَمَنْ أولى بالتصديق عندما يتكلم عن السلف .. هل نصدق الإمام أحمد والإمام الترمذي وأمثالهما رحمهما الله وهما من السلف , أم نصدق ابن باز وابن عثيمين وغيرهم ممن يعيشون معنا , وبينهم وبين السلف خمسة عشر قرنا من الزمان ؟!!
ولم يقف الأمر عند التهويش بوصف الأشاعرة أنهم ملحدون ومحرفون ومعطلون .. بل تجاوز ذلك إلى الشتم بألفاظ لا تصدر عن إنسان سَوِيٍّ من عامة الناس , فضلا عن أن يكون عالما وقدوة يحتذي العوام أفعاله ..
قال الشيخ ابن تيمية: (( .... كما يقال الأَشعرية مخانيثُ المعتزلة ، والمعتزلة مخانيث الفلاسفة .. !!!
ثم قال بعد ذلك في كلام لاحق: ...... وإِنما اعتقادهم أَنَّ القرآن غيرُ موجود ، لفظته الجهمية الذكور بمرَّة , والأشعرية الإناث بعشرِ مرات ..!!!!!))( 22) أهـ.
فهل التلفُّظ بمثل هذا مما يليق بعالم من علماء المسلمين؟ , فضلا عن التهمة الكاذبة للأشاعرة أنهم ينكرون وجود القرآن ..!!
وليس أدل على التلبيس المتعمّد , من أنهم يكذبون عمدا ويدّعون زورا وبهتانا على أهل السنة من الأشاعرة والماتريدية , ليصرفوا الناس عنهم , فينسبون إليهم أقول ومذاهب أهل البدع .. وينتج عن ذلك , أن القارئ الذي لم يطّلع على كتب أهل السنة الأشاعرة والماتريدية يُصَدِّقُ ذلك , لثقته فيهم وإحسان ظنه بهم ..
يقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: (( ..... فإذا كان المشركون جحدوا اسما من أسمائه تعالى , وهو من الأسماء التي دلت على كماله سبحانه وبحمده , فجحود معنى هذا الاسم ونحوه من الأسماء يكون كذلك .. فإن جهم بن صفوان( 23) ومن تبعه يزعمون أنها لا تدل على صفة قائمة بالله تعالى , وتبعهم على ذلك طوائف من المعتزلة والأشاعرة وغيرهم .. فلذلك كفّرهم كثيرون من أهل السنة ..
قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى:
ولقد تقلد كُفْرَهم خمسون في عشرٍ من العلماء في البلدان
فإن هؤلاء الجهمية ومن وافقهم على التعطيل جحدوا ما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله من صفات كماله ونعوت جلاله , وبنوا هذا التعطيل على أصلٍ باطل أصّلُوه من عند أنفسهم ..فقالوا: هذه الصفات هي صفات الأجسام , فيلزم من إثباتها أن يكون الله جسما , هذا منشأ ضلال عقولهم ... ))( 24)أهـ.
فالرجل لم يتورع عن أن يضع الأشاعرة الذين يثبتون لله صفات قائمة به تعالى , مع الجهمية والمعتزلة الذين ينكرون اتصافه تعالى بصفات .. مع أن الفرق بين مذهب الجهمية والمعتزلة نفاة الصفات وبين مذهب الأشاعرة مثبتي الصفات يعرفه أصغر طالب علم في الأزهر أو الزيتونة أو حتى في كتاتيب موريتانيا .. !!
وساق الكلام بطريقة يُفْهَمُ منها: أن العلماء حكموا بكفر الأشاعرة , وأن الأشاعرة عند العلماء كالجهمية .. !!
ولم ينقِل حرفا واحد عن هؤلاء العلماء الخمسمائة الذين حكموا على الأشاعرة بالكفر , ولا عن حيثيات هذا الحكم بالتكفير , فضلا عن أن يذكر أسماءهم( 25) .. !!
مع أن التكفير ليس أمرا سهلا حتى يُكتَفَى فيه بحكاية تكفير العلماء , كما أنه تكفير للأغلبية الساحقة من أكابر علماء الأمة ومن تبعهم من عوام المسلمين وقلّدهم في الاعتقاد , فكيف يمر هكذا بدون تأكيد ولا نقل صحيح ..؟!!
ويقول العثيمين في شرحٍ مختصر على الواسطية: (( التحريف لغة التغيير .. واصطلاحا تغيير لفظ النص أو معناه ......... ومثال تغيير المعنى: تغيير معنى استواء الله على عرشه من العلو والاستقرار إلى الاستيلاء والمُلْك , لينتفي عنه معنى الاستواء الحقيقي ))( 26) أهـ.
فالشيخ هنا أثبت أن الاستواء هو الاستقرار أي الجلوس في مكان هو فوق العرش - , ويتهم من لا يصف الله تعالى بالجلوس تعريضا بالأشاعرة - أنه محرف للقرآن .. فإما أن تثبت لله تعالى ما تتصف به الأجسام , ثم تناقض نفسك وتقول لا كالأجسام , وإما تكون في نظر الشيخ ملحدا محرفا للقرآن ..!!
ثم يقول: (( والواجب في نصوص الأسماء والصفات: إجراؤها على ظاهرها , وإثبات حقيقتها لله على الوجه اللائق به , وذلك لوجهين:
1- أن صرفها عن ظاهرها مخالف لطريقة النبي وأصحابه.
2- أن صرفها إلى المجاز قول على الله بلا علم وهو حرام. ))(27 ) أهـ.
فلكي يصرف الشيخ انتباه القارئ , قال أن هذه طريقة النبي وأصحابه , وهذا ادعاء منه , سنثبت لك خطأه الآن , ثم في مبحث تأويل السلف .. وادعى أن المجاز قولٌ على الله بغير علم ..
----------------------------------------------------
( 1) شرح العقيدة الواسطية لابن تيمية محمد بن صالح العثيمين, (2/ 13 15), طبعة دار ابن الجوزي.
( 2) المرجع السابق , (2/16).
( 3) لاحظ أن الشيخ هنا لا ينفي التكييف , لكنه فقط يفوض تحديد الكيفية كما هو واضح من اللفظ , وهذا كثير في كلامهم.
( 4) المرجع السابق , (2/17).
(5 ) يقصد ابن تيمية رحمه الله مؤلف الواسطية.
( 6) المرجع السابق , (2/80).
( 7) يونس: [5].
( 8) شرح العقيدة الواسطية لابن تيمية محمد بن صالح العثيمين (2/46) , طبعة دار ابن الجوزي.
( 9) المرجع السابق (2/82) .
( 10) المرجع السابق نفس الصفحة.
( 11) يقصد طائفته من المجسمة , فقد أخبرناك بقول الحافظ ابن الجوزي الحنبلي في أسلافهم ومؤسسي مذهبهم: أنهم ينسبون أنفسهم إلى السنة وإلى الإمام أحمد بن حنبل وهو منهم بريء .
( 12) يقصد بقوله من غير تكييف أنه لا يحدد الكيفية .. ولا يقصد أنه ينفي الكيفية كما مر في كلام ابن تيمية السابق , ويتضح ذلك من قوله في آخر كلامه " ولكن كيفيتها لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى" , فهو يثبت أن لها كيفية , لكنه يفوض معرفتها إلى الله .. ولا يعلم المسكين أن السلف ينفون الكيفية من الأصل , لأن الكيفية هي الهيئة والصورة , وذلك محال على الله تعالى , وسننقل لك من كلام السلف ما يثبت ذلك إن شاء الله تعالى.
( 13) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد لمحمد بن عبد الوهاب - د. صالح فوزان الفوزان (2/142) , طبعة مؤسسة التوحيد الخيرية.
(14 ) التمهيد لشرح كتاب التوحيد صالح بن عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم آل الشيخ - طبعة دار التوحيد , ص: 508.
(15 ) تفسير القرطبي (17/165) دار عالم الكتب , الرياض.
( 16) مجموعة فتاوى ومقالات متنوعة عبد العزيز بن باز (3/55) , جمع د. محمد بن سعد الشويعر , طبعة جماعة تحفيظ القرآن الكريم بالوشم , الطبعة الثانية 1410هـ - 1990م.
( 17) سنن الترمذي (4 / 492).
( 18) أهل السنة الأشاعرة .. شهادة علماء الأمة وأدلتهم الأستاذان حمد السنان وفوزي العنجري , ص: 148 طبعة دار الضياء - الكويت.
( 19) شرح العقيدة الواسطية لابن تيمية محمد بن صالح العثيمين, (2/ 13 15), طبعة دار ابن الجوزي.
( 20) مذكرة على العقيدة الواسطية العثيمين , ص: 43 طبعة مدار الوطن للنشر , الرياض.
( 21) شعب الإيمان للبيهقي (3/378).
( 22) التسعينية لابن تيمية , ص: (272 276) .
( 23) قال الذهبي في السير (11/27): جهم بن صفوان أبو محرز الراسبي مولاهم السمرقندي , الكاتب المتكلم أُسُّ الضلالة ورأس الجهمية .. كان ينكر الصفات، وينزه الباري عنها بزعمه ، ويقول بخلق القرآن ، ويقول: إن الله في الأمكنة كلها , وأن الإيمان عقد بالقلب وإن تلفظ بالكفر.
وقال الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق (5/318): انتسب إليه خلق كثير ومن قوله إنه كان يزعم أن الله تعالى لا يوصف بأنه شيء , ولا بأنه حي عالم.
(24 ) فتح المجيد شرح كتاب التوحيد عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ دار إحياء التراث العربي ببيروت ص: 402.
( 25) قلت: وقد تلقفوا هذا المنهج في التلبيس والمخادعة وتعمد نسبة الآراء إلى غير قائليها من ابن القيم سامحه الله , فقصيدته النونية مليئة بمثل هذه التلبيسات , كحكاية مذاهب أهل البدع ونسبتها إلى الأشاعرة زورا وبهتانا .. وقد أجاد شيخ الإسلام تقي الدين السبكي في كتابه "السيف الصقيل" وفضح تزوير ابن القيم , وأكمله العلامة محمد زاهد الكوثري رحمه الله تعالى في "تبديد الظلام المخيم" بما يرفع الجهل ويقيم الحجة على كذبه وتزويره .. والكتاب والتكملة طبعتهما المكتبة الأزهرية للتراث بالقاهرة في غلاف واحد.
( 26) مذكرة على العقيدة الواسطية العثيمين , ص: 6 طبعة مدار الوطن للنشر , الرياض.
( 27) المرجع السابق , ص: 8.
يتبع ====>
تعليق