الرد على عدنان إبراهيم في بعض المسائل

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • بلال النجار
    مـشـــرف
    • Jul 2003
    • 1128

    #16
    قوله: (إذا آمن الكتابي بمحمد في هذا فلا يعتبر كافراً بمحمد لكنه ليس ملزماً بالاتباع،) اهـ

    أقول: قد بان لك أن هذا مجرّد هذيان، وأنه لا يكون الكتابي ولا غيره مؤمناً بسيدنا محمّد صلى الله عليه وسلّم إلا إذا دخل في دينه وتبع شرعه، وأنه لا معنى للإيمان به بشرط عدم اتباعه، أي أن يقرّ بنبوته ويقول إنه لن يتبعه بل سيبقى على شرعه ودينه الذي هو عليه فهذا ليس مؤمناً به في الواقع، وقد قال بعض اليهود ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلّم، فأنكره عليهم ولم يقبله منهم، وأنكره الله تعالى عليهم ولم يقبله منهم، كما ذكرنا لك في سبب نزول قوله تعالى (لستم على شيء) الآية.

    والإيمان لا يتجزّأ فلا معنى لأن يؤمن بنبوة سيدنا محمد بينما يكون مشركاً بالله تعالى مثلاً، وكما أنه لا يمكنك أن تؤمن ببعض الأركان وتكفر ببعض، ولا ببعض الأنبياء وتكفر ببعض، ولا أن تؤمن ببعض الكتب وتكفر ببعض، فكذلك لا يمكنك أن تؤمن ببعض الكتاب وتكفر ببعض. فكلّ ذلك مخرج من أصل الإيمان. والقرآن الكريم يوجب في نصوص واضحة على جميع الناس -سواء كانوا من أهل الديانات السابقة أو من غيرهم كما نقلنا لك سابقاً- الإيمانَ برسول الله صلى الله عليه وسلّم، ويوجب عليهم اتباعه، وهذا إيجاب أصول فمن لم يحققه فهو كافر، كما أنّ الإيمان به صلى الله عليه وسلّم يستلزم الإيمان بجميع ما قاله وتصديقه فيه، وهو صلى الله عليه وسلّم جاء بشريعة تحرّم وتحلّ وأمر الناس ونهاهم، وألزمهم بالاتباع. وهذا كلّه مستيقن متواتر، ولا يشكّ فيه إلا من فقد عقله. فلا تلتفت يا أخي إلى كلام هذا الإنسان المريض، ولا تغترّ بما يقول، فإن كثيراً مما يقوله مجرّد مغالطات لا تصمد أمام التحقيق. وهو يوهم الناس بأسلوبه المبالغ أنّه قد اكتشف أمراً عظيماً أو وقف على خطأ فاحش وقع فيه العلماء على مرّ العصور، وما أغلب كلامه إلا سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا وقف عليه وتأمله لم يجده شيئاً.


    ثمّ قال: (إن اتبعه فله أجران، النبي يقول: "ثلاثة يؤتون أجرهم مرّتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي" والمعنى أنه إن لم يؤمن بي لكن لم يكفر، لم يتبعني ولم يكفر فله أجر واحد، لكن إن كفر بمحمد وجدّف على محمد واعتبره مهرطقاً وكذاباً، شرع محمد يقول إنه قد كفر بما أنزل الله، لأنّ الذي أنزل ما أتى به محمد هو الذي أنزل التوراة والإنجيل،) اهـ

    أقول: يريد أن يستدلّ بهذا الحديث الشريف على أنه إذا لم يتبع الكتابي سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلّم فله أجر واحد. ولا أدري كيف استدلّ به على ذلك!! فليس في المنطوق دليل على ما يريده عدنان من أنّ له أجراً واحداً إذا أدرك النبي ولم يتبعه، وليس في مفهومه ذلك.

    وما يعنينا من الحديث كما هو عند في البخاري: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ثَلاَثَةٌ لَهُمْ أَجْرَانِ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، آمَنَ بِنَبِيِّهِ وَآمَنَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ...) اهـ

    قال القسطلاني: (أهل الكتاب أي التوراة والإنجيل، أو الإنجيل فقط على القول بأن النصرانية ناسخة لليهودية حال كونه قد (آمن بنبيه) قال الداودي: يعني كان على دين عيسى عليه السلام، وأما اليهود وكثير من النصارى فليسوا من ذلك؛ لأنه لا يجازى على الكفر بالخير) اهـ

    قلت: قوله (وكثير من النصارى) بل الغالبيّة العظمى منهم في عصرنا خاصة كفار مشركون مثلّثة ومؤلهون لسيدنا المسيح ولأمه عليهما السلام في معتقداتهم أهوال عظام ما أنزل الله بها من سلطان هذا إن كانوا على دين أصلاً أي إن لم يكونوا ملحدين غير مؤمنين بوجود الإله أصلاً كما نراه في أوروبا وأمريكا. ومن بلغته الدعوة من الباقين ولم يسلم فهو كافر.

    قال ابن حجر: (قوله ثلاثة لهم أجران ثلاثة مبتدأ والتقدير ثلاثة رجال أو رجال ثلاثة ولهم أجران خبره قوله رجل هو بدل تفصيل أو بدل كل بالنظر إلى المجموع قوله من أهل الكتاب لفظ الكتاب عام ومعناه خاص أي المنزل من عند الله والمراد به التوراة والإنجيل كما تظاهرت به نصوص الكتاب والسنة حيث يطلق أهل الكتاب وقيل المراد به هنا الإنجيل خاصة إن قلنا إن النصرانية ناسخة لليهودية كذا قرره جماعة ولا يحتاج إلى اشتراط النسخ لأن عيسى عليه الصلاة والسلام كان قد أرسل إلى بني إسرائيل بلا خلاف فمن أجابه منهم نسب إليه ومن كذبه منهم واستمر على يهوديته لم يكن مؤمنا فلا يتناوله الخبر لأن شرطه أن يكون مؤمنا بنبيه نعم من دخل في اليهودية من غير بني إسرائيل أو لم يكن بحضرة عيسى عليه السلام فلم تبلغه دعوته يصدق عليه أنه يهودي مؤمن إذ هو مؤمن بنبيه موسى عليه السلام ولم يكذب نبيا آخر بعده فمن أدرك بعثة محمد صلى الله عليه وسلم ممن كان بهذه المثابة وآمن به لايشكل أنه يدخل في الخبر المذكور ومن هذا القبيل العرب الذين كانوا باليمن وغيرها ممن دخل منهم في اليهودية ولم تبلغهم دعوة عيسى عليه السلام لكونه أرسل إلى بني إسرائيل خاصة نعم الإشكال في اليهود الذين كانوا بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم وقد ثبت أن الآية الموافقة لهذا الحديث وهي قوله تعالى أولئك يؤتون أجرهم مرتين نزلت في طائفة آمنوا منهم كعبد الله بن سلام وغيره ففي الطبراني من حديث رفاعة القرظي قالت نزلت هذه الآيات في وفيمن آمن معي وروى الطبراني بإسناد صحيح عن علي بن رفاعة القرظي قال خرج عشرة من أهل الكتاب منهم أبي رفاعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فآمنوا به فأوذوا فنزلت الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون الآيات فهؤلاء من بني إسرائيل ولم يؤمنوا بعيسى بل استمروا على اليهودية إلى أن آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وقد ثبت أنهم يؤتون أجرهم مرتين قال الطيبي فيحتمل إجراء الحديث على عمومه إذ لا يبعد أن يكون طريان الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم سببا لقبول تلك الأديان وإن كانت منسوخة انتهى وسأذكر ما يؤيده بعد ويمكن أن يقال في حق هؤلاء الذين كانوا بالمدينة إنه لم تبلغهم دعوة عيسى عليه السلام لأنها لم تنتشر في أكثر البلاد فاستمروا على يهوديتهم مؤمنين بنبيهم موسى عليه السلام إلى أن جاء الإسلام فآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم فبهذا يرتفع الإشكال إن شاء الله تعالى فوائد الأولى وقع في شرح بن التين وغيره أن الآية المذكورة نزلت في كعب الأحبار وعبد الله بن سلام وهو صواب في عبد الله خطأ في كعب لأن كعبا ليست له صحبة ولم يسلم إلا في عهد عمر بن الخطاب والذي في تفسير الطبري وغيره عن قتادة أنها نزلت في عبد الله بن سلام وسلمان الفارسي وهذا مستقيم لأن عبد الله كان يهوديا فأسلم كما سيأتي في الهجرة وسلمان كان نصرانيا فأسلم كما سيأتي في البيوع وهما صحابيان مشهوران الثانية قال القرطبي الكتابي الذي يضاعف أجره مرتين هو الذي كان على الحق في شرعه عقدا وفعلا إلى أن آمن بنبينا صلى الله عليه وسلم فيؤجر على اتباع الحق الأول والثاني انتهى ويشكل عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى هرقل أسلم يؤتك الله أجرك مرتين وهرقل كان ممن دخل في النصرانية بعد التبديل وقد قدمت بحث شيخ الإسلام في هذا في حديث أبي سفيان في بدء الوحي الثالثة قال أبو عبد الملك البوني وغيره إن الحديث لا يتناول اليهود البتة وليس بمستقيم كما قررناه وقال الداودي ومن تبعه إنه يحتمل أن يتناول جميع الأمم فيما فعلوه من خير كما في حديث حكيم بن حزام الآتي أسلمت على ما أسلفت من خير وهو متعقب لأن الحديث مقيد بأهل الكتاب فلا يتناول غيرهم إلا بقياس الخير على الإيمان وأيضا فالنكتة في قوله آمن بنبيه الإشعار بعلية الأجر أي أن سبب الأجرين الإيمان بالنبيين والكفار ليسوا كذلك ويمكن أن يقال الفرق بين أهل الكتاب وغيرهم من الكفار أن أهل الكتاب يعرفون محمدا صلى الله عليه وسلم كما قال الله تعالى يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل فمن آمن به واتبعه منهم كان له فضل على غيره وكذا من كذبه منهم كان وزره أشد من وزر غيره وقد ورد مثل ذلك في حق نساء النبي صلى الله عليه وسلم لكون الوحي كان ينزل في بيوتهن فإن قيل فلم لم يذكرن في هذا الحديث فيكون العدد أربعة أجاب شيخنا شيخ الإسلام بأن قضيتهن خاصة بهن مقصورة عليهن والثلاثة المذكورة في الحديث مستمرة إلى يوم القيامة وهذا مصير من شيخنا إلى أن قضية مؤمن أهل الكتاب مستمرة وقد ادعى الكرماني اختصاص ذلك بمن آمن في عهد البعثة وعلل ذلك بأن نبيهم بعد البعثة إنما هو محمد صلى الله عليه وسلم باعتبار عموم بعثته انتهى وقضيته أن ذلك أيضا لا يتم لمن كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فإن خصه بمن لم تبلغه الدعوة فلا فرق في ذلك بين عهده وبعده فما قاله شيخنا أظهر والمراد بنسبتهم إلى غير نبينا صلى الله عليه وسلم إنما هو باعتبار ما كانوا عليه قبل ذلك وأما ما قوى به الكرماني دعواه بكون السياق مختلفا حيث قيل في مؤمن أهل الكتاب رجل بالتنكير وفي العبد بالتعريف وحيث زيدت فيه إذا الدالة على معنى الاستقبال فأشعر ذلك بأن الأجرين لمؤمن أهل الكتاب لا يقع في الاستقبال بخلاف العبد انتهى وهو غير مستقيم لأنه مشى فيه مع ظاهر اللفظ وليس متفقا عليه بين الرواة بل هو عند المصنف وغيره مختلف فقد عبر في ترجمة عيسى بإذا في الثلاثة وعبر في النكاح بقوله أيما رجل في المواضع الثلاثة وهي صريحة في التعميم وأما الاختلاف بالتعريف والتنكير فلا أثر له هنا لأن المعرف بلام الجنس مؤداه مؤدى النكرة والله أعلم الرابعة حكم المرأة الكتابية حكم الرجل كما هو مطرد في جل الأحكام حيث يدخلن مع الرجال بالتبعية إلا ما خصه الدليل.....) اهـ

    وقد نقلت هنا أغلب ما قاله لأنه في غاية الإفادة. وما ذكر أنه قدّمه في حديث أبي سفيان في بدء الوحي أعني بحث شيخ الإسلام في هذا (يعني سراج الدين البلقيني) فهو قوله: (واستنبط منه شيخنا شيخ الإسلام أن كل من دان بدين أهل الكتاب كان في حكمهم في المناكحة والذبائح لأن هرقل هو وقومه ليسوا من بني إسرائيل وهم ممن دخل في النصرانية بعد التبديل وقد قال له ولقومه يا أهل الكتاب فدل على أن لهم حكم أهل الكتاب خلافا لمن خص ذلك بالإسرائيليين أو بمن علم أن سلفه ممن دخل في اليهودية أو النصرانية قبل التبديل والله أعلم) اهـ
    وهذا الشرح الوافي من ابن حجر يوضح تماماً المقصود من الحديث. فأين هو مما يقوله عدنان!

    والحديث في مسلم: (رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ، وَأَدْرَكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَآمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَهُ وَصَدَّقَهُ، فَلَهُ أَجْرَانِ) فيه زيادة على البخاري (وأدرك النبي صلى الله عليه وسلّم) وكذلك (واتبعه وصدّقه) والظاهر أن عدنان ترك الزيادة لما أنها لا تساعده في مذهبه الذي لا يوجب على أهل الكتاب اتباع النبي.

    وقول رسول الله صلى الله عليه وسلّم إن لمن آمن من أهل الكتاب أجرين إذا آمن بنبيه وآمن به، توضّح لك من كلام ابن حجر رحمه الله تعالى من يدخلون في هذا الحديث ويصدق بهم أنّ لهم أجرين ومن يخرجون منه.
    وهو لا يستلزم البتّة أن يكون له أجر واحد إن أدرك النبي وصدّق أنه نبي ولم يتّبعه، بل هو عندئذ كافر لا يقبل منه عمل كما بيّنا لك ذلك سابقاً. ولكن إن لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلّم فله أجر واحد كما يظهر من الحديث بشرط كونه مؤمناً لم يلبس إيمانه بظلم أهل الكتاب من شرك وافتراء على الله تعالى ونحو ذلك كما مرّ.

    ومما جاء في كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلى هرقل: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ: سَلاَمٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلاَمِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الأَرِيسِيِّينَ " وَ {يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَنْ لاَ نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}).
    فأمره بالإسلام لتحصيل الأجر المضاعف، ولم يقل له أنت بالخيار إما أن تدخل الإسلام وتتبعني ولك أجران، أو تبقى على دينك ولك أجر واحد! ولو كان مخيّراً لوجب أن يخيّره. وهذا واضح.

    وإن هذا الرجل إذا أراد أن يستدلّ لقول يقوله فإنه يمسك بأيّ كلمة بطرف حديث أو آية، ولا يهمّه أن ينتهج منهج العلماء في ذلك، بأن يجمع الأحاديث الواردة في ذلك الباب من البحث ويرتبها وينظر فيها معاً. وتكرر هذا الأمر منه بهذه الكثرة وفي مواضيع مختلفة هو ما يجعلني أكاد أجزم بأنه صاحب هوى ومتلاعب متغرّض.

    وزيادة على ما أوردناه من نصوص تدل على وجوب اتباعه صلى الله عليه وسلّم سواء من الكتابيين أو من غيرهم نذكر أيضاً:

    قوله عز وجل: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ)
    قال الراغب في تفسيره: (في الآية قولان:
    أحدهما: أن الأسلام هاهنا الاستسلام إلى الله. وتفويض الأمر إليه، وذلك أمر مراد من الناس في كل زمان ومن كل أمة وفي كل شريعة، وقدْ تقدم أن الدين في اللغة الطاعة وفي التعارف: وضع إلهي ينساق به الناس إلى النعيم الدائم، فبيّن تعالى أن من تحرى
    طاعة وانسياقاً إلى النعيم من غير الاستسلام له على ما يأمره به، ويصرفه فيه فلن يقبل منه شيء من أعماله، وهو في الآخرة من الذين خسروا أنفسهم.

    والثاني: أن المراد بالإِسلام شريعة محمد عليه الصلاة والسلام، فبيّن أن من تحرى بعد بعثته شريعة أو طاعة لله من غير متابعته في شريعته فغير مقبول منه، وهذا الوجه داخل في الأول، فمعلوم أن من الاستسلام الانقياد لأوامر من صحّت نبوته وظهر صدقه.) اهـ


    وقال الطنطاوي: (وكل من يطلب دينا سوى دين الإسلام فهو خاسر فقال- تعالى-: «وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ». أى: ومن يطلب دينا سوى دين الإسلام الذي أتى به محمد- عليه الصلاة والسلام- فلن يقبل منه هذا الدين المخالف لدين الإسلام، لأن دين الإسلام الذي جاء به محمد، هو الدين الذي ارتضاه الله لعباده قال- تعالى- «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً»؛ ولأنه هو الدين الذي ختم الله به الديانات، وجمع فيه محاسنها.
    أما عاقبة هذا الطالب لدين سوى دين الإسلام فقد بينها-سبحانه- بقوله: «وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ». أى وهو في الآخرة من الذين خسروا أنفسهم بحرمانهم من ثواب الله، واستحقاقهم لعقابه جزاء ما قدمت أيديهم من كفر وضلال.
    وفي البخاري قال صلى الله عليه وسلّم: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» أى مردود عليه، وغير مقبول منه) اهـ

    ثم أشار الطنطاوي إلى معنى لطيف قال: (وفي الإخبار بالخسران عن الذي يبتغى أى يطلب ديناً سوى الإسلام، إشعار بأن من يتبع ديناً سوى دين الإسلام يكون أشد خسراناً، وأسوأ حالاً، لأن الطلب أقل شراً من الاتباع الفعلي). اهـ
    فهكذا يقرأ القرآن يا عدنان، لا كما يحلو لك وتهوى أن تقرأه!


    وفي مسلم: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ، وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوت وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ»
    والشاهد وجوب الإيمان بما أرسل به عليه الصلاة والسلام ومن ضمنه القرآن العظيم والشرع الشريف وذلك الإيمان يقتضي اتباع ما فيهما واتباع الرسول عليه الصلاة والسلام كما بينّاه مراراً.

    وقال تعالى: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك)
    فهو المبلغ عن الله تعالى
    وقال تعالى: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما أنزل إليهم)
    فسنته المطهرة بيان للكتاب
    وهو قدوة الناس (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة)
    وهو المعصوم الموحى إليه من الله تعالى (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى)
    وقد جعل الله تعالى طاعته طاعته، ومعصيته معصيته سبحانه (ومن يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا).
    فكيف لا يجب اتباع من كانت هذه صفته!؟

    وقال تعالى: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)

    قال تعالى: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ)

    وفي حديث مسلم حين بعث النبي صلى الله عليه وسلّم معاذاً إلى اليمن قال له: (إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ).

    فأمره أنه يدعوهم إلى الشهادتين وهو عنوان الدخول في الإسلام، كما في حديث: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا (في رواية يقولوا) أن لا إلا الله..) الحديث. وبعد أن يشهدوا أمرهم بالقيام بأعمال الإسلام. والشاهد أين قضيّة التخيير التي يذكرها عدنان والأمر عظيم والخطب جلل، والنبي عليه الصلاة والسلام يوصي معاذاً وهو ذاهب إلى أهل الكتاب!

    وفي الحديث: «إِنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَتَى قَوْمَهُ، فَقَالَ: يَا قَوْمِ، إِنِّي رَأَيْتُ الْجَيْشَ، وَإِنِّي أَنَا النَّذِيرُ، فَأَطَاعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَانْطَلَقُوا عَلَى مَهْلِهِمْ فَنَجَوْا، وَكَذَّبَهُ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ، فَأَصْبَحُوا مَكَانَهُمْ، فَصَبَّحَهُمُ الْجَيْشُ وَأَهْلَكَهُمْ وَاجْتَاحَهُمْ، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ أَطَاعَنِي، وَاتَّبَعَ مَا جِئْتُ بِهِ، وَمَثَلُ مَنْ عَصَانِي وَكَذَّبَ مَا جِئْتُ بِهِ مِنَ الْحَقِّ»

    والشاهد في قوله (مثل من أطاعني واتبع ما جئت) وأنّ ذلك هو الناجي والناس فريقان ناج وهالك.


    وفي الحديث: (إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ كِتَابَ اللَّهِ، هُوَ حَبْلُ اللَّهِ، مَنِ اتَّبَعَهُ كَانَ عَلَى الْهُدَى، وَمَنْ تَرَكَهُ كَانَ عَلَى الضَّلَالَةِ)
    والشاهد اتبع القرآن الكريم، وهو ينافي ما قاله عدنان؛ لأنّ من يتبع التوراة أو الإنجيل لا يكون على هدى بل على يكون تاركاً للقرآن ويكون على ضلالة.

    وفي الحديث: «نَحْنُ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهُمْ، فَهَذَا يَوْمُهُمُ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَهَدَانَا اللَّهُ لَهُ، فَهُمْ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ، الْيَهُودُ غَدًا، وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ».
    والشاهد أن أهل الكتاب لنا تبع لأنا أوتينا الكتاب من بعدهم من بعد أن قصّروا وضيّعوا الدين، وجاء كتابنا وشرعنا ناسخاً للشرائع السابقة و(مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ) فهو الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وكتبهم محرفة مبدلة مضيّعة.


    وفي الحديث عن سؤال القبر: (يُقَالُ مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ؟ فَأَمَّا المُؤْمِنُ أَوِ المُوقِنُ - لاَ أَدْرِي بِأَيِّهِمَا قَالَتْ أَسْمَاءُ - فَيَقُولُ: هُوَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالهُدَى، فَأَجَبْنَا وَاتَّبَعْنَا، هُوَ مُحَمَّدٌ ثَلاَثًا»
    والشاهد في قوله أجبنا واتبعنا عند البخاري، وفي رواية آمنّا واتبعنا عند غيره.
    وغير ذلك كثير، ولو تتبعنا الكتاب والسنة للاستدلال على نقض قوله لطال ذلك كثيراً.

    ثم قال عدنان: (ومحمد عرض لنا خطّته المليّة على هذا الأساس، يقول: أنا مجرّد حلقة وإن تكن أخيرة في سلسلة ممتدة، سبقني فيها عيسى الذي سبقه بدوره موسى، وسبقهم أبوهم وشيخهم إبراهيم الموحّد العظيم، وهكذا نوح إلى آدم أبو الأنبياء وأبو البشر، النبي يقول: "الأنبياء أولاد لعلات أو إخوة لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد"، الدين هو التوحيد وهو دين سماوي واحد، أما الشرائع، هذا حلال وهذا حرام فتختلف، ولا بأس أن تختلف، ولكن بشرط كما قلت،) اهـ

    أقول: نعم لا بأس أن تختلف الشرائع وهي مختلفة فعلاً، ولكنّ كلّ رسول يجيء لقوم ينسخ شرعُه شرعَ من قبله ممن جاءوا إلى ذلك القوم -على الأقل- ويجب على قومه اتباعه، وانظر قوله تعالى في سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام: (وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ)
    وانظر سورة الشعراء فهي زاخرة بهذا المعنى.

    إذاً فلا يقبل من المرسَل إليهم مجرّد الاعتراف برسالته والبقاء على شرعهم السابق. ولكن الذي يريده عدنان أنه ما دامت الشرائع تختلف ولا بأس أن تختلف فيجوز ان يبقى من آمن من أهل الكتاب على شريعته ولا يجب عليه أن يتبع شريعة الإسلام التي جاء بها رسول الله علية الصلاة والسلام. وقد رددنا هذا الكلام من قبل، والحديث الشريف الذي ساقه لا يفيد هذا المعنى الذي يريده كما سنبينه إن شاء الله تعالى من شرح القسطلاني.

    وقوله: (أولاد علاّت) بفتح العين وتشديد اللام. والعَلّة: الضرّة؛ مأخوذة من العلل وهي الشربة الثانية بعد الأولى، وكأن الزوج قد عَلَّ منها بعدما كان ناهلاً من الأخرى. وأولاد العلاّت: أولاد الضرّات من رجل واحد. يريد أن الأنبياء أصل دينهم واحد وفروعهم مختلفة، فهم متفقون في الاعتقاديات المسماة بأصول الدين كالتوحيد وسائر علم الكلام، مختلفون في الفروع وهي الفقهيات. (انظر القسطلاني)

    وفي الحديث (أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة) لكونه مبشّرًا بي قبل بعثتي وممهدًا لقواعد ملتي في آخر الزمان تابعًا لشريعتي ناصرًا لديني، فكأننا واحد. (والأنبياء إخوة لعلاّت) استئناف فيه دليل على الحكم السابق، وكأن سائلاً سأل عما هو المقتضي لكونه أولى الناس به فأجاب بذلك. (أمهاتهم شتّى ودينهم) في التوحيد (واحد). ومعنى الحديث أن حاصل أمر النبوّة والغاية القصوى من البعثة التي بعثوا جميعًا لأجلها دعوة الخلق إلى معرفة الحق وإرشادهم إلى ما به ينتظم معاشهم ويحسن معادهم، فهم متفقون في هذا الأصل وإن اختلفوا في تفاريع الشرع التي هي كالموصلة المؤدية والأوعية الحافظة له؛ فعبّر عما هو الأصل المشترك بين الكلّ بالأب ونسبهم إليهم، وعبّر عما يختلفون فيه من الأحكام والشرائع المتفاوتة بالصورة المتقاربة في الغرض بالأمهات، وهو معنى قوله: "أمهاتهم شتّى ودينهم واحد". أو أن المراد أن الأنبياء وإن تباينت أعصارهم وتباعدت أيامهم فالأصل الذي هو السبب في إخراجهم وإبرازهم كلاًّ في عصره أمرّ واحد وهو الدين الحق، فعلى هذا فالمراد بالأمهات الأزمنة التي اشتملت عليهم. (انظر القسطلاني)

    فأين معنى الحديث مما يريده عدنان، انظر كيف يسوق الكلام ويحرفه عن موضعه ليستدل به على ما يريد، سبحان الله في أمر هذا الرجل! نسأل الله لنا وله الهداية، والتوبة، وأن لا يجعله ولا يجعلنا فتنة للناس. آمين.

    يتبع إن شاء الله...
    ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

    تعليق

    • بلال النجار
      مـشـــرف
      • Jul 2003
      • 1128

      #17
      ثمّ قال: (طبعاً هنا سأذكر ما انتهت إليه الكنيسة الكاثوليكيّة ممثلة بالفاتيكان في الستينيّات -كما تعلمون- بعد ثلاث سنوات من البحث والمدارسة -أيها الإخوة- انتهوا بحمد الله وينبغي علينا كمسلمين أن نعرف هذا- إلى أنّ الخلاص (salvation) ممكن خارج الكنيسة وممكن في الإسلام، انتهت الكنيسة الكاثوليكية في روما أنّ المسلم الذي يتبع دينه ويتقي الله يمكن أن يكون مخلّصاً إن شاء الله وأن ينجو وأن يكون من المهتدين) اهـ

      أقول: لا أدري ماذا يمكن أن يسمّى هذا!؟ أهو من باب المعاملة بالمثل أم إبداء التسامح أو الهبل أو ماذا! والله لا يقول هذا الكلام في هذا الموضع إلا رجل خلع الحياء! ما دخل ما انتهت إليه الكنيسة فيما نحن فيه من بحث!
      وإخبار عدنان عما انتهت إليه الكنسية في الستينات هذا الخبر ليس صحيحاً بهذه الصورة المسطحة الساذجة الخالية عن التفاصيل، وليس الأمر خاصاً بالمسلمين يا عدنان. فلماذا تحكيه على هذه الصورة!والقصة حتى يكون لدى القارئ فكرة أن المجمع الفاتيكاني الثاني في مرحلته الرابعة التي بدأت بتاريخ 14 سبتمبر/أيلول 1965 مع الجلسة السادسة منه، وانتهت بتاريخ 7 ديسمبر/كانون الأول 1965 مع الجلسة التاسعة.
      افتتح بولس السادس هذه المرحلة بإعلانه عن عمله على تشكيل مجمع أسقفي مهمته مساعدة البابا في إدارة الكنيسة. كما صدر عنها أيضاً دستور عقائدي حول الإعلان الإلهي ودستور رعوي للكنيسة في العالم المعاصر، بالإضافة لمراسيم تتعلق بوظيفة الأسقف الرعوية وبالتجديد المناسب للحياة الدينية، وأيضاً مراسيم تتحدث عن التثقيف الكهنوتي وعن خدمة وحياة القساوسة، وكذلك عن الأنشطة التبشيرية للكنيسة. كما تمخضت المرحلة الرابعة عن تصريحات تناولت التربية المسيحية والحرية الدينية وعن علاقة الكنيسة مع الأديان الأخرى. وقبل أن يتم اختتام المجمع قام البابا بتشكيل لجان لتضع القرارت المتخذة في حيز التنفيذ واحتفل باختتام المجمع بتاريخ 8 ديسمبر/كانون الأول 1965 (انظر موسوعة ويكيبيديا)

      وما يهمّنا هنا هو الدستور الرعوي
      THE PASTORAL CONSTITUTION ON THE CHURCH IN MODERN WORLD
      (GAUDIUM ET SPES)
      PROMULGATED BY
      HIS HOLINESS, POPE PAUL VI
      ON DECEMBER 7, 1965
      وهو منشور في موقع الفاتيكان بعدة لغات منها الإنجليزية والفرنسية، والنسخة الإنكليزية لمن أراد الاطلاع عليها موجودة في هذا الرابط:

      وستجد عدة فقرات تتحدث عن الخلاص salvation من أهمها الفقرة الأولى من المقدمة التي رحبت بحصول الخلاص لكلّ إنسان، والفقرة 45 التي نصّت على ذلك. وهنالك كلام كثير ومهم في مواضيع حساسة منها كلام الدستور عن تنامي الاحترام لما سماه الآراء والديانات الأخرى في الفقرة 73، وكلام عن حقوق الإنسان في العالم الحديث...إلخ. فلينظره المهتم بقضايا النصارى.

      وخلاصة ما يهمنا منه هو إقراره بإمكان خلاص غير المؤمنين (أي بعقائد الإيمان المسيحي كما ينص عليها الكاثوليك). ولم يكن قرارهم وبحثهم في خصوص المسلمين. فحاصل ما تجده في الدستور الرعوي المذكور أن من لم يؤمن ولم يعمد من كافة البشر سوف ينال الخلاص في القيامة، ويتوقف خلاصه بذلك على أن يكون من ذوى النوايا الحسنة. وهذه المسألة هي من مسائل الخلاف الاعتقادية الأصلية الكبيرة بين الكاثوليك والأرثودكس، إذ طائفة الأرثودكس لا تؤمن بخلاص غير المؤمنين بهذه الطريقة ويعتبرون هذا القرار من الفاتيكان ضربة شيطانية قوية موجهة إلى الإيمان المسيحي، وإلى السعي والاهتمام بالكرازة (أصل الكرازة لغة عندهم المناداة بصوت عال، وفي العرف التبشير العلني بفداء ربهم المسيح للبشرية بنفسه لتخليصها) بموت المسيح وقيامته لإدانة الخلق. كما أن هذه الطريقة من الخلاص مخالفة لوصية المسيح في قوله: "اكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها من آمن واعتمد خلص ومن لم يؤمن يدن" (مر 15:16،16).

      ولا نريد أن نشرح عقائد الإيمان عند طوائفهم والاختلافات فيما بينها إلا أن تلك الاختلافات في المسائل الأصلية والفرعية عند طوائفهم كثيرة جداً، وجميع الطوائف لديها تحفظات كبيرة على قرارات الفاتيكان وعلى منهجه.

      فما هو المراد من كلامك هذا يا عدنان!؟
      هل تريدنا مثلاً أن نقول لهم شكراً لكم ونبشّرهم بالخلاص والنجاة من النار إذا هم أقروا بنبوة سيدنا محمّد وبقوا على دينهم!؟ ما هو المقصود من كلامك هذا؟ ماذا تريدنا أن نفعل لهم؟!

      قال الله تعالى: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ)

      قال أبو السعود: ({ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم} بيان لكمال شدة شكيمة هاتين الطائفتين خاصة إثر بيان ما يعمهما والمشركين من الإصرار على ما هم عليه إلى الموت، وإيراد لا النافية بين المعطوفين لتأكيد النفي لما مر من أن تصلب اليهود في أمثال هذه العظائم أشد من النصارى، والإشعار بأن رضى كل منهما مباين لرضى الأخرى أي لن ترضى عنك اليهود ولو خليتهم وشأنهم حتى تتبع ملتهم ولا النصارى ولو تركتم ودينهم حتى تتبع ملتهم فأوجز النظم ثقة بظهور المراد وفيه من المبالغة في إقناطه صلى الله عليه وسلم من إسلامهم ما لا غاية وراءه فإنهم حيث لم يرضوا عنه عليه السلام ولو خلاهم يفعلون ما يفعلون بل أملوا منه صلى الله عليه وسلم مالا يكاد يدخل تحت الإمكان من اتباعه عليه السلام لملتهم فكيف يتوهم اتباعهم لملته عليه السلام وهذه حالتهم في أنفسهم ومقالتهم فيما بينهم وأما أنهم أظهروها للنبي صلى الله عليه وسلم وشافهوه بذلك وقالوا لن نرضى عنك وإن بالغت في طلب رضانا حتى تتبع ملتنا كما قيل فلا يساعده النظم الكريم بل فيه ما يدل على خلافه فإن قوله عز وجل {قل إن هدى الله هو الهدى} صريح في أن ما وقع هذا جوابا عنه ليس عين تلك العبارة بل ما يستلزم مضمونها أو يلزمه من الدعوة إلى اليهودية والنصرانية وادعاء أن الاهتداء فيهما كقوله عز وجل حكاية عنهم {كونوا هودا أو نصارى تهتدوا} أي قل ردا عليهم إن هدى الله الذي هو الإسلام هو الهدى بالحق والذي يحق ويصح أن يسمى هدى وهو الهدى كله ليس وراءه هدى وما تدعون إليه ليس بهدى بل هو هوى كما يعرب عنه قوله تعالى: {ولئن اتبعت أهواءهم} أي آراءهم الزائغة الصادرة عنهم بقضية شهوات أنفسهم وهي التي عبر عنها فيما قبل بملتهم إذ هي التي ينتمون إليها وأما ما شرعه الله تعالى لهم من الشريعة على لسان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وهو المعنى الحقيقي للملة فقد غيروها تغييرا {بعد الذي جاءك من العلم} أي الوحي أو الدين المعلوم صحته {ما لك من الله} من جهته العزيزة {من ولى} يلي أمرك عموما {ولا نصير} يدفع عنك عقابه وحيث لم يستلزم نفي الولي نفي النصير وسط لا بين المعطوفين لتأكيد النفي وهذا باب التهييج والإلهاب وإلا فأنى يتوهم إمكان اتباعه عليه السلام لملتهم وهو جواب للقسم الذي وطأه اللام واكتفي به عن جواب الشرط) اهـ


      ونبه الراغب على لطيفتين قال: (إنما قال: أهواءهم بلفظ الجمع تنبيهاً على أن لكل هوى غير هوى الآخر، ثم هوى كل واحد منهم لا يتناهى، ونحو ذلك قوله: {وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ}، وقوله: {قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ}، وقوله للمؤمنين: {وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ}، وقال: {وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}، وذلك تحذير من الهوى جملة، وقد تعلق بهده الآية من يجعل الكفر كله ملة واحدة، لأنه جمع بين اليهود والنصارى، وسمي طريقتهما ملة واحدة) اهـ

      فبعد هذا، وبعد ما نقرأه عنهم في كتاب الله تعالى، وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلّم، ماذا تريدنا أن نفعل لهم؟!

      ثم تقول: (انتهوا بحمد الله وينبغي علينا كمسلمين أن نعرف هذا- إلى أنّ الخلاص...إلخ)
      تحمد الله على ما بشّرونا به من الخلاص! وهل ننتظر من هؤلاء أن يعرّفونا بطريق الخلاص وهم الضالّون كما وصفهم الله تعالى في كتابه، ونحن خير أمّة أخرجت للناس وعندنا كتاب الله تعالى وسنّة رسوله!! ما هذه السّفاهة!؟
      ولماذا ينبغي علينا كمسلمين أن نعرف هذا؟! ما علّة هذا الانبغاء!! إن كلامه هذا من المضحك المبكي!

      أتباع الكنيسة الكاثوليكية وغيرها من الكنائس هم قوم مشركون بالله تعالى يؤلهون سيدنا المسيح عليه السلام، ويقولون بالثالوث، وهو معتقد ديني مسيحيّ يعني أن الإله تعالى عما يقولون علواً كبيراً ثلاثة أقانيم، ومن يشرك بالله تعالى شيئاً لا ينفعه أن يعترف بنبوة جميع الانبياء.
      والأكثرون من العلماء على أنّ المشرك يتناول الكفار من أهل الكتاب. وقد قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ). إن اليهود والنصاري كفار على ما هم عليه من الاعتقاد فيحتاجون لأن يسلموا كي يكونوا من الصالحين.

      قال البيضاوي في تفسير سورة البينة: ( (لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب) اليهود والنصارى فإنهم كفروا بالإلحاد في صفات الله سبحانه وتعالى ومن للتبيين (والمشركين) عبدة الأصنام (منفكين) عما كانوا عليه من دينهم أو الوعد باتباع الحق إذ جاءهم الرسول صلى الله عليه وسلم (حتى تأتيهم البينة) الرسول صلى الله عليه وسلم أو القرآن فإنه مبين للحق أو معجزة الرسول بأخلاقه والقرآن بإفحامه من تحدى به) اهـ
      والله تعالى يقول: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا).
      ويقول: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا).
      ويقول: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ * لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ * لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ * تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ * وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ).

      والآيات التي كفّرتهم في القرآن وعرّضت بشركهم وعدم اتباعهم لإبراهيم عليه السلام الموحد العظيم كما تقول يا عدنان- في توحيده الله تعالى كثيرة جداً ومعروفة، منها:
      قوله تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْراً لَّكُمْ إِنَّمَا اللّهُ إِلَـهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَأوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً)
      وقوله تعالى: (لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَـهٍ إِلاَّ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)

      فماذا تريد أن تقول يا عدنان، بعد أن قررت أن اليهود والنصارى لا يجب على من آمن منهم بنبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلّم أن يتبعه ويدخل الإسلام، لماذا تقول هذا الكلام عن الفاتيكان بعد اجتهادك غير المسبوق الذي ذكرته! هل تمهد لتعطيهم صكّ الغفران وتقول إنهم مخلَّصون وهم على ما هم عليه من الشرك والكفر! أتريدنا أن نفهم أن هؤلاء اعترفوا بأن المسلم مخلَّص، وهذا يقتضي أنهم مؤمنون بنبوة سيدنا محمد فهم مخلّصون؟! هل نتوقع منك أن تعلن هذا عمّا قريب!
      أما نحن يا عدنان فلا يمكننا أن نقول إن هؤلاء مخلّصون وهم مقيمون على شركهم، ولا يمكننا أن نقول إن هؤلاء مخلّصون ونحن نقرأ القرآن الكريم ونجد الله تعالى يخبرنا عنهم ما سقناه.


      ثم قال: (ونحن كمسلمين من باب معاودة النظر بعض قطعيّاتنا وثوابتنا، علينا أن نعيد قراءة القرآن بدقّة، انتبهوا، ولا أن يعني- يصرفنا عن ذلك أحاديث آحاد أيها الإخوة ظنيّة، يراد منها أن نقرر مفاهيم أخرى وعقائد أخرى،) اهـ

      أقول: إن كنتَ من باب إعادة النظر في الثوابت والقطعيّات التي في ديننا تفتي بمثل هذه الفتوى، فالفقير إلى الله من باب عدم إعادة النظر في الثوابت والقطعيّات وانطلاقاً من تلك الثوابت نفسها أخشى والله على دينك أن تحلقه حلقاً مثل هذه الاجتهادات. فاتق الله يا رجل، اتق الله!

      تريدنا أن نعيد النظر في الثوابت والقطعيات!!!؟ أهذا كلام يقال...!؟ وتريدنا أن نقرأ القرآن بدقّة..لم لا تقرأه أنت بدقّة وتنتبه لما فيه...؟! وما حكاية الأحاديث الظنيّة التي تصرفنا عن قراءة القرآن بدقة ومعاودة النظر في القطعيات والثوابت والتي يراد منها أن نقرر مفاهيم أخرى وعقائد أخرى!! ما الذي تهذي به يا رجل!! أهذا كلام يقال؟!

      حقاً إنه إذا اجتمع الجهل وقلة الحياء فلا جرم أعضل الداء، وأشكل الدواء، وغلبت الحيرة، وفقد المرشد، وقل المسترشد؛ والله المستعان. لقد فتلتك فاتلات الغرور، وعميت عليك واضحات الأمور. ولا حول ولا قوّة إلا بالله!

      ثمّ قال: (القرآن واضح جداً يقول "ليسوا سواء" يقول "أولئك من الصالحين"، يقول: "وما يفعلوا من خير فلن يكفروه"، يقول: "فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون") اهـ

      أقول: نعم القرآن واضح، وقد تكلّمنا في قوله تعالى "ليسوا سواء"، والآيات التي بعد ذلك إلى قوله: (وما يفعلوا من خير فلن يكفروه والله عليم بالمتقين) بما يكفي وبان للقارئ الكريم بأن القرآن واضح، وأن هذا الرجل واهم أو أنه يستغبي السامعين.

      وأما قوله تعالى: (فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون) فهي آخر قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا) وقد أرجأنا الكلام فيها وكنت أحب أن أحقق كلّ معنى فيها وأبينها بياناً تاماً، ولكن بعد الذي قلناه وحصول المقصود من الرد على دعوى هذا الرجل سأكتفي برد استدلاله بالآية الكريمة على مراده باختصار لأنا قد أطلنا وأمللنا القراء.

      فالآية الكريمة نفسها التي احتجّ بها هي دليل عليه، فقد اشترطت الآية شرطين ليكون المذكورون داخلين في قوله تعالى: (فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون):
      الأول: الإيمان بالله واليوم الآخر. وهذا التعبير يجمع أركان الإيمان الستّة كما بينّا سابقاً. وقد أثبتنا أن من لم يدخل الإسلام من أهل الكتاب بعد بلوغ دعوته إليه فليس محققاً لتلك الأركان، وليس بمؤمن، فقد اختل الشرط الأوّل في أهل الكتاب.

      والثاني: العمل الصالح. فما هو ضابط العمل الصالح يا سعادة المجتهد النحرير؟!!
      أما نحن فنعرف أن ذلك متمثل في المأمورات في ديننا، وأن شرطي قبول العمل هما أن يكون خالصاً لوجه الله تعالى، وأن يكون موافقاً لما جاء به النبي صلّى الله عليه وسلّم. فما ضابطه عندك؟!
      وهل لدى الكنيسة الكاثوليكيّة ممثلة بالفاتيكان قائمة بالمأمورات والمنهيات بحيث يمكن أن يتبعها النصراني مع إيمانه بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلّم فيحصل له الخلاص والنجّاة!! عجبا!


      ثم قال: (ولا داعي للتأويلات التي لا يقوم عليها دليل، والله تبارك وتعالى أعلم، هذا قصارى إيش ما يمكن أن يلخّص في هذا الميدان، وهو قابل للنقاش، كما قلت لكم، والله تبارك وتعالى يقول الحق وهو يهدي السبيل) اهـ

      أقول: أما أنّه لا داعي للتأويلات، فنعم لا داعي للتأويلات لأنّ القرآن الكريم واضح كما رأينا، والآيات الكريمات في غاية الظهور في تقرير وجوب الإيمان به صلى الله عليه وسلّم واتباعه، وأمّا أنه قابل للنقاش فإن كنت تراه كذلك مجرّد رأي عرض لك ويحتمل المناقشة والأخذ والرد بما يمكن أن يظهر بعد ذلك أنّه خطأ، فلم تجعل من خلافه كلاماً فارغاً... ألم يؤثر عن الأئمة قولهم: "كلامنا صواب يحتمل الخطأ، وكلام غيرنا خطأ يحتمل الصواب" هذا هو المنهج في كلّ مسألة اجتهادية ظنيّة، فكيف تسمح لنفسك أن تجعل قول من يخالف قولك الشاذّ هذا، لا بل تجعل قول من خالفتهم -وهم جميع المفسرين وأئمة الدين- قولاً شاذاً وتأويلاً لا يقوم عليه دليل، وكلاماً فارغاً لا تحتمله اللغة، وتحميلاً للقرآن الكريم ما لا يحتمله! ما هذا السّفه! لم تقطع بأنّ كلامك هو الحقّ وكلام غيرك هو الكلام الفارغ! وهم قد استدلوا بأدلة كالجبال وأنت لم تقل شيئاً سوى التهويل والتمثيل والاستعراض والصراخ والهبل... أهذه هي أدلّتك التي تريد أن تكون بها مجتهداً وإماماً مجدداً للدين وزعيماً للمسلمين.. من هو العاقل الذي يخطر بباله أن يجتمع المفسرون والعلماء على قول لا يقوم عليه دليل! ولا تحتمله اللغة! ما هذا الحمق! أهذا كلام رجل عاقل! أتظنّ أنك تقنع بكلامك وأسلوبك هذا عاقلاً فيتبعك!! لقد والله تاه بك الغرور، وطشت طيشة العجول!

      وأنا أتعجّب منك تتكلّم في كلّ شيء وتخبط خبط عشواء وأنت لا تحسب لأحد حساباً، فلا أدري أهو حمق المغامر الأرعن أم طمانينة المغرور!

      وليكن هذا آخر ما أقوله في هذه المسألة، ويليها إن شاء الله تعالى مناقشة لبعض الأحاديث التي كذّبها وردّها بلا وجه حقّ، فإن ردّ هو على ردّي هذا أجبته بحسب ما يلزم. والله تعالى الموفق. والحمد لله ربّ العالمين.


      نهاية المسألة الأولى
      ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

      تعليق

      • سليم حمودة الحداد
        طالب علم
        • Feb 2007
        • 710

        #18
        جزاكم الله خيرا سيدي ...
        و يلزم هذا الدجال أيضا أن يذكر لنا واحدا على الأقل -ان لم يكن جماعة من اليهود او النصارى- ينطبق عليهم أنهم ناجون بإيمانهم بالنبي صلى الله عليه و سلم و اتباعهم لما أنزل اليهم...
        فليذكر لنا من تنطبق عليه هتان الصفتان من المتقدمين أو المتأخرين ...أين هم هؤلاء الذين حكم بنجاتهم ؟؟...أين هو هذا الذي أنزل عليهم و هو قابل لأن يطبق الآن دون القرآن؟؟
        هذا الدجال يريد أن يظهر أمام الغربيين متطورا متقدما متسامحا كاخوانه الكاثوليك ..فليعطنا و ليعطهم مثالا واقعيا على ناج واحد من هؤلاء..
        و نحن ننتظر دجله أين يوصله...ليفتضح على رؤوس الناس ..

        تعليق

        • حاتم مصطفى التليجاني
          طالب علم
          • Dec 2011
          • 140

          #19
          السلام عليكم سيدي بلال، بارك الله فيكم. عملكم متميز كالعادة. أتمنى إن وجدتم الوقت أن تجودوا علينا بالتعليق على هذا الكلام

          تعليق

          • بلال النجار
            مـشـــرف
            • Jul 2003
            • 1128

            #20
            وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته أخي حاتم، سأنظره إن شاء الله تعالى
            ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

            تعليق

            • بلال النجار
              مـشـــرف
              • Jul 2003
              • 1128

              #21
              بسم الله الرحمن الرحيم

              المسألة الثانية
              (إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده) الحديث.


              في هذا الرابط http://www.youtube.com/watch?v=L1rZARCOevs
              بعد 1:06:40 ساعة وست دقائق وأربعين ثانية من تشغيل الفيديو قال عدنان: (حديث آخر تتعارض معه الوقائع التاريخية وقد أخرجه الشيخان، قال عليه الصلاة والسلام: "إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده لتنفقنّ كنوزهما في سبيل الله" والحديث مخرّج في الصحيحين. الجزء الأوّل من النبوءة صحيح بلا امتراء؛ لأنّه في نهاوند وقعت بلاد فارس في سلطة المسلمين، بعد نهاوند بقليل قتل يزدجرد الثالث وكان آخر كسرى، وصدق رسول الله ولم يأت كسرى بعده، انتهت أسرة آل ساسان سلالته انتهت إلى الأبد. ولكن قيصر يا إخواني موجود، وهلك القيصر المعاصر للنبي، وجاء قيصر، وتعرفون كم قيصراً جاء بعده؟! تسعة وستون قيصراً في ثمانمائة سنة. فكيف عاد! إذاً في نوع من الغلط هنا على رسول الله، يبدو أنّ الحديث له أصل، أنّ له أصلاً، يبدو أنّ للحديث أصلاً، ولكن فيه... ولذلك وقع في أحاديث أخرى أيها الإخوة- النبي يقول: "إذا هلك كسرى فلا كسرى، ولكن الروم ذات القرون... هذا صحيح... كلّما هلك قرن أتى قرن" النبي يقول هذا.. صحّ. هتقول لي من أين الخطأ؟ أنا أقول لك: الخطأ من الرواة، الوهم والخطأ والاشتباه، لا نحب أن نتهم رواة الصحيحين بالكذب على رسول الله أبداً، وإنما في خطأ في أوهام.. الصحابة وقعوا فيها، الصحابة كانوا يهمون ويوهلون ويغفلون، فمن باب أولى من بعدهم..) اهـ


              أقول: حاصل اعتراضه أنّه يدّعي أن حديث الصحيحين الذي فيه: (وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده) متعارض مع الوقائع التاريخيّة؛ ذلك أنه بعد أن هلك قيصر جاء بعده تسعة وستون قيصراً في ثمانمائة سنة، وأنّ هنالك حديثاً آخر ينافيه جاء فيه: (لكن الروم ذات القرون، كلما هلك قرن أتى قرن) ولم يذكر في أي كتاب من كتب الحديث ورد. وعليه فقد صحح عدنان الحديث الثاني وادعى أنّ النبي عليه الصلاة والسلام قاله، وأما الحديث الأول فقد كذّبه، واعتبره كذباً على رسول الله وإن لم يتهم رواة الصحيحين بالكذب عليه على حدّ قوله، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلّم لم يقله كما جزم به.


              والأمر في هذا الحديث الشريف هيّن ولا أدري لماذا أقام عدنان الدنيا ولم يقعدها لأجله. وأنا على ثقة بأنّه اطلع على شروح الحديث أو نحو ذلك من بيان مشكل الآثار، ووقف على جواب العلماء عن استشكاله. فالعجب منه لم لم يأخذ بجواباتهم، وما المشكلة في تلك الحلول التي قدّمها العلماء لرفع الإشكال مع أنّها حلول منطقيّة سائغة قريبة ولا تكلّف فيها، تؤدي إلى رفع التعارض بين الواقعة التاريخية كما عبر عنها عدنان وبين الحديث الشريف، وكذلك بين الحديثين الشريفين المدّعى تنافيهما.


              والمشكلة عند عدنان أنه لما وجد أنه بقي لقب قيصر متداولاً لعدد من القياصرة بعد هرقل الذي هلك سنة عشرين للهجرة على ما صححه ابن حجر، قال كيف يصحّ أن يبقى القياصرة والنبي صلى الله عليه وسلّم قال لا قيصر بعده أي بعد هرقل الذي وجه إليه رسول الله صلى الله عليه وسلّم الرسالة الشهيرة. وبدلاً من أن يحاول حلّ هذا الإشكال الذي يظهر بأول النظر بادر إلى ردّ الحديث وتكذيبه ونفي نسبته إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلّم وهذا منهج مرفوض، ومذهب مردود لا يتفق مع أصول أهل السنّة والجماعة، ولا هي طريق علميّة مستقيمة في البحث والنظر.


              والمنهج الصحيح في التعامل مع هذه الحال هو ما نجده مقرراً في أصول الفقه. وتطبيقها العمليّ ما قام به الإمام الشافعيّ رحمه الله تعالى من النظر في سبب الحديث، والنظر في الأحاديث المرويّة في هذا السياق ثمّ شرح ما أشكل فيها. وتعليل امتداد ملك القياصرة، وسرعة تمزّق ملك كسرى بدعاء النبي صلى الله عليه وسلّم.


              وهذا كلام الإمام الشافعي أنقله لك كاملاً من كتاب الأمّ، وبه لا يبقى أدنى إشكال في هذا الحديث، وتتضح الصورة ويجمع بين جميع الأحاديث بلا إشكال إن شاء الله.

              قال رحمه الله تعالى: (فِي إظْهَارِ دِينِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْأَدْيَانِ

              (قَالَ الشَّافِعِيُّ) قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ}

              أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ، وَإِذَا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلَا قَيْصَرُ بَعْدَهُ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ».


              (قَالَ الشَّافِعِيُّ) «لَمَّا أُتِيَ كِسْرَى بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَزَّقَهُ فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُمَزَّقُ مُلْكُهُ».

              (قَالَ الشَّافِعِيُّ) وَحَفِظْنَا أَنَّ «قَيْصَرَ أَكْرَمَ كِتَابَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَوَضَعَهُ فِي مِسْكٍ فَقَالَ: النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَثْبُتُ مُلْكُهُ».

              (قَالَ الشَّافِعِيُّ) وَوَعَدَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - النَّاسَ فَتْحَ فَارِسَ وَالشَّامِ فَأَغْزَى أَبُو بَكْرٍ الشَّامَ عَلَى ثِقَةٍ مِنْ فَتْحِهَا لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَفَتَحَ بَعْضَهَا وَتَمَّ فَتْحُهَا فِي زَمَانِ عُمَرَ وَفَتَحَ الْعِرَاقَ وَفَارِسَ.

              (قَالَ الشَّافِعِيُّ) فَقَدْ أَظْهَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ دِينَهُ الَّذِي بُعِثَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْأَدْيَانِ بِأَنْ أَبَانَ لِكُلِّ مَنْ سَمِعَهُ أَنَّهُ الْحَقُّ وَمَا خَالَفَهُ مِنْ الْأَدْيَانِ بَاطِلٌ وَأَظْهَرَهُ بِأَنَّ جِمَاعَ الشِّرْكِ دِينَانِ دِينُ أَهْلِ الْكِتَابِ وَدِينُ الْأُمِّيِّينَ فَقَهَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْأُمِّيِّينَ حَتَّى دَانُوا بِالْإِسْلَامِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَقَتَلَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَسَبَى حَتَّى دَانَ بَعْضُهُمْ بِالْإِسْلَامِ وَأَعْطَى بَعْضٌ الْجِزْيَةَ صَاغِرِينَ وَجَرَى عَلَيْهِمْ حُكْمُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهَذَا ظُهُورُ الدِّينِ كُلِّهِ قَالَ: وَقَدْ يُقَالُ لَيُظْهِرَنَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ دِينَهُ عَلَى الْأَدْيَانِ حَتَّى لَا يُدَانَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إلَّا بِهِ وَذَلِكَ مَتَى شَاءَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى) اهـ


              قلت: فهذا أولاً تعليل من الإمام الشافعي لتمزّق ملك كسرى وثبوت ملك القياصرة زماناً طويلاً.


              ثم قَالَ الشَّافِعِيُّ: (وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تَنْتَابُ الشَّامَ انْتِيَابًا كَثِيرًا مَعَ مَعَايِشِهَا مِنْهُ وَتَأْتِي الْعِرَاقُ، قَالَ: فَلَمَّا دَخَلَتْ فِي الْإِسْلَامِ ذَكَرَتْ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَوْفَهَا مِنْ انْقِطَاعِ تَعَايُشِهَا بِالتِّجَارَةِ مِنْ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ إذَا فَارَقَتْ الْكُفْرَ وَدَخَلَتْ فِي الْإِسْلَامِ مَعَ خِلَافِ مِلْكِ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ فَقَالَ: النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ») اهـ


              قلت: وهذا منه رحمه الله تعالى ذكر سبب الحديث.
              وهذا الخوف منهم كانوا قد عبّروا عنه للنبيّ صلى الله عليه وسلّم حين شكوا إليه عوزهم، كما جاء في الحديث عند الطبراني عن جبير بن نفير قال: قال ابن حوالة: «كنا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فشكوا إليه الفقر والعري وقلة الشيء، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " أبشروا فوالله لأنا لكثرة الشيء أخوف عليكم من قلته، والله لا يزال هذا الأمر فيكم حتى يفتح لكم جند بالشام، وجند بالعراق، وجند باليمن حتى يعطى الرجل المائة فيسخطها".

              قال عبد الله بن حوالة: ومتى نستطيع الشام مع الروم ذات القرون؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " ليفتحها لكم، ويستخلفكم فيها حتى تظل العصابة منها البيض قمصهم المحلقة أقفاؤهم، قياما على الرويجل الأسيود منكم، ما أمرهم بشيء فعلوه، وإن بها اليوم رجالاً لأنتم أحقر في أعينهم من القردان في أعجاز الإبل» ". رواه الطبراني بإسنادين


              فبشّرهم النبي صلى الله عليه وسلم وطيب قلوبهم بأن ملكهما سيزول عن إقليمي الشام والعراق.


              ثمّ قال الشافعي: (فَلَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ الْعِرَاقِ كِسْرَى بَعْدَهُ ثَبَتَ لَهُ أَمْرٌ بَعْدَهُ) اهـ


              قلت: قوله (ثبت له أمرٌ بعده) قيد في غاية الأهميّة؛ لأنّ الإمام الشافعيّ رحمه الله تعالى متنبه إلى ما استشكل في هذا الحديث من بقاء مملكة الفرس بعد؛ لأن آخرهم قتل في زمان عثمان رضي الله عنه. فإنه عاش بعد تمليكه عشرين سنة أمضى منها نحو سبع سنين بالمدائن ثم خرج منها حين قاربها المسلمون وظل يطوف في أرجاء فارس حتى قتل في خراسان حوالي سنة ثلاثين من الهجرة في خلافة عثمان رضي الله عنه. واسم كسرى هذا يزدجرد الثالث بن شهريار بن برويز بن كسرى أنوشروان الحكيم المشهور.

              وكسرى الذي أرسل إليه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم رسولاً بكتاب فمزقه فدعا عليه الرسول صلى الله عليه وسلّم بأن يمزّق ملكه هو كسرى الثاني الملقب ببرويز ومعناه (المظفر)، وهو ابن هرمز الرابع وحفيد كسرى الأول، وقد قتله ابنه شيروه على عهد رسول الله عليه الصلاة والسلام. ثمّ تمزّق ملكه كما أخبر رسول الله ثمّ لم يثبت لأي من الأكاسرة مُلْكٌ بعد برويز بن هرمز. ثم ملك بعده شيرويه وقتل إخوته السبعة عشر، ثم ندم على قتلهم، وابتلى بالأسقام حتى هلك وكانت مدة ملكه ثمانية أشهر. ثم ملك أزدشير بن شيرويه بن برويز وكان صغيراً ثم قتل أزدشير بن شيرويه وكانت مدة ملكه سنة وستة أشهر. ثم ملك شهريران وهو من قتل أزدشير واستولى على الخزائن والأموال ولبس التاج وجلس على سرير الملك، وكان له صفان من الجند يحفظون، فوقف له ثلاثة إخوة من المتحاملين عليه لاغتصابه الملك، فوقفوا له في جملة الحرس، فلما حاذاهم شهريران طعنه المذكورون فألقوه عن فرسه، وشدّوا في رجل شهريران حبلاً وجروه إقبالاً وإدباراً، لكونه تعرض للملك وليس من بيت المملكة.

              ثم ولوا المُلك بوران بنت كسرى برويز، فأحسنت السيرة، وملكت سنة وأربعة أشهر ثم هلكت. وهي -والله أعلم- التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلّم: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً»، كما في حديث أَبِي بَكْرَةَ عند الترمذي وغيره (واخترنا رواية الترمذي دون غيرها لأن فيها زيادات ليست في غيرها): قَالَ: عَصَمَنِي اللَّهُ بِشَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا هَلَكَ كِسْرَى، قَالَ: «مَنْ اسْتَخْلَفُوا؟» قَالُوا: ابْنَتَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً»...


              ثمّ ولي الملك المسمى خشنشدة من بني عمومة كسرى برويز، ولمّا ملك خشنشدة المذكور لم يهتد إلى تدبير الملك، فكان ملكه أقل من شهر وقتل. ثم ملكت أرزمي بنت كسرى برويز، وكانت أرزمي من أحسن النساء صورة، فخطبها فرخزاد ليتزوجها وكان أعظم الفرس في وقته، فامتنعت من ذلك، ثم أجابته إلى الاجتماع به، فلمّا حضر بالليل أمرت متولي حرسها فقتله.


              وكان رستم بن فرخزاد، وهو الذي تولى قتال المسلمين قائداً لجيش الفرس فيما بعد في القادسية، قد جعله أبوه نائبه على خراسان، فبعد مقتل أبيه جَمَعَ رستم عسكره وقصد أرزمي بنت كسرى برويز، فقتلها آخذاً بثأر أبيه، وكان ملكها ستة أشهر، واختلف عظماء الفرس فيمن يولون فوجدوا رجلاً من عقب أزدشير بن بابك. واسمه كسرى بن مهرخشنش فملكوه، ولما ملك المذكور لم يلق به الملك، فقتلوه بعد أيام.


              ثم وجدوا رجلاً يقال له فيروز بن خستان، يزعم أنه منٍ نسل أنوشروان، فملكوا فيروز المذكور ووضعوا التاج على رأسه، وكان رأسه ضخماً فلم يسعه التاج، فقال: ما ضيق هذا التاج، فتطير العظماء من افتتاح كلامه بالضيق وقالوا: هذا لا يفلح فقتلوه. ثم ملّكوا فرخزاد خسرو من ذرية أنوشروان، فملك ستة أشهر وقتلوه.


              ثم ملّكوا يزد جرد بن شهريار بن برويز بن هرمز بن أنوشروان بن قباذ بن فيروز بن يزجرد بن بهرام جور بن يزد جرد بن بهرام بن سابور ذي الأكتاف بن هرمز بن نرسي بهرام بن بهرام بن هرمز بن سابور بن أزْدشير بن بابك. وكان يزد جرد المذكور مختفياً بإصطخر لما قتل أبوه مع أخوته، حين قتلهم شيرويه حسبما ذكرناه، وبدأ فتح المسلمين بلاد فارس بعد أن مضى من ملكه ثلاث أو أربع سنين، وكان قد ملّك وهو فتى صغير، وحين اقترب المسلمون من المدائن هرب في البلاد نحواً من عشرين سنة، وكان مقتله في خلافة عثمان رضي الله عنه، في سنة إحدى وثلاثين للهجرة، وهو آخر من ملك منهم، ثمّ زال ملكهم بالإسلام زوالاً إلى الأبد. (انظر كتاب الأمم لابن مسكويه، وتاريخ أبي عيسى الترمذي).


              فأنت ترى أن عدنان لم يحقق في المسألة، ولو فعل لربّما ردّ الحديث كلّه ولم يقبل منه قسمه الأول المتعلّق بكسرى ويردّ القسم الثاني. لأنّ الوارد على القسم الثاني منه المتعلّق بقيصر هو عين الوارد على القسم الأوّل منه؛ لأنك ترى كم كسرى عقب كسرى الثاني الذي هلك في زمن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. وإن كان قد تأوّل القسم الأول من الحديث فلم لم يتأوّل القسم الثاني؟!!!

              فعجباً من رجل يدّعي الاجتهاد والتحقيق يناقض نفسه، ولا يبحث بما يكفي ولا يتروّى في بحثه ولا يمعن النظر!



              وتعلم مما نقلناه عن الإمام الشافعيّ قدر تحقيقه وقدر تدبّر علمائنا في الحديث وفهمهم له. فلما ثبت عندهم الحديث، فلا بدّ من فهمه على معنى صحيح مستقيم. فلمّا علموا مناسبة الحديث وسببه كما نقلناه عن الشافعي صار سائغاً تأوله على معنى ثبات الملك واستقراره واستتباب الأمر لمن يملك. وقد سردنا لك أسماء من ملك بعد كسرى الثاني وعلمت أنه ما استتب الأمر لأحد من بعده، وهو من كان قد حكم بضعاً وثلاثين سنة. وقد وجدت حديثاً لعله يشير إلى سبب زوال ملك كسرى هذا وقيصر الآخر. قال عليه الصلاة والسلام: (يهلك كسرى فلا يكون كسرى بعده فإنه يقول أنا ملك الأملاك، ويهلك قيصر فلا يكون قيصر بعده فإنه يقول أنا ملك الأملاك) انظر مجمع الزوائد.


              وقد علمت أن كسرى قد ملك بضعاً وثلاثين سنة حتى استكبر كلّ هذا الاستكبار، وكذلك فلافيوس أغسطس هرقل فقد ظلّ إمبراطوراً نحو ثلاثين سنة حتى قال ما قال. وإن كانت حاله أهون من حال كسرى كما يُعلم من طريقتهما في معاملة كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم.


              ثمّ قال الشافعيّ: («وَإِذَا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ» فَلَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ الشَّامِ قَيْصَر بَعْدَهُ. وَأَجَابَهُمْ عَلى مَا قَالُوا لَهُ وَكَانَ كَمَا قَالَ: لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَطَعَ اللَّهُ الْأَكَاسِرَةَ عَنْ الْعِرَاقِ وَفَارِسَ وَقَيْصَرَ وَمَنْ قَامَ بِالْأَمْرِ بَعْدَهُ عَنْ الشَّامِ.

              (قَالَ الشَّافِعِيُّ): «قَالَ: النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي كِسْرَى يُمَزَّقُ مُلْكُهُ» فَلَمْ يَبْقَ لِلْأَكَاسِرَةِ مِلْكٌ.
              (قَالَ الشَّافِعِيُّ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: «وَقَالَ: فِي قَيْصَرَ يَثْبُتُ مُلْكُهُ» فَثَبَتَ لَهُ مُلْكٌ بِبِلَادِ الرُّومِ إلَى الْيَوْمِ وَتَنَحَّى مُلْكُهُ عَنْ الشَّامِ وَكُلُّ هَذَا أَمْرٌ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا.) اهـ كلامه رحمه الله تعالى.


              أقول: فهذا ما تأوّل به الشافعيّ الحديث، فلا قيصر بعده أي في الشام. فكان هذا الحديث جواباً لسؤال التجار من قريش ممن شكوا إلى النبي صلى الله عليه وسلّم ما صار إليه حالهم من العوز بعد إسلامهم وخافهم من انقطاع سفرهم إليها. فبشّرهم وطيب خواطرهم. وكان كما قال عليه الصلاة والسلام.


              وقال ابن حجر: (قال الخطابي: معناه فلا قيصر بعده يملك مثل ما يملك، وذلك أنه كان بالشام وبها بيت المقدس الذي لا يتم للنصارى نسك إلا به، ولا يملك على الروم أحد إلا كان قد دخله إما سراً وإما جهراً فانجلى عنها قيصر واستفتحت خزائنه ولم يخلفه أحد من القياصرة في تلك البلاد بعده) اهـ


              أقول: فهذا وجه آخر لفهم الحديث، ويضاف إليه جهة أخرى في بيان مثل ما يملك وهي طول مدة ملك هرقل.

              ولعلّ النبي صلى الله عليه وسلّم أخبر أصحابه بخبر كسرى وقيصر في أكثر من موضع، فمرّة بلفظ إذا هلك كسرى، أو يهلك كسرى، وذلك حيث لم يكن قد هلك بعد. ثم بلفظ هلك بعد أن بلغه خبر هلاكه وسؤاله عمن ولي بعده كما رأيت في حديث الترمذي الذي سقناه. فهذا وجه الجمع بين ثلاث العبارات إذا هلك، ويهلك، وهلك. وذكر بعضهم أن الإخبار بلفظ المضيّ لعله لتحقق الوقوع في القابل كقوله تعالى: (أتى أمر الله). فانظر في شروح الحديث.

              وما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من فتح الشام وما أخبر به من خدمة دهاقينهم لمن ولي أمورهم من المسلمين، قد تحقق كما قال رسول الله كما في حديث جبير بن نفير أيضاً قال: كان عبد الله بن وزاح قديماً له صحبة، يقول «إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "يوشك أن يؤمر عليهم الرويجل فيجتمع إليه قوم، محلقة أقفيتهم، بيض قمصهم، فكان إذا أمرهم بشيء حضروا".
              فشاء ربك أن عبد الله بن وزاح ولي بعض المدن، فاجتمع إليه قوم من الدهاقين محلقة أقفيتهم، بيض قمصهم، فكان إذا أمرهم بشيء حضروا، فيقول: صدق الله ورسوله». رواه الطبراني.


              وأما حديث (الروم ذات القروم) الذي ذكر أنه معارض لحديث (هلك كسرى) فلم أجده باللفظ الذي ذكره فيه، ووجدت في الجامع الصغير- السيوطي، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع: (فارس نطحة أو نطحتان، ثم لا فارس بعد هذا أبدا، والروم ذات القرون، كلما هلك قرن خلفه قرن، أهل صبر وأهله لآخر الدهر، هم أصحابكم مادام في العيش خير). وفي رواية ذوات القرون.

              وكذلك لابن عساكر-تاريخ دمشق- من حديث عبد الرحمن بن عوف: ذَكرَ النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ الشَّامَ قال رجلٌ من القومِ كيفَ لنا بالشَّامِ يا رسولَ اللَّهِ وفيها الرُّومُ ذاتِ القرونِ فقال أجَل إنَّ فيها لَأقوامًا أنتُم أحقرُ في أعيُنِهم من القِردانِ في أستاهِ الإبلِ قال ثُمَّ ذَكرَ الشَّامَ أيضًا فقال لَعَلَّ أن يَكفيناها غلامٌ من غِلمانِ قريشٍ وبيَدِ رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ عَصا فأهوَى بها إلى مَنكِبِ مُعاوية.


              أقول: على تسليم الحديث الذي ذكره على نحو ما ذكره، فلا تعارض بين الحديثين أبداً، فإنّا قد ذكرنا حديث الشافعي أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال عن قيصر "يثبت ملكه" لمّا بلغه أنه أكرم كتابه عليه الصلاة والسلام. فكان كما قال، وقال: "لا قيصر بعده" أي في الشام أو يملك مثل ملكه كما بينّا، فيحمل قوله "كلما هلك قرن خلفه قرن" على ثبوت ملكهم وتطاوله خارج الشام، ويحمل قوله "فلا قيصر بعده" على هلاكه وزوال ملكه عن الشام جواباً عن سؤال السائل وشكايته.

              وبعد، فقد بان لك وهم هذا الرجل، وتسرّعه في إطلاق الأحكام، ومجازفته في ردّ الحديث دون وجه حقّ. وقد رأينا بشكل واضح مخالفته لطريقة أهل السنّة ومنهجهم في البحث والنظر، وسنرى إن شاء الله تعالى في بحوثنا الآتية في ردّه وتكذيبه أحاديث أخرى نأيه عن المنهج العلميّ في أحكامه الجائرة على الأحاديث الشريفة.


              نهاية المسألة الثانية


              اللهمّ وفقنا لما تحبّ وترضى، اللهمّ إنك عفو تحب العفو فاعف عنا. ولا تنسونا من صالح دعائكم في هذه الليلة المباركة. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
              ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

              تعليق

              • حسين علي اليدري
                طالب علم
                • Aug 2003
                • 456

                #22
                يقول د . عدنان هداه الله من الهذيان: (إذا آمن الكتابي بمحمد في هذا فلا يعتبر كافراً بمحمد لكنه ليس ملزماً بالاتباع) اهـ
                ويقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما في الحديث الذي أخرجه الإمام مسلم رحمه الله، عن أبى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (والذى نفس محمد بيده لا يسمع بى أحد من هذه الأمة يهودى ولا نصرانى ثم يموت ولم يؤمن بالذى أرسلت به إلا كان من أصحاب النار).
                وفي سنن سعيد بن منصور، عن أبي موسى الأشعري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولانصراني لا يؤمن بي إلا كان من أصحاب النار، فقلت: ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا في كتاب الله عز وجل، فقرأت فوجدته: (ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده).
                اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه
                sigpic

                تعليق

                • سعيد فودة
                  المشرف العام
                  • Jul 2003
                  • 2444

                  #23
                  ربما يكون الغرور والجهالة والتهالك على أبواب الثقافة الغربية ومحبة التفلت من انغلاق بعض الجهلة من المجسمة والحشوية بعض الأسباب التي تدفع بعض الناس لهذه التوجهات والآراء الباطلة التي أرى أن وراءها ما وراءها!!
                  والله المستعان وعليه التكلان!
                  وما زلنا نرى بعض المنتسبين لأهل السنة يستغربون منا عندما لا نتوانى عن الرد على هؤلاء المجسمة الحشوية وغيرهم من الذين يمارسون انغلاق عقولهم على بقية المسلمين متمترسين وراء شعارت خالية من المضمون والمعنى والحجية....ونحن نرى أن من واجبنا هتك هذه الجهالات وهدم هاته الأصناع بما نستطيعه من جهد....
                  وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

                  تعليق

                  • محمود محمد المحرزى
                    طالب علم
                    • Aug 2011
                    • 53

                    #24
                    المشاركة الأصلية بواسطة سعيد فودة
                    ربما يكون الغرور والجهالة والتهالك على أبواب الثقافة الغربية ومحبة التفلت من انغلاق بعض الجهلة من المجسمة والحشوية بعض الأسباب التي تدفع بعض الناس لهذه التوجهات والآراء الباطلة التي أرى أن وراءها ما وراءها!!
                    والله المستعان وعليه التكلان!
                    وما زلنا نرى بعض المنتسبين لأهل السنة يستغربون منا عندما لا نتوانى عن الرد على هؤلاء المجسمة الحشوية وغيرهم من الذين يمارسون انغلاق عقولهم على بقية المسلمين متمترسين وراء شعارت خالية من المضمون والمعنى والحجية....ونحن نرى أن من واجبنا هتك هذه الجهالات وهدم هاته الأصناع بما نستطيعه من جهد....

                    بارك الله فيكم استاذ سعيد ، و نفع بكم ..امين ..

                    و انا سعيد لالتحاقي بمنتداكم الطيب الزاخر باهل العلم ..
                    و احسب ان الله تعالي قد وهبكم عقلا يقظا .. و ملكات عز وجودها في زماننا هذا ..اقامكم الله علي الحق ابدا ..

                    بيد اننا نريد ان نتبين منكم ـ بارك الله بكم ـ ثمة امور حول مطلوب الحوار السالف للاخ بلال ؛
                    و اولها :

                    هل يمكن لاحد كائن من كان ان يخرج الدكتور / عدنان ابراهيم من حظيرة اهل السنة والجماعة ؟؟

                    انتظر ردكم الكريم ( وهو مطلوبنا الاول )

                    كل عام (و) انتم بخير ...( و المعكوفبن للخروج من الخلاف ..
                    و صلي الله علي مولانا محمد و اله الطاهرين ..

                    تعليق

                    • حاتم مصطفى التليجاني
                      طالب علم
                      • Dec 2011
                      • 140

                      #25
                      السلام عليكم شيخ محمود، لست مخولا بالإجابة في مكان سيدي سعيد، و لكن ما سأقول تفاعل معكم أتمنى ان تقبله.
                      قلت:
                      هل يمكن لاحد كائن من كان ان يخرج الدكتور / عدنان ابراهيم من حظيرة اهل السنة والجماعة ؟؟
                      أقول: قد أمكن للشيخ العلامة الأصولي الفقيه الشافعي الكبير محمد حسن هيتو إخراجه من حظيرة الإسلام كما في المشاركة 3 في الرابط التالي:
                      http://www.aslein.net/showthread.php?t=15941

                      و أضيف أن ما قد تلبس به عدنان ابراهيم قد نقل الإجماع على كفر القائل به كثيرا، و لا يعني اشتراك عدنان ابراهيم مع اهل السنة و الجماعة في مسائل أنه منهم. و السلام...

                      تعليق

                      • سعيد فودة
                        المشرف العام
                        • Jul 2003
                        • 2444

                        #26
                        أخي الفاضل
                        قولك
                        هل يمكن لاحد كائن من كان ان يخرج الدكتور / عدنان ابراهيم من حظيرة اهل السنة والجماعة ؟؟
                        بعدما تبين من المسائل التي يقول بها د. عدنان إبراهيم ومنها عدم وجوب اتباع رسول الله عليه الصلاة والسلام من قبل أهل الأديان الأخرى، وأنه يكفي اعترافهم بنبوته، أما شريعته فلا تلزمهم ولا تجب عليهم، وبعد ما قاله من انتهاء عذاب الكفار وخروج أهلها منها وتطهرهم من ذنوبهم وكفرهم وإشاراته المتوالية إلى أن مصيرهم دخول الجنة، وغيرها من آراء غريبة خارجة لا عن نطاق أهل السنة فقط، بل هي مخالفة للمعايير العلمية في الاجتهاد ، وتعدت إلى طور التلفيق في الأصول الكلية والأحكام الضرورية، وبعدما صرنا نسمعه منه من آراء باطلة في كثير من المسائل، فلا شكَّ أنه خارج عن دائرة أهل السنة والجماعة، فمن أبطل بعض الضروريات الدينية كمخاطبة غير المسلمين بأصول العقيدة والشريعة، كيف يكون منسوبا لأهل السنة والجماعة. ومجرد موافقته لهم في بعض المسائل لا يستلزم أنه منهم...بل إن شرط كونه منهم أن يكون موافقا لضروريات الدين قاطبة، وهو أبطل بعضها ما سبق، فلم يتحقق شرط صحة انتسابه لأهل الحق...كما هو ظاهر. ونسأل الله الهداية.
                        وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

                        تعليق

                        • محمود محمد المحرزى
                          طالب علم
                          • Aug 2011
                          • 53

                          #27
                          نشكر لكم اهتمامكم بمسالتنا .. استاذ / سعيد .. بارك الله بكم ..

                          و اعتذر اليكم عن تاخرنا .. و انما كان ذلك لكثرة الانيات و تكاثر الحاجات ..

                          و ما فهمناه من بيانكم السالف هو :

                          ( ان الدكتور عدنان ابراهيم .. لا تصح نسبته الي اهل السنة و الجماعة !! لما صدر عنه من كلام حاصله :
                          تعطيل الدعوة الاسلامية .. كما في مسالة الكتابيين ( اليهود و النصاري )
                          و المستشكل :
                          كيف يدعي الكتابي الي اسلام بلا شريعة ؟؟

                          بيد انني ـ وااسف منكم علي الاطالة ـ اعتقد ان الدكتور عدنان قد التبس عليه بعض المفاهيم .. و لا ادري هل هو قصور في الفهم ام التحصيل ؟؟!!
                          و الذي اعرفه عنه حدة الذكاء و سرعة البديهة ... و هو ما اسشكلته عليه ..

                          و اعلم استاذ / سعيد بارك الله بكم و بعلمكم انني لا اوثر احدا علي الحق .. لكنني اسالك :

                          هل ثمة تاويل للرجل يستنقذه مما هو فيه ؟؟
                          نحن نعلم انكم اهل روية و انصاف ـ و الله حسيبكم ـ

                          و اسالك ايها الفاضل النبيل :
                          لماذا لا تقدمون له النصح في ضوء الاخوة و الوئام ..
                          و ان تتنزلوا معه في خطابكم ؛ وهو الي اللين اقرب ..
                          و
                          احسبه ـ عامله الله بلطفه ـ سيرجع عن تلك الطوام و يعود الي حظيرة الجماعة ..

                          قلتم :

                          ( فمن أبطل بعض الضروريات الدينية كمخاطبة غير المسلمين بأصول العقيدة والشريعة، كيف يكون منسوبا لأهل السنة والجماعة.)




                          لم نفهم قولكم ( بعض الضروريات )
                          و مثال ذلك :
                          الحدود ..
                          و قدانكر الامام الجليل محمد ابو زهرة ـ طاب ثراه ـ حد الرجم و نافح عن ذلك ..
                          فهل نخرجه من اهل السنة لاجتهاده المذكور و تاوله فيه ؟؟!!

                          و ما هو الضابط ؟؟
                          احسن الله الينا واليكم .
                          و اقامكم علي الحق ابدا ..


                          تعليق

                          • حاتم مصطفى التليجاني
                            طالب علم
                            • Dec 2011
                            • 140

                            #28
                            السلام عليكم و رحمة الله
                            أعتذر لك أخي لكونك لم توجه السؤال لي، و لسيدي سعيد.
                            ---------------------
                            بيد انني ـ وااسف منكم علي الاطالة ـ اعتقد ان الدكتور عدنان قد التبس عليه بعض المفاهيم .. و لا ادري هل هو قصور في الفهم ام التحصيل ؟؟!!
                            رأيي الشخصي و الله أعلم (و قد قلته سابقا):
                            تلبس عدنان ابراهيم بمصائب اربع:
                            عاطفية زائدة (صنعت الملاحدة)
                            تصدر للمناظرة و الإجتهاد دون علم كاف (صنع القدرية و الجهمية)
                            مداحون من كل جهة (صنعوا ابن تيمية)
                            و دخول في السياسة (صنع.... معظم البلاء الذي نراه اليوم)
                            ---------------------
                            و الذي اعرفه عنه حدة الذكاء و سرعة البديهة ... و هو ما اسشكلته عليه ..
                            هذا ما ظهر لي أيضا لكن تذكر؛ رؤوس البدع و الكفر في التاريخ عرفوا بحدة الذكاء و سرعة البديهة. و إن كنا لا نسلم ذلك لعدنان ابراهيم.

                            هل ثمة تاويل للرجل يستنقذه مما هو فيه ؟؟
                            هذه أجيبك فيها بقطع. ذلك أن الرجل قد جزم بآرائه و وضحها توضيحا يستحيل معه القول بأننا أسأنا فهمه أو أنه أساء التعبير. أقول لكم شيخي لا يوجد تأويل للرجل يستنقذه مما هو فيه. فهذه الأمثلة التي ذكرها شيخنا من الكفر البواح. بل له قول آخر لايستتاب قائله في المذهبين الحنبلي و المالكي تجده في نفس الرابط الذي أحلتك عليه.
                            ---------------------
                            لماذا لا تقدمون له النصح في ضوء الاخوة و الوئام ..
                            و ان تتنزلوا معه في خطابكم ؛ وهو الي اللين اقرب ..
                            و احسبه ـ عامله الله بلطفه ـ سيرجع عن تلك الطوام و يعود الي حظيرة الجماعة ..
                            يجيبك شيخي أبو غوش بقوله:
                            قد حاول المشايخ الاتصال بعدنان إبراهيم غير مرَّة، ولم يردَّ.
                            --------------------
                            لم نفهم قولكم ( بعض الضروريات )
                            الجواب من كلام سيدي سعيد:
                            عدم وجوب اتباع رسول الله عليه الصلاة والسلام من قبل أهل الأديان الأخرى، وأنه يكفي اعترافهم بنبوته، أما شريعته فلا تلزمهم ولا تجب عليهم، وبعد ما قاله من انتهاء عذاب الكفار وخروج أهلها منها وتطهرهم من ذنوبهم وكفرهم وإشاراته المتوالية إلى أن مصيرهم دخول الجنة
                            --------------------
                            و مثال ذلك :
                            الحدود ..
                            و قدانكر الامام الجليل محمد ابو زهرة ـ طاب ثراه ـ حد الرجم و نافح عن ذلك ..
                            فهل نخرجه من اهل السنة لاجتهاده المذكور و تاوله فيه ؟؟!!
                            هنا أهم شيء ذكرته. سؤالي، تصور أخي أن الإجماع واقع على كفر من قال المقولة _أ_ ، ثم جاء أبي وقالها. هل أصير الكفر اجتهادا و تأويلا لكوني أحب وأعظم أبي؟ هل يجوز تبديل الإسلام لكفر من نحب؟ هل اهل السنة إطار وهمي يتطور ليشمل كل من تعجبنا بعض اعماله؟ اممم هذا هو السؤال المناسب. هل الكبار كبار لقولهم الحق؟ أم الحق حق لقول الكبار به؟؟؟ أقول لعدنان ابراهيم و قد استشهد بمثال الشيخ ابي زهرة قبلك، يا رجل أخرج من الصناديق . على كل، قال القاضي عياض في كتاب الشفا ط 2 دار الفيحاء م 2 ص 610 (لست بصدد تكفير الشيخ أبي زهرة، فقد توفاه الله): (((وقع الإجماع على تكفير كل من دافع نص الكتاب ، أو خص حديثا مجمعا على نقله مقطوعا به ، مجمعا على حمله على ظاهره ، كتكفير الخوارج بإبطال الرجم ، ولهذا نكفر من دان بغير ملة المسلمين من الملل ، أو وقف فيهم أو شك أو صحح مذهبهم ، وإن أظهر مع ذلك الإسلام ، واعتقده ، واعتقد إبطال كل مذهب سواه ، فهو كافر بإظهاره ما أظهر من خلاف ذلك.))))
                            و قد نقلت القول كاملا لكون نصفه الثاني متصلا بموضوعنا. ارجو أن أكون أفدتك. و أعتذر إن أخطأت وأتمنى التقويم. احسن الله الينا واليكم، و بارك لنا في سيدي سعيد. والسلام

                            تعليق

                            • مصطفى حمدو عليان
                              طالب علم
                              • Oct 2008
                              • 593

                              #29
                              هذه هي فوائد علم الكلام : عصمة العقول من الوقوع في العقائد الباطلة ، وهو كالميزان واظن ان كثيرا من الوهابية والصوفية والشيعة الباطنية والعقلانيين والعلمانيين ليس عندهم هذا الميزان...ولذلك اوجب العلماء دراسة بعض مباحثه على كل طالب

                              بارك الله بالشيخ سعيد الذي عرفنا فيه على النحو الذي كان عند القدماء
                              *وديانتنا التي بها ندين التمسك بكتاب الله وسنة نبيه وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث ونحن بذلك معتصمون وبما كان عليه الإمام أحمد بن حنبل نضر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته قائلون ..لأنه الإمام الفاضل والرئيس الكامل..فرحمة الله عليه من إمام مقدم وكبير مفهم وعلى جميع أئمة المسلمين* الإمام الأشعري رحمه الله.

                              تعليق

                              • بلال النجار
                                مـشـــرف
                                • Jul 2003
                                • 1128

                                #30
                                المسألة الثالثة: خلق الله آدم عليه السلام وطوله ستون ذراعاً في السماء
                                في هذا الرابط http://www.youtube.com/watch?v=L1rZARCOevs

                                بدءاً من الدقيقة الثامنة والخمسين، قال عدنان إبراهيم: (مثلاً الحديث المروي في الصحيحين، أيها الإخوة، وهذا الحديث يرويه همّام بن منبّه أخو وهب بن منبّه، كلاهما كانا يهوديين وأسلما، همّام بن منبّه يقول: هذا ما حدّثنيه أبو هريرة -رضي الله عنه وأرضاه- أنّ الرسول صلّى الله عليه وسلّم قال: "خلق الله آدم على صورته" وهنا علامة استفهام كبيرة، ما المقصود صورة الله أم صورة آدم. نحن نرجح على صورته على صورة آدم يعني، يعني آدم لم يترقّ ولم يتطوّر في الخلقة، وإلا فإنّ الشبهة قائمة بما أنّ همّام بن منبّه أصله يهودي -أيها الإخوة- وأسلم، الشبهة قائمة أنه يعني قد يحتمل أنه أراد على صورة الرحمن؛ لأنّ هذا مكتوب في التوراة (نخلق بشراً على صورتنا) انتبهوا هذا حديث الصورة اسمه حديث الصورة، وحديث أبي مسعود الأنصاري أيضاً، قال: "لا تضربه" النبي عليه السلام: "فإنّ الله خلق آدم على صورته" هل هو..صرّح في بعض الطرق "على صورة الرحمن" هذا من دسيس الإسرائيليات. "ليس كمثله شيء". نحن لسنا على شكل الله، الله ليس له هذا الشكل، أعوذ بالله يا أخي. مثل حديث "وإنّ ربكم ليس بأعور"، فهذا مما يردّ ولو كان في الصحاح. يعني لو كان بعينين يعني... أستغفر الله العظيم.. شي فظيع يا أخي هذا.. هذا من إسرائيليات الإسرائيليين في أحاديثنا في عقائدنا. المهم "طوله ستون ذراعاً" طول آدم ستون ذراعاً. ثمّ طبعاً إيه.. أرسله إلى الملائكة لكي يحييهم فردّوا عليه وزادوه "وبركاته" الحديث المشهور في الصحيحين. ثمّ يختمه النبي عليه السلام بالقول: "فكل من يدخل الجنّة على طول آدم ستّون ذراعاً، فلم يزل الخلق ينقص" يعني يتقاصرون "إلى الآن" إلى اليوم. هذا حديث في الصحيحين. الحافظ ابن حجر وهذا من المرّات المنزورة والمعدودة في فتح الباري استشكل شيئاً بخصوص هذا الحديث، الحديث نفسه أشكل عليه، كيف؟! قال: هذا الحديث بظاهره يخالف يخالف ما عرف ورؤي من آثار الأقوام البائدة كمساكن ثمود شوف ابن حجر عقليّة علميّة هنا، وأيامه لا في علم جيولوجيا ولا في هذي الأشياء، ولكن هكذا بعقل علمي بمنهج علمي- قال: مساكن ثمود موجودة، وأبنية لهم في الحجر وغير كذا، طيّب، قال: واضح من مساكنهم ومن آثارهم أنهم لم يكونوا إيه أعظم منا ولا أطول منا، مثلنا، مثل ما نقول الآن المومياءات المصريّة في طولنا وأحياناً أقصر قليلاً منا، نفس الطول البشري هذا 160، 170، 155سم عادي، من آلاف السنين، من ألوف، لأن ابن حجر يقول من ثمود حتى مساكن ثمود تؤكّد أنهم كانوا في مثل قاماتنا، على أنّ يقول الحافظ ابن حجر: على أنّ المسافة بينهم وبين أبيهم آدم أدنى من المسافة التي بينهم وبيننا- فهمتم كيف، عقليّة علميّة- ثمّ قال الحافظ ابن حجر: ولم يقع لي إلى الآن ما يزيل هذا الإشكال. خلص ومضى. يقول الحديث فيه مشكلة، الحديث في الصحيحين بس فيه مشكلة.

                                اسمعوا الآن كيف سأشكل على هذا الحديث من باب آخر بطريقة علميّة. هذا الحديث لو سمعه أي عالم متمرّس في علم الأحياء، سيرده مباشرة، ويقول أنتم قوم تهرفون بما لا تعرفون، تعرفون لماذا سأوضّح هذا، ربّما ذكرته مرّة والآن سأبسّطه تماماً. قانون في علم إيه في علم الأحياء أيها الإخوة: الزيادة في الجسم الحيّ المخلوق الحيّ المتعضيorganism تتناسب طردياً مع مكعّب الزيادة في أبعاده الخطيّة، طبعاً الأبعاد الخطيّة يتحصّل منها ماذا الحجم، الحجم في الفراغ، ما تحتله البنية في الفراغ، ولكن الزيادة التي يكتسبها الجسم الهيكل بالذات العظمي، التي يكتسبها الهيكل العظمي لمقاومة الثقل والوزن تتناسب مع مربّع الزيادة في أبعاده الخطيّة. بمعنى خلينا نكون واضحين- الآن آدم خلقه الله وطوله ستون ذراعاً. الذراع إما أن تكون ذراعاً شرعية أو تكون ذراعاً هاشميّة، الذراع الشرعية أربع وعشرون إصبعاً، يعني 48 سم تساوي تعادل 48 سم، قولوا 50 سم، والذراع الهاشمية 32 إصبعاً يعادل 64 سم، قولوا 65 سم، هكذا في المتوسط كان طول آدم 30 متراً في المتوسط بين الذراع الهاشمية والذراع الشرعيّة، ثلاثين متراً يعني تقريباً أزيد منا بنحو عشرين مرّة، عشرين مرّة بجبر هذه الكسور، الآن آدم ضوعف حجمه أيها الإخوة- عشرين ضعفاً عنّا نحن نتحدّث عن الأبعاد الخطيّة، نتحدّث عن الطول الآن، كم سيتضاعف وزنه، التناسب هنا مع المكعّب، فسنقول: 20X20X20 ثمانية آلاف مرّة، هيكله العظمي كم سيتضاعف لكي يحتمل هذا الثقل الزائد، مع المربع وليس مع المكعّب، 20 X 20 أربعمائة مرّة، أربعمائة مرّة والوزن ثمانية آلاف مرّة، حتماً يقول لك أيّ عالم في البيولوجي مستحيل أن يخلق هذا الخلق على الكوكب الأرضي، لماذا؟ لأنّه سينهار مباشرة تحت ثقله ووزنه، بالقانون، لذلك هذه الأفلام التي نحضرها تشوّه حتى الفهم العلمي، الكينغ كونغ أعظم من غوريلا مائة مرّة، كلام فارغ مستحيل، مائة مرة حجمه عن حجم الغوريلا ،100x100x100 يعني وزنه يكون أكبر من الغوريلا مليون مرة، لكن الهيكل العظي الذي عنده 100x100 عشرة آلاف مرّة، عشرة آلاف مقابل مليون مستحيل سينهار مباشرة، إذاً هذا خيال هذا science fiction كلام فارغ، فانطازيا هذا، في علم البيولوجي احفظ هذا القانون. لسة في مشكلة طبية أخرى، يعرفها دارسو الطب ووظائف الأعضاء فيزيولوجي، ما هي؟ القلب مشكلته علميّاً إخواني وأخواتي- أن حجّمه أصغر من أن يمدّ أنسجة الجسم كلّها بالدماء حين يضخّ سبحان الله!- أصغر ليس كالكبد هو أعظم الأعضاء، عضو صغير نسبياً وإلى حدٍ بعيد، ولكن القلب هذا بحكمة الله بتقدير الله- يعوّض هذا النقص في حجمه بمطاطية ومرونة الشرايين، ولذلك بهذا الحجم الصغير يمكن أن يمدّ هذا الجسم، ولكن انتبهوا عاد: الشيء الخطير كل كيلوغرام زائد في الوزن يقتضي أن ينشئ الجسم عدّة كيلومترات من الشرايين الجديدة، ومن هنا خطورة السمنة أيها الإخوة- على صحّة الإنسان وعلى قلبه، الأخطر من هيك عاد، ارجعوا إلى قانون التربيع وقانون التكعيب، إذا آدم أعظم حجماً منا بعشرين مرّة، إذا هو أثقل وزناً منا بثمانية آلاف مرّة، طبياً مستحيل أن يوجد هذا المخلوق على كوكب الأرض، وأنّ قلبه وقد تضاعف كما قلنا لكم- أربعمائة مرّة فقط يستطيع أن يغذي وزناً تضاعف ثمانية آلاف مرّة، نتحدث لكم بالصورة العلمية طبعاً بعض الناس لا يعنيهم لا علم ولا قوانين، يقول لك: لا النبي قال هذا، ما هو يا أخي الكريم يا أخي الحبيب من قال لك إن النبي قال هذا، النبي حاشاه أن يقول شيئاً كهذا؛ لأنّنا نؤمن بأنه نبي من عند الله، لا يكذب على الله، والله لو أوحى إليه لا يوحي إليه إلا بما هو حق، محال أن يوحي إليه بشيء ويكون باطلاً، واضح؟ على كلّ حال الكلام طويل في هذا الحديث فنتركه) اهـ كلام عدنان إبراهيم بحروفه.


                                أقول: يثبت لنا عدنان إبراهيم المرّة بعد المرّة نأيه عن المنهج العلميّ في البحث والنظر، مع ادعائه أنه ملتزم به، وأنّه ينتقد ما ينتقد على الصحيحين غيرة على الأمّة وحرصاً على المسلمين ومصلحتهم. ولكنه كما يظهر للعيان كاذب في هذه الدعوى؛ لأنه ما هكذا تورد الإبل، وما هكذا يكون الحرص على مصلحة المسلمين، وما هكذا يكون نقد الحديث، ولا هكذا يكون البحث العلميّ. إنه إنسان مجازف متسرّع، يكثر من التهويل والتضخيم لأمور مرّ بها العلماء السابقون رحمهم الله تعالى ولاحظوها، وأعطوها حقّها من النقد ولم يبالغوا مبالغاته الفارغة؛ وذلك لأنهم يفهمون ما هو المنهج العلميّ، فهم يضعون القضايا في نصابها، وينزلونها منازلها من العلم والظنّ ونحو ذلك كما سنذكره. أما هذا الدعيّ، فهو الذي يهرف بما لا يعرف، ولا يعرف كوعه من بوعه في أصول العلوم وطرق النظر، فكلّما وقع على حديث أشكل على عقله الصغير طار به فرحاً ولم يهبط! وبات يتكلّم فيه بهذه الطريقة الكاريكاتورية المضحكة، ويشير ويتراقص ويخفّض ويرفّع ويعبر بوجهه كأنه ممثل كوميدي! والنتيجة أحكام جائرة، وفهم مشوّه، وقدح في العلماء ومناهجهم دون تقديم منهج بديل يكون الحلّ للإشكاليات التي يطرحها هو أو يدّعي وجودها في تراثنا وواقعنا الإسلامي.

                                وهذه القضية في غاية الاهميّة، فلا يجوز أن يظلّ عدنان يتكلّم في الجزئيات، عليه أن يتكلّم في الأصول والكليّات والطرق العامة في فهم النصوص الشرعية، فإذا كان كما يدّعي ويزعم ويقدّم نفسه مجتهداً، فعليه أن يدلي بدلوه في الأصول لنعلم ما هو مذهبه، ونفهم كيف تتخرّج المسائل عليه. عليه أن يقرر عقائده ويتكلّم في مسائل أصول الفقه. وإذا لم يفعل فسيظلّ مجرّد صغير نكرة لا يحق له أن يدعي الاجتهاد. وهكذا يراه العبد الفقير ويراه آخرون ممن لهم اشتغال ومشاركة في العلوم. والله تعالى المستعان.
                                ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

                                تعليق

                                يعمل...