قوله: (إذا آمن الكتابي بمحمد في هذا فلا يعتبر كافراً بمحمد لكنه ليس ملزماً بالاتباع،) اهـ
أقول: قد بان لك أن هذا مجرّد هذيان، وأنه لا يكون الكتابي ولا غيره مؤمناً بسيدنا محمّد صلى الله عليه وسلّم إلا إذا دخل في دينه وتبع شرعه، وأنه لا معنى للإيمان به بشرط عدم اتباعه، أي أن يقرّ بنبوته ويقول إنه لن يتبعه بل سيبقى على شرعه ودينه الذي هو عليه فهذا ليس مؤمناً به في الواقع، وقد قال بعض اليهود ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلّم، فأنكره عليهم ولم يقبله منهم، وأنكره الله تعالى عليهم ولم يقبله منهم، كما ذكرنا لك في سبب نزول قوله تعالى (لستم على شيء) الآية.
والإيمان لا يتجزّأ فلا معنى لأن يؤمن بنبوة سيدنا محمد بينما يكون مشركاً بالله تعالى مثلاً، وكما أنه لا يمكنك أن تؤمن ببعض الأركان وتكفر ببعض، ولا ببعض الأنبياء وتكفر ببعض، ولا أن تؤمن ببعض الكتب وتكفر ببعض، فكذلك لا يمكنك أن تؤمن ببعض الكتاب وتكفر ببعض. فكلّ ذلك مخرج من أصل الإيمان. والقرآن الكريم يوجب في نصوص واضحة على جميع الناس -سواء كانوا من أهل الديانات السابقة أو من غيرهم كما نقلنا لك سابقاً- الإيمانَ برسول الله صلى الله عليه وسلّم، ويوجب عليهم اتباعه، وهذا إيجاب أصول فمن لم يحققه فهو كافر، كما أنّ الإيمان به صلى الله عليه وسلّم يستلزم الإيمان بجميع ما قاله وتصديقه فيه، وهو صلى الله عليه وسلّم جاء بشريعة تحرّم وتحلّ وأمر الناس ونهاهم، وألزمهم بالاتباع. وهذا كلّه مستيقن متواتر، ولا يشكّ فيه إلا من فقد عقله. فلا تلتفت يا أخي إلى كلام هذا الإنسان المريض، ولا تغترّ بما يقول، فإن كثيراً مما يقوله مجرّد مغالطات لا تصمد أمام التحقيق. وهو يوهم الناس بأسلوبه المبالغ أنّه قد اكتشف أمراً عظيماً أو وقف على خطأ فاحش وقع فيه العلماء على مرّ العصور، وما أغلب كلامه إلا سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا وقف عليه وتأمله لم يجده شيئاً.
ثمّ قال: (إن اتبعه فله أجران، النبي يقول: "ثلاثة يؤتون أجرهم مرّتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي" والمعنى أنه إن لم يؤمن بي لكن لم يكفر، لم يتبعني ولم يكفر فله أجر واحد، لكن إن كفر بمحمد وجدّف على محمد واعتبره مهرطقاً وكذاباً، شرع محمد يقول إنه قد كفر بما أنزل الله، لأنّ الذي أنزل ما أتى به محمد هو الذي أنزل التوراة والإنجيل،) اهـ
أقول: يريد أن يستدلّ بهذا الحديث الشريف على أنه إذا لم يتبع الكتابي سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلّم فله أجر واحد. ولا أدري كيف استدلّ به على ذلك!! فليس في المنطوق دليل على ما يريده عدنان من أنّ له أجراً واحداً إذا أدرك النبي ولم يتبعه، وليس في مفهومه ذلك.
وما يعنينا من الحديث كما هو عند في البخاري: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ثَلاَثَةٌ لَهُمْ أَجْرَانِ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، آمَنَ بِنَبِيِّهِ وَآمَنَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ...) اهـ
قال القسطلاني: (أهل الكتاب أي التوراة والإنجيل، أو الإنجيل فقط على القول بأن النصرانية ناسخة لليهودية حال كونه قد (آمن بنبيه) قال الداودي: يعني كان على دين عيسى عليه السلام، وأما اليهود وكثير من النصارى فليسوا من ذلك؛ لأنه لا يجازى على الكفر بالخير) اهـ
قلت: قوله (وكثير من النصارى) بل الغالبيّة العظمى منهم في عصرنا خاصة كفار مشركون مثلّثة ومؤلهون لسيدنا المسيح ولأمه عليهما السلام في معتقداتهم أهوال عظام ما أنزل الله بها من سلطان هذا إن كانوا على دين أصلاً أي إن لم يكونوا ملحدين غير مؤمنين بوجود الإله أصلاً كما نراه في أوروبا وأمريكا. ومن بلغته الدعوة من الباقين ولم يسلم فهو كافر.
قال ابن حجر: (قوله ثلاثة لهم أجران ثلاثة مبتدأ والتقدير ثلاثة رجال أو رجال ثلاثة ولهم أجران خبره قوله رجل هو بدل تفصيل أو بدل كل بالنظر إلى المجموع قوله من أهل الكتاب لفظ الكتاب عام ومعناه خاص أي المنزل من عند الله والمراد به التوراة والإنجيل كما تظاهرت به نصوص الكتاب والسنة حيث يطلق أهل الكتاب وقيل المراد به هنا الإنجيل خاصة إن قلنا إن النصرانية ناسخة لليهودية كذا قرره جماعة ولا يحتاج إلى اشتراط النسخ لأن عيسى عليه الصلاة والسلام كان قد أرسل إلى بني إسرائيل بلا خلاف فمن أجابه منهم نسب إليه ومن كذبه منهم واستمر على يهوديته لم يكن مؤمنا فلا يتناوله الخبر لأن شرطه أن يكون مؤمنا بنبيه نعم من دخل في اليهودية من غير بني إسرائيل أو لم يكن بحضرة عيسى عليه السلام فلم تبلغه دعوته يصدق عليه أنه يهودي مؤمن إذ هو مؤمن بنبيه موسى عليه السلام ولم يكذب نبيا آخر بعده فمن أدرك بعثة محمد صلى الله عليه وسلم ممن كان بهذه المثابة وآمن به لايشكل أنه يدخل في الخبر المذكور ومن هذا القبيل العرب الذين كانوا باليمن وغيرها ممن دخل منهم في اليهودية ولم تبلغهم دعوة عيسى عليه السلام لكونه أرسل إلى بني إسرائيل خاصة نعم الإشكال في اليهود الذين كانوا بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم وقد ثبت أن الآية الموافقة لهذا الحديث وهي قوله تعالى أولئك يؤتون أجرهم مرتين نزلت في طائفة آمنوا منهم كعبد الله بن سلام وغيره ففي الطبراني من حديث رفاعة القرظي قالت نزلت هذه الآيات في وفيمن آمن معي وروى الطبراني بإسناد صحيح عن علي بن رفاعة القرظي قال خرج عشرة من أهل الكتاب منهم أبي رفاعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فآمنوا به فأوذوا فنزلت الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون الآيات فهؤلاء من بني إسرائيل ولم يؤمنوا بعيسى بل استمروا على اليهودية إلى أن آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وقد ثبت أنهم يؤتون أجرهم مرتين قال الطيبي فيحتمل إجراء الحديث على عمومه إذ لا يبعد أن يكون طريان الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم سببا لقبول تلك الأديان وإن كانت منسوخة انتهى وسأذكر ما يؤيده بعد ويمكن أن يقال في حق هؤلاء الذين كانوا بالمدينة إنه لم تبلغهم دعوة عيسى عليه السلام لأنها لم تنتشر في أكثر البلاد فاستمروا على يهوديتهم مؤمنين بنبيهم موسى عليه السلام إلى أن جاء الإسلام فآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم فبهذا يرتفع الإشكال إن شاء الله تعالى فوائد الأولى وقع في شرح بن التين وغيره أن الآية المذكورة نزلت في كعب الأحبار وعبد الله بن سلام وهو صواب في عبد الله خطأ في كعب لأن كعبا ليست له صحبة ولم يسلم إلا في عهد عمر بن الخطاب والذي في تفسير الطبري وغيره عن قتادة أنها نزلت في عبد الله بن سلام وسلمان الفارسي وهذا مستقيم لأن عبد الله كان يهوديا فأسلم كما سيأتي في الهجرة وسلمان كان نصرانيا فأسلم كما سيأتي في البيوع وهما صحابيان مشهوران الثانية قال القرطبي الكتابي الذي يضاعف أجره مرتين هو الذي كان على الحق في شرعه عقدا وفعلا إلى أن آمن بنبينا صلى الله عليه وسلم فيؤجر على اتباع الحق الأول والثاني انتهى ويشكل عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى هرقل أسلم يؤتك الله أجرك مرتين وهرقل كان ممن دخل في النصرانية بعد التبديل وقد قدمت بحث شيخ الإسلام في هذا في حديث أبي سفيان في بدء الوحي الثالثة قال أبو عبد الملك البوني وغيره إن الحديث لا يتناول اليهود البتة وليس بمستقيم كما قررناه وقال الداودي ومن تبعه إنه يحتمل أن يتناول جميع الأمم فيما فعلوه من خير كما في حديث حكيم بن حزام الآتي أسلمت على ما أسلفت من خير وهو متعقب لأن الحديث مقيد بأهل الكتاب فلا يتناول غيرهم إلا بقياس الخير على الإيمان وأيضا فالنكتة في قوله آمن بنبيه الإشعار بعلية الأجر أي أن سبب الأجرين الإيمان بالنبيين والكفار ليسوا كذلك ويمكن أن يقال الفرق بين أهل الكتاب وغيرهم من الكفار أن أهل الكتاب يعرفون محمدا صلى الله عليه وسلم كما قال الله تعالى يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل فمن آمن به واتبعه منهم كان له فضل على غيره وكذا من كذبه منهم كان وزره أشد من وزر غيره وقد ورد مثل ذلك في حق نساء النبي صلى الله عليه وسلم لكون الوحي كان ينزل في بيوتهن فإن قيل فلم لم يذكرن في هذا الحديث فيكون العدد أربعة أجاب شيخنا شيخ الإسلام بأن قضيتهن خاصة بهن مقصورة عليهن والثلاثة المذكورة في الحديث مستمرة إلى يوم القيامة وهذا مصير من شيخنا إلى أن قضية مؤمن أهل الكتاب مستمرة وقد ادعى الكرماني اختصاص ذلك بمن آمن في عهد البعثة وعلل ذلك بأن نبيهم بعد البعثة إنما هو محمد صلى الله عليه وسلم باعتبار عموم بعثته انتهى وقضيته أن ذلك أيضا لا يتم لمن كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فإن خصه بمن لم تبلغه الدعوة فلا فرق في ذلك بين عهده وبعده فما قاله شيخنا أظهر والمراد بنسبتهم إلى غير نبينا صلى الله عليه وسلم إنما هو باعتبار ما كانوا عليه قبل ذلك وأما ما قوى به الكرماني دعواه بكون السياق مختلفا حيث قيل في مؤمن أهل الكتاب رجل بالتنكير وفي العبد بالتعريف وحيث زيدت فيه إذا الدالة على معنى الاستقبال فأشعر ذلك بأن الأجرين لمؤمن أهل الكتاب لا يقع في الاستقبال بخلاف العبد انتهى وهو غير مستقيم لأنه مشى فيه مع ظاهر اللفظ وليس متفقا عليه بين الرواة بل هو عند المصنف وغيره مختلف فقد عبر في ترجمة عيسى بإذا في الثلاثة وعبر في النكاح بقوله أيما رجل في المواضع الثلاثة وهي صريحة في التعميم وأما الاختلاف بالتعريف والتنكير فلا أثر له هنا لأن المعرف بلام الجنس مؤداه مؤدى النكرة والله أعلم الرابعة حكم المرأة الكتابية حكم الرجل كما هو مطرد في جل الأحكام حيث يدخلن مع الرجال بالتبعية إلا ما خصه الدليل.....) اهـ
وقد نقلت هنا أغلب ما قاله لأنه في غاية الإفادة. وما ذكر أنه قدّمه في حديث أبي سفيان في بدء الوحي أعني بحث شيخ الإسلام في هذا (يعني سراج الدين البلقيني) فهو قوله: (واستنبط منه شيخنا شيخ الإسلام أن كل من دان بدين أهل الكتاب كان في حكمهم في المناكحة والذبائح لأن هرقل هو وقومه ليسوا من بني إسرائيل وهم ممن دخل في النصرانية بعد التبديل وقد قال له ولقومه يا أهل الكتاب فدل على أن لهم حكم أهل الكتاب خلافا لمن خص ذلك بالإسرائيليين أو بمن علم أن سلفه ممن دخل في اليهودية أو النصرانية قبل التبديل والله أعلم) اهـ
وهذا الشرح الوافي من ابن حجر يوضح تماماً المقصود من الحديث. فأين هو مما يقوله عدنان!
والحديث في مسلم: (رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ، وَأَدْرَكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَآمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَهُ وَصَدَّقَهُ، فَلَهُ أَجْرَانِ) فيه زيادة على البخاري (وأدرك النبي صلى الله عليه وسلّم) وكذلك (واتبعه وصدّقه) والظاهر أن عدنان ترك الزيادة لما أنها لا تساعده في مذهبه الذي لا يوجب على أهل الكتاب اتباع النبي.
وقول رسول الله صلى الله عليه وسلّم إن لمن آمن من أهل الكتاب أجرين إذا آمن بنبيه وآمن به، توضّح لك من كلام ابن حجر رحمه الله تعالى من يدخلون في هذا الحديث ويصدق بهم أنّ لهم أجرين ومن يخرجون منه.
وهو لا يستلزم البتّة أن يكون له أجر واحد إن أدرك النبي وصدّق أنه نبي ولم يتّبعه، بل هو عندئذ كافر لا يقبل منه عمل كما بيّنا لك ذلك سابقاً. ولكن إن لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلّم فله أجر واحد كما يظهر من الحديث بشرط كونه مؤمناً لم يلبس إيمانه بظلم أهل الكتاب من شرك وافتراء على الله تعالى ونحو ذلك كما مرّ.
ومما جاء في كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلى هرقل: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ: سَلاَمٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلاَمِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الأَرِيسِيِّينَ " وَ {يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَنْ لاَ نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}).
فأمره بالإسلام لتحصيل الأجر المضاعف، ولم يقل له أنت بالخيار إما أن تدخل الإسلام وتتبعني ولك أجران، أو تبقى على دينك ولك أجر واحد! ولو كان مخيّراً لوجب أن يخيّره. وهذا واضح.
وإن هذا الرجل إذا أراد أن يستدلّ لقول يقوله فإنه يمسك بأيّ كلمة بطرف حديث أو آية، ولا يهمّه أن ينتهج منهج العلماء في ذلك، بأن يجمع الأحاديث الواردة في ذلك الباب من البحث ويرتبها وينظر فيها معاً. وتكرر هذا الأمر منه بهذه الكثرة وفي مواضيع مختلفة هو ما يجعلني أكاد أجزم بأنه صاحب هوى ومتلاعب متغرّض.
وزيادة على ما أوردناه من نصوص تدل على وجوب اتباعه صلى الله عليه وسلّم سواء من الكتابيين أو من غيرهم نذكر أيضاً:
قوله عز وجل: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ)
قال الراغب في تفسيره: (في الآية قولان:
أحدهما: أن الأسلام هاهنا الاستسلام إلى الله. وتفويض الأمر إليه، وذلك أمر مراد من الناس في كل زمان ومن كل أمة وفي كل شريعة، وقدْ تقدم أن الدين في اللغة الطاعة وفي التعارف: وضع إلهي ينساق به الناس إلى النعيم الدائم، فبيّن تعالى أن من تحرى
طاعة وانسياقاً إلى النعيم من غير الاستسلام له على ما يأمره به، ويصرفه فيه فلن يقبل منه شيء من أعماله، وهو في الآخرة من الذين خسروا أنفسهم.
والثاني: أن المراد بالإِسلام شريعة محمد عليه الصلاة والسلام، فبيّن أن من تحرى بعد بعثته شريعة أو طاعة لله من غير متابعته في شريعته فغير مقبول منه، وهذا الوجه داخل في الأول، فمعلوم أن من الاستسلام الانقياد لأوامر من صحّت نبوته وظهر صدقه.) اهـ
وقال الطنطاوي: (وكل من يطلب دينا سوى دين الإسلام فهو خاسر فقال- تعالى-: «وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ». أى: ومن يطلب دينا سوى دين الإسلام الذي أتى به محمد- عليه الصلاة والسلام- فلن يقبل منه هذا الدين المخالف لدين الإسلام، لأن دين الإسلام الذي جاء به محمد، هو الدين الذي ارتضاه الله لعباده قال- تعالى- «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً»؛ ولأنه هو الدين الذي ختم الله به الديانات، وجمع فيه محاسنها.
أما عاقبة هذا الطالب لدين سوى دين الإسلام فقد بينها-سبحانه- بقوله: «وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ». أى وهو في الآخرة من الذين خسروا أنفسهم بحرمانهم من ثواب الله، واستحقاقهم لعقابه جزاء ما قدمت أيديهم من كفر وضلال.
وفي البخاري قال صلى الله عليه وسلّم: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» أى مردود عليه، وغير مقبول منه) اهـ
ثم أشار الطنطاوي إلى معنى لطيف قال: (وفي الإخبار بالخسران عن الذي يبتغى أى يطلب ديناً سوى الإسلام، إشعار بأن من يتبع ديناً سوى دين الإسلام يكون أشد خسراناً، وأسوأ حالاً، لأن الطلب أقل شراً من الاتباع الفعلي). اهـ
فهكذا يقرأ القرآن يا عدنان، لا كما يحلو لك وتهوى أن تقرأه!
وفي مسلم: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ، وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوت وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ»
والشاهد وجوب الإيمان بما أرسل به عليه الصلاة والسلام ومن ضمنه القرآن العظيم والشرع الشريف وذلك الإيمان يقتضي اتباع ما فيهما واتباع الرسول عليه الصلاة والسلام كما بينّاه مراراً.
وقال تعالى: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك)
فهو المبلغ عن الله تعالى
وقال تعالى: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما أنزل إليهم)
فسنته المطهرة بيان للكتاب
وهو قدوة الناس (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة)
وهو المعصوم الموحى إليه من الله تعالى (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى)
وقد جعل الله تعالى طاعته طاعته، ومعصيته معصيته سبحانه (ومن يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا).
فكيف لا يجب اتباع من كانت هذه صفته!؟
وقال تعالى: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)
قال تعالى: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ)
وفي حديث مسلم حين بعث النبي صلى الله عليه وسلّم معاذاً إلى اليمن قال له: (إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ).
فأمره أنه يدعوهم إلى الشهادتين وهو عنوان الدخول في الإسلام، كما في حديث: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا (في رواية يقولوا) أن لا إلا الله..) الحديث. وبعد أن يشهدوا أمرهم بالقيام بأعمال الإسلام. والشاهد أين قضيّة التخيير التي يذكرها عدنان والأمر عظيم والخطب جلل، والنبي عليه الصلاة والسلام يوصي معاذاً وهو ذاهب إلى أهل الكتاب!
وفي الحديث: «إِنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَتَى قَوْمَهُ، فَقَالَ: يَا قَوْمِ، إِنِّي رَأَيْتُ الْجَيْشَ، وَإِنِّي أَنَا النَّذِيرُ، فَأَطَاعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَانْطَلَقُوا عَلَى مَهْلِهِمْ فَنَجَوْا، وَكَذَّبَهُ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ، فَأَصْبَحُوا مَكَانَهُمْ، فَصَبَّحَهُمُ الْجَيْشُ وَأَهْلَكَهُمْ وَاجْتَاحَهُمْ، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ أَطَاعَنِي، وَاتَّبَعَ مَا جِئْتُ بِهِ، وَمَثَلُ مَنْ عَصَانِي وَكَذَّبَ مَا جِئْتُ بِهِ مِنَ الْحَقِّ»
والشاهد في قوله (مثل من أطاعني واتبع ما جئت) وأنّ ذلك هو الناجي والناس فريقان ناج وهالك.
وفي الحديث: (إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ كِتَابَ اللَّهِ، هُوَ حَبْلُ اللَّهِ، مَنِ اتَّبَعَهُ كَانَ عَلَى الْهُدَى، وَمَنْ تَرَكَهُ كَانَ عَلَى الضَّلَالَةِ)
والشاهد اتبع القرآن الكريم، وهو ينافي ما قاله عدنان؛ لأنّ من يتبع التوراة أو الإنجيل لا يكون على هدى بل على يكون تاركاً للقرآن ويكون على ضلالة.
وفي الحديث: «نَحْنُ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهُمْ، فَهَذَا يَوْمُهُمُ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَهَدَانَا اللَّهُ لَهُ، فَهُمْ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ، الْيَهُودُ غَدًا، وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ».
والشاهد أن أهل الكتاب لنا تبع لأنا أوتينا الكتاب من بعدهم من بعد أن قصّروا وضيّعوا الدين، وجاء كتابنا وشرعنا ناسخاً للشرائع السابقة و(مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ) فهو الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وكتبهم محرفة مبدلة مضيّعة.
وفي الحديث عن سؤال القبر: (يُقَالُ مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ؟ فَأَمَّا المُؤْمِنُ أَوِ المُوقِنُ - لاَ أَدْرِي بِأَيِّهِمَا قَالَتْ أَسْمَاءُ - فَيَقُولُ: هُوَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالهُدَى، فَأَجَبْنَا وَاتَّبَعْنَا، هُوَ مُحَمَّدٌ ثَلاَثًا»
والشاهد في قوله أجبنا واتبعنا عند البخاري، وفي رواية آمنّا واتبعنا عند غيره.
وغير ذلك كثير، ولو تتبعنا الكتاب والسنة للاستدلال على نقض قوله لطال ذلك كثيراً.
ثم قال عدنان: (ومحمد عرض لنا خطّته المليّة على هذا الأساس، يقول: أنا مجرّد حلقة وإن تكن أخيرة في سلسلة ممتدة، سبقني فيها عيسى الذي سبقه بدوره موسى، وسبقهم أبوهم وشيخهم إبراهيم الموحّد العظيم، وهكذا نوح إلى آدم أبو الأنبياء وأبو البشر، النبي يقول: "الأنبياء أولاد لعلات أو إخوة لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد"، الدين هو التوحيد وهو دين سماوي واحد، أما الشرائع، هذا حلال وهذا حرام فتختلف، ولا بأس أن تختلف، ولكن بشرط كما قلت،) اهـ
أقول: نعم لا بأس أن تختلف الشرائع وهي مختلفة فعلاً، ولكنّ كلّ رسول يجيء لقوم ينسخ شرعُه شرعَ من قبله ممن جاءوا إلى ذلك القوم -على الأقل- ويجب على قومه اتباعه، وانظر قوله تعالى في سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام: (وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ)
وانظر سورة الشعراء فهي زاخرة بهذا المعنى.
إذاً فلا يقبل من المرسَل إليهم مجرّد الاعتراف برسالته والبقاء على شرعهم السابق. ولكن الذي يريده عدنان أنه ما دامت الشرائع تختلف ولا بأس أن تختلف فيجوز ان يبقى من آمن من أهل الكتاب على شريعته ولا يجب عليه أن يتبع شريعة الإسلام التي جاء بها رسول الله علية الصلاة والسلام. وقد رددنا هذا الكلام من قبل، والحديث الشريف الذي ساقه لا يفيد هذا المعنى الذي يريده كما سنبينه إن شاء الله تعالى من شرح القسطلاني.
وقوله: (أولاد علاّت) بفتح العين وتشديد اللام. والعَلّة: الضرّة؛ مأخوذة من العلل وهي الشربة الثانية بعد الأولى، وكأن الزوج قد عَلَّ منها بعدما كان ناهلاً من الأخرى. وأولاد العلاّت: أولاد الضرّات من رجل واحد. يريد أن الأنبياء أصل دينهم واحد وفروعهم مختلفة، فهم متفقون في الاعتقاديات المسماة بأصول الدين كالتوحيد وسائر علم الكلام، مختلفون في الفروع وهي الفقهيات. (انظر القسطلاني)
وفي الحديث (أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة) لكونه مبشّرًا بي قبل بعثتي وممهدًا لقواعد ملتي في آخر الزمان تابعًا لشريعتي ناصرًا لديني، فكأننا واحد. (والأنبياء إخوة لعلاّت) استئناف فيه دليل على الحكم السابق، وكأن سائلاً سأل عما هو المقتضي لكونه أولى الناس به فأجاب بذلك. (أمهاتهم شتّى ودينهم) في التوحيد (واحد). ومعنى الحديث أن حاصل أمر النبوّة والغاية القصوى من البعثة التي بعثوا جميعًا لأجلها دعوة الخلق إلى معرفة الحق وإرشادهم إلى ما به ينتظم معاشهم ويحسن معادهم، فهم متفقون في هذا الأصل وإن اختلفوا في تفاريع الشرع التي هي كالموصلة المؤدية والأوعية الحافظة له؛ فعبّر عما هو الأصل المشترك بين الكلّ بالأب ونسبهم إليهم، وعبّر عما يختلفون فيه من الأحكام والشرائع المتفاوتة بالصورة المتقاربة في الغرض بالأمهات، وهو معنى قوله: "أمهاتهم شتّى ودينهم واحد". أو أن المراد أن الأنبياء وإن تباينت أعصارهم وتباعدت أيامهم فالأصل الذي هو السبب في إخراجهم وإبرازهم كلاًّ في عصره أمرّ واحد وهو الدين الحق، فعلى هذا فالمراد بالأمهات الأزمنة التي اشتملت عليهم. (انظر القسطلاني)
فأين معنى الحديث مما يريده عدنان، انظر كيف يسوق الكلام ويحرفه عن موضعه ليستدل به على ما يريد، سبحان الله في أمر هذا الرجل! نسأل الله لنا وله الهداية، والتوبة، وأن لا يجعله ولا يجعلنا فتنة للناس. آمين.
يتبع إن شاء الله...
أقول: قد بان لك أن هذا مجرّد هذيان، وأنه لا يكون الكتابي ولا غيره مؤمناً بسيدنا محمّد صلى الله عليه وسلّم إلا إذا دخل في دينه وتبع شرعه، وأنه لا معنى للإيمان به بشرط عدم اتباعه، أي أن يقرّ بنبوته ويقول إنه لن يتبعه بل سيبقى على شرعه ودينه الذي هو عليه فهذا ليس مؤمناً به في الواقع، وقد قال بعض اليهود ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلّم، فأنكره عليهم ولم يقبله منهم، وأنكره الله تعالى عليهم ولم يقبله منهم، كما ذكرنا لك في سبب نزول قوله تعالى (لستم على شيء) الآية.
والإيمان لا يتجزّأ فلا معنى لأن يؤمن بنبوة سيدنا محمد بينما يكون مشركاً بالله تعالى مثلاً، وكما أنه لا يمكنك أن تؤمن ببعض الأركان وتكفر ببعض، ولا ببعض الأنبياء وتكفر ببعض، ولا أن تؤمن ببعض الكتب وتكفر ببعض، فكذلك لا يمكنك أن تؤمن ببعض الكتاب وتكفر ببعض. فكلّ ذلك مخرج من أصل الإيمان. والقرآن الكريم يوجب في نصوص واضحة على جميع الناس -سواء كانوا من أهل الديانات السابقة أو من غيرهم كما نقلنا لك سابقاً- الإيمانَ برسول الله صلى الله عليه وسلّم، ويوجب عليهم اتباعه، وهذا إيجاب أصول فمن لم يحققه فهو كافر، كما أنّ الإيمان به صلى الله عليه وسلّم يستلزم الإيمان بجميع ما قاله وتصديقه فيه، وهو صلى الله عليه وسلّم جاء بشريعة تحرّم وتحلّ وأمر الناس ونهاهم، وألزمهم بالاتباع. وهذا كلّه مستيقن متواتر، ولا يشكّ فيه إلا من فقد عقله. فلا تلتفت يا أخي إلى كلام هذا الإنسان المريض، ولا تغترّ بما يقول، فإن كثيراً مما يقوله مجرّد مغالطات لا تصمد أمام التحقيق. وهو يوهم الناس بأسلوبه المبالغ أنّه قد اكتشف أمراً عظيماً أو وقف على خطأ فاحش وقع فيه العلماء على مرّ العصور، وما أغلب كلامه إلا سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا وقف عليه وتأمله لم يجده شيئاً.
ثمّ قال: (إن اتبعه فله أجران، النبي يقول: "ثلاثة يؤتون أجرهم مرّتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي" والمعنى أنه إن لم يؤمن بي لكن لم يكفر، لم يتبعني ولم يكفر فله أجر واحد، لكن إن كفر بمحمد وجدّف على محمد واعتبره مهرطقاً وكذاباً، شرع محمد يقول إنه قد كفر بما أنزل الله، لأنّ الذي أنزل ما أتى به محمد هو الذي أنزل التوراة والإنجيل،) اهـ
أقول: يريد أن يستدلّ بهذا الحديث الشريف على أنه إذا لم يتبع الكتابي سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلّم فله أجر واحد. ولا أدري كيف استدلّ به على ذلك!! فليس في المنطوق دليل على ما يريده عدنان من أنّ له أجراً واحداً إذا أدرك النبي ولم يتبعه، وليس في مفهومه ذلك.
وما يعنينا من الحديث كما هو عند في البخاري: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ثَلاَثَةٌ لَهُمْ أَجْرَانِ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، آمَنَ بِنَبِيِّهِ وَآمَنَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ...) اهـ
قال القسطلاني: (أهل الكتاب أي التوراة والإنجيل، أو الإنجيل فقط على القول بأن النصرانية ناسخة لليهودية حال كونه قد (آمن بنبيه) قال الداودي: يعني كان على دين عيسى عليه السلام، وأما اليهود وكثير من النصارى فليسوا من ذلك؛ لأنه لا يجازى على الكفر بالخير) اهـ
قلت: قوله (وكثير من النصارى) بل الغالبيّة العظمى منهم في عصرنا خاصة كفار مشركون مثلّثة ومؤلهون لسيدنا المسيح ولأمه عليهما السلام في معتقداتهم أهوال عظام ما أنزل الله بها من سلطان هذا إن كانوا على دين أصلاً أي إن لم يكونوا ملحدين غير مؤمنين بوجود الإله أصلاً كما نراه في أوروبا وأمريكا. ومن بلغته الدعوة من الباقين ولم يسلم فهو كافر.
قال ابن حجر: (قوله ثلاثة لهم أجران ثلاثة مبتدأ والتقدير ثلاثة رجال أو رجال ثلاثة ولهم أجران خبره قوله رجل هو بدل تفصيل أو بدل كل بالنظر إلى المجموع قوله من أهل الكتاب لفظ الكتاب عام ومعناه خاص أي المنزل من عند الله والمراد به التوراة والإنجيل كما تظاهرت به نصوص الكتاب والسنة حيث يطلق أهل الكتاب وقيل المراد به هنا الإنجيل خاصة إن قلنا إن النصرانية ناسخة لليهودية كذا قرره جماعة ولا يحتاج إلى اشتراط النسخ لأن عيسى عليه الصلاة والسلام كان قد أرسل إلى بني إسرائيل بلا خلاف فمن أجابه منهم نسب إليه ومن كذبه منهم واستمر على يهوديته لم يكن مؤمنا فلا يتناوله الخبر لأن شرطه أن يكون مؤمنا بنبيه نعم من دخل في اليهودية من غير بني إسرائيل أو لم يكن بحضرة عيسى عليه السلام فلم تبلغه دعوته يصدق عليه أنه يهودي مؤمن إذ هو مؤمن بنبيه موسى عليه السلام ولم يكذب نبيا آخر بعده فمن أدرك بعثة محمد صلى الله عليه وسلم ممن كان بهذه المثابة وآمن به لايشكل أنه يدخل في الخبر المذكور ومن هذا القبيل العرب الذين كانوا باليمن وغيرها ممن دخل منهم في اليهودية ولم تبلغهم دعوة عيسى عليه السلام لكونه أرسل إلى بني إسرائيل خاصة نعم الإشكال في اليهود الذين كانوا بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم وقد ثبت أن الآية الموافقة لهذا الحديث وهي قوله تعالى أولئك يؤتون أجرهم مرتين نزلت في طائفة آمنوا منهم كعبد الله بن سلام وغيره ففي الطبراني من حديث رفاعة القرظي قالت نزلت هذه الآيات في وفيمن آمن معي وروى الطبراني بإسناد صحيح عن علي بن رفاعة القرظي قال خرج عشرة من أهل الكتاب منهم أبي رفاعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فآمنوا به فأوذوا فنزلت الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون الآيات فهؤلاء من بني إسرائيل ولم يؤمنوا بعيسى بل استمروا على اليهودية إلى أن آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وقد ثبت أنهم يؤتون أجرهم مرتين قال الطيبي فيحتمل إجراء الحديث على عمومه إذ لا يبعد أن يكون طريان الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم سببا لقبول تلك الأديان وإن كانت منسوخة انتهى وسأذكر ما يؤيده بعد ويمكن أن يقال في حق هؤلاء الذين كانوا بالمدينة إنه لم تبلغهم دعوة عيسى عليه السلام لأنها لم تنتشر في أكثر البلاد فاستمروا على يهوديتهم مؤمنين بنبيهم موسى عليه السلام إلى أن جاء الإسلام فآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم فبهذا يرتفع الإشكال إن شاء الله تعالى فوائد الأولى وقع في شرح بن التين وغيره أن الآية المذكورة نزلت في كعب الأحبار وعبد الله بن سلام وهو صواب في عبد الله خطأ في كعب لأن كعبا ليست له صحبة ولم يسلم إلا في عهد عمر بن الخطاب والذي في تفسير الطبري وغيره عن قتادة أنها نزلت في عبد الله بن سلام وسلمان الفارسي وهذا مستقيم لأن عبد الله كان يهوديا فأسلم كما سيأتي في الهجرة وسلمان كان نصرانيا فأسلم كما سيأتي في البيوع وهما صحابيان مشهوران الثانية قال القرطبي الكتابي الذي يضاعف أجره مرتين هو الذي كان على الحق في شرعه عقدا وفعلا إلى أن آمن بنبينا صلى الله عليه وسلم فيؤجر على اتباع الحق الأول والثاني انتهى ويشكل عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى هرقل أسلم يؤتك الله أجرك مرتين وهرقل كان ممن دخل في النصرانية بعد التبديل وقد قدمت بحث شيخ الإسلام في هذا في حديث أبي سفيان في بدء الوحي الثالثة قال أبو عبد الملك البوني وغيره إن الحديث لا يتناول اليهود البتة وليس بمستقيم كما قررناه وقال الداودي ومن تبعه إنه يحتمل أن يتناول جميع الأمم فيما فعلوه من خير كما في حديث حكيم بن حزام الآتي أسلمت على ما أسلفت من خير وهو متعقب لأن الحديث مقيد بأهل الكتاب فلا يتناول غيرهم إلا بقياس الخير على الإيمان وأيضا فالنكتة في قوله آمن بنبيه الإشعار بعلية الأجر أي أن سبب الأجرين الإيمان بالنبيين والكفار ليسوا كذلك ويمكن أن يقال الفرق بين أهل الكتاب وغيرهم من الكفار أن أهل الكتاب يعرفون محمدا صلى الله عليه وسلم كما قال الله تعالى يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل فمن آمن به واتبعه منهم كان له فضل على غيره وكذا من كذبه منهم كان وزره أشد من وزر غيره وقد ورد مثل ذلك في حق نساء النبي صلى الله عليه وسلم لكون الوحي كان ينزل في بيوتهن فإن قيل فلم لم يذكرن في هذا الحديث فيكون العدد أربعة أجاب شيخنا شيخ الإسلام بأن قضيتهن خاصة بهن مقصورة عليهن والثلاثة المذكورة في الحديث مستمرة إلى يوم القيامة وهذا مصير من شيخنا إلى أن قضية مؤمن أهل الكتاب مستمرة وقد ادعى الكرماني اختصاص ذلك بمن آمن في عهد البعثة وعلل ذلك بأن نبيهم بعد البعثة إنما هو محمد صلى الله عليه وسلم باعتبار عموم بعثته انتهى وقضيته أن ذلك أيضا لا يتم لمن كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فإن خصه بمن لم تبلغه الدعوة فلا فرق في ذلك بين عهده وبعده فما قاله شيخنا أظهر والمراد بنسبتهم إلى غير نبينا صلى الله عليه وسلم إنما هو باعتبار ما كانوا عليه قبل ذلك وأما ما قوى به الكرماني دعواه بكون السياق مختلفا حيث قيل في مؤمن أهل الكتاب رجل بالتنكير وفي العبد بالتعريف وحيث زيدت فيه إذا الدالة على معنى الاستقبال فأشعر ذلك بأن الأجرين لمؤمن أهل الكتاب لا يقع في الاستقبال بخلاف العبد انتهى وهو غير مستقيم لأنه مشى فيه مع ظاهر اللفظ وليس متفقا عليه بين الرواة بل هو عند المصنف وغيره مختلف فقد عبر في ترجمة عيسى بإذا في الثلاثة وعبر في النكاح بقوله أيما رجل في المواضع الثلاثة وهي صريحة في التعميم وأما الاختلاف بالتعريف والتنكير فلا أثر له هنا لأن المعرف بلام الجنس مؤداه مؤدى النكرة والله أعلم الرابعة حكم المرأة الكتابية حكم الرجل كما هو مطرد في جل الأحكام حيث يدخلن مع الرجال بالتبعية إلا ما خصه الدليل.....) اهـ
وقد نقلت هنا أغلب ما قاله لأنه في غاية الإفادة. وما ذكر أنه قدّمه في حديث أبي سفيان في بدء الوحي أعني بحث شيخ الإسلام في هذا (يعني سراج الدين البلقيني) فهو قوله: (واستنبط منه شيخنا شيخ الإسلام أن كل من دان بدين أهل الكتاب كان في حكمهم في المناكحة والذبائح لأن هرقل هو وقومه ليسوا من بني إسرائيل وهم ممن دخل في النصرانية بعد التبديل وقد قال له ولقومه يا أهل الكتاب فدل على أن لهم حكم أهل الكتاب خلافا لمن خص ذلك بالإسرائيليين أو بمن علم أن سلفه ممن دخل في اليهودية أو النصرانية قبل التبديل والله أعلم) اهـ
وهذا الشرح الوافي من ابن حجر يوضح تماماً المقصود من الحديث. فأين هو مما يقوله عدنان!
والحديث في مسلم: (رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ، وَأَدْرَكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَآمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَهُ وَصَدَّقَهُ، فَلَهُ أَجْرَانِ) فيه زيادة على البخاري (وأدرك النبي صلى الله عليه وسلّم) وكذلك (واتبعه وصدّقه) والظاهر أن عدنان ترك الزيادة لما أنها لا تساعده في مذهبه الذي لا يوجب على أهل الكتاب اتباع النبي.
وقول رسول الله صلى الله عليه وسلّم إن لمن آمن من أهل الكتاب أجرين إذا آمن بنبيه وآمن به، توضّح لك من كلام ابن حجر رحمه الله تعالى من يدخلون في هذا الحديث ويصدق بهم أنّ لهم أجرين ومن يخرجون منه.
وهو لا يستلزم البتّة أن يكون له أجر واحد إن أدرك النبي وصدّق أنه نبي ولم يتّبعه، بل هو عندئذ كافر لا يقبل منه عمل كما بيّنا لك ذلك سابقاً. ولكن إن لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلّم فله أجر واحد كما يظهر من الحديث بشرط كونه مؤمناً لم يلبس إيمانه بظلم أهل الكتاب من شرك وافتراء على الله تعالى ونحو ذلك كما مرّ.
ومما جاء في كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلى هرقل: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ: سَلاَمٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلاَمِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الأَرِيسِيِّينَ " وَ {يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَنْ لاَ نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}).
فأمره بالإسلام لتحصيل الأجر المضاعف، ولم يقل له أنت بالخيار إما أن تدخل الإسلام وتتبعني ولك أجران، أو تبقى على دينك ولك أجر واحد! ولو كان مخيّراً لوجب أن يخيّره. وهذا واضح.
وإن هذا الرجل إذا أراد أن يستدلّ لقول يقوله فإنه يمسك بأيّ كلمة بطرف حديث أو آية، ولا يهمّه أن ينتهج منهج العلماء في ذلك، بأن يجمع الأحاديث الواردة في ذلك الباب من البحث ويرتبها وينظر فيها معاً. وتكرر هذا الأمر منه بهذه الكثرة وفي مواضيع مختلفة هو ما يجعلني أكاد أجزم بأنه صاحب هوى ومتلاعب متغرّض.
وزيادة على ما أوردناه من نصوص تدل على وجوب اتباعه صلى الله عليه وسلّم سواء من الكتابيين أو من غيرهم نذكر أيضاً:
قوله عز وجل: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ)
قال الراغب في تفسيره: (في الآية قولان:
أحدهما: أن الأسلام هاهنا الاستسلام إلى الله. وتفويض الأمر إليه، وذلك أمر مراد من الناس في كل زمان ومن كل أمة وفي كل شريعة، وقدْ تقدم أن الدين في اللغة الطاعة وفي التعارف: وضع إلهي ينساق به الناس إلى النعيم الدائم، فبيّن تعالى أن من تحرى
طاعة وانسياقاً إلى النعيم من غير الاستسلام له على ما يأمره به، ويصرفه فيه فلن يقبل منه شيء من أعماله، وهو في الآخرة من الذين خسروا أنفسهم.
والثاني: أن المراد بالإِسلام شريعة محمد عليه الصلاة والسلام، فبيّن أن من تحرى بعد بعثته شريعة أو طاعة لله من غير متابعته في شريعته فغير مقبول منه، وهذا الوجه داخل في الأول، فمعلوم أن من الاستسلام الانقياد لأوامر من صحّت نبوته وظهر صدقه.) اهـ
وقال الطنطاوي: (وكل من يطلب دينا سوى دين الإسلام فهو خاسر فقال- تعالى-: «وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ». أى: ومن يطلب دينا سوى دين الإسلام الذي أتى به محمد- عليه الصلاة والسلام- فلن يقبل منه هذا الدين المخالف لدين الإسلام، لأن دين الإسلام الذي جاء به محمد، هو الدين الذي ارتضاه الله لعباده قال- تعالى- «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً»؛ ولأنه هو الدين الذي ختم الله به الديانات، وجمع فيه محاسنها.
أما عاقبة هذا الطالب لدين سوى دين الإسلام فقد بينها-سبحانه- بقوله: «وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ». أى وهو في الآخرة من الذين خسروا أنفسهم بحرمانهم من ثواب الله، واستحقاقهم لعقابه جزاء ما قدمت أيديهم من كفر وضلال.
وفي البخاري قال صلى الله عليه وسلّم: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» أى مردود عليه، وغير مقبول منه) اهـ
ثم أشار الطنطاوي إلى معنى لطيف قال: (وفي الإخبار بالخسران عن الذي يبتغى أى يطلب ديناً سوى الإسلام، إشعار بأن من يتبع ديناً سوى دين الإسلام يكون أشد خسراناً، وأسوأ حالاً، لأن الطلب أقل شراً من الاتباع الفعلي). اهـ
فهكذا يقرأ القرآن يا عدنان، لا كما يحلو لك وتهوى أن تقرأه!
وفي مسلم: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ، وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوت وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ»
والشاهد وجوب الإيمان بما أرسل به عليه الصلاة والسلام ومن ضمنه القرآن العظيم والشرع الشريف وذلك الإيمان يقتضي اتباع ما فيهما واتباع الرسول عليه الصلاة والسلام كما بينّاه مراراً.
وقال تعالى: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك)
فهو المبلغ عن الله تعالى
وقال تعالى: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما أنزل إليهم)
فسنته المطهرة بيان للكتاب
وهو قدوة الناس (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة)
وهو المعصوم الموحى إليه من الله تعالى (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى)
وقد جعل الله تعالى طاعته طاعته، ومعصيته معصيته سبحانه (ومن يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا).
فكيف لا يجب اتباع من كانت هذه صفته!؟
وقال تعالى: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)
قال تعالى: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ)
وفي حديث مسلم حين بعث النبي صلى الله عليه وسلّم معاذاً إلى اليمن قال له: (إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ).
فأمره أنه يدعوهم إلى الشهادتين وهو عنوان الدخول في الإسلام، كما في حديث: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا (في رواية يقولوا) أن لا إلا الله..) الحديث. وبعد أن يشهدوا أمرهم بالقيام بأعمال الإسلام. والشاهد أين قضيّة التخيير التي يذكرها عدنان والأمر عظيم والخطب جلل، والنبي عليه الصلاة والسلام يوصي معاذاً وهو ذاهب إلى أهل الكتاب!
وفي الحديث: «إِنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَتَى قَوْمَهُ، فَقَالَ: يَا قَوْمِ، إِنِّي رَأَيْتُ الْجَيْشَ، وَإِنِّي أَنَا النَّذِيرُ، فَأَطَاعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَانْطَلَقُوا عَلَى مَهْلِهِمْ فَنَجَوْا، وَكَذَّبَهُ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ، فَأَصْبَحُوا مَكَانَهُمْ، فَصَبَّحَهُمُ الْجَيْشُ وَأَهْلَكَهُمْ وَاجْتَاحَهُمْ، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ أَطَاعَنِي، وَاتَّبَعَ مَا جِئْتُ بِهِ، وَمَثَلُ مَنْ عَصَانِي وَكَذَّبَ مَا جِئْتُ بِهِ مِنَ الْحَقِّ»
والشاهد في قوله (مثل من أطاعني واتبع ما جئت) وأنّ ذلك هو الناجي والناس فريقان ناج وهالك.
وفي الحديث: (إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ كِتَابَ اللَّهِ، هُوَ حَبْلُ اللَّهِ، مَنِ اتَّبَعَهُ كَانَ عَلَى الْهُدَى، وَمَنْ تَرَكَهُ كَانَ عَلَى الضَّلَالَةِ)
والشاهد اتبع القرآن الكريم، وهو ينافي ما قاله عدنان؛ لأنّ من يتبع التوراة أو الإنجيل لا يكون على هدى بل على يكون تاركاً للقرآن ويكون على ضلالة.
وفي الحديث: «نَحْنُ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهُمْ، فَهَذَا يَوْمُهُمُ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَهَدَانَا اللَّهُ لَهُ، فَهُمْ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ، الْيَهُودُ غَدًا، وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ».
والشاهد أن أهل الكتاب لنا تبع لأنا أوتينا الكتاب من بعدهم من بعد أن قصّروا وضيّعوا الدين، وجاء كتابنا وشرعنا ناسخاً للشرائع السابقة و(مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ) فهو الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وكتبهم محرفة مبدلة مضيّعة.
وفي الحديث عن سؤال القبر: (يُقَالُ مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ؟ فَأَمَّا المُؤْمِنُ أَوِ المُوقِنُ - لاَ أَدْرِي بِأَيِّهِمَا قَالَتْ أَسْمَاءُ - فَيَقُولُ: هُوَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالهُدَى، فَأَجَبْنَا وَاتَّبَعْنَا، هُوَ مُحَمَّدٌ ثَلاَثًا»
والشاهد في قوله أجبنا واتبعنا عند البخاري، وفي رواية آمنّا واتبعنا عند غيره.
وغير ذلك كثير، ولو تتبعنا الكتاب والسنة للاستدلال على نقض قوله لطال ذلك كثيراً.
ثم قال عدنان: (ومحمد عرض لنا خطّته المليّة على هذا الأساس، يقول: أنا مجرّد حلقة وإن تكن أخيرة في سلسلة ممتدة، سبقني فيها عيسى الذي سبقه بدوره موسى، وسبقهم أبوهم وشيخهم إبراهيم الموحّد العظيم، وهكذا نوح إلى آدم أبو الأنبياء وأبو البشر، النبي يقول: "الأنبياء أولاد لعلات أو إخوة لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد"، الدين هو التوحيد وهو دين سماوي واحد، أما الشرائع، هذا حلال وهذا حرام فتختلف، ولا بأس أن تختلف، ولكن بشرط كما قلت،) اهـ
أقول: نعم لا بأس أن تختلف الشرائع وهي مختلفة فعلاً، ولكنّ كلّ رسول يجيء لقوم ينسخ شرعُه شرعَ من قبله ممن جاءوا إلى ذلك القوم -على الأقل- ويجب على قومه اتباعه، وانظر قوله تعالى في سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام: (وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ)
وانظر سورة الشعراء فهي زاخرة بهذا المعنى.
إذاً فلا يقبل من المرسَل إليهم مجرّد الاعتراف برسالته والبقاء على شرعهم السابق. ولكن الذي يريده عدنان أنه ما دامت الشرائع تختلف ولا بأس أن تختلف فيجوز ان يبقى من آمن من أهل الكتاب على شريعته ولا يجب عليه أن يتبع شريعة الإسلام التي جاء بها رسول الله علية الصلاة والسلام. وقد رددنا هذا الكلام من قبل، والحديث الشريف الذي ساقه لا يفيد هذا المعنى الذي يريده كما سنبينه إن شاء الله تعالى من شرح القسطلاني.
وقوله: (أولاد علاّت) بفتح العين وتشديد اللام. والعَلّة: الضرّة؛ مأخوذة من العلل وهي الشربة الثانية بعد الأولى، وكأن الزوج قد عَلَّ منها بعدما كان ناهلاً من الأخرى. وأولاد العلاّت: أولاد الضرّات من رجل واحد. يريد أن الأنبياء أصل دينهم واحد وفروعهم مختلفة، فهم متفقون في الاعتقاديات المسماة بأصول الدين كالتوحيد وسائر علم الكلام، مختلفون في الفروع وهي الفقهيات. (انظر القسطلاني)
وفي الحديث (أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة) لكونه مبشّرًا بي قبل بعثتي وممهدًا لقواعد ملتي في آخر الزمان تابعًا لشريعتي ناصرًا لديني، فكأننا واحد. (والأنبياء إخوة لعلاّت) استئناف فيه دليل على الحكم السابق، وكأن سائلاً سأل عما هو المقتضي لكونه أولى الناس به فأجاب بذلك. (أمهاتهم شتّى ودينهم) في التوحيد (واحد). ومعنى الحديث أن حاصل أمر النبوّة والغاية القصوى من البعثة التي بعثوا جميعًا لأجلها دعوة الخلق إلى معرفة الحق وإرشادهم إلى ما به ينتظم معاشهم ويحسن معادهم، فهم متفقون في هذا الأصل وإن اختلفوا في تفاريع الشرع التي هي كالموصلة المؤدية والأوعية الحافظة له؛ فعبّر عما هو الأصل المشترك بين الكلّ بالأب ونسبهم إليهم، وعبّر عما يختلفون فيه من الأحكام والشرائع المتفاوتة بالصورة المتقاربة في الغرض بالأمهات، وهو معنى قوله: "أمهاتهم شتّى ودينهم واحد". أو أن المراد أن الأنبياء وإن تباينت أعصارهم وتباعدت أيامهم فالأصل الذي هو السبب في إخراجهم وإبرازهم كلاًّ في عصره أمرّ واحد وهو الدين الحق، فعلى هذا فالمراد بالأمهات الأزمنة التي اشتملت عليهم. (انظر القسطلاني)
فأين معنى الحديث مما يريده عدنان، انظر كيف يسوق الكلام ويحرفه عن موضعه ليستدل به على ما يريد، سبحان الله في أمر هذا الرجل! نسأل الله لنا وله الهداية، والتوبة، وأن لا يجعله ولا يجعلنا فتنة للناس. آمين.
يتبع إن شاء الله...
لكن تذكر؛ رؤوس البدع و الكفر في التاريخ عرفوا بحدة الذكاء و سرعة البديهة. و إن كنا لا نسلم ذلك لعدنان ابراهيم.
. على كل، قال القاضي عياض في كتاب الشفا ط 2 دار الفيحاء م 2 ص 610 (لست بصدد تكفير الشيخ أبي زهرة، فقد توفاه الله): (((وقع الإجماع على تكفير كل من دافع نص الكتاب ، أو خص حديثا مجمعا على نقله مقطوعا به ، مجمعا على حمله على ظاهره ، كتكفير الخوارج بإبطال الرجم ، ولهذا نكفر من دان بغير ملة المسلمين من الملل ، أو وقف فيهم أو شك أو صحح مذهبهم ، وإن أظهر مع ذلك الإسلام ، واعتقده ، واعتقد إبطال كل مذهب سواه ، فهو كافر بإظهاره ما أظهر من خلاف ذلك.))))
تعليق