الرد على عدنان إبراهيم في بعض المسائل

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • بلال النجار
    مـشـــرف
    • Jul 2003
    • 1128

    #31
    وقبل أن نعرض كلامه هذا على ميزان النقد فإذا تأملنا الأصول التي بين أيدينا مما ذكر فيه طول آدم عليه السلام؛ فإنه يمكن تلخيص مواضيعها الرئيسة في أربعة:

    أولاً: وصف أول زمرة يدخلون الجنة ثمّ الذين يلونهم، كما في حديث البخاري: «إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ عَلَى أَشَدِّ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ إِضَاءَةً، لاَ يَبُولُونَ وَلاَ يَتَغَوَّطُونَ، وَلاَ يَتْفِلُونَ وَلاَ يَمْتَخِطُونَ، أَمْشَاطُهُمُ الذَّهَبُ، وَرَشْحُهُمُ المِسْكُ، وَمَجَامِرُهُمْ الأَلُوَّةُ الأَنْجُوجُ، عُودُ الطِّيبِ وَأَزْوَاجُهُمُ الحُورُ العِينُ، عَلَى خَلْقِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، عَلَى صُورَةِ أَبِيهِمْ آدَمَ، سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي السَّمَاءِ»

    ثانياً: وصف عام لمن يدخلون الجنة، كما في مسند أحمد: «يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ جُرْدًا مُرْدًا بَيْضَاءَ جِعَادًا مُكَحَّلِينَ أَبْنَاءَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ عَلَى خَلْقِ آدَمَ، طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي عَرْضِ سَبْعِ أَذْرُعٍ»

    ثالثاً: وصف المسلم والكافر إذا أعطيا كتابيهما وذكر تعظيم خلقهما ونحو ذلك، كما في سنن الترمذي وابن حبان وغيرهما: (الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ إِذَا أُعْطِيَا كِتَابَيْهِمَا الحديث في ابن حبان: «يُدْعَى أَحَدُهُمْ، فَيُعْطَى كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ وَيُمَدُّ لَهُ فِي جِسْمِهِ سِتُّونَ ذِرَاعًا وَيُبَيَّضُ وَجْهُهُ، وَيُجْعَلُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجٌ مِنْ لُؤْلُؤٍ يَتَلَأْلَأُ»، قَالَ: «فَيَنْطَلِقُ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَيَرَوْنَهُ مِنْ بَعِيدٍ، فَيَقُولُونَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي هَذَا حَتَّى يَأْتِيَهُمْ، فَيَقُولُ: أَبْشِرُوا، فَإِنَّ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْكُمْ مِثْلَ هَذَا، وَأَمَّا الْكَافِرُ، فَيُعْطَى كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ مُسْوَدًّا وَجْهُهُ، وَيُزَادُ فِي جِسْمِهِ سِتُّونَ ذِرَاعًا عَلَى صُورَةِ آدَمَ، وَيَلْبَسُ تَاجًا مِنْ نَارٍ، فَيَرَاهُ أَصْحَابُهُ، فَيَقُولُونَ: اللَّهُمَّ أَخْزِهِ، فَيَقُولُ: أَبْعَدَكُمُ اللَّهُ، فَإِنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مِثْلَ هَذَا»

    رابعاً: ذكر خلق آدم عليه السلام على صورته وتسليمه على الملائكة وأن أهل الجنة يشبهونه في خَلقه .. إلخ، كما في حديث البخاري: " خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ وَطُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، ثُمَّ قَالَ: اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ مِنَ المَلاَئِكَةِ، فَاسْتَمِعْ مَا يُحَيُّونَكَ، تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ، فَقَالَ السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ، فَقَالُوا: السَّلاَمُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، فَزَادُوهُ: وَرَحْمَةُ اللَّهِ، فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ آدَمَ، فَلَمْ يَزَلِ الخَلْقُ يَنْقُصُ حَتَّى الآنَ".

    فهذه هي المواضيع الأربعة التي ورد فيها أنّ طول آدم عليه السلام ستون ذراعاً وهي الموضوع المقصود بالذات في هذه المسألة، وسنذكر الأحاديث التي وجدناها في أثناء المناقشة إن شاء الله تعالى.


    أما قول عدنان: (هذا الحديث يرويه همّام بن منبّه أخو وهب بن منبّه، كلاهما كانا يهوديين وأسلما، همّام بن منبّه يقول: هذا ما حدّثنيه أبو هريرة -رضي الله عنه وأرضاه- أنّ الرسول صلّى الله عليه وسلّم قال: "خلق الله آدم على صورته" وهنا علامة استفهام كبيرة، ما المقصود صورة الله أم صورة آدم. نحن نرجح على صورته على صورة آدم يعني، يعني آدم لم يترقّ ولم يتطوّر في الخلقة، وإلا فإنّ الشبهة قائمة بما أنّ همّام بن منبّه أصله يهودي -أيها الإخوة- وأسلم، الشبهة قائمة أنه يعني قد يحتمل أنه أراد على صورة الرحمن؛ لأنّ هذا مكتوب في التوراة (نخلق بشراً على صورتنا) انتبهوا هذا حديث الصورة اسمه حديث الصورة، وحديث أبي مسعود الأنصاري أيضاً، قال: "لا تضربه" النبي عليه السلام: "فإنّ الله خلق آدم على صورته" هل هو..صرّح في بعض الطرق "على صورة الرحمن" هذا من دسيس الإسرائيليات. "ليس كمثله شيء". نحن لسنا على شكل الله، الله ليس له هذا الشكل، أعوذ بالله يا أخي) اهـ


    فأقول: أما التعريض بهمام بن منبّه الذي روى عن أبي هريرة لكونه كان يهودياً وأسلم، بأنه ربّما أراد نسبة الصورة إلى الله عزّ وجلّ؛ لأنّ اليهود يثبتون لله تعالى صورة كما في توراتهم المحرّفة، فجواب هذه التهمة التي جازف عدنان العجول باتهام همام بن منبه بها هو أن وظيفة همّام هنا هي الرواية فهو جزء من السند، ومن حيث هو راوٍ كيف يناقش قصدُه؟! فالعبارة محلّ البحث هنا هي (خلق الله آدم على صورته) وهي منسوبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وليست من كلام همّام لكي يناقش قصُده. كيف يقال مثل هذا الكلام التافه الذي لا قيمة له عن رجل مسلم ثقة، وثقه أئمة الجرح والتعديل كيحيى بن معين وغيره، وذكره ابن حبان في كتاب «الثقات»، وقال العجلي فيه: يماني تابعي ثقة. فسواء كان يهودياً أو نصرانياً أو مشركاً من غير أهل الكتاب قبل إسلامه، فأي تهمة في ذلك. عدنان هنا يتهم همام بن منبه بقوله: (الشبهة قائمة أنه يعني قد يحتمل أنه أراد على صورة الرحمن)!!! فعجباً يتهم رجلاً بشبهة احتمال أنه لمّا روى قول رسول الله صلى الله عليه وسلّم: (خلق الله آدم على صورته) أنه قصد أن معنى قوله عليه السلام صورته هو صورة الرحمن جل وعلا!! فهل لهذا الاتهام في ميزان العلم قيمة!!! أيّ منهج علميّ هذا يا عدنان! أن تناقش الناس في نواياهم وما يفهمونه ويقصدونه من كلام غيرهم الذي يسمعونه ويبلغونه لغيرهم كما سمعوه!


    إنه ليس لهذا الاتهام أيّ معنى إلا أن يريد عدنان أن همام بن منبّه افترى هذا اللفظ على أبي هريرة وأنه لم يسمعه منه، وبالتالي فقد كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، بأن أتى بهذا الكلام من التوراة وصاغه ونسبه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مدعياً أنه سمعه من أبي هريرة!


    فإذا كان هذا ما يريده فجوابه أنّ إضافة الصورة إلى ضمير يحتمل أن يكون عائداً على الله عزّ وجلّ، لا بل إضافة الصورة إلى صريح اسم الرحمن جلّ وعلا ورد في أحاديث أخرى ليس في سندها همّام بن منبّه. بل تلك الأحاديث هي التي وقع فيها الخلاف الشديد، لا هذا الحديث فإنه مؤوّل بلا إشكال. كما بيّن ذلك ابن فورك في كتابه مشكل الحديث وبيانه، حيث قال: (حديث الصورة وبيان تأويله: فمن أقسام الرتبة الأولى من هذه الأخبار مما يدخل في باب المستفيض الذي تلقاه أهل العلم بالقبول ولم ينكره منهم منكر وهو حديث الصورة. وقد روي ذلك على وجهين في بعض الأخبار وهو قوله عليه السلام: "إن الله خلق آدم على صورته"، ولا خلاف بين أهل العلم والنقل في صحة ذلك.


    وقد روي أيضاً إن الله خلق آدم على صورة الرحمن، وأهل النقل أكثرهم على إنكار ذلك وعلى أنه غلط وقع من طريق التأويل لبعض النقلة فتوهم أن الهاء يرجع إلى الله تعالى فنقل على المعنى على ما كان عنده في أن الكناية ترجع إلى الله تعالى.

    وقد روي في بعض أحاديث عكرمة عن ابن عباس وفي حديث أم الطفيل وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم إطلاق لفظ الصورة على وجه آخر وهو قوله عليه السلام: رأيت ربي في أحسن صورة....) اهـ

    وبيّن ابن فورك في كلام طويل جميع وجوه تأويله على أتمّ وأحسن نظام. فليرجع إليه.


    فأنت ترى أن الحديث الذي رواه همّام بن منبه عن أبي هريرة لا خلاف بين أهل العلم والنقل على صحته كما قال ابن فورك. ولكن الذي تردد فيه العلماء وكان أكثرهم على إنكاره هو الذي أضيف فيه لفظ الصورة إلى الرحمن؛ وهو أيضاً مؤول على أحسن نظام في كتاب ابن فورك فليرجع إليه من أراد.


    ولأبي حاتم ابن حبّان كلام نفيس في الرد على من تكلّم على هذا الحديث، ننقله بتمامه للفائدة، وإن كان كلام ابن فورك أتمّ وأوسع ولكنا أضربنا عن نقله لطوله. قال أبو حاتم ابن حبان رحمه الله تعالى في صحيحه: (هَذَا الْخَبَرُ تَعَلَّقَ بِهِ مَنْ لَمْ يُحْكِمُ صِنَاعَةَ الْعِلْمِ وَأَخَذَ يُشَنِّعُ عَلَى أَهْلِ الْحَدِيثِ الَّذِينَ يَنْتَحِلُونَ السُّنَنَ، وَيَذُبُّونَ عَنْهَا، وَيَقْمَعُونَ مَنْ خَالَفَهَا بِأَنْ قَالَ: لَيْسَتْ تَخْلُو هَذِهِ الْهَاءُ مِنْ أَنْ تُنْسَبَ إِلَى اللَّهِ أَوْ إِلَى آدَمَ، فَإِنْ نُسِبَتْ إِلَى اللَّهِ كَانَ ذَلِكَ كُفْرًا، إِذْ {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}، وَإِنْ نُسِبَتْ إِلَى آدَمَ تَعَرَّى الْخَبَرُ عَنِ الْفَائِدَةِ، لِأَنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ خُلِقَ عَلَى صُورَتِهِ لَا عَلَى صُورَةِ غَيْرِهِ، وَلَوْ تَمَلَّقَ قَائِلُ هَذَا إِلَى بَارِئِهِ فِي الْخَلْوَةِ، وَسَأَلَهُ التَّوْفِيقَ لِإِصَابَةِ الْحَقِّ وَالْهِدَايَةِ لِلطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ فِي لُزُومِ سُنَنِ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَكَانَ أَوْلَى بِهِ مِنَ الْقَدْحِ فِي مُنْتَحِلِي السُّنَنِ بِمَا يَجْهَلُ مَعْنَاهُ، وَلَيْسَ جَهْلُ الْإِنْسَانِ بِالشَّيْءِ دَالًا عَلَى نَفْيِ الْحَقِّ عَنْهُ لِجَهْلِهِ بِهِ.

    وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّ أَخْبَارَ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَحَّتْ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ لَا تَتَضَادَّ، وَلَا تَتَهَاتَرُ، وَلَا تَنْسَخُ الْقُرْآنَ بَلْ لِكُلِّ خَبَرٍ مَعْنًى مَعْلُومٌ يُعْلَمُ، وَفَصْلٌ صَحِيحٌ يُعْقَلُ، يَعْقِلُهُ الْعَالِمُونَ.


    فَمَعْنَى الْخَبَرِ عِنْدَنَا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ": إِبَانَةُ فَضْلِ آدَمَ عَلَى سَائِرِ الْخَلْقِ، وَالْهَاءُ رَاجِعَةٌ إِلَى آدَمَ، وَالْفَائِدَةُ مِنْ رُجُوعِ الْهَاءِ إِلَى آدَمَ دُونَ إِضَافَتِهَا إِلَى الْبَارِئِ جَلَّ وَعَلَا - جَلَّ رَبُّنَا وَتَعَالَى عَنْ أَنْ يُشَبَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ - أَنَّهُ جَلَّ وَعَلَا جَعَلَ سَبَبَ الْخَلْقِ الَّذِي هُوَ الْمُتَحَرِّكُ النَّامِي بِذَاتِهِ اجْتِمَاعَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، ثُمَّ زَوَالَ الْمَاءِ عَنْ قَرَارِ الذَّكَرِ إِلَى رَحِمِ الْأُنْثَى، ثُمَّ تَغَيُّرَ ذَلِكَ إِلَى الْعَلَقَةِ بَعْدَ مُدَّةٍ، ثُمَّ إِلَى الْمُضْغَةِ، ثُمَّ إِلَى الصُّورَةِ، ثُمَّ إِلَى الْوَقْتِ الْمَمْدُودِ فِيهِ، ثُمَّ الْخُرُوجِ مِنْ قَرَارِهِ، ثُمَّ الرَّضَاعِ، ثُمَّ الْفِطَامِ، ثُمَّ الْمَرَاتِبِ الْأُخَرِ عَلَى حَسَبِ مَا ذَكَرْنَا إِلَى حُلُولِ الْمَنِيَّةِ بِهِ.

    هَذَا وَصْفُ الْمُتَحَرِّكِ النَّامِي بِذَاتِهِ مِنْ خَلْقِهِ وَخَلْقِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَّا آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي خَلْقَهُ عَلَيْهَا، وَطُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ تَقدمه اجْتِمَاعُ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، أَوْ زَوَالُ الْمَاءِ، أَوْ قَرَارُهُ، أَوْ تَغْيِيرُ الْمَاءِ عَلَقَةً أَوْ مُضْغَةً، أَوْ تَجْسِيمُهُ بَعْدَهُ، فَأَبَانَ اللَّهُ بِهَذَا فَضْلَهُ عَلَى سَائِرِ مَنْ ذَكَرْنَا مِنْ خَلْقِهِ، بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ نُطْفَةً فَعَلَقَةً، وَلَا عَلَقَةً فَمُضْغَةً، وَلَا مُضْغَةً فَرَضِيعًا، وَلَا رَضِيعًا فَفَطِيمًا، وَلَا فَطِيمًا فَشَابًّا كَمَا كَانَتْ هَذِهِ حَالَةُ غَيْرِهِ ضِدَّ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ أَصْحَابَ الْحَدِيثِ حَشْوِيَّةٌ يَرْوُونَ مَا لَا يَعْقِلُونَ وَيَحْتَجُّونَ بِمَا لَا يَدْرُونَ) اهـ

    وكما قلت لم يستوف ابن حبان جميع وجوه تأويله كما فعل ابن فورك، فمن أراد أن يقف على ذلك فلينظره في كتابه، ولا نريد أن نطيل بذكره فينتشر الكلام ويخرج عن المقصود بالذات.

    فبان لك أن تعريضه بهمام بن منبه واتهامه ليس له وجه من هذه الجهة. وعدنان هنا قد خلط الكلام عن هذا الحديث بأحاديث الصورة التي أضيف فيها لفظ الصورة إلى الرحمن، وجعلهما من رتبة واحدة، مع أن بينهما بوناً كما نقلناه عن ابن فورك. فهذا الحديث متفق على صحته عند أهل الصناعة، وقد بيّن معناه بلا إشكال، وأما الأحاديث التي فيها إضافة الصورة إلى الرحمن فأكثرها ضعيف أو منكر وبعضها مرسل كحديث عطاء: (خلق آدم على صورة الرحمن) الذي ذكره ابن تيمية في التسعينية، والبعض صحح بعضها. ولو صحّت فلا إشكال عندنا في صحتها، فقد تأولته العلماء تأويلات رائقة يفهمها من أوتي فهماً وذوقاً.


    وإني لا أدري ما دخل ذكر أن همام بن منبه كان يهودياً... إلخ فيما نحن فيه من بحث طول آدم عليه السلام، فإن كان يعرض بهمام بن منبه أنه افترى لفظ الصورة فقط حين ذكر ذلك عرضاً فقد أجيب عن ذلك، وإن كان مراده أنه ربما هو من زاد في الحديث أن طول آدم عليه السلام كان ستين ذراعاً. فهذا يقتضي أن يكون همام بن منبه قد كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلّم أو أنه خلط عن غير قصد فجاء بشيء من الإسرائيليات ووضعه في الحديث. فإن كان عدنان ذكر ذلك بأسلوبه الماكر ليوهم هذا المعنى ويوقعه في نفس السامع فأسانيد الأحاديث التي جاء فيها أن طول آدم عليه السلام ستون ذراعاً تردّ هذه التهمة فسند الحديث عند البخاري: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ومثله سند مسلم: قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ يَعْنِي ابْنَ زِيَادٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ الحديث، ولابن حبان مثله: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَزْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
    وأبو زرعة هو ابن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي الكوفي، من الثقات التابعين وعلمائهم.

    ولمسلم سند ثان: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وأبو صالح هو ذكوان بن عبد الله السمّان مولى أم المؤمنين جويريّة وهو عالم حافظ ثقة بالاتفاق.

    ولابن حبان أيضاً: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: (...وَيُزَادُ فِي جِسْمِهِ سِتُّونَ ذِرَاعًا عَلَى صُورَةِ آدَمَ...) الحديث.

    وفي مصنف ابن أبي شيبة: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ على أن عليّ بن زيد من الضعفاء. ومثله في مسند أحمد حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا يزيد أنا حماد بن سلمة عن على بن زيد عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة: (يدخل أهل الجنة الجنة جردا مردا بيضا جعادا مكحلين أبناء ثلاث وثلاثين على خلق آدم ستون ذراعا في عرض سبع أذرع). وهذا صححه أحمد شاكر.

    فبملاحظة أسانيد الأحاديث التي ذكرت أن طول آدم عليه السلام هو ستون ذرعاً، نعلم أنه لم ينحصر الراوي عن أبي هريرة في همام بن منبه، وبذلك تنتفي التهمة عنه. على أنّ شيئاً من الإسرائيليات لم تذكر فيما أعلم- أن طول آدم عليه السلام كان ستين ذراعاً لكي يقال إنه اختلط عليه.

    وأما قول عدنان: (نحن لسنا على شكل الله، الله ليس له هذا الشكل، أعوذ بالله يا أخي)

    أقول: قد أساء التعبير فإنه يتضمن إثبات شكل وصورة له تعالى، وهو ما هربت منه. فليس لله صورة البتة تعالى عن ذلك علواً كبيراً. والصواب أن يكتفي بنفي الصورة والشكل عنه، لا أن يقول نحن لسنا على شكله. جلّ جلاله وتقدست أسماؤه. ولنتسامح معه في العبارة لما أنا عرفنا قصده، ولكننا لا نتسامح معه في منهج ردّ ما أمكن تأويله من الحديث إذا ثبتت صحته.

    وما قاله عدنان -كما سيأتي- من أنّ مثل هذا الحديث مما يردّ ولو كان في الصحاح!! فهو مذهب مردود، ومنهج مرفوض، ولا يمتّ إلى مذهب أهل السنّة بصلة. فأين العلم في أن يردّ الحديث لمجرد استشكاله مع إمكان فهمه وتأوله على معنى لا يتعارض مع القطعيّات! وهل لعدنان إبراهيم منهج أصلاً حين يدّعي انتهاجه لنهج العلم والعلماء وهو يقول إنه يريد أن يعيد النظر في ثوابت الدين وقطعيّاته! سبحان الله!

    يتبع إن شاء الله تعالى.....
    ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

    تعليق

    • بلال النجار
      مـشـــرف
      • Jul 2003
      • 1128

      #32
      أما قوله: (مثل حديث "وإنّ ربكم ليس بأعور"، فهذا مما يردّ ولو كان في الصحاح. يعني لو كان بعينين يعني... أستغفر الله العظيم.. شي فظيع يا أخي هذا.. هذا من إسرائيليات الإسرائيليين في أحاديثنا في عقائدنا) اهـ

      أقول: الأحاديث التي وصفت الدجال وجاء فيها (إن ربكم ليس بأعور)، أو (إن الله ليس بأعور) رواها نحو خمسة عشر صحابياً، وكثير منها صحيحة، من ذلك حديث عبد الله بن عمر في مسند أحمد وفي صحيحي البخاري ومسلم وسنن أبي داوود وغيرهم، وحديث أنس بن مالك في صحيحي البخاري ومسلم وسنن أبي داوود وغيرهم، وحديث عبادة بن الصامت عند أبي داوود أيضاً وغيره، وحديث ابن عباس في سنن البزار وغيره، وحديث أبي أمامة الباهلي عند ابن خزيمة وأبي نعيم وغيرهما، وحديث جابر بن عبد الله الأنصاري عند ابن خزيمة أيضاً وعند غيره، وحديث أم سلمة عنده كذلك، وحديث أم المؤمنين عائشة بسند صحيح عند المنذري في الترغيب والترهيب، وحديث أبي سعيد الخدري عند ابن كثير في البداية والنهاية، وحديث سلمة بن الأكوع بإسناد ضعيف عند ابن كثير، وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص في مجمع الزوائد، وحديث أسماء بنت يزيد بسند فيه ضعف في مجمع الزوائد، وحديث سعد بن أبي وقاص في مجمع الزوائد وفيه ابن إسحاق مدلس، وعند البوصيري بإسناد ضعيف، وعند أحمد بإسناد صحيح، وحديث جنادة بن أبي أميّة عند البوصيري في إتحاف الخيرة ورجاله ثقات، وقد روي مرسلاً من أكثر من راو.. وإحصاء طرق هذه الأحاديث أمر يطول، إلا أنّ هذا اللفظ صحيح مشهور لم يختلف أهل الصناعة في صحته، وهذا أمر متعالم يعرفه القاصي والداني. وللوقوف على طرق هذه الأحاديث والتثبت من أحكامها من حيث الصحة وغيرها يمكنكم البحث في الموسوعات الحديثية عن قوله (ليس بأعور).

      فأيّ منهجٍ علميّ يجيز لنا أن نردّ هكذا حديث، ونعتبره في عداد العدم، كأنه غير موجود أصلاً وكأنه لم يصلنا بكل هذه الطرق!؟

      هب أن جاراً لك يا عدنان قال قولاً وبلغك لا أقول بكل هذه الطرق، ولا بنصفها بل أخبرك به واحد أو اثنان أو ثلاثة من الناس، فهل يصحّ في العقل أن يكون هذا الخبر عندك كعدمه، هل يصحّ في العقل أن لا تتعلّق النفس به تعلّق تجويز أنه قد وقع بالفعل على سبيل الظنّ؟!

      كلّ عاقل سوف يجيب بالنفي، ويقول إن أي إنسان لا بدّ أن يحصل عنده ظنّ تتفاوت شدته وضعفه بحسب حال الرواة. ولا يمكنه أن يهمله ويجعله في حكم العدم. وهذا من حيث ما هو خبر محض بصرف النظر عن مضمونه.

      فإن كان مضمونه ممكناً ومفهومه سائغاً متأوّلاً على معنى مقبول معقول، فأيّ منهج هذا الذي يردّه ويعتبره كالعدم سواء كان معناه ظاهراً أو مؤوّلاً؟!
      متى كان مجرد استشكال لفظ كافياً لرده؟! وقد علمنا أنّ الناس استشكلوا آيات في القرآن الكريم ولم يفهموها على وجهها، فهل يحقّ لنا ردّها؟!

      سيقول لنا قائل: ذاك متواتر مقطوع بلفظه معلوم أنه صادق فنتأوله ولا نرده.

      فأقول: وهذا مشهور مترجح صحة لفظه مظنون صدقه ظناً غالباً قوياً فنتأوله أيضاً ولا نردّه.

      فكما أن المقطوع بلفظه لا سبيل إلى الشك في وروده فنتأوله، وتأولنا له هو لكونه مشكلاً وصادقاً البتة، فكذلك المظنون وبخاصة المظنون ظناً قوياً لكثرة طرقه كهذا فنتأوله لكونه مشكلاً يحتمل أن يكون صادقاً احتمالاً قوياً جداً. بل إن العلماء قد لشدة حرصهم قد اجتهدوا في تأول الحديث المشكل مهما كان ضعيفاً لمجرد احتمال أن يكون للفظ أصلاً في حديث النبي صلى الله عليه وسلّم. هكذا يكون الحرص على الدين يا عدنان وليس على طريقتك أنت!

      فإنه لا يمكن لأحد أن يقول عن حديث ضعيف إنه كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لاحتمال أن يكون صادقاً. فكيف لا يتأول حديث صحيح نظنّ صدقه وأن النبي -عليه الصلاة والسلام- قاله ظناً قوياً جداً؟!

      هب أنه ثابت بالفعل وأنه عليه الصلاة والسلام قاله بالفعل فأين تذهب من الله يا عدنان حين تردّه؟!
      فإذا انضاف إلى ذلك أن اللفظ يعقل له مفهوم مقبول لا يعارض مقطوعاً به، ويمكن توجيهه وصرفه إلى معنى صحيح لا إشكال فيه، فكيف يردّ، وبأيّ حقّ يُكذَّب!؟

      وإننا لو سلّمنا لك جدلاً أنك اجتهدت وحققت وبحثت، فإنّ غاية ما يفيده نظرك واجتهادك على حد تعبيرك يا عدنان- هو ظنّ كذب هذا الحديث، وهو في الحقيقة ظنّ ضعيف جداً بالنظر إلى تأوّل العلماء للحديث، فهب أنك مخطئ في اجتهادك هذا فأين نذهب نحن إذا تبعناك ورددنا الحديث!؟
      وما معنى قولك لنا هذا الحديث يرد وإن روي في الصحاح!؟ هل تريدنا مثلاً أن نعيد طباعة الصحاح ونحذف منها هذه الأحاديث التي تردّها حضرتك حرصاً على أمّة الإسلام من الضلال على حسب ادعائك!؟

      سبحان الله! إنه لا يحق لك أن ترد اجتهاد غيرك باجتهادك، اجتهادك لا يردّ اجتهاد الآخرين. وأين اجتهادك في ردّ الحديث من اجتهاد هؤلاء الأئمة في قبوله، وهم متنبهون إلى المعنى الذي تتكلّم فيه والذي لأجله تردّ أنت الحديث، فأنت في الحقيقة لم تكشف لهم عن معنى جديد لا يعرفونه، وهم ليسوا غافلين عما تقول، وهم أئمة اللغة، وهم يقولون لك إنّ الحديث يمكن حمله على معنى صحيح لا يناقض الأصول القطعية! ومع ذلك تصرّ على ردّه؟! فأيّ منهج علميّ هذا؟!!

      وإن ما أفادتنا إياه طرق الحديث مع معناه بحسب ما تأولته العلماء ظنّ قويّ جداً بصحته، فكيف تجعل ظنّك الضعيف بكذبه كافياً لإسقاط الظنّ القويّ بصدقه؟! هذا ليس من المنهج العلميّ في شيء!

      وإنك في الحقيقة عمدت إلى ظنّ العلماء الذين نظروا في الحديث، عمدت إلى ظنّهم وجعلته هباء منثوراً، أسقطت ذلك الظنّ، واعتبرته صفراً عدماً كأنه لم يوجد، فكيف جاز لك طرح الظنّ ومساواته بالعدم؟ هذا ليس من المنهج العلميّ في شيء!

      نعم هنالك احتمال وقوع خطأ من جهة الرواة لكونهم غير معصومين، ومن جهة النقل بالمعنى ونحو ذلك لكنّ الحديث يبقى محتملاً للصواب، ويبقى مفيداً للظنّ. ومعلوم أن الظنيّ إذا عارض ظنيّاً آخر فلا إشكال، لأنّه إن أمكن الجمع بينهما وإلا بقي احتمال أن أحدهما يمكن أن يكون خطأ. فمع بقاء احتمال خطأ اجتهادك أنت ونظرك فكيف تقطع بنفي نسبة الحديث إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام وترده؟!

      إن المنهج العلميّ الذي تتبجح باتباعه -يا عدنان- لا يقرر أنّ اجتهادك ونظرك هو الحق ودونه باطل مردود. والمنهج العلميّ لا يمكنه أن يهمل الظنّ، بل يعتبره، ويوجب علينا أن ننزل كلّ قضيّة في مرتبتها الملائمة لها. فالمتواتر اللفظي مقطوع به من حيث ثبوت اللفظ، فينظر بعدئذٍ هل هو مقطوع به من حيث المعنى والدلالة أو أنه ظنّي أو أنه دون ذلك. والمتواتر المعنويّ مقطوع بثبوت معناه غير مقطوع بلفظه. واللفظ الظنّي الثبوت قد يكون ظنّي الدلالة وقد يكون قطعيّ الدلالة. وهكذا هي الحال. فلا بدّ من إنزال كلّ شيء في منزلته ومرتبته المناسبة من اليقين أو الظنّ أو الشكّ أو الوهم أو التكذيب.

      فلا نردّ المظنون أو المشكوك، أو الموهوم ونقول إنه كذب؛ لأنّه يوجد احتمال أن يكون صواباً. كما أنا لا نقبله على سبيل القطع؛ لأن هنالك احتمالاً أن يكون فيه خطأ. ولكن نقطع بالمقطوع، ونردّ ما ناقضه، ونجوز المظنون تجويزاً راجحاً، ونجوّز طرفي المشكوك ونتوقف في ترجيح أحد طرفيه بلا مرجّح، إلى أن نجد أمارة أو دليلاً نرجح به أحد طرفيه على الآخر، ونجوّز الموهوم تجويزاً مرجوحاً، ونردّ المقطوع بكذبه ونقطع بصحة نقيضه. هكذا نتعلّم في مبادئ أصول الفقه، ولا يجوز لنا أن نتعدّى على هذه القواعد، فنظلم أنفسنا ونظلم غيرنا. وكثير من التعسفات والأحكام الجائرة، والأخطاء الفكرية مبنية على عدم مراعاة هذه المبادئ. وكثير من أحكامك وكلامك يا عدنان هي من أمثلة على تلك الأخطاء، ومنشأ غلطك فيها هو عدم التزامك بهذه المبادئ والقواعد التي هي من مسلمات المنهج العلمي الذي تتبجح بترديد أنك ملتزم به، وهو منك براء!

      وقد أطلنا، فلنذكر ما قاله العلماء في توضيح معنى الحديث لكي لا يبقى في نفس السامع شيء من كلام عدنان وتهويلاته.
      قال ابن حجر في الفتح: (قوله إنه أعور وإن الله ليس بأعور إنما اقتصر على ذلك مع أن أدلة الحدوث في الدجال ظاهرة لكون العور أثر محسوس يدركه العالم والعامي ومن لا يهتدي إلى الأدلة العقلية، فإذا ادعى الربوبية وهو ناقص الخلقة والإله يتعالى عن النقص علم أنه كاذب. وزاد مسلم في رواية يونس والترمذي في رواية معمر قال الزهري فأخبرني عمرو بن ثابت الأنصاري أنه أخبره بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يومئذ للناس وهو يحذرهم تعلمون أنه لن يرى أحد منكم ربه حتى يموت وعند بن ماجه نحو هذه الزيادة من حديث أبي أمامة وعند البزار من حديث عبادة بن الصامت وفيه تنبيه على أن دعواه الربوبية كذب؛ لأن رؤية الله تعالى مقيدة بالموت والدجال يدعي أنه الله ويراه الناس مع ذلك) اهـ

      فأنت ترى أن النبي صلى الله عليه وسلّم تكلّم في أمارات محسوسة يعرف بهما كذب هذا الدجال؛ لكي لا تشتبه على أحد مهما كان ضعيف العقل قاصر النظر. أولها أنه أعور أي أنه ظاهر العيب، فماذا يريد الواحد أكثر من أن يرى أمامه إنساناً -وليته كان إنساناً سليماً لربما اشتبه الأمر على المجسمة المشبهة- لا، إنه إنسان أعور ظاهر العور ذميم الخلقة! فمهما كان المرء بليداً ولو كان غارقاً في أوحال التجسيم والتشبيه سواء كان من المنتسبين إلى الإسلام أو إلى النصارى الذين يعتقدون إمكان حلول الإله في الإنسان أو اليهود الذين يعتقدون أن الإله له صورة كصورة الإنسان فلن يشتبه عليه أن مثل هذا الشيء الذميم المنظر الناقص الهيئة الظاهر العيب ليس بإله؛ لأنّ الإله في ذهن كلّ إنسان منزه من كلّ عيب ونقص.


      والأمر الآخر الذي ورد في الزيادات التي نبّه عليها ابن حجر أنّ الإنسان لن يرى الله تعالى في اليقظة حتى يموت، وما دام حياً في الدنيا فلن يراه، فأي شيء يراه في الدنيا مهما كان فهو ليس بالإله جلّ في علاه. فهذه علامة حسية لا تشتبه على أحد أيضاً.


      وذكر النبي صلى الله عليه وسلّم أيضاً أنه مكتوب بين عينيه كافر أو نحوها يقرأها كل مؤمن أو كلّ من يكره عمله سواء كان أمّياً أو كاتباً. وهذه علامة لا تشتبه على أحد، وهي تثبيت من الله تعالى لقلوب عباده. قال ابن حجر: (وكأن السر اللطيف في أن الكاتب وغير الكاتب يقرأ ذلك لمناسبة أن كونه أعور يدركه كل من رآه فالله أعلم) اهـ


      وكذلك وصفه النبي صلى الله عليه وسلّم وصفاً حسياً تامّاً بما لا يشتبه على أحد، فذكر أنه أعور، وكأنّ عينه عنبة طافية، وأنه هجان بكسر أوله وتخفيف الجيم أي أبيض أزهر كأن رأسه أصلة، وأنه أشبه الناس بعبد العزى بن قطن، وأنه ضخم فَيْلَماني أي عظيم الجثة، وأنه كأن رأسه أغصان شجرة يريد أن شعر رأسه كثير متفرق قائم، وأنه جُفال الشعر أي كثيره، وأنه شاب قطط، عينه قائمة، أجلى الجبهة عريض النحر ممسوح العين اليسرى، وشبه عينه الممسوحة بعين أبي يحيى الأنصاري. وإنه يجيء معه تمثال الجنة والنار فالتي يقول إنها الجنة هي النار، ويلقى المؤمنون منه شدة شديدة...إلخ فكلّ هذه أوصاف حسيّة لا تشتبه على العامّ ولا على الخاصّ كما قلنا.


      وأما قول عدنان (يعني لو كان بعينين يعني... أستغفر الله العظيم.. شي فظيع يا أخي هذا... هذا من إسرائيليات الإسرائيليين في أحاديثنا في عقائدنا) وهذا الذي عوّل عليه في ردّ الحديث فإنه يريد منه أن الحديث مردود يستحيل أن يقوله رسول الله صلى الله عليه وسلّم، لأنّ قوله: (ربكم ليس بأعور) يفيد أنه لو كان بعينين لأمكن أن يكون الدجال إلهاً، وهذا شيء فظيع لا يمكن أن يقوله رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فهو حتماً من الإسرائيليات التي تسرّبت إلى الأحاديث.


      فأقول: خذ مثلاً حديث ابن عمر عند البخاري قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله لا يخفى عليكم، إن الله ليس بأعور - وأشار بيده إلى عينه- وإن المسيح الدجال أعور العين اليمنى، كأن عينه عنبة طافية»

      والأحاديث الأخرى على شاكلته. فهذا الكلام لا يؤخذ لا من منطوقه ولا من مفهومه أنه لو لم يكن أعور أنه يمكن أن يكون إلهاً. بل نفى عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث العور عن الله عزّ وجلّ وأشار بيده إلى عينه.

      وهذه الإشارة منه عليه الصلاة والسلام إلى عينه رأيناها في أحاديث أخرى، انظر قول ابن حجر: (قوله تعالى إن الله كان سميعا بصيرا ويضع إصبعيه قال أبو يونس وضع أبو هريرة إبهامه على أذنه والتي تليها على عينه قال البيهقي وأراد بهذه الإشارة تحقيق إثبات السمع والبصر لله ببيان محلهما من الإنسان يريد أن له سمعا وبصرا لا أن المراد به العلم فلو كان كذلك لأشار إلى القلب لأنه محل العلم ولم يرد بذلك الجارحة، فإن الله تعالى منزه عن مشابهة المخلوقين، ثم ذكر لحديث أبي هريرة شاهداً من حديث عقبة بن عامر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر إن ربنا سميع بصير وأشار إلى عينيه وسنده حسن وسيأتي في باب ولتصنع على عيني حديث إن الله ليس بأعور وأشار بيده إلى عينه وسيأتي شرح ذاك هناك) اهـ

      فعلى هذا يكون معناه أن الله تعالى بصير وليس به تعالى عيب العمى، فهو نفي للنقص الذي هو العمى وإثبات لضده الذي هو البصر وهو كمال مطلق. ثمّ ذهبنا إلى حيث قال ابن حجر أنه سيشرح ذلك، حيث قال هناك:

      (وقال ابن المنير وجه الاستدلال على إثبات العين لله من حديث الدجال من قوله إن الله ليس بأعور من جهة أن العور عرفاً عدم العين، وضد العور ثبوت العين، فلما نزعت هذه النقيصة لزم ثبوت الكمال بضدها وهو وجود العين، وهو على سبيل التمثيل والتقريب للفهم لا على معنى إثبات الجارحة، قال: ولأهل الكلام في هذه الصفات كالعين والوجه واليد ثلاثة أقوال أحدها أنها صفات ذات أثبتها السمع ولا يهتدي إليها العقل، والثاني أن العين كناية عن صفة البصر واليد كناية عن صفة القدرة والوجه كناية عن صفة الوجود، والثالث إمرارها على ما جاءت مفوضاً معناها إلى الله) اهـ

      ثمّ قال: (...ولم أر في كلام أحد من الشراح في حمل هذا الحديث على معنى خطر لي فيه إثبات التنزيه وحسم مادة التشبيه عنه وهو أن الإشارة إلى عينه صلى الله عليه وسلم إنما هي بالنسبة إلى عين الدجال فإنها كانت صحيحة مثل هذه ثم طرأ عليها العور لزيادة كذبه في دعوى الإلهية وهو أنه كان صحيح العين مثل هذه فطرأ عليها النقص ولم يستطع دفع ذلك عن نفسه) اهـ

      وهذا معنى لطيف وهو أن العور الطارئ عليه معناه طروّ النقص عليه ولو أمكنه دفعه عن نفسه لفعل. وذلك كما قال أبو ذر، حين كان في فلاة فوضع الصنم الذي كان يعبده وذهب في حاجة فرجع فوجد الثعلب قد بال عليه، فقال: )ربٌ يبول الثُعلبان برأسه* لو كان رباً كان يمنع نفسه* برئت من الأصنام فى الأرض كلها* فقد ذل من بالت عليه الثعالب* فلا خير فى رب نأته المطالب* وآمنت بالله الذى هو غالب( اهـ
      فاستدل على أن معبوده ليس برب حين لم يدفع عن نفسه الأذى.


      وقال ابن فورك في مشكل الحديث وبيانه: (..فلما أشار إلى العين والأذن وهما محلان للسمع والبصر حقق الفرق بين السمع والبصر وبين العلم وبيّن فائدة الوصف على الاختصاص على أن العين والأذن ليس مما يبصر به ويسمع، وإنما يسمع ويبصر بالسمع والبصر اللذين يكونان في الأذن والعين، ألا ترى أنه قد يكون عين ولا يكون بصر وأذن صحيحة ولا يكون سمع، فعلم أن المقصود ليس هو إثبات الجارحة التي لا مدح في إثباتها بل المقصود إثبات الصفة التي بها يكمل الوصف بالمدح والتعظيم وأن الإشارة في ذلك ترجع إلى المستفاد مما في العين والأذن من السمع والبصر لا إلى العين والأذن، والعرب قد تقول كثيراً ما فلان إلا شمس وقمر وبدر وإنما يريدون بذلك التمثيل بوجه دون وجه، وفي هذا المعنى قول النابغة: (لأنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبق منهن كوكب)، وكذلك قال الآخر (النشر مسك والوجوه دنانير ... نير وأطراف الأكف عنم)، ولم يرد بذلك أن النشر عين المسك وإنما شبه النشر بالمسك لطيب الرائحة وأطراف الأكف بالعنم لاحمراره ورطوبته بالنعمة لا غير ذلك، وكذلك إشارته صلى الله عليه وسلم إلى الأذن والعين لتحقيق كونه سميعا بصيرا لا لإثبات جارحة لاستحالة الجوارح على الله عز وجل، ومثل هذا الخبر ما روى من خبر آخر أنه قال صلى الله عليه وسلم في وصف الدجال وأنه يدعي الربوبية قال صلى الله عليه وسلم: إن الدجال أعور وإن ربكم ليس بأعور ومعنى هذا الخبر أيضا تحقيق وصف الله تعالى بأنه بصير وأنه لا يصح عليه النقص والعمى ولم يرد بذلك إثبات الجارحة وإنما أراد نفي النقص لأن العور نقص وقد ذكرنا أنه لا مدح في إثبات الجوارح بل إثباتها لله تعالى مستحيل ووصفه بها يؤدي إلى القول بنفيه وحدثه للوجوه التي بيناها قبل) اهـ

      ولتأييد هذا الفهم الذي ذكره ابن فورك أتى برواية أخرى للحديث فيها زيادة، فقال في مشكل الحديث وبيانه: (إن الدجال أعور وإن ربكم ليس بأعور، المراد به نفي النقص عن الله عز وجل لا إثبات الجارحة وأما هذه الزيادة التي ذكرها في هذا الخبر من قوله (اعلموا أن الله صحيح) فمؤيدة لما تقدم ذكره أن المراد نفي النقص لا إثبات الجارحة ومعنى وصف الله جل ذكره بصحيح إثباتُه على غاية الكمال في صفات المدح والتعظيم، ومن كمال صفات المدح والتعظيم إثباته بصيرا وأن له بصرا هو صفة له قائمة به لا قائمة بجارحة لاستحالة وصفه بالجوارح والآلات) اهـ

      إذاً ليس المراد الجارحة بل الصفة التي تقوم في الشاهد بالجارحة.

      وأقول: في بعض طرق الحديث من حديث جابر، وكذلك أبي أمامة الباهلي: (...فيقول للناس أنا ربكم وهو أعور وربكم ليس بأعور)، أو (وإن ربكم ليس بأعور). الحديث.

      وهذه الرواية تتضمن معنى لطيفاً وهو قوله: (فيقول للناس أنا ربكم وهو أعور وربكم ليس بأعور)، أي يدعي الربوبية وهو أعور أي ناقص ظاهر النقص ومعيب ظاهر العيب، وهذه هي المفارقة الكبيرة...وقوله ربكم ليس بأعور من باب المشاكلة للفظ، والمعنى أنه ليس به عيب ولا نقص فضلاً عن أن يكون عيبه ونقصه ظاهراً للعيان! جلّ جلاله وتقدّست أسماؤه.


      وأقول: نفي العور عن الله تعالى لا يستلزم أنه لو لم يكن الدجال أعور لأمكن أن يكون إلهاً -كما فهمه عدنان إبراهيم-؛ لأنّ نفي العور عنه تعالى لا يستلزم أبداً إمكانه عليه أو إمكان ضده الذي هو وجود الجارحة سليمة، ألا ترى أن الله تعالى نفى الظلم عن نفسه مع أنه لا يتصوّر في حقه أصلاً وأنه محال عليه، وأنك لو قلت الإله ليس بأبيض اللون مثلاً كان ذلك حقاً، ولم يلزم منه أنه يجوز في حقه تعالى خصوص البياض، ولا قبوله أياً من أضداده. فكذا ههنا.

      وكذلك قوله (الله ليس بأعور) لا ينافي بحال قوله (ليس كمثله شيء) بل هو جزئية من جزئيّات هذه القضية الكليّة. فلا يصحّ استشهاده بهذه الآية فيما سبق لنفي صحة قوله (الله ليس بأعور) وبالتالي نفي نسبها إلى النبي صلى الله عليه وسلّم؛ لأنّ السالبة الكلية لا تنافي السالبة الجزئيّة.

      وأقول: إننا نجد في القرآن الكريم من طريق الاستدلال مثله بما لا يمكنك ردّه لتواتره، كحجّة سيدنا إبراهيم عليه السلام التي آتاه الله تعالى إياها على قومه.
      قال تعالى: (وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ)

      فإن إبراهيم عليه السلام استدل لقومه عامتهم وخاصتهم فنفى أن يكون ربه ذلك الكوكب أو القمر والشمس لأن كلاً منهم قد أفل وتغيّر، فاستدل بتغيره على حدوثه ونقصه والتالي على استحالة كونه إلهاً، فأخذ تلك الجهة فقط من الكوكب أو القمر أو الشمس وهي الأفول، ولم يلتفت إلى كونه جسماً وغير ذلك مما يمكن أن يقال هنا.
      وكذلك فعل نبينا صلى الله عليه وسلّم، فأرشدهم إلى الاستدلال بالعور الذي هو نقص ظاهر محسوس لا يشتبه على أحد على استحالة كون الموصوف به وهو الدجال- إلهاً، وأخبرهم أن الله تعالى لا يخفى عليهم؛ لأنهم يعرفونه بقاعدة كليّة أعمّ من هذه وهو كونه تعالى ليس كمثله شيء، وأنه تعالى متصف بكل كمال محض لا نقص فيه.
      وهو عين إرشاد سيدنا إبراهيم عليه السلام لقومه لو تأملت حيث استدل لهم بالأفول الذي هو نقص ظاهر محسوس لا يشتبه على أحد على استحالة كون الموصوف به وهو الكوكب والقمر والشمس- إلهاً، فبرئ مما يعبدون وأخبرهم أنه سيعبد الإله المتصف بالكمال ولن يعبد إلهاً ناقصاً.

      ولا يمكنك أن تقول يا عدنان إن استدلال إبراهيم عليه السلام غير صحيح، أو ترده بقولك مثل ما قلت حين رددت الحديث أي أن تقول: (يعني لو أن الكوكب أو القمر أو الشمس لم يأفل لكان يعني... أستغفر الله العظيم.. شي فظيع يا أخي هذا... هذا من إسرائيليات الإسرائيليين في أحاديثنا في عقائدنا) إذ لا يمكنك أن ترد القرآن كما رددت الحديث.


      وأخيراً، وعلى سبيل المعارضة والتندر، ألم تقل أنت نفسك يا عدنان قبل قليل: (الله ليس له هذا الشكل!) فالأصل أنك ههنا تنفي هذا الشكل المعيّن عنه، فهل يقتضي ذلك أنك تثبت له شكلاً آخر من أضداده!!
      فكذلك ههنا فحين قال النبي صلى الله عليه وسلّم: (ربكم ليس بأعور) فلا يقتضي ذلك أنه يثبت له الجارحة سليمة وهي ضدّ العور! أو أنه لو لم يكن أعور لجاز أن يكون إلهاً. هذا فهم سقيم. والفهم المستقيم كما بيّناه لك بالتفصيل.


      وبما قلناه وفصلناه ونقلناه، تتبيّن أن الرجل يخبط خبط عشواء، ولا يقيم المنهج العلميّ، ولا يلتزم قواعد النظر، وأنه متسرّع في أحكامه دون تحقيق وتمحيص، وأن فهمه قاصر، ونظره أقصر، وأن ما يدعوه اجتهادات ليس إلا توهّمات لا يمكن أن تثبت في ذهن طالب علم يراعي آداب البحث والنظر، ويبذل وسعه في البحث، فضلاً عن أن يكون مجتهداً كما يدّعيه هذا الرجل. نسأل الله لنا وله الهداية، والله تعالى الهادي إلى سبيل الرشاد.

      يتبع إن شاء الله...
      ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

      تعليق

      • بلال النجار
        مـشـــرف
        • Jul 2003
        • 1128

        #33
        ثم قال عدنان إبراهيم: (المهم "طوله ستون ذراعاً" طول آدم ستون ذراعاً. ثمّ طبعاً إيه.. أرسله إلى الملائكة لكي يحييهم فردّوا عليه وزادوه "وبركاته" الحديث المشهور في الصحيحين.) اهـ

        أقول: ليس في الروايات أنهم زادوه "وبركاته"! بل جميع الروايات تقول: "وزادوه "ورحمة الله". لذا اقتضى التنويه.

        ثم قال: (ثمّ يختمه النبي عليه السلام بالقول: "فكل من يدخل الجنّة على طول آدم ستّون ذراعاً، فلم يزل الخلق ينقص" يعني يتقاصرون "إلى الآن" إلى اليوم. هذا حديث في الصحيحين) اهـ


        سنذكر ههنا روايات الصحيحين ونضبط الفروقات بينها، لكي يقف عليها القراء قبل الشروع في مناقشة ما قاله عدنان. وكلما احتجنا إلى رواية أخرى أوردناها إن شاء الله في موضعها من المناقشة.

        البخاري: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: " خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ وَطُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، ثُمَّ قَالَ: اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ مِنَ المَلاَئِكَةِ، فَاسْتَمِعْ مَا يُحَيُّونَكَ، تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ، فَقَالَ السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ، فَقَالُوا: السَّلاَمُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، فَزَادُوهُ: وَرَحْمَةُ اللَّهِ، فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ آدَمَ، فَلَمْ يَزَلِ الخَلْقُ يَنْقُصُ حَتَّى الآنَ".

        وهذه هي الرواية التي يشير إليها عدنان. وقد ساقها البخاري مرتين مرة بهذا السند الذي بأعلاه في باب "خلق آدم -صلوات الله عليه- وذريته"، ومرة قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. في باب بدء السلام.

        وفي البخاري أيضاً: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ عَلَى أَشَدِّ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ إِضَاءَةً، لاَ يَبُولُونَ وَلاَ يَتَغَوَّطُونَ، وَلاَ يَتْفلُونَ وَلاَ يَمْتَخِطُونَ، أَمْشَاطُهُمُ الذَّهَبُ، وَرَشْحُهُمُ المِسْكُ، وَمَجَامِرُهُمْ الأَلُوَّةُ الأَنْجُوجُ، عُودُ الطِّيبِ وَأَزْوَاجُهُمُ الحُورُ العِينُ، عَلَى خَلْقِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، عَلَى صُورَةِ أَبِيهِمْ آدَمَ، سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي السَّمَاءِ»

        وذكر هذا الحديث في باب "خلق آدم -صلوات الله وسلامه عليه- وذريته" مباشرة بعد حديث أبي هريرة الأول. وليس فيه كما تلاحظون أن الخلق ما زالوا ينقصون حتى الآن. بل الذي اعتنى به الحديث أن أهل الجنة على صورة أبيهم آدم ستون ذراعاً.

        وأما عند مسلم: بَابُ "أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ وَصِفَاتُهُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ"

        حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ يَعْنِي ابْنَ زِيَادٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ - وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةَ - قَالَا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَالَّذِينَ يَلُونَهُمْ عَلَى أَشَدِّ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ إِضَاءَةً، لَا يَبُولُونَ وَلَا يَتَغَوَّطُونَ وَلَا يَمْتَخِطُونَ وَلَا يَتْفُلُونَ، أَمْشَاطُهُمُ الذَّهَبُ وَرَشْحُهُمُ الْمِسْكُ، وَمَجَامِرُهُمُ الْأَلُوَّةُ، وَأَزْوَاجُهُمُ الْحُورُ الْعِينُ، أَخْلَاقُهُمْ عَلَى خُلُقِ رَجُلٍ وَاحِدٍ عَلَى صُورَةِ أَبِيهِمْ آدَمَ سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي السَّمَاءِ»

        وهو نفس حديث البخاري في باب خلق آدم كما تلاحظون، وليس فيه ذكر النقصان كما نبّهنا عليه.

        ولمسلم كذلك في الباب نفسه نفس الحديث المكور بأعلاه بسند آخر وفيه اختلاف بعض الرواة في بعض الألفاظ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ عَلَى أَشَدِّ نَجْمٍ فِي السَّمَاءِ إِضَاءَةً، ثُمَّ هُمْ بَعْدَ ذَلِكَ مَنَازِلُ لَا يَتَغَوَّطُونَ وَلَا يَبُولُونَ وَلَا يَمْتَخِطُونَ وَلَا يَبْزُقُونَ، أَمْشَاطُهُمُ الذَّهَبُ، وَمَجَامِرُهُمُ الْأَلُوَّةُ، وَرَشْحُهُمُ الْمِسْكُ، أَخْلَاقُهُمْ عَلَى خُلُقِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، عَلَى طُولِ أَبِيهِمْ آدَمَ، سِتُّونَ ذِرَاعًا»، قَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: عَلَى خُلُقِ رَجُلٍ، وقَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: عَلَى خَلْقِ رَجُلٍ، وقَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: عَلَى صُورَةِ أَبِيهِمْ.


        ولمسلم أيضاً: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " خَلَقَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ، طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، فَلَمَّا خَلَقَهُ قَالَ: اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ النَّفَرِ، وَهُمْ نَفَرٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ جُلُوسٌ، فَاسْتَمِعْ مَا يُجِيبُونَكَ، فَإِنَّهَا تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ، قَالَ: فَذَهَبَ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَقَالُوا: السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللهِ، قَالَ فَزَادُوهُ: وَرَحْمَةُ اللهِ، قَالَ: فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ آدَمَ وَطُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، فَلَمْ يَزَلِ الْخَلْقُ يَنْقُصُ بَعْدَهُ حَتَّى الْآنَ" اهـ


        وذكره في باب "يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير". والفرق بين هذه الرواية ورواية البخاري فيما يتعلق بما نحن فيه في ألفاظ. البخاري: (خلق الله آدم وطوله ستون ذراعاً). ومسلم: (خلق الله عز وجل آدم على صورته طوله ستون ذراعاً). بنقصان "على صورته" وبزيادة "الواو" على رواية مسلم.
        والحديث الآخر عند البخاري: (فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ آدَمَ، فَلَمْ يَزَلِ الخَلْقُ يَنْقُصُ حَتَّى الآنَ)، وعند مسلم: (فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ آدَمَ وَطُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، فَلَمْ يَزَلِ الْخَلْقُ يَنْقُصُ بَعْدَهُ حَتَّى الْآنَ) أي بزيادة (وطوله ستون ذراعاً) في رواية مسلم.

        وهذه الواو الزائدة عند البخاري أفادت معنى لطيفاً نبّه عليه ابن حجر في الفتح، قال: (قوله فكل من يدخل الجنة على صورة آدم أي على صفته وهذا يدل على أن صفات النقص من سواد وغيره تنتفي عند دخول الجنة وقد تقدم بيان ذلك في باب صفة الجنة وزاد عبد الرزاق في روايته هنا وطوله ستون ذراعا وإثبات الواو فيه لئلا يتوهم أن قوله طوله تفسير لقوله على صورة آدم وعلى هذا فقوله وطوله إلخ من الخاص بعد العام) اهـ
        أي أنّ أهل الجنة على صورة وصفة آدم عليه السلام عامة، وعلى طوله ستين ذراعاً خاصة.


        ثم قال عدنان إبراهيم: (الحافظ ابن حجر وهذا من المرّات المنزورة والمعدودة في فتح الباري استشكل شيئاً بخصوص هذا الحديث، الحديث نفسه أشكل عليه، كيف؟! قال: هذا الحديث بظاهره يخالف يخالف ما عرف ورؤي من آثار الأقوام البائدة كمساكن ثمود شوف ابن حجر عقليّة علميّة هنا، وأيامه لا في علم جيولوجيا ولا في هذي الأشياء، ولكن هكذا بعقل علمي بمنهج علمي- قال: مساكن ثمود موجودة، وأبنية لهم في الحجر وغير كذا، طيّب، قال: واضح من مساكنهم ومن آثارهم أنهم لم يكونوا إيه أعظم منا ولا أطول منا، مثلنا، مثل ما نقول الآن المومياءات المصريّة في طولنا وأحياناً أقصر قليلاً منا، نفس الطول البشري هذا 160، 170، 155سم عادي، من آلاف السنين، من ألوف؛ لأن ابن حجر يقول من ثمود حتى مساكن ثمود تؤكّد أنهم كانوا في مثل قاماتنا، على أنَّ -يقول الحافظ ابن حجر-: على أنّ المسافة بينهم وبين أبيهم آدم أدنى من المسافة التي بينهم وبيننا- فهمتم كيف، عقليّة علميّة- ثمّ قال الحافظ ابن حجر: ولم يقع لي إلى الآن ما يزيل هذا الإشكال. خلص ومضى. يقول الحديث فيه مشكلة، الحديث في الصحيحين بس فيه مشكلة)اهـ


        أقول: خلاصة ما يريده عدنان إبراهيم هنا، أنّ هذه الأحاديث التي تذكر أنّ طول آدم عليه السلام ستون ذراعاً، أحاديث مردودة لا يمكن نسبتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم. وللاستدلال على ذلك مهّد أولاً بذكر استشكال ابن حجر رحمه الله في فتح الباري. ثم أردفه بإشكالين آخرين منه كما سيأتي، أدرج هو أحدهما تحت علم الأحياء أو علم وظائف الأعضاء، وأدرج الثاني تحت علم الطب.


        ولا شكّ أن استشكال ابن حجر وجيه، كما أن استشكالي عدنان وجيهان. ويمكنني أن أضيف إشكالات أخرى تشبه إشكالات عدنان إبراهيم منها مثلاً ما يتعلق بوظيفة الرئتين وارتفاع حرارة الجسم، لكن هل يلزم من وجود هذه الاستشكالات ردّ هذه الأحاديث والقطع بنفي نسبتها إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم؟


        في الحقيقة لا يلزم من وجود هذه الإشكالات أن تكون هذه الأحاديث مكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وسلّم سواء بقصد أو بدون قصد؛ وبالتالي لا يلزم ردّها؛ لما سنبينه إنه شاء الله تعالى.

        وقد أحسن ابن حجر رحمه الله تعالى حين سجّل استشكاله، ومضى، ولم يقدح في صحّة الحديث؛ لأنه ثابت بما لا يمكنه ردّه. وهكذا كان ينبغي على عدنان أن يفعل، أعني أن يسجل استشكالاته ويحاول حلّها، فإن لم يستطع، كان عليه أن يبقيها معلّقة ويمضي كما فعل ابن حجر. فربّ مبلّغ أوعى من سامع، ولعلّ الله تعالى يفتح على بعض الناس فيجيب عن هذه الأسئلة.


        وهذا الهجوم على البخاري ومسلم والتعريض المستمر المسعور بهما من عدنان وغيره لا داعي له البتّة، فالذي يشتغل بجمع السنّة يجتهد لأن يثبت كل ما يبلغه عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم من قول أو فعل أو تقرير. ولو فعل إنسان ذلك أي أنه جمع كلّ ما ينسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم حتى الموضوعات في كتاب وقال هذا جهدي فانظروا فيه فقد أحسن وما ظلم. فكيف بالبخاري ومسلم وأصحاب السنن الذين وضعوا شروطاً معيّنة لقبول الحديث وتدوينه في كتبهم، ونصّوا على تلك الشروط. فأيّ شيء ننقم منهم يا إخواني!؟ جزاهم الله خيراً، فليس مطلوباً منهم أكثر من ذلك، ولكننا نراهم أيضاً اجتهدوا في تبويب تلك الأحاديث والترجمة لها بحسب ما فهموه منها، وبما يناسب أبواب العلوم الأخرى من فقه وفضائل وغير ذلك. وربما كرروا الحديث أو بعضاً منه في أكثر من موضع لأن فيه دلالات متعددة. فجزاهم الله تعالى خيراً لولاهم لكنا اليوم تائهين في بحر من الأوهام. وإنما قلنا إن وظيفتهم لا تتعدّى جمع الحديث واستقصاءه والتحديث به؛ لأنّ هنالك علماء آخرين سينظرون في الحديث من جهات كثيرة من جهة رجاله، ومتنه، واستنباط معانيه وتوجيهه وهكذا كلّ صاحب فنّ سيشتغل به ويستفيد منه ويتكلم فيه وعليه بما يناسب فنّه. فلا يجوز أن يلام البخاريّ مثلاً على حديث وضعه في كتابه إذا كان محققاً لشروطه التي وضعها. وعدنان إبراهيم أبداً لم يقدح في الحديث من هذه الجهة. ولا يمكنه هو ولا غيره أن يشكّك في صحّة الحديث من حيث السند. فقدح في متنه.


        والحديث الذي يعارض ظاهره نظرية علميّة أو قوانين مستمدة من استقراء الواقع، لا يردّ لمجرّد ذلك بل إذا أمكن فهمه وتأوُّله على معنى لا يتعارض مع تلك النظريات فحسن، وإلا فلا يردّ حديث لأجل ذلك؛ لأنّ غاية ما يفيده القانون الاستقرائي والنظريّة العلميّة هو الظنّ، فاحتمال الخطأ في ذلك وارد، فربّما استطعنا في القابل أن نجد قانوناً أوسع يعمّ تلك النظرية أو ذلك القانون فيصحّ معنى الحديث مع ذلك الأعمّ. وربّما تبيّنا خطأ تلك النظريّة أو ذلك الاستقراء، أو صحته جزئياً لا كليّاً. فماذا نصنع عندئذٍ إذا كنّا قد كذّبنا حديثاً شريفاً!

        أليس بالأمس كانت قوانين نيوتن هي السائدة؟ ثم جاءت النسبية لتقول إنها صحيحة جزئياً لا كليّاً، واليوم تبيّنا أن نسبية آينشتاين لا تفي بالغرض، ولا تكفي لتفسير الظواهر في الكون. فهذا هو دأب العلوم الإنسانية الطبيعية منذ عرف اشتغل بها الإنسان إلى اليوم. تتنقح وتتحرر كلّ يوم.


        نعم هنالك احتمال وقوع خطأ من جهة الرواة -كما ذكرنا سابقاً- لكونهم غير معصومين، ومن جهة النقل بالمعنى ونحو ذلك لكنّ الحديث يبقى محتملاً للصواب، ويبقى مفيداً للظنّ. لا سيّما إذا تكاثرت طرقه كما هي حال هذا الحديث؛ فعندئذ يتضاءل احتمال الخطأ فيه جداً حتى نكاد نجزم بنسبته إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام.


        والظنيّ إذا عارض ظنيّاً آخر فلا إشكال؛ لأنّه إن أمكن الجمع بينهما وإلا بقي احتمال أن أحدهما يمكن أن يكون خطأ. أو أن كلاهما صحيح جزئياً، بحيث يتقيد كلّ منهما بقيد حتى يصحّ الجميع. فمع بقاء احتمال خطأ النظرية أو القانون الاستقرائي كيف يقطع بنفي نسبة الحديث إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام؟!
        وأما القطعيّ فلا مجال لأن يعارض القطعيُّ القطعيَّ كما هو معلوم، وليس ثمة يقين وقطع ههنا في قانون استقرائي حصلنا عليه من استقراء ناقص -كما سنبينه أكثر لاحقاً إن شاء الله تعالى- وأحكام ذلك مبيّنة في التعادل والتراجيح في علم الأصول.


        وأقول: لا عيب ولا إشكال ولا مانع من تسجيل المرء استشكالاً يعرض له على حديث أو آية، فالسؤال مشروع، ولا يحجر على السائل حتى على القرآن الكريم. ولكن ثمّة فرق كبير بين من يسأل ويستشكل ويبحث عن الجواب، فإن وجده وإلا سجّل استشكاله وعلّقه لعلّ الله تعالى أن يفتح عليه أو على غيره بالجواب، وبين من يبادر إلى التشكيك في النصّ، وتكذيبه والجزم بأنّ النبي صلى الله عليه وسلّم لم يقله. فهذه مبادئ مهمة نراها ظاهرة للعيان في مذهب أهل السنة رضي الله عنهم، ولا نرى عدنان يراعيها في تناوله للأحاديث التي نقدها. وهذا مثال ظاهر للعيان، انظر كيف قال ابن حجر حين نظر في الحديث، وقارنه بما قاله عدنان إبراهيم حين نظر فيه!!!


        وهذا كلام ابن حجر الذي يشير إليه عدنان. قال ابن حجر: (قوله فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن أي أن كل قرن يكون نشأته في الطول أقصر من القرن الذي قبله فانتهى تناقص الطول إلى هذه الأمة واستقر الأمر على ذلك. وقال ابن التين قوله فلم يزل الخلق ينقص أي كما يزيد الشخص شيئاً فشيئاً ولا يتبين ذلك فيما بين الساعتين ولا اليومين حتى إذا كثرت الأيام تبين فكذلك هذا الحكم في النقص. ويشكل على هذا ما يوجد الآن من آثار الأمم السالفة كديار ثمود فإن مساكنهم تدل على أن قاماتهم لم تكن مفرطة الطول على حسب ما يقتضيه الترتيب السابق، ولا شك أن عهدهم قديم وأن الزمان الذي بينهم وبين آدم دون الزمان الذي بينهم وبين أول هذه الأمة، ولم يظهر لي إلى الآن ما يزيل هذا الإشكال) اهـ


        أقول: نعم مساكن عاد وثمود والمومياءات المصرية يظهر منها أنهم كانوا في مثل قاماتنا تقريباً. بمعنى أنهم يمكن أن يكونوا أطول منا بقدر قليل لكنهم لم يكونوا مفرطي الطول، فلعلهم في كانوا أطول منا بسنتمترات مثلاً، أي أنّ متوسط الطول كان في أيامهم أكبر مما هو لدينا بقليل.
        وقوم ثمود بحسب تقديرات الباحثين عاشوا منذ خمسة آلاف أو ستة آلاف سنة في أكثر التقادير. وما قاله ابن حجر أن الزمان الذي بينهم وبين آدم دون الزمان الذي بينهم وبين أول هذه الأمة فيه نظر. فهو صحيح بحسب تقديرات المؤرخين الإسلاميين، وبحسب ما يقوله أهل الكتاب. فهم يقررون أن عمر الإنسان نحو عشرة آلاف سنة أو ربما أقل. ويتكلم بعض الباحثين المعاصرين عن مائة ألف سنة أو أكثر قليلاً. بينما يتكلم علماء الآثار في الغرب عن مليون أو اثنين، ومؤخراً عن أربعة ملايين سنة أو ستة ملايين أو حتى سبعة ملايين سنة، عن طريق قياس أعمار الأحافير بما يعرف بالتأريخ الكربوني حيث يستخدم نظير الكربون14، لمعرفة عمر الأشياء التي كانت يوماً ما حية كالأحافير القديمة وبقايا الكائنات الحية سواء النباتات أو الحيوانات، وذلك باستخدام أجهزة تقيس نسبة نظير الكربون14 المشع إلى نظير الكربون العادي 12 غير المشع. ومبدأ ذلك أن الكائن الحي يأخذ الكربون من ثاني أكسيد الكربون عند تنفسه، ونسية الكربون 14، إلى الكربون12 في الجو ثابتة، وما دام الكائن حياً فإن نسبة الكربون 14 تبقى ثابتة في جسمه لأنه ما زال يتنفس يدخل ثاني أكسيد الكربون إلى جسمه ويخرج منه. فإذا مات فإن نظير الكربون 14 سيبدأ بالتحلل وستتناقص كميته مع الزمن، وحسب مبدأ عمر النصف فسيستغرق تحلل نصف الكمية الموجودة في جسمه إلى 5730 سنة، وبمعرفة الكمية الفعلية الموجودة نعرف كم سنة مرّ على موت هذا الكائن بحساب ذلك بالنسبة إلى عمر النصف. ويمكنك أن تقرأوا عن مشاكل هذه الطريقة في القياس ومقدار الخطأ فيها وأسبابه وما يتعلق بذلك من مشاكل فنية. وعلى الرغم من كلّ ذلك فهي طريقة مهمة وتعطينا مؤشراً جيداً عن أعمال الكائنات الحية.


        وعند البحث أكثر فيما يقوله الجيولوجيون والبيولوجيون وجدت أنهم يتكلمون عما يسمى الإنسان الحديث وهو الإنسان العاقل (homo sapiens)، وهذا التصنيف البيولوجي باللاتينية يشبه طريقة المناطقة في تعريف الماهيات بالجنس والفصل. وهم يقدرون عمر هذا الإنسان بما لا يزيد عن مائتي ألف سنة. ويفترضون أن لهذا النوع الإنساني جنساً يسمى homo كما يظهر في اسم الإنسان العاقل، وأن أول ظهور لجنس الإنسان The genus homo كان منذ 2.3 -2.4 مليون سنة، ثمّ هم يتحدثون عن أسلاف تطوّريّة أقدم من ذلك أظهرت عمراً يقدر بنحو ستة ملايين سنة. وأخيراً فإن أقدم أحفوريّ عثروا عليه وهم يعتقدون أنه سلف أسلاف الإنسان ويسمونه (Sahelanthropus tchadensis) يعود إلى نحو سبعة ملايين سنة. ويظهر بشكل واضح اعتماد هذه التكهنات والفرضيات على نظريّة التطوّر.
        Modern humans (Homo sapiens sapiens) are estimated to be about 200,000 years old. The genus homo appears approximately 2.3-2.4 million years ago, and other evolutionary ancestors appear older than that. An evolutionary split called the human-chimpanzee divergence occurred ~6 million years ago. The oldest known fossil thought to be a hominid ancestor (Sahelanthropus tchadensis) dates back to 7 million years ago.

        وقد أفادني بعضهم أنّ السبب في اشتباه الأمر على بعض الباحثين لعله يعود إلى التشابه بين عظام الإنسان وقرد العصر الجليدي، وخاصة إذا كانت الجمجمة مهشمة. كما أن جماجم الماموث والفيل تبدو في مظهرها كجمجمة الإنسان حين تكون محطمة.
        Pleistocene apes Their remains are very similar to those of humans, particularly when the skull is damaged. Mammoth and elephant skulls are also remarkably humanoid in appearance when they are damaged

        وهذا الاشتباه أدى في ظني إلى أمور: الأول المبالغة في تقدير عمر الإنسان، وثانياً وجود ما يدعم فكرة نظرية التطور بملاحظة التشابه بين الأحافير وظهور فكرة وجود جنس أعلى يجمع أكثر من نوع من الحيوانات، وثالثاً الاشتباه عند الأقلين بوجود عمالقة من البشر عاشوا في الماضي.


        وعليه فما قاله ابن حجر رحمه الله تعالى من أنّ الزمان الذي بينهم وبين آدم عليه السلام دون الزمان الذي بينهم وبين أول هذه الأمة يحتاج في رأيي- إلى مزيد من البحث والتحقيق، وأنا شخصياً أستصعب الجزم به، فالمؤرخون الإسلاميون معتمدون بشكل كبير على مصادر أهل الكتاب في ذلك، ولا ثقة لنا بذلك. لا سيّما وهم من أتى بالقصص العجيبة عن الجبارين الذين عاصروا سيدنا موسى حتى قالوا إن أحدهم حمل في كمه النقباء الاثني عشر ووصفوهم بأوصاف لا تكاد تصدق. وهم من اختلق قصة عوج بن عنق أو ابن عناق، فقالوا إنه كان موجودًا من قبل نوح وإلى زمان موسى، ويقولون: كان كافرًا متمرّدًا جبارًا عنيدًا، ويقولون عنق أمه بنت آدم من زنا، وأنه كان يأخذ لطوله السمك من قرار البحر ويشويه في عين الشمس، وأنه كان يقول لنوح وهو في السفينة ما هذه القصعة التي بك ويستهزئ به، ويذكرون أن طوله كان ثلاثة آلاف ذراع وثلاثمائة وثلاثًا وثلاثين ذراع إلى غير ذلك من الهذيانات. وهذا كله منقول عنهم في التفاسير، فمثل هؤلاء القوم لا يمكننا أخذ كلامهم واعتباره والبناء عليه.


        وعلى أيّ حال، فإن فكرة أن الخلق ما زال ينقص من عهد آدم إلى أن استقر بهم الحال إلى الذي نراه من الحجم في أول هذه الأمة، على نحو ما نقله ابن حجر عن ابن التين فهو قضية ممكنة عقلاً وعادة وليس فيها ما يستغرب أو يمنع إذا قدّرنا أن الخلق ينقص طولهم شيئاً فشيئاً بحيث يشكّل مجموعه قدراً قليلاً جداً في كلّ قرن مثلاً حتى صاروا مع تطاول القرون في مثل قاماتنا. فموضوع نقصان الخلق أمر يمكن تخريجه وتأوله بلا إشكال إن شاء الله، فيمكننا أن نفهم أنّه كما أنّ عمر الإنسان تناقص فبعد أن كان يعيش أكثر من ألف عام كما هي حال سيدنا نوح عليه السلام، صار متوسط عمره كأعمارنا اليوم، وكما أن قوّته أيضاً تناقصت كما تدل عليه النصوص في الجبارين أو ما يسمون أحياناً بالعماليق الذين كانوا أيام سيدنا موسى عليه السلام وقبله، ومن قبلهم إرم ذات العماد التي يخلق مثلها في البلاد، وثمود الذين جابوا الصخر بالواد، حتى صاورا في مثل قوتنا، فإننا نعقل أن يكون طوله أيضاً تناقص حتى صار مثل ما هو اليوم.


        ولكن الإشكال يبقى في الستين ذراعاً. فإذا استطعنا إثبات أن آدم عليه السلام لم يكن بطوله الذي خلق عليه حين أهبط على الأرض أي أن الله تعالى أنقص من خلق آدم وجعل طوله أقلّ من الستين ذراعاً على نحو كبير، بحيث يصبح مثلاً ثمانية أو عشرة أذرع أو أكثر على نحو مقبول فيزيائياً وبيولوجياً، وأنه استمرّ التناقص من ذلك الطول إلى يومنا هذا فلن يكون هنالك إشكال. وأنا هنا أتكلّم عن الأحكام القانونية العادية المقيّدة أيضاً بما لدينا من معارف عن الكائنات الحية، وإلا فإذا نقلنا الكلام إلى حيّز الإمكان العقليّ فالأمر ممكن عقلاً، فإن الله تعالى على كلّ شيء قدير. ولن يعجز الله تعالى أن يخلق إنساناً بأضعاف هذا الطول.


        وقد راسلت بعض علماء البيولوجيا وأفادني بعضهم أن قرد العصر الجليدي المعروف باسم غيغانتوبيثيكس كان طوله نحو عشرة أقدام أي ضعف طول قاماتنا اليوم تقريباً(Pleistocene apes called Gigantopithecus that stood about 10 feet tall)، والقرد من الثدييات، ويتنفس برئتيه كالإنسان، ويستطيع الوقوف على قدميه كالإنسان، وله قلب كالإنسان إلخ. فلن يكون عند آدم عليه السلام مشكلة إذا كان في مثل طوله أو حتى أكثر من ذلك بنسبة معقولة.

        يتبع إن شاء الله...
        ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

        تعليق

        • بلال النجار
          مـشـــرف
          • Jul 2003
          • 1128

          #34
          ثم قال عدنان: (اسمعوا الآن كيف سأشكل على هذا الحديث من باب آخر بطريقة علميّة. هذا الحديث لو سمعه أي عالم متمرّس في علم الأحياء، سيرده مباشرة، ويقول أنتم قوم تهرفون بما لا تعرفون، تعرفون لماذا سأوضّح هذا، ربّما ذكرته مرّة والآن سأبسّطه تماماً. قانون في علم إيه في علم الأحياء أيها الإخوة: الزيادة في الجسم الحيّ المخلوق الحيّ المتعضيorganism تتناسب طردياً مع مكعّب الزيادة في أبعاده الخطيّة، طبعاً الأبعاد الخطيّة يتحصّل منها ماذا الحجم، الحجم في الفراغ، ما تحتله البنية في الفراغ، ولكن الزيادة التي يكتسبها الجسم الهيكل بالذات العظمي، التي يكتسبها الهيكل العظمي لمقاومة الثقل والوزن تتناسب مع مربّع الزيادة في أبعاده الخطيّة.)اهـ


          أقول: أوّل من بحث في العلاقة بين أبعاد الكائن الحي (حجمه) ومساحة سطح جسمه هم اليونان، واليوم هنالك قوانين لا تخلو من التعقيد تحسب العلاقة بين أبعاد كلّ نوع من الكائنات ووزنه ومساحة سطحه.

          والعلاقة التي ذكرها عدنان هنا مبناها على مبدأ بسيط وهو أنّ الكتلة وبالتالي الوزن يساوي حاصل ضرب الحجم في الكثافة، فإذا ثبتنا تسارع الجاذبية الأرضية، وتساوت كثافة جسمي كائنين حيَّين فإذا تضاعفت أبعاد أحدهما عن الآخر بنسبة (س) مثلاً فالأصل أن يتضاعف وزنه بنسبة (مكعب س)؛ لأن الحجم يساوي حاصل ضرب الأبعاد الثلاثة. والزيادة في الطول مثلاً لا يقابلها زيادة في العرض والعمق بنفس الكمية، ولكن الاستقراء يقرر بأن الزيادة تقع دائماً بنفس النسبة، فيكون الوزن بعد الزيادة هو مضروب الوزن قبل الزيادة في مكعب النسبة. وهذا الكلام لا غبار عليه.


          ولكن هذه القاعدة في الحقيقة ليست بهذه الصورة المبسطة التي ذكرها عدنان. فالمتغيرات فيها أكثر بكثير مما ذكره. ويصعب تعميم هذه القاعدة على جميع الكائنات الحية المتعضّية organisms، كما يقول.


          فذوات الأربع غير ذوات القدمين، والثدييات غير الطيور والأسماك. وهكذا، وقد سألت عن ذلك البيولوجي ديفيد هون وهذه نبذة عنه http://www.askabiologist.org.uk/experts/davidhone


          فأجابني: (إنه من الصعب المقارنة بين الفأر مثلاً والإنسان والفيل والديناصور. فلها قياسات وأشكال مختلفة، وبنى تشريحية مختلفة. ولكن، بشكل عام فإن طول عظم الفخذ مرتبط بشكل وثيق مع كتلة الحيوان...ويبدو أن وزن إنسان بطول تسعين قدماً سوف يتجاوز المائة طن. وهو يعتقد أن الحد الأعلى لذوات الأربع سيكون تحت المائة طن، ناهيك على ذوات القدمين) اهـ

          As for the second point, it's tricky as of course competing say a rat to a human to an elephant or dinosaur is difficult. They all have very different sizes and shapes and anatomical developments. However, in general, the length of the femur does correlate quite well with mass. I checked with a good paper by Christiansen on this issue and oddly a 90 ft human is right off the scales, but would seem to come in at well over 100 tons! That's just not feasible for a biped - we think the upper limit for quadrupeds would be under 100, let alone on two legs.


          وقوله الحد الأعلى سيكون تحت المائة طن مبناه على ما اكتشف حتى الآن من الديناصورات على اليابسة، وإلا فإنه لا يمانع من تجاوز حدود المائة طن كما سيأتي في كلامه.


          والكلام نفسه الذي قلناه في تعميم قاعدة الوزن والأبعاد على جميع الكائنات الحية، يقال فيما يتعلق بالزيادة التي يكتسبها النظام الهيكلي لمقاومة الثقل والوزن، فهي لا تتوقف فقط على الأبعاد الخطية أو لا تتناسب فقط مع مربعها.


          فالخنفساء وحيدة القرن مثلاً يمكنها أن تحمل وزناً يبلغ ثمانمائة وخمسين ضعف وزنها. وهذا يناسب أن يحمل إنسان وزنه 68 كيلوغراماً مثلاً دبابة تزن 67 طناً. وقد اكتشف في عام 2007 حشرة هي السوسة الاستوائية ووجد أنه يمكنها حمل 1150 ضعف وزنها. أي ما يناسب أن يحمل إنسان وزنه 68 كيلوغراماً دبابة تزن 86 طناً، أو أن يحمل فيل فوق ظهره 1150 فيلاً!!


          وهذا بالضبط ما أشرت إليه حين قلت إننا إذا نقلنا المسألة إلى حيز الإمكان العقلي بل وحتى العادي، فإن الله تعالى قادر على أن يقوي بنية إنسان ليحتمل مثل هذا الوزن. ولكن المشكلة الأكبر بنظري هي أنّ البيئة المحيطة غير مهيّأة لاستقبال إنسان بهذه الضخامة كما قلت، فافتراض وجود هكذا إنسان سيدخلنا في تعقيدات هائلة تتعلّق بالطبيعة المحيطة بحيث تلائم هذا (الإنسان) العملاق وتلبي احتياجاته الحركية والغذائية.


          وقد وجد قبل نحو مائتي مليون سنة دايناصورات مثل براكيوسوراس وصل طولها نحو ثلاثين متراً، وارتفاعها نحو سبعة عشر متراً، ووزنها نحو الثمانين أو المائة طن. وتركيبها يسمح بزيادة الوزن حتى عن المائة طن كما قال لي ديفيد هون، قال:
          (There don't appear to be any true barriers to building a 100 ton dinosaur, they just probably never evolved)


          لكنها كانت من ذوات الأربع وجهازها التنفسي مختلف عن جهاز الإنسان.فالإنسان إن كان بهذا الحجم الهائل فلن يكون لديه مساحة سطحية كافية في رئتيه لتزويد جسمه بما يحتاج من الأوكسجين، مما يجعله غير قادر على الحياة. والديناصور لا يهم ذلك لأن تركيب رئتيه مختلف عن الإنسان. وإن النسبة بين المساحة السطحية والحجم في الكائنات الحية بحث في غاية الأهميّة في العلوم الطبيعية، ومنها علم الأحياء وله مدخلية كبيرة في بحث وجود إنسان عملاق؛ فمثلاً ارتفاع نسبة المساحة السطحية إلى الحجم يسبب مشاكل تتعلق بالتحكم بدرجات حرارة الجسم في الظروف غير العادية كبرد الشتاء وحر الصيف. ولا نريد أن نغرق في تفاصيل تخصصية، فنعود للقول بأن ما ذكره عدنان هنا يفتقر إلى مزيد من التفصيل والدقة، ومتغيّراته ومحدداته أكثر مما ذكر.


          ثمّ قال عدنان: (بمعنى خلينا نكون واضحين- الآن آدم خلقه الله وطوله ستون ذراعاً. الذراع إما أن تكون ذراعاً شرعية أو تكون ذراعاً هاشميّة، الذراع الشرعية أربع وعشرون إصبعاً، يعني 48سم تساوي تعادل 48سم، قولوا 50سم، والذراع الهاشمية 32 إصبعاً يعادل 64سم، قولوا 65سم، هكذا في المتوسط كان طول آدم 30 متراً في المتوسط بين الذراع الهاشمية والذراع الشرعيّة، ثلاثين متراً يعني تقريباً أزيد منا بنحو عشرين مرّة، عشرين مرّة بجبر هذه الكسور، الآن آدم ضوعف حجمه أيها الإخوة- عشرين ضعفاً عنّا نحن نتحدّث عن الأبعاد الخطيّة، نتحدّث عن الطول الآن، كم سيتضاعف وزنه، التناسب هنا مع المكعّب، فسنقول: 20x20x20 ثمانية آلاف مرّة، هيكله العظمي كم سيتضاعف لكي يحتمل هذا الثقل الزائد، مع المربع وليس مع المكعّب، 20x20 أربعمائة مرّة، أربعمائة مرّة والوزن ثمانية آلاف مرّة، حتماً يقول لك أيّ عالم في البيولوجي مستحيل أن يخلق هذا الخلق على الكوكب الأرضي، لماذا؟ لأنّه سينهار مباشرة تحت ثقله ووزنه، بالقانون، لذلك هذه الأفلام التي نحضرها تشوّه حتى الفهم العلمي، الكينغ كونغ أعظم من غوريلا مائة مرّة، كلام فارغ مستحيل، مائة مرة حجمه عن حجم الغوريلا ، 100x100x100يعني وزنه يكون أكبر من الغوريلا مليون مرة، لكن الهيكل العظي الذي عنده 100x100 عشرة آلاف مرّة، عشرة آلاف مقابل مليون مستحيل سينهار مباشرة، إذاً هذا خيال هذا science fiction كلام فارغ، فانطازيا هذا، في علم البيولوجي احفظ هذا القانون. لسة في مشكلة طبية أخرى، يعرفها دارسو الطب ووظائف الأعضاء فيزيولوجي، ما هي؟ القلب مشكلته علميّاً إخواني وأخواتي- أن حجّمه أصغر من أن يمدّ أنسجة الجسم كلّها بالدماء حين يضخّ سبحان الله!- أصغر ليس كالكبد هو أعظم الأعضاء، عضو صغير نسبياً وإلى حدٍ بعيد، ولكن القلب هذا بحكمة الله بتقدير الله- يعوّض هذا النقص في حجمه بمطاطية ومرونة الشرايين، ولذلك بهذا الحجم الصغير يمكن أن يمدّ هذا الجسم، ولكن انتبهوا عاد: الشيء الخطير كل كيلوغرام زائد في الوزن يقتضي أن ينشئ الجسم عدّة كيلومترات من الشرايين الجديدة، ومن هنا خطورة السمنة أيها الإخوة- على صحّة الإنسان وعلى قلبه، الأخطر من هيك عاد، ارجعوا إلى قانون التربيع وقانون التكعيب، إذا آدم أعظم حجماً منا بعشرين مرّة، إذا هو أثقل وزناً منا بثمانية آلاف مرّة، طبياً مستحيل أن يوجد هذا المخلوق على كوكب الأرض، وأنّ قلبه وقد تضاعف كما قلنا لكم- أربعمائة مرّة فقط يستطيع أن يغذي وزناً تضاعف ثمانية آلاف مرّة،) اهـ


          أقول: صارت المشاكل سواء البيولوجية أو الفيزيولوجية واضحة وزدناه من لدنا مشاكل أخرى يمكنه في خطبته القادمة أن يستعملها ويزيد في الإشكال على هذا الحديث من جهات أخرى دون أن يشير إلى بحثنا هذا!

          ولكن القضية الجوهريّة تكمن في ما أشار إليه عدنان بقوله: (مستحيل أن يخلق هذا الخلق على الكوكب الأرضي) اهـ


          فهذه الاستحالة هي في الحقيقة استحالة عادية محكومة في حدود معرفتنا نحن. فاليوم مثلاً يعدّ الحوت الأزرق أضخم مخلوق على وجه الأرض بطول ثلاثين متراً أو يزيد قليلاً، وبوزن يتجاوز المائة طن. والكلام نفسه بالنسبة لدايناصورات مثل براكيوسوراس، فلو وجد مخلوقات أضخم من ذلك في البر والبحر لتغيّرت حدود معرفتنا، ولربما احتجنا إلى قوانين أخرى أعمّ من هذه التي وضعناها وجعلناها تحكم أقصى حجم ووزن للكائن الحي. وهذه هي طبيعة القوانين الاستقرائية. إننا ننظر في الواقع ثمّ نضبط القوانين على وفق ما نستقري. وللتوضيح فإننا عند استقرائنا لكلام العرب عرفنا أن كلّ فاعل مرفوع، فلو وجد في كلامهم فاعل غير مرفوع لوجب أن يضعوا قاعدة أعمّ من هذه التي تقيّد الفاعل بالرفع. وجميع القوانين الاستقرائية هي على هذه الشاكلة. واستقراؤنا للكائنات الحية الموجودة اليوم هو استقراء ناقص باتفاق العلماء، فما بالك باستقرائنا للكائنات المنقرضة!


          ولكني أريد أن أسلّم هذه الاستحالة وأوافق عدنان، وديفيد هون الذي يقول: (وجود إنسان بطول 90 قدماً يتطلب تغيرات هائلة في بنيته لكي يتمكن من الحركة، وسيبدو شاذاً غريباً وقد لا يتمكن من البقاء.... وإذا وجد مثل هكذا إنسان سيكون وزنه أكبر من قوة عظامه وعضلاته. ويجب أن يكون له أطراف (أرجل) ضخمة جداً لدعم هكذا وزن. ولن يكون قلبه قادراً على العمل بشكل صحيح، ولن تكون الرئتان قادرتين على تزويد الجسم بما يكفي من الأوكسجين، وسترتفع درجة حرارته بسرعة...وهو يقطع بأنه لو وجد هكذا إنسان فسيكون مختلفاً اختلافاً كبيراً بحيث لن يشبه البشر) اهـ
          Well you can't build a 90 ft tall human that is built like a human. That is, there would have to be some pretty massive changes to the anatomy to allow it to move and it would look rather odd at least and might not even survive. As things get bigger, volume goes up much faster than linear dimensions (a cube with 1 cm sides has a 1 cm3 volume, but one with 10 cm sides has 100cm3 volume and so on). If you build a human that size, the weight would be so much greater than the strength of the bones and muscles; you'd have to have super huge limbs to support your weight. It'd be a lot of work to sort out the exact details, but I suspect that you could not make a heart that big to work properly, the lungs could not get enough oxygen into the system and you would overheat very quickly (too much mass and not enough surface area). In short, I'd say you almost certainly couldn't build a human that size and if you did, they'd not look like other people.


          ومع أني لا أوافقه في بعض التفاصيل والنتائج، ومع ذلك دعونا نسلّم ما قاله هو وعدنان هنا، فلم لا يكون الحلّ في أنّ سيدنا آدم عليه السلام خلق في السماء ودخل الجنة وهو على تلك الصفة أعني بطول ستين ذراعاً، وهذا لن يكون فيه خلاف؛ لأنّ القوانين التي ستحكم أهل الجنّة في الجنة غير هذه القوانين قطعاً. ثمّ لمّا أهبطه الله تعالى من الجنة غير خلقه بحيث يبقى طويلاً ولكن ليس بذلك الطول الهائل- كما قلنا سابقاً.


          إنّ من يستشكل هذه الأحاديث يستشكلها لأنه يجد من الصعب عليه جداً بالنظر إلى القوانين الاستقرائية المعروفة عن الثدييات أن يكون طول آدم عليه السلام نحواً من ثلاثين متراً وهو يعيش على الأرض. فالدلائل الأثرية لا تؤيد ذلك. وما هو منتشر على الإنترنت عن قوم عاد أنهم كانوا عمالقة والصور المرافقة لهذه الأخبار التي يقف الرجل فيها بجانب جمجمة هيكل عظمي عثر عليه في بعض الحفريات في الربع الخالي كما هو المدعى فلا يتجاوز الرجل العادي حجم أذن ذلك العملاق، فهي صور مزيفة وليست حقيقية وهي عبارة عن تعديلات أدخلها بعض الهواة عن طريق برامج الرسم. ولمن أراد التحقق من ذلك يمكنه قراءة هذه المقالة ومتابعة الموضوع في الموقع المشار إليه فيها من هذا الرابط:
          Gas exploration in Saudi Arabia reportedly uncovered human remains of gigantic proportions.

          وللأسف انخدع بها كثير من الناس، حتى إن بعض المشايخ أقام على تلك الصور مواعظ تجدونها في اليوتيوب، والقصة كلّها لا أساس لها من الصحة. ولو تمّ اكتشاف شيء كهذا لقامت الدنيا ولم تقعد، ولتسابقت الفضائيات ووسائل الإعلام على تغطية تلك الأخبار بالتفصيل.


          نقول نعم الدلائل الأثرية لا تؤيد وجود عمالقة من البشر كانوا موجودين في الأرض، وكذلك علماء الأحياء بما لديهم من إمكانيات واستقراءات واكتشافات لا يؤيدون وجود عمالقة بهذا الحجم الهائل. كما أن الأرض غير مهيئة لاستقبال هذا العملاق، فلو وجد مثله بغض النظر عن مشكلة الوزن الهائل الذي يشير إليه عدنان، ومشكلة القلب، ونزيد عليه مشكلة ارتفاع حرارة الجسم، ومشكلة التنفس، وهنالك مشكلة التغذية، فكائن بهذه الضخامة سيحتاج إلى أكثر من طنّ من الغذاء كلّ يوم، فلا بدّ أن تكون أحجام الثمار والحيوانات أكبر مما هي عليه الآن لكي توفر له ما يلزمه من غذاء، وهذا خلاف الظاهر، فالكائنات الحية الضخمة كالديناصورات التي عاشت على الأرض لم تتزامن مع وجود الإنسان عليها فقد سبقته بملايين السنين. فقد عاشت منذ أواخر العصر الثلاثي (منذ حوالي 230 مليون سنة) حتى نهاية العصر الطباشيري (منذ حوالي 65 مليون سنة) حسب ما يقدره العلماء. والمقصود أن نسب ما على الأرض من حيوانات ونباتات وأشجار وحتى تضاريس إذا كانت كما هي عليه الآن فلربما شكل الكثير منها عوائق للإنسان الذي يتجول فيها، فتخيل رجلاً يزن أكثر من مائتي طن ويبلغ ارتفاعه ثلاثين متراً كيف سيسير في بستان من الأشجار المثمرة وكيف سيقطف ثمارها ويتغذى عليها، وكم خروفاً ينبغي أن يأكل ليشبع بطنه!


          وعلى أي حال، هذا ما نعلمه حتّى الآن، وربّما تُغير الاكتشافات في المستقبل هذه النظرة، كما قلنا.


          إذاً فمعارفنا الحالية تدعونا إلى تفسير الأحاديث الشريفة الواردة في هذا الباب على نحو آخر، أعني أن لا نفترض أن آدم عليه السلام عاش على الأرض وهو بهذا الحجم الهائل. فلو قلنا إنه خلق ابتداء وإنشئ على هذا الطول ثم لما أخرج منها أنقص من خلقه لكي يتلاءم مع البيئة الأرضية.


          أما أنه خلق في الجنة وليس على الأرض فيؤيده حديث أنس في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لما صور الله آدم في الجنة تركه ما شاءالله أن يتركه، فجعل إبليس يطيف به....إلخ» الحديث.


          فيكون آدم قد خلق وصوّره الله تعالى في الجنة، فيكون خلقه ستين ذراعاً في الجنة. وجعل الله تعالى كلّ من يدخل الجنة على طوله.


          ولقائل أن يقول: فقد قال الله تعالى: (وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة) وهذا فيه دلالة على أنّهما خلقا خارج الجنة ثمّ أسكنا فيها. وكذلك حديث أبي هريرة لابن كثير على شرط مسلم: (خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة وفيه أخرج منها وفيه تقوم الساعة) وهذا يقتضي أنه خلق خارج الجنّة.


          أقول: قوله تعالى (اسكن أنت وزوجك الجنة) لا يقتضي أن يكونا خارجها؛ لأنه يجوز أن يكون الله تعالى بعد أن خلق حواء من ضلع آدم وصار لآدم عليه السلام زوجاً يسكن إليها، أباح لهما أن يسكنا من الجنة حيث شاءا وأن يأكلا منها ما شاءا ووطّــأ بتلك الإباحة لتكليفهما بعدم الاقتراب من الشجرة. ولكن حديث أبي هريرة يصرّح بدخوله الجنة بعد خلقه. فالتوفيق بأن يكون خلقه في مكان ما في السماء على تلك الهيئة ستون ذراعاً، ثم إنه أدخل الجنة. والتعبير في حديث أنس (صوره في الجنة) يحمل على القرب من دخولها؛ فإنه لما خلق فأدخل الجنة صار كأنما خلق في الجنة. والله تعالى أعلم.


          ولا أدعي هذه النتيجة جزماً، بل أظنّها ظناً. ولا أجزم بامتناع أن يكون آدم قد عاش على الأرض بطول ستين ذراعاً كما عليه شراح الحديث، بل أقول بإمكانه. ولكني أستبعده وأستصعبه. وأصعب منه على قلبي أن يتكلّم من كان مثلي ومثل عدنان في القرآن والحديث ويستنبطا منه المعاني، فهذا من علامات الساعة!



          ثم قال عدنان: (نتحدث لكم بالصورة العلمية طبعاً بعض الناس لا يعنيهم لا علم ولا قوانين، يقول لك: لا النبي قال هذا، ما هو يا أخي الكريم يا أخي الحبيب من قال لك إن النبي قال هذا، النبي حاشاه أن يقول شيئاً كهذا؛ لأنّنا نؤمن بأنه نبي من عند الله، لا يكذب على الله، والله لو أوحى إليه لا يوحي إليه إلا بما هو حق، محال أن يوحي إليه بشيء ويكون باطلاً، واضح؟ على كلّ حال الكلام طويل في هذا الحديث فنتركه) اهـ كلام عدنان إبراهيم.


          أقول: نحن تعنينا القوانين العلميّة، وتعنينا العلوم الطبيعيّة، ولسنا بعيدين عن دراستها والإفادة منها، ولكننا مع ذلك لا نتسرّع تسرّعك يا عدنان، ولا نردّ حديثاً ثبتت صحته لمجرّد الظنّ؛ لما بينّاه مفصلاً فيما مضى.


          ونحن نؤمن بنبوّة سيد المرسلين، ونعلم أنه لا ينطق عن الهوى، وأنه يستحيل عليه الكذب، ولكن ثبوت أن يكون النبي الكريم عليه الصلاة والسلام قد قال بأن آدم قد خلق على طول ستين ذراعاً لا يلزم منه كذبه حاشاه عليه الصلاة والسلام؛ لأنّ ذلك واقع في حيّز الإمكان.


          وقد حاولت جهدي أن أوفق بين الأخبار الواردة في هذا السياق، ولا أقول إني أتيت بالحلّ الذي لا يردّ، ولا بالجواب الذي لا يرد عليه إيراد، بل أقول إنني افترضت فرضية معينة تفسّر الأحاديث الواردة ولا تنافي أحدث المعارف والاكتشافات العلمية، ولعلّني أكون قد وفقت فيها. والفرضية تبقى محتملة للصحّة والخطأ إلى أن يأتي برهان ينقضها أو دليل يؤيدها البتة.


          وأما ما انتهجه عدنان فهو نهج لا نرضى عنه، ولا هو من منهج أهل السنّة في شيء. ولا نراه موافقاً للبحث العلميّ الموضوعيّ. بل هو تمسّك بنظريات وفرضيات وتكهّنات وقوانين استقرائية لا تفيد أكثر من الظنّ، والظنّ لا يسقط الظنّ الذي يقابله. والله تعالى الموفق.


          وقبل أن أختم أود أنبه على بعض ما اعترضتني أثناء البحث من ذلك قول القسطلاني: ("وطوله ستون ذراعًا" بقدر ذراع نفسه أو بقدر الذراع المتعارف يومئذ عند المخاطبين، ورجح الأول بأن ذراع كل أحد مثل ربعه فلو كان بالذراع المعهود لكانت يده قصيرة في جنب طول جسده، وزاد أحمد من حديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة مرفوعًا في سبعة أذرع عرضًا) اهـ


          قلت: هذا عجيب، كيف يكون طوله ستون ذراعاً بذراع نفسه ويكون طول الإنسان أربعة أذرع بذراع نفسه، ثم يرجّح أن يكون طوله بذراع نفسه!؟
          إنه إذا كان طوله بذراع نفسه فطوله يجب أن يكون أربعة أذرع وليس ستين ذراعاً. فالأظهر أن يكون طوله ستين ذراعاً بالذراع المعهود عند المخاطبين، وعليه يكون طول ذراع نفسه خمسة عشر ذراعاً بالذراع المعهود.


          ثم إني وقفت على قول العلامة ابن فورك عند حديث "خلق الله آدم على صورته" في كتابه مشكل الحديث وبيانه، قال: (والفائدة في الخبر يعرفنا أن صورة آدم عليه السلام كانت كهذه الصورة إبطالاً لقول من زعم أنها كانت على هيئة أخرى كما روي في بعض الروايات من ذكر طوله وقامته وذلك مما لا يوثق به إذ ليس في ذلك خبر صحيح وإنما المعول في مثله على كعب أو وهب من أحاديث التوراة ولا ثقة بشيء من ذلك ولم يثبت من وجهة أخرى أنه قد كانت خلقة آدم عليه السلام على خلاف هذه الخلقة على الحد الزائد الذي يخرج عن المعهود من متفاوت البشر) اهـ


          فأقول: قوله هذا ليس بسديد؛ فإن الأحاديث الواردة بذلك كثيرة وليس فيها كعب ولا وهب. فرحمه الله تعالى رحمة واسعة. وهذا آخر ما أردنا كتابته في المسألة، فإن كنت وفقت للصواب فيما قلت فلله الحمد والمنة، وإن كنت أخطأت في شيء فأسأل الله تعالى أن يعفو عني؛ فإنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين. ورحم الله تعالى من أهدى إليّ عيوبي ونبهني لأخطائي. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

          نهاية المسألة الثالثة
          ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

          تعليق

          يعمل...