وقبل أن نعرض كلامه هذا على ميزان النقد فإذا تأملنا الأصول التي بين أيدينا مما ذكر فيه طول آدم عليه السلام؛ فإنه يمكن تلخيص مواضيعها الرئيسة في أربعة:
أولاً: وصف أول زمرة يدخلون الجنة ثمّ الذين يلونهم، كما في حديث البخاري: «إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ عَلَى أَشَدِّ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ إِضَاءَةً، لاَ يَبُولُونَ وَلاَ يَتَغَوَّطُونَ، وَلاَ يَتْفِلُونَ وَلاَ يَمْتَخِطُونَ، أَمْشَاطُهُمُ الذَّهَبُ، وَرَشْحُهُمُ المِسْكُ، وَمَجَامِرُهُمْ الأَلُوَّةُ الأَنْجُوجُ، عُودُ الطِّيبِ وَأَزْوَاجُهُمُ الحُورُ العِينُ، عَلَى خَلْقِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، عَلَى صُورَةِ أَبِيهِمْ آدَمَ، سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي السَّمَاءِ»
ثانياً: وصف عام لمن يدخلون الجنة، كما في مسند أحمد: «يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ جُرْدًا مُرْدًا بَيْضَاءَ جِعَادًا مُكَحَّلِينَ أَبْنَاءَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ عَلَى خَلْقِ آدَمَ، طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي عَرْضِ سَبْعِ أَذْرُعٍ»
ثالثاً: وصف المسلم والكافر إذا أعطيا كتابيهما وذكر تعظيم خلقهما ونحو ذلك، كما في سنن الترمذي وابن حبان وغيرهما: (الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ إِذَا أُعْطِيَا كِتَابَيْهِمَا الحديث في ابن حبان: «يُدْعَى أَحَدُهُمْ، فَيُعْطَى كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ وَيُمَدُّ لَهُ فِي جِسْمِهِ سِتُّونَ ذِرَاعًا وَيُبَيَّضُ وَجْهُهُ، وَيُجْعَلُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجٌ مِنْ لُؤْلُؤٍ يَتَلَأْلَأُ»، قَالَ: «فَيَنْطَلِقُ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَيَرَوْنَهُ مِنْ بَعِيدٍ، فَيَقُولُونَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي هَذَا حَتَّى يَأْتِيَهُمْ، فَيَقُولُ: أَبْشِرُوا، فَإِنَّ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْكُمْ مِثْلَ هَذَا، وَأَمَّا الْكَافِرُ، فَيُعْطَى كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ مُسْوَدًّا وَجْهُهُ، وَيُزَادُ فِي جِسْمِهِ سِتُّونَ ذِرَاعًا عَلَى صُورَةِ آدَمَ، وَيَلْبَسُ تَاجًا مِنْ نَارٍ، فَيَرَاهُ أَصْحَابُهُ، فَيَقُولُونَ: اللَّهُمَّ أَخْزِهِ، فَيَقُولُ: أَبْعَدَكُمُ اللَّهُ، فَإِنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مِثْلَ هَذَا»
رابعاً: ذكر خلق آدم عليه السلام على صورته وتسليمه على الملائكة وأن أهل الجنة يشبهونه في خَلقه .. إلخ، كما في حديث البخاري: " خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ وَطُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، ثُمَّ قَالَ: اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ مِنَ المَلاَئِكَةِ، فَاسْتَمِعْ مَا يُحَيُّونَكَ، تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ، فَقَالَ السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ، فَقَالُوا: السَّلاَمُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، فَزَادُوهُ: وَرَحْمَةُ اللَّهِ، فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ آدَمَ، فَلَمْ يَزَلِ الخَلْقُ يَنْقُصُ حَتَّى الآنَ".
فهذه هي المواضيع الأربعة التي ورد فيها أنّ طول آدم عليه السلام ستون ذراعاً وهي الموضوع المقصود بالذات في هذه المسألة، وسنذكر الأحاديث التي وجدناها في أثناء المناقشة إن شاء الله تعالى.
أما قول عدنان: (هذا الحديث يرويه همّام بن منبّه أخو وهب بن منبّه، كلاهما كانا يهوديين وأسلما، همّام بن منبّه يقول: هذا ما حدّثنيه أبو هريرة -رضي الله عنه وأرضاه- أنّ الرسول صلّى الله عليه وسلّم قال: "خلق الله آدم على صورته" وهنا علامة استفهام كبيرة، ما المقصود صورة الله أم صورة آدم. نحن نرجح على صورته على صورة آدم يعني، يعني آدم لم يترقّ ولم يتطوّر في الخلقة، وإلا فإنّ الشبهة قائمة بما أنّ همّام بن منبّه أصله يهودي -أيها الإخوة- وأسلم، الشبهة قائمة أنه يعني قد يحتمل أنه أراد على صورة الرحمن؛ لأنّ هذا مكتوب في التوراة (نخلق بشراً على صورتنا) انتبهوا هذا حديث الصورة اسمه حديث الصورة، وحديث أبي مسعود الأنصاري أيضاً، قال: "لا تضربه" النبي عليه السلام: "فإنّ الله خلق آدم على صورته" هل هو..صرّح في بعض الطرق "على صورة الرحمن" هذا من دسيس الإسرائيليات. "ليس كمثله شيء". نحن لسنا على شكل الله، الله ليس له هذا الشكل، أعوذ بالله يا أخي) اهـ
فأقول: أما التعريض بهمام بن منبّه الذي روى عن أبي هريرة لكونه كان يهودياً وأسلم، بأنه ربّما أراد نسبة الصورة إلى الله عزّ وجلّ؛ لأنّ اليهود يثبتون لله تعالى صورة كما في توراتهم المحرّفة، فجواب هذه التهمة التي جازف عدنان العجول باتهام همام بن منبه بها هو أن وظيفة همّام هنا هي الرواية فهو جزء من السند، ومن حيث هو راوٍ كيف يناقش قصدُه؟! فالعبارة محلّ البحث هنا هي (خلق الله آدم على صورته) وهي منسوبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وليست من كلام همّام لكي يناقش قصُده. كيف يقال مثل هذا الكلام التافه الذي لا قيمة له عن رجل مسلم ثقة، وثقه أئمة الجرح والتعديل كيحيى بن معين وغيره، وذكره ابن حبان في كتاب «الثقات»، وقال العجلي فيه: يماني تابعي ثقة. فسواء كان يهودياً أو نصرانياً أو مشركاً من غير أهل الكتاب قبل إسلامه، فأي تهمة في ذلك. عدنان هنا يتهم همام بن منبه بقوله: (الشبهة قائمة أنه يعني قد يحتمل أنه أراد على صورة الرحمن)!!! فعجباً يتهم رجلاً بشبهة احتمال أنه لمّا روى قول رسول الله صلى الله عليه وسلّم: (خلق الله آدم على صورته) أنه قصد أن معنى قوله عليه السلام صورته هو صورة الرحمن جل وعلا!! فهل لهذا الاتهام في ميزان العلم قيمة!!! أيّ منهج علميّ هذا يا عدنان! أن تناقش الناس في نواياهم وما يفهمونه ويقصدونه من كلام غيرهم الذي يسمعونه ويبلغونه لغيرهم كما سمعوه!
إنه ليس لهذا الاتهام أيّ معنى إلا أن يريد عدنان أن همام بن منبّه افترى هذا اللفظ على أبي هريرة وأنه لم يسمعه منه، وبالتالي فقد كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، بأن أتى بهذا الكلام من التوراة وصاغه ونسبه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مدعياً أنه سمعه من أبي هريرة!
فإذا كان هذا ما يريده فجوابه أنّ إضافة الصورة إلى ضمير يحتمل أن يكون عائداً على الله عزّ وجلّ، لا بل إضافة الصورة إلى صريح اسم الرحمن جلّ وعلا ورد في أحاديث أخرى ليس في سندها همّام بن منبّه. بل تلك الأحاديث هي التي وقع فيها الخلاف الشديد، لا هذا الحديث فإنه مؤوّل بلا إشكال. كما بيّن ذلك ابن فورك في كتابه مشكل الحديث وبيانه، حيث قال: (حديث الصورة وبيان تأويله: فمن أقسام الرتبة الأولى من هذه الأخبار مما يدخل في باب المستفيض الذي تلقاه أهل العلم بالقبول ولم ينكره منهم منكر وهو حديث الصورة. وقد روي ذلك على وجهين في بعض الأخبار وهو قوله عليه السلام: "إن الله خلق آدم على صورته"، ولا خلاف بين أهل العلم والنقل في صحة ذلك.
وقد روي أيضاً إن الله خلق آدم على صورة الرحمن، وأهل النقل أكثرهم على إنكار ذلك وعلى أنه غلط وقع من طريق التأويل لبعض النقلة فتوهم أن الهاء يرجع إلى الله تعالى فنقل على المعنى على ما كان عنده في أن الكناية ترجع إلى الله تعالى.
وقد روي في بعض أحاديث عكرمة عن ابن عباس وفي حديث أم الطفيل وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم إطلاق لفظ الصورة على وجه آخر وهو قوله عليه السلام: رأيت ربي في أحسن صورة....) اهـ
وبيّن ابن فورك في كلام طويل جميع وجوه تأويله على أتمّ وأحسن نظام. فليرجع إليه.
فأنت ترى أن الحديث الذي رواه همّام بن منبه عن أبي هريرة لا خلاف بين أهل العلم والنقل على صحته كما قال ابن فورك. ولكن الذي تردد فيه العلماء وكان أكثرهم على إنكاره هو الذي أضيف فيه لفظ الصورة إلى الرحمن؛ وهو أيضاً مؤول على أحسن نظام في كتاب ابن فورك فليرجع إليه من أراد.
ولأبي حاتم ابن حبّان كلام نفيس في الرد على من تكلّم على هذا الحديث، ننقله بتمامه للفائدة، وإن كان كلام ابن فورك أتمّ وأوسع ولكنا أضربنا عن نقله لطوله. قال أبو حاتم ابن حبان رحمه الله تعالى في صحيحه: (هَذَا الْخَبَرُ تَعَلَّقَ بِهِ مَنْ لَمْ يُحْكِمُ صِنَاعَةَ الْعِلْمِ وَأَخَذَ يُشَنِّعُ عَلَى أَهْلِ الْحَدِيثِ الَّذِينَ يَنْتَحِلُونَ السُّنَنَ، وَيَذُبُّونَ عَنْهَا، وَيَقْمَعُونَ مَنْ خَالَفَهَا بِأَنْ قَالَ: لَيْسَتْ تَخْلُو هَذِهِ الْهَاءُ مِنْ أَنْ تُنْسَبَ إِلَى اللَّهِ أَوْ إِلَى آدَمَ، فَإِنْ نُسِبَتْ إِلَى اللَّهِ كَانَ ذَلِكَ كُفْرًا، إِذْ {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}، وَإِنْ نُسِبَتْ إِلَى آدَمَ تَعَرَّى الْخَبَرُ عَنِ الْفَائِدَةِ، لِأَنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ خُلِقَ عَلَى صُورَتِهِ لَا عَلَى صُورَةِ غَيْرِهِ، وَلَوْ تَمَلَّقَ قَائِلُ هَذَا إِلَى بَارِئِهِ فِي الْخَلْوَةِ، وَسَأَلَهُ التَّوْفِيقَ لِإِصَابَةِ الْحَقِّ وَالْهِدَايَةِ لِلطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ فِي لُزُومِ سُنَنِ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَكَانَ أَوْلَى بِهِ مِنَ الْقَدْحِ فِي مُنْتَحِلِي السُّنَنِ بِمَا يَجْهَلُ مَعْنَاهُ، وَلَيْسَ جَهْلُ الْإِنْسَانِ بِالشَّيْءِ دَالًا عَلَى نَفْيِ الْحَقِّ عَنْهُ لِجَهْلِهِ بِهِ.
وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّ أَخْبَارَ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَحَّتْ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ لَا تَتَضَادَّ، وَلَا تَتَهَاتَرُ، وَلَا تَنْسَخُ الْقُرْآنَ بَلْ لِكُلِّ خَبَرٍ مَعْنًى مَعْلُومٌ يُعْلَمُ، وَفَصْلٌ صَحِيحٌ يُعْقَلُ، يَعْقِلُهُ الْعَالِمُونَ.
فَمَعْنَى الْخَبَرِ عِنْدَنَا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ": إِبَانَةُ فَضْلِ آدَمَ عَلَى سَائِرِ الْخَلْقِ، وَالْهَاءُ رَاجِعَةٌ إِلَى آدَمَ، وَالْفَائِدَةُ مِنْ رُجُوعِ الْهَاءِ إِلَى آدَمَ دُونَ إِضَافَتِهَا إِلَى الْبَارِئِ جَلَّ وَعَلَا - جَلَّ رَبُّنَا وَتَعَالَى عَنْ أَنْ يُشَبَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ - أَنَّهُ جَلَّ وَعَلَا جَعَلَ سَبَبَ الْخَلْقِ الَّذِي هُوَ الْمُتَحَرِّكُ النَّامِي بِذَاتِهِ اجْتِمَاعَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، ثُمَّ زَوَالَ الْمَاءِ عَنْ قَرَارِ الذَّكَرِ إِلَى رَحِمِ الْأُنْثَى، ثُمَّ تَغَيُّرَ ذَلِكَ إِلَى الْعَلَقَةِ بَعْدَ مُدَّةٍ، ثُمَّ إِلَى الْمُضْغَةِ، ثُمَّ إِلَى الصُّورَةِ، ثُمَّ إِلَى الْوَقْتِ الْمَمْدُودِ فِيهِ، ثُمَّ الْخُرُوجِ مِنْ قَرَارِهِ، ثُمَّ الرَّضَاعِ، ثُمَّ الْفِطَامِ، ثُمَّ الْمَرَاتِبِ الْأُخَرِ عَلَى حَسَبِ مَا ذَكَرْنَا إِلَى حُلُولِ الْمَنِيَّةِ بِهِ.
هَذَا وَصْفُ الْمُتَحَرِّكِ النَّامِي بِذَاتِهِ مِنْ خَلْقِهِ وَخَلْقِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَّا آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي خَلْقَهُ عَلَيْهَا، وَطُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ تَقدمه اجْتِمَاعُ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، أَوْ زَوَالُ الْمَاءِ، أَوْ قَرَارُهُ، أَوْ تَغْيِيرُ الْمَاءِ عَلَقَةً أَوْ مُضْغَةً، أَوْ تَجْسِيمُهُ بَعْدَهُ، فَأَبَانَ اللَّهُ بِهَذَا فَضْلَهُ عَلَى سَائِرِ مَنْ ذَكَرْنَا مِنْ خَلْقِهِ، بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ نُطْفَةً فَعَلَقَةً، وَلَا عَلَقَةً فَمُضْغَةً، وَلَا مُضْغَةً فَرَضِيعًا، وَلَا رَضِيعًا فَفَطِيمًا، وَلَا فَطِيمًا فَشَابًّا كَمَا كَانَتْ هَذِهِ حَالَةُ غَيْرِهِ ضِدَّ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ أَصْحَابَ الْحَدِيثِ حَشْوِيَّةٌ يَرْوُونَ مَا لَا يَعْقِلُونَ وَيَحْتَجُّونَ بِمَا لَا يَدْرُونَ) اهـ
وكما قلت لم يستوف ابن حبان جميع وجوه تأويله كما فعل ابن فورك، فمن أراد أن يقف على ذلك فلينظره في كتابه، ولا نريد أن نطيل بذكره فينتشر الكلام ويخرج عن المقصود بالذات.
فبان لك أن تعريضه بهمام بن منبه واتهامه ليس له وجه من هذه الجهة. وعدنان هنا قد خلط الكلام عن هذا الحديث بأحاديث الصورة التي أضيف فيها لفظ الصورة إلى الرحمن، وجعلهما من رتبة واحدة، مع أن بينهما بوناً كما نقلناه عن ابن فورك. فهذا الحديث متفق على صحته عند أهل الصناعة، وقد بيّن معناه بلا إشكال، وأما الأحاديث التي فيها إضافة الصورة إلى الرحمن فأكثرها ضعيف أو منكر وبعضها مرسل كحديث عطاء: (خلق آدم على صورة الرحمن) الذي ذكره ابن تيمية في التسعينية، والبعض صحح بعضها. ولو صحّت فلا إشكال عندنا في صحتها، فقد تأولته العلماء تأويلات رائقة يفهمها من أوتي فهماً وذوقاً.
وإني لا أدري ما دخل ذكر أن همام بن منبه كان يهودياً... إلخ فيما نحن فيه من بحث طول آدم عليه السلام، فإن كان يعرض بهمام بن منبه أنه افترى لفظ الصورة فقط حين ذكر ذلك عرضاً فقد أجيب عن ذلك، وإن كان مراده أنه ربما هو من زاد في الحديث أن طول آدم عليه السلام كان ستين ذراعاً. فهذا يقتضي أن يكون همام بن منبه قد كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلّم أو أنه خلط عن غير قصد فجاء بشيء من الإسرائيليات ووضعه في الحديث. فإن كان عدنان ذكر ذلك بأسلوبه الماكر ليوهم هذا المعنى ويوقعه في نفس السامع فأسانيد الأحاديث التي جاء فيها أن طول آدم عليه السلام ستون ذراعاً تردّ هذه التهمة فسند الحديث عند البخاري: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ومثله سند مسلم: قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ يَعْنِي ابْنَ زِيَادٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ الحديث، ولابن حبان مثله: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَزْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
وأبو زرعة هو ابن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي الكوفي، من الثقات التابعين وعلمائهم.
ولمسلم سند ثان: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وأبو صالح هو ذكوان بن عبد الله السمّان مولى أم المؤمنين جويريّة وهو عالم حافظ ثقة بالاتفاق.
ولابن حبان أيضاً: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: (...وَيُزَادُ فِي جِسْمِهِ سِتُّونَ ذِرَاعًا عَلَى صُورَةِ آدَمَ...) الحديث.
وفي مصنف ابن أبي شيبة: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ على أن عليّ بن زيد من الضعفاء. ومثله في مسند أحمد حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا يزيد أنا حماد بن سلمة عن على بن زيد عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة: (يدخل أهل الجنة الجنة جردا مردا بيضا جعادا مكحلين أبناء ثلاث وثلاثين على خلق آدم ستون ذراعا في عرض سبع أذرع). وهذا صححه أحمد شاكر.
فبملاحظة أسانيد الأحاديث التي ذكرت أن طول آدم عليه السلام هو ستون ذرعاً، نعلم أنه لم ينحصر الراوي عن أبي هريرة في همام بن منبه، وبذلك تنتفي التهمة عنه. على أنّ شيئاً من الإسرائيليات لم تذكر فيما أعلم- أن طول آدم عليه السلام كان ستين ذراعاً لكي يقال إنه اختلط عليه.
وأما قول عدنان: (نحن لسنا على شكل الله، الله ليس له هذا الشكل، أعوذ بالله يا أخي)
أقول: قد أساء التعبير فإنه يتضمن إثبات شكل وصورة له تعالى، وهو ما هربت منه. فليس لله صورة البتة تعالى عن ذلك علواً كبيراً. والصواب أن يكتفي بنفي الصورة والشكل عنه، لا أن يقول نحن لسنا على شكله. جلّ جلاله وتقدست أسماؤه. ولنتسامح معه في العبارة لما أنا عرفنا قصده، ولكننا لا نتسامح معه في منهج ردّ ما أمكن تأويله من الحديث إذا ثبتت صحته.
وما قاله عدنان -كما سيأتي- من أنّ مثل هذا الحديث مما يردّ ولو كان في الصحاح!! فهو مذهب مردود، ومنهج مرفوض، ولا يمتّ إلى مذهب أهل السنّة بصلة. فأين العلم في أن يردّ الحديث لمجرد استشكاله مع إمكان فهمه وتأوله على معنى لا يتعارض مع القطعيّات! وهل لعدنان إبراهيم منهج أصلاً حين يدّعي انتهاجه لنهج العلم والعلماء وهو يقول إنه يريد أن يعيد النظر في ثوابت الدين وقطعيّاته! سبحان الله!
يتبع إن شاء الله تعالى.....
أولاً: وصف أول زمرة يدخلون الجنة ثمّ الذين يلونهم، كما في حديث البخاري: «إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ عَلَى أَشَدِّ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ إِضَاءَةً، لاَ يَبُولُونَ وَلاَ يَتَغَوَّطُونَ، وَلاَ يَتْفِلُونَ وَلاَ يَمْتَخِطُونَ، أَمْشَاطُهُمُ الذَّهَبُ، وَرَشْحُهُمُ المِسْكُ، وَمَجَامِرُهُمْ الأَلُوَّةُ الأَنْجُوجُ، عُودُ الطِّيبِ وَأَزْوَاجُهُمُ الحُورُ العِينُ، عَلَى خَلْقِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، عَلَى صُورَةِ أَبِيهِمْ آدَمَ، سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي السَّمَاءِ»
ثانياً: وصف عام لمن يدخلون الجنة، كما في مسند أحمد: «يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ جُرْدًا مُرْدًا بَيْضَاءَ جِعَادًا مُكَحَّلِينَ أَبْنَاءَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ عَلَى خَلْقِ آدَمَ، طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي عَرْضِ سَبْعِ أَذْرُعٍ»
ثالثاً: وصف المسلم والكافر إذا أعطيا كتابيهما وذكر تعظيم خلقهما ونحو ذلك، كما في سنن الترمذي وابن حبان وغيرهما: (الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ إِذَا أُعْطِيَا كِتَابَيْهِمَا الحديث في ابن حبان: «يُدْعَى أَحَدُهُمْ، فَيُعْطَى كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ وَيُمَدُّ لَهُ فِي جِسْمِهِ سِتُّونَ ذِرَاعًا وَيُبَيَّضُ وَجْهُهُ، وَيُجْعَلُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجٌ مِنْ لُؤْلُؤٍ يَتَلَأْلَأُ»، قَالَ: «فَيَنْطَلِقُ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَيَرَوْنَهُ مِنْ بَعِيدٍ، فَيَقُولُونَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي هَذَا حَتَّى يَأْتِيَهُمْ، فَيَقُولُ: أَبْشِرُوا، فَإِنَّ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْكُمْ مِثْلَ هَذَا، وَأَمَّا الْكَافِرُ، فَيُعْطَى كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ مُسْوَدًّا وَجْهُهُ، وَيُزَادُ فِي جِسْمِهِ سِتُّونَ ذِرَاعًا عَلَى صُورَةِ آدَمَ، وَيَلْبَسُ تَاجًا مِنْ نَارٍ، فَيَرَاهُ أَصْحَابُهُ، فَيَقُولُونَ: اللَّهُمَّ أَخْزِهِ، فَيَقُولُ: أَبْعَدَكُمُ اللَّهُ، فَإِنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مِثْلَ هَذَا»
رابعاً: ذكر خلق آدم عليه السلام على صورته وتسليمه على الملائكة وأن أهل الجنة يشبهونه في خَلقه .. إلخ، كما في حديث البخاري: " خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ وَطُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، ثُمَّ قَالَ: اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ مِنَ المَلاَئِكَةِ، فَاسْتَمِعْ مَا يُحَيُّونَكَ، تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ، فَقَالَ السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ، فَقَالُوا: السَّلاَمُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، فَزَادُوهُ: وَرَحْمَةُ اللَّهِ، فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ آدَمَ، فَلَمْ يَزَلِ الخَلْقُ يَنْقُصُ حَتَّى الآنَ".
فهذه هي المواضيع الأربعة التي ورد فيها أنّ طول آدم عليه السلام ستون ذراعاً وهي الموضوع المقصود بالذات في هذه المسألة، وسنذكر الأحاديث التي وجدناها في أثناء المناقشة إن شاء الله تعالى.
أما قول عدنان: (هذا الحديث يرويه همّام بن منبّه أخو وهب بن منبّه، كلاهما كانا يهوديين وأسلما، همّام بن منبّه يقول: هذا ما حدّثنيه أبو هريرة -رضي الله عنه وأرضاه- أنّ الرسول صلّى الله عليه وسلّم قال: "خلق الله آدم على صورته" وهنا علامة استفهام كبيرة، ما المقصود صورة الله أم صورة آدم. نحن نرجح على صورته على صورة آدم يعني، يعني آدم لم يترقّ ولم يتطوّر في الخلقة، وإلا فإنّ الشبهة قائمة بما أنّ همّام بن منبّه أصله يهودي -أيها الإخوة- وأسلم، الشبهة قائمة أنه يعني قد يحتمل أنه أراد على صورة الرحمن؛ لأنّ هذا مكتوب في التوراة (نخلق بشراً على صورتنا) انتبهوا هذا حديث الصورة اسمه حديث الصورة، وحديث أبي مسعود الأنصاري أيضاً، قال: "لا تضربه" النبي عليه السلام: "فإنّ الله خلق آدم على صورته" هل هو..صرّح في بعض الطرق "على صورة الرحمن" هذا من دسيس الإسرائيليات. "ليس كمثله شيء". نحن لسنا على شكل الله، الله ليس له هذا الشكل، أعوذ بالله يا أخي) اهـ
فأقول: أما التعريض بهمام بن منبّه الذي روى عن أبي هريرة لكونه كان يهودياً وأسلم، بأنه ربّما أراد نسبة الصورة إلى الله عزّ وجلّ؛ لأنّ اليهود يثبتون لله تعالى صورة كما في توراتهم المحرّفة، فجواب هذه التهمة التي جازف عدنان العجول باتهام همام بن منبه بها هو أن وظيفة همّام هنا هي الرواية فهو جزء من السند، ومن حيث هو راوٍ كيف يناقش قصدُه؟! فالعبارة محلّ البحث هنا هي (خلق الله آدم على صورته) وهي منسوبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وليست من كلام همّام لكي يناقش قصُده. كيف يقال مثل هذا الكلام التافه الذي لا قيمة له عن رجل مسلم ثقة، وثقه أئمة الجرح والتعديل كيحيى بن معين وغيره، وذكره ابن حبان في كتاب «الثقات»، وقال العجلي فيه: يماني تابعي ثقة. فسواء كان يهودياً أو نصرانياً أو مشركاً من غير أهل الكتاب قبل إسلامه، فأي تهمة في ذلك. عدنان هنا يتهم همام بن منبه بقوله: (الشبهة قائمة أنه يعني قد يحتمل أنه أراد على صورة الرحمن)!!! فعجباً يتهم رجلاً بشبهة احتمال أنه لمّا روى قول رسول الله صلى الله عليه وسلّم: (خلق الله آدم على صورته) أنه قصد أن معنى قوله عليه السلام صورته هو صورة الرحمن جل وعلا!! فهل لهذا الاتهام في ميزان العلم قيمة!!! أيّ منهج علميّ هذا يا عدنان! أن تناقش الناس في نواياهم وما يفهمونه ويقصدونه من كلام غيرهم الذي يسمعونه ويبلغونه لغيرهم كما سمعوه!
إنه ليس لهذا الاتهام أيّ معنى إلا أن يريد عدنان أن همام بن منبّه افترى هذا اللفظ على أبي هريرة وأنه لم يسمعه منه، وبالتالي فقد كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، بأن أتى بهذا الكلام من التوراة وصاغه ونسبه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مدعياً أنه سمعه من أبي هريرة!
فإذا كان هذا ما يريده فجوابه أنّ إضافة الصورة إلى ضمير يحتمل أن يكون عائداً على الله عزّ وجلّ، لا بل إضافة الصورة إلى صريح اسم الرحمن جلّ وعلا ورد في أحاديث أخرى ليس في سندها همّام بن منبّه. بل تلك الأحاديث هي التي وقع فيها الخلاف الشديد، لا هذا الحديث فإنه مؤوّل بلا إشكال. كما بيّن ذلك ابن فورك في كتابه مشكل الحديث وبيانه، حيث قال: (حديث الصورة وبيان تأويله: فمن أقسام الرتبة الأولى من هذه الأخبار مما يدخل في باب المستفيض الذي تلقاه أهل العلم بالقبول ولم ينكره منهم منكر وهو حديث الصورة. وقد روي ذلك على وجهين في بعض الأخبار وهو قوله عليه السلام: "إن الله خلق آدم على صورته"، ولا خلاف بين أهل العلم والنقل في صحة ذلك.
وقد روي أيضاً إن الله خلق آدم على صورة الرحمن، وأهل النقل أكثرهم على إنكار ذلك وعلى أنه غلط وقع من طريق التأويل لبعض النقلة فتوهم أن الهاء يرجع إلى الله تعالى فنقل على المعنى على ما كان عنده في أن الكناية ترجع إلى الله تعالى.
وقد روي في بعض أحاديث عكرمة عن ابن عباس وفي حديث أم الطفيل وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم إطلاق لفظ الصورة على وجه آخر وهو قوله عليه السلام: رأيت ربي في أحسن صورة....) اهـ
وبيّن ابن فورك في كلام طويل جميع وجوه تأويله على أتمّ وأحسن نظام. فليرجع إليه.
فأنت ترى أن الحديث الذي رواه همّام بن منبه عن أبي هريرة لا خلاف بين أهل العلم والنقل على صحته كما قال ابن فورك. ولكن الذي تردد فيه العلماء وكان أكثرهم على إنكاره هو الذي أضيف فيه لفظ الصورة إلى الرحمن؛ وهو أيضاً مؤول على أحسن نظام في كتاب ابن فورك فليرجع إليه من أراد.
ولأبي حاتم ابن حبّان كلام نفيس في الرد على من تكلّم على هذا الحديث، ننقله بتمامه للفائدة، وإن كان كلام ابن فورك أتمّ وأوسع ولكنا أضربنا عن نقله لطوله. قال أبو حاتم ابن حبان رحمه الله تعالى في صحيحه: (هَذَا الْخَبَرُ تَعَلَّقَ بِهِ مَنْ لَمْ يُحْكِمُ صِنَاعَةَ الْعِلْمِ وَأَخَذَ يُشَنِّعُ عَلَى أَهْلِ الْحَدِيثِ الَّذِينَ يَنْتَحِلُونَ السُّنَنَ، وَيَذُبُّونَ عَنْهَا، وَيَقْمَعُونَ مَنْ خَالَفَهَا بِأَنْ قَالَ: لَيْسَتْ تَخْلُو هَذِهِ الْهَاءُ مِنْ أَنْ تُنْسَبَ إِلَى اللَّهِ أَوْ إِلَى آدَمَ، فَإِنْ نُسِبَتْ إِلَى اللَّهِ كَانَ ذَلِكَ كُفْرًا، إِذْ {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}، وَإِنْ نُسِبَتْ إِلَى آدَمَ تَعَرَّى الْخَبَرُ عَنِ الْفَائِدَةِ، لِأَنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ خُلِقَ عَلَى صُورَتِهِ لَا عَلَى صُورَةِ غَيْرِهِ، وَلَوْ تَمَلَّقَ قَائِلُ هَذَا إِلَى بَارِئِهِ فِي الْخَلْوَةِ، وَسَأَلَهُ التَّوْفِيقَ لِإِصَابَةِ الْحَقِّ وَالْهِدَايَةِ لِلطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ فِي لُزُومِ سُنَنِ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَكَانَ أَوْلَى بِهِ مِنَ الْقَدْحِ فِي مُنْتَحِلِي السُّنَنِ بِمَا يَجْهَلُ مَعْنَاهُ، وَلَيْسَ جَهْلُ الْإِنْسَانِ بِالشَّيْءِ دَالًا عَلَى نَفْيِ الْحَقِّ عَنْهُ لِجَهْلِهِ بِهِ.
وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّ أَخْبَارَ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَحَّتْ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ لَا تَتَضَادَّ، وَلَا تَتَهَاتَرُ، وَلَا تَنْسَخُ الْقُرْآنَ بَلْ لِكُلِّ خَبَرٍ مَعْنًى مَعْلُومٌ يُعْلَمُ، وَفَصْلٌ صَحِيحٌ يُعْقَلُ، يَعْقِلُهُ الْعَالِمُونَ.
فَمَعْنَى الْخَبَرِ عِنْدَنَا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ": إِبَانَةُ فَضْلِ آدَمَ عَلَى سَائِرِ الْخَلْقِ، وَالْهَاءُ رَاجِعَةٌ إِلَى آدَمَ، وَالْفَائِدَةُ مِنْ رُجُوعِ الْهَاءِ إِلَى آدَمَ دُونَ إِضَافَتِهَا إِلَى الْبَارِئِ جَلَّ وَعَلَا - جَلَّ رَبُّنَا وَتَعَالَى عَنْ أَنْ يُشَبَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ - أَنَّهُ جَلَّ وَعَلَا جَعَلَ سَبَبَ الْخَلْقِ الَّذِي هُوَ الْمُتَحَرِّكُ النَّامِي بِذَاتِهِ اجْتِمَاعَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، ثُمَّ زَوَالَ الْمَاءِ عَنْ قَرَارِ الذَّكَرِ إِلَى رَحِمِ الْأُنْثَى، ثُمَّ تَغَيُّرَ ذَلِكَ إِلَى الْعَلَقَةِ بَعْدَ مُدَّةٍ، ثُمَّ إِلَى الْمُضْغَةِ، ثُمَّ إِلَى الصُّورَةِ، ثُمَّ إِلَى الْوَقْتِ الْمَمْدُودِ فِيهِ، ثُمَّ الْخُرُوجِ مِنْ قَرَارِهِ، ثُمَّ الرَّضَاعِ، ثُمَّ الْفِطَامِ، ثُمَّ الْمَرَاتِبِ الْأُخَرِ عَلَى حَسَبِ مَا ذَكَرْنَا إِلَى حُلُولِ الْمَنِيَّةِ بِهِ.
هَذَا وَصْفُ الْمُتَحَرِّكِ النَّامِي بِذَاتِهِ مِنْ خَلْقِهِ وَخَلْقِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَّا آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي خَلْقَهُ عَلَيْهَا، وَطُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ تَقدمه اجْتِمَاعُ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، أَوْ زَوَالُ الْمَاءِ، أَوْ قَرَارُهُ، أَوْ تَغْيِيرُ الْمَاءِ عَلَقَةً أَوْ مُضْغَةً، أَوْ تَجْسِيمُهُ بَعْدَهُ، فَأَبَانَ اللَّهُ بِهَذَا فَضْلَهُ عَلَى سَائِرِ مَنْ ذَكَرْنَا مِنْ خَلْقِهِ، بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ نُطْفَةً فَعَلَقَةً، وَلَا عَلَقَةً فَمُضْغَةً، وَلَا مُضْغَةً فَرَضِيعًا، وَلَا رَضِيعًا فَفَطِيمًا، وَلَا فَطِيمًا فَشَابًّا كَمَا كَانَتْ هَذِهِ حَالَةُ غَيْرِهِ ضِدَّ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ أَصْحَابَ الْحَدِيثِ حَشْوِيَّةٌ يَرْوُونَ مَا لَا يَعْقِلُونَ وَيَحْتَجُّونَ بِمَا لَا يَدْرُونَ) اهـ
وكما قلت لم يستوف ابن حبان جميع وجوه تأويله كما فعل ابن فورك، فمن أراد أن يقف على ذلك فلينظره في كتابه، ولا نريد أن نطيل بذكره فينتشر الكلام ويخرج عن المقصود بالذات.
فبان لك أن تعريضه بهمام بن منبه واتهامه ليس له وجه من هذه الجهة. وعدنان هنا قد خلط الكلام عن هذا الحديث بأحاديث الصورة التي أضيف فيها لفظ الصورة إلى الرحمن، وجعلهما من رتبة واحدة، مع أن بينهما بوناً كما نقلناه عن ابن فورك. فهذا الحديث متفق على صحته عند أهل الصناعة، وقد بيّن معناه بلا إشكال، وأما الأحاديث التي فيها إضافة الصورة إلى الرحمن فأكثرها ضعيف أو منكر وبعضها مرسل كحديث عطاء: (خلق آدم على صورة الرحمن) الذي ذكره ابن تيمية في التسعينية، والبعض صحح بعضها. ولو صحّت فلا إشكال عندنا في صحتها، فقد تأولته العلماء تأويلات رائقة يفهمها من أوتي فهماً وذوقاً.
وإني لا أدري ما دخل ذكر أن همام بن منبه كان يهودياً... إلخ فيما نحن فيه من بحث طول آدم عليه السلام، فإن كان يعرض بهمام بن منبه أنه افترى لفظ الصورة فقط حين ذكر ذلك عرضاً فقد أجيب عن ذلك، وإن كان مراده أنه ربما هو من زاد في الحديث أن طول آدم عليه السلام كان ستين ذراعاً. فهذا يقتضي أن يكون همام بن منبه قد كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلّم أو أنه خلط عن غير قصد فجاء بشيء من الإسرائيليات ووضعه في الحديث. فإن كان عدنان ذكر ذلك بأسلوبه الماكر ليوهم هذا المعنى ويوقعه في نفس السامع فأسانيد الأحاديث التي جاء فيها أن طول آدم عليه السلام ستون ذراعاً تردّ هذه التهمة فسند الحديث عند البخاري: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ومثله سند مسلم: قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ يَعْنِي ابْنَ زِيَادٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ الحديث، ولابن حبان مثله: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَزْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
وأبو زرعة هو ابن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي الكوفي، من الثقات التابعين وعلمائهم.
ولمسلم سند ثان: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وأبو صالح هو ذكوان بن عبد الله السمّان مولى أم المؤمنين جويريّة وهو عالم حافظ ثقة بالاتفاق.
ولابن حبان أيضاً: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: (...وَيُزَادُ فِي جِسْمِهِ سِتُّونَ ذِرَاعًا عَلَى صُورَةِ آدَمَ...) الحديث.
وفي مصنف ابن أبي شيبة: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ على أن عليّ بن زيد من الضعفاء. ومثله في مسند أحمد حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا يزيد أنا حماد بن سلمة عن على بن زيد عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة: (يدخل أهل الجنة الجنة جردا مردا بيضا جعادا مكحلين أبناء ثلاث وثلاثين على خلق آدم ستون ذراعا في عرض سبع أذرع). وهذا صححه أحمد شاكر.
فبملاحظة أسانيد الأحاديث التي ذكرت أن طول آدم عليه السلام هو ستون ذرعاً، نعلم أنه لم ينحصر الراوي عن أبي هريرة في همام بن منبه، وبذلك تنتفي التهمة عنه. على أنّ شيئاً من الإسرائيليات لم تذكر فيما أعلم- أن طول آدم عليه السلام كان ستين ذراعاً لكي يقال إنه اختلط عليه.
وأما قول عدنان: (نحن لسنا على شكل الله، الله ليس له هذا الشكل، أعوذ بالله يا أخي)
أقول: قد أساء التعبير فإنه يتضمن إثبات شكل وصورة له تعالى، وهو ما هربت منه. فليس لله صورة البتة تعالى عن ذلك علواً كبيراً. والصواب أن يكتفي بنفي الصورة والشكل عنه، لا أن يقول نحن لسنا على شكله. جلّ جلاله وتقدست أسماؤه. ولنتسامح معه في العبارة لما أنا عرفنا قصده، ولكننا لا نتسامح معه في منهج ردّ ما أمكن تأويله من الحديث إذا ثبتت صحته.
وما قاله عدنان -كما سيأتي- من أنّ مثل هذا الحديث مما يردّ ولو كان في الصحاح!! فهو مذهب مردود، ومنهج مرفوض، ولا يمتّ إلى مذهب أهل السنّة بصلة. فأين العلم في أن يردّ الحديث لمجرد استشكاله مع إمكان فهمه وتأوله على معنى لا يتعارض مع القطعيّات! وهل لعدنان إبراهيم منهج أصلاً حين يدّعي انتهاجه لنهج العلم والعلماء وهو يقول إنه يريد أن يعيد النظر في ثوابت الدين وقطعيّاته! سبحان الله!
يتبع إن شاء الله تعالى.....
تعليق