الفصل السابع
بعض الألفاظ التي يثبتها الوهابية على حقيقتها ومعانيها الوضعية
بعض الألفاظ التي يثبتها الوهابية على حقيقتها ومعانيها الوضعية
تبيّنَ مما سَبَقَ أنّ الوهابية والتيمية يُثبتون لله تعالى اللفظ على حقيقته اللغوية ومعناه الذي وضع له , ويثبتون كيفيته التي تميّزه عن غيره مع تفويضهم إياها , فهذا المعنى الحقيقي وهذه الكيفية ثابتان في الخارج , إلا أنّ المعنى يعرفونه والكيفية يجهلونها .
1- فيثبتون لله تعالى «الأذية!» الحقيقية ويجعلونها لائقة به! , قال ابن عثيمين في مجموع فتاواه (10/827) :
«قوله : [يؤذيني ابن آدم] أي : يلحق بي الأذى ، فالأذية لله ثابتة , ويجب علينا إثباتها ؛ لأن الله أثبتها لنفسه ، فلسنا أعلم من الله بالله ، ولكنها ليست كأذية المخلوق».
فهل للوهابية أنْ يبيّنوا لنا معنى هذه الأذية التي يُثبتونها لله تعالى كما بيّنوا معنى الاستواء بالاستقرار والجلوس؟ وبما أنّ معناها عندهم معلوم ويمكنهم ترجمته إلى لغة أخرى , فأي معنى سيترجمونه للأذية التي يتبتونها لله تعالى عن إفكهم؟
2- ويُثبتون «الملل» لله تعالى على حقيقته , والملل الحقيقي هو السآمة [ابن فارس5/672] , يقول ابن عثيمين في فتاواه (1/174) :
«جاء في الحديث عن النبي قوله : «فإنّ الله لا يمل حتى تملوا» , فمن العلماء من قال إن هذا دليل على إثبات الملل لله ، لكن ملل الله ليس كملل المخلوق ، إذ إن ملل المخلوق نقص ، لأنه يدل على سأمه وضجره من هذا الشيء ، أما ملل الله فهو كمال وليس فيه نقص ، ويجري هذا كسائر الصفات التي نثبتها لله على وجه الكمال وإن كانت في حق المخلوق ليست كمالًا».
فنقول لهم : بيّنوا معنى هذا الملل الذي تنسبونه لله تعالى وتقولون بأنّه كمال! ولو أردتم ترجمته فبماذا ستترجمونه؟
3- ويثبتون لله تعالى «الاسلتقاء», فقد اشتد نكير ابن القيم على من أنكر حديث قتادة بن النعمان في استلقاء الله تعالى والعياذ بالله- , والذي فيه : «لما قضى الله خلقه استلقى ثم وضع إحدى رجليه على الأخرى» , فقال ابن القيم :
«إن كل واحد من هذين الأمرين أعني المنع والمعارضة ينقسم إلى درجات متعددة, فأما المنع فهو على ثلاث درجات: أحدها منع كون الرسول جاء بذلك أو قاله, الدرجة الثانية: منع دلالته على ذلك المعنى, وهذه الدرجة بعد التنزل إلى الاعتراف بكونه قاله, الدرجة الثالثة: منع كون قوله حجة في هذه المسائل , والدرجات الثلاث قد استعملها المعطلة النفاة, فأما الأولى فاستعملوها في الأحاديث المخالفة لأقوالهم وقواعدهم ونسبوا رواتها إلى الكذب والغلط والخطأ في السمع, واعتقاد أن كثيراً منها من كلام الكفار والمشركين كان النبي يحكيه عنهم, فربما أدركه الواحد في أثناء كلامه بعد تصديره بالحكاية فيسمع المحكيَّ فيعتقده قائلاً له لا حاكياً فيقول قال رسول الله، كما قاله بعضهم في حديث قتادة بن النعمان في الاستلقاء , قال: يحتمل أن يكون النبي حدَّث به عن بعض أهل الكتاب على طريق الإنكار عليهم فلم يفهم عنه قتادة بن النعمان إنكاره فقال قال رسول الله قالوا: فلهذا الاحتمال تركنا الاحتجاج بأخبار الآحاد في صفات الله .
فتأمل ما في هذا الوجه من الأمر العظيم أن يَشتبه على أعلم الناس بالله وصفاته وكلامه وكلامِ رسوله كلامُ الرسول الحق الذي قاله مدحاً وثناءً على الله بكلام الكفار المشركين الذي هو تنقصٌ وعيبٌ , فلا يميز بين هذا وهذا ويقول قال رسول الله لِما يكون من كلام ذلك المشرك الكافر، فأي نسبة جهل واستجهال لأصحاب رسول الله فوق هذا أنه لا يميز أحدهم بين كلام رسول الله وكلام الكفار والمشركين ويميز بينهما أفراخ الجهمية والمعطلة». (الصواعق المرسلة 4/1527-1529)
فيرى أنّ تنزيه الرواة عن الخطأ والكذب أولى من تنزيه الله تعالى عن عقيدة الاستلقاء اليهودية! , مع أنّ الحديث منكر منقطع, ولا يخفى عليك ما في كلامه من التهويل المعتاد.
ونسأل ابن القيّم : هل لك أن تبيّن لنا معنى الاستلقاء الذي تُثبته كما بيّنتَ معنى الاستواء؟
4- ويُثبتون «الرِّجْل» لله تعالى على حقيقتها ومعناها الوضعي , قال ابن فارس في معجم المقاييس (2/492): «الراء والجيم واللام مُعظم بابِه يدلُّ على العُضو الذي هو رِجْلُ كلِّ ذي رِجْل. ويكون بعد ذاك كلماتٌ تشِذُّ عنه..... . فأما قولهم: تَرجّل النهار، إذا ارتفع، فهو من الباب الأوَّل... . ومما شذ عن هذه الأصول ما رواه الأُمَويّ، قال: إذا ولدتِ الغَنَم بعضُها بعد بعض قالوا: ولَّدْتُها الرُّجَيْلاَء» , فهم يُثبتون «الرِّجْل والقدم» التي يضعها في النارعلى حقيقتها ويفوّضون الكيفية التي تكتنفها وتميّزها , فقال محمد أمان الجامي في الصفات الإلهية (ص322) :
«لا تقاس قدمه بأقدام خلقه ولارجله بأرجل مخلوقاته, بل يُكتفى بالمعنى الوضعي!! للكلمة دون محاولة لإدراك حقيقة قدمه» .
ولا تغفل عن إثباتهم العين والرّجل والوجه واليد على أنها أعيان من ذات الله تعالى يتم بها الفعل , فهي أدوات للفعل قائمة بأنفسها متصلة بذات الله , وهذا هو لب التجسيم! .
لكنّ الوهابية عندما أثبتوا وضع الله تعالى قدمه في النار حقيقة , نسوا أنّ ذلك يخالف العلوّ الحسي على العرش , فلو كانت القدم في النار حقيقة في وقت من الأوقات لما كانت على العرش , فإما أن تكون في النار وإما أن تكون على العرش , وما يكون في النار لا يكون على العرش , ولا مناص لهم من تأويل وضع القدم لو أنصفوا أنفسهم , إلا بعد توفيقهم بين الأمرين كما سيأتي في توفيق العثيمين بين المعية والنزول المستمر والعلوّ الحسي.. توفيقًا هو في حقيقته حيدة وكلام خطابي إنشائي , وهل سيكون معبودهم عندما يضع رجله في النار في جهة عدمية أم وجودية؟ وهل سيكون خارج العالم أم داخله؟! أم أنّ بعضه في جهة عدمية وبعضه في جهة وجودية؟!! تعالى الله عمّا يقولون علوًا كبيرًا .
ولو أنّهم أثبتوا الرجل كصفة , فهل من عاقل يقول أنّ للصفة موضع توضع فيه كالنار؟!
وقال ابن تيمية في بيان التلبيس (4/16-17) مستشهدًا بحديث وهب ابن منبّه دون إنكار ولا تنبيه بل تأييدًا:
« وقد روى أبو بكر الخلال في كتاب السنة أخبرني حرب حدثنا محمد بن مهدي بن مالك ثنا إسماعيل بن عبد الكريم ثنا عبد الصمد بن معقل قال سمعت وهباً فذكر من عظمة الله تعالى قال إن السموات السبع والأرضين السبع والبحار لفي الهيكل وإن الهيكل لفي الكرسي , وإن قدميه على الكرسي».
فهل من عاقل يفهم من القَدَمين هنا غير الأبعاض؟ فهل من المعقول أن يكون الكرسي موضعًا للصفات؟!
5- ويثبتون لله تعالى «صورة آدم!»على الحقيقة , فيقول التويجري:
«وهذا نص صريح في أن الله خلق الإنسان على صورة وجهه الذي هو صفة من صفات ذاته , وهذا النص لا يحتمل التأويل».( عقيدة أهل الإيمان , ص40)
ولا يخفى أن تسمية الوجه صفة -وإن أراد التويجري التترس به- يكشف عن مراوغتهم , فأي معنى لعدّ الوجه صفة وهو يعد الخبر نصاً صريحاً في أن الله خلق على صورة الوجه جارحة ووجهاً من المخلوق ذا صورة , بل أي معنى في عده وجه الله صفة مع أنه وجه له صورة صوّر عليها آدم!
بل إن التويجري ينقل هذا الإستشهاد عن ابن تيمية فيقول: «وأيضاً فهذا المعنى عند أهل الكتاب من الكتب المأثورة عن الأنبياء كالتوراة , فإن في السفر الأول منها: سنخلق بشرًا على صورتنا يشبهها». (المصدر السابق 76)
وقد سبق تأييد ابن تيمية لما في هذا النصّ من التشبيه, ولا عيب في نص التوراة : «سنخلق بشرًا على صورتنا يشبهها» عند ابن تيمية وأتباعه!.
ومن عجيب ما ذهبوا إليه أن أحدهم بعد أن استشهد بنص التوراة قال:«إذا كان حديث الصورة مما يغيظه فليغتظ بما في معناه , كقوله تعالى: ((وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ)) [الرحمن: 27] , وقوله: ((وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي)) [طه: 39]». (ظلمات أبي رية، عبد الرزاق حمزة)
فأي تشبيه أصرح من إثبات صورة لله عز جل على صورة آدم , مع الاستشهاد له بالتوراة وبما جاء في إضافة العين والوجه إلى الله ؟ وإذا لم يكن إثبات وجه وعين مع صورة على صورة آدم تشبيهاً فكيف يكون التشبيه؟
بل وتواقح بعضهم إلى درجة التصريح بأن الصورة هي الهيئة والشكل!! فكيف يغتر بهم بعد ذلك من له أدنى مسكة من عقل؟! (1)
بل يقول ابن عثيمين ما هو واضح في إثبات الصورة الجسمية الدالة على التركيب , فقال في شرحه على الواسطية (1/110):
«فإذا قلت: ما هي الصورة التي تكون لله ويكون آدم عليها؟
قلنا : إن الله له وجه وله عين وله يد وله رجل , لكن لا يلزم أن تكون هذه الأشياء مماثلة للإنسان , فهناك شيء من الشبه! لكنه ليس على سبيل المماثلة».
فيرى أنّ صورة الله تعالى مشابهة لصورة الإنسان المؤلفة من الوجه والعين واليد والرجل , لكن هذا التشابه ليس تماثلًا أي في كلّ شيء , فكما أنّ للإنسان صورة مركبة من الوجه والعين ..الخ , فكذلك لله تعالى صورة ناتجة عن ثبوت الوجه والعين واليد..الخ , إلا أنّ صورة الإنسان لا تشابه صورة الرحمن من جميع الوجوه بل من بعض الوجوه , وهذا هو التشبيه بعينه يا عباد الله , ولم يأتِ أحد في تاريخ الإسلام وأثبت التماثل بين الخالق والمخلوق من جميع الوجوه , حتى يتوهم أولئك الوهابية أنهم بنفي التماثل وإثبات التشبيه يخرجون عن دائرة المشبيهة والمجسمة.
6- ويثبتون «العين» لله تعالى كعضو باصر مع تجنبهم لفظ «العضو» بعد إثبات معناه , بحجة أنّ السلف لم يتكلموا في لفظ العضو نفيًا وإثباتًا , فيقول ابن عثيمين في مجموع فتاويه (4/58) :
«مذهب أهل السنة والجماعة أن لله عينين، اثنتين، ينظر بهما حقيقة على الوجه اللائق به , وهما من الصفات الذاتية الثابتة بالكتاب، والسنة.. . فهما عينان حقيقيتان لا تشبهان أعين المخلوقين...» .
فتأمّل قوله : «حقيقيتان» و «ينظر بهما حقيقة»!! , فهو يُثبت معنى عضو العين مع عدم إثباته لفظه , وأمّا قوله : «على الوجه اللائق به» فيقصد بذلك الكيفية التي يفوض معناها بعد إثباتها .
وقال عبد الله الجبرين في التعليقات الزكية (ص177) :
«وقد جاءت السنة بإثبات عينين لله تعالى يبصر بهما, كما في الحديث الصحيح أنه قال: [إن ربكم ليس بأعور]!!» .
فيثبتون لله تعالى العينين كأدوات وأعضاء للإبصار.
7- ويثبتون «اليدين» الحقيقيتين لله تعالى كأدوات للفعل , مع تحاشيهم لفظ الأداة , قال ابن عثيمين (4/274) :
«إن يدي الله من صفاته الذاتية الثابتة له حقيقة , على الوجه اللائق به , يبسطهما كيف يشاء , ويقبض بهما ما شاء».
قوله : «على الوجه اللائق به» يقصد به الكيفية .
ونطالبهم أيضًا بتعريف اليدين الحقيقيتين!
8- ويثبتون «الوجه» على حقيقته, فيقول ابن القيم في مختصر الصواعق (ص 386) :
« المثال الخامس : وجه الرب جل -جلاله- حيث ورد في الكتاب والسنة فليس بمجاز بل على حقيقته ».
ولا أدري لم أنكر ابن تيمية هذا الذي يقوله أتباعه! , حيث قال في الجواب الصحيح (4/412) :
«ولا يُعرف عالم مشهور من علماء المسلمين ولا طائفة مشهورة من طوائفهم , يطلقون العبارة التي حكوها عن المسلمين , حيث قالوا عنهم : إنهم يقولون إن لله عينين يبصر بهما!! , ويدين يبسطهما , وساقاً , ووجهاً يوليه إلى كل مكان , وجنباً ، ولكن هؤلاء ركبوا من ألفاظ القرآن بسوء تصرفهم وفهمهم تركيباً زعموا أن المسلمين يطلقونه , وليس في القرآن ما يدل ظاهره! على ما ذكروه».
بل هناك طائفة مرذولة عند المسلمين هم المشبهة والمجسمة يقولون بما أنكره ابن تيمية , وابن تيمية نفسه وأتباعه يقولون به , لكنّ نزعة التنزيه غلبت عليه في ردّه على النصارى أهل التشبيه , حتى أنكر ما يثبته بنفسه!!
----------------
1 - ففي قسم الدراسة من بيان تلبيس الجهمية ط مجمع الملك فهد , ذكر عبد العزيز الراجحي في خاتمة الدراسة ما نصه :
(أن الصورة هي هيئة الشيء وشكلُه! , وأن كل موجود قائم بنفسه تصح رؤيته ومشاهدته , تكون له صورة وشكل يتميز به عن غيره , والله سبحانه أعظم موجود...
..أن القول الصواب في مرجع الضمير في قوله : [خلق الله آدم على صورته] هو ما شهدت له الأدلة , وذهب إليه السلف من أن الضمير يعود إلى الله!).
تعليق