الصفات الإلهية بين أهل التنزيه وأهل التشبيه

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عثمان محمد النابلسي
    طالب علم
    • Apr 2008
    • 438

    #31
    الفصل السابع
    بعض الألفاظ التي يثبتها الوهابية على حقيقتها ومعانيها الوضعية


    تبيّنَ مما سَبَقَ أنّ الوهابية والتيمية يُثبتون لله تعالى اللفظ على حقيقته اللغوية ومعناه الذي وضع له , ويثبتون كيفيته التي تميّزه عن غيره مع تفويضهم إياها , فهذا المعنى الحقيقي وهذه الكيفية ثابتان في الخارج , إلا أنّ المعنى يعرفونه والكيفية يجهلونها .

    1- فيثبتون لله تعالى «الأذية!» الحقيقية ويجعلونها لائقة به! , قال ابن عثيمين في مجموع فتاواه (10/827) :
    «قوله : [يؤذيني ابن آدم] أي : يلحق بي الأذى ، فالأذية لله ثابتة , ويجب علينا إثباتها ؛ لأن الله أثبتها لنفسه ، فلسنا أعلم من الله بالله ، ولكنها ليست كأذية المخلوق».
    فهل للوهابية أنْ يبيّنوا لنا معنى هذه الأذية التي يُثبتونها لله تعالى كما بيّنوا معنى الاستواء بالاستقرار والجلوس؟ وبما أنّ معناها عندهم معلوم ويمكنهم ترجمته إلى لغة أخرى , فأي معنى سيترجمونه للأذية التي يتبتونها لله تعالى عن إفكهم؟


    2- ويُثبتون «الملل» لله تعالى على حقيقته , والملل الحقيقي هو السآمة [ابن فارس5/672] , يقول ابن عثيمين في فتاواه (1/174) :
    «جاء في الحديث عن النبي  قوله : «فإنّ الله لا يمل حتى تملوا» , فمن العلماء من قال إن هذا دليل على إثبات الملل لله ، لكن ملل الله ليس كملل المخلوق ، إذ إن ملل المخلوق نقص ، لأنه يدل على سأمه وضجره من هذا الشيء ، أما ملل الله فهو كمال وليس فيه نقص ، ويجري هذا كسائر الصفات التي نثبتها لله على وجه الكمال وإن كانت في حق المخلوق ليست كمالًا».
    فنقول لهم : بيّنوا معنى هذا الملل الذي تنسبونه لله تعالى وتقولون بأنّه كمال! ولو أردتم ترجمته فبماذا ستترجمونه؟


    3- ويثبتون لله تعالى «الاسلتقاء», فقد اشتد نكير ابن القيم على من أنكر حديث قتادة بن النعمان في استلقاء الله تعالى والعياذ بالله- , والذي فيه : «لما قضى الله خلقه استلقى ثم وضع إحدى رجليه على الأخرى» , فقال ابن القيم :
    «إن كل واحد من هذين الأمرين أعني المنع والمعارضة ينقسم إلى درجات متعددة, فأما المنع فهو على ثلاث درجات: أحدها منع كون الرسول جاء بذلك أو قاله, الدرجة الثانية: منع دلالته على ذلك المعنى, وهذه الدرجة بعد التنزل إلى الاعتراف بكونه قاله, الدرجة الثالثة: منع كون قوله حجة في هذه المسائل , والدرجات الثلاث قد استعملها المعطلة النفاة, فأما الأولى فاستعملوها في الأحاديث المخالفة لأقوالهم وقواعدهم ونسبوا رواتها إلى الكذب والغلط والخطأ في السمع, واعتقاد أن كثيراً منها من كلام الكفار والمشركين كان النبي يحكيه عنهم, فربما أدركه الواحد في أثناء كلامه بعد تصديره بالحكاية فيسمع المحكيَّ فيعتقده قائلاً له لا حاكياً فيقول قال رسول الله، كما قاله بعضهم في حديث قتادة بن النعمان في الاستلقاء , قال: يحتمل أن يكون النبي حدَّث به عن بعض أهل الكتاب على طريق الإنكار عليهم فلم يفهم عنه قتادة بن النعمان إنكاره فقال قال رسول الله قالوا: فلهذا الاحتمال تركنا الاحتجاج بأخبار الآحاد في صفات الله .
    فتأمل ما في هذا الوجه من الأمر العظيم أن يَشتبه على أعلم الناس بالله وصفاته وكلامه وكلامِ رسوله كلامُ الرسول الحق الذي قاله مدحاً وثناءً على الله بكلام الكفار المشركين الذي هو تنقصٌ وعيبٌ , فلا يميز بين هذا وهذا ويقول قال رسول الله لِما يكون من كلام ذلك المشرك الكافر، فأي نسبة جهل واستجهال لأصحاب رسول الله فوق هذا أنه لا يميز أحدهم بين كلام رسول الله وكلام الكفار والمشركين ويميز بينهما أفراخ الجهمية والمعطلة». (الصواعق المرسلة 4/1527-1529)
    فيرى أنّ تنزيه الرواة عن الخطأ والكذب أولى من تنزيه الله تعالى عن عقيدة الاستلقاء اليهودية! , مع أنّ الحديث منكر منقطع, ولا يخفى عليك ما في كلامه من التهويل المعتاد.
    ونسأل ابن القيّم : هل لك أن تبيّن لنا معنى الاستلقاء الذي تُثبته كما بيّنتَ معنى الاستواء؟


    4- ويُثبتون «الرِّجْل» لله تعالى على حقيقتها ومعناها الوضعي , قال ابن فارس في معجم المقاييس (2/492): «الراء والجيم واللام مُعظم بابِه يدلُّ على العُضو الذي هو رِجْلُ كلِّ ذي رِجْل. ويكون بعد ذاك كلماتٌ تشِذُّ عنه..... . فأما قولهم: تَرجّل النهار، إذا ارتفع، فهو من الباب الأوَّل... . ومما شذ عن هذه الأصول ما رواه الأُمَويّ، قال: إذا ولدتِ الغَنَم بعضُها بعد بعض قالوا: ولَّدْتُها الرُّجَيْلاَء» , فهم يُثبتون «الرِّجْل والقدم» التي يضعها في النارعلى حقيقتها ويفوّضون الكيفية التي تكتنفها وتميّزها , فقال محمد أمان الجامي في الصفات الإلهية (ص322) :
    «لا تقاس قدمه بأقدام خلقه ولارجله بأرجل مخلوقاته, بل يُكتفى بالمعنى الوضعي!! للكلمة دون محاولة لإدراك حقيقة قدمه» .
    ولا تغفل عن إثباتهم العين والرّجل والوجه واليد على أنها أعيان من ذات الله تعالى يتم بها الفعل , فهي أدوات للفعل قائمة بأنفسها متصلة بذات الله  , وهذا هو لب التجسيم! .

    لكنّ الوهابية عندما أثبتوا وضع الله تعالى قدمه في النار حقيقة , نسوا أنّ ذلك يخالف العلوّ الحسي على العرش , فلو كانت القدم في النار حقيقة في وقت من الأوقات لما كانت على العرش , فإما أن تكون في النار وإما أن تكون على العرش , وما يكون في النار لا يكون على العرش , ولا مناص لهم من تأويل وضع القدم لو أنصفوا أنفسهم , إلا بعد توفيقهم بين الأمرين كما سيأتي في توفيق العثيمين بين المعية والنزول المستمر والعلوّ الحسي.. توفيقًا هو في حقيقته حيدة وكلام خطابي إنشائي , وهل سيكون معبودهم عندما يضع رجله في النار في جهة عدمية أم وجودية؟ وهل سيكون خارج العالم أم داخله؟! أم أنّ بعضه في جهة عدمية وبعضه في جهة وجودية؟!! تعالى الله عمّا يقولون علوًا كبيرًا .
    ولو أنّهم أثبتوا الرجل كصفة , فهل من عاقل يقول أنّ للصفة موضع توضع فيه كالنار؟!


    وقال ابن تيمية في بيان التلبيس (4/16-17) مستشهدًا بحديث وهب ابن منبّه دون إنكار ولا تنبيه بل تأييدًا:
    « وقد روى أبو بكر الخلال في كتاب السنة أخبرني حرب حدثنا محمد بن مهدي بن مالك ثنا إسماعيل بن عبد الكريم ثنا عبد الصمد بن معقل قال سمعت وهباً فذكر من عظمة الله تعالى قال إن السموات السبع والأرضين السبع والبحار لفي الهيكل وإن الهيكل لفي الكرسي , وإن قدميه على الكرسي».
    فهل من عاقل يفهم من القَدَمين هنا غير الأبعاض؟ فهل من المعقول أن يكون الكرسي موضعًا للصفات؟!


    5- ويثبتون لله تعالى «صورة آدم!»على الحقيقة , فيقول التويجري:
    «وهذا نص صريح في أن الله خلق الإنسان على صورة وجهه الذي هو صفة من صفات ذاته , وهذا النص لا يحتمل التأويل».( عقيدة أهل الإيمان , ص40)

    ولا يخفى أن تسمية الوجه صفة -وإن أراد التويجري التترس به- يكشف عن مراوغتهم , فأي معنى لعدّ الوجه صفة وهو يعد الخبر نصاً صريحاً في أن الله خلق على صورة الوجه جارحة ووجهاً من المخلوق ذا صورة , بل أي معنى في عده وجه الله صفة مع أنه وجه له صورة صوّر عليها آدم!
    بل إن التويجري ينقل هذا الإستشهاد عن ابن تيمية فيقول: «وأيضاً فهذا المعنى عند أهل الكتاب من الكتب المأثورة عن الأنبياء كالتوراة , فإن في السفر الأول منها: سنخلق بشرًا على صورتنا يشبهها». (المصدر السابق 76)
    وقد سبق تأييد ابن تيمية لما في هذا النصّ من التشبيه, ولا عيب في نص التوراة : «سنخلق بشرًا على صورتنا يشبهها» عند ابن تيمية وأتباعه!.
    ومن عجيب ما ذهبوا إليه أن أحدهم بعد أن استشهد بنص التوراة قال:«إذا كان حديث الصورة مما يغيظه فليغتظ بما في معناه , كقوله تعالى: ((وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ)) [الرحمن: 27] , وقوله: ((وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي)) [طه: 39]». (ظلمات أبي رية، عبد الرزاق حمزة)
    فأي تشبيه أصرح من إثبات صورة لله عز جل على صورة آدم , مع الاستشهاد له بالتوراة وبما جاء في إضافة العين والوجه إلى الله ؟ وإذا لم يكن إثبات وجه وعين مع صورة على صورة آدم تشبيهاً فكيف يكون التشبيه؟
    بل وتواقح بعضهم إلى درجة التصريح بأن الصورة هي الهيئة والشكل!! فكيف يغتر بهم بعد ذلك من له أدنى مسكة من عقل؟! (1)

    بل يقول ابن عثيمين ما هو واضح في إثبات الصورة الجسمية الدالة على التركيب , فقال في شرحه على الواسطية (1/110):
    «فإذا قلت: ما هي الصورة التي تكون لله ويكون آدم عليها؟
    قلنا : إن الله  له وجه وله عين وله يد وله رجل  , لكن لا يلزم أن تكون هذه الأشياء مماثلة للإنسان , فهناك شيء من الشبه! لكنه ليس على سبيل المماثلة».

    فيرى أنّ صورة الله تعالى مشابهة لصورة الإنسان المؤلفة من الوجه والعين واليد والرجل , لكن هذا التشابه ليس تماثلًا أي في كلّ شيء , فكما أنّ للإنسان صورة مركبة من الوجه والعين ..الخ , فكذلك لله تعالى صورة ناتجة عن ثبوت الوجه والعين واليد..الخ , إلا أنّ صورة الإنسان لا تشابه صورة الرحمن من جميع الوجوه بل من بعض الوجوه , وهذا هو التشبيه بعينه يا عباد الله , ولم يأتِ أحد في تاريخ الإسلام وأثبت التماثل بين الخالق والمخلوق من جميع الوجوه , حتى يتوهم أولئك الوهابية أنهم بنفي التماثل وإثبات التشبيه يخرجون عن دائرة المشبيهة والمجسمة.

    6- ويثبتون «العين» لله تعالى كعضو باصر مع تجنبهم لفظ «العضو» بعد إثبات معناه , بحجة أنّ السلف لم يتكلموا في لفظ العضو نفيًا وإثباتًا , فيقول ابن عثيمين في مجموع فتاويه (4/58) :
    «مذهب أهل السنة والجماعة أن لله عينين، اثنتين، ينظر بهما حقيقة على الوجه اللائق به , وهما من الصفات الذاتية الثابتة بالكتاب، والسنة.. . فهما عينان حقيقيتان لا تشبهان أعين المخلوقين...» .

    فتأمّل قوله : «حقيقيتان» و «ينظر بهما حقيقة»!! , فهو يُثبت معنى عضو العين مع عدم إثباته لفظه , وأمّا قوله : «على الوجه اللائق به» فيقصد بذلك الكيفية التي يفوض معناها بعد إثباتها .

    وقال عبد الله الجبرين في التعليقات الزكية (ص177) :
    «وقد جاءت السنة بإثبات عينين لله تعالى يبصر بهما, كما في الحديث الصحيح أنه  قال: [إن ربكم ليس بأعور]!!» .

    فيثبتون لله تعالى العينين كأدوات وأعضاء للإبصار.

    7- ويثبتون «اليدين» الحقيقيتين لله تعالى كأدوات للفعل , مع تحاشيهم لفظ الأداة , قال ابن عثيمين (4/274) :
    «إن يدي الله من صفاته الذاتية الثابتة له حقيقة , على الوجه اللائق به , يبسطهما كيف يشاء , ويقبض بهما ما شاء».
    قوله : «على الوجه اللائق به» يقصد به الكيفية .
    ونطالبهم أيضًا بتعريف اليدين الحقيقيتين!


    8- ويثبتون «الوجه» على حقيقته, فيقول ابن القيم في مختصر الصواعق (ص 386) :
    « المثال الخامس : وجه الرب جل -جلاله- حيث ورد في الكتاب والسنة فليس بمجاز بل على حقيقته ».

    ولا أدري لم أنكر ابن تيمية هذا الذي يقوله أتباعه! , حيث قال في الجواب الصحيح (4/412) :
    «ولا يُعرف عالم مشهور من علماء المسلمين ولا طائفة مشهورة من طوائفهم , يطلقون العبارة التي حكوها عن المسلمين , حيث قالوا عنهم : إنهم يقولون إن لله عينين يبصر بهما!! , ويدين يبسطهما , وساقاً , ووجهاً يوليه إلى كل مكان , وجنباً ، ولكن هؤلاء ركبوا من ألفاظ القرآن بسوء تصرفهم وفهمهم تركيباً زعموا أن المسلمين يطلقونه , وليس في القرآن ما يدل ظاهره! على ما ذكروه».

    بل هناك طائفة مرذولة عند المسلمين هم المشبهة والمجسمة يقولون بما أنكره ابن تيمية , وابن تيمية نفسه وأتباعه يقولون به , لكنّ نزعة التنزيه غلبت عليه في ردّه على النصارى أهل التشبيه , حتى أنكر ما يثبته بنفسه!!


    ----------------
    1 - ففي قسم الدراسة من بيان تلبيس الجهمية ط مجمع الملك فهد , ذكر عبد العزيز الراجحي في خاتمة الدراسة ما نصه :
    (أن الصورة هي هيئة الشيء وشكلُه! , وأن كل موجود قائم بنفسه تصح رؤيته ومشاهدته , تكون له صورة وشكل يتميز به عن غيره , والله سبحانه أعظم موجود...
    ..أن القول الصواب في مرجع الضمير في قوله  : [خلق الله آدم على صورته] هو ما شهدت له الأدلة , وذهب إليه السلف من أن الضمير يعود إلى الله!).
    فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
    بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

    تعليق

    • عثمان محمد النابلسي
      طالب علم
      • Apr 2008
      • 438

      #32


      9- ويثبتون لله تعالى «الظل» الحقيقي , الذي هو «ستر شيءٍ لشيء» [ابن فارس3/461] , ففي مجموع فتاوى ابن باز (28/402):
      «س : في حديث السبعة الذين يظلهم الله  في ظله يوم لا ظل إلا ظله ، فهل يوصف الله تعالى بأن له ظلا؟
      ج : نعم كما جاء في الحديث ، وفي بعض الروايات « في ظل عرشه » لكن في الصحيحين [في ظله] ، فهو له ظل يليق به سبحانه لا نعلم كيفيته مثل سائر الصفات ، الباب واحد عند أهل السنة والجماعة والله ولي التوفيق» (1).

      10- وكذلك يثبتون «حقيقة النزول» الذي هو : «هُبوط شيء ووقُوعه» [ابن فارس5/417] ويفوضون كيفية ذلك النزول , فيقول ابن عثيمين في مجموع فتاواه (5/189) :
      «كذلك النزول إلى سماء الدنيا حينما يبقى ثلث الليل الآخر نؤمن به على أنه نزول حقيقي ، لكنه يليق بالله  لا يشبه نزول المخلوقين» .

      ويقول محمد خليل هراس في تعليقه على توحيد ابن خزيمة (ص126) :
      «يعني أن نزوله إلى السماء الدنيا يقتضي وجوده فوقها فإنه : انتقال من علو إلى سفل!». (2)

      فربنا تبارك وتعالى يصبح في «السفل» بعد كونه في «العلو»!! , وهذا منافٍ للعلو الحسي الذي يقولون به , لأنه «انتقال من العلو» , والانتقال هو تحويل شيءٍ من مكان إلى مكان [ابن فارس 5/463] , فيكون ربنا تعالى عند نزوله متحولًا عن علوّه!! , والتحوّل إلى مكان آخر يستلزم خلوّ المكان الأول منه وإلا لم يكن تحولًا , ولذلك تجد أحد أشياخ المجسمة وهو ابن منده يَصْدق مع نفسه ويعتبر إثبات النزول مع نفي خلو العرش تأويلًا وتحريفًا , وقد صنّف كتابًا في ذلك أسماه : «الرد على من زعم أن الله فى كل مكان وعلى من زعم أن الله ليس له مكان وعلى من تأول النزول على غير النزول» , فهذا النزول لا يخلو الأمر من أن يكون انتقالًا إلى السفل مع بقائه في علوّه , وهذا ليس نزولًا في الحقيقة بل هو في لغة العرب تمدّد وتمطٍّ وانبساط , فليس هناك انتقال ولا تحول من مكان أوّل إلى مكان آخر , أو يكون النزول مع انتقاله عن علوّه وتحوّله عنه إلى السفل , فينتفي أخصّ وصف لله تعالى عند الوهابية وهو العلوّ الحسّي , فإنّ حرف «مِنْ» يفيد ابتداء الغاية المكانية , وحرف «إلى» يفيد انتهاء الغاية المكانية , فابتداء الانتقال هو العلوّ وانتهاؤه هو السّفل , وبما أنّ النزول عند الوهابية هو لذات الله تعالى , فهذا يعني تحوّل ذاته سبحانه عن علوّه ليصبح في السفل!! , وهذا واضح لا يحتاج إلى ذكاء! , أمّا الكون في العلوّ والسفل معًا فهذا ليس بنزول , لأنه يخلو من عنصر الانتقال , إلا إن أرادوا نزول بعض الذات الإلهية تعالى الله عن ذلك- وبقاءه سبحانه في علوّه , وعندها تكون بعض المخلوقات كالعرش والسماء السابعة أعلى من ذلك البعض!!

      ولا أدري هل يبقى معبودهم في جهة عدمية وخارج العالم عندما ينزل بذاته أم أنه ينتقل إلى جهة وجودية ويصبح داخل العالم؟ ولا تستبعد قيام أحدهم بالتذاكي والقول بأنه داخل العالم وخارجه وفي جهة عدمية ووجودية في آن واحد!!

      أضف إلى ذلك أنّ هذا الانتقال من العلوّ هو انتقال الذات الإلهية إلى السماء الدنيا , وما أدراك ما السماء الدنيا؟! فقد صحّح مشايخ الوهابية أنّ السماوات السبع إلى الكرسي كحلقة في فلاة , وأنّ الكرسي إلى العرش كحلقة في فلاة , ومنه يُعلم صِغَرُ السماء الدنيا إلى العرش الذي هو مستقر الرحمن عند المجسمة- , فهل يَعقل الوهابية معنى انتقال الله تعالى إلى هذه السماء الصغيرة؟ وهل يعرفون لوازم كون الله تعالى بذاته في هذه السماء الدنيا؟! ألا يعلمون أنّ هذا يستلزم كون الله تعالى أصغر من الكرسي والعرش؟ وكونه محصورًا محويًا في مكان صغير كالحلقة في فلاة؟! إلا إن قالوا أنّ النزول هو لبعض ذات الله تعالى عن إفكهم- , وهذا يخالف نصّ الحديث القائل :«ينزل ربنا» ولم يقل «بعض ربّنا» , ولا يفيدهم نفي الحلول بعد إثبات النزول على حقيقته , لأن النزول الحسي حلول , قال ابن فارس (2/20) : «وحَلَّ: نزل , وهو من هذا الباب لأن المسافر يشُدّ ويَعقِد، فإذا نزلَ حَلّ؛ يقال حَلَلْتُ بالقوم».

      وكيف يستقيم اعتقادهم بالنزول الحقيقي إلى السماء الدنيا وهم يقولون أن السماوات السبع والأرضين السبع في كف الرحمن كخردلة في يد أحدهم , فإذا كانت هذه نسبة جميع السماوات والأرضين إلى كف الرحمن , فكيف بنسبة أصغر هذه السماوات إلى الذات الإلهية؟!

      ثم إنّ ثلث الليل الأخير لا يزول عن الأرض , لأن الكرة الأرضية في دوران مستمر , وإذا كانت ذات الله تنتقل من العلوّ إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير , فهذا يستلزم بقاءه في نازلًا منتقلًا إلى السفل وهو السماء الدنيا!!

      ومثل هذه الإلزامات الواضحة التي لا تخفى على الأطفال , نقولها من باب التنزّل ليس إلا , لأنّ المجسمة اضطرونا إلى القول بها لنوضح لهم فساد مذهبهم , ولو سكتوا لسكتنا , لكنّهم اتخذوا منهجًا حسيًا في فهم صفات الله تعالى , فكان من الواجب محاكمتهم وفق منهجهم وأصولهم , لكنّهم وبعد أن اتخذوا هذا المنهج الفاسد يحاولون التهرب من لوازمه الواضحة الجليّة , ولا يستطيعون الجواب عمّا يرد على تصريحهم بالمعنى الحسي , فيقول ابن عثيمين في مجموع فتاواه (8/400) :
      «يقولون: كيف تقولون: إن الله ينزل؟ إذا نزل؛ أين العلو؟ وإذا نزل؛ أين الاستواء على العرش؟ إذا نزل؛ فالنزول حركة وانتقال. إذا نزل؛ فالنزول حادث، والحوادث لا تقوم إلا بحادث.
      فنقول: هذا جدال بالباطل، وليس بمانع من القول بحقيقة النزول, هل أنتم أعلم بما يستحقه الله  من أصحاب الرسول  ؟ فأصحاب الرسول  ما قالوا هذه الاحتمالات أبدا؛ قالوا: سمعنا وآمنا وقبلنا وصدقنا. وأنتم أيها الخالفون المخالفون تأتون الآن وتجادلون بالباطل وتقولون: كيف؟ وكيف؟ نحن نقول: ينزل، ولا نتكلم عن استوائه على العرش؛ هل يخلو منه العرش أو لا يخلو؟ أما العلو؛ فنقول: ينزل، ولكنه عال  على خلقه؛ لأنه ليس معنى النزول أن السماء تقله، وأن السماوات الأخرى تظله؛ إذ إنه لا يحيط به شيء من مخلوقاته. فنقول: هو ينزل حقيقة مع علوه حقيقة، وليس كمثله شيء» .

      وهذا هروب وحيدةٌ واضحة عن الجواب , لأنّ الذي يسألكم هذه الأسئلة فبناء على تصريحكم بانتقال الله تعالى من العلوّ إلى السفل , وهذا لم يقل به أحد من الصحابة الكرام ولا تابعيهم , فهل أنتم أعلم بما يستحقه الله  من أصحاب الرسول  ؟ فأصحاب الرسول  ما قالوا هذه المعاني أبدًا؛ قالوا: سمعنا وآمنا وقبلنا وصدقنا , وأنتم أيها الخالفون المخالفون تأتون الآن وتجادلون بالباطل وتقولون بأنّ نزول الله تعالى انتقال من علوّ إلى سفل!! , تعالى الله عن قولكم علوًا كبيرًا , وتصرحون كذلك بأنّ هذا النزول يعقبه صعود!! , فقال ابن القيم:
      «ذكر عبد الله بن أحمد في كتاب السنة من رواية حجاج عن ابن جريج عن عطاء عن عبيد بن عمير قال: ينزل الرب  شطر الليل إلى السماء , فيقول: من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له , حتى إذا كان الفجر صعد الرب ». (اجتماع الجيوش 163 و170)
      وأمّا قوله : «نحن نقول: ينزل، ولا نتكلم عن استوائه على العرش؛ هل يخلو منه العرش أو لا يخلو» , فمجرّد تلبيس مكشوف , فقد قال ابن عثيمين نفسه بعد هذه الجملة بأسطر يسيرة (8/401) :
      «وإذا كان علماء أهل السنة! لهم في هذا ثلاثة أقوال: قول بأنه يخلو، وقول بأنه لا يخلو، وقول بالتوقف.
      وشيخ الإسلام رحمه الله في «الرسالة العرشية» يقول: إنه لا يخلو منه العرش (3)؛ لأنّ أدلة استوائه على العرش محكمة، والحديث هذا محكم، والله  لا تقاس صفاته بصفات الخلق؛ فيجب علينا أن نبقي نصوص الاستواء على إحكامها، ونص النزول على إحكامه، ونقول: هو مستو على عرشه، نازل إلى السماء الدنيا، والله أعلم بكيفية ذلك، وعقولنا أقصر وأدنى وأحقر من أن تحيط بالله . القول الثاني: التوقف؛ يقولون: لا نقول: يخلو، ولا: لا يخلو. والثالث: أنه يخلو منه العرش» .

      فهو نفسه قد نقل عن علماء أهل السنة بزعمه- ثلاثة أقوال في هذه المسألة؟ فكيف له أن ينكر خوضهم في هذه المسألة؟! وينكر على خصومه إلزامه بهذه الأقوال على طريقته وقواعده؟!! مع أنّ الذين أوردوا عليهم هذه الإلزامات لم يوردوها ابتداء وإنما تنزلًا وإلزامًا لهم وفق مذهبهم وقواعدهم , وفي الحقيقة أنّ القائلين منهم بأنّه ينزل ويخلو منه العرش واضحون صريحون مع أنفسهم , لأنّ النزول هو انتقال من مكان إلى مكان , أما القائلون بالتوقف فقد اختاروا التجاهل الذي هو نوع جهل , ومثل هذا التجاهل لا يقبل منهم بعد تصريحهم بالعلوّ الحسيّ والنزول الحقيقي من علوّ إلى سفل , فكان الواجب عليهم التوقف من أول الأمر بدلًا من مناقضة الفطرة والعقل , وأمّا تناقض القائلين بأنّه ينزل ولا يخلو منه العرش فهو أوضح من أنْ يبيّن , لأنهم يصرّحون بالعلوّ الحسي وبالنزول الحسيّ في نفس الوقت , وقد ذكرتُ أنّ كون انتقاله سبحانه- إلى السماء الدنيا انتقالًا حسيًا مع بقاءه في العلو الحسي ليس نزولًا بل هو تمدد وتدلٍ , واختلاف هؤلاء أنّه ينزل ويخلو منه العرش أم لا فرعٌ عن إثباتهم امتلاء العرش بذات الله -تعالى الله عن ذلك- وشغله للعرش, وإلا فما معنى «يخلو ولا يخلو»؟!

      ثم طرح ابن عثيمين إلزامًا على لسان خصومه , لكنّه تهرب منه أيضًا وحاد عن الإجابة عليه كما حاد عن الإجابة على الإلزامات السابقة , فقال (8/401-402) :
      «وأورد المتأخرون الذين عرفوا أن الأرض كروية وأن الشمس تدور على الأرض إشكالا؛ قالوا: كيف ينزل في ثلث الليل؟ وثلث الليل إذا انتقل عن المملكة العربية السعودية؛ ذهب إلى أوربا وما قاربها؟ أفيكون نازلا دائما؟
      فنقول: آمن أولا بأن الله ينزل في هذا الوقت المعين ، وإذا آمنت؛ ليس عليك شيء وراء ذلك، لا تقل كيف؟ وكيف؟ بل قل: إذا كان ثلث الليل في السعودية؛ فالله نازل، وإذا كان في أمريكا ثلث الليل؛ يكون نزول الله أيضا، وإذا طلع الفجر؛ انتهى وقت النزول في كل مكان بحسبه» .

      وهذا -كما هو واضح- التفاف على الإشكال بكلام خطابي إنشائي , فتأمل قوله : «آمن أولا بأن الله ينزل في هذا الوقت المعين ، وإذا آمنت؛ ليس عليك شيء وراء ذلك!!» , فيطلب منك أن تؤمن بالحديث على فهمه هو ثم يُلزمك بتجاهل مخالفة فهمه للفطرة والمعقول والحقائق العلمية! , فليس عليك من حصول التناقض في نفسك بعد تسليمك لفهمه للحديث! , وهذا لا يختلف عن طريقة النصارى الذين يُلزمون أتباعهم بالإيمان بعقائدهم التي ينقض بعضها بعضًا وتناقض عقول البشرية , حيث يقولون لمن أراد الاستماع لهم : [اخلع نعلك] ويقصدون بذلك العقل!! , مع أنّ العقل يأبى قبول كون الإله واحدًا في ثلاثة وثلاثة في واحد في نفس الوقت! , لكنّهم يقولون لأتباعهم آمنوا بهذا وليس عليكم شيء وراء ذلك , فقط عليكم أن تسلّموا لأقوالنا وفهمنا!! .

      ثم إنّ تكراره : «لا تقل كيف وكيف؟» ليس في محله , لأن الذين يُلزمونه بتلك الإلزامات لم يسألوه عن الكيفية , بل سألوه عن الحقيقة التي أثبتها بنفسه , فظنّ أنّه بهذا الكلام الخطابي قد أجاب , مع أنه حاد وهرب عن الجواب!.

      وقد وُجّه هذا الإلزام إلى الألباني فحاد عن الجواب كما فعل صديقه ابن عثيمين , ثم أساء الأدب مع الله تعالى وتكلّم بكلام قبيح في حقّ الله  , جاء في موسوعته في العقيدة (7/673) :
      «سؤال: شيخ، لو سمحت شرح حديث النزول مع الإشارة إلى أن ثلث الليل الأخير يتغير من منطقة إلى منطقة.
      الشيخ: هذا سؤال أخي قائم على المادة وما يشكل على المادة لا يشكل على خالق المادة، والآن هذا السؤال أنا أقول دائماً أبداً: هل يمكن لعالم مهما أوتي علماً وفطنة إنه يكون أربعة خمسة الآن بيتكلموا معي أو مع ذاك العالم الذي أنا خيلت لكم إياه آنفاً، بيفهم من هون، وبيفهم من هون، وبيعطي جواب لهذا وبيعطي جواب، ممكن هذا؟ سؤالك يشبه هذا؛ لأنه سؤالك عن الخالق، خالق المادة فلا يقاس الخالق على المخلوق، ولا تجري على الخالق أحكام المخلوق حتى أنت تقول: هذا إشكال، صحيح أنه ثلث الليل كل لحظة في ثلث ليل، مو بس يعني نستطيع أن نقسم الكرة الأرضية أربعة أقسام مثلاً، مثل ما بيقولوا بالنسبة لطلوع الشمس وغروبها: كل لحظة في طلوع، كل لحظة في غروب صح؟
      الملقي: نعم.
      الشيخ: طيب، لكن علام الغيوب، هاللي هو نظم هذا الكون، وأخبرنا أنه ينزل في كل ليلة , هو بيعرف يُدِّبر حاله!! يا جماعة هه.
      مداخلة: ههه.
      الشيخ: فليش شايلين هَمّ إنتو، سبحان الله».

      وبغض النظر عمّا في الجواب من سؤء أدبٍ مع الله تعالى , فهو جواب ظاهر البطلان , لأنّ مَن أثبت النزول على معناه الوضعي وحقيقته اللغوية , فقد أثبت لله تعالى نزولًا مادّيًا , إذ لفظ النزول في لغة العرب موضوع بإزاء النزول المادّي , وهو الانتقال والهبوط من أعلى إلى أسفل , فعندما استعمل العربُ لفظ النزول على حقيقته استعملوه لما يتعاملون معه من المادّة والجسمانيات , والوهابية يحملون النزول على حقيقته اللغوية ومعناه الوضعي الموضوع بإزاء المادّيات , ويعتقدون في هذا النزول الحقيقي أنّه هبوط إلى جسم مادّي وهو السماء الدنيا , وقد سبق قبل صفحات اختلافهم في خلوّ العرش وهو جسم ماديّ- حال النزول إلى السماء الدنيا وهي جسم مادّي- , فليس له أن يتهرب مما يلزمه على النزول بالمعنى الحقيقي الذي يقولونه, وبمثل هذا الهروب والحَيدة يمكن لخصم الألباني -الذي يُثبت وجود الله تعالى في كلّ مكان حقيقة- أن يتهرّب ويحيد عمّا يلزمه , فجاء في نفس الموسوعة السابقة (2/62) :

      « يقولون الله موجود في كل مكان، الله أكبر من كل شيء، وكان ولا شيء معه، شلون حشرتوه بهالكون؟ حتى بيقول قائلهم:
      وما اللهُ في التمثالِ
      إلا كثلجةٍ بها الماءُ

      تقدِر تفرق بين الثلج والماء؟! هيك الله عند هؤلاء، هذا كفر!، إن الله في القرآن الكريم غني عن العالمين، هنا حصروه في هذا الكون مثل دودة القزّ، دودة الحرير بتلف على نفسها، تحفر نفسها تنخنق وتموت، إن الله غني عن العالمين، هذول مؤمنين من جهة، كفّار من جهة».

      فيمكن للقائل بأن الله في كلّ مكان حقيقة تعالى وتقدّس عن ذلك- أنْ يتهرّب ويقول للألباني:
      [هذا إلزام قائم على المادة وما يشكل على المادة لا يشكل على خالق المادة , فلا يقاس الخالق على المخلوق، ولا تجري على الخالق أحكام المخلوق , هل يمكن لعالم مهما أوتي علماً وفطنة إنه يكون أربعة خمسة الآن بيتكلموا معي أو مع ذاك العالم الذي أنا خيلت لكم إياه آنفاً....الخ] .

      وليس للألباني أنْ يرفض هذا الجواب , لأنّه يُثبت لله نزولًا حقيقيًا إلى السماء الدنيا , وهو انتقال من أعلى إلى أسفل , نزول إلى جسم مادّي وهو السماء الدنيا, بل بإمكان هذا القائل أنْ يردّ على الألباني بنفس كلامه فيقول له :
      [الله أكبر من كل شيء، وكان ولا شيء معه، شلون حشرتوه بجزء صغير من هالكونكالسماء الدنيا؟ هنا حصرتموه في هذا جزء صغير من هذا الكون وهو السماء الدّنيا مثل دودة القزّ، دودة الحرير بتلف على نفسها، تحفر نفسها تنخنق وتموت].

      وبأي شيء يجيب الألباني يمكن لهذا القائل أن يلزمه بمثله! بل حجّته تكون أقوى من حجّة الألباني , لأنّ الألباني يُثبت النزول إلى السماء الدنيا , وهي جزء صغير جدًا من الكون , أمّا هذا القائل فيقول بوجود الله تعالى في جميع الكون على سعته وعظمته , تعالى الله عن كلا القولين علوًا كبيرًا , ولا تغفل عن معنى «الله أكبر» عند الألباني في قوله : «الله أكبر من كل شيء، وكان ولا شيء معه، شلون حشرتوه بهالكون» , حيث يرى أنّ الكبر هنا هو كبر حجميّ حسيّ فجعله دليلًا على استحالة حلول الله في الكون, أي لأن الله تعالى أكبر من الكون فمن المحال أن يوجد فيه, وقد سبق بيان اعتقاد الوهابية أنّ الله تعالى كبير من حيث الحسّ والحجم (4).

      ولا أريد التطويل في الكلام عن فهمهم للنزول وبيان مفاسده , فهي واضحة ظاهرة للعيان , لكنْ لا بد من التنبيه إلى جملة من كلام ابن عثيمين والإشارة إلى فسادها , فقد قال في مجموع فتاواه (8/398) :
      «نزوله تعالى حقيقي؛ لأنه كما مر علينا من قبل: أن كل شيء كان الضمير يعود إلى الله؛ فهو ينسب إليه حقيقة» .
      وهذه قاعدة لا يلتزم بها هو نفسه , لأنّ الله تعالى أضاف النسيان إلى نفسه فقال سبحانه : ((نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ)) [التوبة: ٦٧], والوهابية لا يثبتون النسيان لله تعالى , وقد أضاف الله تعالى الروح لنفسه والوهابية لا يثبتون الروح كصفة , لكنّ الرجل لمّا أراد نصرة المسألة التي تحت يديه , لم يبال بمناقضة نفسه بنفسه , فالمهم أن يضع قاعدة لتثبيت قوله في المسألة محل البحث , حتى وإن اضطر لاحقًا إلا تقييدها أو الاستثناء منها أو نسخ بعض أفرادها أو عدم اعتبارها في بعض المواطن!.

      لكنني سوف أعطيه مثالين قريبين من حديث النزول , كانت الإضافة فيهما إلى الله تعالى , لكنّ المقصود بها غير ذلك:

      المثال الأول : قال تعالى : ((وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ)) [البقرة: ١٤٣].
      قال الإمام الطبري في تفسيرها (3/158) :
      «إن الله جل ثناؤه هو العالم بالأشياء كلها قَبل كونها، وليس قوله: ((وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ)) يخبر عن أنه لم يعلم ذلك إلا بعد وجُوده. فإن قال: فما معنى ذلك؟
      قيل له : أما معناه عندنا، فإنه: وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا ليعلم رَسولي وحزبي وأوليائي!! مَنْ يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه، فقال جل ثناؤه:« إِلَّا لِنَعْلَمَ» ، ومعناه: ليعلمَ رَسولي وأوليائي , إذْ كان رسول الله  وأولياؤهُ من حزبه، وكان من شَأن العرب إضافة ما فعلته أتباعُ الرئيس إلى الرئيس، ومَا فعل بهم إليه، نحو قولهم: «فتح عُمر بن الخطاب سَوادَ العراق، وجَبى خَرَاجها»، وإنما فعل ذلك أصحابه، عن سببٍ كان منه في ذلك, وكالذي رُوي في نظيره عن النبي  أنه قال: يقول الله جل ثناؤه: مَرضْتُ فلم يَعدني عَبدي، واستقرضته فلم يقرضني، وشتمني ولم يَنبغِ له أن يُشتمني».
      فقد أضاف الله تعالى العلم لنفسه فقال :« إِلَّا لِنَعْلَمَ» », لكنّ الطبري لم ينسبه إلى الله تعالى حقيقة بل قال : «إلا ليعلم رَسولي وحزبي وأوليائي», ومثله يقال في حديث النزول .

      المثال الثاني : قال تعالى : ((فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ)) [القيامة: ١٨], فقد أضاف الله تعالى القراءة لنفسه , مع أنّ الذي يقرأ هو جبريل  , ومثله يقال في حديث النزول .

      ولم يستطع أحد الوهابية حتى الآن الإجابة بصراحة عن كون معبودهم حال النزول هل هو في جهة عدمية أم وجودية , وهل هو خارج العالم أم داخله؟!

      -----------------------
      - ردّ ابن عثيمين عقيدة الظل هذه واعتبرها باطلة , ففي مجموع فتاواه (8/497) :
      (وقوله : " لا ظل إلا ظله " ؛ يعني : إلا الظل الذي يخلقه ، وليس كما توهم بعض الناس أنه ظل ذات الرب  ؛ فإن هذا باطل ؛ لأنه يستلزم أن تكون الشمس حينئذ فوق الله ).
      واعتبر من أثبته لله تعالى أبلد من حمار! , فقال في شرح رياض الصالحين (3/347) :
      ( وليس المراد ظل نفسه جل وعلا , لأن الله نور السماوات والأرض , ولا يمكن أن يكون الله ظلًا من الشمس , فتكون الشمس فوقه وهو بينه وبين الخلق , ومن فهم هذا الفهم فهو بليد أبلد من الحمار!).
      فأي الفريقين على مذهب السلف المزعوم؟!!
      2- أئمة السلف ينزهون الله تعالى عن النزول بالمعنى الذي يعتقده الوهابية ؛
      فيقول الإمام الطبري في "التبصير في معالم الدين" في الرد على المعتزلة (ط1 دار العاصمة , ص145) : (فإن زعم أن الفرق بينه وبينه أنّ المَلَك خلق لله جائز عليه الزوال والانتقال , وليس ذلك على الله جائزًا , قيل له : وما برهانك على أن معنى المجيء والهبوط والنزول هو النقلة والزوال، ولا سيما على قول من يزعم منكم أن الله -تقدست أسماؤه- لا يخلو منه مكانٌ؟!) , فهو ينزه نزول الله تعالى عن النقلة والزوال .
      - وكذلك فعل في تفسير آية الاستواء , حيث قال في تفسيره : (1/457) : (فيقال له : زعمت أن تأويل قوله { استوى } أقبلَ ، أفكان مُدْبِرًا عن السماء فأقبل إليها ؟ فإن زعم أنّ ذلك ليس بإقبال فعل ، ولكنه إقبال تدبير ، قيل له : فكذلك فقُلْ : علا عليها علوّ مُلْك وسُلْطان، لا علوّ انتقال وزَوال) .
      - وقال الإمام ابن حبان في صحيحه وهو من السلف الصالح- (الإحسان بترتيب ابن حبان 2/136 ) : (كذلك ينـزل - يعني الله - بلا آلةٍ ولا تحركٍ ولا انتقالٍ من مكانٍ إلى مكان) .
      3- وبمثل هذا صرّح الألباني , فجاء في موسوعته في العقيدة (7/672) :
      ( إشارة منه إلى تحقيق أن نزوله تعالى ليس كنزول المخلوق، وأنه ينزل إلى السماء الدنيا دون أن يخلو منه العرش ويصير العرش فوقه، وهذا مستحيل بالنسبة لنزول المخلوق الذي يستلزم تفريغ مكان وشغل آخر، وهذا الذي أشار إليه إسحاق هو المأثور عن سلف الأمة وأ ئمتها أنه تعالى لا يزال فوق العرش, ولا يخلو العرش منه, مع دنوه ونزوله إلى السماء, قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وهو الصواب).
      4- قال الألباني في موسوعته السالفة 6/431 : (فإذاً لا فرق بين من يقول الله في الأرض أو الله في السماء؛ لأن الله أكبر من كل ذلك) .
      وهذا قياس حجمي بين الله تعالى وبين الأرض والسماء.
      فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
      بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

      تعليق

      • عثمان محمد النابلسي
        طالب علم
        • Apr 2008
        • 438

        #33

        11- ويثبتون لله تعالى : «النزول إلى الأرض!!»:
        ومما أشار إلى إثباته ابن تيمية (1) , واستدل به ابن القيم خبر عن ابن عباس -رضي الله عنهما- , قال ابن القيم:
        «قول إمامهم المفسرين- ترجمان القرآن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-..وذكر البخاري عنه في صحيحه أن سائلاً سأله فقال : إني أجد أشياء تختلف علي , أسمع الله يقول: ((أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا)) [النازعات: 27 ]-إلى قوله ((وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا)) [النازعات: 30], فذكر خلق السماء قبل خلق الأرض , ثم قال في آية أخرى: ((قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ)) [فصلت: 9 ] ,- إلى أن قال-: ((ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ)) [فصلت: 11] , فذكر هنا خلق الأرض قبل السماء , فقال ابن عباس : أما قوله : ((أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا)) فإنه خلق الأرض قبل السماء ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات , ثم نزل إلى الأرض فدحاها , وهذه الزيادة وهي قوله : [ثم نزل إلى الأرض] ليست عند البخاري وهي صحيحة ».( اجتماع الجيوش 158)

        12- ويثبتون لله تعالى الاستواء على العرش لا بمعنى علوّ الملك والسلطان لكن بمعنى العلوّ الحسي!, بل قد غلا كثير منهم ففسره «بالاستقرار», بل وزادوا غلوًا على غلوّهم ففسروه «بالجلوس»!!
        جاء في كتاب «قدوم كتائب الجهاد» لعبد العزيز الراجحي وبتقديم صالح الفوزان عضو هيئة كبار العلماء بالسعودية- (ص101- ط1 الصميعي) بعدما نقل كلامًا في تفسير الاستواء بالجلوس والعياذ بالله- :
        «وهذا كلامٌ صحيح لا غبار عليه , نعم وهل يكونٌ الاستواء إلا بجلوس!!, وهذا من معاني الاستواء , فإنّ الاستواء في اللغة له عدة معان , ويُعرفُ كلُّ معنى بحسب اللفظ , ومن سياق الآية عرفنا أن المقصود بقوله تعالى: ((الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)) [طه: 5] , أي على العرش علا وجلس , لكن على ما يليق بجلاله جل وعلا , لا نكيفُ ذلك ولا نؤوله ولا نعطله ولا نمثله , وهذا معنى قول الإمام مالك رحمة الله : الاستواءُ معلوم , أي نعرفه من لُغتنا وهو : العلو والارتفاع والجلوس والاستقرار» (2).

        ومن المضحك قوله : «لا نكيّف ذلك» لأن الجلوس كيفية وهيئة , وتفسير الاستواء بالجلوس تكييف له , ولا ينفعه بعد ذلك أن يقول : «لكن على ما يليق بجلاله جل وعلا» لأنّه أثبت أمرًا لا يليق بجلال الله تعالى.

        مع أنّ الاستقرار منبئ عند العرب عن سبق اضطراب واعوجاج , والجلوس يكون عن نوم واضطجاع , قال ابن فارس (1/473) : «يقال جلس الرجل جلوسًا ، وذلك يكون عن نوم واضطجاع» , وهذا لا يليق بالله تعالى.
        والعرش عند العرب هو سرير الملك , قال ابن فارس (4/264) : «قال الخليل: العرش: سرير الملك» , ولا يكون السرير عرشًا إلا إذا كان واسعًا بالنسبة لمن يستقر عليه , فإذا قاربه في القدْر سُمّي كرسيًا ولا يصحّ أن يسمّى عرشًا , ولم يُعرف في لغة العرب تسمية موضع الجلوس والاستقرار بالعرش إلا لما كان أعظم في المقدار ممن يجلس عليه , فمن أثبت الاستقرار والجلوس على العرش فقد جعل العرش أكبر من معبوده , فإن أنكر ذلك فقد أنكر كونه استقرارًا على عرش!

        وقد رجع محقق كتاب السنّة إلى فطرته التنزيهية عندما علّق على خبر الجلوس قائلًا :
        «أما القول بأن الإستواء لا يكون إلا بجلوس , فليس هذا من مذهب السلف , بل مذهب السلف بخلافه , ومن هنا نقول إن هذه العبارة أقرب إلى التجسيم وتشبيه الخالق بالمخلوق». (هامش السنة 1/106)
        فهاهنا غلبت عليه فطرة تنزيه الله تعالى عن الجلوس والتشبيه والتجسيم , إلا أنّ نزعة التشبيه التي رضعها طغت على فطرته في موضع آخر عندما قال عن الجلوس : «نعم السلف لا ينكرون ذلك لأن الله ((لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)) الشورى: 11 »!!

        ولا أدري كيف يصح لمن يثبت الاستقرار والجلوس على العرش أن يقول إن الله تعالى في مكان عدمي غير وجودي!! ما هذا إلا قمة التناقض الذي يطيش فيه القوم , متوهمين أنهم متبعون للسلف الصالح والسلف منهم أبرياء.

        فنقول لهم : إنّ الباري تبارك وتعالى لو أراد خلق الآلاف من العروش بحيث يكون كلّ منها أعظم من العرش الحالي بآلاف المرات بحيث يكون هذا العرش بالنسبة لأحدها كالخردلة في يد الإنسان , لفعل ذلك ولم يعجز عنه ((إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)) [يس: 82], فكيف يُعقل أن يكون الخالق -جلّ وعز- مستقرًا جالسًا على مثل هذا العرش الصغير؟! فإن استقرار الشيء العظيم على الشيء الحقير لا يسمى استواء , بل لا بد من المقاربة في المقدار بين الأمرين , فاستقرار الجبل الكبير على الذرة الصغيرة ليس استواء في لغة العرب.

        أضف إلى ذلك أنّ الكِبَر والعظمة الحسيّة أمرٌ نسبي , فما هو عظيم بالنسبة للعصفور فهو صغير بالنسبة للإنسان , وما هو عظيم بالنسبة للإنسان فهو صغير بالنسبة لحملة العرش , وما هو عظيم بالنسبة لحملة العرش فهو صغير بالنسبة لخالق العرش , أفيكون خالق العرش مستقرًا على شيء صغير من خلقه؟! ومهما تصوّرت العرش كبيرًا عظيمًا فإن الله تعالى أعظم وأكبر!! .(3)

        وقد ذكر الله تعالى الاستواء في سبعة مواضع في كتابه العزيز , ولو كان الجلوس أو الاستقرار من معانيه لذكره الله سبحانه ولو في موضع واحد! فتحريف «الاستواء» إلى «الاستقرار» كتحريف اليهود قوله تعالى : «حطة» إلى قولهم : «حنطة».

        13- ويثبتون لله تعالى «الطواف في الأرض!», فقد أخرج عبد الله بن أحمد بسنده عن لقيط بن عامر حديثاً طويلاً في البعث والموقف، وفيه أن رسول الله  قام في الناس خطيباً فقال: «...ثم تبعث الصيحة فلَعَمْر إلهك ما تدعُ على ظهرها من شيء إلا مات والملائكة الذين مع ربك  فأصبح ربك يطوف في الأرض وخلت عليه البلاد فأرسل ربك  السماء.. قلت يا رسول الله فما يعمل بنا ربنا -جل وعز- إذا لقيناه ؟ قال تعرضون عليه بادية له صفحاتكم لا تخفى عليه منكم خافية فيأخذ ربك  بيده غرفة من الماء فينضح قِبَلكم بها فلعمر إلهك ما يخطىء وجه أحدكم منها قطرة..». (السنة 2/485(11120) , وسنده ضعيف جدًا)

        وقد فرح وابن القيم بهذا الحديث, فقال محتجًّا به معظّمًا شأنه وكأنّه من أصول الدين الكبرى:
        «هذا حديث كبير جليل تنادي جلالته وفخامته وعظمته على أنه قد خرج من مشكاة النبوة , لا يعرف إلا من حديث عبد الرحمن بن المغيرة بن عبد الرحمن المدني رواه عنه إبراهيم بن حمزة الزبيري , وهما من كبار علماء المدينة ثقتان محتج بهما في الصحيح , احتج بهما إمام أهل الحديث محمد بن إسماعيل البخاري, ورواه أئمة أهل السنة في كتبهم وتلقوه بالقبول وقابلوه بالتسليم والانقياد , ولم يطعن أحد منهم فيه ولا في أحد من رواته, فممن رواه الإمام ابن الإمام أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن حنبل في مسند أبيه وفي كتاب السنة... ومنهم الحافظ الجليل أبو بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم النبيل في كتاب السنة له، ومنهم الحافظ أبو أحمد محمد بن أحمد بن إبراهيم بن سليمان العسال في كتاب المعرفة، ومنهم الحافظ أبو محمد عبدالله بن محمد بن حيان أبو الشيخ الأصبهاني في كتاب السنة، ومنهم الحافظ أبو عبدالله محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن مندة حافظ أصبهان، ..وجماعة من الحفاظ سواهم يطول ذكرهم.
        وقال ابن مندة روى هذا الحديث محمد بن إسحاق الصنعاني وعبدالله بن أحمد بن حنبل وغيرهما وقد رواه بالعراق مجمعِ العلماء وأهل الدين جماعةٌ من الأئمة منهم أبو زرعة الرازي وأبو حاتم وأبو عبد الله محمد بن إسماعيل ولم ينكره أحد ولم يتكلم في إسناده , بل رووه على سبيل القبول والتسليم , ولا ينكر هذا الحديث إلا جاحد أو جاهل أو مخالف للكتاب والسنة , هذا كلام أبي عبد الله بن منده.
        ..وقوله: [فيظل يضحك] هو من صفات أفعاله سبحانه وتعالى التي لا يشبهه فيها شيء من مخلوقاته كصفات ذاته، وقد وردت هذه الصفة في أحاديث كثيرة لا سبيل إلى ردها كما لا سبيل إلى تشبيهها وتحريفها.
        وكذلك: [فأصبح ربك يطوف في الأرض] هو من صفات فعله كقوله: ((وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا)) [الفجر: 22 ], ((هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ)) [الأنعام: 158] , و: [ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا] ,..والكلام في الجميع صراط واحد مستقيم , إثبات بلا تمثيل بلا تحريف ولا تعطيل.
        وقوله: [فيأخذ ربك بيده غرفة من الماء فينضح بها قبلكم] فيه إثبات صفة اليد له سبحانه بقوله , وإثبات الفعل الذي هو النضح».( زاد المعاد 3/677-682)

        ولا بد من التحذير من أسلوبه , فقد جمع لهذا الحديث أوصافاً لا يسع العامي معها إلا أن يظن أنه أصل من أصول الدين. وعند التحقيق يتبين أن لا شي من هذه الأوصاف يصدق على هذا الحديث , فمن عدَّهم من كبار علماء المدينة لا يعدون في علمائها بل ولا من حفاظها، ومَن عدهم أئمةَ أهل السنة لا تجد فيهم مالك بن أنس ولا الشافعي ولا البخاري، بل تجد فيهم المولعين بجمع الأخبار التي تصنف تحت عنوان السنة، وتحت هذا العنوان ما تحته من أمثال هذا الخبر, فإذا كان من ذكره هم الذين قابلوه بالتسليم والانقياد ,فلا يتابعون على الانقياد والتسليم لخبر جُلُّ رجاله مجهولون.

        ودونك ما يعده ابن القيم خارجاً من مشكاة النبوة فيثبت به قوله: [فيظل يضحك] ويعده من صفات أفعاله سبحانه وتعالى وكذلك: [فأصبح ربك يطوف في الأرض] هو من صفات فعله.

        ثم إذا كان الخالق يطوف في الأرض وتخلو عليه البلاد , فكيف نجمع بين ذلك وبين رأي ابن تيمية الذي أراد أن يتخلص من كثير من إلزامات الرازي , معتمداً على نظريته في الحيز التي يفرق فيها بين الحيز الوجودي والحيز العدمي, والأول مختص بالمخلوق وهو ما في داخل العالم من الأحياز , والثاني مختص بالخالق وهو خارج العالم؟
        فإذا كان يطوف في الأرض فهو في هذه الأحياز الوجودية , فيلزم الإلزامات التي ذكرها الرازي , ويلزم كونه شاغلاً لقدر من أحياز العالم الوجودية دون الكل , ويلزم الكون في جهة غير جهة الفوق بل الكون في الجهات الست معاً , لأنه سيكون بعض البلاد التي يطوف بها عن يمينه وبعضها عن شماله.


        فإن قيل: إن طوافه في الأرض ليس كطواف الأجسام فلا يلزم منه ذلك لأنها لوازم الجسم.
        قيل: إذا كان الطواف في الأرض لا يلزم منه شغلُ قدر من الفراغ ولا الكون في الجهات الست, فكيف لزم من قوله تعالى: ((الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)) [طه: 5] , إثباتُ جهة الفوق والإشارة الحسية إليه , وهي من لوازم الجسم أيضاً؟ ثم هذه اللغة التي تدل على أن الطواف في الأرض لا يلزم منه شغلُ قدر من الفراغ ولا الكون في الجهات، بأيّ دلالة أو أسلوب تدل على ذلك , ولا تدل على أن الاستواء لا يلزم منه لوازمه التي ذكرتم ؟(4)


        -------------------
        - قال في مجموع الفتاوى 16/107: (وكذلك ما ورد من نزوله يوم القيامة في ظلل من الغمام ومن نزوله إلى الأرض لما خلقها ومن نزوله لتكليم موسى وغير ذلك كله من باب واحد كقوله تعالى (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام) وقوله (وجاء ربك والملك صفا صفا) والنفاة المعطلة ينفون المجيء والاتيان بالكلية).
        2- كتب الأخ ياسين العلوين جملة من تناقضات الوهابية في إثبات الصفات العينية , وسأذكر في الهوامش بعضها , منها أنّ ابن تيمية وابن القيم وكثير من مشايخ الوهابية فسّروا الاستواء بالجلوس والعياذ بالله- كعبد الرحمن بن حسن آل الشيخ في فتح المجيد ص485 , ومحمد بن إبراهيم آل الشيخ في مجموع فتاواه ص136 , وعبد الرحمن بن ناصر السعدي في الأجوبة السعدية ص147 , وابن عثيمين في مجموع الفتاوى 1/135 .
        لكنّ الله تعالى أنطق بعضهم بالحق والصدق حيث أنكروا ذلك التفسير واعترفوا ببطلانه , فمن ذلك ما جاء في شرح لمعة الاعتقاد للفوزان ص305 : (فضيلة الشيخ وفقكم الله , ما رأي فضيلتكم في من يقول : إن استوى بمعنى جلس , هل يعدّ من التأويل ؟
        الجواب : هذا باطل , لأنه لم يرد تفسيره بالجلوس , ونحن لا نثبت شيئًا من عند أنفسنا).
        فليس أهل السنة وحدهم من يقولون ببطلان تفسير الاستواء بالجلوس , فها هو أحد مشايخهم أنطقه الله بالصواب ليكون حجة عليهم.
        بل اعتبر ابن جبرين أنّ نسبة تفسير الاستواء بالجلوس إليهم كذب عليهم!! , ففي (الجواب الفائق في الرد على مبدل الحقائق) ما نصّه :
        (خامسًا : نسبة الجلوس إلى أهل السنة كذب عليهم
        ..ولا أذكر في كتب السلف التفسير بالجلوس , فنسبته إلى أهل السنة وأئمة الدعوة كذب عليهم).
        وتجد الألباني في موسوعته في العقيدة 6/343 : (فالظاهر أنه لاحظ ما في متنه من النكارة، وهي نسبة الجلوس إلى الله تعالى، وبين الجنة والنار!! وهو مما لم يرد في شيء من الأحاديث الصحيحة. فمتنه حري بالوضع) .
        وكذلك نَجِدُ ابن تيمية وابن القيم يفسران الاستواء بالاستقرار والجلوس كما سبق نقله , وتبعهم مشايخ الوهابية في ذلك , كابن عثيمين في شرح الواسطية 1/375 , وابن جبرين في التعليقات الزكية 1/211 , والفوزان في شرح لمعة الاعتقاد ص91, والسعدي في الأجوبة السعدية ص147 .
        لكنّ الدكتور بكر أبو زيد لمّا رأى شناعة هذه العقيدة وما فيها من تكييف وتشبيه , حاول إنكار ثبوتها عن مشايخهم , فقال في معجم المناهي اللفظية ص91 :
        (استقر على العرش : نَسَب بعض الأفاكين إلى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى- أنه يثبت استقرار الله على العرش! , وهذه النسبة افتراء عليه رحمه الله تعالى- , ومعتقده معلوم مشهور..) , فتأمل يا رعاك الله كيف حاول أن ينّزه ابن تيمية من ذلك التشبيه , لكن الشمس لن تغطى بغربال!.
        وها هو الألباني يصرّح بأنّ الاستقرار صفة بشرية ولا تليق بالله تعالى , ففي موسوعته في العقيدة 6/344 :
        (لا يجوز أن يُوصف الله بأنه مستقر؛ لأن الاستقرار أولاً: صفة بشرية، ثانياً: لم يوصف بها ربنا  حتى نقول: استقرار يليق بجلاله وكماله كما نقول في الاستواء، فنحن لا نصف الله إلا بما وصف به نفسه ثم مقروناً مع التنزيل {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}-الشورى:11).
        فهذا اعتراف من أحد مشايخ الوهابية أنفسهم بأن الاستقرار تشبيه , فلا تغفل عن تخليطاتهم أيها النبيه .
        3- ذكرتُ مثل هذا الكلام لأنبه القوم على فساد أقوالهم بإلزامهم وفق أصول مذهبهم , حيث يحملون العظمة والكبر على المعنى الحسي!! تعالى الله عن ذلك , قال الإمام الزجاج وهو من السلف الصالح- في "تفسير الأسماء الحسنى" ص48 في تفسير اسم الله "الكبير" : (ولا يجوز أن يذهب به مذهب زيادة الأجزاء على ما بينّا).
        4- نقلته بنصه من التجسيم في الفكر الإسلامي.
        فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
        بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

        تعليق

        • عثمان محمد النابلسي
          طالب علم
          • Apr 2008
          • 438

          #34

          14- ويثبتون لله تعالى «المعية الحقيقة» للخلق , قال ابن عثيمين في فتاواه (8/342) :
          «المبحث الثاني : هل المعية حقيقية أو هي كناية عن علم الله  وسمعه وبصره وقدرته وسلطانه وغير ذلك من معاني ربوبيته؟
          أكثر عبارات السلف رحمهم الله يقولون : إنها كناية عن العلم وعن السمع والبصر والقدرة وما أشبه ذلك ، فيجعلون معنى قوله : ((وَهُوَ مَعَكُمْ)) [الحديد: 4] , أي : وهو عالم بكم سميع لأقوالكم ، بصير بأعمالكم ، قادر عليكم حاكم بينكم . . . . وهكذا ، فيفسرونها بلازمها , واختار شيخ الإسلام رحمه الله في هذا الكتاب وغيره أنها على حقيقتها ، وأنّ كونه معنا حق على حقيقته ، لكن ليست معيته كمعية الإنسان للإنسان التي يمكن أن يكون الإنسان مع الإنسان في مكانه ؛ لأن معية الله  ثابتة له وهو في علوه ؛ فهو معنا ، وهو عال على عرشه فوق كل شيء ، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون معنا في الأمكنة التي نحن فيها , وعلى هذا ، فإنه يحتاج إلى الجمع بينها وبين العلو , والمؤلف عقد لها فصلا خاصا سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى ، وأنه لا منافاة بين العلو والمعية ؛ لأن الله تعالى ليس كمثله شيء في جميع صفاته ، فهو عليّ في دنوه ، قريب في علوه.
          وضرب شيخ الإسلام رحمه الله لذلك مثلا بالقمر ، قال : إنه يقال : ما زلنا نسير والقمر معنا ، وهو موضوع في السماء، وهو من أصغر المخلوقات ، فكيف لا يكون الخالق  مع الخلق ، الذي الخلق بالنسبة إليه ليسوا بشيء ، وهو فوق سماواته؟!
          وما قاله رحمه الله فيه دفع حجّة بعض أهل التعطيل حيث احتجوا على أهل السنة ، فقالوا : أنتم تمنعون التأويل ، وأنتم تؤولون في المعية ، تقولون : المعية بمعنى العلم والسمع والبصر والقدرة والسلطان وما أشبه ذلك , فنقول : إن المعية حق على حقيقتها ، لكنها ليست في المفهوم الذي فهمه الجهمية ونحوهم ، بأنه مع الناس في كل مكان، وتفسير بعض السلف لها بالعلم ونحوه ، تفسير باللازم» .

          وهذا الكلام يتضمن مجموعة من المغالطات , فإن السلف مُجمعون على تفسير المعية بالعلم , وتصريحه بأنهم يقولون بأنّ المعية كناية عن العلم يدلّ على مخالفة ابن تيمية للسلف في ذلك , إذ الكناية مقابلة للحقيقة .

          أمّا فراره من إلزامه بتأويل المعية فهو مكشوف , لأنّه أثبت المعيّة بمعنى العلم والسمع والبصر وهذا هو التأويل , فقد قال ابن فارس في المعنى الحقيقي للمعية (5/273) : «الميم والعين , كلمةٌ تدلّ على اختلاط وجلبة وما شابه ذلك», فالمعية الحقيقة هي المطلقة الشاملة للذات والصفات , ولا يجوز صرفها عن هذا المعنى إلا بقرينة فتكون حينئذ معية غير حقيقية , والذي أوجب صرف المعية الإلهية عن حقيقتها وهي المخالطة- هو قرينة العقل والنقل , فتفسير المعية بالعلم والسمع والبصر صرفٌ لها عن حقيقتها ومعناها الوضعي اللغوي , لأنّ المعية لا يفهم منها العلم والسمع والبصر دون الذات في اللغة إلا بقرينة, والقول بأنّها معية علمية سمعية بصرية وأنها حقيقية محضُ تخليط , لأنّ اللفظ يبقى عنده على حقيقته في حالة عدم وجود قرائن تدل على خلاف المعنى الوضعي ، وفي حالة وجود قرائن تدل على خلاف المعنى الوضعي!! , وهذا لم يقل به أحدٌ من أهل اللغة لا في القديم ولا في الحديث , والتمثيل على المعية الحقيقة بمثال القمر متهافت , لأنّ قولنا بأن القمر معنا ليس على حقيقته وظاهره للقرينة العقلية والحالية , ولو صحّ فهمه للمعية بأنها على حقيقتها مع تفسيرها بالعلم والسمع والبصر , لصحّ القول بأنّ العلوّ هو العظمة والقهر وهو مع ذلك هو علوٌ على حقيقته , ويمكن التمثيل على لذلك بقولهم : «علا الملك في الأرض», فإن قالوا : إن هذا تأويل وصرفٌ للفظ عن ظاهره , قلنا : كذلك تفسير المعية بالعلم والسمع والبصر تأويل وصرفٌ للفظ عن ظاهره , فإما أنْ يسيروا على قاعدتهم ويحملوا المعية على حقيقتها ويعتقدوا اختلاط الله تعالى بالخلق وحلوله في الأرض , وإمّا أن يقعوا في التأويل الذين يسمونه تعطيلًا , ولا مفر لهم من ذلك إلا بالتناقض وتفسير المعية بالعلم والإصرار على أنها على حقيقتها!! وهذا ناتج عن محاولة التوفيق بين المعية الحقيقة والعلوّ الحسي .

          15-وفي كتاب «صفات الله » لعلوي السقاف ورد إثباتهم لله تعالى كصفات ما يلي : «الاستحياء» و«الخداع والمخادعة» و«السآمة» و«الخُلّة» و«الدنوّ» و«الساق» و«السخط» و«السرعة» و«العجب» و«العين» و«الغيرة» و«الفرح» و«الهبوط [إلى السماء الدنيا]».

          فنسألهم أن يبيّنوا معاني هذه الصفات , فكما قالوا أنّ الاستواء هو الاستقراروالجلوس , فما هي معاني «الاستحياء» و«الخداع والمخادعة» و«السآمة» ..الخ الذي يعتقدونها صفات لله تعالى؟ وبأي معنى سيترجمونها إلى اللغات الأخرى؟

          16- ويثبتون الغضب والرضا والضحك على حقيقتها , فيقول علي صلح في «التنبيهات» (ص31) :
          «يغضب غضباً حقيقياً! يليق به سبحانه ولا يشابه غضب المخلوقين ولا يعلم كيفيته إلا هو سبحانه وتعالى وهكذا الرضى والضحك..».

          نطالبهم أيضًا ببيان معاني هذه التي يسمونها صفات كالغضب والفرح.

          17- ويثبتون لله تعالى «العلوّ الحسي», ويحتجون لذلك بأنّ الله تعالى إما أن يكون داخل العالم أو خارجه , والقول بأنه داخل العالم يفضي إلى حلول الخالق بالمخلوق , فوجب أن يكون خارج العالم!! .

          وبغض النظر عن إدخالهم الله تعالى في قياس شمول مع المخلوقات , إلا أنّ هروبهم من حلول الخالق في المخلوق يفضي بهم إلى القول بحلول المخلوق في الخالق! , لأنهم يثبتون لله تعالى العلو الحسي الهندسي الذي نعرف حقيقته وكيفيته ونشاهد مثله في الأجرام والأفلاك العلوية.. إلا أنّ الفارق بينه وبين علوّ النجوم البعيدة والأفلاك السماوية هو فارق المسافة , فالغيوم عالية والقمر أعلى والنجوم أعلى والعرش أعلى , وهذا العلوّ الهندسي مكيّف معروف لدينا , وبُعد المسافة لم يجعل الأبعد منها مجهول الكيفية , بل ما زلنا ندرك كيفية علوّ كلّ منها مع تفاوت مسافاتها التي تمثل كلّ منها درجة في العلوي الحسي , فهذا العلوّ الفلكي الهندسي هو علوّ المسافة التي تتقلص بالصعود إلى أعلى حتى تنتهي وتزول بالوصول إلى اللوح الذي على العرش! فلا مسافة عندها ولا علوّ لله حيث ينتهي ويتلاشى , وتزيد كلما اتجهنا إلى الأسفل , وهذا العلوّ ثابت عندهم بالنسبة لجميع البشرية على سطح الأرض بمختلف بقاعها , فلو أشار كلّ منهم إلى الجهة التي تلي رأسه لكان مشيرًا إلى ذات الله تعالى , وهذا يستلزم إحاطة الذات الإلهية للعالم إحاطة حسيّة هندسية , لأن الإشارة الحسيّة الهندسية والعلوّ الحسّي الهندسي ينتجان بالضرورة إحاطة حسيّة هندسية «مكانية» كإحاطة القفص بالعصفور!! , فتكون ذات الله تعالى أو بعضها على الأقل -الذي هو عندهم كف الرحمن- منحنية على العالم متكورة عليه من كلّ الأطراف , فهذه الذات تحمل العالم في باطنها وتشتمل عليه اشتمال الكرة على الهواء أو قشرة البيض على الصفار , وكلمة «خارج» التي يسعون إليها تُخرجهم من ورطة حلول الخالق في المخلوق , وتقذف بهم في ورطة حلول المخلوق في الخالق , فالخالق هو »الخارج» كاليد والكف المنقبضة على الخردلة , والعالم كالخردلة «داخل» هذه الكف المنقبضة والمنطوية عليه!!! إذن فمصطلح «داخل» مؤداه إلى حلول الخالق في المخلوق , ومصطلح «خارج» -المتعين عند الوهابية- مؤداه إلى العكس وهو حلول المخلوق في الخالق!! .
          ولنقارن الآن بين علوّ السماء على الأرض , وعلوّ الله تعالى الذي يقول به الوهابية , لنجد أنّ الفارق بين الأمرين هو فارق بعد المسافة فقط! :

          علو السماء:


          1- علوّ السماء هو العلوّ الحسيّ الهندسي المعروف لكلّ أحد وهو ما علا الرأس .
          2- هذا العلو والارتفاع من أجزائه عنصر المسافة , فرأس الجبل أقرب إلى السماء الدنيا من أسفله , والسماء الدنيا أقرب إلى السماء الثانية من رأس الجبل , والسماء السادسة أقرب إلى السماء السابعة من الخامسة.. وهكذا , فمن أثبت هذا العلوّ الحسي وأنكر المسافة فهو إما معاند أو متناقض .
          3- المسافات المتفاوتة بين الأجرام لم تجعل الأبعد منها مجهول الكيفية بحيث يكون علوّه بلا كيفـ، , بل ظلت كلّ هذه المستويات مكيفة معروفة موصوفة دون أن يكون لتفاوت المسافات أي دور، فبيننا وبين الشمس من المسافة أزيد مما بيننا وبين القمر , وبيننا وبين النجوم أزيد مما بيننا وبين الشمس , وبيننا وبين السماء الثانية أزيد مما بيننا وبين النجوم , وهكذا وكل هذه المسافات المتفاوتة تمثل درجات في العلو , ومع هذا بقي علوّ كلّ جرم منها معروفًا موصوفًا لا يقال عنه بلا كيف!!
          4- هذه المسافة في العلو تزيد وتنقص بيننا وبين السماء .
          5- كلما ارتفعت إلى الأعلى ازددت قربًا من السماء وتقلص هذا العلوّ الحسيّ .
          6- هذا العلوّ ينتهي ويزول بالوصول إلى السماء فلا تكون عندها عالية عليك .
          7- أعظم ما يكون هذا العلوّ بالوصول إلى مركز الأرض .
          8- هذا العلوّ حاصل للكرة الأرضية في كل بقاعها وأقطارها , ففي أي بقعة كنتَ على هذه الكرة الأرضية فبإمكانك أن تشير إلى علوّ السماء , فعلوّ السماء على الأرض ثابت لها حيث كانت .
          9- السماء أبدًا عالية على الأرض من كلّ الجهات , فلا تكون قط إلا عالية عليها .
          10- الكرة الأرضية تحت السماء وأسفل منها حسيًا .
          11- سُفلُ الكرة الأرضية بالنسبة للسماء ثابت للأرض في كل بقاعها , فهي تحت السماء حيث كانت .
          12- ينتج من علوّ السماء على الأرض علوًا حسيًا في كل بقاعها إحاطةُ السماء للأرض إحاطة حسيّة مكانية , إذ ما من مكان على الأرض إلا والسماء فوقه فوقية حسيّة .
          13- ينتج من سفل الأرض عن السماء سفلًا حسيًا في كلّ بقاعها احتواءُ السماء للأرض واشتمالها عليها , إذ ما من مكان على الأرض إلا وهو تحت السماء تحتية حسيّة .
          14- ينتج من العلوّ الحسي المعلوم الكيفية والسّفل الحسي معلوم الكيفية إحاطة حسيّة مكانية معلومة الكيفية .


          علوّ الله تعالى :


          1- علوّ الله تعالى هو العلوّ الحسيّ الهندسي المعروف لكلّ أحد وهو ما علا الرأس .
          2- هذا العلو والارتفاع من أجزائه عنصر المسافة , فالوهابية يرون أنّ رأس الجبل أقرب إلى الله من أسفله (1) , وأن السماء السابعة أقرب إلى عرش الله تعالى من السادسة!! والسادسة أقرب إليه من الخامسة , ثم كذلك إلى الأرض , فمن أثبت العلو الحسيّ لله تعالى وأنكر المسافة فهو إما معاند أو متناقض .
          3- المسافات المتفاوتة بين الأجرام لم تجعل الأبعد منها مجهول الكيفية أبدا بحيث يكون علوه بلا كيف ، بل ظلت كل هذه المستويات مكيفة معروفة موصوفة دون أن يكون لتفاوت المسافات أي دور، فبيننا وبين الشمس من المسافة أزيد مما بيننا وبين القمر وبيننا وبين النجوم أزيد مما بيننا وبين الشمس وبيننا وبين العرش أزيد مما بيننا وبين النجوم وهكذا وكل هذه المسافات المتفاوتة تمثل درجات في العلو ومع هذا بقي علو كل جرم منها معروفا موصوفا لا يقال عنه بلا كيف !!
          4- هذه المسافة في العلو تزيد وتنقص بيننا وبين الله تعالى .
          5- كلما ارتفعت إلى الأعلى ازددت قربًا من الله تعالى وتقلص هذا العلوّ الحسيّ .
          6- هذا العلوّ ينتهي ويزول بالوصول إلى الكتاب الذي على العرش .
          7- أعظم ما يكون هذا العلوّ بالوصول إلى مركز الأرض .
          8- هذا العلوّ حاصل للأرض في كل بقاعها وأقطارها , ففي أي بقعة كنتَ على الأرض فبإمكانك أن تشير إلى علوّ الله تعالى , فعلوّ الله تعالى على الأرض ثابت لها حيث كانت .
          9- الله تعالى أبدًا عالٍ على الأرض من كلّ الجهات , فلا يكون قطّ إلا عاليًا عليها .
          10- الكرة الأرضية تحت الله تعالى وأسفل منه حسيًا .
          11- سُفلُ الكرة الأرضية بالنسبة لله تعالى ثابت للأرض في كل بقاعها , فهي تحته حيث كانت .
          12- ينتج من علوّ الله تعالى على الأرض علوًا حسيًا في كل بقاعها إحاطته للأرض إحاطة حسيّة مكانية , إذ ما من مكان على الأرض إلا وهو فوقه فوقية حسيّة .
          13- ينتج من سفل الأرض عن الله تعالى سفلًا حسيًا في كلّ بقاعها احتواءُ الذات الإلهية للأرض واشتماله عليها , إذ ما من مكان على الأرض إلا وهو تحت الله سبحانه تحتية حسيّة .
          14- ينتج من العلوّ الحسي المعلوم الكيفية والسّفل الحسي معلوم الكيفية إحاطة حسيّة مكانية معلومة الكيفية .

          فلا فرق بين إحاطة السماء بالأرض وبين إحاطة الله تعالى بالمخلوقات بالمفهوم الوهابي , ومن أنكر كون هذه الإحاطة الحسية الهندسية تستلزم احتواء السماء على الأرض واشتمالها عليه أو احتواء الذات الإلهية على المخلوقات التي تحته فهو معاند مكابر, وخصوصًا أنهم جعلوا الله تعالى متحيّزًا محدودًا مستقرًا على عرش محدود , فكون هذه الإحاطة «المكانية» تجعل السماء مكانًا للأرض وتجعل ذات الله مكانًا للخلائق أوضح من الشمس في رابعة النهار , فالمنصف الطالب للحق يعلم أن لا فرق بين احتواء السماء للأرض وبين احتواء الذات الإلهية للخلائق .


          قد يستغرب الكثير من نسبة هذا الكلام إلى الوهابية , ويرى أنّه مجرد إلزام لا يلتزمون به وأنهم ينفرون من القول بإحاطة الله بالعالم إحاطة حسية مكانية , فأقول : إنّ الإلزام القريب الواضح معتبر عند العلماء حتى وإن لم يلتزم به صاحبه , لكنّ الوهابية يصرّحون بأنّ الله تعالى محيط بالخلق إحاطة مكانية! , ففي مجموع الفتاوى لابن عثيمين يقول (8/147) :
          « ((هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ)) [الحديد: 3 ] : هذه أربعة أسماء كلها متقابلة في الزمان والمكان ، تفيد إحاطة الله سبحانه وتعالى بكل شيء أولا وآخرًا , وكذلك في المكان , ففيه الإحاطة الزمانية والإحاطة المكانية!!» .
          وقال الهراس في شرح الواسطية (ص89) :
          «فالأول والآخر: بيان لإحاطته الزمانية , والظاهر والباطن: بيان من كل وجه.... .
          فالآية كلها في شأن إحاطة الرب سبحانه بجميع خلقه من كل وجه!!، وأن العوالم كلها في قبضة يده كخردلة في يد العبد».
          وقال صالح الفوزان في شرح الواسطية (ص136) :
          «ففي اسمه ((الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ)) إحاطته الزمانية , وفي اسمه ((الظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ)) إحاطته المكانية».

          وقد ألزم الإمام الرازي المجسمة بقوله : «أن الأرض إذا كانت كرة فالجهة التي هي فوق بالنسبة إلى سكان أهل المشرق هي تحت بالنسبة إلى سكان أهل المغرب وعلى العكس فلو اختص الباري بشيء من الجهات لكان تعالى في جهة التحت بالنسبة إلى بعض الناس وذلك باطل بالاتفاق بيننا وبين الخصم فثبت أنه يمتنع كونه مختصا بالجهة».
          فما كان من ابن تيمية إلا أن التزم بهذا الإلزام وأقرّ بكون الله تعالى تحت بعض الخلائق!!! , وسمى هذه التحتية بالبطون!! , فقال في بيان التلبيس (1/606) :
          « وذلك يظهر بالوجه الثاني وهو أن يقال : هذا الذي ذكرته وارد في جميع الأمور العالية من العرش والكرسي والسموات السبع وما فيهن من الجنة والملائكة والكواكب والشمس والقمر ومن الرياح وغير ذلك , فإنّ هذه الأجسام مستديرة تكون هذه الأمور دائما تحت قوم كما تكون فوق آخرين وتكون موصوفة بالتحت بالنسبة إلى بعض الناس وهي التحتية التقديرية الإضافية , وإن كانت موصوفة بالعلو الحقيقي الثابت , كما أنها أيضا عالية بالعلو الإضافي الوجودي دون الإضافي التقديري , وإذا كان الأمر كذلك ولم يكن في ذلك من الإحالة إلا ما هو مثلما في هذا ودونه , لم يكن في ذلك محذورا , فإن المقصود أن الله فوق السموات وهذا ثابت على كل تقدير.
          وهذا يظهر بالوجه الثالث وهو أن يقال : هذا الذي ذكرتَه أي الرازي- من هذا الوجه لا يدفع , فإنه كما أنه معلوم بالحساب والعقل فإنه ثابت بالكتاب والسنة!! , قال الله تعالى : ((هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ)) , وقد روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة  عن النبي  أنه كان يقول : [أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء اقض عنا الدين وأعننا من الفقر] , فأخبر أنه الظاهر الذي ليس فوقه شيء وأنه الباطن الذي ليس دونه شيء , فهذا خبر بأنه ليس فوقه شيء في ظهوره وعلوه على الأشياء , وإنه ليس دونه شيء فلا يكون أعظم بطونا منه حيث بطن من الجهة الأخرى من العباد!! , جمع فيها لفظ البطون ولفظ الدون -وليس هو لفظ الدون!- بقوله : [وأنت الباطن فليس دونك شيء] , فعلم أن بطونه أوجب أن لا يكون شيء دونه , فلا شيء دونه باعتبار بطونه والبطون يكون باعتبار الجهة التي ليست ظاهرة» .

          وهذا تصريحٌ قبيح جدًا , فانظر كيف صرّح بأنّ التحتية التي ألزمهم بها الرازي ليست مختصة بالله تعالى , بل لجميع الأمور العالية من العرش والكرسي والسموات السبع , والتحتية لهذه الأمور هي تحتية إضافية مع كونها عالية علوًا حقيقيًا , وكذلك الأمر بالنسبة لله تعالى فهو تحت بعض الخلائق تحتية تقديرية مع كونه عاليًا علوًا حقيقيًا!! , وذكر أنّ هذا لا يُدفع وأنّه معلوم بالحساب والعقل والكتاب والسنّة , بل وحمل ألفاظ الحديث على المعاني الحسيّة , إلا أنّه آثر استخدام البطون والدونية في حق الله تعالى على التحتية والسّفل! .(2)


          --------------------------
          1- قال الدارمي في نقضه على المريسي (ص290- ط أضواء السلف) : ( فقال : "ألا ترى أنه من صعد الجبل لا يقال له أنه أقرب إلى الله" , فيقال لهذا المعارض المدعي ما لا علم له : من أنبأك أن رأس الجبل ليس بأقرب إلى الله تعالى من أسفله؟! لأنه من آمن بأن الله فوق عرشه فوق سماواته علم يقينا أن رأس الجبل أقرب إلى الله من أسفله وأن السماء السابعة أقرب إلى عرش الله تعالى من السادسة والسادسة أقرب إليه من الخامسة ثم كذلك إلى الأرض كذلك روى إسحاق بن إبراهيم الحنظلي عن ابن المبارك أنه قال : رأس المنارة أقرب إلى الله من أسفله , وصدق ابن المبارك , لأن كل ما كان إلى السماء أقرب كان إلى الله أقرب , وقرب الله إلى جميع خلقه أقصاهم وأدناهم واحد لا يبعد عنه شيء من خلقه , وبعض الخلق أقرب من بعض على نحو ما فسرنا من أمر السموات والأرض , وكذلك قرب الملائكة من الله , فحملة العرش أقرب إليه من جميع الملائكة الذين في السموات والعرش أقرب إليه من السماء السابعة...الخ).
          2 - السلف الصالح منزهون عن كل هذه التخليطات ..
          - قال الإمام الطحاوي في عقيدته "بيان أهل السنة والجماعة" (ص88 , المطبوعة مع شرح الغزنوي) : (تعالى الله - عن الحدود والغايات , والأركان والأعضاء والأدوات , لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات) .
          - وقال الإمام ابن حبان في مقدمة كتابه "الثقات" منزهًا الله تعالى عن الجهات والأزمنة: (الحمد لله الذي ليس له حدٌّ محدودٌ فيُحتوى ، ولا له أجلٌ معدودٌ فيَفنى ، ولا يحيط به جوامع الـمكان ، ولا يشتمل عليه تواتر الزمان) .
          - وقال الإمام الزجاج في "تفسير الأسماء الحسنى" ص48 في تفسير اسم الله "العليّ" : (فالله تعالى عالٍ على خلقه , وهو عليٌ عليهم بقدرته , ولا يجب أن يُذهب بالعلوّ ارتفاع مكان , إذ قد بينّا أن ذلك لا يجوز في صفاته تقدست) .
          - وهذا ما ذهب إليه الإمام الطبري في تفسيره لاسم الله "العلي" من آية الكرسي , حيث قال : (وأما تأويل قوله:"وهو العلي" فإنه يعني: والله العلي. و"العلي" الفعيل من قولك:"علا يعلو علوا"، إذا ارتفع،"فهو عال وعلي" ، "والعلي" ذو العلو والارتفاع على خلقه بقدرته ) .
          وهذا صريح في إثباته علوّ القدرة ونفيه العلو الحسي , وسبق أن نقلتُ عن الإمام الطبري تنزيه الله تعالى عن العلوّ الحسي وإثباته علوّ الملك والسلطان , حيث قال : (علا عليها علوّ مُلْك وسُلْطان، لا علوّ انتقال وزَوال) .

          فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
          بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

          تعليق

          • عثمان محمد النابلسي
            طالب علم
            • Apr 2008
            • 438

            #35


            18- ويثبتون لله تعالى «الهرولة» على حقيقتها , [قال ابن فارس : الهَرْوَلة : بين المَشْي والعَدْو. 6/48] , يقول ابن عثيمين في مجموع فتاويه (1/184) :
            «وقد قال سبحانه عن نفسه : [من أتاني يمشي أتيته هرولة] , فلا تستوحش يا أخي من شيء أثبته الله تعالى لنفسه بعد أن علمت ما سبق ، واعلم أنك إذا نفيت أن الله تعالى يأتي هرولة فسيكون مضمون هذا النفي صحة أن يقال : إن الله لا يأتي هرولة!!» . (1)
            مع أن الهرولة كيفيةٌ للمجيء والإتيان , قال ابن قدامة في الروضة (1/72) : «والكيفية ما يصلح جواباً للسؤال بكيف».
            فإذا سُئلتَ : كيف جئت؟ صحّ أن تقول : جئتُ هرولة! .
            ونحن نسأل الوهابية ونقول لهم : بيّنوا لنا معنى الهرولة , فكما قلتم أنّ الاستواء هو الاستقرار والجلوس , وكما نقول أنّ السمع إدراك المسموعات , والبصر إدراك المبصَرات , فما هو معنى الهرولة؟


            19- ويثبتون «العجب» على حقيقته [قال ابن فارس في معجمه : العين والجيم والباء أصلانِ صحيحان، يدلُّ أحدهما على كِبْر واستكبارٍ للشَّيء، والآخر خِلْقة من خِلَق الحيوان] , فيقول محمد أمان الجامي في «الصفات الإلهية» (ص295):
            «العجب معلوم المعنى، مجهول الكيفية، والإيمان به واجب» .

            وقال سيد سعيد السيد في العقيدة الصافية (ص386):
            «العَجب صفة من صفات الله تعالى.. وهو عَجَب حقيقي! يليق بالله تعالى» .

            فنسألهم أيضًا : ما معنى العجب الحقيقي الذي تثبتونه لله تعالى؟

            وهكذا يسيرون في سائر الإضافات التي يُسمّونَها بالصفات , فيرون أن الخالق والمخلوق يشتركان في المعنى الحقيقي لها , والاختلاف هو في الكيفية العارضة لكل صفة , كما لو أخبرك شخص عن حيوان لم تَرَه في حياتك , وقال لك بأن له عينين دون أن يخبرك بكيفيتهما من كونهما صغيرتين أو كبيرتين أو جاحظتين أو غائرتين , أو سوداوين أو زرقاوين أو بنيّتين أو صافيتين أو مشوبتين ...الخ الكيفيات , ونفى أن تكون كيفيتهما مماثلة لكيفية أعين الحيوانات التي تعرفها , فإنك عندئذ تُثبت لهذا الحيوان عضوًا يبصر به وينظر وتُفوّض كيفية ذلك العضو , وهكذا عقيدة الوهابية في الله تعالى حيث يقومون بإثبات عينٍ حقيقية لله تعالى ينظر بها ويبصر مع تحاشيهم لفظ العضو , ويُثبتون لها كيفية مع تفويض تلك الكيفية بعينها , فيقول صالح الفوزان في المنتقى من فتاويه (1/25) :
            «السلف لم يكن مذهبهم التفويض ، وإنما مذهبهم الإيمان بهذه النصوص كما جاءت ، وإثبات معانيها التي تدلُّ عليها على حقيقتها! و وضعها اللغوي!!، مع نفي التَّشبيه عنها» .

            ويقول عبد الرزاق عفيفي في فتاويه (ص 104) :
            « مذهب السلف هو التفويض في كيفية الصفات لا في المعنى».

            ويقول ابن عثيمين في مجموع فتاويه (10/771) :
            «ولهذا قال مالك رحمه الله حين سئل عن كيفية الاستواء : [ الكيف مجهول ، والسؤال عنه بدعة] ، وليس معنى هذا أن لا نعتقد أن لها كيفية ، بل لها كيفية ، ولكنها ليست معلومة لنا ؛ لأن ما ليس له كيفية ليس بموجود ، فالاستواء ، والنزول ، واليد ، والوجه ، والعين لها كيفية ، لكننا لا نعلمها!!» .

            فهم يُثبتون لله تعالى المعنى الحقيقي للعين واليد والوجه والاستواء والنزول والرّجْل , ويعتقدون أنّ الكيفية لازم ذاتي لتلك المعاني الحقيقية , فيلزم من إثباتها على حقيقتها إثبات الكيفية لها , وليس لهم دليل على إثبات الكيفية لصفات الباري تعالى إلا قياس الخالق على المخلوق الذي لا بد له من كيفية , فلما نظروا إلى المخلوقات فوجدوها لابسة لباس الكيفيات , طَرَدوا ما شاهدوه في الحسيّات على خالق البريّات , فأدرجوا الخالق سبحانه في قياس شمول عام عدلوا الله فيه بالجسمانيات المتكيّفات , وأدخلوا الباري  تحت قضية كلية يستوي فيها مع سائر الموجودات المُحدَثات , وليت شعري ما الذي جعلهم يثبتون الكيفية عند ذكرهم الصفات الخبرية التي ُيسمونها بالعينية! كالعين والوجه واليد , دون صفات المعاني كالعلم والقدرة والإرادة؟!
            أليس لأن الكيفية تستلزم المقدار والشكل؟
            فهم لا يعتقدون بثبوت المقدار والشكل لصفات المعاني , بخلاف الصفات العينية التي لا يعقلون وجودها إلا متكيفة بكيفية , ويعتبرون نفي الكيفية نفيًا لهذه الصفات الأعيان , واقرأ ما صرّح به ابن تيمية من التزام المقدار بإثباته الكيفية في صفات الباري -جل وعزّ- , حيث قال في بيان التلبيس (1/315) :
            «وأما قوله : [الكيفية تقتضي الكمية والشكل] فإنه إن أراد أنها تستلزم ذلك فمعلوم أن الذين أثبتوا الكيفية إنما أرادوا الصفات التي تخصه كما تقدم، وإذا كان هذا مستلزماً للكمية فهو الذي يذكره المنازعون أنه ما من موصوف بصفة إلا وله قدْر يخصه ، وأكثر أهل الحديث والسنة من أصحاب الإمام أحمد رحمه الله وغيرهم لا ينفون ثبوت الكيفية في نفس الأمر بل يقولون لا نعلم الكيفية» .

            فهو يصرّح بإثبات الكيفية , ويرى أن الكيفية إن كانت مستلزمة للكمية فما من موصوف إلا وله قدر يخصه!! ومقصوده بالمقدار هو المعنى الحسي -وهو الحجم- لا المعنوي , ويفسّر القدّر بالكميّة , فيقول في بيان التلبيس (2/377) :
            «وتقدير موجود قائم بنفسه ليس له صفة ولا قدر هو الذي يراد بالكيفية و الكمية , كتقدير موجود ليس قائما بنفسه ولا بغيره وهو الذي يراد بالعرض والجوهر».

            وقال في بيان التلبيس (1/125) :
            «وكذلك يقتضي أن يثبت له المباينة بالصفة التي تسمى المباينة بالحقيقة أو بالكيفية أو المباينة بالقدر التي تسمى المباينة بالجهة أو الكمية فإن تكون مباينته بهذين أعظم مما يعلم مباينة المخلوق المخلوق».

            بل جعل هذا المقدار لله تعالى أبلغ من صفاته تعالى الذاتية , فقال في بيان التلبيس (1/593) :
            « أما قوله -أي الرازي- :[ لا يجب في سائر الذوات حصولها في ذلك الحيز فكذلك هذا].
            فيقال له: بل يجب في سائر الذوات المتحيزة أن يكون لكل منها تحيز يخصه وهو قدْره ونهايته التي تحيط به...
            وكذلك قوله في الثاني: [لو وجب حصوله في تلك لجهة لكانت مخالفة لغيرها فيكون موجوداً فيكون مع الله قديم آخر]. يقال: إثبات صفة قديمة ليس ممتنعا على الله كما اتفق عليه الصفاتية , أو لا نسلم أنه ممتنع, والقدْر والحيز الداخل في مسمى المتحيز الذي هو من لوازمه أبلغ من صفاته الذاتية. فإن كل موجود متحيز بدون الحيز الذي هو جوانبه المحيطة به يمنع أن يكون هو إياه. والقديم الذي يمتنع وجوده مع الله ما يكون شيئاً منفصلاً عنه...».

            فهؤلاء التيمية يُثبتون التشابه بين صفات الباري  وصفات المخلوقات في حقائقها , ويُثبتون لصفات الله تعالى الكيفية المستلزمة للحجمية والمقدار والذي هو من لوازم الأجسام , مع تفويضهم عين الكيفية التي يُثبتونها لله تعالى , لذلك فلا تغتر بما ساقَ به ابنُ تيمية أتباعَه حيث أصّل لهم أنّ [الإضافة تنفي التمثيل] , إذ مقصوده أن الإضافة تنفي التشابه من كلّ الوجوه بين الصفة والصفة , أمّا التشابه في المعنى الحقيقي الذي به الاشتراك فلا ينفيه , بل ينفي معرفة ما يلحقه من كيفيّات تميّزه عن الأفراد التي تشاركه في المعنى الحقيقي , فلذلك لا تتم عنده المشاركة بين صفة العبد وصفة الرب سبحانه وتعالى- لاختلاف كيفية كلٍّ منهما , وإن كانتا متشابهتين متواطأتين في المعنى الحقيقي , قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (3/11) :
            «ولا بد من هذا فى جميع أسماء الله وصفاته يفهم منها ما دل عليه الاسم بالمواطأة والاتفاق , وما دل عليه بالإضافة والاختصاص المانعة من مشاركة المخلوق للخالق فى شيء من خصائصه سبحانه وتعالى» .

            فهو يصرّح بوجود قَدر متواطئ بين صفات الله  وصفات المخلوقات , إلا أنّ ما يلحق هذا القدر المتواطئ من كيفيات تخصه عند الإضافة يمنع من مشاركة الله الخالق للمخلوق في شيء من خصائصه .(2)


            -------------------------------------
            1 - يثبت الوهابية الهرولة لله تعالى على حقيقتها , بينما نجد أنّ بعضهم ينكر ذلك , فيقول ابن جبرين في الدرس 62 من شرح الطحاوية :
            ( فلا يقال أن الهرولة صفة من صفات الله في هذا الحديث).
            وقال الفوزان في شرح السنة للبربهاري المرفوع على موقعه على الإنترنت :
            ( وليس المراد بالهرولة على ظاهرها هنا , وفي هذا ردّ على بعض المتسرعين الذين يثبتون لله الهرولة!).
            فانظر كيف يُثبت بعضهم لله أمرًا ويعتبر من لا يثبته معطلًا , ثم يأتي البعض الآخر ويردّ على المثبت , وكلا الفريقين يزعم اتباع السلف الصالح!!

            2- اعتمدتُ في هذا الباب على : التجسيم في الفكر الإسلامي , والاعتقاد للبيهقي , وأساس التقديس , والفصل لابن حزم , وروضة الناظر لابن قدامة , والتبصير للطبري , وتفسير الأسماء الحسنى للزجاج , وصحيح ابن حبان , والثقات له , والعقيدة الطحاوية , مجرد مقالات الأشعري , وتفسير الطبري , ومشاركات الشيخ الأزهري مشرف الأزهريين , وبصائر ذوي التمييز , والكليّات , ومفردات الراغب , ومقاييس اللغة , وتهذيب اللغة , ولسان العرب , ومعجم الصحاح , والقاموس المحيط , ومعاهد التنصيص , وعيون الأخبار , وطبقات الشعراء لابن المعتز , وديوان النابغة الجعدي , والتشبيهات لابن أبي عون , والتشبيهات من أشعار أهل الأندلس , وديوان ابن الدهان وأبي ذؤيب الهذلي وعنترة بن شداد والفارعة القشيرية وطرفة بن العبد والحطيئة والحارث المري وامرؤ القيس وتأبط شرًا وحاتم الطائي وسعد البكري , وأسرار البلاغة , والصحيحين , وفتاوى ابن عثيمين , وفتاوى ابن باز , وفتاوى ابن تيمية , وبيان تلبيس الجهمية , وشرح عقيدة أهل السنة للعثيمين , ومنهاج السنة النبوية , والصواعق المرسلة , وتوحيد ابن خزيمة بتعليق الهراس , وشرح لمعة الاعتقاد للجبرين , ودرء التعارض , والرسالة التدمرية , وعلو الله للدويش , وإثبات علو الله للقصاص , والقول المفيد , والرد على منكر الحد من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية , وشرح الواسطية للهراس , وجناية التأويل الفاسد , وصفات الله  لعلوي السقاف , والتنبيهات لعلي صلح , والصفات الإلهية للجامي , والتعليقات الزكية للجبرين , ومختصر الصواعق , والجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح , وموسوعة الألباني في العقيدة , و قدوم كتائب الجهاد للراجحي , وكتاب السنة المنسوب لعبد الله بن الإمام أحمد , ونقض الدارمي على المريسي , وشرح الواسطية للفوزان , والعقيدة الصافية لسيد سعيد , والمنتقى من فتاوى الفوزان , وفتاوى العفيفي , وغيرها .
            فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
            بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

            تعليق

            • عثمان محمد النابلسي
              طالب علم
              • Apr 2008
              • 438

              #36
              والحمد لله رب العالمين
              فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
              بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

              تعليق

              • محمدأكرم عبدالكريم أبوغوش
                مـشـــرف
                • Jun 2006
                • 3723

                #37
                السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

                وجزاك الله خيراً سيدي عثمان.
                فالله أحقّ أن تخشوه إن كنتم مؤمنين

                تعليق

                يعمل...