الرَّدُّ على كتاب(التفكير في زمن التكفير) /د. نصر حامد أبو زيد

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • سعيد فودة
    المشرف العام
    • Jul 2003
    • 2444

    #16
    [ALIGN=JUSTIFY]وفد كنت نويت أن أوقف تعليقاتي على هذا الكتاب عند هذا القدر، ولكن لفت نظري ما كتبه أبو زيد في مواضع أخرى وخاصة ص 256 وما خلفها عن مبدأ السببية، ولما لهذا الأمر من أهمية، ولكثرة ما يتخلله من مغالطات ليس فقط من أبي زيد بل من معظم من كتب فيه من أهل هذا العصر وكثير ممن سبق، أردت أن أكتب بعض التعاليق هنا لعل القارئ يتضح عنده بعض جوانب هذه المسألة، وإن كنت قد شرحتها بنوع من التوسع في الرد على كتاب مناهج الأدلة لابن رشد الحفيد الفيلسوف.
    قال أبو زيد في ص 256: «مبدأ السببية هذا يمثل المحور الأساسي في إنتاج المعرفة العملية وهو يقوم على التسليم الفكري بوجود قوانين طبيعية تحكم الظواهر الطبيعية وأخرى اجتماعية تحكم مجالات النشاط الإنساني، والفارق بين القوانين الطبيعية والاجتماعية ان القوانين الطبيعية حتمية لا تتخلف النتائج فيها عن الأسباب لان العلاقة بين السبب والنتيجة هي علاقة العلة بالمعلول أما القوانين الاجتماعية فهي ليست قوانين حتمية صارمة لأنها قوانين ترتبط بالفعل الاجتماعي الإنساني حيث يمثل الاختيار والمبادرة الفردية عناصر ليسن لها بالضرورة قوة الحتم والاطراد الموجودة في القوانين الطبيعية» اهـ.
    ثم قال: «في الفكر الإسلامي الكلاسيكي تياران أساسان فيما يتصل بالقضية موضوع السؤال التيار العلمي العقلاني الذي يمثله المعتزلة وابن رشد أساسا، والتيار الديني ذو النزعة الروحية الخالصة المتمثل في الاشعرية التي وجدت صياغتها النهائية في كتابات أبي حامد الغزالي الاعتزالي، ولكن بعد افراغه من مضمونه الفكري الاعتزالي وملئه بالمضمون الاشعري، وكان الغزالي في ذلك مخلصاً اشد الإخلاص لمنهج سلفه أبي الحسن الاشعري تلميذ المعتزلة. الذي استخدم منهج الاستدلال الاعتزالي لمعارضته والخروج عليه، ولعل هذا ما يفسر النزعة العقلانية الشكلية التي نجدها مبثوثة في كتب الاشاعرة بصفة عامة وكتابات الغزالي بصفة خاصة» اهـ.
    هذا هو بعض ما قاله أبو زيد في هذه المسالة، ونحن نريد التعليق على مواضع منه كما يلي:
    أولاً: ان حقيقة الخلاف بين الاشاعرة والمعتزلة ليسن كما وضحه أبو زيد في مفهوم السببية بالضبط، فان كثيراً من المعتزلة لا يقولون بحتمية القوانين الطبيعية على طريقة الفلاسفة أي لا يقولون بالعلة والمعلول، بل يقولون بالطبيعة التي يعتمد فعلها واثرها على شروط ومعدات ومن هذه الشروط إرادة الله تعالى. ومن جهة أخرى ، فإن الباحث الجاد لا يضع ابن رشد الفيلسوف في صف واحد مع المعتزلة، بل إن منهج ومذهب ابن رشد فيه معارضة كبيرة للاعتزال ومنهج للمعتزلة، لما هو معلوم من أن ابن رشد يمثل صورة طبق الأصل عن فلسفة ارسطو اليوناني ومعلوم ان المعتزلة لا يوافقون على جميع مقولات اليونان والفلاسفة الارسطيين.
    ثانياً: ان ابن رشد لا يعتبر عند الانصاف من اصحاب التيارات الكلاسيكية في الفكر الإسلامي، بل هذا الوصف يشتمل على المعتزلة، والاشاعرة ممن ذكرهم أبو زيد، أما ابن رشد فيخرج منه لأنه تابع وفيّ لفلسفة ارسطو كما هو معلوم. وايضاً لأنه لم يكن له تيار واتباع كما كان للاشاعرة والمعتزلة، بل كان أكثر أتباعه والمتأثرين به ينتمون لمدارس مسيحية في اوروبا كايطاليا وفرنسا كما هو غير خفي على الدارس الواعي.
    وبالتالي، فلا يصح ذكر ابن رشد على السوية على مع المعتزلة من هاتين الجهتين.
    ثالثاً: ان التجارة العلمية والمعرفة التجريبية لا تتوقف على اعتقاد العلية والمعلولية بين ظواهر الطبيعة وهذا العالم المخلوق، بل ما تتوقف عليه هو الانتظام والاتساق على نمط معين، يتسم بالاطراء، وهذا هو السبب الكافي لقيام الفكر العلمي التجريبي، وهذا الصدر موجود ليس فقط في الفكر الاعتزالي والفلسفي كما يزعم أبو زيد، بل هو موجود بكامل شروطه في فكر الاشاعرة، ولذلك لا يجوز لأبي زيد الادعاء انه لا يمكن اقامة فكر علمي تجريبي إلا بناء على الاعتزال أو الفلسفة. وهذا الزعم يكون منه مجرد مغالطة.
    وقد وضحت هذه المسالة وهي دقيقة ومهمة في ردي على مناهج الادلة لابن رشد.
    رابعاً: يردد أبو زيد لتقليد محض لمن سبقه ومن يعاونه ويسانده في هذا الاتجاه ان الامام الاشعري تلميذ المعتزلة، ونحن لا ننكر أنه تلمذ على أحد كبار رجالات الاعتزال، ولكن هذا لا يستلزم تصحيح بقاء هذا الاسم عليه أعني انه تلميذ المعتزلة، لان هذا الذي يسمونه تلميذا استطاع بعد ذلك هو وتلامذته ان يدحر خطوط الاعتزال وينقص افكارهم ويبطل كثيراً من أحكامهم وقدر على ان يصير هو التيار السائد الحائز على القبول والرضا عند اكثر المسلمين، ومثل هذا الإنسان الذي تمكن من فعل كل ذلك، لا يقال عليه انه مجرد تلميذ,
    ان كل من المفكرين لا بد أن يبدأ حياته الفكرية بالتلمذة على بعض الاساتذة ولكن هذا الوصف لا يجوز استصحابه عليه دائما حتى بعد ان يصبح أستاذا وربما اكبر واعظم ممن درس عليهم في بداياته ومن يصر على تسمية الاشعري انه تلميذ، فإنه لا يقصد إلا الحط من مقامه، والتقليل من قدرته التي لا يمكن جحدها إلا من معاند.
    خامساً: يتهم أبو زيد الاشاعرة بان عقلانيتهم مجرد عقلانية شكلية لا مضمون تحتها وهذا مجرد اتهام باطل لم يقم عليه دليلاً ولا يقدر ان يقيم عليه دليلاً، انه لم يقل إلا عبارات خطابية وشعرية فذكر ان الغزالي رد على الفلاسفة وكفرهم في مجموعة من المسائل، ورد عليه ابن رشد، وكذلك رد الغزالي على الباطنية ثم يدعي أبو زيد ان الغزالي وصف السلطان الذي أهدى كتابه إليه بجميع الأوصاف التي انتقدها ضد الباطنية. ثم يستنتج بعد ذلك في ص 258: « وفي هذا التناقض يثبت لنا ان النزعة العقلانية مجرد نزعة شكلانية نفعية براجماتية وليست منهجاً أصيلا لابتداع المعرفة» اهـ. وهذه التهمة هي نفس التهمة التي بدأ بها أبو زيد كتابه واصفاً بها الاسلاميين الذين وضعهم في مقابل العلمانيين.
    ونحن لا نلقي بالاً لما قاله أبو زيد في حق الغزالي، فهو مجرد تهافت في الاتهام، بنفس القدر الذي تهافت فيه ابن رشد عندما اتهم الاشاعرة بأنهم ينكرون البديهيات والضروريات عندما يقولون بنظرتهم في مسالة السببية العادية. وقد بينا نحن بطلان كلام ابن رشد، وذلك في كتابه في الرد على مناهج الأدلة، ولن نعيد ما ذكرنا هنا، لأن أبا زيد لم يذكر أدلة بل اكتفى بذكر رأيه وانطباعه ولذلك نكتفي نحن بذكر رأينا عنه وعن من يستند إليهم. ولعلنا نناقش استدلالاته عند مناقشتنا لبعض كتبه الأخرى.
    وهو يتهم الغزالي والاشعري وكذلك جمع الاشاعرة بأنهم براغماتيون نفعيون، وهذه التهمة هي عين التهمة التي يتهم بها التيار الإسلامي في هذا الزمان المعاصر، وينزه عنها التيار العلماني وقد قلت لبعض الأصحاب أكثر من مرة إن ما يميز هذا العصر، أن جميع التيارات العلمانية والملحدة الكافرة، والأديان المحرفة، والفرق الإسلامية المبتدعة اجتمعت كلها ضد الأشاعرة والسبب واضح جداً عندنا، وهو أن الأمة الإسلامية لم تنتظم لها دولة منذ عرفت المذاهب ولم تنتصر على أعدائها الكبار كالتتار والصليبيين بل وعلى الاستعمار إلا في ظل جهاد الاشاعرة ودول الاشاعرة كالعثمانيين والأيوبيين والمماليك والسلاجقة، وغيرهم من دول الإسلام.
    ومن المعلوم ان العالم الغربي الآن يركز جهوده على هدم الإسلام، وهدم الإسلام إنما يتم بإضعاف ممثليه الأقوياء، وهؤلاء هم الاشاعرة، وقد يستغرب بعض القراء هذا الكلام وقد يوافق عليه بعضهم، ولكننا سوف نثبت للقراء الكرام صدقنا فيما نقول تباعاً كلما علقنا ونقدنا كتاباً من كتب العلمانيين أو النصارى أو الملحدين أو غيرهم فيكون هذا بمنزلة البرهان الاستقرائي العملي على هذه الدعوى التي صدرت منا هنا.
    والحقيقة ان مبدأ السببية العادية لا يتعارض مع الحربة الإنسانية في حدودها ولا مع الاختيار في كسبه، وانما يحصل التعارض بين هذا القانون وبين من يزعم ان الخلق والايجاد من العدم يمكن ان يكون لغير الله تعالى أو يزعم انه توجد علاقة ضرورية حتمية بين أي موجودين اثنين، بمعنى لو تصورنا الحرارة والنار، وقلنا ان هناك علاقة حتمية بينهما، يستلزم ذلك انه لا يمكن ان توجد الحرارة إلا بالنار، ولا يمكن ان توجد الحرارة إلا بالنار، ولا يمكن ان توجد النار إلا إذا تولد الحرارة في الوجود. إننا نقول هذه العلاقة على هذا النحو الحتمي لا يمكن التسليم بوجودها، لا لشيء إلا لانه لم يتم إثباتها بدليل برهاني قاطع، ان جميع الذين ينادون بهذا النوع من العلاقات يعتمدون على ما يتبادر إلى أذهانهم وأوهامهم، ويعتمدون على النظرة الأولية إلى هذا الوجود عندما يرون تتابع الظواهر فيتوهمون وجود علاقات عقلية بينهما. ونحن نقول كل هذه المشاهدات لا تدل على أكثر من الانسجام والانتظام ضمن صورة أو قانون ان احببتم ان تسموه قانوناً ولكن من أين لكم أن هذا القانون ذاتي للموجودات، لا يمكن ان يتخلف، ان من يفتعل هذه الجملة تكفيه عن أمور كثيرة وتبين له ان المخالفين واهمون معاندون ويتبين له ان الذي يلتزم فعلاً بالعقلانية الحقيقية شكلاً ومضموناً وانما هم الأشاعرة، وليسوا هم المعتزلة ولا الفلاسفة ولا الشيوعيين ولا الشيعة ولا غيرهم.
    إن وصف مذهب بأنه عقلاني عقلانية مطلقة لا يمكن أن يصح ويسلم إلا بأن يتم اثبات ان هذا المذهب قائم على البرهان والعلم في كل مقولاته سواء كانت من باب الآليات أو التصورات الساذجة، وإذا ثبت لنا أن بعض المذاهب تتعارض مع البراهين أو القواطع، فكيف يقال عليها انها عقلانية وإذا ثبت لنا ان بعض المذاهب تقول بمقولات اكثر بكثير مما يؤدي إليه البرهان والقطع العقلي فكيف يقال على هذه المذاهب انها عقلانية.
    واخيراً أقول: لقد ناقشن مسألة السببية والعادة وأثرها على الفعل الإنساني وحريته أو بعبارة المتكلمين اختياره فيكسبه وعمله في اكثر من كتاب، ولكنا نشير ونرجع القارئ الكريم في هذا المقام إلى ردنا على ابن رشد في كتابه مناهج الأدلة. لأنه الأنيق بما يزعمه أبو زيد في كتابه موضوع نقدنا وردنا هنا.
    ان نصر حامد أبو زيد يردي اثبات ان هناك قانونا كلياً، ليس حاكماً فقط على الافعال الإنسانية والمخلوقات الحادثة، بل إنه يحكم أيضا افعال الله تعالى أي إنه يريد أن يجعل أفعال الله تعالى واقعة تحت مقولة الحتم والجبر وفي نفس الوقت الذي استنكر بلك قوته وبأعلى صوته أن يكون الإنسان واقعاً تحت الجبر.
    إننا لا نقول بالجبر لا في حق الله تعالى ولا في حق الإنسان في أفعاله الاختيارية ونخرج من جميع الاشكالات الواردة على الفلاسفة القدامى من اتباع ارسطو كابن رشد، والفرق الإسلامية المتعنتة في ادعاء العقلانية كالمعتزلة ومن تأثر بهاتين الطائفتين كالشيعة، وكذلك نتبرأ من مقولات العلمانيين الجدد سواء كانوا على طريقة هذا الكاتب أم كانوا على طريقة الشيوعيين أو ما تبقى من مذهبهم.
    وأبو زيد يرى كل المذاهب دائرة في ظل السياسة، فهو يعتقد ان الاشاعرة لم يقولوا بهذا المذهب الذي يقولون به والذي يستلزم الجبر عند أبي زيد إلا من اجل إسقاط المسئولية المباشرة عن مظالم الحكام ومفاسد الإسراء كما قال في ص 260 وهكذا نرى أن أبا زيد قلبه معلق بالحكم والحاكمية والدولة والسلطة حتى صار يتصور كل مبدأ من المبادئ متأسسا على الدولة ونظام الدولة فكيف يدعي أن المذهب الاشعري يستلزم التعليم للحكام والظلمة وغض الطرف عن مفسدة الأمراء وتاريخنا زاخر بأمثلة العلماء الأشاعرة الكبار الذين دفنوا في وجه الظلم والظلمة وأزاح الله تعالى بهم الغمة والمظلمة عن كثير من الناس ولكن عين أبي زيد لا ترضى برؤية كل قيمة حسنة للاشاعرة وإن كانت محسوسة مرئية.
    وأنا أعلم أن مناقشة مبدأ السببية والعادة عند الاشاعرة يحتاج إلى قدر أكبر من التفصيل لتوضيح حقيقته وحقيقة آثاره على أفعال الناس وموقعه في بناء العقائد في الله تعالى وفي المخلوقات وهي مسألة من أهم المسائل في علم التوحيد كما ذكرت ذلك في كتاب بحوث في علم الكلام وغيره.[/ALIGN]


    [ALIGN=CENTER]ولنوقف الكتابة عند هذا الحد حامدين الله تعالى طالبين توفيقه ورضاه.
    سعيد فودة
    التاسع من رمضان
    2004[/ALIGN]
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

    تعليق

    يعمل...