بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين وصلى الله عليه سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم
أما بعد ، أنقل هنا مبحث جميل من أهم مباحث علم الكلام ، وهو حقيقة الحسن والقبح ..
ذلك أنه قبل البحث عن : هل يصح من الله تعالى أن يفعل كذا ، أو أليس هذا مخالفا لما نراه حسنا ، أو لمقتضى الحكمة ، أو للمعروف عند العقلاء ، أو كيف يرتب الله تعالى على كذا من الافعال كذا من الحساب ، أو أن فعل الله تعالى هذا حسن مطلقا
أي قبل الحكم على فعل من أفعال الله بشيء ما ، يجب أن يعلم المرء ما هو ذاك الذي يتكلم فيه :
أي يعلم ما هو الوجوب ، والاستحالة ، والجواز
ويعلم ما معنى الحسن والقبح
أي يتصور أولا تلك المعاني التي يتكلم فيها ويعرف حقيقتها
ثم يعلم عن إرادة الله تعالى وقدرته المطلقة المتعلقة بكل ممكن ، وأن لا مقيد لها
ثم وقتها يصح منه الخوض في أفعال الله تعالى ، وحسنها ، وموافقتها للحكمة ، إذ قد علم ما معنى الحسن ، وما معنى الحكمة ، وما معنى موافقة أفعاله للحكم ، أو حتى تبعية الأفعال للحكمة !
أو أن هل لله تعالى أغراض يسعى بأفعاله إلى تحصيلها !
إلى غير ذلك من المباحث المترتبة على العلم بأفعال الله
وقد جعل الإمام الغزالي هذا المبحث مقدمة لمناقشة بعضها من هذه المسائل ، فقال
القطب الثالث : في أفعال الله تعالى
وجملة أفعال جائزة لا يوصف شيء منها بالوجوب
وندعي في هذا القطب سبعة أمور:
ندعي أنه يجوز لله تعالى أن لا يكلف عباده،
وأنه يجوز أن يكلفهم ما لا يطاق،
وأنه يجوز منه إيلام العباد بغير عوض وجناية
وأنه لا يجب رعاية الأصلح لهم
وأنه لا يجب عليه ثواب الطاعة وعقاب المعصية
وأن العبد لا يجب عليه شيء بالعقل بل بالشرع
وأنه لا يجب على الله بعثه الرسل
وأنه لو بعث لم يكن قبيحاً ولا محالاً بل أمكن اظهار صدقهم بالمعجزة اهـ
أي أنه لا يصح من الناظر في تلك المسائل الفرعية أن يشرع في ذلك إلا بعد أن يفهم تلك المقدمة عن حقيقة الحسن والقبح إلى غير ذلك مما سيبينه فيه
فها أنا أنقل هذا القصل من كتابه الماتع الاقتصاد في الاعتقاد ، راجيا من الله تعالى رضاه والنفع والثواب
قال حجة الإسلام رحمه الله :
وجملة هذه الدعاوى تنبني على البحث عن معنى الواجب والحسن والقبيح، ولقد خاض الخائضون فيه وطولوا القول في أن العقل هل يحسن ويقبح وهل يوجب.
وإنما كثر الخبط لأنهم لم يحصلوا معنى هذه الألفاظ واختلافات الاصطلاحات فيها وكيف تخاطب خصمان في أن العقل واجب وهما بعد لم يفهما معنى الواجب، فهما محصلاً متفقاً عليه بينهما، فلنقدم البحث عن الاصطلاحات ولا بد من الوقوف على معنى ستة ألفاظ وهي:
الواجب، والحسن، والقبيح، والعبث، والسفه، والحكمة
فإن هذه الألفاظ مشتركة ومثار الأغاليط إجمالها، والوجه في أمثال هذه المباحث أن نطرح الألفاظ ونحصل المعاني في العقل بعبارات أخرى ، ثم نلتفت إلى الألفاظ المبحوث عنها وننظر إلى تفاوت الاصطلاحات فيها، فنقول:
أما الواجب فإنه يطلق على : فعل لا محالة،
ويطلق على القديم : إنه واجب
وعلى الشمس إذا غربت إنها واجبة
وليس من غرضنا.
وليس يخفى أن الفعل الذي لا يترجح فعله على تركه ولا يكون صدوره من صاحبه أولى من تركه لا يسمى واجباً وإن ترجح وكان أولاً لا يسميه أيضاً بكل ترجيح ، بل لا بد من خصوص ترجيح.
ومعلوم أن الفعل قد يكون بحيث يعلم أنه يعلم أنه نستعقب تركه ضرراً، أو يتوهم
وذلك الضرر إما عاجل في الدنيا وإما آجل في العاقبة
وهو إما قريب محتمل ، وإما عظيم لا يطاق مثله.
فانقسام الفعل ووجوه ترجحه لهذه الأقسام ثابت في العقل من غير لفظ
فلنرجع إلى اللفظ فنقول:
معلوم أن ما فيه ضرر قريب محتمل لا يسمى واجباً
إذ العطشان إذا لم يبادر إلى شرب الماء تضرر تضرراً قريباً ولا يقال إن الشرب عليه واجب.
ومعلوم أن ما لا ضرر فيه أصلاً ولكن في فعله فائدة لا يسمى واجباً
فإن التجارة واكتساب المال والنوافل فيه فائدة ولا يسمى واجباً،
بل المخصوص باسم الواجب ما في تركه ضرر ظاهر
فإن كان ذلك في العاقبة أعني الآخرة، وعرف بالشرع فنحن نسميه واجباً،
وإن كان ذلك في الدنيا وعرف بالعقل فقد يسمى أيضاً ذلك واجباً،
فإن من لا يعتقد الشرع قد يقول واجب على الجائع الذي يموت من الجوع أن يأكل إذا وجد الخبز
ونعني بوجوب الأكل ترجح فعله على تركه بما يتعلق من الضرر بتركه،
ولسنا نحرم هذا الاصطلاح بالشرع فإن الاصطلاحات مباحة لا حجر فيها للشرع ولا للعقل،
وإنما تمنع منه اللغة إذا لم يكن على وفق الموضوع المعروف
فقد تحصلنا على معنيين للواجب ورجع كلاهما إلى التعرض للضرر
وكان أحدهما أعم لا يختص بالآخرة،
والآخر أخص وهو اصطلاحنا،
وقد يطلق الواجب بمعنى ثالث وهو الذي يؤدي عدم وقوعه إلى أمر محال، كما يقال:
ما علم وقوعه فوقوعه واجب،
ومعناه أنه إن لم يقع يؤدي إلى أن ينقلب العلم جهلاً وذلك محال، فيكون معنى وجوبه أن ضده محال، فليسم هذا المعنى الثالث الواجب.
اهـ
أما بعد ، أنقل هنا مبحث جميل من أهم مباحث علم الكلام ، وهو حقيقة الحسن والقبح ..
ذلك أنه قبل البحث عن : هل يصح من الله تعالى أن يفعل كذا ، أو أليس هذا مخالفا لما نراه حسنا ، أو لمقتضى الحكمة ، أو للمعروف عند العقلاء ، أو كيف يرتب الله تعالى على كذا من الافعال كذا من الحساب ، أو أن فعل الله تعالى هذا حسن مطلقا
أي قبل الحكم على فعل من أفعال الله بشيء ما ، يجب أن يعلم المرء ما هو ذاك الذي يتكلم فيه :
أي يعلم ما هو الوجوب ، والاستحالة ، والجواز
ويعلم ما معنى الحسن والقبح
أي يتصور أولا تلك المعاني التي يتكلم فيها ويعرف حقيقتها
ثم يعلم عن إرادة الله تعالى وقدرته المطلقة المتعلقة بكل ممكن ، وأن لا مقيد لها
ثم وقتها يصح منه الخوض في أفعال الله تعالى ، وحسنها ، وموافقتها للحكمة ، إذ قد علم ما معنى الحسن ، وما معنى الحكمة ، وما معنى موافقة أفعاله للحكم ، أو حتى تبعية الأفعال للحكمة !
أو أن هل لله تعالى أغراض يسعى بأفعاله إلى تحصيلها !
إلى غير ذلك من المباحث المترتبة على العلم بأفعال الله
وقد جعل الإمام الغزالي هذا المبحث مقدمة لمناقشة بعضها من هذه المسائل ، فقال
القطب الثالث : في أفعال الله تعالى
وجملة أفعال جائزة لا يوصف شيء منها بالوجوب
وندعي في هذا القطب سبعة أمور:
ندعي أنه يجوز لله تعالى أن لا يكلف عباده،
وأنه يجوز أن يكلفهم ما لا يطاق،
وأنه يجوز منه إيلام العباد بغير عوض وجناية
وأنه لا يجب رعاية الأصلح لهم
وأنه لا يجب عليه ثواب الطاعة وعقاب المعصية
وأن العبد لا يجب عليه شيء بالعقل بل بالشرع
وأنه لا يجب على الله بعثه الرسل
وأنه لو بعث لم يكن قبيحاً ولا محالاً بل أمكن اظهار صدقهم بالمعجزة اهـ
أي أنه لا يصح من الناظر في تلك المسائل الفرعية أن يشرع في ذلك إلا بعد أن يفهم تلك المقدمة عن حقيقة الحسن والقبح إلى غير ذلك مما سيبينه فيه
فها أنا أنقل هذا القصل من كتابه الماتع الاقتصاد في الاعتقاد ، راجيا من الله تعالى رضاه والنفع والثواب
قال حجة الإسلام رحمه الله :
وجملة هذه الدعاوى تنبني على البحث عن معنى الواجب والحسن والقبيح، ولقد خاض الخائضون فيه وطولوا القول في أن العقل هل يحسن ويقبح وهل يوجب.
وإنما كثر الخبط لأنهم لم يحصلوا معنى هذه الألفاظ واختلافات الاصطلاحات فيها وكيف تخاطب خصمان في أن العقل واجب وهما بعد لم يفهما معنى الواجب، فهما محصلاً متفقاً عليه بينهما، فلنقدم البحث عن الاصطلاحات ولا بد من الوقوف على معنى ستة ألفاظ وهي:
الواجب، والحسن، والقبيح، والعبث، والسفه، والحكمة
فإن هذه الألفاظ مشتركة ومثار الأغاليط إجمالها، والوجه في أمثال هذه المباحث أن نطرح الألفاظ ونحصل المعاني في العقل بعبارات أخرى ، ثم نلتفت إلى الألفاظ المبحوث عنها وننظر إلى تفاوت الاصطلاحات فيها، فنقول:
أما الواجب فإنه يطلق على : فعل لا محالة،
ويطلق على القديم : إنه واجب
وعلى الشمس إذا غربت إنها واجبة
وليس من غرضنا.
وليس يخفى أن الفعل الذي لا يترجح فعله على تركه ولا يكون صدوره من صاحبه أولى من تركه لا يسمى واجباً وإن ترجح وكان أولاً لا يسميه أيضاً بكل ترجيح ، بل لا بد من خصوص ترجيح.
ومعلوم أن الفعل قد يكون بحيث يعلم أنه يعلم أنه نستعقب تركه ضرراً، أو يتوهم
وذلك الضرر إما عاجل في الدنيا وإما آجل في العاقبة
وهو إما قريب محتمل ، وإما عظيم لا يطاق مثله.
فانقسام الفعل ووجوه ترجحه لهذه الأقسام ثابت في العقل من غير لفظ
فلنرجع إلى اللفظ فنقول:
معلوم أن ما فيه ضرر قريب محتمل لا يسمى واجباً
إذ العطشان إذا لم يبادر إلى شرب الماء تضرر تضرراً قريباً ولا يقال إن الشرب عليه واجب.
ومعلوم أن ما لا ضرر فيه أصلاً ولكن في فعله فائدة لا يسمى واجباً
فإن التجارة واكتساب المال والنوافل فيه فائدة ولا يسمى واجباً،
بل المخصوص باسم الواجب ما في تركه ضرر ظاهر
فإن كان ذلك في العاقبة أعني الآخرة، وعرف بالشرع فنحن نسميه واجباً،
وإن كان ذلك في الدنيا وعرف بالعقل فقد يسمى أيضاً ذلك واجباً،
فإن من لا يعتقد الشرع قد يقول واجب على الجائع الذي يموت من الجوع أن يأكل إذا وجد الخبز
ونعني بوجوب الأكل ترجح فعله على تركه بما يتعلق من الضرر بتركه،
ولسنا نحرم هذا الاصطلاح بالشرع فإن الاصطلاحات مباحة لا حجر فيها للشرع ولا للعقل،
وإنما تمنع منه اللغة إذا لم يكن على وفق الموضوع المعروف
فقد تحصلنا على معنيين للواجب ورجع كلاهما إلى التعرض للضرر
وكان أحدهما أعم لا يختص بالآخرة،
والآخر أخص وهو اصطلاحنا،
وقد يطلق الواجب بمعنى ثالث وهو الذي يؤدي عدم وقوعه إلى أمر محال، كما يقال:
ما علم وقوعه فوقوعه واجب،
ومعناه أنه إن لم يقع يؤدي إلى أن ينقلب العلم جهلاً وذلك محال، فيكون معنى وجوبه أن ضده محال، فليسم هذا المعنى الثالث الواجب.
اهـ
تعليق