فوائد وضوابط وتقييدات من الشرح الصوتي على
نظم الخريدة البهية
في عقيدة أهل السنة والجماعة
لفضيلة الشيخ المتكلم/ سعيد فودة
صاغها وعلق على بعضها/ محمد رشيد
نظم الخريدة البهية
في عقيدة أهل السنة والجماعة
لفضيلة الشيخ المتكلم/ سعيد فودة
صاغها وعلق على بعضها/ محمد رشيد
المحاضرة الأولى
1 - وصف الناظم النبي صلى الله عليه وسلم بأنه (الكريم) نظرا إلى أنه تحمل عبء التكليف والرسالة والبلاغ رغم أن قد أبتها السماوات والأرض فأبين أن يحملنها. وهذا منه كرم صلى الله عليه وسلم.
2 - العقيدة هي مفاهيم وأحكام ينعقد القلب عليها بحيث لا تقبل الشك. وهي ما حوته منظومة الخريدة. فمن لا يريد التخصص يمكنه تلقي هذه المنظومة يقرر بها اعتقاده دون توسع.
قلت -رشيد - : يخلط عامة الناس والمنتسبين للطلب بين (العقيدة) و (علم الكلام) أو (علم الوحيد) كعلم تحليلي تنظيري، فيتساهلون في إطلاق كون العقيدة يقع فيها الخلاف، وهذا غير صحيح شرعا ولغة وعقلا. فمسائل العقيدة لا يتصور فيها الخلاف بين أهل السنة أصلا، لأنها مفاهيم وأحكام ينعقد القلب عليها فلا يتطرق لها شك، فلا يجتمع (الاعتقاد) و الشك أو (الظنية) ومن هنا لم يجز عند أهل السنة الاستدلال بأحاديث الآحاد في العقائد، لأنها تفيد ظنا ولا تفيد يقينا بحكم العقل والمشاهدة ونص أهل العلم، واليقين هو المطلوب في الاعتقاد.
أما مسائل (علم الكلام) فتخضع للنظر ويقع بها الخلاف اللفظي كمسألة أول الواجبات وغيرها كثير كالخلافات الواقعة بين مدرستي أهل السنة الأشاعرة والماتريدية.
ومن هنا لما زجر علماءُ أهل السنة العوامَ عن علم الكلام لم يكن زجرا عن العقيدة!.. بل كان زجرا عن الخوض في علم نظري استدلالي دقيق منعه الأئمة إلا عن خواص العلماء.
فالتفريق لازم خشية خلط الأبواب. والله ولي التوفيق.
3 - تطلب العقائد لذاتها وإن لم يترتب عليها، فهي في ذاتها مفاهيم وأحكام ينعقد القلب عليها، فيكون الانعقاد مقصود لذاته، وإن لم يترتب على ذلك عمل. نعم يتطلب الاعتقاد عملا، لكنه يطلب لذاته أيضا وينفع بذاته.
قلت - رشيد - : من الجدليات التي تحدث لغطا ومعارك بين المعاصرين هي قضية علاقة الأعمال بالعقيدة، حتى ظهرت مسألة (جنس العلم) التي أوقعت اتهامات بالقطبية أو الإرجاء بين أطراف الوهابية المعاصرة، وظهر مصطلح (التوحيد العملي) في بعض الكتب حيث جعله بعض الناس هو التوحيد الذي لا تترتب آثار على خلافه. والوسطية التي عليها أهل السنة هي أن الأعمال تنبثق حتما لو وجدت عن العقيدة، سوى أن الاعتقاد في الحقائق يطلب لذاته وينفع بذاته، وهذا المطلوب النافع بذاته تنبثق عنه أفعال تكون صحتها مشروطة به، دون أن يكون الفعل الفرع أصلا.
وهو من بركات التزام مذهب أهل السنة والجماعة، وأنه الوسط الذي ارتضاه لنا ربنا عز وجل.
وفيه كذلك أن تلك المسائل لا يصح أن تكون منبثقة عن انفعالات ومن ثم يتم تنظيرها بناء على نتاج العواطف، وإنما هي دقائق العلم من بابها، وعلى نتاج العلم تكون الانفعالات.
4 - لاينبغي للمتخصص الدارس أن يقتصر في علمه على رفع الجهل عن نفسه دون رغبة في نفع المسلمين، وهو ما حضر بذهن الناظم حيث نظم منظومته وسأل الله النفع بها، أي أن ينفع بها غيره.
5 - يقال (عقيدة) باعتبار المجمل، ويقال (عقائد) باعتبار الأفراد أو التفصيل، ولا إشكال في لفظة (عقائد) ولا ينبغي إضافة الكثير من المصطلحات في علم العقيدة زيادة على ما وضعه المتقدمون في كتبهم؛ حيث ن المقصود هو بيان المعاني، والاعتبار بها لا بالمصطلحات، وصحيح أنه لا مشاحة في الاصطلاح، لكن الأصل هو عدم الاصطلاح ابتداء. ولا نرى ابتكار مصطلحات جديدة في العقيدة كما هو صنيع بعض المعاصرين.
6 - أي مذهب من المذاهب ينبني على ركنين: طريقة الاستدلال، والأحكام. والأخيرة منها أصول ومنها فروع.
قلت - رشيد - : تأملت فيما يقوله المتأثرون ببعض: إن كان أبو حنيفة حيا أو الشافعي حيا لقال بقولنا لأنه السنة. فبان لي بطلانه من أوجه عدة، أظهرها أن يقال:
إن مذهب أي إمام يتكون من ركنين :
- طرق الاستدلال
- الأحكام
أما (النصوص) من الكتاب والسنة فليست من الأركان لأنها ليست بمذهب فقهي لأحدهم، بل هي مذهب الكل، وكل من انتسب للإسلام يقر بحجية الكتاب والسنة، فلا يقال: مذهب أبي حنيفة والشافعي الاستدلال بالقرآن!
وعلى هذا فلا تتأتى المخالفة والجسارة على نسبة القول للمام وأنه لو كان حيا لقال به بمجرد أن يفهم الشخصُ نصا من الكتاب أو السنة فهما شخصيا؛ فشرط النسبة للمذهب هو التخريج على (طرق الاستدلال) لهذا لمذهب.
فلا ينسب للمذهب الحنفي لا من كان حنفيا بشروطه - وليس أي حنفي -
ولا ينسب للمذهب الشافعي إلا من كان شافعيا بشروطه كذلك - وليس أي شافعي -
فيؤول التقعيد إلى ما نتبناه وندعوا إليه وهو:
ما يرجحه أصحاب المذهب هو ماينسب للمذهب أو لصاحب المذهب - على تفصيل يعرفه أصحاب المذاهب - لأنهم الأعرف بـ (طرق الاستدلال) و بمذهب إمامهم، وتبطل دعوى إطلاق (إن صح الحديث فهو مذهبي) لأنها مقيدة بطرق استدلال هذا الإمام من الحديث. وو البديهي الواضح من كثير نقولات شُحِنَ بها شرح الإما ابن عابدين على منظومته عقود رسم المفتي. والله الموفق.
7 - يقول الشيخ سعيد حفظه الله تعالى: أبو حنيفة كان متكلما قبل أن يتفقه، وهذا لا يستطيع أحد أن ينكره، وقد ساعده ذلك على النبوغ في الفقه. ولذلك يكرهه المجسم، أي لما انشغل به من الكلام قبل التفقه.
8 - يقول الشيخ سعيد حفظه الله تعالى: أبو حنيفة بدأ التفقه بعد الأربعين.
قلت - رشيد - : لعله سبق لسان من الشيخ حفظه الله تعالى؛ إذ قد جلس في الأربعين للإفتاء والتصدر بعد وفاة شيخه حماد بن أبي سليمان، أما بداية التفقه فكان في الثانية بعد العشرين من عمره، فمكث لحماد ثمانية عشر عاما، ولما بلغ الأربعين وتوفي حماد حل محله.
المحاضرة الثانية
9 - طلب العلم والانتقال من مرحلة إلى أخرى ليس أمرا زمانيا يتعلق بتقدم الزمان، فلو مكث الطالب عشرات السنين لن يكون قد اجتاز مرحلة المبتدئين إلا بتحصيل حقيقي، فهو أمر يتعلق بالتحصيل وحصول الملكة.
10 - قال الإمام الرازي من أئمة أهل السنة: لذة العلم هي أرفع الذات.
ولذلك كان العلماء يقدمون العلم على كل شيء ويبذلون له أنفسهم.
11- معرفتنا في حق الله تعالى هي معرفة ما يتعلق به سبحانه من الواجبات والمستحيلات والجائزات، لا معرفة كنه اله أو حقيقته.
قلت رشيد - : ومن هنا يظهر لنا فداحة صنيع المجسمة الذين يثبتون الأعضاء له تعالى، فيعلمون الداخل فيهم اليد الحقيقية والقدم الحقيقية والرأس الحقيقية والحقو الحقيقي! حيث جعلوا ذات الله تعالى موضوعا لتناولهم، وهو عند أهل السنة ليس موضوعا لعلم الكلام من الأصل وإن نفينا عنه الشبيه والمثيل. تعالى اله عما اقول الفِرَقُ علوا كبيرا.
هذا وقد وصل بهم الحال على أحد منتديات الإنترنت أن عرض بعضم على أصحابه ما ينكره مشايخهم أنفسهم، فقال: ما المانع من إثبات (بعض الله)؟! بحيث نقول: بعض الله! وقد تناولوا الطرح بدون كبير استنكار يتناسب وفداحة ما قالوا في حق اله سبحانه، وكأنه شعور بكونه لازم كلامهم وأن أصولهم لا تأباه، وهو ما استدل به الطارحون للفكرة بالفعل. تعالى الله عما يقول المجسمة علوا كبيرا.
12- دائما وعادة ينبغي على المبتدئ في أي علم من العلوم أن يحرص على معرفة المفاهيم ولا يكثر من الأمثلة، فنرى العلماء عادة يذكرون مثالا واحدا فقط لتنبيه على المفهوم، ويبرز هذا خاصة في علم الكلام.
قلت رشيد - : ومن هنا تظهر سلبية الاستفاضة في الأمثلة في المصنفات التي وضعت للمبتدئين، حيث تأخذ المبتدئ بعيدا عن القواعد الرئيسية ليستطرد في فهم أمثلة فينقطع فكره، في حين أن المعني في هذا المقام هو تحصيل القواعد.
13- البعض يفسر الوجوب بالسقوط في قوله تعالى (حتى إذا وجبت جنوبها) أي سقطت، وهذا في الحقيقة غير دقيق، وإنما هو من الثبوت لا السقوط، فالذبيحة تسكن بعد الذبح.
14- الطريقة في استخراج الحكم العقلي من الوجوب أو الجاوز أو الاستحالة هو أن يجرد المستدل تصوراته، فينظر إلى ما يستدل عليه بمجرده من حيث ذاته لا من حيث ملابساته ومتعلقاته، ومن ثم يحكم.فهو التصور، ثم العرض، ثم الحكم. ولا يحكم على الشيء بتأثير غيره.
15-هل يستطيع الله أن يظلم عباده؟
الجواب: السؤال باطل أصلا، لأن الاستطاعة أو القدرة لا تتعلق بالمستحيل في حق اله تعالى، لأن الجواب بنعم أو لا كلاهما باطل.
قلت رشيد - : أقوم بتوضيح المسألة لبعض من تشكل عليهم بقولي: هل يستطيع اله أن لا يكون موجودا؟
الجواب: يستحيل على الله غير الوجود، فليس من شأنه كإله أن لا يكون موجودا، وعدم الوجود مستحيل، فلا تتعلق القدرة بما يستحيل في حق الله تعالى.
16- الممكن في نفسه يقبل الثبوت والعدم بذات الدرجة دون تغليب لواحد منهما، وبعضهم قال بأولوية جانب العدم، لكنه خلاف التحقيق.
17- أبو حنيفة وفاقا للأطباء: العقل في الدماغ.
الشافعي: العقل في القلب.
والدردير وكثيرت من المتأخرين جمعوا جمعا يثبت عدم الخلاف أصلا: فالعقل أصله في القلب ونوره في الدماغ، فالإنسان لا يعلم إلا إن حصلت منه إرادة للشيءؤ، ولا يتأتى بالإجبار، ولو أُجبِر فهو يسمع ولا يستمع، ويتلقى ولا يتعلم، كما جاء في الكفار أن آذانهم لا يسمعون بها وقلوبهم لا يعقلون بها، أي لا يجعلونها مبدءا ومنطلقا ومحلا لشوف والإرادة. فإذا شرع الإنسان ورغب فهنا يأتي دور الدماغ في العمل فيقع عليه الإرهاق، فالعقل يرغب لكن الدماغ يُرهق.
18- ما يحاوله بعض المفكرين من نقض التفريق بين الإنسان والحيوان بالعقل هو كلام باطل، لأن تنفكير الحيوان هو في أدنى المراتب، والحيوان يربط بالعقل ربطا عاديا وبحسب الأواهم فيتتصرف وفق تجاربه السابقة، وليس أنه كالإنسان يفكر ويستنتج ويقدر عواقب الأمور ويتوقع خلاف الظاهر.. إلخ.
19- لم يهتم علماء الكلام بتفاصيل الأحكام الشرعية لأنها مفصلة في علم الفقه، وكذلك الأحكام العادية لاعتمادها على الحس والتجربة والتكرار.
20- الحكم العقلي ينشأ بالنظر في الشيء دون اشتراط التكرار..
المحاضرة الثالثة
21- من الشروط الثلاثة لصحة التكليف بالعقيدة (بلوغ الدعوة) وهو لابد وأن يقع على وجه تقوم بمثله الحجة وليس المقصود مجرد التبليغ.
ويظن كثير من الناس أن الحجة قد قمامت على الملوك من خلال الرسائل المرسلة إليهم من النبي صلى اله عليه وسلم وأن هذه الرسائل هي التي بلغت الدعوة ابتداء، وهذا غير صحيح، فإننا نقطع بحصول التواتر في معرفتهم بظهور الإسلام ونبيه صلى الله عليه وسلم وما كان من المعجزات على يديه بحيث لا يقع الشك في صدق هذه الدعوة، فبقي تسليمهم لها، فكانت تلك الرسائل تدعوهم للتسليم.
22- أهل الفترة الصحيح أنهم لا يعذبون حيث لم تبلغهم الدعوة. وأوضح النصوص على ذلك قوله تعالى (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا).
قلت رشيد - : مبنى قوله على عدم التفريق بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة بجامع عدم بلغو الدعوة في كل واتحاد سب الامتثال، أما جماهير المفسرين فعلى أنه عذاب الدنيا. والله تعالى أعلم.
23- العرب كقريش لم يجب عليهم الإيمان بموسى أو عيسى لأنهم أصلا لم يرسلوا إليهم، وإن النفر القليل من العرب الذين اتبعوا اليهدوية أو النصرانية كورقة بن نوفل كان ذله ببحث منهم متكلف لا أن دعوة قد بلغتهم. وصحيح أن إبراهيم عليه السلام أرسل للعرب ولكن لم تصل دعوته للعرب إلا مشوهة على غير صورتها الأصلية.
24- صنَّف السيوطي رضي الله عنه تسع رسائل في والدي النبي صلى الله عليه وسلم بعضها مطبوع، ومنها واحدة في الحاوي لفتاوي.
25- طريقة أهل السنة والجماعة في العقيدة أنهم يؤسسون على القطعيات لا الظنيات، وما دون القطعيات يحملونه على القطعيات.
26- لا نستبعد في زماننا وجود كثير من الناس لا يعرفون شيئا عن رسالة الإسلام لأن المسلمين غير نشيطين في تبليغ دعوتهم أو أنهم يعرضونها بصورة مشوهة، فهؤلاء غير العارفين بالدعوة الإسلام حكمهم حكم أهل الفترة.
27- الخلاف في التحسين والتقبيح العقليين بين أهل السنة هو خلاف شكلي، لأنه مبني على تعلق التكليف بالحسن والقبح الذي يدركه العقل، والأشاعرة لا يقولون أبدا إن العقل لا يدرك الحسن والقبح في الأشياء! بل يختلفون مع الماتريدية في ترتب الثواب والعقاب على هذا الأدارك، أما المعتزلة والفلاسفة والشيعة خاصة المتأخرون منهم فيرون أن الحسن والقبح ذاتيان في الأشياء، بحيث يوجبون على اله تعالى أفعالا، وهذا ما لا يقوله أهل السنة بشقيهم.
قلت رشيد - : وهذه من المسائل التي تخلطك فيها المجسمة المعاصرة خلطا شديدا، ويشرحونها على غير حقيقتها، وذلك حيث يمثلون أن قول الأشاعرة هو عدم إدراك حسن وقبح إلا من الشرع وأن قول المعتزلة هو إدراكهما بالعقل. ثم جمع بينهما محمد صالح العثيمين جمعا يراه هو صحيحا وهو مبني على تصور غير صحيح للمسألة فقال ما يعني: نقول بالكل فالعقل يتصور حسنا وقبحا لكن لا ثواب ولا عقاب إلا بالشرع.
وهو تصور مغلوط لمذهب الأشاعرة والمعتزلة كذلك، فالأشاعرة يدركون بعقلهم حسنا وقبحا في الأشياء وهذا لا ينكره عاقل، والمعتزلة يقولون بذاتية الحسن والقبح في الأشياء لا مجرد الإدراك كما هو الفهم المغلوط، لذلك ذهب المعتزلة إلى وجوب أفعال على الله تعالى كما هو معروف مذهبهم.
وهو من ضمن غريب ما صادفته من ضعف تصور المسائل عند المجسمة المعاصرين.
28- يقول الشيخ سعيد حفظه الله: يمكنني أن أشرح المسائل لمبتدئين بشكل أسهل من ذلك، لكني أتعمد العرض العلمي وأتعمد استعمال بعض المصطلحات العلمية وإن كانت صعبة ليعتاد الطالب الأسلوب العلمي فيرتقي درجة في العلم، فإن وجد الطالب صعوبة في الشرح فهو مقصود، ومعناه أن الطالب قد تلقى شيئا لا يعرفه فيجب عليه أن يتعلمه.
29- الزمان ليس شرطا للوجود بل هو عارض له أو صفة له وليس له وجود خارجي، ومثله المكان، فالمكان يترتب على الخلق وإلا لا وجود له.
30- احتياج العالم إلى المحدث هو احتياج في أصل الوجود، وليس احتياج كل حادث هو احتياج في أصل الوجود.
31- الفرق بين الحادث والقديم هو السبق بالعدم، وهما نقيضان.
32- يقول الشيخ سعيد: الاحتياج هو توقف كمال الذات على غير الذات، ومنه الوجود نفسه. وليست هذه الصياغة أو المعلومة في الكتب بشكلها هذا، وتترتب عليها مسائل كثيرة جدا.
33- الافتقار وصف ذاتي للمخلوقات لا ينفك عنها، والغنا وصف ذاتي لله لا ينفك عنه.
34- الأكوان الأربعة: الحركة والسكون والاجتماع والافتراق هي أساس كل التغيرات الكونية.
35- الأعراض بطبيعتها لا تنفك عن الجواهر، فالحركة مثلا لا تقوم بذاتها بل بمتحرك. وعليه فكل الأعراض حادثة لأنها تتوقف على مجل تقوم به وما توقف على محل لا يمكن أن يكون قديما. وعليه قاعدة العلماء: ما لا ينفك عن الحادث فهو حادث، فالأعيان حادثة.
36- لا يوجد فيزيائي يحترم نفسه يقول إن النظرية الموجية قطعية، فلازالوا مختلفين فيها حتى تلك اللحظة، وهذا المبحث في الحقيقة مبحث عقلي لا مبحث تجريبي.
37- الجسم هو ما تألف من جوهر فصاعدا، أما الجوهر الواحد فيسمى الجوهر الفرد، لكن كونه غير محسوس لا يعني عدم وجوده، وهو من أساس علم التوحيد، لا يلزم في الموجود أن يكون حسوسا.
المحاضرة الرابعة
38- لا سبب لوجود العالم إلا إرادة الله سبحانه وتعالى، ولا توجد على الله في إيجاده العالم أو شيء يدفعه ليفعل فعلا ما. وأية كلام غير هذا ينشأ عنه إشكالات في علم التوحيد تظهر عند أصحاب الفرق.
39- الوصف بالوجود هو عين الموجود، وليس كالصفات المتعلقة بالذات عند الإمام الأشعري.
40- أهل السنة لو تكلموا على (التأثير) في حق الله تعالى فيقصد به الإيجاد والخلق وليس الكسب، وهو مصطلح الأشاعرة.
41- قاعدة (كل حادث لابد له من محدث) هي قاعدة بديهية، وذهب البعض إلى أنها نظرية ولم تصل إلى البداهة، ولكن لم يشكك عاقل في صحتها.
42- لا حرج في كلمة (موجود) ونبه عليه الرازي والغزالي، لأنه فرق بين وجدت الشيء بمعنى أدركت وجوده، وبين أوجدت الشيء بمعنى أحدثته بعد عدم، فالله تعالى موجود لا موجَد.
قلت رشيد - : وهو مما يشغب به بعض جيوب المجسمة المعاصرة، ويقولون مثله في المقصود.
43- الصفة النفسية هي كذلك لأنها نفس الذات لا لأنها تعلقت بالذات كما قد يفهمه كثير من الناس وإلا لزم أن صفات المعاني نفسية، والصفة النفسية الوحيدة هي الوجود، وهي نفس الذات.
44- الصفة النفسية هي كذلك لأنها تسلب عن الله تعالى ما لا يليق به، فما يُتوهم ثبوته لله هي تنفيه.
45- العلماء بعد إثبات الوجود لله اهتموا بالسلبية قبل غيرها من باب التخلية قبل التحلية، فهم ينزهون ليثبتوا الكمالات، وإن كان كل تنزيه إثبات.
46- بعض العلماء ذهب إلى أن إثبات صفة القِدَم هو كافي لإثبات كل الصفات السلبية الأخرى.
47- الصفات السلبية رغم أنها تنفي نقصا عن الله تعالى إلا أنها في نفس الوقت تثبت كمالا له، فهي بمنطوقها تسلب النقص، وبمفهومها تثبت الكمال، فليست سلوب وأعدام لأن النفي هنا هو عن موجود نقصا فإنك قطعا تثبت له كمالا.
48- صفة القيام بالنفس تعني عدمين: عدم الافتقار إلى محل يقوم به، وعدم الافتقار إلى موجد مطلقا للذات أو للصفات.
49- المخالفة للحوادث هي عدم موافقة الله لشيء من الحوادث في الذات أو الصفات أو الأفعال، فنفي التركيب عن الله يعود إلى صفة ذاتية، فمن يقول إن الله يمكن أن يشابه المخلوقات في أصل ذاتها كالتحيز مثلا يكون قد شبه الله بالحوادث.
قلت رشيد - : شاهدت نقاشا عاطفيا ثائرا لبعض المتأثرين بالمجسمة يقول فيه: نقول لمن ينفي المكان عن الله وأنه ليس موجودا فوق: أين ربك؟!!.. يطرح هكذا ملزما متعجبا، وهو في الحقيقة مبني لديه على أسس باطلة، وهي مشاهداته في الموجودات أنها لابد وأن تتحيز، فيقدر الغيبيات على المشاهدات فيكون قد مارس التشبيه بأوضح صوره لأنه مارسه كمبدأ ومارسه كنتيجة، ولا يشفع له أن يقول بعد ذلك نفيه للكيفية مع الاتحاد في الأصل. وهو خلاف صفة المخالفة لحوادث عند أهل السنة.
50- الاشتراك في الوجود لا يعني المشابهة لأن الوجود هو عين الموجود وحقيقة الله تختلف عن حقيقة المخلوقات.
قلت رشيد: وهذا مما يشكل على كثير من المتأثرين بمذهب التجسيم، حيث يطرحون ما يظنونه إشكالا على مذهب أهل السنة، فيقولون:
أثبتم لله الوجود والعلم والسمع والبصر، ومع هذا لا ترون في ذلك تشبيها، فلماذا لا تثبتون لله قدما ويدا وحقوا مع نفي التشبيه كذلك؟
والجواب: إن ما أثبته أهل السنة يختلف في حقيقته عن حقيقة المخلوقات فنقول فيه (ليس هو) فوجود الله هو ذات الله، وذات الله غير ذات المخلوق، ولا تشابه حتى في عين الوجود، لأن الوجود هو عين الموجود.
أقول كذلك: وقد قرأت قديما لمحمد بن صالح العثيمين - غفرالله له ما كان من دوافع توقفي وتأملي فيما يقوله المجسمة العصريون في أصول الاعتقاد، حيث قال ما يعني: إن الناظر في المخلوقات يجد أن أقدامها تختلف من مخلوق لآخر، فقدم الفيل ليست كقدم النملة، والأخيرة ليست كقدم العصفور وهكذا، ومع هذا فكلها في النهاية قدم، فهذا التفاوت في القدم هو واقع بين المخلوقات، فأن يكون التفاوت بين المخلوقات والخالق في القدم هو من باب أولى!
ولا يخفى ما في هذا من تأكيد للتشبيه في الجارحة، حيث مثَّل للتفاوت بين قدم اله وقدم المخلوقات بالتفاوت بين أقدام المخلوقات. وفيه كذلك تأكيد على الاشتراك في حقيقة القدم - وهو ما يلتزمونه بإقرارهم الاشتراك في أصل المعنى فقدم الفيل وقدم النملة وقدم العصفور.. أقول: وقدم المنضدة وقدم الكرسي وقدم أي شيء كلها تشترك في هذا المعنى، ولو أنني صنعت بيدي شيئا على غير مثال سابق وجعلت له شيئا يحمله من أسفله لسمي (قدم الشيء).. فقدم الفيل وقدم النملة وقدم العصفور.. وقدم الله عند الوهابية.. تشترك في ذات المعنى بإقرارهم. ويؤكدونه بتشبيههم المنقول عن ابن عثيمين آنفا.
ولو أرادوا نفي ذات المعنى فهو يلزم نفي الجارحة حقيقة، لأن كونها جارحة وكونها جزءا سفليا يحمل الجزء العلوي هو من حقيقتها لا من كيفيتها، ولو انتفت هذه المعاني لانتفت حقيقة القدم عند كل عاقل. أما الكيفية فهي أعراض على الجوهر كاللون والطول والقصر والسمن والنحول والشعر وعدد الأصابع..إلخ الاختلافات التي تتحقق بين قدم الفيل وقدم النملة.
والله تعالى يهديهم إلى سواء السبيل.
51- الإمام الأشعري رضي الله عنه يطلق (الفعل) على الخلق حقيقة وعلى الكسب مجازا، أما الإمام الماتريدي رضي الله عنه فيطلقه على الخلق والكسب حقيقة، فهو عنده لفظ مشترك.
المحاضرة الخامسة
52- من خصائص مذهب أهل السنة والجماعة أنهم لا يجعلون ممكنا من الممكانت خارجا عن قدرة اله تعالى، فكل ما في الوجود من الممكنات هو من متعلقات قدرته سبحانه. هذا من خصائص مذهب أهل السنة والجماعة لم يشاركهم فيه أحد من الفرق أو المذاهب فلسفية كانت أو غيرها.
53- لم يختلف علماء أهل السنة على بطلان القول بالقوة المودعة ولكنهم اختلفوا في تكفير القائل به.
54- الدليل الشامل لصفات السلبية الخمس هو أنه يلزم من عدمها الحدوث.
55- عدم نفي الحدوث عن الله يلزم منه الدور والتسلسل، والدور باطل بالبديهة، أما التسلسل فهو باطل بالتدليل عليه، فقالوا إنه يلزم منه فراغ أمر لا نهاية له حيث كل فرد في السلسلة متوقف على الذي قبله دون أن تنتهي هذه السلسلة وهو باطل.
56- يتصور البعض أنه يلقي شبهة فيقول: الأعداد غير متناهية ومع ذلك هي موجودة، فلا يمتنع التسلسل. والجواب: بعدم تسليم وجود مسمى أصلا للمالانهاية فلا يوجد عدد أصلا بهذا الاسم لذلك فلو قسمنا مالانهاية / مالانهاية لن يكون الناتج واحدا.
57- لا يوجد فيزيائي حقيقي إلا إن كان رياضيا، وعلى التحقيق يكون كذلك فيلسوفا، أي متكلما على اصطلاحنا نحن الإسلاميين، فأينشتين كان في الحقيقة فيلسوفا وديكارت ونيوتن.. كل الفيزيائين العظام كانوا كذلك وعباقرة، فابن الهيثم وغيره من المخترعين إما متكلمون أو فلاسفة، لأنهم يفكرون بما تقتضيه العقول.
58- يتصور البعض شبهة على بطلان التسلسل فيلزمونا بإثباتنا له في المستقبل أن يكون يثبت في الماضي. والجواب: يلزمنا لو كان حقيقة ما في الماضي هو حقيقة ما في المستقبل، لكن لو كان على خلاف ذلك فلا يلزمنا، فنعيم أهل الجنة مثلا في المستقبل، فالنعيم مقدر لا محقق، بخلاف حوادث الماضي فهي محققة.
قلت رشيد: هذا الاستشكال استشكله عليّ أحد إخواننا المغاربة من المتأثرين بمذهب التجسيم فقال: فلماذا التناقض؟
فعرفت أنه مما يشتهر الإشكال به ويطرح كشبهة، ولكن في الحقيقة هو شبهة ضعيفة لا رونق إلا في لفظها للوهلة الأولى ثم يظهر تهافتها، فأجبت المستشكل:
حينما تتكلم عن الماضي فأنت تتكلم عن أشياء وقعت لابد وأن يكون لها ابتداء، أما حين تتكلم عن أشياء في المستقبل فأنت تتكلم عن أمور لم تقع بعد، ولا يمنع شيء من تتابع وقوعها طالما أن أمامها الفسحة الزمانية للوقوع، بخلاف الأمور بالفعل في الماشي فلا من مبتدأ لوقوعها فيستحيل عدم أول للحدوث.
تعليق