متن لطيف في العقيدة مفيد لعوام المسلمين

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • فراس يوسف حسن
    طالب علم
    • Jun 2004
    • 400

    #1

    متن لطيف في العقيدة مفيد لعوام المسلمين

    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد,
    فقد طلب مني أحد الأخوة الوهابية قبل ثلاثة أيام أن أعلق على متن في العقيدة من تأليف الشيخ ابن عثيمين عفا الله عنه ليستجلي موقف الأشاعرة من عقيدته, فلبيت طلبه وعلقت عليه بطريقة أعدت بها صياغة المتن على طريقة السادة الأشاعرة بأسلوب بسيط يفهمه الكثير من الناس وقد أبقيت على بعض الجمل التي ذكرها كما هي ما دامت ليس فيها مخالفة شرعية. وقد أطلعت بعض الأصدقاء على القسم الأول من المتن الذي نتج فاستحسنوه كثيراً وفرحوا به, أسأل الله له القبول:

    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد سيد الأولين والآخرين, وبعد:

    نؤمن بالله تعالى وملائكته ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره:

    - نؤمن بربوبية الله تعالى أي بأنه الخالق الملك المدبّر لجميع الموجودات الحادثة. ونؤمن بأنه لا فرق بين الإيمان بالربوبية والإيمان بالألوهية, فمن آمن بالله تعالى رباً آمن به إلهاً معبوداً واحداً لا شريك له. ولا ندّعي بأن الكفار وحّدوه ربوبياً لكنهم لم يفردوه في العبادة, فقسم من التوحيد تام موجود وقسم منتفٍ مفقود, بل نقول بأن الكفار ما وحّدوه تعالى لا ربوبياً ولا ألوهياً بل أنكروا الكل وجحدوا الكل, ولا يعني اعترافهم بوجود الخالق أنهم وحّدوه وأقروا له بالتأثير والنفع والضر بل أشركوا به ربوبياً عندما نسبوا التأثير والنفع والضر لغيره من الآلهة التي يتوجهون إليها بالعبادة فقالوا لنبي لهم "إن نراك إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء", أي بضر, فلما رأيناهم قد نسبوا الضر لآلهتهم علمنا أنهم أشركو بالله وأعطوا صفات الربوبية لغيره ممن يعبدون. ولما سمعنا بأن منكراً ونكيراً لا يسألون العبد عن إلهه بل عن ربه الذي يُفترض أن يكون به مؤمناً وله موحداً علمنا بأن الكافر لا يوحّد ربه ولا يعرف أصول توحيده.
    - ونؤمن بألوهية الله تعالى, وكل إله يدّعي لنفسه الألوهية أو يدّعيها له غيره فهو كاذب باطل.
    - ونؤمن بأسماء الله الحسنى وصفاته العليا وأنه واحد في ذاته وواحد في صفاته وواحد في أفعاله جل وعز اسمه المتعالي.

    - ونؤمن بأنه سبحانه حيّ قادر مريد عليم متكلم سميع بصير, وأنه قديم, باقٍ, "ليس كمثله شيء", وأنه غنيٌّ واحدٌ.
    فكونه حياً: أي متصفاً بصفاته العليا الثابتة له.
    وكونه قادراً: أي موجداً معدماً للممكن.
    وكونه مريداً: أي مخصصاً للممكن ببعض ما يجوز عليه.
    وكونه عالماً: أي يعلم كل ما يصح أن يُعلم دون سبق خفاء.
    وكونه متكلماً: أي آمراً ناهياً مخبراً دالاً, متكلماً أزلاً وأبداً لا يطرأ عليه الصمت ولا السكوت.
    وكونه سميعاً: أي سامعاً لكل مسموع.
    وكونه بصيراً: أي مبصراً لكل ما يصح أن يُبصر.
    وهي صفات أزلية قديمة لا يطرأ عليها التغيير ولا العدم ولا الحدوث.

    - وصفة القدرة وصفة الإرادة تتعلقان بالممكن ولا تتعلقان بالواجب ولا المستحيل, والأولى يتأتى بها إيجاد كل ممكن وإعدامه, والثانية يتأتى بها تخصيص الممكن بالمتقابلات الست, وهي:
    الممكنات المتقابلات وجود والعدم الصفات
    أزمنة أمكنة جهات كذا المقادير روى الثقات
    ولا يصلح أن تتعلقا بالواجب لأنه إن تعلقتا به إيجاداً لزم تحصيل الحاصل وهو باطل, فالواجب هو ما لا يُتصور انعدامه وانتفاؤه, فهو موجود وكيف يُعقل إيجاد الموجود؟ وإن تعلقتا به إعداماً لزم قلب حقيقته, فالواجب لا يفنى لأنه لو فني أصبح غير واجب.
    ولا تتعلقان بالمستحيل أيضاً لأنهما لو تعلقتا به إعداماً لزم تحصيل الحاصل وهو باطل, فالمستحيل هو ما لا يُتصور وجوده, فهو معدوم وكيف يُعقل إعدام المعدوم؟ وإن تعلقتا به إيجاداً لزم قلب حقيقته, فالمستحيل لا يمكن أن يوجد, لأنه لو وجد أصبح غير مستحيل.
    - أما صفة العلم: فهي صفة أزلية قائمة بذات الله تعالى تتعلق بالشيء على وجه الإحاطة على ما هو عليه دون سبق خفاء, وهي تتعلق بالموجود على حقيقته وبالمعدوم الممكن لو كان كيف يكون, وبالمعدوم المستحيل.
    - وأما الكلام: فهو المعنى القائم بذات الله تعالى المعبَّر عنه بالحروف والأصوات الحادثة وليس هو بحرف ولا صوت لما يلحق بذلك من مفاسد بينة.
    - أما القِدم: فهو نفي العدم السابق للوجود, فالله تعالى لا مُفتتح لوجوده. قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: "قديم بلا ابتداء". ودليل القِدم قوله تعالى: "هو الأول والآخر". وقوله صلى الله عليه وسلم:"أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم".
    - والبقاء:هو نفي العدم اللاحق للوجود, فالله لا مختتم لوجوده. قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: "باقٍ بلا انتهاء, لا يفنى ولا يبيد".
    - والمخالفة للحوادث: أي أنه لا يشبه شيئاً من خلقه ولا يشبهه شيء من خلقه, فلو شابههم لأصبح فقيراً محتاجاً مثلهم, كيف وهو الغني عن العالمين. قال تعالى:"ليس كمثله شيء".
    قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى:"ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر". والقاعدة الجليلة تجمل ما مر:"ما جاء به خيالك عن الله, فالله على خلاف ذلك".
    - والغِنى: فكل ما سواه فقير إليه محتاج له ليَخرُجَ من عتمة العدم إلى نور الوجود, وهو الغنيّ عن كل ما سواه.
    - والوحدانية: فهو واحد في ذاته وصفاته وأفعاله. أي ليس هنالك موجود يجب له ما وجب لله تعالى, وليست ذاته مركّبة من أجزاء وأبعاض, تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً, وليس لأحد فِعلٌ كفعله فهو المؤثر الأوحد في هذا الكون. قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى:" تعالى عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات".

    - ونؤمن بأن كلماته أتم الكلمات صدقاً في الإخبار وعدلاً في الأحكام وحسناً في الحديث: "ومن أصدق من الله حديثاً".
    - ونؤمن بأن القرآن الكريم منه ظهر ابتداءً, ولا يجوز أن يقال بأن جبريل عليه السلام هو الذي ركّب هذه الحروف في نفسه ثم أنزلها على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم, بل الله تعالى علّم جبريل عليه السلام هذه الألفاظ وأمره بإنزالها على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. وهذه الألفاظ ليست هي عين الصفة القائمة بذات الله تعالى كما يتوهم البعض بل هي دالة على بعض مدلولات تلك الصفة لأن الألفاظ مركّبة وحادثة والصفة الأزلية القائمة في الذات المقدّسة والتي هي الكلام لا يجوز أن تكون كذلك لأن الحوادث لا تقوم بذات الخالق عز وجل, ولا يجوز القول بأن القرآن الكريم مخلوق أو حادث لئلا يوهم هذا الكلام حدوث الصفة الأزلية.

    - ونؤمن بأن الله تعالى عالٍ على خلقه عُلوّ مكانة ورفعة ومقام لا علو مكان, فالله منزّه عن المكان وعن الزمان بل كان الله ولم يكن زمان ومكان وهو الآن على ما عليه كان.
    والمكان: هو الفراغ الموهوم الذي يشغله الجسم.
    والزمان: هو ملاحظة التغيّر والمتغيّر.
    والله عز وجل ليس بجسم ولا يطرأ عليه التغيّر كباقي المبتدعات. فالمفهومان إعتباريان إنتزاعيان لا يلاحظان إلا بملاحظة الحادث المخلوق المتغيّر.
    - ونؤمن بأنه تعالى مستوٍ على عرشه استواء قهر لا استواء استقرار. فالعرش العظيم مكان والله تعالى منزّه عن المكان, غنيٌّ عنه وعمّا دونه. فمن نسب إلى الله تعالى الاستقرار لزمه مفاسد كثيرة منها القول بمحدودية ذاته تعالى بحدود ذلك المكان وافتقاره له رادّاً وجوب إيمانه بغنى الله المطلق عن العالمين. ولزمه كذلك القول بحلول الله تعالى في العالم لأن العرش جزءٌ من العالم والمستقر عليه لا محالة حالٌّ في هذا العالم وهو من أشنع الأقوال. قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: "لا تحدّه الجهات الست كسائر المبتدعات".

    - ونؤمن بأنه تعالى مع خلقه معيّة إحاطة وعلم, يعلم أحوالهم ويسمع أقوالهم ويرى أفعالهم ويدبّر أمورهم, دون أن يكون حالاّ في الأرض أو في السماء متّحداً بهما. لأن الحلول والاتحاد باطلان ومن يقول بهما كافرٌ ضالٌّ. والأصل أن لا يكون هنالك اتحاد مطلقاً بين أي شيئين مخلوقين فما بالك بالإله جل وعز؟ فإن اتّحد شيئان فلا يخلو أن:
    يبقيا معاً فلا اتحاد, يفنى أحدهما ويبقى الآخرفلا اتحاد أيضاً, يفنيا معا وينتج شيء ثالث فلا اتحاد.
    - ونؤمن بما أخبر به عنه رسوله صلى الله عليه وسلم أنه ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل فيقول من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ نزول رحمة ومغفرة واستجابة وتقرّب من عباده, لأننا علمنا بأن هذه الأوقات أدعى إلى الاستجابة والقبول من غيرها لشهود الملائكة الكرام الأطهار لها حتى الفجر, قال تعالى: "إن قرآن الفجر كان مشهوداً". ولا نقول أنه تعالى ينزل بذاته إلى السماء الدنيا لأن هذا قادحٌ بتنزيهه عن النقائص, فكونه تعالى داخلاً في السماء يلزم منه الحلول والاتحاد الباطلان, ويلزم منه كونه محويِّاً متناهياً محدوداً بحدود هذه السماء.
    - ونؤمن بأنه تعالى يأتي بأمره يوم المعاد للفصل بين العباد, ولا نقول كما يقول البعض بأنه يأتي بذاته فهذا يستلزم النُّقلة والحركة وهي على الله مُحالة.

    - ونؤمن بأنه تعالى فعّال لما يريد وأن إرادته واحدة لا تتخلف عن المُراد, والأصل في الإرادة أن تكون تكوينية فما تعلّقت به لا بد أن يقع ويكون ولا يمكن أن يتخلّف البتّة, ولا نقول كما يقول البعض أن بعض ما تتعلق به الإرادة يمكن أن لا يقع, هذا خُلفٌ وباطل.
    - ونؤمن بأن كل ما وقع في العالم فهو بإراته سبحانه, ولا نقول كما قالت المعتزلة بأن بعض ما وقع في العالم فهو بإرادة غيره استقلالاً عن إرادته تعالى فراراً منهم من الجبر كما يزعمون.
    والإرادة تُغاير الأمر فقد يريد شيئاً ويأمر به كإيمان مَنْ علم منهم الإيمان. وقد لا يريد شيئاً ولا يأمر به كالكفر منهم. وقد يأمر بشيء ولا يريده كأمره أبا لهب بالإيمان وهو لا يريده منه, وقد يريد شيئاً ولا يأمر به ككفر الكافرين فإنه وقع بإرادته ولم يأمر به. والإرادة تخالف الرضا الذي هو الثواب والتنعيم, فقد يريد أمراً ولا يرضاه ككفر الكافرين.

    - ونؤمن بأن الله تعالى يحب أولياءه وهم يحبونه, قال تعالى:"فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه". وحبه سبحانه هو إرادته التقريب لهم وإسباغ النعم الظاهرة والباطنة عليهم ورفع درجاتهم والثواب على ما فعلوا والعفو عمّا زلّوا, وحبّهم له سبحانه هو ميل قلوبهم إليه وميلها عن كل ما سواه. وننزه الله تعالى عن هذا المعنى, أي "الميل القلبي" لأنه صفة الحوادث والمخلوقات والله منزّه عن مشابهتها.
    - ونؤمن بأن الله تعالى يغضب على من يستحق الغضب من الكافرين, قال تعالى:"الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم", وأن غضبه سبحانه يُردّ إلى إرادة التعذيب لمن علم أزلاً منهم الكفر والمخالفة. وليس الحب والغضب والرضا التي ننسبها إلى الله تعالى إنفعالات, لأنه تعالى منزه عن الاتصاف بها, وليست هي معانٍ حادثة أي بمعنى أنها تابعة لما يقع من المكلفين من طاعة أو معصية, بل هي تابعة للقدرة والإرادة والعلم الأزلية. فقد علم الله تعالى أزلاً بمن سيؤمن فأراد تنعيمه وبمن سيكفر فأراد تعذيبه.

    - ونؤمن بأن لله ذاتاً عبّر عنها في كتابه الكريم بكلمة "الوجه" فقال: "كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام", أي ذاته.
    - ونؤمن بأن لله يداً هي صفة معنى ليست جزءاً ولا بعضاً, فالجزء والبعض نقص والله تعالى منزه عن النقص. وليست جارحة لأن الله تعالى منزه عن الجوارح. قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: "تعالى عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات". كذا يقال عن باقي ظواهر القرآن الكريم والسنة المطهرة من العين والساق والجنب وهكذا.
    - ونؤمن بأن الله تعالى "لا تدركه الأبصار وهو يُدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير".
    - ونؤمن بأن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة, قال تعالى:"وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة", دون إحاطة ولا سقوط شعاع ولا جهة, بل هي رؤية مخصوصة لا ينطبق عليها قانون الرؤيا المعهودة عند المخلوقات.
    - ونؤمن بأن الله تعالى لا مثيل له لكمال صفاته "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير", وكل صفة من صفاته لا تشترك مع صفات غيره سوى باشتراك لفظي, فسمعه وبصره وعلمه وقدرته وإرادته وكلامه وحياته ليست كصفات غيره.

    - ونؤمن بأنه تعالى لا يظلم أحداً لكمال عدله وأن الظلم عليه من المستحيلات, فمن ادّعى بأن قدرته تعالى قد تتعلق بالظلم فيقول "الله قادر على أن يظلم" فهو جاهل غافل وقوله مساوٍ لقول من يقول بأن قدرته تعالى قد تتعلق بالنقص, أي "قادر على أن يكون ناقصاً", فالظلم نقص ومستحيل بحقه تعالى وقدرته لا تتعلق بالمستحيل لما مر من استلزام انقلاب حقيقة المستحيل الذي لا يكون إلا منتفياً معدوماً.
    - ونؤمن بأنه لا يعجزه شيء في السموات ولا في الأرض, فكلٌ تحت علمه وإرادته وقدرته ولا يقع في ملكه شيء لا يريده: "إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون", والقاعدة الجليلة التالية تجمل ما سبق من الكلام في الإرادة والقدرة: "ماشاء الله كان وما لم يشأ لم يكن". و"كان" هنا هي التامة بمعنى وُجِدَ, فإن أراد الله تعالى وقوع شيء أوجده بقدرته دون تفويض منه للعالمين بالانفراد بقدرة تُوجد وتُعدم على قول المعتزلة.
    - ونؤمن بثبوت كل ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم من الأسماء والصفات. فنؤمن بأن كمالات الله تعالى لا تنتهي وأن أسماءه الحسنى مردُّها إلى الصفات العُلى التي ثبتت نقلاً وعقلاً. فاسم الله الرحيم على سبيل المثال يُردّ إلى إرادة التنعيم, والمنتقم يُردّ إلى إرادة الانتقام والتعذيب, والباسط إلى إرادة الرزق والإعطاء والقابض ضدها وهكذا باقي الأسماء الحسنى.

    - ونؤمن بأن القرآن الكريم منه "آيات محكمات هنّ أم الكتاب وأخر متشابهات", فالمتشابهات ما تحتمل معانٍ عديدة باحتمالات قريبة أو بعيدة, والمحكمات هي التي لا تحتمل إلا معنى واحداً فقط, فنرد المتشابهات إلى المحكمات حتى يظهر معناها القريب, كذا نص ساداتنا العلماء. فمن الآيات المحكمات في كتاب ربنا قوله تعالى: "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير", فهذه الآية الكريمة محكمة ونفت مشابهة الرب تعالى لأي شيء من الموجودات. وأما ما جاءت به ظواهر الآيات المتشابهات مما يوحي بالتشبيه نردّه إلى المحكم حتى يتبين لنا معناه القريب للآية المحكمة السابقة, قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: "ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر فمن أبصر هذا اعتبر وعن مثل قول الكفار انزجر وعلم أنه بصفاته ليس كالبشر".
    - ونؤمن ونعلم أن من اتبع المتشابه من القرآن الكريم وترك المحكم فإنه زائغ القلب مُتّبع للهوى راغب في إضلال المؤمنين وحرفهم عن تنزيههم لله تعالى مبتغ للفتنة بتأويله المتشابه على غير هدى ولا نور.

    - ونؤمن بأن القدرة التي يجب بها الفعل فهي معه لا قبله, تُخلق للعبد كما يُخلق له فعله, قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: "والاستطاعة التي يجب بها الفعل من نحو التوفيق الذي لا يجوز أن يوصف المخلوق به فهي مع الفعل".
    - ونؤمن بأن أفعال العباد هي بخلق مباشر من الله عز وجل على وفق إرادتهم وتوجههم, قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: "وأفعال العباد هي بخلق من الله وكسب من العباد".
    انتهى القسم الأول "الإلهيات" ويتبع إن شاء الله القسم الثاني "النبوات" والثالث "السمعيات"
    إليك وإلا لا تشد الركائب ــــــــــ ومنك وإلا فالمؤمل غائب
    وفيك وإلا فالرجاء مضيع ــــــــــ وعنك وإلا فالمحدث كاذب
  • محمد يوسف بلقاسم الجزائري
    طالب علم
    • Feb 2012
    • 3

    #2
    وفقكم الله سيدي لما يحبه ويرضاه.
    ونفعنا الله بكم وبعلمكم .
    شكرا.

    تعليق

    • فراس يوسف حسن
      طالب علم
      • Jun 2004
      • 400

      #3
      آمين آمين
      بارك الله فيك أخي الكريم ونفع بك المسلمين
      إليك وإلا لا تشد الركائب ــــــــــ ومنك وإلا فالمؤمل غائب
      وفيك وإلا فالرجاء مضيع ــــــــــ وعنك وإلا فالمحدث كاذب

      تعليق

      • إبراهيم أدهم النظامي
        طالب علم
        • Nov 2011
        • 99

        #4
        بارك الله فيك ياسيدي ..

        واسمح لي بنقل هذه الدرة الثمينة
        قال جل وعلى (( ياأيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه )) ... صدق الله العظيم

        تعليق

        • فراس يوسف حسن
          طالب علم
          • Jun 2004
          • 400

          #5
          وصلت هذه الورقات إلى أحدهم عن طريق أحد الأخوة الأفاضل فرد عليها كالتالي:

          بسم الله الرحمن الرحيم "وما توفيقي إلا بالله"
          أشرع مباشرة في المقصود, متوكلاً على الله المعبود
          - أما القول بأنه لا فرق بين الإيمان بالربوبية وبين الإيمان بالألوهية وأنه من آمن بالله تعالى رباً آمن به إلها معبوداً, وأن كفار مكة ما وحدوه ربوبياً وألهياً, بل أنكروا الكل وكفروا بالكل......
          فهذا كلام غير صحيح
          وكان الدليل على ذلك من قِبل الأستاذ بأن منكراً ونكيراً لا يسألون العبد عن إلهه بل يسألونه عن ربه الذي يُفترض أن يكون له موحداً علمنا بأن الكافر لا يوحد ربه................
          الجواب وبالله التوفيق وباختصار كافٍ:
          هناك ألفاظ قال عنها العلماء إذا اجتمعت تفرقت وإذا تفرقت اجتمعت كلفظ الإسلام والإيمان وهنا كذلك لفظ الإله والرب, فإذاً كان سؤال الملكان من ربك مقصدهما من إلهك, تماماً كما لو ذكرت كلمة الإسلام لوحدها والإيمان لوحدها وأما إذا اجتمعا معاً فلكل كلمة معنى, ....وانظر إلى قوله تعالى: "وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون", قال مجاهد: "إيمانهم قولهم :"الله خالقنا ويرزقنا ويميتنا" فهذا إيمان مع شرك عبادتهم غيره". هنا اجتمعت الكلمتان فكان لكل كلمة معنى, وقال قتادة: "إنك لست تلقى أحداً إلا وأنبأك أن الله ربه وهو الذي خلقه ورزقه وهو مشرك في عبادته".
          وأما المثال الذي ذكرته وهو سؤال الملكين, فقد أفردت كلمة الرب لوحدها فيكون معنى من ربك هنا أي من إلهك, لكن السؤال هل من لا يجيب الملكين عند السؤال فيقول: ها ها لا أدري يكون كافراً قد كفر بالألوهية والربوبية؟ الجواب لا, لأن من كفر بالألوهية والربوبية مخلداً في النار وبعض من يجيب على سؤال الملكين فيقول ها ها هم من عصاة المسلمين فلم لا يخلدون في النار, وفيهم قال القرطبي رحمه الله: "أرجى آيةٍ في القرآن هي قوله تعالى: "الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون". قال لهم الأمن أي: الأمن من الخلود في النار, وهم مهتدون إلى طريق الجنة". وفي هذا كفاية للاحتجاج به على أنهم آمنوا بالربوبية وإن كان هناك خدش عنده في جانب العبادة, وكذلك الكافر بالألوهية عند السؤال هو مؤمن بالربوبية ولكنها وحدها لا تنفع صاحبها.
          ملحوظة: لبعض الأخطاء الموجودة في صفحة الأستاذ في النقطة الأولى
          - (قوله في السطر السادس ما وحدوه لا ربوبياً ولا ألوهياً والصحيح أن تقول, حسب اعتقادك, ما وحدوه ربوبياً وإلهياً, أي بحذف لا لأن وجودها يخالف اعتقادك فيكون المعنى بأنهم وحدوه ربوبياً وإلهياً, وكذلك كلمة ألوهياً تكون إلهياً- والله تعالى أعلم).
          - أما النقطة الثانية فهي جميلة وأوافقك القول فيها, لولا وجود كلمة إله, فأنت قلت: " وكل إله يدّعي لنفسه الألوهية أو يدّعيها له غيره فهو كاذب باطل" والصحيح أن تقول وكل مخلوق- أي أي لفظ أحببت أن تختاره غير لفظ إله.

          - أما النقطة الثالثة: فهي قولك عن الله سبحانه:
          " بأنه واحد في ذاته وواحد في صفاته وواحد في أفعاله جل وعز اسمه المتعالي" والوصف الدقيق أن تقول: "واحد في ذاته وصفاته وأفعاله, ليس كذاته ذات ولا كاسمه اسم ولا كفعله فعل ولا كصفته صفة إلا من جهة موافقة اللفظ كما ذكر الجزيري ذلك في كتابه (الفقه على المذاهب الأربعة), لأن قولك واحد في ذاته وواحد في صفاته قد يجعل القاريء يظن بأن صفاته غير ذاته سبحانه.
          - أما النقطة الرابعة: قلت: " ونؤمن بأنه سبحانه حي قادر مريد عليم متكلم سميع بصير..." ثم ذكرت في سبع صفحات فقط ست آيات, هذا وأنت تتحدث عن الإلهيات التي كان الأولى أن تحشد لها الآيات, فكيف سيكون الأمر حينما تتحدث عن النبوات أو السمعيات, هل الاستشهاد بكلام الفلاسفة البعيد أولى من الاستشهاد بالآيات ذات المعاني القريبة, عجباً لنفوس اهتدت في ظلم الآراء إلى التمييز بين الخطأ والصواب, وخفي عليها ذلك في أنوار السنة والكتاب. أين الكلام الذي لم تُضمن لنا عصمة قائله بدليل معلوم, من النقل المصدق عن القائل المعصوم. وأين المذاهب التي إذا مات أهلها فهي من جملة الأموات, من النصوص التي لا تزول إذا زالت الأرض والسموات. سبحان الله ماذا حُرم المعرضون عن نصوص الوحي في صفات لله التي لا تقبل التأويل, ووما ذا فاتهم من حياة القلوب واستنارة البصائر.
          العلم قال الله قال رسوله*** قال الصحابة هم أولو العرفان
          ما العلم نصبك للخلاف سفاهة*** بين الرسول وبين رأي فلان
          كلا ولا جحد الصفات لربنا*** في قالب التنزيه والسبحان
          من أين جاءكم الإلهام بأن صفات ربنا سبعة لا تتعداها, وأين بقية الآيات التي تتحدث عن الصفات, بأي دليل نفيتموها وبأي دليل أثبتم الصفات السبعة لا غير.
          إنني في هذا الرد لا أريد أن أسرد الآيات التي تثبت الكثير من الصفات كعلو الله بذاته , وأن له سبحانه يدان وإصبع ووجه وقدم, لأنك ستبدأ التأويل ولا يتحمل العقل عندكم حمل اللفظ على حقيقته, ولكنني ما دام القرآن عربياً فإننا نحتكم إلى أهل اللغة الذين سأسرد لك بعض أقوالهم, ولا نحتكم إلى الفلاسفة وأهل الكلام:
          1- قال جلال الدين القزويني في كتابه الإيضاح في علوم البلاغة بأن السكاكي عرّف الحقيقة اللغوية بالكلمة المستعملة فيما هي موضوعة له من غير تأويل في الوضع.
          2- وقال ابن الأثير في كتابه المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر: الحقيقة هي اللفظ الدال على موضوعه الأصلي والمجاز هو ما أريد به غير المعنى الموضوع له في أصل اللغة.
          3- وقال صاحب دلائل الإعجاز: إن الحقيقة أن يُقَر اللفظ على أصله في اللغة, والمجاز أن يزال عن موضعه ويُستعمل في غير ما وضع له.
          4- وقال السيوطي في كتابه المزهر بأن كلمة يد وأيادي (أي جمع الكلمة وإفرادها قد وردت عند العرب مجازاً بمعنى النعمة, فيقول القائل "له عندي يد, وله عندي أيادي, أما كلمة يدان فلم يستعملها العرب بمعنى النعمة فتبقى على حقيقتها" " بل يداه مبسوطتان".
          خلاصة هذه الأقوال بعد أن احتكمنا إلى أهل اللغة لا إلى الفلاسفة وأهل الكلام الذين لا شأن لهم أن يقحموا أنفسهم في هذا الميدان, بأن اللفظ يؤخذ على حقيقته أبداً ولا يُحمل اللفظ على المجاز إلا إذا تعذّر فهم اللفظ على حقيقته وهذه حقيقة لغوية مسلمة لا سية فيها, ولا شك أن الحديث عن صفات الله تعالى يدخل في باب الاعتقاد الذي هو أعظم من الحديث عن الصلاة والصيام وغيرهما من الأوامر الإلهية. وما دامت صفات الله أعظم فلا شك بأنها في القرآن من أوضح الواضحات ومن أظهر الظاهرات ومن أجلى الجليات, وهي تسبق الأوامر الإلهية وغيرها في القرآن, وقد أجمع المسلمون على فهم الأوامر الإلهية في القرآن على حقيقتها دون تأويل أو مجاز, فمن باب أولى أن تُفهم الصفات الإلهية كذلك من غير تأويل أو هروب باللفظ إلى المجاز. فالقرآن قد نزل بلغة العرب السهلة البسيطة البعيدة عن التعقيد والتأويل البعيد عما يتبادر إلى ذهن البدوي من سكان الصحراء الذي لا يدري شيئاً عما قاللته اللفلاسفة ولا ملا استحسنه المتكلمون.
          فحينما نقول بأن لله يد وقدم وأنه فوق السماء السابعة بذاته كما وصف ربنا نفسه, فلم لا تأخذون اللفظ على حقيقته ولا تستطيع عقولكم أن تقبله "أأنتم أعلم أم الله".
          القرآن جاء فلم تتقبله العرب بألفاظه ومعانيه ولكنك بالمجاز والتأويل أثبتّ اللفظ وأنكرت المعنى من الصفات, وما فائدة إثبات اللفظ وتجريده من معناه, أليس هذا الإنكار من جنس ما أنكره العرب.
          وأما قول الطحاوي رحمه الله تعالى: " ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر" والقاعدة ما جاء به خيالك عن الله فالله على خلاف ذلك"
          - أقول: هذا كلام جميل, فلم لا تجمع بين ما قال الطحاوي وبين القاعدة فأنا حينما أقول بأن لله يد, هل جاء في خيالي بأنها كيد البشر, طبعاً لا, وما الذي يمنع أن أثبت لله تعالى جميع الصفات التي أثبتها الله لنفسه من نزول وعلو وقدم ويد- وإن كانت الصفات موجودة فينا ولكنها حينما نصف بها ربنا نؤمن بها في إطار "ليس كمثله شيء", أي دون أن يأتي في خيالنا بأن قدمه كقدمنا وأن علوه كعلونا وأن نزوله كنزولنا وهكذا....
          أما أن تريدني أن أنفي صفة اليد والرجل والوجه (وغيرها من الصفات) عن الله لأن هذه الصفات موجودة في الإنسان أو المخلوقات فهذا لا يقبله عاقل, فلم لا أنفي على قاعدتكم هذه صفة اليد عن الإنسان تكريماً له حتى لا يتبادر إلى الخيال أو الذهن بأن يده تشبه يد الحيوان, ولم لا أنفي صفة الوجه عن الإنسان أيضاً حتى لا يتبادر إلى الذهن بأن وجهه يشبه وجه الزواحف, هل يقول بهذا عاقل- أنت حينما تقول مثلاً "يد حيوان" لا يخطر ببالك يد إنسان, وحينما تقول وجه حيوان لا يخطر ببالك وجه حيوان وهكذا, لأنه ببساطة شديدة ودون أدلة عديدة: وجه هذا غير وجه هذا ويد هذا غير يد هذا, ونزول الطائر غير نزول الإنسان وأكل الإنسان غير أكل حيوان.
          ولم لا أنفي على قاعدتكم ثمار الجنة المختلفة التي تُشبه بعض أسمائها ثمار أهل الدنيا, بل تحمل نفس الاسم, هل يقول عاقل: غيّروا أسماء ثمار الدنيا لأنها تُشبهبالاسم فقط ثمار أهل الجنة, من يقول هذا يُقال له قد فقد عقله, أليس من يقول لا نثبت إلا صفاتٍ سبعة وما دونها ننفيه عن الله لأنها تشبه صفات البشر هو أشد سُخفاً من ذلك. قال ابن عباس في قوله تعالى: "وأتوا به متشابهاً" ليس في الدنيا شيء مما في الجنة سوى الأسماء, أي حتى في الجنة وهي مخلوقة نقول ما خطر ببالك فالجنة خلاف ذلك. وهذا ما قدمته هو ما قصده الطحاوي بقوله: "ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر, فمن أبصر هذا اعتبر وعن مثل قول الكفار انزجر وعلم أنه بصفاته ليس كصفات البشر".
          أيكون قد أعطى الكمال وماله***ذاك الكمال أذاك وإمكان
          الله ربي لم يزل متكلماً ***وكلامه المسموع بالآذان
          وكذلك القرآن عين كلامه***المسموع منه حقيقة ببيان
          هو قول ربي كله لا بعضه *** لفظا ومعنى ما هما خلقان
          تنزيل رب العالمين وقوله *** اللفظ والمعنى بلا روغان
          لكن أصوات العباد وفعلهم *** كمدادهم والرق مخلوقات
          وله العلو من الوجوه جميعها***ذاتا وقهرا مع علو الشان
          لكن نفاة علوه سلبوه إكـمال*** العلو فصار ذا نقصان
          حاشاه من إفك النفاة وسلبهم فله *** الكمال المطلق الرباني
          والفوق وصف ثابت بالذات من*** كل الوجوه لفاطر الأكوان
          لكن نفاة الفوق ما والفوا به *** جحدوا كمال الفوق للديان
          بل فسروه بأن قدر الله *** أعلى لا بفوق الذات للرحمن
          فالمرسلون جميعهم مع كتبهم *** قد صرحوا بالفوق للرحمن
          فالذات خصت بالسماء وإنما*** المعلوم عمّ جميع ذي الأكوان
          عقلان عقل بالنصوص مؤيد *** ومؤيد بالمنطق اليوناني
          والله ما استويا ولن يتلاقيا*** حتى تشيب مفارق الغربان والغربان لا تشيب
          ولقد أشار نبينا في خطبة *** نحو السماء بإصبع وبنان
          أتراه أمسى لسسما مستشهداً***أم للذي هو فوق ذي الأكوان
          وحديث معراج الرسول فثابت***وهو الصريح بغاية التبيان
          وإلى إله العرش كان عروجه***لم يختلف من صحبه رجلان
          وفي شأن روح العبد عند وداعها***وفراقها لمساكن الأبدان
          فتظل تصعد في سماء فوقها***أخرى إلى خلاقها الرحمن
          وقد اقتصرت على يسير من كثير ***فائت للعد والحسبان
          ما كل هذا قابل التأويل بالتحريف***فاستحيوا من الرحمن
          وهذه القصيدة رد على قولك "بأن الله تعالى عال على خلقه علو مكانة ورفعة لا علو ذات" أرجو أن تقرأها بتمعن, والأدلة التي سقتها على قولك فلسفية بحتة شكا منها الإمام النووي في كتابه الأذكار حينما قال: "وبارك الله في وقتي وخطر لي أن أشتغل في الطب واشتريت كتاب القانون لابن سينا (وهو طبيب فارسي اشتهر بالطب والفلسفة) فأظلم قلبي وبقيت أياماً لا أقدر على الاشتغال (بالعلوم الدينية) فأفقت على نفسي وبعت القانون فأنار قلبي. وحتى لا تقول بأنك أنكرت علي في بداية حديثك الاستشهاد بالآيات القرآنية وها أنت تستشهد بالأشعار, أقول بعد أن بدأتُ حديثي ببسم الله كذلك أنهي حديثي بمسك الختام بالآيات القرآنية وبعض الأحاديث النبوية وبعض الأدلة الأخرى التي تثبت علو الله سبحانه واستوائه على العرش استواءً حقيقياً يليق بجلاله وارجع إلى المعنى اللغوي لا الفلسفي لمعنى الاستواء.
          قال الله تعالى:
          1- الله الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش.
          2- يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه.
          3- إليه يصعد الكلم الطيب
          4- تعرج الملائكة والروح إليه.
          5- أأمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصباً
          6- يخافون ربهم من فوقهم
          7- فالحكم له العلي الكبير
          وذكر هذه الآيات كفاية لمن أدركته العناية.
          1- وأما الأحاديث: "لما خلق الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي" متفق عليه.
          2- أحاديث المعراج المتواترة حيث تجاوز النبي عليه السلام السموات سماء سماء حتى انتهى إلى ربه تعالى وفرض عليه الصلوات خمسين فلم يزل ينزل إلى موسى ويصعد إلى ربه من أجل التخفيف حتى فرضت خمساً.
          3- يُرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل الليل". مسلم
          4- يتعاقبون فيكم ملائكة-----ثم يعرج الذين باتوافيكم فيسألهم ربهم. متفق عليه
          5- كانت زينب رضي الله عنها تقول مفتخرة على أزواج النبي عليه السلام: "زوجكن أهاليكن وزوجني الله من فوق سبع سموات" البخاري.
          6- الراحمون يرحمهم الرحمن, إرحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء.
          جميل أنك أثبت بعض صفات الله وإني على يقين أنك تظن بأنك مثبت لبقيتها لكن بالتأويل, ولكن هذا التأويل هو الإنكار بعينه, فحينما تثبت بعض الصفات وتؤمن بأنها على حقيقتها وتنفي البقية وتحمل ألفاظها على غير موضوعه الأصلي وعلى غير ما وضعت له فإنك بذلك جعلت صفات الله تعالى من المتشابهات التي تدخل عليها الآراء المختلفة مع أن آيات الصفات من الآيات المحكمات ولإن تؤول لفظ الصلاة والصيام, والحج والزكاة, والملائكة والكتب, والرسل, أهون بكثير من تأويل آيات الصفات في القرآن الكريم والأحاديث النبوية.
          لقد أعجبتني حينما تحدثت عن صفة العلم أما الكلام فلا
          لأن الله تعالى تكلم كلاماً حقيقياًولكن في إطار "ليس كمثله شيء"
          قال الإمام السيوطي في كتابه المزهر: " إن تقوية الكلام بالتأكيد من علامات الحقيقة دون المجاز, لأن أهل اللغة لا يقوون المجاز بالتأكيد فلا يقولون أراد الجدار إرادة ولا قالت الشمس قولاً
          وكذلك ورد الكلام في الشرع لأنه على طريق اللغة
          من خلال كلام السيوطي نأخذ مثلاً من القرآن يتعلق بالكلام قال الله تعالى "وكلم الله موسى تكليماً" تكليماً هنا مفعول مطلق يفيد الحقيقة جاء من أجل التأكيد, يعني أن الله سبحانه أسمع موسى كلامه وكلمه بنفسه كلاماً يليق بجلاله لا نحيط به علماً. أما حينما تقول بأن كلامه "ليس بحرف ولا صوت لما يحلق بذلك من مفاسد بينة" أي مفاسد بينة, هذه المفاسد البينة تكون لمن اتبع منهج الفلاسفة وأهل الكلام الذين قدموا العقل القاصر المحدود على الوحي الذي هو أعلى من العقل وهو الذي يحكم على العقول والطامة الكبرى أن يحكم العقل على الوحي.
          - وأما صفة القِدم فهي صفة لم تذكر في القرآن والأحاديث النبوية وإنما ذكر القرآن صفة الأول والآخر ولم يصف الله نفسه بأنه قديم وباق, لأننا يجب أن نصف الله سبحانه بما وصف به نفسه.
          وأما الأدلة الأخرى:
          1- قول عمر رضي الله عنه:"هذه خولة بنت حكيم التي سمع الله قولها من فوق سبع سموات فعمر أحق أن يسمع لها
          2- قال ابن عباس في في قوله تعالى عن قول إبليس: " ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم" لم يستطع أن يقول من فوقهم علم أن الله من فوقهم.
          3- قال مالك بن أنس: الله في السماء وعلمه في كل مكان لا يخلو منه مكان.
          4- قال الشافعي: "وأن الله تعالى على عرشه في سمائه يقرب من خلقه كيف شاء وأن الله تعالى ينزل إلى سمالء الدنيا كيف شاء".
          5- وقال أبو أحمد بن الحسين الشافعي (ابن الحداد)
          " ولا ندخل فيه برأي ولا قياس, لبعده عن الأشكال والأجناس, ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون"
          - كذلك جماهير المسلمين وسائر الملل قد وقع منهم الإجماع على الإشارة إلى الله جل ثناؤه من جهة الفوق في الدعاء والسؤال, فاتفاقهم بأجمعهم على الإشارة إلى الله سبحانه من جهة الفوق حجة.
          بعد هذه الأدلة الكثيرة على استوالء الله تعالى على عرشه وعلوه سيأتي هذا الأستاذ وبكل سهولة ليؤول هذه الصفات ويبعدها عن حقيقتها, ضارباً بقواعد اللغة وأقوال الصاحابة والتابعين عُرض الحائط.
          - أنت نفيت صفة الحب في النقطة التالية والسبب أنهاصفة للحوادث والمخلوقات والله منزه عن مشابهتها, وفي النقطة التي تليها أثبت صفة الغضب لله فلم لم تنفيها عن الله لأنها صفة للحوادث واللمخلوقات مثل صاحبتها, ما هذا التناقض-
          وقلت بأن الحب (الميل القلبي) صفة للمخلوقات والله منزه عن مشابهتها, أنت بهذا شبهت الخالق بالمخلوق لأنك تخيلت بأن حب الله لا بد له من الميل القلبي كحبنا, ولكننا نقول بأنه يحب حباً يليق بجلاله.
          - أما الوجه فهو صفة لله تعالى كاليدين, قال أبو الحسن الأشعري في الآية" ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام" أخبر سبحانه أن له سبحانه وجهاً لا يفنى وليس كما جادت به قريحتك بأن الوجه هو ذات الله.
          - وكلامك عن اليد عجيب لا أدري من أين تأتون بالتعاريف وتجعلونها أصولاً تحكم على صفات الله وأحيلك إلى كتاب الإبانة لأبي الحسن الأشعري وانظر إلى الباب السادس ( الكلام في الوجه والعينين والبصر واليدين).
          - أما في الصفحة الثامنة فقد ذكرت جملة تكتب بماء الذهب وهي:
          "وكل صفة من صفاته تعالى لا تشترك مع صفات غيره سوى باشتراك لفظي" ثم نفيت صفات الله جميعاً باستثناء بعض الصفات لأنها تشترك لفظياً مع صفات غيره.
          ثم قلت بعد ذلك: ونؤمن بثبوت كل ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم من الأسماء والصفات"
          ما فائدة إثبات الصفة وتغيير المعنى الحقيقي الذي وُضعت له الصفة أي بالابتعاد عن المعنى القريب المقصود والسفر بعيداً إلى المعنى الغريب غير المقصود أي إلى التأويل الباطل:
          هذا وأصل بلية الإسلام من*** تأويل ذي التحريف والبطلان
          ولأجله جحدت صفات كماله*** والعرش أخلوه من الرحمن
          ولأجله قد كذبوا بنزوله نحو*** السماء بنصف ليل ثان
          وهو الذي جر القرامطة الألى*** يتأولون شرائع الإيمان
          فأساسها التأويل ذو البطلان*** لا تأويل أهل العلم والإيمان
          وحقيقة التأويل معناه الرجو ع*** إلى الحقيقة لا إلى البطلان
          فجعلتم للفظ معنى غير*** معناه لديهم باصطلاح ثان
          كل إذا قابلته بالنص قا بله*** بتأويل بلا برهان
          فجعلتم الوحيين غير مفيدة*** للعلم والتحقيق والبرهان
          لكن عقول الناكبين عن الهدى*** لهما تفيد ومنطق اليونان
          لو تأولنا صفات الله تعالى لذهبت بقية القرآن ولأصبحت ألغاز الإنجيل أفضل منه. أما صفات الله تعالى فهي كلها محكمة واضحة جلية لأن الحديث عنها هو الحديث عن التوحيد الذي هو أعظم ما أنزله الله في كتابه وهو المقصود الأول لعبادتنا جميعاً, ولكل مسلم عالم أو جاهل, كبير أم صغير. لذلك كانتآيات الصفات اللتي هي موضوع التوحيد من أوضح الواضحات وتفهم بيسر وسهولة حتى يعتقدها الجميع, ومن المحال أن تكون من المتشابهات التي يقع فيها الاختلاف وتكثر فيها الآراء. إذاً هي من المحكمات بمعنى أننا نصف الله بما وصف به نفسه من غير تأويل سواء كانت صفات ذات لازمة كالعلم والحياة والسمع والبصر وصفات تتعلق بمشيئته وإرادته سبحانه كالغضب والنزول. ونؤمن بعد هذا الكلام عن صفات الله المحكمة بأن من اعتقد أنها من المتشابهات هو كما قلت وقررت أنت (ص9) بأنه زائغ للقلب متبع للهوى راغب بإضلال المؤمنين وحرفهم عن تنزيههم لله تعالى, مبتغ للفتنة بتأويله المتشابه على غير هدى ولا نور".
          وأخيراً: أقول إني أنظر إلى المخالف بعاطفة الحزن لا الحقد وأسأل الله له الهداية, وأجمل حديث في هذا الباب دعاء نبينا صلى الله عليه وسلم " اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه". وصلى الله على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين.


          أخوكم محمد عطوان
          إليك وإلا لا تشد الركائب ــــــــــ ومنك وإلا فالمؤمل غائب
          وفيك وإلا فالرجاء مضيع ــــــــــ وعنك وإلا فالمحدث كاذب

          تعليق

          • فراس يوسف حسن
            طالب علم
            • Jun 2004
            • 400

            #6
            بسم الله الرحمن الرحيم

            أرسلت الرد التالي للأخ محمد عطوان فكان ردّه أن مزّق ورقاته أمام الأخ الفاضل الذي اوصلها له وقال:" لقراءة جزء من القرآن الكريم خير لي من هذه المهاترات" أو كما قال!

            وهذا هو الرد على الأخ المذكور:

            بسم الله الرحمن الرحيم

            وبه أستعين, وبعد:
            مقدمة:
            تصفّحت رسالتك التي أرسلت فلم ألفك منقّراً ناظراً منصفاً بل رأيتك خائضاً بغير محجّة أو برهان وعلى نحو مصمت ذي اتجاه واحد. وألفيتك قد أزلقت ما كتبتُ ببصرك فلم تتركه حتى تحاتنت منك الهنّات تترى. وأنا الذي حسبتك حصيفاً لما سمعت عنك من ذاك الفاضل الذي حسبك هو الآخر على قدر من العلم والنجابة والفهم، ولم يعلم بأن فيك تعجّل إلى حدّ الطيش والتهوّر.
            أقول: فإني ومن باب المكايلة ودون ممارسة شدة أو إجحاف أو حيف أو جنف أو شطط, بل باستخدام الرفق واللين, ومن باب الإشفاق على المخالفين, أكتب ما تقرأ علّه يكون بعون الله تعالى لمن يراه من أهل السنة كالماء الرقراق ببرده ولذّته في اليوم الحار، وكالذخيخ بحرّه وناره لمن يراه من أعدائهم. سأتابع ما سمُن من كلامك بالشرح والتعقيب وأغض الطرف عن عَشَمَته التي طغت على أغلبه حيث رميت علماء أهل السنة بداء الفلاسفة الذين أهلكهم هؤلاء وأهلكوا كل ضلال أطلّت خناذيذ غيمه على هذه الأمة، فردّوا كيد أصحابه إلى نحورهم وخرّوا على رؤوسهم سقف مطامعهم في القضاء عليها. فلم يبق لدعوى باطلة ادّعاها فيلسوف أو معتزلي أو قدري أو جهمي أو مشبّه أو مجسّم أو حكمي أو جوالقي أو يونسي أو شيطاني أو جواربي أو كرّامي أو طرائقي أو حماقي أو عابدي أو هيصمي أو قرمطي أو شيعي أو أخرق مائق أحمق مأفون أعفك أو غيرهم, لم يبق لتلك الدعاوى قوة، بل إنها خارت قواها أمام حجج هؤلاء العلماء ورثة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، وكل ذلك بحمد الله وقوته.

            ***********************
            "ألفاظ إذا اجتمعت تفرقت..."
            أما قولك: "هناك ألفاظ قال عنها العلماء إذا اجتمعت تفرّقت وإذا افترقت اجتمعت كلفظ الإسلام والإيمان وهنا كذلك لفظ الإله والرب فإذا كان سؤال الملكان من ربك مقصدهما من إلهك.....الخ".
            أقول: هل تُعتبر هذه القاعدة مطردة في جميع آي القرآن الكريم؟ إن كانت كذلك، ولا بد أن تكون كذلك وإلا وقع التناقض في كلامك، فقد هدمت الأصل الذي من خلاله رددت كلامي وكان الكلام عليك لا لك. فمن خلال استقراء الآيات الكريمة التي ذكرت الرب منفرداً والإله منفرداً يتبين مدى غلط أصلك الذي اعتمدت. فعند قراءة قوله تعالى: " قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون" (الأنعام)، يتبين لنا أن الآية الكريمة- بناءً على القانون الذي ذكرت- تدعو النبي عليه السلام ومن معه من المؤمنين إلى التبرؤ من شرك الكفار الذين ما آمنوا به رباً واحداً، بل اعتقدوا بأرباب كثر، وذلك لأن معنى الآية يصبح " قل إنما هو رب واحد وإنني بريء مما تشركون". والتناقض واضح بين نص الآية إذا انقلب الإله رباً وبين عقيدتكم المنادية بتوحيد الكفار والزنادقة والملاحدة ربوبياً. فهم عندكم يؤمنون بالله رباً، والآية تناديهم إلى الإيمان به كرب واحد وتنبذ من أشرك بربوبيته، فهل نصدّق الآية الكريمة أم نصدّق ما ادّعيتم؟
            ومثلها تماماً قول الله تعالى في سورة التوبة: "لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون". وعلى نفس القانون الذي زعمت يصبح معنى الآية: "لا رب إلا هو سبحانه عما يشركون". وهذا تذكير من الله تعالى وعظة للبشر أجمعين ألا يعتقدوا بغيره الربوبية، فهل يحتاج البشر إلى من يُذكرهم بوحدانية ربهم؟ إن احتاجوا إلى هذا التذكير فهم غافلون عنه، وهذا ما نقول به. وإن لم يحتاجوا إليه لأنهم على زعمكم آمنوا به رباً فقد اتهمتم كلام الله بالعبث.
            ومثلها أيضاً قوله تعالى في سورة إبراهيم: "وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولوا الألباب". فهل يريد الله تعالى إعلامهم بما يعلمون أصالة وفطرة؟ أليس هذا من باب تحصيل الحاصل، أو من باب العبث تعالى الله عنه علواً كبيراً؟ فهو يناديهم على نفس القانون الذي زعمت أن يعلموا "أنما هو رب واحد"، وهم يعلمون ذلك علم اليقين في عقيدتكم.
            ومثلها أيضاً قول الله تعالى في سورة النحل: "وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد". ومعنى الآية الكريمة على نفس القانون الذي ابتدعت يصبح: "وقال الله لا تتخذوا ربين اثنين إنما هو رب واحد". ولم يتخذ البشر أو الكفار ربين اثنين، بل اتخذوا رباً واحداً. ففي أي باب من أبواب الخطاب العاقل يمكن لنا أن نضع الآية السابقة إن التزمنا بقولكم؟
            ومثلها قوله تعالى في سورة القصص: "ولا تدع مع الله إلهاً آخر لا إله إلا هو". ومعنى الآية على نفس القانون الذي خرقت: " ولا تدع مع الله رباً آخر لا رب غيره".وهذا المعنى متناقض مع ما عرفت من عقيدتكم، فليس عندكم أحد من البشر يوحد رباً آخر غير الله تعالى ويعترف له بالربوبية.
            ومثلها قوله تعالى في سورة الصافات: "إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون". ومعنى الآية الكريمة على نفس القانون الذي أفلت منك يصبح: "إنهم كانوا إذا قيل لهم لا رب إلا الله يستكبرون". وكيف يستكبرون وهم يؤمنون بالله رباً مربياً مدبراً، أليس هذا تناقض؟ وحاشى الآية الكريمة أن يكون فيها تناقض فهي تخبر- وهذا بناءً على أصلنا الذي لا نفرق فيه بين الرب والإله- أن الكفار إذا دُعوا إلى توحيد الربوبية استكبروا وقالوا "أجعل الآلهة إلهاً واحداً" أي "أجعل الأرباب رباً واحداً" لأنهم لا يقرون له تعالى بالانفراد بالربوبية والتدبير، بل إنهم ينسبون التدبير لغيره من الآلهة التي عبدوا. أمّا قولهم "مانعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى" فقد كذّب الله عز وجل زعمهم هذا وأخزاهم بقوله في آخر الآية: "إن الله لا يهدي من هو كاذب كفّار"، لأنهم عبدوا هذه الآلهة وهم على أشد درجات اليقين بأنهم يدبرون هذا الكون وأنّ لهم ما لله تعالى من صفات الربوبية. وهذا ادّعاؤهم بأن هذه الآلهة تقرّب إلى الله تعالى هو شرك في الربوبية لأنهم جعلوها واسطة ووسيلة مؤثرة للوصول إليه سبحانه.
            ومثلها كثير في كتاب الله تعالى مما ينسف ادّعاءك نسفاً ويذره قاعاً صفصفاً. ولو رجعنا إلى مفهوم الشرك بالربوبية لعرفنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد حذر منه المؤمنين الذين يتوجهون إلى الله وحده في العبادة فقال لهم: "اتقوا هذا الشرك الخفي فإنه أخفى من دبيب النمل". فالنبي صلى الله عليه وسلم حذر من الوقوع في شرك الربوبية دون شرك الألوهية أي أن يتخذ المسلم صنماً يعبده من دون الله، فهذا الشرك لا يقدم عليه مسلم لقوله صلى الله عليه وسلم :"لا أخاف عليكم الشرك من بعدي". أما الشرك بالربوبية فلشدة غموضه وشدة اندساسه في نفس من لم يعرفه حق المعرفة سمي بالشرك الخفي، وفحواه أن يعزو المرء لغير الله تعالى ما لله من تدبير وتصريف لشؤونه وشؤون الكون. لهذا علّمنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نقول: "اللهم إنا نعوذ بك أن نشرك بك شيئاً نعلمه ونسغفرك لما لا نعلمه". وبعد هذا، أفكان المؤمنون أولى من الكفار بالتحذير من الشرك في الربوبية؟
            ثم قل لي بالله عليك، هؤلاء الكفار الذين اتخذوا أصناماً فظلوا لها عاكفين هل اتخذوها لمجرّد الطقوس السمجة الباردة دون أن يطلبوا وراء ذلك شيئاً، أم كانت طقوسهم تلك تنبيء عن تعظيم وتوقير وتبجيل واعتقاد بأن هذا الصنم المعظم يضر وينفع من دون الله تعالى.
            ثم أليست الدعوة القرآنية إلى النظر في الآفاق والأنفس وخلق السماوات بنجومها وأفلاكها والأرض بتخومها وجبالها وبحارها ومخلوقاتها هي دعوة إلى معرفة هذا الرب الذي خلق فصور وقدّر ثم توحيده وعبادته؟ فإن كان البشر يعرفونه ويوحدونه ربوبياً كانت لا حاجة لهذه الدعوة وكان الكلام عبثياً، وحاشى كلام ربنا من العبث.
            وبالعودة إلى نص قانونك أقول: لو أنك فهمت ما نطقت به جيداً لما نطقت به أصلاً لأنك تزعم بأن لفظي الرب والإله إذا اجتمعا تفرقا وإذا افترقا اجتمعا، فعندما علّقت على كلامي المتعلق بسؤال الملكين بقولك: "مقصدهما من إلهك"، لم تدرك بأن اللفظين قد اجتمعا معاً ولم ينف أحدهما الآخر، أي إن السؤال للميت كان عن ربه وإلهه معاً بناءً على عين كلامك، ولم يسألاه عن إلهه فقط كما زعمت، وبهذا يكون اتهامك الملكين الكريمين بالعبثية واضحاً إذ يسألان الميت عن الرب الذي يعرفه ويوحده. ألا يدل هذا على تهوّر منك خطير متناسياً أنك تتكلم في العقائد والأصول؟
            والخلاصة: عندما نرى أمر الله تعالى في محكم كتابه لعباده بتوحيده نعلم علم اليقين أن المقصود من التوحيد هو توحيد الربوبية والألوهية سواءً بسواء ونعلم أيضاً أن توحيد الربوبية ليس بالأمر الفطري البدهي بل هو نظري كسبي.
            وأرجع معك إلى المتن فأقول: لمّا سأل الملكان الميت عن ربه فقد سألاه عن أمر يجهله، أمر لم يمر في مخيلته أو وهمه أو عقله، لأنه ما عرف ربه وما اعترف له بالانفراد بالربوبية والألوهية، فقال قولته المليئة بالحسرة والندامة: "لا أدري"، وبهذا هو صادق. أما من قال لا أدري من عصاة المسلمين فهذا أمره لربه عز وجل، إن علم منه بأنه قالها لأنه عاش غافلاً لا منكراً عذبه مع عصاة المسلمين في النار، أما إن علم منه الإنكار كان من الخالدين فيها.
            ***************************
            "القول في الصفات"
            قال الإمام الرازي رحمه الله في كتابه تأسيس التقديس:
            " ورد في القرآن ذكر الوجه والعين والجنب الواحد والأيدي والساق الواحدة, فلو أخذنا بالظاهر يلزمنا إثبات شخص له وجه واحد وعلى ذلك الوجه أعين كثيرة وله جنب واحد وعليه أيدٍ كثيرة وله ساق واحد, ولا نرى في الدنيا أقبح صورة من هذه الصورة المتخيّلة, ولا أعتقد أن عاقلاً يرضى بأن يصف ربه بهذه الصفة". أ.هـ
            وبعبارة أخرى: إنّ ذكر هذه الإضافات التي أضافها الله تعالى لذاته العلية جاء مفرّقاً في القرآن الكريم، ولم يأمر الله تعالى بجمعه بعد تفرّقه، لأن جمعه يؤدي إلى إنشاء هذه الصورة للرب تبارك وتعالى في الذهن, وهي صورة مبتورة مشوهة. والإمام رحمه الله يدعو المخالف إلى الاحتكام للقرآن الكريم دون زيادة أو نقصان, فمن رغب بترقيع هذه الصورة عن ربه لا بد له من الزيادة في القرآن الكريم, والزيادة فيه تخرجه من دائرة الإيمان. فإين ذكرالله عز وجل في القرآن الكريم ساقين اثنتين؟ وأين ذكر جنبين اثنين؟ وأين ذكر القدمين الثنتين؟ وقد ذكر القرآن الكريم يدان وأيدي فبأيهما نأخذ؟ لعل المخالف يقول خذ بالحديث الذي قيد هذا فقال "كلتا يدي الله يمين", أقول هما يمين وشمال في الحديث الصحيح الآخر "يقبض الله السماوات بيمينه والأرض بشماله", فكيف الجمع بين هذه النصوص1 ؟ فهذه هي البدعة التي ابتدعها أصحاب ظاهر النص واتهموا أكابر علماء الأمة بأنهم ضلوا وادلهمت خطوبهم واهتلكوا أنفسهم فلم ينجوا من هذه المعامع.
            أقول: قد أجهد هؤلاء أنفسهم عندما أتوا إلى ما تفرّق في القرآن الكريم من الإضافات التي أضافها الله تعالى لذاته فجمعوها ليحدثوا صورة لمعبودهم تنبيء عن شخص عميد مشوّه الذات. وأعوصوا بعوام المسلمين بكلامهم المرجّم البعيد عن أصول هذا الدين العظيم وعن تنزيه رب العالمين. وقد نصبوا خطاطيفهم التبديعية والتفسيقية والتكفيرية حتى أدمت الأمة الإسلامية بمجملها وأدمت حيّها وميّتها، وكبيرها وصغيرها، وعالمها ومتعلمها. فمن لم يوافقهم على طريقتهم كان مُرهّقاً مبدّعاً بل ومكفّراً وغيرها من الظِنن، والله تعالى المستعان.
            أقول: بدأ الأخ رده في هذا المبحث بكلام خطابي كان الأجدر به تجنبه والابتعاد عنه، لأنه لا يليق بمن انبرى للرد العلمي أن يملأ رده بكلام وعظي عاطفي لمحاولة استمالة عاطفة القاريء. وقد أغرقنا الأخ بكلماته البعيدة عن الدقة والورع مثل قوله: "عجباً لنفوس اهتدت في ظلم الآراء إلى التمييز بين الخطأ والصواب وخفي عليها ذلك في أنوار السنة والكتاب"، معرّضاً بنا بأننا أبعد ما نكون عن أنوار الكتاب والسنة، وسيعلم بإذن الله تعالى أننا الأقرب إليهما من طائفته ومن جميع الطوائف المنتسبة إلى الإسلام. وقال أيضاً متهماً إيانا بأننا نوافق الفلاسفة على مقولاتهم ونقدم ما يقولون على الكتاب والسنة مرة أخرى: "هل الاستشهاد بكلام الفلاسفة البعيد أولى من الاستشهاد بالآيات ذات المعاني القريبة". أتراني قد صرحت أو لمّحت بتأثري بالفلاسفة وبمقولاتهم في المتن الذي كتبت؟ أم تراني قد أسررت له وهمست في أذنه بهذا؟ أم تراه قد اكتشف ما يدّعي بنفسه ولم يكن مقلداً لما يقرأ ويسمع من أشياخه؟ أم أنه يريد أن ينبأنا بأنه قد هضم ما يقول الفلاسفة ومن خلال فهمه استطاع أن يربط ما قلت بمقولاتهم؟ الله تعالى أعلم وأحكم. واسمعه حيث يقول: "ماذا حرم المعرضون عن نصوص الوحي في صفات الله التي لا تقبل التأويل وماذا فاتهم من حياة القلوب واستنارة البصائر"، ثم بعد ذلك يذكر أبياتاً من نونية ابن القيم. أقول ناصحاً الأخ: في مثل هذه المقامات وهذه المباحث ينزّه الباحث المنصف نفسه عن مثل هذه الاتهامات التي لا دليل عليها ولا طائل من ورائها ويبدأ في نقده المبني على البرهان والحجة مباشرة.




            1فاسمع ماذا يقول ابن عثيمين, وانظر كيف يهرب إلى التأويل الذي يحاربه المخالفون بكل ما أوتوا من قوة: "الجمع بين الحديثين واضح، أن الله تعالى له يمين وشمال، لكن كلتا اليدين يمين، أي: يُمن وخير وبركة وانظر كيف يُأوّل اليمين باليمن والخير والبركة بكل بساطة فلا يواجه بالنقد والاعتراض!
            إليك وإلا لا تشد الركائب ــــــــــ ومنك وإلا فالمؤمل غائب
            وفيك وإلا فالرجاء مضيع ــــــــــ وعنك وإلا فالمحدث كاذب

            تعليق

            • فراس يوسف حسن
              طالب علم
              • Jun 2004
              • 400

              #7
              "تابع القول في الصفات"
              نقل الأخ بعض أقوال أهل اللغة عن الحقيقة والمجاز وعن الكلمة فيما وضعت له في أصل اللغة ...الخ ثم قال: "خلاصة هذه الأقوال... بأن اللفظ يؤخذ على حقيقته أبداً ولا يُحمل اللفظ على المجاز إلا إذا تعذر فهم اللفظ على حقيقته....ولا شك أن الحديث عن صفات اللع تعالى يدخل في باب الاعتقاد الذي هو أعظم من الحديث عن الصلاة والصيام ....وما دامت صفات الله أعظم فلا شك أنها في القرآن من أوضح الواضحات ومن أظهر الظاهرات ومن أجلى الجليات..." الخ كلامه الذي أراد به أن ينفي المجاز مطلقاً.
              يطالبنا الأخ في خلاصة كلامه أن نتعامل مع النصوص التي تختص بذات الله تعالى على ظاهرها وأن نفهم الألفاظ على حقيقتها، أي على ما وضعت له في لسان العرب، فاستخدام التأويل يعتبر إثباتاً للفظ فقط مع تجريده من معناه الذي وضع له أصالة، وهو من جنس إنكار العرب وتعطيلهم للألفاظ عن معانيها. وليس الأمر كما قال، فدعوى نفي المجاز في القرآن والسنة عن كل ما يتعلق بذات الله تعالى دعوى ناقصة ليس عليها دليل، بل الدليل قام على نقيضها، ففي القرآن الكريم والسنة النبوية ما لا يحصى من جنس ما يناقض مثل هذه الدعوى، ولو أردنا أن نلتزم بدعواه لأخرجنا القرآن عن مضمونه وإعجازه وفصاحته التي لم تدانيها فصاحة فصيح أو شاعر ماهر أو أديب أريب. ولو أردنا أن نثبت الألفاظ على ظاهرها لخرجت الكثير من الآيات الكريمة والأحاديث النبوية عن سياقها ومعناها الذي أريد منها وأصبح المعنى مغايراً لمراد الله عز وجل ومراد رسوله. يقول تعالى: (والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة)، فبدون أن ننقل القبضة لتكون اسماً للقدرة وبدون أن ندّعي أن الله تعالى أراد إثبات قبضة لذاته يصبح معنى جملة هذا الكلام هو تبيان مدى القدرة العظمى لله تعالى وأن الأرض ومن فيها لا يشذون عن سلطان قدرته تعالى. ولا يسمى هذا نقلاً للفظ عن وضعه، إنما هو فهم لمعنى الخطاب من سياقه. وهو مثل يضربه الله عز وجل على قدرته وسلطان قوته وجبروته، ولا يخرج السياق عن مثل هذا التمثيل، حتى كأن القبضة لم تكن قط اسماً للجارحة. وهذا هو التأويل الذي نقصده ولا شيء غيره. ولا يجوز لعاقل أن يفهم من النص توجّهاً لإثبات الجارحة لما فيه من قوادح شرعية وعقلية ومنطقية تخرج الخطاب عما أريد منه. فوجود الأرض في القبضة تستلزم الحجم والمماسة، فحجم القبضة لا بد وأن يكون أكبر من حجم الأرض وإلا لم تتم الإحاطة، وهذا يستلزم قياس القبضة بالمقاييس المتعارف عليها وهو عين التشبيه والتمثيل. ولا بد للقبضة من مماسة الأرض التي تحيط بها وإلا لم تحكم الإحاطة وهذا إثبات لمماسة ذات الله تعالى لمخلوقاته. فهل هنالك عاقل يدّعي بأن هذه المعاني وغيرها كثير مقصودة من الآية الكريمة؟ وهل تعتقد أن إثبات القبضة الجارحة في الآية يعفيك من الإلزامات الباطلة التي تستتبعها؟
              قال الإمام الجرجاني في أسرار البلاغة: "قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله) المعنى على أنهم أمروا باتباع الأمر فلما كان المتقدم بين يدي الرجل خارجاً عن صفة المتابع له ضرب له جملة هذا الكلام مثلاً للاتباع في الأمر فصار النهي عن التقدم باليد نهياً عن ترك الاتباع. فهذا مما لا يخفى على عاقل أنه لا تكون فيه اليد بانفرادها عبارة عن شيء كما يتوهم أنها عبارة عن النعمة ومتناولة لها كالوضع المستأنف حتى كأن لو لم تكن قط اسم جارحة. وهكذا قول النبي صلى الله عليه وسلم (المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم) المعنى وإن كان على قولك وهم عون على من سواهم فلا تقول إن اليد بمعنى العون حقيقة بل المعنى أن مثلهم مع كثرتهم في وجوب الاتفاق بينهم مثل اليد الواحدة فكما لا يتصور أن يخذل بعض أجزاء اليد بعضاً وأن تختلف بها الجهة في التصرف كذلك سبيل المؤمنين في تعاضدهم على المشركين لأن كلمة التوحيد جامعة لهم فلذلك كانوا كنفس واحدة، فهذا كله مما يعترف لك كل أحد فيه بأن اليد على انفرادها لا تقع على شيء فيتوهم لها نقل من معنى إلى معنى على حد وضع الاسم واستئنافه".أ.هـ وهذا قانون عظيم وضعه هذا الإمام العظيم وهو جريان الخطاب بفصاحته وتركيزه على المعنى المراد منه حقيقة على قانون أصحاب اللغة.
              والشواهد على وجود المجاز في القرآن الكريم والسنة النبوية وعلى وجوب التأويل كثيرة حتى قال الإمام الجرجاني في أسرار البلاغة:
              "وأقل ما كان ينبغي أن تعرفه الطائفة الأولى وهم المنكرون للمجاز أن التنزيل كما لم يقلب في أوضاعها المفردة عن أصولها، ولم يخرج الألفاظ عن دلالتها، وأن شيئاً من ذلك إن زيد إليه ما لم يكن الشرع يدل عليه أو ضُمّن ما لم يتضمنه أتبع ببيان من عند الرسول صلى الله عليه وسلم وذلك كبيان الصلاة والحج والزكاة والصوم، كذلك لم يقض أي التنزيل بتبديل عادات أهلها، ولم ينقلهم عن أساليبهم وطرقهم ولم يمنعهم ما يتعارفونه من التشبيه والتمثيل والحذف والاتساع.." أ.هـ إذن فلم يكن الشرع الحنيف وحشياً غريباً عن أسلوب العرب الذين نزل إليهم بل لقد جاء موافقاً لهم داعماً للغتهم ولما عهدوه منها. وقال أيضاً في (أسرار البلاغة): "فكيف وبطالب الدين حاجة ماسة إليه، أي المجاز، من جهات يطول عدّها، وللشيطان من جانب الجهل به مداخل خفية يأتيهم منها، فيسرق دينهم من حيث لا يشعرون، ويلقيهم في الضلالة من حيث ظنوا أنهم مهتدون!". أ.هـ فها هو واضع فن البلاغة ومؤسسه، هذا اللغوي البحر يقول بأن معرفة المجاز والحقيقة في الكتاب والسنة ضرورة ماسة لا غنى عنها لطالب العلم بل إنها جزء لا يتجزأ من علمه الشرعي وأصل من أصول دينه، وهي الحامي له من مداخل الشيطان على عقله ووجدانه.
              أما أن يقال بضرورة التعامل مع اللفظ الخاص بذات الله تعالى على ما وضع له في أصل اللغة فهذا ليس على إطلاقه أبداً، وادّعاء الأخ بأنه كذلك يحتاج منه إلى دليل، وأنّى له بمثله، ذلك بأننا قد عرفنا ما به من تسرّع يفتقر إلى تنقير وتدقيق . وقد أورد ثلاثة تعريفات للحقيقة والمجاز دون أية إشارة للعلاقة المباشرة بينها وبين ما يطالبنا بفعله، وهو أخذ النصوص المتعلقة بذات الله تعالى على أصلها اللغوي. فقال: "قال جلال الدين القزويني بأن السكاكي عرّف الحقيقة اللغوية بالكلمة المستعملة فيما هي موضوعة له من غير تأويل في الوضع". وقال: "قال ابن الأثير الحقيقة هي اللفظ الدال على موضوعه الأصلي، والمجاز هو ما أريد به غير المعنى الموضوع له في أصل اللغة". ثم قال: "قال صاحب دلائل الإعجاز الحقيقة أن يقر اللفظ على أصله في اللغة، والمجاز أن يزال عن موضعه ويستعمل في غير ما وضع له". وظن بأنه بهذا قد حل المعضلة وتركها على محجة بيضاء. لكنه غاب عنه بأن هذه النقول حجة عليه لا له. وبيان ذلك، أن الألفاظ التي وردت في القرآن مضافة إلى ذات الله تعالى لا يمكن أن تدل على وضعها الأصلي لأن ذلك يؤدي إلى الوقوع في المحذور الذي أخبرت الأخ ابتداءً عنه. فكلمة اليد وضعت في أصل اللغة لتدل على الكف والأصابع وما يربط بينها من أربطة وأوردة: قال في لسان العرب: "قال أبو اسحق: اليد من أطراف الأصابع إلى الكف"........وكلمة الرجل وضعت في أصل اللغة لتدل على العضو من الفخذ إلى القدم: قال في لسان العرب: "قال أبو إسحق والرجل من أصل الفخذ إلى القدم"...... وكلمة القدم وضعت في أصل اللغة لتدل على العضو الذي يطأ عليه الإنسان في مشيه: قال في لسان العرب: "قال الليث: القدم من لدن الرسغ ما يطأ عليه الإنسان". وغيرها كثير. لقد طالبتنا في ردك بأخذ اللفظ على ما وضع له في أصل اللغة، وها نحن ذا قد نقلنا لك ما أردت من معاجم اللغة، فالتنظر إلى هذه الألفاظ التي ما وضعت في أصل اللغة إلا لتدل على الأبعاض والأجزاء ولتقل لنا هل تقبل عزوها إلى الله تعالى، هل تقبل بأن يوصف الله تعالى باليد التي هي جارحة والرجل التي هي عضو والقدم التي هي جزء؟ أم أنكم تنقمون منا نفينا للعضوية والبعضية والجزئية عن الله تعالى وإثباتنا لكل ما ينافي شبهه ومثله؟ فإن قلت لله يد لا نعرف كيفيتها فقد أثبت لله تعالى العضو الذي دل عليه اللفظ المستخدم وأثبت لهذا العضو كيفية عندما ادّعيت بأنها ثابتة في نفس الأمر وفي الواقع لكنك نفيت علمك بها، ونفيك العلم بها لا يعني أنها بغير كيفية، فتنبه. فدونك هذه المعاني التي سلفت، ودونك هذا الميدان الخطير وأنزل نفسك منزلها ولا تلق بها إلى التهلكة فتهلك. أما نحن فإننا نقول: نثبت لله تعالى اليد والكف والإصبع والقدم والرجل والجنب وهي صفات معان لا صفات أعيان أي هي بذاتها أعيان أي ليست بجارحة أو جزء أو بعض، وانقم منا بعد ذلك ما تشاء. وبهذا يتبين لك مدى الغلط الذي وقعت فيه بقولك: "فحينما نقول بأن لله يد وقدم وأنه فوق السماء السابعة بذاته كما وصف ربنا نفسه، فلم لا تأخذون اللفظ على حقيقته ولا تستطيع عقولكم أن تقبله "أأنتم أعلم أم الله". أقول: إن استطاع عقلك أن يقبل الجارحة لله عز وجل، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، فلا تمتعظ عند إلحاقك بالمجسمة الحشوية، والله المستعان. أما قولك: "أما أن تريدني أن أنفي صفة اليد والرجل والوجه وغيرها من الصفات عن الله لأن هذه الصفات موجودة في الإنسان أو المخلوقات فهذا لا يقبله عاقل فلم لا أنفي على قاعدتكم هذه صفة اليد عن الإنسان تكريماً له حتى لا يتبادر إلى الخيال أو الذهن بأن يده تشبه يد الحيوان، ولم لا أنفي صفة الوجه عن الإنسان أيضاً حتى لا يتبادر إلى الذهن بأن وجهه يشبه وجه الزواحف، هل يقول بهذا عاقل. أنت حينما تقول مثلاً يد حيوان لا يخطر ببالك يد إنسان، وحينما تقول وجه حيوان لا يخطر ببالك وجه إنسان وكذلك العكس ........ لأنه ببساطة شديدة ودون أدلة عديدة وجه هذا غير وجه هذا ويد هذا غير يد هذا ونزول الطائر غير نزول الإنسان وأكل الإنسان غير أكل الحيوان. ولم لا أنفي على قاعدتكم ثمار الجنة المختلفة التي تشبه بعض أسمائها ثمار أهل الدنيا بل تحمل نفس الاسم، هل يقول عاقل غيروا أسماء ثمار الدنيا لأنها تشبه بالاسم فقط ثمار أهل الجنة. من يقول هذا يقال له قد فقد عقله، أليس من يقول لا نثبت إلا صفات سبعة وما دونها ننفيه عن الله لأنها تشبه بالاسم صفات البشر هو أشد سخفاً من ذلك..." فهو قول مليء بالتناقضات والمغالطات التي تنبيء عن الاظطراب. أنت هنا تتكلم عن الكيفية التي تختلف بين الوجوه والأيادي والأقدام والثابتة لها جميعاً ونسيت بأنها كلها تشترك بالمدلول الذي يشير إلى الجارحية والعضوية والجزئية. فوجه الإنسان كوجه الحيوان يشتركان باللفظ والمعنى ويفترقان بالكيفية، وأنت قد ادّعيت بأنك تعامل اللفظ بما وضع له، وها أنتذا تعارض ما التزمت به. فلفظ الوجه قد وضع في لسان العرب ليدل على تلك الجارحة في جميع المخلوقات، من أعلاها إلى أدناها، ومن أشرفها إلى أحقرها، ويبقى الاختلاف في الكيفية التي يمتاز بها كل مخلوق عن غيره. وكذا يقال في نزول الطائر ونزول الإنسان، فالإثنان يشتركان في المدلول وهو النقلة من مكان أعلى إلى مكان أسفل ويختلفان في الكيفية. وخلافي معك ليس في الكيفية إنما في مدلول اللفظ في اللغة. وحينما تقول أثبت المعنى وأثبت اللفظ الدال عليه كما وضع في أصل اللغة فأنت تقول بإثبات الجارحية والعضوية والجزئية لذات الله تعالى مع وجود الاختلاف في الكيفية، وهذا لا يقول به إلا خُلّص المجسمة وهو خلاصة كلامك السابق. وكذا يقال عن باقي الألفاظ التي ادّعيت بأنها تدل على الصفات، ولا تدل على أجزاء مركّبة وأبعاض مؤلفة، وهذا يدلّ على أنك لا تعرف الفرق بين الصفة والذات، فالصفة قائمة في الذات لا جزؤه. فادّعاؤك بأن الوجه واليد والقدم والجنب والإصبع صفات أعيان يخرج خطابك من دائرة خطاب العقلاء، ويدل على أنك غير متقن لما تقول . ثم قولك: "أليس من يقول لا نثبت إلا صفات سبعة وما دونها ننفيه عن الله لأنها تشبه بالاسم صفات البشر هو أشد سخفاً من ذلك"، فيه مغالطة وتناقض. فأما المغالطة فهي ادّعاؤك بأننا لا نثبت لله تعالى سوى سبع صفات، ونحن نقول بأن كمالات الله تعالى لا تتناهى ولم نعرف إلا هذه السبع لما قامت على ذلك الأدلة الكبرى. وأما التناقض فهو قولك بأن صفات الله القدسية لا تشبه الصفات البشرية إلا بالاسم، أي كما يقول الأصوليون لا تشترك مع صفاتنا إلا باشتراك لفظي. فهل هذا الذي كنت تقوله من قبل؟ ألم تطالبنا من قبل بإثبات المعنى والمدلول وإثبات اللفظ الذي وضع له؟ وهذا لعمري هو عين التناقض الواضح. ثم لماذا أراك قد غضضت الطرف عن قول الإمام الطحاوي ولم تعلق عليه ولو بكلمة: "تعالى عن الحدود والغايات والأعضاء والأركان"؟ فهل توافقه أم تخالفه؟ إن كنت توافقه فقد وافقتنا على عقيدتنا ويبقى النزاع معك نزاعاً لفظياً. وإن كنت تخالفه، فقد انطبق عليك كل ما سلف والتزمت الجسمية لله تعالى وكنت في صف الحشوية. ولا أراك إلا فاعل ذلك لأنك متابع لكلام من سبقك ممن قالوا بذلك. فها هو ابن تيمية يقول في ردّه على تأسيس التقديس: "ومعلوم أن كون الباري ليس جسماً ليس هو مما تعرفه الفطرة بالبديهة ولا بمقدمات قريبة من الفطرة ولا بمقدمات بينة في الفطرة بل مقدمات فيها خفاء وطول وليست مقدمات بينة ولا متفقاً على قبولها بين العقلاء، وطوائف كثيرون من أهل الكلام يقدحون في ذلك كله، ويقولون بل قامت القواطع العقلية على نقيض هذا المطلوب...ويقولون أن الموجود القائم بنفسه لا يكون إلا جسماً وما لا يكون جسماً لا يكون إلا معدوماً"، ويعتبر أن الفطرة ما عرفت إلا الموجود الجسم لا غير ذلك. فأن يكون هنالك موجود ليس بجسم ليس هو مما عرفته الفطر السليمة أو عرفه طوائف العقلاء. كذا قال، فلماذا لم تدرك الفطرة المزعومة موجوداً ليس بجسم ذي أجزاء وأبعاض بما أنها أدركت موجوداً لا تشبه أجزاؤه أو جوارحه أو أبعاضه أجزاء وأبعاض وجوارح البشر بالكيفية وهو قول لا يقوم عليه دليل مطلقاً؟! وقال أيضاً: "فالفريقان اتفقوا على أن الوهم والخيال يقبل قول المثبتة الذين ذكرت أنهم يصفونه بالأجزاء والأبعاض وتسميهم المجسمة، فهو يقبل مذهبهم لا نقيضه في الذات". يجعل ابن تيمية الوهم والخيال حاكمين على ذات الله تعالى الموصوفة بالأبعاض والأجزاء، وهي بهذا الوصف أقرب إليهما من النقيض أي كونها غير متصفة بها، وهو يعتبر هذا أمراً بديهياً ويرجع البداهة إليهما. والبداهة راجعة إلى العقل عند العقلاء لا إلى الوهم والخيال والحس. فأين موقفه من العقل؟ العقل بالنسبة لابن تيمية عبارة عن أداة لتجميع ما يأتيه من الوهم والخيال والحس من الصور. فهو بهذا يعتبر تابعاً لا حاكماً، وهذا هو عين منهج الطبائعيين الحسيين. قال الإمام الرازي في تأسيس التقديس: "وأما الحنابلة الذين التزموا الأجزاء والأبعاض فهم أيضاً معترفون بأن ذاته تعالى مخالفة لذوات هذه المحسوسات، فإنه تعالى لا يساوي هذه الذوات في قبول الاجتماع والافتراق والتغيّر والفناء والصحة والمرض والحياة والموت، إذ لو كانت ذاته تعالى مساوية لسائر الذوات في هذه الصفات لزم إما افتقاره إلى خالق آخر ولزم التسلسل، أو لزم القول بأن الإمكان والحدوث غير محوج إلى الخالق، وذلك يلزم منه نفي الصانع، فثبت أنه لا بد لهم من الاعتراف بأن خصوصية ذاته التي بها امتازت عن سائر الذوات ما لا يصل الوهم والخيال إلى كنهها، وذلك اعتراف بثبوت أمر على خلاف ما يحكم به الوهم ويقضي به الخيال". فأي استبعاد بعد هذا في وجود موجود ليس هو بجسم أو قائم بجسم وإن كان الخيال والوهم لا يمكنهما إدراك هذا الموجود؟
              أما ما نقلت عن الإمام السيوطي رحمه الله تعالى، وعلّقت عليه بالآية الكريمة (بل يداه مبسوطتان)، فهذا يفنّده قول الله تعالى عن القرآن الكريم: "لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه". وقوله تعالى: "وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه". وقوله تعالى: "إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد". فهل استعملت اليدان هنا على الحقيقة أم على المجاز؟ وهل استخدمت كلمة (يديه ويدي) لتشير إلى الجوارح؟ قال في لسان العرب: "وقوله في حديث يأجوج ومأجوج: قد أخرجت عباداً لي لا يدان لأحد بقتالهم أي لا قدرة ولا طاقة". وقال أيضاً: "يقال ما لي بهذا الأمر يد ولا يدان لأن المباشرة والدفاع إنما يكونان باليد، فكأن يديه معدومتان لعجزه عن دفعه". وقال أيضاً: " قال الزجاج: يقال للرجل إذا وبّخ ذلك بما كسبت يداك، وإن كانت اليدان لم تجنيا شيئاً لأنه يقال لكل من عمل عملاً كسبت يداه لأن اليدين الأصل في التصرف".
              نذكر هنا إن شاء الله شيئاً من الشواهد في الكتاب والسنة والتي تدل على ضرورة المصير إلى التأويل الذي ذكرنا سابقاً وفهم الخطاب من سياقه عند كل عاقل:
              قال الله تعالى: "الله نور السموات والأرض". ومعلوم بأن الله تعالى ليس بنور إنما هو هادي السموات والأرض وما فيهن. وقال تعالى: "وهو معكم أينما كنتم". ومعلوم أن هذه المعية ليست إلا بالعلم والقدرة. وقال تعالى: "ونحن أقرب إليه من حبل الوريد". ومعلوم أن هذا القرب ليس إلا بالعلم والسلطان. وقال تعالى: "واسجد واقترب". ومعلوم أن هذا القرب ليس إلا بالطاعة والعبودية، فأما الاقتراب بالجهة فمعلوم بالضرورة أنه لا يحصل بسبب السجود. وقال تعالى: "من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً". ولا شك أنه لا بد فيه من التأويل. وقال تعالى: "فأتى الله بنيانهم من القواعد فخرّ عليهم السقف". ولا بد فيه من التأويل، لأن اللإتيان لا يكون إلا بالذات وليس هذا هنا إلا الإتيان بالقدرة والسلطة. وقال تعالى لموسى وهارون: "إنني معكما أسمع وأرى". وهذه المعية ليست إلا بالحفظ والعلم والرحمة.
              وأما الأخبار فهذا النوع فيها كثير:
              قوله عليه الصلاة والسلام حكاية عن رب العزة:" من أتاني يمشي أتيته هرولة". ولا يشك عاقل أن المراد منه التمثيل والتصوير. وقوله صلى الله عليه وسلم: " إن الرحم تتعلق بحقو الرحمن، فيقول سبحانه: أصل من وصلك". ولا بد فيه من التأويل. وقوله صلى الله عليه وسلم: "قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن". وهذا لا بد فيه من تأويل لأنا نعلم بالضرورة أنه ليس في صدورنا إصبعان بينهما قلوبنا . والإصبع في اللغة تطلق على الأنملة المتصلة بالكف، وتطلق على تمام الصنعة وحسن الأثر. وهو جار مجرى التمثيل والتصوير والكناية عن سرعة تقلب قلوب العباد وإن ذلك أمر معقود بمشيئة الله تعالى. وهي تدل على تقلب قلوب المؤمنين بين رحمات الله تعالى، فالله سبحانه يقلّب تلك القلوب من رحمة وإحسان إلى رحمة وإحسان. وقوله صلى الله عليه وسلم: "إن لآية الكرسي لساناً يقدّس الله عند العرش"، لا بد فيه من التأويل.
              ونحن نعلم بأن التيمية يثبتون لله تعالى الجوارح والأعضاء كقاعدة أصولية عندهم ومن ثم لا غضاضة من الاستئناس بالتأويل الذي ذكره العلماء. أقول: إن فعلهم هذا هو من باب التشهي الذي لم تقم عليه حجة ولم يستأنس ببرهان، لأن إثباتهم الأعضاء لله تعالى لم يقم عليه دليل أو برهان بل الدليل قام على نفيه وردّه، وأثبت أن الله تعالى لا يشبه شيئاً من خلقه ولا يشبهه شيء من خلقه. قال تعالى: "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير". والآية الكريمة تنفي مطلق التمثيل ومطلق التشبيه، وابن تيمية يكثر في كتبه إيراد الذم للتشبيه ولكن التشبيه المقيّد بالتمثيل أي القول بالمماثلة التامة أو المساواة، ولا ينفي التشبيه من وجه. فهو يقول بالتشبيه أي التمثيل بوجه ولا يتردد في نفي التمثيل، بادّعائه بأن الآية السابقة هي آية متشابهة وليست محكمة1 .




              1 راجع إن أردت تعليقه على مناظرة السمنية للجهم.
              إليك وإلا لا تشد الركائب ــــــــــ ومنك وإلا فالمؤمل غائب
              وفيك وإلا فالرجاء مضيع ــــــــــ وعنك وإلا فالمحدث كاذب

              تعليق

              • فراس يوسف حسن
                طالب علم
                • Jun 2004
                • 400

                #8
                ويبقى قولك: "....فإنك بذلك جعلت صفات الله تعالى من المتشابهات التي تدخل عليها الآراء المختلفة مع أن آيات الصفات من الآيات المحكمات، ولإن تؤول لفظ الصلاة والصيام والحج والزكاة والملائكة والكتب والرسل أهون بكثير من تأويل آيات الصفات في القرآن الكريم والأحاديث النبوية". وهذا الكلام لا يخلو من مغالطة. فأنا لم أجعل صفات الله تعالى الثابتة له بالدليل من المتشابهات، بل إنني أعتقد اعتقاداً جازماً عن دليل بأن الله تعالى حي قادر مريد عليم سميع بصير متكلم، ولي على ذلك نصوص محكمة غير متشابهة. أما إن كنت تقصد ما تزعم بأنها صفات فهذا يرجع إلى كل آية أو حديث على حدة فننظر فيه، فإن كان اللفظ الذي جعل موضوعاً لمعنى: فإما أن يكون محتملاً لغير ذلك المعنى أو لا يكون، فإن كان موضوعاً لمعنى ولم يكن محتملاً لغيره فهو النص، وإن كان محتملاً لغير ذلك المعنى: فإما أن يكون احتماله لأحدهما راجحاً على الآخر وإما ألا يكون، بل يكون احتماله لهما على السوية، فإن كان احتماله لأحدهما راجحاًعلى احتماله للآخر كان ذلك اللفظ بالنسبة إلى الراجح ظاهراً، وبالنسبة إلى المرجوح مؤولاً. وأما إن كان احتماله لهما على السوية كان اللفظ بالنسبة إليهما معاً مشتركاً وبالنسبة إلى كل واحد منهما على التعيين مجملاً. فخرج من هذا التقسيم أن اللفظ إما أن يكون نصاً أو ظاهراً أو مجملاً أو مؤولاً، والنص والظاهر يشتركان في حصول الترجيح إلا أن النص راجح مانع من النقيض والظاهر راجح غير مانع من النقيض. فالنص والظاهر يشتركان في حصول اللترجيح، فهذا القدر هو المسمى بالمحكم. وأما المجمل والمؤول فهما يشتركان في أن دلالة اللفظ غير راجحة، إلا أن المجمل لا رجحان فيه بالنسبة إلى كل واحد من الطرفين والمؤول فيه رجحان بالنسبة إلى الطرف الآخر، والقدر المشترك وهو عدم الرجحان بالنسبة إليه هو المسمى بالمتشابه، لأن عدم الفهم حاصل فيه. مثاله من القرآن قوله تعالى (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها) فهذا الكلام متشابه وظاهره أنهم يؤمرون بأن يفسقوا ومحكمه قوله تعالى (إن الله لا يأمر بالفحشاء). وقوله تعالى (نسوا الله فنسيهم) ومحكمه (ما كان ربك نسياً)، وقوله تعالى (لا يضل ربي ولا ينسى)1 . وهذا الكلام أيضاً ينسحب على آيات الصفات التي زعمت، فإن كان ظاهرها يخالف آية محكمة ونصاً لا يقبل التأويل يصرف النظر عنه وترد بحكمها إلى الآية المحكمة مثل قوله تعالى (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) وسورة الإخلاص بكاملها وغيرها من الآيات. وقد قلنا بأن سورة الإخلاص كلها محكمة لأنها نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم كجواب عن السؤال عن ربه، ما كنهه وما ماهيته؟ فنزلت السورة لتجيب الجواب الشافي عن الله جل في علاه.
                وقد وضّح العلماء الحكمة من وجود المتشابهات في القرآن الكريم وفي السنة النبوية فقالوا: أولاً: إنه متى كانت المتشابهات موجودة كان الوصول إلى الحق أصعب وأشق، وزيادة المشقة توجب مزيد الثواب والدرجات والمفاضلة وتميز العالم من العامي. وثانياً: إن القرآن لما كان مشتملاً على المحكم والمتشابه افتقر إلى تعلم طرق التأويلات وترجيح بعضها على بعض، وافتقر في تعلّم ذلك إلى تحصيل علوم كثيرة من علم اللغة والنحو وعلم أصول الفقه ومعرفة طرق الترجيحات، ولو لم يكن القرآن الكريم مشتملاً على هذه المتشابهات لم يفتقر إلى شيء من ذلك. وثالثاً: إن القرآن لما كان مشتملاً على المحكم والمتشابه افتقر الناظر فيه إلى الاستعانة بدلائل العقل، والاستكثار من سائر العلوم اليقينية وحينئذ يتخلص من ظلمة التقليد ويصل إلى ضياء الاستدلا والحجة. أما لو كان كله محكماً لم يفتقر إلى كل ذلك ويبقى في الجهل والتقليد. رابعاً: وهو الأقوى: إن القرآن مشتمل على دعوة الخواص والعوام، وطباع العوام تنبو في أكثر المر عن إدراك الحقائق المحضة، فمن سمع من العوام في أول الأمر إثبات موجود ليس بجسم ولا متحيّز ولا مشار إليه ظن أن هذا عدم، فوقع في التعطيل، فكان الأصلح أن يخاطبوا بألفاظ دالة على بعض ما يناسب ما تخيلوه وتوهموه ويكون ذلك مخلوطاً بما يدل على الحق الصريح، فالقسم الأول وهو الذي يخاطبون في أول الأمر يكون من باب المتشابهات، والقسم الثاني وهو الذي يكشف لهم في آخر الأمر هو من المحكمات2 . وهذا التقسيم يفصل الناس إلى فسطاطين ويميز الخبيث من الطيب، من الذين زاغت قلوبهم والذين صغت قلوبهم كما ذكره الله تعالى في سورة آل عمران. ويبقى أن أقول: إن كنت تزعم بأن لفظ الصلاة والصيام والزكاة والحج قد استعملت في القرآن الكريم فيما وضعت له فقد جانبت الصواب. فأصل الصلاة الدعاء وأصل الصيام الإمساك عن الشيء والترك له وأصل الزكاة التطهير وأصل الحج الزيارة والإتيان، ولم تستعمل أي منها فيما وضعت له. فالصلاة هي الحركات المخصوصة بما فيها من ركوع وسجود وسميت كذلك لأنها يتخللها الدعاء، والصوم هو الإمساك عن الطعام والشراب والنكاح في الوقت المخصوص وليس مطلق الإمساك عن أي شيء كان، والزكاة هي ما يدفع من مبلغ مخصوص يؤدى كطاعة لله تعالى وليس مطلق الطهارة والتطهير، والحج يقصد به زيارة المسجد الحرام وأداء المناسك وليست مطلق الزيارة لأي مكان كان. إذن لم تستعمل هذه الألفاظ فيما وضعت له بل قصد منها غير مدلولها الأصلي فتأمل. فبذا يظهر بأن كلامك: (فلإن تؤول الصلاة...) لا فائدة منه لأن هذه الألفاظ على قولك أصلاً مؤولة.
                القول في الكلام
                قال الأخ: "لقد أعجبتني حينما تحدّثت عن صفة العلم، أما الكلام فلا، لأن الله تعالى تكلم كلاماً حقيقياً ولكن في إطار (ليس كمثله شيء) ....الخ".
                أقول: يفترض ألا يعجبك كلامي في العلم لأن شيخك ابن تيمية يخالفه ويقول بتجدد علوم لله تعالى لم تكن عند تجدد معلومات وتجدد أبصار لم تكن عند تجدد مرئيات. فهو يقول في مجموعة الرسائل والمسائل: "وأما جواب ابن عقيل فبناه على أصل ابن كُلاّب الذي يعتقده هو وشيخه وغيرهما، وهو الأصل الذي وافقوا فيه ابن كلاب ومن اتبعه كالأشعري وغيره، وهو أن الله لا يتكلم بمشيئته وقدرته وأنه ليس فيما يقوم به شيء يكون بمشيئته وقدرته لامتناع قيام الأمور الاختيارية به عندهم لأنها حادثة والله لا يقوم به حادث عندهم. ولهذا تأولوا النصوص المناقضة لهذا الأصل كقوله تعالى ( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون) فإن هذا يقتضي أنه سيرى الأعمال في المستقبل ". وذكر بعض الأحاديث ثم قال: "وكثير من المتأخرين من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة وافقوا ابن كلاب على هذا الأصل. واختلف كلام ابن عقيل في هذا الأصل، فتارة يقول بقول ابن كلاب وتارة يقول بمذهب السلف وأهل الحديث إن الله تقوم به من الأمور الاختيارية ويقول أنه قام به أبصار متجددة حين تجدد المرئيات لم تكن قبل ذلك وقام به علم بأن كل شيء وجد غير العلم الذي كان أولاً أنه سيوجد، كما دل على ذلك عدة آيات في القرآن كقوله تعالى (لنعلم من يتبع الرسول)3 ".
                وبالعودة إلى مسألة الكلام: فإنك قلت أن الله تعالى تكلم بكلام حقيقي في إطار (ليس كمثله شيء) وهذا هو عين ما أقول به، فالله متكلم بكلام حقيقي ليس كمثله كلام البشر. فكلام البشر يحتاج إلى جوارح متعددة حتى يتحقق كل من الحرف والصوت وأنا أنزه الله تعالى عن تلك الجوارح. فإن قلت لي بأن العقلاء لم يعرفوا كلاماً إلا بالحرف والصوت، أقول هذا كلام غير دقيق. فإن هنالك كلاماً ليس هو بحرف ولا صوت ويطلق عليه العلماء الكلام النفسي. ولا أقول بأن كلام الله تعالى هو من جنس هذا الكلام، فحقيقة صفات الله تعالى لا يعلمه إلا هو، ولكني أقول ما دام أن هنالك نوع آخر من الكلام ليس هو بحرف ولا صوت فما المستبعد من وجود نوع آخر يخص الله تعالى لا نعلمه؟ أما أن تقول بأنه متكلم حقيقة وتقصد من الحقيقة الحرف والصوت فهذا ما لا ينبغي لك، والله تعالى المستعان.
                القول في القِدم
                قال الأخ: "وأما صفة القدم فهي صفة لم تذكر في القرآن والأحاديث وإنما ذكر القرآن صفة الأول والآخر ولم يصف الله نفسه بأنه قديم وباق، ....الخ". أقول قد أوردت الحديث الذي رواه أبو داوود في مسنده بإسناد جيد وذكره الإمام النووي في كتاب خلاصة الأحكام: عن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا دخل المسجد قال: أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم. قال فإذا قال ذلك قال الشيطان حُفظ مني سائر اليوم. وذكر السلطان القديم في هذا الحديث الصحيح يفنّد ما زعمت من عدم ورود هذه الصفة في القرآن أو الحديث.
                القول في الاستواء
                أورد الأخ أقوالاً كثيرة لا يثبت أغلبها وخصوصاً ما أورده عن الإمام مالك والشافعي. ولست هنا بصدد توهين هذه الروايات وبيان ضعفها إنما أنا بصدد سؤاله عن الاستواء الحقيقي الذي زعم. فهل تقول أيها الأخ بأن الاستواء تم ببمماسة أم بغير مماسة؟ إن كان بمماسة فقد قلت بالتجسيم البغيظ، وإن كان بغير مماسة فقد نفيت أن يكون الاستواء اللغوي حقيقياً. أما إن زعمت بأنك تفهم الاستواء في إطار قول الله تعالى (ليس كمثله شيء)، فإن الله تعالى لم يقل بأنه استوى استواءً حقيقياً. فهذه الكلمة هي زيادة من عندك وهي تتناقض مع قوله تعالى .
                وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين4.


                1 تأسيس التقديس
                2 المرج السابق
                3 الكاشف الصغير
                4 هذا ما يسره الله تعالى مع غض الطرف عن باقي كلام الأخ لأنه مكرر أو غير ضروري.
                إليك وإلا لا تشد الركائب ــــــــــ ومنك وإلا فالمؤمل غائب
                وفيك وإلا فالرجاء مضيع ــــــــــ وعنك وإلا فالمحدث كاذب

                تعليق

                يعمل...