الشرح القويم في حل ألفاظ الصراط المستقيم
من أقوى الكتب المصنفة في العقيدة
للعلامة المحدث الفقيه الشافعي " الشيخ عبد الله الحبشي"
بسم الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد الأنبياء والمرسلين ، وعلى آله الطاهرين وصحابته الطيبين
بسم الله أي أبتدئ باسم الله ، ولفظ الجلالة ( الله ) علم للذات المقدس المستحق لنهاية التعظيم وغاية الخضوع ، ومعناه من له الإلهية وهي القدرة على الاختراع ، والرحمن تفسيره الكثير الرحمة للمؤمنين والكافرين في الدنيا ، وللمؤمنين في الآخرة ، أما الرحيم فتفسيره الكثير الرحمة للمؤمنين .
قال المؤلف رحمه الله : الصراط المستقيم .
الشرح : أي هذا بيان للصراط المستقيم أي طريق الحق .
قال المؤلف رحمه الله : الحمد لله .
الشرح : الحمد معناه الثناء باللسان على الجميل الاختياري على جهة التبجيل والتعظيم . ومعنى الجميل الاختياري أي الشيء الذي أنعم به على عباده من غير وجوب عليه .
قال المؤلف رحمه الله : والصلاة والسلام على رسول الله .
الشرح : الصلاة هنا معناها التعظيم أي نطلب من الله تعالى أن يزيد سيدنا محمدا تعظيما ، وأما السلام فمعناه الأمان ، أي نطلب من الله لرسوله الأمان مما يخاف على أمته .
قال المؤلف رحمه الله : قال الله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ )(الحشر: من الآية18) .
الشرح : أي لينظر المرء ما يعد و يقدم لأخرته من العمل الصالح ، والآخرة ينفع فيها تقوى الله . والتقوى هي أداء الواجبات واجتناب المحرمات ، ومن جملة الواجبات تعلم العلم الشرعي ، فلا يكون العبد من المتقين ما لم يتعلم ما فرض الله على عباده معرفته من علم دينه ، فلا يكون متقيا مهما أتعب نفسه في العبادات وجاهد نفسه بتحمل مشقات العبادة وكفها عن هواها .
وأكثر المتصوفة اليوم لا يطلبون العلم الشرعي إلى القدر الكافي إنما يميلون إلى الإكثار من الذكر فهؤلاء لا يصيرون من أولياء الله الصالحين مهما تعبوا ومهما صحبوا أولياء الله وخدموهم إلا إذا أتتهم نفحة فيتعلمون ويجدون في العمل ، فهؤلاء من أهل العناية ، وأما الذين بقوا على ما هم عليه من الجهل وظنوا أنهم يصلون إلى الله بالذكر ومحبة الأولياء فهم مخدوعون .
وقوله تعالى : ( ولتنظر نفس ما قدمت لغد ) فيه دليل على محاسبة العبد نفسه ، ومعنى الغد هو الآخرة .
قال المؤلف رحمه الله : وقال علي رضي الله عنه وكرم وجهه : " اليوم العمل وغدا الحساب " ، رواه البخاري في كتاب الرقاق .
الشرح : قول : " كرم وجهه " عن سيدنا علي استحدثه الناس بعد مائة سنة أو أكثر من وفاة علي ، ولا بأس بقوله وقول عليه السلام . وليس قول " كرم الله وجهه " خاصا بسيدنا علي لأنه لم يسجد لصنم كما يظن بعض الناس بل يوجد غيره في الصحابة من لم يسجد لصنم كعبد الله بن الزبير رضي الله عنه . وتمام الرواية التي رويت عن سيدنا علي : " ارتحلت الدنيا وهي مدبرة وارتحلت الآخرة وهي مقبلة فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا ، اليوم العمل ولا حساب وغدا الحساب ولا عمل ".
ومعنى قوله : " ارتحلت الدنيا " أي سارت الدنيا ، ومعنى " مدبرة " أي الدنيا سائرة إلى الانقطاع والآخرة سارت " مقبلة " .
فالدنيا دار العمل ، والآخرة دار الجزاء على العمل ، دار الحساب وليست دار العمل . والرقاق كتاب مخصوص في أواخر الجامع المسند في صحيح البخاري .
قال المؤلف رحمه الله : أعظم حقوق الله على عباده .
إعلم أن أعظم حقوق الله تعالى على عباده هو توحيده تعالى وأن لا يشرك به شيء لأن الإشراك بالله هو أكبر ذنب يقترفه العبد وهو الذنب الذي لا يغفره الله ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء . قال تعالى : ( إن الله لا يغفر أن يشرك به و يغفر ما دون ذلك لمن يشاء )
الشرح : معرفة الله تعالى مع إفراده بالعبادة أي نهاية التذلل هو أعظم حقوق الله على عباده ، وأكبر ذنب يقترفه العبد هو الكفر وهو على نوعين : كفر شرك وكفر غير شرك ، فكل شرك كفر وليس كل كفر شركاً . لذلك كان أعظم حقوق الله على عباده أن يعبده ولا يشركوا به شيئا .
وقد أخبر الله تعالى أنه يغفر كل الذنوب لمن شاء من عباده المسلمين المتجنبين للكفر بنوعيه الإشراك بالله تعالى الذي هو عبادة غيره , والكفر الذي ليس فيه إشراك كتكذيب الرسول والاستخفاف بالله أو برسوله مع توحيد الله تعالى وتنزيهه . ومما يدل على ذلك أيضا قوله عليه الصلاة والسلام : " إن الله ليغفر لعبده ما لم بقع الحجاب " قالوا : وما وقوع الحجاب يا رسول الله ؟ قال : " أن تموت النفس وهي مشركة " رواه أحمد .
فالكفر بجميع أنواعه هو الذنب الذي لا يغفره الله أي لمن استمر عليه إلى الموت أو إلى حالة اليأس من الحياة برؤية ملك الموت وملائكة العذاب أو إدراك الغرق ونحوه فذاك ملحق بالموت .
فالحاصل أن الكفر لا يغفر إلا بالإسلام في الوقت الذي يكون مقبولا فيه ، فمن أسلم بعد الوقت الذي يقبل فيه فلا يمحو إسلامُه كفرَه . فالكفر هو أعظم الذنوب ، وبعده قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق . وأما قوله تعالى :
( والفتنة أشد من القتل ) أي الشرك أشد من القتل ، فالشرك هو أعظم الظلم لقوله تعالى : ( إن الشرك لظلم عظيم ) وقوله : ( والكافرون هم الظالمون ) ومعناه أكبر الظلم هو الكفر .
قال المؤلف رحمه الله : وكذلك جميع أنواع الكفر لا يغفرها الله لقوله تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ) (محمد:34)
الشرح : هذه الآية فيها النص على أن من مات كافرا لا يغفر الله له . وهذا يؤخذ من قوله تعالى : ( ثم ماتوا وهم كفار ) لأن هذا قيد لعدم المغفرة لهم .
ومعنى ( و صدوا عن سبيل الله ) أي ومنعوا الناس من الدخول في الإسلام ، وليس هذا شرطا للحرمان من المغفرة بل الكافر محروم من المغفرة إن منع الناس من الإسلام أو لم يمنع ؛ لكن الكافر الذي يصد الناس من الإسلام أشد ذنبا من الكافر الذي يكفر بنفسه ولا يصد غيره عن الإيمان .
قال المؤلف رحمه الله : وقد قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه والجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل " ، رواه البخاري ومسلم .
الشرح : هذا الحديث الصحيح اتفق على إخراجه البخاري ومسلم في كتابيهما المعروفين بين الأمة الإسلامية ، ومعناه يتضمن أن الإنسان إذا مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله وتجنب عبادة غيره وأن محمدا عبده ورسوله ، ويشهد أن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ويشهد أن الجنة حق وأن النار حق يدخله الله الجنة على ما كان من العمل أي ولو كان من أهل الكبائر.
ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم : " وكلمته ألقاها إلى مريم " أن المسيح بشارة الله لمريم التي بشرتها بها الملائكة بأمره قبل أن تحمل به ، فإن الملك جبريل بشرها به فقال لها أنا رسول من الله لأعطيك غلاما زكيا أي طيبا .
وقوله صلى الله عليه وسلم : " وروح منه " معناه أن روح المسيح روح صادرة من الله تعالى خلقا وتكوينا ، أي روحه روح مشرف كريم على الله ، وإلا فجميع الأرواح صادرة من الله تعالى تكوينا لا فرق في ذلك بين روح وروح قال الله تعالى : ( وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ )(الجاثـية: من الآية13) أي أن الله تعالى سخر لبني ءادم ما في السماوات و ما في الأرض جميعا منه أي أن جميع ما في السموات وما في الأرض خلقا وتكوينا . وليس المعنى أنها أجزاء منه تعالى . فالملائكة مسخرون لبني ءادم بحفظهم لهم وغير ذلك كإنزال المطر وإرسال الرياح التي ينتفعون بها والدعاء لهم أي للمؤمنين من بني ءادم خاصة .
وقوله عليه الصلاة والسلام : " والجنة حق والنار حق " معناه أنهما موجودتان وباقيتان وأنهما دارا جزاء ، فالجنة دار جزاء للمحسنين ، والنار دار جزاء للكافرين .
قال المؤلف رحمه الله : وفي حديث ءاخر : " فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله " رواه البخاري .
الشرح : المعنى أن " الله تعالى حرم على النار " أي الدوام فيها إلى الأبد " من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله " أي إن قال ذلك معتقدا في قلبه لا منافقا ليرضي المسلمين وهو في قلبه غير راض بالإسلام إما بشكه في الوحدانية أو بتكذيبه في قلبه محمدا صلى الله عليه وسلم .
ومعنى " يبتغي بذلك وجه الله " أي يبتغي القرب إلى الله تبارك وتعالى ، والوجه في لغة العرب يأتي بمعان عديدة منها القصد كما قال الشاعر :
أستغفر الله ذنبا لست محصيه رب العباد إليه الوجه والعمل
وكذلك ورد حديث رواه ابن حبان وغيره : " المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان وأقرب ما تكون المرأة من وجه ربها إذا كانت في قعر بيتها " ومعنى وجه الله هنا طاعة الله .
ومن اعتقد أن الوجه إذا أضيف إلى الله في القرءان أو في الحديث معناه الجسد الذي هو مركب على البدن فهو لم يعرف ربه لأن هذه هيئة الإنسان والملائكة والجن والبهائم فكيف يكون خالق العالم مثله .
قال المؤلف رحمه الله : ويجب قرن الإيمان برسالة محمد بشهادة أن لا إله إلا الله وذلك أقل شيء يحصل به النجاة من الخلود الأبدي في النار .
الشرح : إن اعتقاد أن لا إله إلا الله وحده لا يكفي ما لم يقرن باعتقاد أن محمدا رسول الله ، فالجمع بين الشهادتين ضروري للنجاة من الخلود الأبدي في النار . والمراد بهذا الحديث الذي مرّ وما أشبهه من الأحاديث التي لم يذكر فيها شهادة أن محمدا رسول الله ما يشمل الشهادة الأخرى لأن ذكر الشهادة الأولى صار في عرف الشرع ملحوظا فيه الشهادة الثانية وهي شهادة أن محمدا رسول الله ، وليس المعنى بهذا الحديث وشبهه أن الاقتصار على شهادة أن لا إله إلا الله بدون الشهادة الأخرى يكفي للنجاة من الخلود الأبدي في النار بل لا بد من الجمع بين الشهادتين وذلك بدليل قوله تعالى : ( وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيراً ) (الفتح:13) . فتحمل هذه الأحاديث على ما يوافق هذه الآية ، فحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأتي مناقضا للقرءان فمن توهم خلاف ذلك فهو بقصور فهمه وشدة جهله .
قال المؤلف رحمه الله : معنى الشهادتين .
الشرح : أي أن هذا بيان معنى الشهادتين .
قال المؤلف رحمه الله : فمعنى شهادة أن لا إله إلا الله إجمالا أعترف بلساني وأعتقد بقلبي أن المعبود بحق هو الله تعالى فقط .
الشرح : أن معنى لا إله إلا الله إجمالا أي من غير تفصيل : اعترافٌ مع الاعتقاد بأنه لا يستحق الألوهية إلا الله ، والإله في أصل اللغة المعبود بحق ثم استعمله المشركون لما يعبدونه من دون الله .
قال المؤلف رحمه الله : ومعنى شهادة أن محمدا رسول الله أعترف بلساني و أذعن بقلبي أن سيدنا محمدا صلى الله عليه و سلم مرسل من عند الله إلى كافة العالمين من إنس وجن.
الشرح : أذعن بمعنى أعتقد لأن الاعتراف وحده من دون اعتقاد لا يكفي ، فالمعرفة إذا اقترن بها الإذعان أي رضا النفس بالشيء الذي عرفته هي الإيمان الذي هو مقبول عند الله . وأما المعرفة وحدها فلا تكفي لأن الله تعالى أخبر عن اليهود أنهم يعرفون محمدا بأنه نبي فقال تعالى : ( يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ) لكن لم تذعن نفوسهم فلذلك يكذبونه بألسنتهم مع علمهم بأنه نبي لأن التوراة التي أنزلت على موسى فيها الإخبار بأن محمدا رسول الله لكن التوراة والإنجيل حُرّفا لفظاً بعد أن حُرِفا معنىً .
وقوله : " مرسل من عند الله إلى كافة العالمين من إنس وجن " فالعالمون هنا هم الإنس والجن بدليل قوله تعالى ( ليكون للعالمين نذيرا ) . فالمعنى أنه مرسل إلى كافة الإنس من عرب وعجم وإلى كافة الجن .
قال المؤلف رحمه الله : صادق في كل ما يبلغه عن الله ليؤمنوا بشريعته ويتبعوه .
الشرح : يجب الإيمان بأن سيدنا محمدا صادق في كل ما جاء به سواء كان مما أخبر به عن الأمور التي ستحدث في المستقبل كأمور الآخرة أو أمور الأمم السابقة أو تحليل شيء أو تحريمه .
قال المؤلف رحمه الله : والمراد بالشهادتين نفي الألوهية عما سوى الله وإثباتها لله تعالى .
الشرح : هذه العبارة فيها نفي أن يكون شيء سوى الله يستحق العبادة ، وفيها إثبات أن الله وحده هو الذي يستحق العبادة .
قال المؤلف رحمه الله : مع الإقرار برسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم .
الشرح : أي مع الاعتراف والإيمان برسالته صلى الله عليه وسلم .
من أقوى الكتب المصنفة في العقيدة
للعلامة المحدث الفقيه الشافعي " الشيخ عبد الله الحبشي"
بسم الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد الأنبياء والمرسلين ، وعلى آله الطاهرين وصحابته الطيبين
بسم الله أي أبتدئ باسم الله ، ولفظ الجلالة ( الله ) علم للذات المقدس المستحق لنهاية التعظيم وغاية الخضوع ، ومعناه من له الإلهية وهي القدرة على الاختراع ، والرحمن تفسيره الكثير الرحمة للمؤمنين والكافرين في الدنيا ، وللمؤمنين في الآخرة ، أما الرحيم فتفسيره الكثير الرحمة للمؤمنين .
قال المؤلف رحمه الله : الصراط المستقيم .
الشرح : أي هذا بيان للصراط المستقيم أي طريق الحق .
قال المؤلف رحمه الله : الحمد لله .
الشرح : الحمد معناه الثناء باللسان على الجميل الاختياري على جهة التبجيل والتعظيم . ومعنى الجميل الاختياري أي الشيء الذي أنعم به على عباده من غير وجوب عليه .
قال المؤلف رحمه الله : والصلاة والسلام على رسول الله .
الشرح : الصلاة هنا معناها التعظيم أي نطلب من الله تعالى أن يزيد سيدنا محمدا تعظيما ، وأما السلام فمعناه الأمان ، أي نطلب من الله لرسوله الأمان مما يخاف على أمته .
قال المؤلف رحمه الله : قال الله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ )(الحشر: من الآية18) .
الشرح : أي لينظر المرء ما يعد و يقدم لأخرته من العمل الصالح ، والآخرة ينفع فيها تقوى الله . والتقوى هي أداء الواجبات واجتناب المحرمات ، ومن جملة الواجبات تعلم العلم الشرعي ، فلا يكون العبد من المتقين ما لم يتعلم ما فرض الله على عباده معرفته من علم دينه ، فلا يكون متقيا مهما أتعب نفسه في العبادات وجاهد نفسه بتحمل مشقات العبادة وكفها عن هواها .
وأكثر المتصوفة اليوم لا يطلبون العلم الشرعي إلى القدر الكافي إنما يميلون إلى الإكثار من الذكر فهؤلاء لا يصيرون من أولياء الله الصالحين مهما تعبوا ومهما صحبوا أولياء الله وخدموهم إلا إذا أتتهم نفحة فيتعلمون ويجدون في العمل ، فهؤلاء من أهل العناية ، وأما الذين بقوا على ما هم عليه من الجهل وظنوا أنهم يصلون إلى الله بالذكر ومحبة الأولياء فهم مخدوعون .
وقوله تعالى : ( ولتنظر نفس ما قدمت لغد ) فيه دليل على محاسبة العبد نفسه ، ومعنى الغد هو الآخرة .
قال المؤلف رحمه الله : وقال علي رضي الله عنه وكرم وجهه : " اليوم العمل وغدا الحساب " ، رواه البخاري في كتاب الرقاق .
الشرح : قول : " كرم وجهه " عن سيدنا علي استحدثه الناس بعد مائة سنة أو أكثر من وفاة علي ، ولا بأس بقوله وقول عليه السلام . وليس قول " كرم الله وجهه " خاصا بسيدنا علي لأنه لم يسجد لصنم كما يظن بعض الناس بل يوجد غيره في الصحابة من لم يسجد لصنم كعبد الله بن الزبير رضي الله عنه . وتمام الرواية التي رويت عن سيدنا علي : " ارتحلت الدنيا وهي مدبرة وارتحلت الآخرة وهي مقبلة فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا ، اليوم العمل ولا حساب وغدا الحساب ولا عمل ".
ومعنى قوله : " ارتحلت الدنيا " أي سارت الدنيا ، ومعنى " مدبرة " أي الدنيا سائرة إلى الانقطاع والآخرة سارت " مقبلة " .
فالدنيا دار العمل ، والآخرة دار الجزاء على العمل ، دار الحساب وليست دار العمل . والرقاق كتاب مخصوص في أواخر الجامع المسند في صحيح البخاري .
قال المؤلف رحمه الله : أعظم حقوق الله على عباده .
إعلم أن أعظم حقوق الله تعالى على عباده هو توحيده تعالى وأن لا يشرك به شيء لأن الإشراك بالله هو أكبر ذنب يقترفه العبد وهو الذنب الذي لا يغفره الله ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء . قال تعالى : ( إن الله لا يغفر أن يشرك به و يغفر ما دون ذلك لمن يشاء )
الشرح : معرفة الله تعالى مع إفراده بالعبادة أي نهاية التذلل هو أعظم حقوق الله على عباده ، وأكبر ذنب يقترفه العبد هو الكفر وهو على نوعين : كفر شرك وكفر غير شرك ، فكل شرك كفر وليس كل كفر شركاً . لذلك كان أعظم حقوق الله على عباده أن يعبده ولا يشركوا به شيئا .
وقد أخبر الله تعالى أنه يغفر كل الذنوب لمن شاء من عباده المسلمين المتجنبين للكفر بنوعيه الإشراك بالله تعالى الذي هو عبادة غيره , والكفر الذي ليس فيه إشراك كتكذيب الرسول والاستخفاف بالله أو برسوله مع توحيد الله تعالى وتنزيهه . ومما يدل على ذلك أيضا قوله عليه الصلاة والسلام : " إن الله ليغفر لعبده ما لم بقع الحجاب " قالوا : وما وقوع الحجاب يا رسول الله ؟ قال : " أن تموت النفس وهي مشركة " رواه أحمد .
فالكفر بجميع أنواعه هو الذنب الذي لا يغفره الله أي لمن استمر عليه إلى الموت أو إلى حالة اليأس من الحياة برؤية ملك الموت وملائكة العذاب أو إدراك الغرق ونحوه فذاك ملحق بالموت .
فالحاصل أن الكفر لا يغفر إلا بالإسلام في الوقت الذي يكون مقبولا فيه ، فمن أسلم بعد الوقت الذي يقبل فيه فلا يمحو إسلامُه كفرَه . فالكفر هو أعظم الذنوب ، وبعده قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق . وأما قوله تعالى :
( والفتنة أشد من القتل ) أي الشرك أشد من القتل ، فالشرك هو أعظم الظلم لقوله تعالى : ( إن الشرك لظلم عظيم ) وقوله : ( والكافرون هم الظالمون ) ومعناه أكبر الظلم هو الكفر .
قال المؤلف رحمه الله : وكذلك جميع أنواع الكفر لا يغفرها الله لقوله تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ) (محمد:34)
الشرح : هذه الآية فيها النص على أن من مات كافرا لا يغفر الله له . وهذا يؤخذ من قوله تعالى : ( ثم ماتوا وهم كفار ) لأن هذا قيد لعدم المغفرة لهم .
ومعنى ( و صدوا عن سبيل الله ) أي ومنعوا الناس من الدخول في الإسلام ، وليس هذا شرطا للحرمان من المغفرة بل الكافر محروم من المغفرة إن منع الناس من الإسلام أو لم يمنع ؛ لكن الكافر الذي يصد الناس من الإسلام أشد ذنبا من الكافر الذي يكفر بنفسه ولا يصد غيره عن الإيمان .
قال المؤلف رحمه الله : وقد قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه والجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل " ، رواه البخاري ومسلم .
الشرح : هذا الحديث الصحيح اتفق على إخراجه البخاري ومسلم في كتابيهما المعروفين بين الأمة الإسلامية ، ومعناه يتضمن أن الإنسان إذا مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله وتجنب عبادة غيره وأن محمدا عبده ورسوله ، ويشهد أن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ويشهد أن الجنة حق وأن النار حق يدخله الله الجنة على ما كان من العمل أي ولو كان من أهل الكبائر.
ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم : " وكلمته ألقاها إلى مريم " أن المسيح بشارة الله لمريم التي بشرتها بها الملائكة بأمره قبل أن تحمل به ، فإن الملك جبريل بشرها به فقال لها أنا رسول من الله لأعطيك غلاما زكيا أي طيبا .
وقوله صلى الله عليه وسلم : " وروح منه " معناه أن روح المسيح روح صادرة من الله تعالى خلقا وتكوينا ، أي روحه روح مشرف كريم على الله ، وإلا فجميع الأرواح صادرة من الله تعالى تكوينا لا فرق في ذلك بين روح وروح قال الله تعالى : ( وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ )(الجاثـية: من الآية13) أي أن الله تعالى سخر لبني ءادم ما في السماوات و ما في الأرض جميعا منه أي أن جميع ما في السموات وما في الأرض خلقا وتكوينا . وليس المعنى أنها أجزاء منه تعالى . فالملائكة مسخرون لبني ءادم بحفظهم لهم وغير ذلك كإنزال المطر وإرسال الرياح التي ينتفعون بها والدعاء لهم أي للمؤمنين من بني ءادم خاصة .
وقوله عليه الصلاة والسلام : " والجنة حق والنار حق " معناه أنهما موجودتان وباقيتان وأنهما دارا جزاء ، فالجنة دار جزاء للمحسنين ، والنار دار جزاء للكافرين .
قال المؤلف رحمه الله : وفي حديث ءاخر : " فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله " رواه البخاري .
الشرح : المعنى أن " الله تعالى حرم على النار " أي الدوام فيها إلى الأبد " من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله " أي إن قال ذلك معتقدا في قلبه لا منافقا ليرضي المسلمين وهو في قلبه غير راض بالإسلام إما بشكه في الوحدانية أو بتكذيبه في قلبه محمدا صلى الله عليه وسلم .
ومعنى " يبتغي بذلك وجه الله " أي يبتغي القرب إلى الله تبارك وتعالى ، والوجه في لغة العرب يأتي بمعان عديدة منها القصد كما قال الشاعر :
أستغفر الله ذنبا لست محصيه رب العباد إليه الوجه والعمل
وكذلك ورد حديث رواه ابن حبان وغيره : " المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان وأقرب ما تكون المرأة من وجه ربها إذا كانت في قعر بيتها " ومعنى وجه الله هنا طاعة الله .
ومن اعتقد أن الوجه إذا أضيف إلى الله في القرءان أو في الحديث معناه الجسد الذي هو مركب على البدن فهو لم يعرف ربه لأن هذه هيئة الإنسان والملائكة والجن والبهائم فكيف يكون خالق العالم مثله .
قال المؤلف رحمه الله : ويجب قرن الإيمان برسالة محمد بشهادة أن لا إله إلا الله وذلك أقل شيء يحصل به النجاة من الخلود الأبدي في النار .
الشرح : إن اعتقاد أن لا إله إلا الله وحده لا يكفي ما لم يقرن باعتقاد أن محمدا رسول الله ، فالجمع بين الشهادتين ضروري للنجاة من الخلود الأبدي في النار . والمراد بهذا الحديث الذي مرّ وما أشبهه من الأحاديث التي لم يذكر فيها شهادة أن محمدا رسول الله ما يشمل الشهادة الأخرى لأن ذكر الشهادة الأولى صار في عرف الشرع ملحوظا فيه الشهادة الثانية وهي شهادة أن محمدا رسول الله ، وليس المعنى بهذا الحديث وشبهه أن الاقتصار على شهادة أن لا إله إلا الله بدون الشهادة الأخرى يكفي للنجاة من الخلود الأبدي في النار بل لا بد من الجمع بين الشهادتين وذلك بدليل قوله تعالى : ( وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيراً ) (الفتح:13) . فتحمل هذه الأحاديث على ما يوافق هذه الآية ، فحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأتي مناقضا للقرءان فمن توهم خلاف ذلك فهو بقصور فهمه وشدة جهله .
قال المؤلف رحمه الله : معنى الشهادتين .
الشرح : أي أن هذا بيان معنى الشهادتين .
قال المؤلف رحمه الله : فمعنى شهادة أن لا إله إلا الله إجمالا أعترف بلساني وأعتقد بقلبي أن المعبود بحق هو الله تعالى فقط .
الشرح : أن معنى لا إله إلا الله إجمالا أي من غير تفصيل : اعترافٌ مع الاعتقاد بأنه لا يستحق الألوهية إلا الله ، والإله في أصل اللغة المعبود بحق ثم استعمله المشركون لما يعبدونه من دون الله .
قال المؤلف رحمه الله : ومعنى شهادة أن محمدا رسول الله أعترف بلساني و أذعن بقلبي أن سيدنا محمدا صلى الله عليه و سلم مرسل من عند الله إلى كافة العالمين من إنس وجن.
الشرح : أذعن بمعنى أعتقد لأن الاعتراف وحده من دون اعتقاد لا يكفي ، فالمعرفة إذا اقترن بها الإذعان أي رضا النفس بالشيء الذي عرفته هي الإيمان الذي هو مقبول عند الله . وأما المعرفة وحدها فلا تكفي لأن الله تعالى أخبر عن اليهود أنهم يعرفون محمدا بأنه نبي فقال تعالى : ( يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ) لكن لم تذعن نفوسهم فلذلك يكذبونه بألسنتهم مع علمهم بأنه نبي لأن التوراة التي أنزلت على موسى فيها الإخبار بأن محمدا رسول الله لكن التوراة والإنجيل حُرّفا لفظاً بعد أن حُرِفا معنىً .
وقوله : " مرسل من عند الله إلى كافة العالمين من إنس وجن " فالعالمون هنا هم الإنس والجن بدليل قوله تعالى ( ليكون للعالمين نذيرا ) . فالمعنى أنه مرسل إلى كافة الإنس من عرب وعجم وإلى كافة الجن .
قال المؤلف رحمه الله : صادق في كل ما يبلغه عن الله ليؤمنوا بشريعته ويتبعوه .
الشرح : يجب الإيمان بأن سيدنا محمدا صادق في كل ما جاء به سواء كان مما أخبر به عن الأمور التي ستحدث في المستقبل كأمور الآخرة أو أمور الأمم السابقة أو تحليل شيء أو تحريمه .
قال المؤلف رحمه الله : والمراد بالشهادتين نفي الألوهية عما سوى الله وإثباتها لله تعالى .
الشرح : هذه العبارة فيها نفي أن يكون شيء سوى الله يستحق العبادة ، وفيها إثبات أن الله وحده هو الذي يستحق العبادة .
قال المؤلف رحمه الله : مع الإقرار برسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم .
الشرح : أي مع الاعتراف والإيمان برسالته صلى الله عليه وسلم .
تعليق