تحقيق مسألة أن صفات الله ليست عينه ولا غيره
محمد صالح بن أحمد الغرسي
ذي الحجة 1424هـ قونيه
بسم الله الرحمن الرحيم
فذهب فريق من المتكلمين وهم الكرامية وبعض الحنابلة- إلى أنها غيره تعالى، وذهب الفلاسفة إلى أنها عينه تعالى، ووافقهم على ذلك متأخروا المعتزلة من لدن أبي الحسين البصري، وأما متقدموا المعتزلة فذهب أبو علي الجبائي وأصحابه إلى أنها أمور اعتبارية، وذهب مثبتوا الأحوال منهم وهم أبو هاشم وأتباعه- إلى أنها أحوال متوسطة بين الموجود والمعدوم فتكون الصفات عند هذين الفريقين مغايرة للذات لا محالة، لأن الذات موجودة في الخارج، والصفات عندهم ليست موجودة في الخارج، لكن لا يلزم عندهم تعدد القدماء الموجودة في الخارج، وهو ما فروا منه.و من أجل ذلك ذهبوا إلى ما ذهبوا إليه.
وذهب الإمام الأشعري وأتباعه والحنفية والماتريدية إلى أنها ليست عينه تعالى ولا غيره.
1-{بيان أن صفات الله تعالى ليست عينه ولا غيره على حسب بيان متأخرى الأشاعرة والماتريدية}
وقبل الدخول في تفاصيل المسألة ينبغي أن نبين معنى الغير، فإن الاختلاف في معنى الغير هو منشأ الخلاف بين المتكلمين القائلين بنفي العينية والغيرية وبين القائلين بالغيرية.
فالغير عند القائلين بالغيرية عبارة عما ليس بعين، فهو بهذا المعنى نقيض هو هو، ولا واسطة بين العين والغير بهذا المعنى.
وأما القائلون بأنها ليست بعين ولا غير فقد أثبتوا الواسطة بين العين والغير، وأما تعريف الغير عندهم فقال أبو المعين النسفي في التبصرة (1/245): حد الغيرين عند أصحابنا رحمهم الله تعالى- أنهما الموجودان اللذان يصح وجود أحدهما مع عدم الآخر .. ثم قال: وإذا صح هذا الحد والعدم على القديم محال- فلا يتصور وجود الذات مع عدم علمه، ولا وجود علمه تعالى مع عدم قدرته، دل على أنهما ليسا غيرين، وقال: (1/200) وهذه الصفات لا يقال لكل صفة منها: إنها الذات، ولا يقال: غير الذات، وكذلك كل صفة مع ما ورائها كالعلم لا يقال: إنه غير القدرة، ولا إنه عينها.
وقال الجلال الدواني في شرح العقائد العضدية (1/277): وقد عَرَّفَ الأشعري الغيرين بأنهما موجودان يصح عدم أحدهما مع وجود الآخر.
ثم قال (1/281-282): المراد أنه يجوز عدم ؛أحدهما مع وجود الآخر لانتفاء علاقة بينهما توجب عدم الانفكاك، وحاصله نفي اللزوم بينهما ...
ثم قال: ولا شبهة في أن هذا المعنى هو المراد من التعريف، فإن علاقة اللزوم عندهم هي التي تنافي الغيرية لقرب أحدهما من الآخر لا مجرد مصاحبتهما دائماً. انتهى.
وإذا كان الخلاف بين هذين الفريقين مبنياً على الخلاف في تفسير الغير فلا يخفى أن الخلاف بينهما يعود إلى اللفظ، وإلى أنه هل يجوز إطلاق الغير على صفاته تعالى لغة وشرعاً أم لا يجوز.
القائلون بالغيرية قالوا بجواز الإطلاق، والنافون لها منعوا الإطلاق.
وإلا فالفريقان متفقان على أن صفاته تعالى ليست عين ذاته، بمعنى أنها ليست هي، كما أنها متفقان على أنهما لازمة لذاته تعالى يمتنع وجود ذاته تعالى بدونها، كما يمتنع وجودها بدون ذاته تعالى.
ويمتنع عدمها مع وجود ذاته تعالى كما يمتنع عدمه تعالى مع وجودها.
لكن المتقدمين قد امتنعوا عن إطلاق الغير عليها كما سيأتي.
وإذا كان هذان الفريقان متفقين على نفي العينية، وكان الخلاف بينهما في إثبات الغيرية ونفيها راجعاً إلى اللفظ، فلابد أن يكون الفريقان متفقين في الاستدلال على نفي العينية ضد الفلاسفة ومن وافقهم من المعتزلة.
2-{الاستدلال على أن صفات الله تعالى ليست عينه}
وقد استدلوا على ذلك بوجوه:
منها أن النصوص قد وردت بكونه تعالى عالماً حياً قادراً ونحوها، وكون الشيء عالماً معلل بقيام العلم به في الشاهد فكذا في الغائب، فيكون العلم قائماً بالعالم فهو ليس عينه ضرورة أن القائم بالشيء ليس عين ذلك الشيء.
وتحقيق ذلك أن العلم إنما يوجب كون الشخص عالماً من حيث كونه علماً قطعاً لا من حيث كونه حادثاً أو قديماً أو عرضاً إلى غير ذلك، فلا تقدح هذه الفروق في صحة هذا القياس كما قيل لأنه لا تأثير لها في العلة، فإن العلم إنما يوجب كون الشخص عالماً من حيث كونه علماً كما قلنا، ثم إن العلة في المقيس عليه منصوصة فيفيد القياس العلم اليقيني كما ذكره أهل الأصول، فلا يرد أن هذا قياس فقهي مفيد للظن، ولا يفيد اليقين المطلوب في المطالب الكلامية، وذلك لأن علة عالمية الشاهد وقادريته مثلاً هي علمه وقدرته قطعاً.
ومنها أن الله تعالى أثبت هذه الصفات لنفسه في كتابه العزيز فوجب القول بها، ويستحيل إثبات موجود بهذه الصفات مع نفي هذه الصفات، وإذا لزم إثباته بهذه الأوصاف لزم إثبات هذه الأوصاف، قال الله تعالى: (ولا يحيطون بشيء من علمه إلا ... بما شاء)، وقال: (وسع كل شيء علما) وقال: (أنزله بعلمه) وقال: (إن الله هو الرزاق ذوالقوة المتين) فأثبت الله لنفسه القوة وهي القدرة، وأثبت العلم فدل على أنه تعالى عالم بعلمه وقادر بقدرته.
وإذا ثبت هذا في العلم والقدرة وجب مثله في باقي الصفات إذ لا قائل بالفرق.
ومنها أن أئمة اللغة العربية اتفقوا على أن معنى اسم الفاعل من ثبت له مأخذ الاشتقاق أي من ثبت له مدلول المصدر، فمعنى العالم من ثبت له العلم ومعنى القادر من ثبت له القدرة، والثبوت هو القيام، ومن الضروري أن القائم بالشيء ليس عين ذلك الشيء، وقد أثبت الله تعالى لنفسه في كتابه العزيز المشتق من هذه الصفات من نحو العالم والقادر وهذا يقتضي ثبوت هذه الأوصاف له تعالى، وأنها ليست عينه تعالى.
والفرق بين هذا الدليل والدليل الأول أن الأول هو استدلال بالنصوص عن طريق العقل، وهذا استدلال بها عن طريق اللغة.
ومنها أنه يلزم على مذهب المعتزلة أن يصح أن يقال: إن الله تعالى عالم بما لا علم له به، وقادر على ما لا قدرة له عليه، وهو كلام محال متناقض لا يخفى تناقضه على أغبى خليقة الله تعالى.
ومنها: أنه لا فرق عند أهل اللغة بين قول القائل: الله تعالى ليس بعالم.
وقوله: الله تعالى لا علم له بشيء، والأول فاسد فكذا الثاني، وكذلك لا فرق بين قوله: الله تعالى ليس بقادر على شيء، وقوله: لا قدرة له على شيء.
فما ذهب إليه المعتزلة من جملة الآراء المستشنعة المسترذلة التي يتسارع كل سامع إلى نسبته إلى التناقض، ويستحيل أن يختاره عاقل، فضلاً عن أن يعيب غيره.
قال أبو معين النسفي في التبصرة (1/202): وهذا النوع من الاستدلال سمي عند أرباب المنطق الاستشهاد بشهادات المعارف، ويعنون بالمعارف العلوم الأولية الثابتة في أصل خلقة كل مميز وجبلته، ولهذا يقولون: إن من تمسك بهذا الرأي ينبغي أن تصور عقيدته للدهماء ليقابلوه بالطنز والاستهزاء، ويسمى هذا الاستدلال عندهم أيضاً الاستدلال بالآراء الذائعة.
3-{بيان مذهب الفلاسفة والمعتزلة في أن صفات الله تعالى عينه}
وأما مذهب الفلاسفة ومن وافقهم من المعتزلة فننقل في بيانه كلام السيد الشريف في شرح المواقف ثم نورد دلائلهم التي استدلوا بها على مذهبهم مع بيان زيفها قال رحمه الله تعالى: (8/48)
فإن قلت كيف يتصور كون صفة الشيء عين حقيقته مع أن كل واحد من الصفة والموصوف يشهد بمغايرته لصاحبه، هل هذا الكلام مخيل لا يمكن التصديق به كما في سائر القضايا المخيلة التي يمتنع التصديق بها، فلا حاجة إلى الاستدلال على بطلانه؟.
قلت: ليس معنى ما ذكروه أن هناك ذات وله صفة وهما متحدان حقيقة كما تخيلته، بل معناه أن ذاته تعالى يترتب عليها ما يترتب على ذات وصفة معاً، مثلاً ذاتك ليست كافية في انكشاف الأشياء عليك، بل تحتاج في ذلك إلى صفة العلم التي تقوم بك، بخلاف ذاته تعالى فإنه لا يحتاج في انكشاف الأشياء، وظهورها عليه إلى صفة تقوم به، بل المفهومات بأسرها منكشفة عليه لأجل ذاته تعالى، فذاته بهذا الاعتبار حقيقة العلم، وكذا الحال في القدرة، فإن ذاته تعالى مؤثرة بذاتها لا بصفة زائدة عليها كما في ذواتنا، فهي بهذا الاعتبار حقيقة القدرة، وعلى هذا تكون الذات والصفات متحدة في الحقيقة متغايرة بالاعتبار والمفهوم.
ومرجعه إذا حقق إلى نفي الصفات مع حصول نتائجها وثمراتها من الذات وحدها، انتهى.
4-{دلائل المعتزلة على مذهبهم والأجوبة عنها}
واستدلت المعتزلة على مذهبهم بأمور:
منها: أنه لو كان الله تعالى عالماً بعلم لكان محتاجاً إلى العلم والاحتياج على الله تعالى محال لأنه موجب للاستكمال بالغير.
وأجيب عنه أولا: بأن الحاجة لا تكون إلا بين متغايرين، ولا تغاير بين ذات الله تعالى وصفاته.
وثانياً: بأن الحاجة نقص يوجد ويتحقق ثم يرتفع بوجود ما به دفعها.
ولم يكن الذات متعرياً عن العلم، ولم يكن العلم معدوماً لتتصور الحاجة واندفاعها.
ومنها: أنه لو كانت للواجب صفات موجودة فإما حادثة فيلزم قيام الحوادث بذاته تعالى وخلوه عنها في الأزل، وإما قديمة فيلزم تعدد القدماء والنصارى كفرت بإثبات ثلاثة من القدماء فما ظنك بإثبات الأكثر وأجيب عن هذه الشبهة بأجوبة:
الأول أن الأشعري يجيب عن لزوم تعدد القدماء، بنفي التعدد، ويقول: إن الصفات وإن كانت قديمة لكنها ليست متعددة، وإنما تكون متعددة لو كانت مغايرة للموصوف، وليست كذلك.
الثاني أن تكفير النصارى لإثباتهم قدماء متغايرة مستقلة بذواتها.
وهي الوجود والعلم والحياة وسموها الأب والابن وروح القدس، ولذا جوزوا انتقال بعضها وهي صفة العلم إلى بدن عيسى وبعضها وهي صفة الحياة إلى بدن مريم فجوزوا الانفكاك والانتقال فكانت ذواتاً متغايرة، لكن حديث الانتقال لا يستقيم على زعم النسطورية منهم القائلين باتحاد أقنوم العلم بجسد المسيح بطريق الإشراق كما تشرف الشمس من كوة على بلور.
الثالث أن تكفير النصارى لإثباتهم آلهة ثلاثة هم الله تعالى والمسيح عليه السلام ومريم سواء كان ذلك بطريق الحلول والاتحاد أو بطريق الامتزاج كامتزاج الخمر بالماء أو بطريق الإشراق، أو بطريق الانقلاب لحماً ودماً، أو بطريق آخر كما يزعمون، كما يدل عليه قوله تعالى: (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد واحد) وقوله تعالى خطاباً لعيسى عليه الصلاة والسلام: (أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله.
5-{استدلال الفلاسف على العينية بأن الصفات لو كانت غيره تعالى لكانت مفتقرة إليه ممكنة}
واستدلت الفلاسفة بأنه لو وجدت الصفات لكانت غير الذات.ولو كانت غير الذات لزم أن تكون ممكنة لافتقارها واحتياجها في وجودها إلى الذات الموصوفة بها لاستحالة قيام الصفة بنفسها، ولافتقار بعضها إلى بعض لأن بعضها وهي الحياة شرط في الباقي، وهي العلم والقدرة والإرادة .. الخ، والمشروط مفتقر إلى الشرط، والافتقار ينافي وجوب الوجود، إذ الواجب مستغن على الإطلاق فتكون ممكنة، ويمتنع قيام الممكن بذاته تعالى واتصافه تعالى به، لأن صفاته مثل ذاته لابد أن تكون واجبة الوجود فثبت أن صفاته تعالى عين ذاته.
وقد سلك متأخروا الأشاعرة في الإجابة على هذه الشبهة مسلكين:
6-{مسلك الإمام الرازي في الجواب عن شبهة الفلاسفة بتسليم أمكان الصفات}
الأول: مسلك الإمام فخر الدين الرازي وتبعه معظم من أتى بعده من متكلمي الأعاجم مثل سعد الدين التفتازاني والسيد الشريف الجرجاني وجلال الدين الدواني، وعبد الحكيم السيالكوني، والكلنبوي، والبياضي.
وهؤلاء سلموا أن صفاته تعالى ممكنة لكنهم قالوا: إنها ممكنة قديمة، وليست ممكنة حادثة فتابعوا الفلاسفة في القول بالممكن القديم كما قال الفلاسفة: إن العالم ممكن قديم وأن العقول العشرة ممكنة قديمة، وذلك بناء على أصل الفلاسفة: أن علة الإمكان هي الافتقار.
وبيان مذهبهم أنهم قالوا: إن صفاته تعالى واجبة لذاته تعالى أي صادرة عنه تعالى بطريق الإيجاب فيكون تعالى موجباً بالذات بالنسبة إليها.
وليست واجبة لذاتها بأن يكون وجودها مقتضى ذاتها كما أن وجوده تعالى مقتضى ذاته، وقالوا في بيان ذلك: إنه لما ثبت زيادة الصفات الحقيقية على الذات فهي إما مستندة إليه وجوداً أولاً، والثاني يستلزم كون الصفات واجبات بالذات غير مفتقرة إلى الذات، وهو باطل، ضرورة افتقار الصفة وجودا إلى الموصوف، والأول إما أن يكون استنادها إليه تعالى بالإيجاب أو بالاختيار، والثاني يستلزم حدوث الصفات، ومحليته تعالى للحوادث، ضرورة مقارنة الاختيار لعدم ما تعلق الاختيار بإيجاده، ويستلزم التسلسل أو الدور لأن الإيجاد بالاختيار يستلزم سبق الحياة والقدرة والعلم والإرادة، فتعين الأول وهو أنها مستندة إليه تعالى بالإيجاب.
7-{مسلك ابن التلمساني والقرافي والسنوسي في الجواب عن شبهة الفلاسفة بنفي الإمكان}
والمسلك الثاني مسلك القرافي وشرف الدين ابن التلمساني والسنوسي، وهؤلاء قالوا: إن صفاته تعالى واجبة بذاتها مثل ذاته تعالى، وقالوا بثبوت واجبين بذاتهما: الله تعالى، وصفاته، وسلموا افتقارها لذاته تعالى، لكنهم منعوا استلزام الافتقار للحدوث، وقالوا: ليس كل افتقار مستلزماً للحدوث، بل المستلزم له هو الافتقار في الوجود، وليس الافتقار في القيام، وصفاته تعالى إنما تفتقر إلى ذاته تعالى في القيام لا في الوجود وانظر شرح السنوسي لعقيدته الكبرى (232-233) طباعة مصطفى البابي.
قال القرافي في تعليقه على المسائل الأربعين للرازي:
الصفات يجب قيامها بالموصوف، ويستحيل عليها القيام بنفسها، فإن عنيتم بالافتقار هذا القدر فمسلم، لكن العبارة رديئة، ولا يلزم منه الإمكان، إذ الافتقار على هذا التقدير في القيام لا في الوجود، ولا يلزم من الافتقار في القيام الافتقار في الوجود، فإن العرض مفتقر إلى الجوهر في قيامه ومستغن عنه في وجوده، فإنه من الله تعالى.
فلا يلزم من مطلق الافتقار الإمكان فبطل قوله أي قول الرازي- كل مفتقر ممكن، بل المفتقر يكون افتقاره باعتبار تركيبه وباعتبار قيامه، وإن افتقار الصفة إلى موصوفها باعتبار قيامها لا باعتبار وجودها كافتقار الأثر إلى المؤثر، وهذا هو المقتضى للإمكان، فالافتقار أعم، والإمكان أخص، والاستدلال بالأعم غير مستقيم انتهى.
وتحرير محل النزاع أنه هل مطلق الاحتياج للغير مستلزم للإمكان، أو الاحتياج في الوجود فقط؟ فالرازي ومن تبعه على الأول، والقرافي ومن نحا نحوه على الثاني، وشنعوا على الأولين، وانظر (إشارات المرام ص147).
8-{تشنيع ابن التلمساني وغيره على الرازي فيما ذهب إليه من إمكان صفات الله تعالى}.
قال السنوسي في شرح عقيدته الكبرى (234): قال شرف الدين ابن التلمساني:
ولما اعتقد الفخر صحة هذه الحجة يعني شبهة الفلاسفة: أن الافتقار بمعنى مطلق التوقف يوجب الإمكان و أن كل مركب يفتقر إلى جزئه و جزئه غيره و "المفتقر إلى الغير لا يكون إلا ممكناً و "توهم التركيب باعتبار الصفات (أي توهم أنه لو أثبتنا الصفات الحقيقية لله تعالى لزم تركب ذاته تعالى، وهو مستلزم للافتقار المستلزم للإمكان)، واستعمل هذه المقدمات في الاستدلال على إمكان كل ما سوى الله تعالى، استشعر النقض بصفات الله تعالى، فقال مرة: هذا مما نستخير الله تعالى فيه، يعني القول بإمكانها باعتبار ذاتها، وجزم أخرى وصرح والعياذ بالله- بكلمة لم يسبق إليها فقال:
1- هي ممكنة باعتبار ذاتها واجبة بوجوب ذاته جل وعلا- وضاها في ذلك قول الفلاسفة: إن العالم ممكن باعتبار ذاته، واجب بوجوب مقتضيه، ونعوذ بالله من زلة العالم.
2- قلت وأشنع من هذا ونعوذ بالله تعالى- تصريحه بأن الذات قابلة لصفاتها فاعلة لها (يعني لأن الصفات على هذا حادثة، وأما على الأول فهي ممكنة لكنها قديمة).
3- ومن شنيع مذهبه أيضاً رد الصفات إلى مجرد نسب وإضافات.
4- وتسميته لها في بعض المواضع: مغايرة للذات، مع ما علم من أن أئمة السنة يمنعون إطلاق الغيرية في صفاته تعالى لما يؤذن به من صحة المفارقة، كما يمنعون أن يقال: هي هو، لما يؤذن به من معنى الاتحاد والذي قاده إلى أكثر هذه الآراء الفاسدة بإجماع فراره من التركيب الذي توهمته الفلاسفة لازماً لثبوت الصفات، ولأجل ذلك نفوها، هذا مع أن الشيء لا يتكثر بتكثير صفاته كما لا يتكثر بتكثير اعتباراته. انتهى.
يتبع
تعليق