رسالة: "تحقيق مسألة أن صفات الله ليست عينه ولا غيره" للمناقشة

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • نزار بن علي
    طالب علم
    • Nov 2005
    • 1729

    #1

    رسالة: "تحقيق مسألة أن صفات الله ليست عينه ولا غيره" للمناقشة



    تحقيق مسألة أن صفات الله ليست عينه ولا غيره

    محمد صالح بن أحمد الغرسي
    ذي الحجة 1424هـ قونيه

    بسم الله الرحمن الرحيم
    اتفق المتكلمون والفلاسفة على أنه تعالى عالم قادر سميع بصير، لكنهم اختلفوا في أن صفاته تعالى التي هي مأخذ اشتقاق هذه الأسماء ومبادئها وهي العلم والقدرة والعلم والسمع والبصر- هل هي غيره تعالى أو عينه، أو ليست عينه ولا غيره.
    فذهب فريق من المتكلمين وهم الكرامية وبعض الحنابلة- إلى أنها غيره تعالى، وذهب الفلاسفة إلى أنها عينه تعالى، ووافقهم على ذلك متأخروا المعتزلة من لدن أبي الحسين البصري، وأما متقدموا المعتزلة فذهب أبو علي الجبائي وأصحابه إلى أنها أمور اعتبارية، وذهب مثبتوا الأحوال منهم وهم أبو هاشم وأتباعه- إلى أنها أحوال متوسطة بين الموجود والمعدوم فتكون الصفات عند هذين الفريقين مغايرة للذات لا محالة، لأن الذات موجودة في الخارج، والصفات عندهم ليست موجودة في الخارج، لكن لا يلزم عندهم تعدد القدماء الموجودة في الخارج، وهو ما فروا منه.و من أجل ذلك ذهبوا إلى ما ذهبوا إليه.
    وذهب الإمام الأشعري وأتباعه والحنفية والماتريدية إلى أنها ليست عينه تعالى ولا غيره.
    1-{بيان أن صفات الله تعالى ليست عينه ولا غيره على حسب بيان متأخرى الأشاعرة والماتريدية}
    وقبل الدخول في تفاصيل المسألة ينبغي أن نبين معنى الغير، فإن الاختلاف في معنى الغير هو منشأ الخلاف بين المتكلمين القائلين بنفي العينية والغيرية وبين القائلين بالغيرية.
    فالغير عند القائلين بالغيرية عبارة عما ليس بعين، فهو بهذا المعنى نقيض هو هو، ولا واسطة بين العين والغير بهذا المعنى.
    وأما القائلون بأنها ليست بعين ولا غير فقد أثبتوا الواسطة بين العين والغير، وأما تعريف الغير عندهم فقال أبو المعين النسفي في التبصرة (1/245): حد الغيرين عند أصحابنا رحمهم الله تعالى- أنهما الموجودان اللذان يصح وجود أحدهما مع عدم الآخر .. ثم قال: وإذا صح هذا الحد والعدم على القديم محال- فلا يتصور وجود الذات مع عدم علمه، ولا وجود علمه تعالى مع عدم قدرته، دل على أنهما ليسا غيرين، وقال: (1/200) وهذه الصفات لا يقال لكل صفة منها: إنها الذات، ولا يقال: غير الذات، وكذلك كل صفة مع ما ورائها كالعلم لا يقال: إنه غير القدرة، ولا إنه عينها.
    وقال الجلال الدواني في شرح العقائد العضدية (1/277): وقد عَرَّفَ الأشعري الغيرين بأنهما موجودان يصح عدم أحدهما مع وجود الآخر.
    ثم قال (1/281-282): المراد أنه يجوز عدم ؛أحدهما مع وجود الآخر لانتفاء علاقة بينهما توجب عدم الانفكاك، وحاصله نفي اللزوم بينهما ...
    ثم قال: ولا شبهة في أن هذا المعنى هو المراد من التعريف، فإن علاقة اللزوم عندهم هي التي تنافي الغيرية لقرب أحدهما من الآخر لا مجرد مصاحبتهما دائماً. انتهى.
    وإذا كان الخلاف بين هذين الفريقين مبنياً على الخلاف في تفسير الغير فلا يخفى أن الخلاف بينهما يعود إلى اللفظ، وإلى أنه هل يجوز إطلاق الغير على صفاته تعالى لغة وشرعاً أم لا يجوز.
    القائلون بالغيرية قالوا بجواز الإطلاق، والنافون لها منعوا الإطلاق.
    وإلا فالفريقان متفقان على أن صفاته تعالى ليست عين ذاته، بمعنى أنها ليست هي، كما أنها متفقان على أنهما لازمة لذاته تعالى يمتنع وجود ذاته تعالى بدونها، كما يمتنع وجودها بدون ذاته تعالى.
    ويمتنع عدمها مع وجود ذاته تعالى كما يمتنع عدمه تعالى مع وجودها.
    لكن المتقدمين قد امتنعوا عن إطلاق الغير عليها كما سيأتي.
    وإذا كان هذان الفريقان متفقين على نفي العينية، وكان الخلاف بينهما في إثبات الغيرية ونفيها راجعاً إلى اللفظ، فلابد أن يكون الفريقان متفقين في الاستدلال على نفي العينية ضد الفلاسفة ومن وافقهم من المعتزلة.
    2-{الاستدلال على أن صفات الله تعالى ليست عينه}
    وقد استدلوا على ذلك بوجوه:
    منها أن النصوص قد وردت بكونه تعالى عالماً حياً قادراً ونحوها، وكون الشيء عالماً معلل بقيام العلم به في الشاهد فكذا في الغائب، فيكون العلم قائماً بالعالم فهو ليس عينه ضرورة أن القائم بالشيء ليس عين ذلك الشيء.
    وتحقيق ذلك أن العلم إنما يوجب كون الشخص عالماً من حيث كونه علماً قطعاً لا من حيث كونه حادثاً أو قديماً أو عرضاً إلى غير ذلك، فلا تقدح هذه الفروق في صحة هذا القياس كما قيل لأنه لا تأثير لها في العلة، فإن العلم إنما يوجب كون الشخص عالماً من حيث كونه علماً كما قلنا، ثم إن العلة في المقيس عليه منصوصة فيفيد القياس العلم اليقيني كما ذكره أهل الأصول، فلا يرد أن هذا قياس فقهي مفيد للظن، ولا يفيد اليقين المطلوب في المطالب الكلامية، وذلك لأن علة عالمية الشاهد وقادريته مثلاً هي علمه وقدرته قطعاً.
    ومنها أن الله تعالى أثبت هذه الصفات لنفسه في كتابه العزيز فوجب القول بها، ويستحيل إثبات موجود بهذه الصفات مع نفي هذه الصفات، وإذا لزم إثباته بهذه الأوصاف لزم إثبات هذه الأوصاف، قال الله تعالى: (ولا يحيطون بشيء من علمه إلا ... بما شاء)، وقال: (وسع كل شيء علما) وقال: (أنزله بعلمه) وقال: (إن الله هو الرزاق ذوالقوة المتين) فأثبت الله لنفسه القوة وهي القدرة، وأثبت العلم فدل على أنه تعالى عالم بعلمه وقادر بقدرته.
    وإذا ثبت هذا في العلم والقدرة وجب مثله في باقي الصفات إذ لا قائل بالفرق.
    ومنها أن أئمة اللغة العربية اتفقوا على أن معنى اسم الفاعل من ثبت له مأخذ الاشتقاق أي من ثبت له مدلول المصدر، فمعنى العالم من ثبت له العلم ومعنى القادر من ثبت له القدرة، والثبوت هو القيام، ومن الضروري أن القائم بالشيء ليس عين ذلك الشيء، وقد أثبت الله تعالى لنفسه في كتابه العزيز المشتق من هذه الصفات من نحو العالم والقادر وهذا يقتضي ثبوت هذه الأوصاف له تعالى، وأنها ليست عينه تعالى.
    والفرق بين هذا الدليل والدليل الأول أن الأول هو استدلال بالنصوص عن طريق العقل، وهذا استدلال بها عن طريق اللغة.
    ومنها أنه يلزم على مذهب المعتزلة أن يصح أن يقال: إن الله تعالى عالم بما لا علم له به، وقادر على ما لا قدرة له عليه، وهو كلام محال متناقض لا يخفى تناقضه على أغبى خليقة الله تعالى.
    ومنها: أنه لا فرق عند أهل اللغة بين قول القائل: الله تعالى ليس بعالم.
    وقوله: الله تعالى لا علم له بشيء، والأول فاسد فكذا الثاني، وكذلك لا فرق بين قوله: الله تعالى ليس بقادر على شيء، وقوله: لا قدرة له على شيء.
    فما ذهب إليه المعتزلة من جملة الآراء المستشنعة المسترذلة التي يتسارع كل سامع إلى نسبته إلى التناقض، ويستحيل أن يختاره عاقل، فضلاً عن أن يعيب غيره.
    قال أبو معين النسفي في التبصرة (1/202): وهذا النوع من الاستدلال سمي عند أرباب المنطق الاستشهاد بشهادات المعارف، ويعنون بالمعارف العلوم الأولية الثابتة في أصل خلقة كل مميز وجبلته، ولهذا يقولون: إن من تمسك بهذا الرأي ينبغي أن تصور عقيدته للدهماء ليقابلوه بالطنز والاستهزاء، ويسمى هذا الاستدلال عندهم أيضاً الاستدلال بالآراء الذائعة.
    3-{بيان مذهب الفلاسفة والمعتزلة في أن صفات الله تعالى عينه}
    وأما مذهب الفلاسفة ومن وافقهم من المعتزلة فننقل في بيانه كلام السيد الشريف في شرح المواقف ثم نورد دلائلهم التي استدلوا بها على مذهبهم مع بيان زيفها قال رحمه الله تعالى: (8/48)
    فإن قلت كيف يتصور كون صفة الشيء عين حقيقته مع أن كل واحد من الصفة والموصوف يشهد بمغايرته لصاحبه، هل هذا الكلام مخيل لا يمكن التصديق به كما في سائر القضايا المخيلة التي يمتنع التصديق بها، فلا حاجة إلى الاستدلال على بطلانه؟.
    قلت: ليس معنى ما ذكروه أن هناك ذات وله صفة وهما متحدان حقيقة كما تخيلته، بل معناه أن ذاته تعالى يترتب عليها ما يترتب على ذات وصفة معاً، مثلاً ذاتك ليست كافية في انكشاف الأشياء عليك، بل تحتاج في ذلك إلى صفة العلم التي تقوم بك، بخلاف ذاته تعالى فإنه لا يحتاج في انكشاف الأشياء، وظهورها عليه إلى صفة تقوم به، بل المفهومات بأسرها منكشفة عليه لأجل ذاته تعالى، فذاته بهذا الاعتبار حقيقة العلم، وكذا الحال في القدرة، فإن ذاته تعالى مؤثرة بذاتها لا بصفة زائدة عليها كما في ذواتنا، فهي بهذا الاعتبار حقيقة القدرة، وعلى هذا تكون الذات والصفات متحدة في الحقيقة متغايرة بالاعتبار والمفهوم.
    ومرجعه إذا حقق إلى نفي الصفات مع حصول نتائجها وثمراتها من الذات وحدها، انتهى.
    4-{دلائل المعتزلة على مذهبهم والأجوبة عنها}
    واستدلت المعتزلة على مذهبهم بأمور:
    منها: أنه لو كان الله تعالى عالماً بعلم لكان محتاجاً إلى العلم والاحتياج على الله تعالى محال لأنه موجب للاستكمال بالغير.
    وأجيب عنه أولا: بأن الحاجة لا تكون إلا بين متغايرين، ولا تغاير بين ذات الله تعالى وصفاته.
    وثانياً: بأن الحاجة نقص يوجد ويتحقق ثم يرتفع بوجود ما به دفعها.
    ولم يكن الذات متعرياً عن العلم، ولم يكن العلم معدوماً لتتصور الحاجة واندفاعها.
    ومنها: أنه لو كانت للواجب صفات موجودة فإما حادثة فيلزم قيام الحوادث بذاته تعالى وخلوه عنها في الأزل، وإما قديمة فيلزم تعدد القدماء والنصارى كفرت بإثبات ثلاثة من القدماء فما ظنك بإثبات الأكثر وأجيب عن هذه الشبهة بأجوبة:
    الأول أن الأشعري يجيب عن لزوم تعدد القدماء، بنفي التعدد، ويقول: إن الصفات وإن كانت قديمة لكنها ليست متعددة، وإنما تكون متعددة لو كانت مغايرة للموصوف، وليست كذلك.
    الثاني أن تكفير النصارى لإثباتهم قدماء متغايرة مستقلة بذواتها.
    وهي الوجود والعلم والحياة وسموها الأب والابن وروح القدس، ولذا جوزوا انتقال بعضها وهي صفة العلم إلى بدن عيسى وبعضها وهي صفة الحياة إلى بدن مريم فجوزوا الانفكاك والانتقال فكانت ذواتاً متغايرة، لكن حديث الانتقال لا يستقيم على زعم النسطورية منهم القائلين باتحاد أقنوم العلم بجسد المسيح بطريق الإشراق كما تشرف الشمس من كوة على بلور.
    الثالث أن تكفير النصارى لإثباتهم آلهة ثلاثة هم الله تعالى والمسيح عليه السلام ومريم سواء كان ذلك بطريق الحلول والاتحاد أو بطريق الامتزاج كامتزاج الخمر بالماء أو بطريق الإشراق، أو بطريق الانقلاب لحماً ودماً، أو بطريق آخر كما يزعمون، كما يدل عليه قوله تعالى: (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد واحد) وقوله تعالى خطاباً لعيسى عليه الصلاة والسلام: (أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله.
    5-{استدلال الفلاسف على العينية بأن الصفات لو كانت غيره تعالى لكانت مفتقرة إليه ممكنة}
    واستدلت الفلاسفة بأنه لو وجدت الصفات لكانت غير الذات.ولو كانت غير الذات لزم أن تكون ممكنة لافتقارها واحتياجها في وجودها إلى الذات الموصوفة بها لاستحالة قيام الصفة بنفسها، ولافتقار بعضها إلى بعض لأن بعضها وهي الحياة شرط في الباقي، وهي العلم والقدرة والإرادة .. الخ، والمشروط مفتقر إلى الشرط، والافتقار ينافي وجوب الوجود، إذ الواجب مستغن على الإطلاق فتكون ممكنة، ويمتنع قيام الممكن بذاته تعالى واتصافه تعالى به، لأن صفاته مثل ذاته لابد أن تكون واجبة الوجود فثبت أن صفاته تعالى عين ذاته.
    وقد سلك متأخروا الأشاعرة في الإجابة على هذه الشبهة مسلكين:
    6-{مسلك الإمام الرازي في الجواب عن شبهة الفلاسفة بتسليم أمكان الصفات}
    الأول: مسلك الإمام فخر الدين الرازي وتبعه معظم من أتى بعده من متكلمي الأعاجم مثل سعد الدين التفتازاني والسيد الشريف الجرجاني وجلال الدين الدواني، وعبد الحكيم السيالكوني، والكلنبوي، والبياضي.
    وهؤلاء سلموا أن صفاته تعالى ممكنة لكنهم قالوا: إنها ممكنة قديمة، وليست ممكنة حادثة فتابعوا الفلاسفة في القول بالممكن القديم كما قال الفلاسفة: إن العالم ممكن قديم وأن العقول العشرة ممكنة قديمة، وذلك بناء على أصل الفلاسفة: أن علة الإمكان هي الافتقار.
    وبيان مذهبهم أنهم قالوا: إن صفاته تعالى واجبة لذاته تعالى أي صادرة عنه تعالى بطريق الإيجاب فيكون تعالى موجباً بالذات بالنسبة إليها.
    وليست واجبة لذاتها بأن يكون وجودها مقتضى ذاتها كما أن وجوده تعالى مقتضى ذاته، وقالوا في بيان ذلك: إنه لما ثبت زيادة الصفات الحقيقية على الذات فهي إما مستندة إليه وجوداً أولاً، والثاني يستلزم كون الصفات واجبات بالذات غير مفتقرة إلى الذات، وهو باطل، ضرورة افتقار الصفة وجودا إلى الموصوف، والأول إما أن يكون استنادها إليه تعالى بالإيجاب أو بالاختيار، والثاني يستلزم حدوث الصفات، ومحليته تعالى للحوادث، ضرورة مقارنة الاختيار لعدم ما تعلق الاختيار بإيجاده، ويستلزم التسلسل أو الدور لأن الإيجاد بالاختيار يستلزم سبق الحياة والقدرة والعلم والإرادة، فتعين الأول وهو أنها مستندة إليه تعالى بالإيجاب.
    7-{مسلك ابن التلمساني والقرافي والسنوسي في الجواب عن شبهة الفلاسفة بنفي الإمكان}
    والمسلك الثاني مسلك القرافي وشرف الدين ابن التلمساني والسنوسي، وهؤلاء قالوا: إن صفاته تعالى واجبة بذاتها مثل ذاته تعالى، وقالوا بثبوت واجبين بذاتهما: الله تعالى، وصفاته، وسلموا افتقارها لذاته تعالى، لكنهم منعوا استلزام الافتقار للحدوث، وقالوا: ليس كل افتقار مستلزماً للحدوث، بل المستلزم له هو الافتقار في الوجود، وليس الافتقار في القيام، وصفاته تعالى إنما تفتقر إلى ذاته تعالى في القيام لا في الوجود وانظر شرح السنوسي لعقيدته الكبرى (232-233) طباعة مصطفى البابي.
    قال القرافي في تعليقه على المسائل الأربعين للرازي:
    الصفات يجب قيامها بالموصوف، ويستحيل عليها القيام بنفسها، فإن عنيتم بالافتقار هذا القدر فمسلم، لكن العبارة رديئة، ولا يلزم منه الإمكان، إذ الافتقار على هذا التقدير في القيام لا في الوجود، ولا يلزم من الافتقار في القيام الافتقار في الوجود، فإن العرض مفتقر إلى الجوهر في قيامه ومستغن عنه في وجوده، فإنه من الله تعالى.
    فلا يلزم من مطلق الافتقار الإمكان فبطل قوله أي قول الرازي- كل مفتقر ممكن، بل المفتقر يكون افتقاره باعتبار تركيبه وباعتبار قيامه، وإن افتقار الصفة إلى موصوفها باعتبار قيامها لا باعتبار وجودها كافتقار الأثر إلى المؤثر، وهذا هو المقتضى للإمكان، فالافتقار أعم، والإمكان أخص، والاستدلال بالأعم غير مستقيم انتهى.
    وتحرير محل النزاع أنه هل مطلق الاحتياج للغير مستلزم للإمكان، أو الاحتياج في الوجود فقط؟ فالرازي ومن تبعه على الأول، والقرافي ومن نحا نحوه على الثاني، وشنعوا على الأولين، وانظر (إشارات المرام ص147).
    8-{تشنيع ابن التلمساني وغيره على الرازي فيما ذهب إليه من إمكان صفات الله تعالى}.
    قال السنوسي في شرح عقيدته الكبرى (234): قال شرف الدين ابن التلمساني:
    ولما اعتقد الفخر صحة هذه الحجة يعني شبهة الفلاسفة: أن الافتقار بمعنى مطلق التوقف يوجب الإمكان و أن كل مركب يفتقر إلى جزئه و جزئه غيره و "المفتقر إلى الغير لا يكون إلا ممكناً و "توهم التركيب باعتبار الصفات (أي توهم أنه لو أثبتنا الصفات الحقيقية لله تعالى لزم تركب ذاته تعالى، وهو مستلزم للافتقار المستلزم للإمكان)، واستعمل هذه المقدمات في الاستدلال على إمكان كل ما سوى الله تعالى، استشعر النقض بصفات الله تعالى، فقال مرة: هذا مما نستخير الله تعالى فيه، يعني القول بإمكانها باعتبار ذاتها، وجزم أخرى وصرح والعياذ بالله- بكلمة لم يسبق إليها فقال:
    1- هي ممكنة باعتبار ذاتها واجبة بوجوب ذاته جل وعلا- وضاها في ذلك قول الفلاسفة: إن العالم ممكن باعتبار ذاته، واجب بوجوب مقتضيه، ونعوذ بالله من زلة العالم.
    2- قلت وأشنع من هذا ونعوذ بالله تعالى- تصريحه بأن الذات قابلة لصفاتها فاعلة لها (يعني لأن الصفات على هذا حادثة، وأما على الأول فهي ممكنة لكنها قديمة).
    3- ومن شنيع مذهبه أيضاً رد الصفات إلى مجرد نسب وإضافات.
    4- وتسميته لها في بعض المواضع: مغايرة للذات، مع ما علم من أن أئمة السنة يمنعون إطلاق الغيرية في صفاته تعالى لما يؤذن به من صحة المفارقة، كما يمنعون أن يقال: هي هو، لما يؤذن به من معنى الاتحاد والذي قاده إلى أكثر هذه الآراء الفاسدة بإجماع فراره من التركيب الذي توهمته الفلاسفة لازماً لثبوت الصفات، ولأجل ذلك نفوها، هذا مع أن الشيء لا يتكثر بتكثير صفاته كما لا يتكثر بتكثير اعتباراته. انتهى.
    يتبع
    وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]
  • نزار بن علي
    طالب علم
    • Nov 2005
    • 1729

    #2
    وممن شنع على الرازي العلامة المرجاني في حاشيته على شرح الجلال الدواني للعقائد العضدية قال (1/277) ، (1/260): أما الحنفية وغيرهم من أعاظم الفقهاء وكبار مشايخ الصوفية فمذهب المتقدمين منهم في صفات الله تعالى وأسمائه العلى .. هو الثبات على بيان الشرع، والتقيد بقيوده، وعدم التعدي عن حدوده، فلا يتكلمون فيها، ولا يخوضون في البحث عنها، بل يفوضونها إلى الله سبحانه وتعالى، ويصدقون بها على مراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ولا يتجاوزون عن إثبات ما أثبته، ونفي ما نفاه، ويسكتون عما عداه، وإذا عرض عليهم الشُبَه التي أحدثها أرباب المقالات في صفاته تعالى يقولون: لا هو ولا غيره بمعنى إنا لا نقول بهما، ولا نخوض في البحث عن ذلك لعدم الحاجة، وإنما الواجب علينا توصيفه سبحانه بما وصف به نفسه وسماه، واعتقاد أنه حق ثابت له بالمعنى الذي عناه، وان الزيادة عليه بدعة يشترك فيها السائل لتعاطيه ما ليس له، والمجيب لتكلفه ما ليس عليه.
    وأما المتأخرون من أتباعهم فمذهبهم نفي العينية والغيرية على الحقيقة لا بمحض الاصطلاح على الوجه الذي أثبته بعض الأشعرية.
    والحق أنه لم يقل أحد ممن ينتمي إلى السنة بزيادة الصفات وإمكانها ومغايرتها على الذات إلا ابن الخطيب الرازي من أرجاف أتباع الأشعرية في أواخر المائة السادسة مخافة تكثر الواجبات وتعدد القدماء بالذات، إلا أنه كان في بدأ حدوث هذه المقالة الغثة والعقيدة الرثة يتجافى عن إطلاق أنها ممكنة، ويتحاشى عن مخالفة السلف بعض حشية، ولا يرفض لفظ الوجوب، بل يطلقه عليها، ويكتفي بالتأويل، ويقول: المعنى أنها واجبة بذات الواجب، أو بما ليس عينها ولا غيرها، أو واجبة لها (أي للذات) إلى أن تجاسر التفتازاني من مقلديه وصرح بالإمكان، ولم يخش من الرحمن في جعله العوارض الضعيفة الرقيقة القوام (وهي الصفات الممكنة) صفات كمالية للحي القيوم الملك المنان، وتهالك في إذاعة ذلك التعليم وإشاعته، فتبعهما من أهل القرن الثامن وما بعده كل ذي عقل سقيم ورأي عقيم، وصار ذلك مذهباً يتداوله في هذه الأزمنة عامة من ينتمي إلى السنة وينتسب إلى الجماعة وهو أرك المذاهب المحدثة في الإسلام، وإنما هو مذهب هذين الرجلين واتباعهما..
    ولما لزمهم حدوث الصفات التجئوا إلى الفرق بين معنى القديم والواجب بالذات، ومنعوا استحالة تعدد القديم على الإطلاق.
    ولما لزمهم المغايرة تستروا بما ابتدعوه من معنى الغير (يعني قالوا: إن الغير هو المنفك) سبحانه وتعالى عما يصفون.
    وقد أكثر المرجاني في التشنيع على الرازي في مواضع كثيرة من حاشيته وانظر (1/47) و(1/271) و(1/278) و(1/296) بهامش حاشيته الكلنبوي على شرح الدواني. للعقيدة العضدية.
    قال: ولم يذهب أحد إلى الزيادة والإمكان (يعني زيادة صفاته تعالى على ذاته، وكونها ممكنة) إلى أن ظهر فخر الدين الرازي، واشتهر بالعلم، فأحدث هذه الداهية، وأما من قبله فكانوا مطبقين على نفي الإمكان والزيادة، والمتقدمون منهم، وإن لم يصرحوا بالوجوب لعدم هذا الاصطلاح فيما بينهم حيث لم يطلقوه على الذات أيضاً إلا أنهم نصوا عن آخرهم على أن صفات الله تعالى قديمة، وأنها ليست عين الذات ولا غيرها، وكانوا لا يريدون من القديم إلا معنى الواجب، ولذلك قال بعضهم إن القدم والوجوب مترادفان.
    وكذلك جماعة ممن تأخر عن الرازي كانوا على هذه الطريقة، قد حفظهم الله تعالى عن البدعة والوقوع في هذه الورطة كالبيضاوي وحافظ الدين النسفي وغيرهما من أهل البصيرة، فلنورد في هذا المقام بعض عباراتهم ليكون ذلك طريقاً مؤدياً إلى ما طوينا عن إيراده، ثم نقل المرجاني عن كثير من الأئمة المتقدمين على الرازي والمتأخرين عنه ما يدل على ما قاله، أو ما هو صريح فيه، وأطال في ذلك فراجعه.
    وقال: (1/298): والزيادة الموجبة للغيرية مستحيلة قطعاً لاستلزامها:
    1- النقص بالذات والعرو عن الكمالات والاستكمال بالأمور العرضية الضعيفة القوام الرقيقة الوجود (يعني الصفات الممكنة بالذات) وهو معنى قولهم: إن الله فقير ونحن أغنياء.
    2- وتعدد القدماء
    3-وتكثر الواجبات، أو حدوث الصفات، وانظر (1/271).
    وقال (1/227) والحق أن صفاته تعالى واجبة بالذات فلا تحتاج إلى علة ولا تستند إلى جاعل، ولا يلزم التعدد لكونها غير متغايرة، ولا مغايرة له، ولا زائدة عليه على الحقيقة، لا بالمعنى الذي يتداوله إحداث الأشعرية. انتهى.
    9-{بيان فساد كلا المسلكين}
    أقول: لا يخفى أنه على كلا المسلكين يلزم تعدد القدماء وتكثر الواجبات أما على مسلك الرازي فلأنه هناك واجب بذاته، وهو ذات الله تعالى، وواجب لذات الواجب بذاته وهي صفات الله تعالى فصار هناك نوعان من الواجب كما ذهب إليه الفلاسفة من أن العقول العشرة والهيولي قديمة واجبة لذاته تعالى.
    وأما على مسلك ابن التلمساني والقرافي والسنوسي فلأنه هناك واجبان كل منهما واجب بذاته، وهما ذاته تعالى وصفاته، فصار هناك فردان للواجب بذاته ومن ثمة قال الكلنبوي (1/295): تعدد القدماء لازم لإثبات الصفات الحقيقية البتة انتهى، وانتقاد المرجاني وتشنيعه وارد على كلا المسلكين لا على مسلك الرازي فقط وإن كان هو قد وجهه إلى الرازي فقط. ولا يخفى أن المسلك الثاني ليس أقل شناعة من المسلك الأول، فإنه كما لم يقل أحد من سلف الأمة، إن صفاته تعالى ممكنة بذاتها واجبة لذاته تعالى.كذلك لم يقل أحد منهم: إن هناك واجبان بذاتهما، بل هذا أشنع من الأول.
    فإن الذي أجمع عليه سلف الأمة: أنه ليس في الوجود إلا واجب واحد وقديم واحد وجوده مقتضى ذاته، وكذلك وجوبه وقدمه، وهو الله المتصف بالأسماء الحسنى والصفات العلى، أي هو الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى.
    10-{تحقيق أنه ليس في الوجود إلا واجب واحد وقديم واحد وهو الله تعالى بأسماه الحسنى وصفاته العلى}.
    وتحقيق هذا أن المفروض هنا وجود إ̃له، وليس وجود ذات مطلقاً، والإ̃له لا يكون إ̃لهاً إلا بهذه الصفات، فهذه الصفات من مقومات الإ̃له وغير خارجة عنه فليست الصفات شيئاً آخر كما ذهب إليه أهل المسلكين حيث أثبتوا الإثنينية بالنسبة إلى ذات الله تعالى وصفاته، وجعلوا أحدهما نوعاً غير النوع الآخر أو فرداً غير الفرد الآخر من الواجب، ولا هي عارضة لذات الإ̃له كما ذهب إليه أهل المسلك الأول، بل هي موجودة بوجوده تعالى، وليس لها وجود غير وجوده تعالى، وليس لها وجوب آخر ولا قدم آخر غير وجوبه وقدمه تعالى.
    ونظير هذا في الشاهد أنه يوجد للموجودات أوصاف ذاتية، وأوصاف عرضية وذاتيات الشيء عبارة عما لا يتكون الشيء ولا يدخل في الوجود إلا بها، فهي موجودة بوجود الشيء لأنها داخلة في قوامه، وغير خارجة عنه، وأما العرضيات فهي ما يتكون الشيء بدونها، وليست بداخلة في قوامه، بل هي خارجة عنه لاحقة به بعد تقومه وتكونه.
    ونحن لا نطلق اسم الذاتيات على صفاته تعالى كما لا نطلق عليها اسم العرضيات لعدم ورود الشرع بهذا الإطلاق ولأن هذه التسمية اصطلاحية من اصطلاح المناطقة والفلاسفة، والشرع لم يرد على وفق الاصطلاحات وإنما ورد على وفق اللغة العربية وقبل تقرر هذه الاصطلاحات.
    لكننا نقول: إن صفاته تعالى من قبيل الذاتيات، وإن نسبتها إليه تعالى كنسبة الذاتيات إلى ما هي ذاتية له.
    فصفاته تعالى موجودة بوجوده تعالى وواجبة بوجوبه، وقديمة بقدمه، فليس هناك إلا وجود واحد، ووجوب واحد، وقدم واحد بالنسبة إلى الله تعالى وصفاته، وليس هناك وجودان وجود لذاته تعالى ووجود لصفاته حتى يكون هناك وجوبان وقدمان وواجبان وقديمان كما هو شأن الغيرين، وذلك لأن المفروض - كما قلنا - وجود إ̃له، وليس وجود ذات مطلقاً، والإ̃له لا يكون إ̃لهاً إلا بهذه الصفات التي يسمونها صفات الذات، وصفات ذاتية.
    فليس لهذه الصفات وجود آخر غير وجود ذاته تعالى، كما ذهب إليه من قال: إن صفاته تعالى غير ذاته، وهذه الغيرية هي التي اتفق على القول بها أهل المسلكين السابقين، فإن الغيرية بهذا المعنى بين ذاته تعالى وصفاته لازمة لهم، ولا ينفعهم في نفيها تحاشيهم عن إطلاق لفظ الغير، وتجنبهم إياه.
    وليست هذه الصفات عارضة لذاته تعالى كما ذهب إليه أهل المسلك الأول.
    وتعبير أهل المسلكين بالافتقار بالنسبة إلى صفاته إيضاً غير سديد، نعم إذا أرادوا بافتقار صفاته تعالى إلى ذاته قيام صفاته بذاته، واتصاف ذاته بها فالمعنى صحيح، لكن التعبير غير صحيح، لأن الافتقار بمعنى الاحتياج، وهو بالنسبة إلى ذاته تعالى وصفاته محال، ولأن التعبير مشعر بالمغايرة بين ذاته تعالى وصفاته، وهو أيضاً ممتنع.
    وما ذكرناه من المعنى هو الذي قصده المتقدمون بقولهم: صفات الله تعالى ليست عينه ولا غيره، فنفوا الغيرية بالمعنى الذي ذكرناه، وأثتبها بالمعنى المذكور القائلون بالغيرية فكان الخلاف بينهما معنوياً، وليس الخلاف بينهما لفظياً كما قررناه في صدر هذا البحث، فإن ما قررناه هناك مبني على مذهب المتأخرين من المتكلمين، ونقل لمذهبهم، ومقصودنا هنا الرد على هذا المذهب. وبيان خطأه. وتعريف الأشعري للغيرين محمول على هذا المعنى، وذلك بأن يقال: معنى قوله: الغيران موجودان يصح عدم أحدهما مع وجود الآخر، أنه يصح انفكاك أحدهما عن صاحبه بحسب الوجود بأن لا يوجد بوجود صاحبه، بل يوجد بوجود آخر، فيكون لهذا وجود، ولذلك وجود آخر،ولهذا النكتة عبر الإمام بقوله: موجودان يصح عدم أحدهما مع وجود الآخر، المقتضي لعدم اقتضاء وجود الغير وجود الغير، وهذا هو المقصود بالإفادة في هذا المقام، ولم يعبر بموجودان يصح وجود أحدهما مع عدم الآخر، المقتضي لعدم اقتضاء عدم الغير عدم الغير، فإن هذا المعنى ليس مقصوداً بالإفادة، وإن كان راجعا ًإلى المعنى الأول، فإنه إذا لم يقتض عدم هذا عدم ذاك فلا يقتضي وجوده وجوده.
    11-{تحقيق قيم للمسألة لإبن تيمية}
    ثم رأيت كلاماً للإمام ابن تيمية يؤيد ما حققناه فرأينا إيراده هنا.
    قال رحمه الله تعالى في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ما ملخصه: من الناس من يقول: كل صفة للرب عز وجل غير الأخرى، ويقول: الغيران ما جاز العلم بأحدهما مع الجهل بالآخر، ومنهم من يقول: ليست هي غير الأخرى ولا هي هي، لأن الغيرين ما جاز وجود أحدهما مع عدم الآخر، أو ما جاز مفارقة أحدهما الآخر بزمان أو مكان أو وجود، والذي عليه سلف الأمة وأئمتها إذا قيل لهم: علم الله وكلام الله هل هو غير الله أم لا لم يطلقوا النفي ولا الإثبات.
    فإنه إذا قيل: هو غير أوهم أنه مباين له، وإذا قيل: ليس غيره أوهم أنه هو، بل يستفصل السائل، فإن أراد بقوله: غيره أنه مباين له منفصل عنه فصفات الموصوف لا تكون مباينة له منفصلة عنه وإن كان مخلوقاً، فكيف بصفات الخالق، وإن أراد بالغير أنها ليست هي هو فليست الصفة هي الموصوف، فهي غيره بهذا الاعتبار.
    واسم الرب إذا أطلق يتناول الذات المقدسة بما تستحقه من صفات الكمال، فيمتنع وجود الذات عرية عن صفات الكمال، فاسم الله عز وجل-يتناول الذات الموصوفة بصفات الكمال، وهذه الصفات ليست زائدة على هذا المسمى، بل هي داخلة في المسمى، ولكنها زائدة على الذات المجردة التي تثبتها نفاة الصفات.
    فأولئك لما زعموا أنه ذات مجردة، قال هؤلاء (المثبتون للصفات): الصفات زائدة على ما أثبتموه من الذات، وأما في نفس الأمر فليس هناك ذات مجردة تكون الصفات زائدة عليها، بل الرب تعالى هو الذات المقدسة الموصوفة بصفات الكمال، وصفاته داخلة في مسى أسمائه تعالى. انتهى.
    نقله السفاويني في لوامع الأنوار البهية 1/218-219) ثم قال: وهذا تحقيق لا مزيد عليه، فاحفظه فإنه مهم وبالله التوفيق.
    12-{إشارة القاضي عضد الدين الإيجي إلى تحقيق المسألة}
    أقول:وإلى هذا التحقيق أشار الإمام القاضي عضد الدين في المواقف، فقال: والحق أن مرادهم: أي مراد أهل السنة من قولهم: إن صفاته تعالى ليست عينه ولا غيره تعالى أنها لا هو بحسب المفهوم، ولا غيره بحسب الوجود والهوية، كما يجب أن يكون في الحمل انتهى. وقصد بقوله: ولا غيره بحسب الوجود ما قلناه من أن صفاته تعالى موجودة بوجوده، وليس لها وجود مستقل عن وجوده حتى تكون غيره بحسب الوجود، وأراد بالهوية الوجود الخارجي، وأراد بقوله: كما يجب أن يكون في الحمل التنظير، أي كما يجب أن يكون المحمول والمحمول عليه في نحو: زيد عالم مختلفين بحسب المفهوم متحدين بحسب الوجود حتى يصح حمل أحدهما على الآخر، كذلك الموجود هنا الاختلاف بين الله وصفاته بحسب المفهوم، واتحادهما بحسب الوجود فالتنظير إنما هو باعتبار الاختلاف بحسب المفهوم، والاتحاد بحسب الوجود، وليس التنظير باعتبار الحمل لبداهة أنه لا يجوز الحمل بين الله تعالى وصفاته، فلا يقال: الله تعالى علم أو قدرة، فلا يرد على القاضي ما أورده التفتازاني في شرح المقاصد، والسيد الشريف الجرجاني في شرح المواقف والدواني في شرح العقائد العضدية من أن ما قاله القاضي العضد إنما يصح في المشتقات مثل العالم والقادر، لا في مبادئها والكلام إنما هو في مبادئها، فإن الأشعري وغيره من أهل السنة يثبتونها، والمعتزلة ينفونها، إنتهى وذلك لأن القاضي لم يقصد التنظير بحسب الحمل حتى يرد عليه ما قالوه، وإنما قصد التنظير باعتبار الاختلاف بحسب المفهوم، والاتحاد بحسب الوجود.
    13-{بيان أن المتقدمين من المتكلمين كانوا يتحرجون عن اطلاق كل عبارة فيها شائبة إيهام التغاير والإثنينية بالنسبة إلى الله تعالى وصفاته}
    وإكمالاً لهذا التحقيق أورد هنا ما يدل على أن المتقدمين من المتكلمين كانوا يتحرجون عن إطلاق كل عبارة فيها شائبة إيهام التغاير والإثنينية بالنسبة إلى الله تعالى وصفاته، ومن ثمة امتنعوا عن إطلاق مثل القديم والباقي على صفاته تعالى على سبيل الاستقلال، وإنما أطلقوها عليها في ضمن إطلاقها على الذات، وهذا يدل على أنهم أرادوا بنفي الغير ما ذكرناه من نفي الإثنينية والتغاير بحسب الوجود.
    قال أبو المعين النسفي في التبصرة (1/210): إن قدماء أصحابنا .. امتنعوا عن إطلاق اسم القديم على الصفات، وإن كانت أزلية، ويقولون: إن الله تعالى قديم بصفاته.
    وقال (1/211): إن قدماء أصحابنا امتنعوا عن القول بأن شيئاً من صفاته تعالى باق، بل يقولون: إن الله تعالى باق بصفاته.
    وقال (1/258): واعلم أنه لا يقال: إن علمه تعالى معه، لأنه (أي علمه) ليس بقائم بنفسه فيكون معه، ولا يقال: هو فيه، لأنه تعالى ليس بظرف للعلم، والعلم ليس متمكناً فيه، ولا يقال: إنه مجاور له، لأنه غير مماس له، ولا إنه مباين له، لما أنه لا يقبل المفارقة، ولما أن هذه الألفاظ مستعملة في المتغايرات، ولا تغاير في ما نحن فيه.
    ثم قال: ثم اعلم أن عبارة عامة متكلمي أهل الحديث في هذه المسألة أن يقال:إن الله تعالى عالم بعلم،وكذا فيما وراء ذلك من الصفات.
    وأكثر مشايخنا امتنعوا عن هذه العبارة احتراز عما يوهم أن العلم آلة وأداة (أي فيكون مغايرا للذات) فيقولون: الله تعالى عالم، وله العلم، وكذا فيما وراء ذلك من الصفات.
    ثم قال: والشيخ الإمام أبو منصور الماتريدي يقول: إن الله تعالى عالم بذاته، حي بذاته قادر بذاته، ولا يريد به نفي الصفات، لأنه أثبت الصفات في جميع مصنفاته،وأتى بالدلائل لإثباتها، ودفع شبهاتهم على وجه لا مخلص للخصوم عن ذلك، غير أنه أراد بذلك دفع وهم المغايرة،وأن ذاته يستحيل أن لا يكون عالماً، انتهى.
    فهذه التحرجات من المتقدمين من المتكليمن، وهذه التعبيرات والإطلاقات منهم، ولا سيما إطلاق الإمام أبي منصور تكاد تكون نصاً فيما قلناه من أنهم لم يقصدوا بنفي الغيرية إلا المعنى الذي ذكرناه.
    14-{بيان فساد قول من قال: المراد بالغير في قولهم (صفات الله ليست غيره) الغير الاصطلاحي}
    واعلم أنه قد وقع في كلام كثير من المتأخرين أن إطلاق الإمام الأشعري الغير على المنفك في قوله: صفات الله تعالى ليست عينه ولا غيره، اصطلاح منه، وأنه إنما نفى الغيرية عنها بالمعنى الذي اصطلح عليه للفظ غير، ولم ينف الغيرية بالمعنى اللغوي وبحسب الشرع، وأول من قال هذا القول هو الإمام الرازي، نقله عنه الجلال الدواني في شرح العقائد العضدية (1/295) ثم قال: رداً عليه: وأنت خبير بأن الغرض وهو نفي لزوم تعدد القدماء- لا يترتب على ذلك، فلا فائدة فيه، ولا وجه لإدخاله في المسائل الاعتقادية.
    ورده السعد التفتازاني في شرح المقاصد بما حاصله: إنه لو كان الأمر كما قال لكان الحكم بعدم مغايرة الصفات للذات بديهياً مستغنياً عن الدليل مع أن من الأشاعرة من استدل عليه.
    ورده السيد الشريف الجرجاني في شرح المواقف بأنه غير مرضي لأنهم ذكروا ذلك في الاعتقادات المتعلقة بذات الله تعالى وصفاته، فكيف يكون أمرا لفظيا محضاً متعلقاً بمجرد الاصطلاح مع أن بعضهم قد تصدى للاستدلال عليه، والحق أنه بحث معنوي.
    قال الكلنبوي بعد نقله لرد السعد والسيد(1/295): أقول: ويدل على كونه بحثاً معنوياً قطعاً استدلالهم السابق يعني في كلام الشارح الدواني لأنه صريح في أن الأشاعرة قصدوا إثبات معنى الغير في الشرع والعرف واللغة، لا إثبات معنى اصطلحوا عليه وهو ظاهر.
    15-{خلاصة البحث}
    أقول:أن هؤلاء العلماء التفتازاني، والسيد الشريف، والدواني، والكلنبوي قد أصابوا في قولهم بأن البحث معنوي بمعنى أنه ليس راجعاً إلى الاصطلاح لكنهم أخطأوا في تقريرهم الخلاف على الوجه الذي قررناه في صدور هذا البحث، وهو بنائهم الخلاف في أن صفاته تعالى هل هي غير له تعالى أم لا، على الخلاف في تفسير الغير لغة هل هو نقيض هو هو، فلا يكون بينه وبين العين واسطة، فتكون الصفات على هذا التفسير غير الله تعالى.
    أو هو بمعنى غير الملازم الذي يجوز انفكاكه، فتثبت الواسطة على هذا بين العين والغير، فلا تكون الصفات على هذا غير الله تعالى لملازمتها له وعدم جواز انفكاكها عنه.
    فإن تقرير الخلاف على هذا الوجه، وإن لم يكن راجعاً إلى الاصطلاح، لكنه لا يخفى أنه لا يخرج عن أن يكون لفظياً، عائداً إلى أنه هل يجوز إطلاق لفظ الغير علي صفات الله تعالى لغة أم لا؟ مع اتفاق الفريقين في المعنى وهو أنها ليست عينه تعالى، ولا يجوز انفكاكها عنه.
    والصواب في تقرير الخلاف ما قررناه أخيراً، وهو أن من قال: إنها ليست عينه ولا غيره، أراد كما قال القاضي عضد الدين: ليست عينه بحسب المفهوم، ولا غيره بحسب الوجود، وأرادوا نفي الإثنينية بين الذات والصفات بحسب الوجود، ومن قال: إنها غيره أثبت الإثنينية، وقال: إنها غيره بحسب الوجود، فالخلاف معنوي بحت لا علاقة له لا بالاصطلاح ولا باللفظ، والله تعالى أعلم.
    محمد صالح بن أحمد الغرسي
    ذي الحجة 1424هـ قونيه
    وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]

    تعليق

    • نزار بن علي
      طالب علم
      • Nov 2005
      • 1729

      #3
      الحمد لله

      لا شك أن مواضع النقد في هذه الرسالة كثيرة.. على ما ظهر لي .. لكن سأخص بالذكر ما خلص إليه المصنف وسماه تحقيقا من نفي وجود صفات الباري تعالى زائدة على ذاته تعالى قائمة به على نحو ما قرر أوائل متكلمي أهل السنة وحذاق متأخريهم.. يظهر ذلك جليا في رده لمسلكي الإمام الرازي ومن تبعه والقرافي وابن التلمساني ومن تبعهما.. كما صرح بذلك في الفصل التاسع بقوله: 9-{بيان فساد كلا المسلكين. اه . وقصد بذلك مسلكي مثبتي وجود الصفات قائمة بالذات بوجود زائد على وجود الذات.. معللا ذلك الفساد بما اعتبره لازما لذلك القول الحق من تعدد القدماء وتعدد واجبي الوجود.. مع أن هذه الشبه التي وجهها أصلا المعتزلة الذين اختصوا بإيراد الشبة الأولى والفلاسفة الذين اختصوا بإيراد الشبهة الثانية.. قد دفعت وبان ضعفها الشديد، وكل من قال بالمقالة التي جعلها المصنف حقا - وهي نفي وجودية الصفات بوجود زائد على وجود الذات - قد علقت بذهنه تلك الشبه وغيرها كلزوم التركب بإثباتها المستلزم للإمكان، وتعدد القدماء ، ووقع في شباك مصطلحات الفلاسفة.. كتعبير هؤلاء عن قيام الصفات بالذات بالافتقار.. إلخ

      أقول: ولله در الإمام العظيم الفخر الرازي، حيث إنه وإن ثبت عنه أنه قال بإمكان الصفات لذاتها ووجوبها لذات الواجب تعالى.. فهو قد استطاع إلزام الفلاسفة على مقتضى اصطلاحاتهم أصولهم بالإقرار بأنه لا مانع من إثبات اتصاف الباري تعالى بصفات وجودية زائدة على ذاته.. وهم الذين ينفون أصلا اتصاف الباري تعالى بأي صفة وجودية استنادا إلى أصولهم التي بان فسادها.. نعم قد التزم في سبيل ذلك ما سماه البعض شناعات، لكن يكفيه أن استطاع إثبات اتصاف الباري تعالى بصفات وجودية على مقتضى أصول الفلاسفة، كمنعهم كون الواجب قابلا وفاعلا، ومنعهم تعدد الواجب.. وما بقي من خلل في مقالات الرازي من الحكم على الصفات الوجودية بالإمكان الذاتي احترازا من تعدد الواجب، ومن التزامه كون الواجب قابلا وفاعلا.. قد سده المحققون من أهل السنة ببيان فساد دعوى استلزام وجوب الصفات لذاتها تعدد الواجب، وبيان أنه لا يلزم الإقرار بكون الواجب قابلا وفاعلا لإثبات وجودية الصفات.. إلخ ذلك.. فالمشنع على الرازي ومن تبعه في ذلك التشنيع لم يوف الإمام قدره، ولم يجتهد أصلا في التماس عذر له..

      والحاصل أن محققي أهل السنة من المتكلمين - خصوصا الأشعرية الذين استمرت اجتهاداتهم الفكرية إلى زمان متأخر - قد حققوا بالنظر العقلي والبرهان الفكري فساد كل الشبه الواردة على إثبات وجودية الصفات على نحو ما قرره القرآن العظيم وصوبته العقول الراجحة..وكل من تمسك بمقالة نفي وجودية الصفات - خصوصا من الشيعة أحفاد المعتزلة والفلاسفة - ومن تبعهم من بعض نظار أهل السنة المعبرين عن ذلك بأن الصفات ليست عين الذات مفهوما ولا غيرها وجودا وهوية ، إنما قالوه التزاما لشبهات لا تلزم..لعلنا نستعرضها ونبطلها - تبعا لأهل الحق - واحدة واحدة.. والله تعالى أعلم.
      وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]

      تعليق

      • هاني علي الرضا
        طالب علم
        • Sep 2004
        • 1190

        #4


        بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على نبي الله وآله ومن والاه

        دعني أشكرك أولاً سيدي الفاضل العالم المتكلم نزار بن علي على ما تتحفنا به من مواضيع وتحقيقات أقل ما يقال عنها أنها جدّ قيمة وتنم عن إلمام واحاطة بالمذهب قلّ أن توجد وتتيسر في زماننا هذا والله المستعان .

        ثم إني قد استمتعتُ جداً بقراءة هذه المقالة للشيخ الغرسي ، ولي عليها تعليقات أحبّ أن أثبتها هنا طلبا للفائدة وتعميمها والنصح ممن هم أعلم وأحكم ، وهي :

        1/ مقام الصفات مقام جدّ دقيق وصعب ، ومن هنا تشعبت بالناس الدروب وتاهت الأنظار والعقول --
        لي شيخٌ حبيب إلى قلبي يقول دائما كلما مرّ بتشنيع من شنّع على الإمام الرازي أثناء الدرس : (هؤلاء الذين شنّعوا على الرازي لم يبلغ أياً منهم عشر معشار هذا الرجل في التحقيق والكلام ، وما ردوا به مقالة الرازي أشنع عند النظر والتأمل ).
        وقد كنت أستغرب هذا القول منه ، ثم لما توسعت في الدراسة والقراءة بان لي صحتها ، وبان لي أن ما ذهب إليه الإمام الرازي - قدس الله سره - هو أشبه ما يكون بالحق في هذه المسألة الدقيقة .
        وتلخيص المذاهب في هذه المسألة هو أن اثبات الصفات الوجودية لله تعالى وإن دل عليه العقل والنقل إجمالاً لكن يظل عليه اعتراضات :

        أ- إما أن تكون الصفات حادثة فيلزم أن الله محل للحوادث ويلزم عنه حدوث الله لما أن ماقام به الحادث حادث ، أو أنها قديمة فيلزم عنه تعدد القدماء ، وهذا ما قاد المعتزلة إلى نفي الصفات . والجواب عليهم معروف مبسوط .
        ب- هذه الصفات غير مستقلة بالوجود ، وهو ظاهر ، فإما أن تستند في وجودها إلى ذات الله تعالى ويلزم منه أن يكون الواحد فاعلاً للشيء وقابلاً إياه في آن !! وإما أن أن تستند في وجودها إلى غيره تعالى ويلزم عنه أن يكون الواجب محتاجاً مفتقراً إلى غيره ومنفعلاً عنه ومستكملاً به ، وهذا ما قاد الفلاسفة إلى منع الصفات . وجواب هذا الإعتراض كما وضحه الإمام الرازي منع استحالة اجتماع القبول والفعل .
        جـ- هذه الصفات البعض منها لا يعقل دون متعلقاته كالسمع مثلا لايعقل بدون المسموع ، والبصر لا يعقل دون المبصر ، والكلام لا يعقل دون المخاطب . وجميع هذه المتعلقات اللازمة لتعقل الصفة حادثة فيلزم منه حدوث الصفات ، والتزم هذا الكرامية قديما والوهابية حديثا تبعا لابن تيمية ، وجوزوا كون الإله محلاً للحوادث . وجواب هذا الإعتراض منع احتياج تلك الصفات إلى متعلقاتها ، بل المحتاج إليها هو ذات تعلقاتها التي هي أمور إضافية متجددة لا وجودية .
        د- هذه الصفات إما أن تكون واجبة الوجود لذاتها ، ويلزم عنه تعدد الواجب وتعدد القدماء ، أو لا تكون واجبة الوجود لذاتها ( ممكنة ) فيلزم إمكانها وحدوثها . فذهب بسبب هذا قدماء الأشاعرة إلى نفي عينيتها وغيريتها وزعموا أنه بذا لا يلزم من وجودها وقدمها تعدد الواجب والقديم وفيه نظر والحقيقة أنه يلزمهم ذلك .
        فبالنظر إلى كل ذلك ما سبق لا يبقى مذهب قائم إلا مذهب الإمام الرازي ، وهو القول بوجود الصفات وإمكانها في ذاتها ومنع بطلان تعدد القدماء و منع اقتضاء مجرد الإمكان للحدوث ، وهو المذهب الأقل عرضة للنقض والإيراد عليه ، وما فعل من شنع عليه إلا التشنيع والتهويل عند التأمل .


        2/ نقل الشيخ الغرسي عن المشنعين على الإمام الرازي ما يلي :
        [ والمسلك الثاني مسلك القرافي وشرف الدين ابن التلمساني والسنوسي، وهؤلاء قالوا: إن صفاته تعالى واجبة بذاتها مثل ذاته تعالى، وقالوا بثبوت واجبين بذاتهما: الله تعالى، وصفاته، وسلموا افتقارها لذاته تعالى، لكنهم منعوا استلزام الافتقار للحدوث، وقالوا: ليس كل افتقار مستلزماً للحدوث، بل المستلزم له هو الافتقار في الوجود، وليس الافتقار في القيام، وصفاته تعالى إنما تفتقر إلى ذاته تعالى في القيام لا في الوجود ]
        ويردُ عليهم أن يُقال :
        قد زعمتم أن المستلزم للحدوث إنما هو الإفتقار في الوجود لا الإفتقار في القيام ، وقلتم أن صفاته تعالى تفتقر إلى ذاته في القيام لا في الوجود ، فهل توجد صفاته لا قائمة بذاته !!؟؟ وهل توجد صفات لا قائمة بمحل !!؟؟
        القيام بالمحل صفة نفسية للصفة لا يمكن تصور وجودها دونه تماماً كما أن التحيز صفة نفسية للجرم لا يتصور دونه ، ما معنى أن يقولوا هي غير مفتقرة للذات في الوجود في حين أنها لا يمكن أن توجد إلا قائمة بالذات ، والمحصلة النهائية أنها مفتقرة للذات في قيامها وتبعا في وجودها شاءوا أم أبوا ضرورة امتناع وجود صفات غيرقائمة بذات !!

        3/ قول الشيخ الغرسي : [ فهذه الصفات من مقومات الإ̃له ]
        مشعر بالتركيب ، فلو غيره .


        4/ قول الشيخ الغرسي : [ وليس لها وجود غير وجوده تعالى ]
        يُفهم منه التصريح بنفي وجود الصفات زائدا على وجود الذات ، وهو آيل إلى قول المعتزلة لا محالة .


        5/ قول الشيخ الغرسي : [ ونظير هذا في الشاهد أنه يوجد للموجودات أوصاف ذاتية، وأوصاف عرضية وذاتيات الشيء عبارة عما لا يتكون الشيء ولا يدخل في الوجود إلا بها، فهي موجودة بوجود الشيء لأنها داخلة في قوامه، وغير خارجة عنه، وأما العرضيات فهي ما يتكون الشيء بدونها، وليست بداخلة في قوامه، بل هي خارجة عنه لاحقة به بعد تقومه وتكونه.
        ونحن لا نطلق اسم الذاتيات على صفاته تعالى كما لا نطلق عليها اسم العرضيات لعدم ورود الشرع بهذا الإطلاق ولأن هذه التسمية اصطلاحية من اصطلاح المناطقة والفلاسفة، والشرع لم يرد على وفق الاصطلاحات وإنما ورد على وفق اللغة العربية وقبل تقرر هذه الاصطلاحات.
        لكننا نقول: إن صفاته تعالى من قبيل الذاتيات، وإن نسبتها إليه تعالى كنسبة الذاتيات إلى ما هي ذاتية له.]

        أقول : إنما امتنع إطلاق وصف الذاتيات على صفات الله قبل عدم وروده في الشرع لما أن ذلك يستلزم الزعم بمعرفة ماهية الله سبحانه وتعالى ، وهوممتنع قطعا ، فلا يعلم حقيقة ذاته وصفاته إلا هو، [ لا يدرك كنه صفته الواصفون ] كما يقول السلف .
        ولما أن القول بان هذه الصفات قبيل الذاتيات يقتضي القول بالتركيب ضرورة تعدد الذاتيات واجتماعها هو ما ينتج المفهوم الجامع لها .
        ولما أن اعتبارها من قبيل الذاتيات يعني أنها ما يكون بها الإله هو هو ، وبالتالي لا يمكن للعقل أن يتصور الإله إلا بها وهذا خلاف الواقع فإن الحياة والعلم والقدرة والإرادة فقط ثبتت بالعقل ولا يتصور الإله دونها ، وليس كذلك الكلام والسمع والبصر التي ما ثبتت إلا بالشرع ، ولولا ورود الشرع بها لما حكمنا بها له سبحانه .

        6/ قول الشيخ الغرسي : [ فليس هناك إلا وجود واحد، ووجوب واحد، وقدم واحد بالنسبة إلى الله تعالى وصفاته، وليس هناك وجودان وجود لذاته تعالى ووجود لصفاته ]
        أقول : هذا حقيقة مذهب المعتزلة وإن اختلفت العبارة، فإن المعتزلة ما نفوا الصفات وإنما نفوا زيادة وجودها على وجود الذات .


        7/ قول الشيخ الغرسي :[ وما ذكرناه من المعنى هو الذي قصده المتقدمون بقولهم: صفات الله تعالى ليست عينه ولا غيره ] وما تلاه .
        هذا منه ترجيح بلا مرجح وبلا بينة على دعواه .


        8/ قوله : [ وتعريف الأشعري للغيرين محمول على هذا المعنى، وذلك بأن يقال: معنى قوله: الغيران موجودان يصح عدم أحدهما مع وجود الآخر، أنه يصح انفكاك أحدهما عن صاحبه بحسب الوجود بأن لا يوجد بوجود صاحبه، بل يوجد بوجود آخر، فيكون لهذا وجود، ولذلك وجود ]
        هذه من عنده ولا بينة له عليها ، بل هي بعيدة مخالفة لظاهر العبارة وبعيدة عن شرح الشراح لها .

        9/ ما نقله آخرا عن العضد الإيجي رحمه الله قد سبق وتكلم فيه الأئمة كالتفتازاني وغيره فلا نعيد هنا .

        هذا ما انقدح في ذهني من تعليقات على الكلام عند قراءته ، والمرجو التصحيح لما فيه من الأخطاء والأوهام التي هي جميعها من نفسي والشيطان .

        هذا ، والله الموفق .
        التعديل الأخير تم بواسطة هاني علي الرضا; الساعة 13-12-2006, 19:40.
        صل يا قديم الذات عدد الحوادث .. على المصطفى المعصوم سيد كل حادث

        تعليق

        • نزار بن علي
          طالب علم
          • Nov 2005
          • 1729

          #5
          الحمد لله

          أولا أخي هاني أشكرك على حسن ظنك بالعبد الفقير الحقير، الذي لو أفنى عمره كاملا في البحث والتحقيق لما استحق تسميته بـ "طالب العلم" بالمفهوم الصحيح، فضلا عما وسمته به، فأعظك أن تعود لمثله.

          بعد تلخيصك للمذاهب قلت:

          د- هذه الصفات إما أن تكون واجبة الوجود لذاتها ، ويلزم عنه تعدد الواجب وتعدد القدماء ، أو لا تكون واجبة الوجود لذاتها ( ممكنة ) فيلزم إمكانها وحدوثها . فذهب بسبب هذا قدماء الأشاعرة إلى نفي عينيتها وغيريتها وزعموا أنه بذا لا يلزم من وجودها وقدمها تعدد الواجب والقديم وفيه نظر والحقيقة أنه يلزمهم ذلك .
          فبالنظر إلى كل ذلك ما سبق لا يبقى مذهب قائم إلا مذهب الإمام الرازي ، وهو القول بوجود الصفات وإمكانها في ذاتها ومنع بطلان تعدد القدماء و منع اقتضاء مجرد الإمكان للحدوث ، وهو المذهب الأقل عرضة للنقض والإيراد عليه ، وما فعل من شنع عليه إلا التشنيع والتهويل عند التأمل. انتهى


          أخي العزيز هاني:

          ما رجحته هو في غاية الضعف لما سيأتي، وما جعلته لازما من تعدد القديم وتعدد الواجب لا يلزم على قواعد المتكلمين، فإن المحذور تعدد الذوات القديمة، ولم يقل بذلك أحد، وأما تعدد الواجب فعلى قواعدهم لا يضر لكونه ـ أي الوجوب ـ أمر سلبي عدمي اعتباري، لا يلزم من اشتراك الذات والصفات فيه أي محذور، وقد برهن المشايخ على اعتبارية الوجوب، ومنهم الإمام الرازي نفسه كما في ملخصه خصوصا. وعلى العموم، سيأتيك تفصيل الأقوال على نحو مختصر.

          الشُّبَه التي علقت بالأذهان:

          لما نُقل عن إمام أهل السنة الشيخ أبي الحسن والأشعري ومتقدمي أصحابه النصُّ على أن الصفات المذكورة موجودة في الخارج بوجود زائد على وجود الذات، وأنها مع ذلك ليست هي هو وليست غيره؛ أورد عليهم أنها إذا كانت الصفات زائدة على الذات في الوجود الخارجي كانت ممكنة؛ لاحتياجها إلى الموصوف في وجودها لكونها قائمة به، ولا يقصد بالممكن إلا ما يحتاج إلى غيره في وجوده. (وهذا منشأ غلط كبير كما ننبه عليه) فألزم هؤلاء الشيخ وأصاحبه أن تكون الصفات مستندة إلى الذات إما بالاختيار أو بالإيجاب، واللازم عن الأول ـ وهو تقدير صدروها بالاختيار ـ التسلسلُ وكون الصفات حادثة، قال السيد الشريف: تأثيره تعالى في صفة القدرة مثلا إن كان بقدرة واختيار لزم محذوران: التسلسل في الصفات. وحدوثها. (شرح المواقف 3/72).
          واللازم عن الثاني ـ وهو صدورها بالإيجاب ـ كونه تعالى موجبا بالذات ولو في بعض الأشياء. قال السيد الشريف: وإن كان ـ أي تأثيره تعالى في صفاته ـ بإيجاب لزم كونه تعالى موجبا بالذات، فلا يكون الإيجاب نقصانا، فجاز أن يتصف به بالقياس إلى بعض مصنوعاته. (شرح المواقف 3/72). وقد أبطل التفتازاني أصل الإيجاب بقوله: ولا يخفى أن مثل هذه التخصيصات في الأحكام العقلية بعيد جدا. (شرح المقاصد 4/79). وهو كاف لمن تدبره في إبطال أصل الإيجاب.

          فاختار بعضهم الشق الأول كابن تيمية مثلا، وضعفه ظاهر لملزوميته التسلسل الباطل وحدوث كمالات الباري، وبعضهم اختار الشق الثاني كالرازي في بعض كتبه، على ما فيه من ضعف وهدم لقواعد المتكلمين من إبطال التأثير بالإيجاب والطبع أصلا، ومن لزوم وقوع الممكن حادثا مطلقا، واختار بعضهم أمرا ثالثا غاية في البطلان وهو نفي وجودية الصفات بوجود زائد على الذات أصلا، وهو الذي يحاول الغرسي ترجيحه على ما فيه من وهن.

          وعمدة هؤلاء ـ نفاة وجودية الصفات بوجود زائد على الذات ـ أنه قد ثبت ـ عقلا وشرعا ـ أنه تعالى فاعل بالمشيئة والإرادة والاختيار، لا موجبٌ بالذات، ومن المعلوم المقرر أن كل فاعل بالاختيار لا بد أن يكون فعله مسبوقا بحياته وعلمه وإرادته وقدرته بالضرورة، فلو كانت تلك الصفات موجودة بوجود زائد على الذات في الخارج وممكنة صادرة عن الله تعالى لم يصح أن تكون صادرة بالإيجاب ـ كما التزمه أصحاب القول الثاني ـ لأنه خلاف ما دلت عليه النصوص من كون الحق سبحانه وتعالى فاعلا بالاختيار، ثم لا يصح صدورها بالاختيار أيضا ـ كما التزمه أصحاب القول الأول ـ لاستلزامه التسلسل في مبادئ الأفعال الاختيارية وحدوث الصفات. وإذا بطل صدورها عنه تعالى بالوجهين بطل زيادتها في الخارج لاستحالة وجود ممكن موجود من غير موجب أو مختار؛ وإلا انسد باب إثبات العلم بالصانع الواجب لذاته، فهي عين الذات في الخارج وغيرها في المفهوم، فهي لا هي مفهوما ولا غيره بالذات.

          والكلام مع هؤلاء بعد أن ساعدوا على إبطال القولين الأولين من حدوث الصفات أو قدمها مع إمكانها الذاتي، هو في ثبوت أصل الاختيار الذي اعترفوا به والذي لا يتصور عندنا إلا بثبوت اتصاف الباري تعالى بصفات وجودية أزلية زائدة على الذات، ومعلوم أنهم لم يجدوا لدفع ذلك سبيلا..

          وأنا هنا أصطفي لك القول الحق، تبعا لأهل الحق، مبينا أن منشأ الغلط العظيم عند القائلين بإمكان الصفات قولهم: الصفة تفتقر إلى الذات، والمفتقر ممكن، وذلك أنهم غفلوا عن كون الصفات إذا كانت أزلية بحيث لم يسبقها عدم لم يمكن التأثير فيها ولا إيجادها، لا بالتعليل ولا بالاختيار، بل إن إستحالة التأثير بالإيجاب والتعليل قد تقررت وتحققت، وإذا لم يمكن التأثير ولا إيجادها بعد العدم لكونها أزليتة، كان معنى افتقارها إلى الذات أنها لا تفارق الذات، كما أن الذات لا تفارقها وأنها لا تتعقل إلا في الذات، وغاية ما هنالك التلازم في الوجود من غير تأثير أحد المتلازمين في الآخر.

          فالصواب في رد هذه الشبه التي هي أوهى من نسج العنكبوت أن يقال للخصم: ما تعني بإمكان الصفة الموجب لفاعلية الذات لها عندك؟ إن أردت به كون الصفات لا تتعقل إلا في الذات سلّمناه، ولا يستلزم كون الذات فاعلة لها وقابلة لها، وإنما يستلزم عدم مفارقة الذات لها، وذلك صحيح في القديم، والقديم لا يُفعَل؛ وإن أردت كون الصفة قابلة للوجود والعدم بحيث يُفتقر إلى ما يرجِّح وجودها عن عدمها، مُنِعَ في الصفات الأزلية؛ إذ الأزلي لا يقبل العدم إن كان وجوديا كالصفة الوجودية.

          وهذه خلاصة كافية شافية في دفع ما رجحته أخي هاني من القول بإمكان الصفات، واعلم علم اليقين أن من يحاول نفي الصفات أصلا غاية ما عنده مصادرة باردة على نفي ما ثبت تحققه، أقصد مدعانا من وجودية الصفات، وأن من أثبت من متكلمي أهل السنة إمكانية الصفات لذاتها ووجوبها لذات الواجب قوله يهدم الكثير من قواعده، ولا يتم له أصلا، فهو يقول بلسانه ما يخالف قلبه ومنهجه العقدي.. ولم يبق إلا الحق المبين من اعتقاد لازم قوله تعالى: (أنزله بعلمه) وقوله: (ذو القوة المتين) إلخ ما يشير إلى اتصافه تعالى بالصفات الوجودية الأزلية، وتحقيق ذلك يكون بدفع كل ما يتوهم دليلا عقليا في نفيها، ودفع كل ما يتوهم دليلا عقليا في إثباتها مع إمكانها، كما يكون تحقيق ذلك أخيرا ببيان أن الإله هو الذات الأزلية المتصف بالصفات الوجودية الأزلية.. ولا مانع ـ عند التحقيق ـ عقلا من ذلك، وغاية ما يقال في دفعه هي شبه واهية عند التحقيق.

          وقد كتبت تعليقا على بعض الكتب التراثية، إليك خلاصته لعله يزيد المسألة وضوحا:

          نص المغاربة ومتقدمي علم الكلام أن صفات الله تعالى كحياته وعلمه وقدرته وإرادته واجبة الوجود لذاتها كما أن الذات كذلك، لا أن وجوب الصفات بوجوب الذات كما زعم قوم من أنها ممكنة من حيث ذاتها واجبة لوجوب موصوفها، فإن هذا القول لا يصح ولا يجري على أصل أهل السنة من أن الممكن لا يكون ثبوته إلا حادثا، وأن الإمكان ينافي القدم. وأول من قال بهذه المقالة الفخر الرازي، وتبعه جماعة كالبيضاوي والسعد ونحوهم ممن مزج الكلام بالفلسفة، وردّه المحققون، وهو الحق الموافق لأصول ونصوص المتقدمين من أن الصفات واجبة الوجود كالذات؛ إذ القول بأن الإمكان لا ينافي القدم يهدم كثيرا من مسائل أهل السنة ويؤدي إلى القول بالإيجاب الذاتي؛ لأن الصفات إذا كانت ممكنة من حيث ذاتها افتقرت إلى مقتض، ومقتضيها حينئذ هو مجرد الذات، وهذا عود إلى الإيجاب الذاتي. فالقائل بهذا القول قد سرقته أصول الفلاسفة واغتر بشبهتهم الواهية، وهي قولهم: لو ثبت للباري تعالى صفات زائدة على ذاته لم يخل أن تكون إما واجبة أو ممكنة، واللازم باطل؛ أما كونها واجبة فيبطل لكونه ملزوما للتركيب في الذات وفي الصفات، وكل مركب ممكن، وبيان لزوم التركيب حينئذ أن الصفات إذا كانت واجبة شاركت الذات في الوجوب، لكنها مغايرة لها بالحقيقة، فيلزم أن تمتاز عنها بأمر حتى تتحقق المغايرة، وما به الإشتراك غير ما به الإمتياز، وإذا كان مركبا فهو مفتقر إلى أجزائه، وأجزاؤه غيره، والمفتقر إلى الغير لا يكون إلا ممكنا؛ ولأنه إذا كان مركبا كان متوقفا على أجزائه، والواجب لذاته لا يتوقف على شيء وإلا كان وجوبه لذلك الشيء لا لذاته. وهذه الشبهة كما هو ظاهر معلنة ومقتضية لنفي الصفات اقتضاء بينا. وحلها عند أهل السنة هو بالتزام وجوب الصفات لذاتها أوّلا، ثم منع أن ذلك يؤدي إلى التركيب، ودليلهم أن الوجوب عندهم عبارة عن نفي قبول العدم، وعلى هذا فهو سلب، فالإشتراك فيه لا يستدعي التركيب، ووجوب الصفات لذاتها لا يقتضي تركيب الإله وتكثره لأن الإله هو الذات الموصوف بتلك الصفات، والذات لا تركيب فيه، والموصوف لا يتكثر بصفاته لا شاهدا ولا غائبا.
          هذا مختصر في المسألة أرجو أن يوقفك على الحق فيها، والله تعالى أعلم.
          وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]

          تعليق

          • اسماعيل طورنا
            طالب علم
            • May 2007
            • 5

            #6
            اشكر الاخوين الكريمين الاستاذ نزار بن علي والاستاذ هاني علي الرضا على نقدهما البناء

            من أستاذي
            اشكر الاخوين الكريمين الاستاذ نزار بن علي والاستاذ هاني علي الرضا على نقدهما البناء لرسالتنا مسألة صفات الله ليست عينه ولا غيره حيث كان السبب في تعديل هذه الرسالة والإضافة إليها وإليكم نص الرسالة معدلة مضافة إليها معروضة للمناقشة كما أشكر القائمين على موقع المنتدى الأصلين محمد صالح بن أحمد الغرسي 29/05/2007

            تحقيق مسألة أن صفات الله ليست عينه ولا غيره
            بسم الله الرحمن الرحيم
            اتفق المتكلمون والفلاسفة على أنه تعالى عالم قادر سميع بصير، لكنهم اختلفوا في أن صفاته تعالى التي هي مأخذ اشتقاق هذه الأسماء ومبادئها وهي العلم والقدرة والسمع والبصر- هل هي غيره تعالى أو عينه، أو ليست عينه ولا غيره.
            فذهب فريق من المتكلمين وهم الكرامية وبعض الحنابلة- إلى أنها غيره تعالى، وذهب الفلاسفة إلى أنها عينه تعالى، ووافقهم على ذلك متأخروا المعتزلة من لدن أبي الحسين البصري، وأما متقدموا المعتزلة فذهب أبو علي الجبائي وأصحابه إلى أنها أمور اعتبارية، وذهب مثبتوا الأحوال منهم وهم أبو هاشم وأتباعه- إلى أنها أحوال متوسطة بين الموجود والمعدوم، فتكون الصفات عند هذين الفريقين مغايرة للذات لا محالة، لأن الذات موجودة في الخارج، والصفات عندهم ليست موجودة في الخارج، لكن لا يلزم عندهم تعدد القدماء الموجودة في الخارج، وهو ما فروا منه.و من أجل ذلك ذهبوا إلى ما ذهبوا إليه.
            وذهب الإمام الأشعري وأتباعه والحنفية والماتريدية إلى أن صفاته تعالى ليست عينه تعالى ولا غيره.
            1-بيان أن صفات الله تعالى ليست عينه ولا غيره على حسب بيان متأخرى الأشاعرة والماتريدية.
            وقبل الدخول في تفاصيل المسألة ينبغي أن نبين معنى الغير، فإن الاختلاف في معنى الغير هو منشأ الخلاف بين المتكلمين القائلين بنفي العينية والغيرية وبين القائلين بالغيرية.
            فالغير عند القائلين بالغيرية عبارة عما ليس بعين، فهو بهذا المعنى نقيض هو هو، ولا واسطة بين العين والغير بهذا المعنى.
            وأما القائلون بأنها ليست بعين ولا غير فقد أثبتوا الواسطة بين العين والغير،وعرفوا الغيرين بتعريف يناسب هذاالإثبات، قال أبو المعين النسفي في التبصرة (1/245): حد الغيرين عند أصحابنا رحمهم الله تعالى- أنهما الموجودان اللذان يصح وجود أحدهما مع عدم الآخر .. ثم قال: وإذا صح هذا الحد- والعدم على القديم محال- فلا يتصور وجود الذات مع عدم علمه، ولا وجود علمه تعالى مع عدم قدرته، دل على أنهما ليسا غيرين، وقال (1/200): وهذه الصفات لا يقال لكل صفة منها: إنها الذات، ولا يقال: غير الذات، وكذلك كل صفة مع ما ورائها كالعلم لا يقال: إنه غير القدرة، ولا إنه عينها.
            وقال الجلال الدواني في شرح العقائد العضدية (1/277): وقد عَرَّفَ الأشعري الغيرين بأنهما موجودان يصح عدم أحدهما مع وجود الآخر.
            ثم قال (1/281-282): المراد أنه يجوز عدم أحدهما مع وجود الآخر لانتفاء علاقة بينهما توجب عدم الانفكاك، وحاصله نفي اللزوم بينهما ...
            ثم قال: ولا شبهة في أن هذا المعنى هو المراد من التعريف، فإن علاقة اللزوم عندهم هي التي تنافي الغيرية لقرب أحدهما من الآخر لا مجرد مصاحبتهما دائماً. انتهى.
            وإذا كان الخلاف بين هذين الفريقين مبنياً على الخلاف في تفسير الغير فلا يخفى أن الخلاف بينهما يعود إلى اللفظ، وإلى أنه هل يجوز إطلاق الغير على صفاته تعالى لغة وشرعاً أم لا يجوز؟.
            القائلون بأن الغير ماليس بعين قالوا بجواز الإطلاق، والمثبتون للواسطة منعوا الإطلاق.
            وإلا فالفريقان متفقان على أن صفاته تعالى ليست عين ذاته، بمعنى أنها ليست هي، كما أنها متفقان على أنهما لازمة لذاته تعالى، يمتنع وجود ذاته تعالى بدونها، كما يمتنع وجودها بدون ذاته تعالى.
            ويمتنع عدمها مع وجود ذاته تعالى كما يمتنع عدمه تعالى مع وجودها.
            لكن المتقدمين قد امتنعوا عن إطلاق الغير عليها كما سيأتي.
            وإذا كان هذان الفريقان متفقين على نفي العينية، وكان الخلاف بينهما في إثبات الغيرية ونفيها راجعاً إلى اللفظ، فلابد أن يكون الفريقان متفقين في الاستدلال على نفي العينية ضد الفلاسفة ومن وافقهم من المعتزلة.
            2-الاستدلال على أن صفات الله تعالى ليست عينه.
            وقد استدلوا على ذلك بوجوه:
            منها: أن النصوص قد وردت بكونه تعالى عالماً حياً قادراً ونحوها، وكون الشيء عالماً معلل بقيام العلم به في الشاهد، فكذلك في الغائب، فيكون العلم قائماً بالعالم، فهو ليس عينه ضرورة أن القائم بالشيء ليس عين ذلك الشيء.
            وتحقيق ذلك أن العلم إنما يوجب كون الشخص عالماً من حيث كونه علماً قطعاً، لا من حيث كونه حادثاً أو قديماً أو عرضاً إلى غير ذلك، فلا تقدح هذه الفروق في صحة هذا القياس كما قيل، لأنه لا تأثير لها في العلة، فإن العلم إنما يوجب كون الشخص عالماً من حيث كونه علماً كما قلنا، ثم إن العلة في المقيس عليه منصوصة فيفيد القياس العلم اليقيني كما ذكره أهل الأصول، فلا يرد أن هذا قياس فقهي مفيد للظن، ولا يفيد اليقين المطلوب في المطالب الكلامية، وذلك لأن علة عالمية الشاهد وقادريته مثلاً هي علمه وقدرته قطعاً.
            ومنها: أن الله تعالى أثبت هذه الصفات لنفسه في كتابه العزيز فوجب القول بها، ويستحيل إثبات موصوف بهذه الصفات مع نفي هذه الصفات عنه، وإذا لزم إثباته بهذه الأوصاف لزم إثبات هذه الأوصاف، قال الله تعالى: (ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء)، وقال تعالى: (وسع كل شيء علما) وقال تعالى: (أنزله بعلمه) وقال تعالى: (إن الله هو الرزاق ذوالقوة المتين) فأثبت الله لنفسه القوة وهي القدرة، وأثبت العلم فدل على أنه تعالى عالم بعلمه وقادر بقدرته.
            وإذا ثبت هذا في العلم والقدرة وجب مثله في باقي الصفات إذ لا قائل بالفرق.
            ومنها: أن أئمة اللغة العربية اتفقوا على أن معنى اسم الفاعل من ثبت له مأخذ الاشتقاق أي من ثبت له مدلول المصدر، فمعنى العالم من ثبت له العلم ومعنى القادر من ثبت له القدرة، والثبوت هو القيام، ومن الضروري أن القائم بالشيء ليس عين ذلك الشيء، وقد أثبت الله تعالى لنفسه في كتابه العزيز المشتق من هذه الصفات من نحو العالم والقادر، وهذا يقتضي ثبوت هذه الأوصاف له تعالى، وأنها ليست عينه تعالى.
            والفرق بين هذا الدليل والدليل الأول أن الأول هو استدلال بالنصوص عن طريق العقل، وهذا استدلال بها عن طريق اللغة.
            ومنها: أنه يلزم على مذهب المعتزلة أن يصح أن يقال: إن الله تعالى عالم بما لا علم له به، وقادر على ما لا قدرة له عليه، وهو كلام محال متناقض، لا يخفى تناقضه على أغبى خليقة الله تعالى.
            ومنها: أنه لا فرق عند أهل اللغة بين قول القائل: الله تعالى ليس بعالم.
            وقوله: الله تعالى لا علم له بشيء، والأول فاسد فكذا الثاني، وكذلك لا فرق بين قوله: الله تعالى ليس بقادر على شيء، وقوله: لا قدرة له على شيء.
            فما ذهب إليه المعتزلة من جملة الآراء المستشنعة المسترذلة التي يتسارع كل سامع إلى نسبته إلى التناقض، ويستحيل أن يختاره عاقل، فضلاً عن أن يعيب غيره على عدم القول بها.
            قال أبو المعين النسفي في التبصرة (1/202) بعد إيراده للدليل الأخير: وهذا النوع من الاستدلال سمي عند أرباب المنطق" الاستشهاد بشهادات المعارف"، ويعنون بالمعارف العلوم الأولية الثابتة في أصل خلقة كل مميز وجبلته، ولهذا يقولون: إن من تمسك بهذا الرأي ينبغي أن تصور عقيدته للدهماء ليقابلوه بالطنز والاستهزاء، ويسمى هذا الاستدلال عندهم أيضاً "الاستدلال بالآراء الذائعة".
            3-بيان مذهب الفلاسفة والمعتزلة في أن صفات الله تعالى عينه.
            وأما مذهب الفلاسفة ومن وافقهم من المعتزلة فننقل في بيانه كلام السيد الشريف في شرح المواقف، ثم نورد دلائلهم التي استدلوا بها على مذهبهم مع بيان زيفها. قال رحمه الله تعالى (8/48):
            فإن قلت: كيف يتصور كون صفة الشيء عين حقيقته مع أن كل واحد من الصفة والموصوف يشهد بمغايرته لصاحبه، هل هذا إلاكلام مخيل لا يمكن أن يصدق به، كما في سائر القضايا المخيلة التي يمتنع التصديق بها، فلا حاجة بنا إلى الاستدلال على بطلانه؟.
            قلت: ليس معنى ما ذكروه أن هناك ذات وله صفة وهما متحدان حقيقة كما تخيلته، بل معناه أن ذاته تعالى يترتب عليها ما يترتب على ذات وصفة معاً، مثلاً ذاتك ليست كافية في انكشاف الأشياء عليك، بل تحتاج في ذلك إلى صفة العلم التي تقوم بك، بخلاف ذاته تعالى فإنه لا يحتاج في انكشاف الأشياء وظهورها عليه إلى صفة تقوم به، بل المفهومات بأسرها منكشفة عليه لأجل ذاته تعالى، فذاته بهذا الاعتبار حقيقة العلم، وكذا الحال في القدرة، فإن ذاته تعالى مؤثرة بذاتها لا بصفة زائدة عليها كما في ذواتنا، فهي بهذا الاعتبار حقيقة القدرة، وعلى هذا تكون الذات والصفات متحدة في الحقيقة متغايرة بالاعتبار والمفهوم.
            ومرجعه إذا حقق إلى نفي الصفات مع حصول نتائجها وثمراتها من الذات وحدها، انتهى.
            4- دلائل المعتزلة على مذهبهم والأجوبة عنها.
            واستدلت المعتزلة على مذهبهم بأمور:
            منها: أنه لو كان الله تعالى عالماً بعلم لكان محتاجاً إلى العلم والاحتياج على الله تعالى محال، لأنه موجب للاستكمال بالغير.
            وأجيب عنه أولا: بأن الحاجة لا تكون إلا بين متغايرين، ولا تغاير بين ذات الله تعالى وصفاته.
            وثانياً: بأن الحاجة نقص يوجد ويتحقق، ثم يرتفع بوجود ما به دفعها.
            ولم يكن الذات متعرياً عن العلم، ولم يكن العلم معدوماً لتتصور الحاجة واندفاعها.
            ومنها: أنه لو كانت للواجب صفات موجودة فإما حادثة، فيلزم قيام الحوادث بذاته تعالى وخلوه عنها في الأزل، وإما قديمة، فيلزم تعدد القدماء. والنصارى كفرت بإثبات ثلاثة من القدماء، فما ظنك بإثبات الأكثر. وأجيب عن هذه الشبهة بأجوبة:
            الأول: أن الأشعري يجيب عن لزوم تعدد القدماء، بنفي التعدد، ويقول: إن الصفات وإن كانت قديمة لكنها ليست متعددة، وإنما تكون متعددة لو كانت مغايرة للموصوف، وليست كذلك.
            الثاني: أن تكفير النصارى لإثباتهم قدماء متغايرة مستقلة بذواتها.
            وهي الوجود والعلم والحياة، وسموها الأب والابن وروح القدس، ولذا جوزوا انتقال بعضها، وهي صفة العلم إلى بدن عيسى، وبعضها، وهي صفة الحياة إلى بدن مريم، فجوزوا الانفكاك والانتقال، فكانت ذواتاً متغايرة، لكن حديث الانتقال لا يستقيم على زعم النسطورية منهم القائلين باتحاد أقنوم العلم بجسد المسيح بطريق الإشراق كما تشرف الشمس من كوة على بلور.
            الثالث: أن تكفير النصارى لإثباتهم آلهة ثلاثة هم الله تعالى والمسيح عليه السلام ومريم، سواء كان ذلك بطريق الحلول والاتحاد، أو بطريق الامتزاج كامتزاج الخمر بالماء، أو بطريق الإشراق، أو بطريق الانقلاب لحماً ودماً، أو بطريق آخر كما يزعمون، كما يدل عليه قوله تعالى: (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد)، وقوله تعالى خطاباً لعيسى عليه الصلاة والسلام: (أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله).
            5-استدلال الفلاسفة على العينية بأن الصفات لو كانت غيره تعالى لكانت مفتقرة إليه ممكنة.
            واستدلت الفلاسفة بأنه لو وجدت الصفات لكانت غير الذات،ولو كانت غير الذات لزم أن تكون ممكنة لافتقارها واحتياجها في وجودها إلى الذات الموصوفة بها لاستحالة قيام الصفة بنفسها، ولافتقار بعضها إلى بعض، لأن بعضها وهي الحياة شرط في الباقي، وهي العلم والقدرة والإرادة .. الخ، والمشروط مفتقر إلى الشرط، والافتقار ينافي وجوب الوجود، إذ الواجب مستغن على الإطلاق، فتكون ممكنة، ويمتنع قيام الممكن بذاته تعالى واتصافه تعالى به، لأن صفاته مثل ذاته لابد أن تكون واجبة الوجود، فثبت أن صفاته تعالى عين ذاته.
            وقد سلك متأخروا الأشاعرة في الإجابة على هذه الشبهة مسلكين:
            6-مسلك الإمام الرازي في الجواب عن شبهة الفلاسفة بتسليم أمكان الصفات.
            الأول: مسلك الإمام فخر الدين الرازي، وتبعه معظم من أتى بعده من متكلمي الأعاجم، مثل سعد الدين التفتازاني، والسيد الشريف الجرجاني، وجلال الدين الدواني، ، والبياضي، والكلنبوي.
            وهؤلاء سلموا أن صفاته تعالى ممكنة لكنهم قالوا: إنها ممكنة قديمة، وليست ممكنة حادثة، فتابعوا الفلاسفة في القول بالممكن القديم، وقالوا بنظيرماقال الفلاسفة: إن العالم ممكن قديم، وأن العقول العشرة ممكنة قديمة، وذلك بناء على أصل الفلاسفة: أن علة افتقارالعالم إلى الصانع هي الإمكان لاالحدوث كما عليه جمهور المتكلمين.
            وبيان مذهبهم أنهم قالوا: إن صفاته تعالى واجبة لذاته تعالى أي صادرة عنه تعالى بطريق الإيجاب، فيكون تعالى موجباً بالذات بالنسبة إليها، وتكون هي أثرا عن ذاته.
            وليست واجبة لذاتها بأن يكون وجودها مقتضى ذاتها، كما أن وجوده تعالى مقتضى ذاته، وقالوا في بيان ذلك: إنه لما ثبت زيادة الصفات الحقيقية على الذات فهي إما مستندة إليه وجوداً أولاً، والثاني يستلزم كون الصفات واجبات بالذات غير مفتقرة إلى الذات، وهو باطل، ضرورة افتقار الصفة وجودا إلى الموصوف، والأول إما أن يكون استنادها إليه تعالى بالإيجاب أو بالاختيار، والثاني يستلزم حدوث الصفات، ومحليته تعالى للحوادث، ضرورة مقارنة الاختيار لعدم ما تعلق الاختيار بإيجاده، ويستلزم التسلسل أو الدور، لأن الإيجاد بالاختيار يستلزم سبق الحياة والقدرة والعلم والإرادة، فتعين الأول وهو أنها مستندة إليه تعالى بالإيجاب.
            7-مسلك ابن التلمساني والقرافي والسنوسي في الجواب عن شبهة الفلاسفة بنفي الإمكان.
            والمسلك الثاني: مسلك القرافي وشرف الدين ابن التلمساني والسنوسي، وهؤلاء قالوا: إن صفاته تعالى واجبة بذاتها مثل ذاته تعالى، وقالوا بثبوت واجبين بذاتهما: الله تعالى، وصفاته، وسلموا افتقارها لذاته تعالى، لكنهم منعوا استلزام الافتقار للحدوث، وقالوا: ليس كل افتقار مستلزماً للحدوث، بل المستلزم له هو الافتقار في الوجود، وليس الافتقار في القيام، وصفاته تعالى إنما تفتقر إلى ذاته تعالى في القيام لا في الوجود. وانظر شرح السنوسي لعقيدته الكبرى (232-233) طباعة مصطفى البابي.
            قال القرافي في تعليقه على المسائل الأربعين للرازي:
            الصفات يجب قيامها بالموصوف، ويستحيل عليها القيام بنفسها، فإن عنيتم بالافتقار هذا القدر فمسلم، لكن العبارة رديئة، ولا يلزم منه الإمكان، إذ الافتقار على هذا التقدير في القيام لا في الوجود، ولا يلزم من الافتقار في القيام الافتقار في الوجود، فإن العرض مفتقر إلى الجوهر في قيامه، ومستغن عنه في وجوده، فإنه من الله تعالى.
            فلا يلزم من مطلق الافتقار الإمكان فبطل قوله أي قول الرازي-: كل مفتقر ممكن، بل المفتقر يكون افتقاره باعتبار تركيبه وباعتبار قيامه، وإن افتقار الصفة إلى موصوفها باعتبار قيامها، لا باعتبار وجودها، كافتقار الأثر إلى المؤثر، وهذا هو المقتضى للإمكان، فالافتقار أعم، والإمكان أخص، والاستدلال بالأعم غير مستقيم انتهى.
            وتحرير محل النزاع أنه هل مطلق الاحتياج للغير مستلزم للإمكان، أو الاحتياج في الوجود فقط؟ فالرازي ومن تبعه على الأول، والقرافي ومن نحا نحوه على الثاني، وشنعوا على الأولين. وانظر (إشارات المرام ص147).
            8-تشنيع ابن التلمساني وغيره على الرازي فيما ذهب إليه من إمكان صفات الله تعالى.
            قال السنوسي في شرح عقيدته الكبرى (234): قال شرف الدين ابن التلمساني:
            ولما اعتقد الفخر صحة هذه الحجة يعني شبهة الفلاسفة: " أن الافتقار بمعنى مطلق التوقف يوجب الإمكان " و " أن كل مركب يفتقر إلى جزئه " و " جزئه غيره " و "المفتقر إلى الغير لا يكون إلا ممكناً " و "توهم التركيب باعتبار الصفات " (أي توهم أنه لو أثبتنا الصفات الحقيقية لله تعالى لزم تركب ذاته تعالى، وهو مستلزم للافتقار المستلزم للإمكان)، واستعمل هذه المقدمات في الاستدلال على إمكان كل ما سوى الله تعالى، استشعر النقض بصفات الله تعالى، فقال مرة: هذا مما نستخير الله تعالى فيه، يعني القول بإمكانها باعتبار ذاتها، وجزم أخرى وصرح والعياذ بالله- بكلمة لم يسبق إليها فقال:
            1- هي ممكنة باعتبار ذاتها واجبة بوجوب ذاته جل وعلا، وضاها في ذلك قول الفلاسفة: إن العالم ممكن باعتبار ذاته، واجب بوجوب مقتضيه، ونعوذ بالله من زلة العالم.
            2- قلت وأشنع من هذا- ونعوذ بالله تعالى- تصريحه بأن الذات قابلة لصفاتها فاعلة لها (يعني لأن الصفات على هذا حادثة، وأما على الأول فهي ممكنة لكنها قديمة).
            3- ومن شنيع مذهبه أيضاً رد الصفات إلى مجرد نسب وإضافات.
            4- وتسميته لها في بعض المواضع: مغايرة للذات، مع ما علم من أن أئمة السنة يمنعون إطلاق الغيرية في صفاته تعالى، لما يؤذن به من صحة المفارقة، كما يمنعون أن يقال: هي هو، لما يؤذن به من معنى الاتحاد.
            والذي قاده إلى أكثر هذه الآراء الفاسدة بإجماع فراره من التركيب الذي توهمته الفلاسفة لازماً لثبوت الصفات، ولأجل ذلك نفوها، هذا مع أن الشيء لا يتكثر بتكثير صفاته، كما لا يتكثر بتكثير اعتباراته. انتهى.
            وممن شنع على الرازي العلامة المرجاني في حاشيته على شرح الجلال الدواني للعقائد العضدية قال (1/277) ، (1/260): أما الحنفية وغيرهم من أعاظم الفقهاء وكبار مشايخ الصوفية فمذهب المتقدمين منهم في صفات الله تعالى وأسمائه العلى .. هو الثبات على بيان الشرع، والتقيد بقيوده، وعدم التعدي عن حدوده، فلا يتكلمون فيها، ولا يخوضون في البحث عنها، بل يفوضونها إلى الله سبحانه وتعالى، ويصدقون بها على مراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يتجاوزون عن إثبات ما أثبته، ونفي ما نفاه، ويسكتون عما عداه، وإذا عرض عليهم الشُبَه التي أحدثها أرباب المقالات في صفاته تعالى يقولون: لا هو ولا غيره بمعنى إنا لا نقول بهما، ولا نخوض في البحث عن ذلك لعدم الحاجة، وإنما الواجب علينا توصيفه سبحانه بما وصف به نفسه وسماه، واعتقاد أنه حق ثابت له بالمعنى الذي عناه، وان الزيادة عليه بدعة يشترك فيها السائل لتعاطيه ما ليس له، والمجيب لتكلفه ما ليس عليه.
            وأما المتأخرون من أتباعهم فمذهبهم نفي العينية والغيرية على الحقيقة لا بمحض الاصطلاح على الوجه الذي أثبته بعض الأشعرية.
            والحق أنه لم يقل أحد ممن ينتمي إلى السنة بزيادة الصفات وإمكانها ومغايرتها على الذات إلا ابن الخطيب الرازي من... أتباع الأشعرية في أواخر المائة السادسة مخافة تكثر الواجبات وتعدد القدماء بالذات، إلا أنه كان في بدأ حدوث هذه المقالة الغثة والعقيدة الرثة يتجافى عن إطلاق أنها ممكنة، ويتحاشى عن مخالفة السلف بعض حشية، ولا يرفض لفظ الوجوب، بل يطلقه عليها، ويكتفي بالتأويل، ويقول: المعنى أنها واجبة بذات الواجب، أو بما ليس عينها ولا غيرها، أو واجبة لها (أي للذات) إلى أن تجاسر التفتازاني من مقلديه، وصرح بالإمكان، ولم يخش من الرحمن في جعله العوارض الضعيفة الرقيقة القوام (وهي الصفات الممكنة) صفات كمالية للحي القيوم الملك المنان، وتهالك في إذاعة ذلك التعليم وإشاعته، فتبعهما من أهل القرن الثامن وما بعده كل ذي عقل سقيم ورأي عقيم، وصار ذلك مذهباً يتداوله في هذه الأزمنة عامة من ينتمي إلى السنة وينتسب إلى الجماعة، وهو أرك المذاهب المحدثة في الإسلام، وإنما هو مذهب هذين الرجلين واتباعهما..
            ولما لزمهم حدوث الصفات التجئوا إلى الفرق بين معنى القديم والواجب بالذات، ومنعوا استحالة تعدد القديم على الإطلاق.
            ولما لزمهم المغايرة تستروا بما ابتدعوه من معنى الغير (يعني قالوا: إن الغير هو المنفك) سبحانه وتعالى عما يصفون.
            وقد أكثر المرجاني من التشنيع على الرازي في مواضع كثيرة من حاشيته وانظر (1/47) و(1/271) و(1/278) و(1/296) بهامش حاشيته الكلنبوي على شرح الدواني. للعقيدة العضدية.
            قال: ولم يذهب أحد إلى الزيادة والإمكان (يعني زيادة صفاته تعالى على ذاته، وكونها ممكنة) إلى أن ظهر فخر الدين الرازي، واشتهر بالعلم، فأحدث هذه الداهية، وأما من قبله فكانوا مطبقين على نفي الإمكان والزيادة، والمتقدمون منهم، وإن لم يصرحوا بالوجوب لعدم هذا الاصطلاح فيما بينهم، حيث لم يطلقوه على الذات أيضاً، إلا أنهم نصوا عن آخرهم على أن صفات الله تعالى قديمة، وأنها ليست عين الذات ولا غيرها، وكانوا لا يريدون من القديم إلا معنى الواجب، ولذلك قال بعضهم: إن القدم والوجوب مترادفان.
            وكذلك جماعة ممن تأخر عن الرازي كانوا على هذه الطريقة، قد حفظهم الله تعالى عن البدعة والوقوع في هذه الورطة: كالبيضاوي وحافظ الدين النسفي وغيرهما من أهل البصيرة، فلنورد في هذا المقام بعض عباراتهم ليكون ذلك طريقاً مؤدياً إلى ما طوينا عن إيراده، ثم نقل المرجاني عن كثير من الأئمة المتقدمين على الرازي والمتأخرين عنه ما يدل على ما قاله، أو ما هو صريح فيه، وأطال في ذلك فراجعه.
            وقال: (1/298): والزيادة الموجبة للغيرية مستحيلة قطعاً لاستلزامها:
            1- النقص بالذات، والعرو عن الكمالات، والاستكمال بالأمور العرضية الضعيفة القوام الرقيقة الوجود (يعني الصفات الممكنة بالذات)، وهو معنى قولهم: (إن الله فقير ونحن أغنياء).
            2- وتعدد القدماء
            3-وتكثر الواجبات، أو حدوث الصفات، وانظر (1/271).
            وقال (1/227) والحق أن صفاته تعالى واجبة بالذات، فلا تحتاج إلى علة، ولا تستند إلى جاعل، ولا يلزم التعدد، لكونها غير متغايرة، ولا مغايرة له، ولا زائدة عليه على الحقيقة، لا بالمعنى الذي يتداوله إحداث الأشعرية. انتهى.
            9-بيان فساد كل من مسلكي الرازي وابن التلمساني.
            أقول: لا يخفى أنه على كلا المسلكين يلزم تعدد القدماء وتكثر الواجبات. أما على مسلك الرازي فلأنه هناك واجب بذاته، وهو ذات الله تعالى، وواجب لذات الواجب بذاته، وهي صفات الله تعالى، فصار هناك نوعان من الواجب، نظيرماذهب إليه الفلاسفة من أن العقول العشرة والهيولي قديمة واجبة لذاته تعالى.
            وأما على مسلك ابن التلمساني والقرافي والسنوسي فلأنه هناك واجبان كل منهما واجب بذاته، وهما ذاته تعالى وصفاته، فصار هناك فردان للواجب بذاته، بل أفراد كثيرة له، لأن كل صفة واجبة لذاتها عندهم. ومن ثمة قال الكلنبوي (1/295): تعدد القدماء لازم لإثبات الصفات الحقيقية البتة. انتهى.
            وانتقاد المرجاني وتشنيعه بتعدد القدماء وتكثر الواجبات وارد على كلا المسلكين لا على مسلك الرازي فقط، وإن كان هو قد وجهه إلى الرازي فقط.
            ولا يخفى أن المسلك الثاني ليس أقل شناعة من المسلك الأول، فإنه كما لم يقل أحد من سلف الأمة، إن صفاته تعالى ممكنة بذاتها واجبة لذاته تعالى،كذلك لم يقل أحد منهم: إن هناك واجبان بذاتهما، بل هذا أشنع من الأول.
            فإن الذي أجمع عليه سلف الأمة: أنه ليس في الوجود إلا واجب واحد، وقديم واحد وجوده مقتضى ذاته، وكذلك وجوبه وقدمه، وهو الله المتصف بالأسماء الحسنى والصفات العلى، أي هو الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى.

            تعليق

            • اسماعيل طورنا
              طالب علم
              • May 2007
              • 5

              #7
              اشكر الاخوين الكريمين الاستاذ نزار بن علي والاستاذ هاني علي الرضا على نقدهما البناء

              من أستاذي
              اشكر الاخوين الكريمين الاستاذ نزار بن علي والاستاذ هاني علي الرضا على نقدهما البناء لرسالتنا مسألة صفات الله ليست عينه ولا غيره حيث كان السبب في تعديل هذه الرسالة والإضافة إليها وإليكم نص الرسالة معدلة مضافة إليها معروضة للمناقشة كما أشكر القائمين على موقع المنتدى الأصلين محمد صالح بن أحمد الغرسي 29/05/2007

              تحقيق مسألة أن صفات الله ليست عينه ولا غيره
              بسم الله الرحمن الرحيم
              اتفق المتكلمون والفلاسفة على أنه تعالى عالم قادر سميع بصير، لكنهم اختلفوا في أن صفاته تعالى التي هي مأخذ اشتقاق هذه الأسماء ومبادئها وهي العلم والقدرة والسمع والبصر- هل هي غيره تعالى أو عينه، أو ليست عينه ولا غيره.
              فذهب فريق من المتكلمين وهم الكرامية وبعض الحنابلة- إلى أنها غيره تعالى، وذهب الفلاسفة إلى أنها عينه تعالى، ووافقهم على ذلك متأخروا المعتزلة من لدن أبي الحسين البصري، وأما متقدموا المعتزلة فذهب أبو علي الجبائي وأصحابه إلى أنها أمور اعتبارية، وذهب مثبتوا الأحوال منهم وهم أبو هاشم وأتباعه- إلى أنها أحوال متوسطة بين الموجود والمعدوم، فتكون الصفات عند هذين الفريقين مغايرة للذات لا محالة، لأن الذات موجودة في الخارج، والصفات عندهم ليست موجودة في الخارج، لكن لا يلزم عندهم تعدد القدماء الموجودة في الخارج، وهو ما فروا منه.و من أجل ذلك ذهبوا إلى ما ذهبوا إليه.
              وذهب الإمام الأشعري وأتباعه والحنفية والماتريدية إلى أن صفاته تعالى ليست عينه تعالى ولا غيره.
              1-بيان أن صفات الله تعالى ليست عينه ولا غيره على حسب بيان متأخرى الأشاعرة والماتريدية.
              وقبل الدخول في تفاصيل المسألة ينبغي أن نبين معنى الغير، فإن الاختلاف في معنى الغير هو منشأ الخلاف بين المتكلمين القائلين بنفي العينية والغيرية وبين القائلين بالغيرية.
              فالغير عند القائلين بالغيرية عبارة عما ليس بعين، فهو بهذا المعنى نقيض هو هو، ولا واسطة بين العين والغير بهذا المعنى.
              وأما القائلون بأنها ليست بعين ولا غير فقد أثبتوا الواسطة بين العين والغير،وعرفوا الغيرين بتعريف يناسب هذاالإثبات، قال أبو المعين النسفي في التبصرة (1/245): حد الغيرين عند أصحابنا رحمهم الله تعالى- أنهما الموجودان اللذان يصح وجود أحدهما مع عدم الآخر .. ثم قال: وإذا صح هذا الحد- والعدم على القديم محال- فلا يتصور وجود الذات مع عدم علمه، ولا وجود علمه تعالى مع عدم قدرته، دل على أنهما ليسا غيرين، وقال (1/200): وهذه الصفات لا يقال لكل صفة منها: إنها الذات، ولا يقال: غير الذات، وكذلك كل صفة مع ما ورائها كالعلم لا يقال: إنه غير القدرة، ولا إنه عينها.
              وقال الجلال الدواني في شرح العقائد العضدية (1/277): وقد عَرَّفَ الأشعري الغيرين بأنهما موجودان يصح عدم أحدهما مع وجود الآخر.
              ثم قال (1/281-282): المراد أنه يجوز عدم أحدهما مع وجود الآخر لانتفاء علاقة بينهما توجب عدم الانفكاك، وحاصله نفي اللزوم بينهما ...
              ثم قال: ولا شبهة في أن هذا المعنى هو المراد من التعريف، فإن علاقة اللزوم عندهم هي التي تنافي الغيرية لقرب أحدهما من الآخر لا مجرد مصاحبتهما دائماً. انتهى.
              وإذا كان الخلاف بين هذين الفريقين مبنياً على الخلاف في تفسير الغير فلا يخفى أن الخلاف بينهما يعود إلى اللفظ، وإلى أنه هل يجوز إطلاق الغير على صفاته تعالى لغة وشرعاً أم لا يجوز؟.
              القائلون بأن الغير ماليس بعين قالوا بجواز الإطلاق، والمثبتون للواسطة منعوا الإطلاق.
              وإلا فالفريقان متفقان على أن صفاته تعالى ليست عين ذاته، بمعنى أنها ليست هي، كما أنها متفقان على أنهما لازمة لذاته تعالى، يمتنع وجود ذاته تعالى بدونها، كما يمتنع وجودها بدون ذاته تعالى.
              ويمتنع عدمها مع وجود ذاته تعالى كما يمتنع عدمه تعالى مع وجودها.
              لكن المتقدمين قد امتنعوا عن إطلاق الغير عليها كما سيأتي.
              وإذا كان هذان الفريقان متفقين على نفي العينية، وكان الخلاف بينهما في إثبات الغيرية ونفيها راجعاً إلى اللفظ، فلابد أن يكون الفريقان متفقين في الاستدلال على نفي العينية ضد الفلاسفة ومن وافقهم من المعتزلة.
              2-الاستدلال على أن صفات الله تعالى ليست عينه.
              وقد استدلوا على ذلك بوجوه:
              منها: أن النصوص قد وردت بكونه تعالى عالماً حياً قادراً ونحوها، وكون الشيء عالماً معلل بقيام العلم به في الشاهد، فكذلك في الغائب، فيكون العلم قائماً بالعالم، فهو ليس عينه ضرورة أن القائم بالشيء ليس عين ذلك الشيء.
              وتحقيق ذلك أن العلم إنما يوجب كون الشخص عالماً من حيث كونه علماً قطعاً، لا من حيث كونه حادثاً أو قديماً أو عرضاً إلى غير ذلك، فلا تقدح هذه الفروق في صحة هذا القياس كما قيل، لأنه لا تأثير لها في العلة، فإن العلم إنما يوجب كون الشخص عالماً من حيث كونه علماً كما قلنا، ثم إن العلة في المقيس عليه منصوصة فيفيد القياس العلم اليقيني كما ذكره أهل الأصول، فلا يرد أن هذا قياس فقهي مفيد للظن، ولا يفيد اليقين المطلوب في المطالب الكلامية، وذلك لأن علة عالمية الشاهد وقادريته مثلاً هي علمه وقدرته قطعاً.
              ومنها: أن الله تعالى أثبت هذه الصفات لنفسه في كتابه العزيز فوجب القول بها، ويستحيل إثبات موصوف بهذه الصفات مع نفي هذه الصفات عنه، وإذا لزم إثباته بهذه الأوصاف لزم إثبات هذه الأوصاف، قال الله تعالى: (ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء)، وقال تعالى: (وسع كل شيء علما) وقال تعالى: (أنزله بعلمه) وقال تعالى: (إن الله هو الرزاق ذوالقوة المتين) فأثبت الله لنفسه القوة وهي القدرة، وأثبت العلم فدل على أنه تعالى عالم بعلمه وقادر بقدرته.
              وإذا ثبت هذا في العلم والقدرة وجب مثله في باقي الصفات إذ لا قائل بالفرق.
              ومنها: أن أئمة اللغة العربية اتفقوا على أن معنى اسم الفاعل من ثبت له مأخذ الاشتقاق أي من ثبت له مدلول المصدر، فمعنى العالم من ثبت له العلم ومعنى القادر من ثبت له القدرة، والثبوت هو القيام، ومن الضروري أن القائم بالشيء ليس عين ذلك الشيء، وقد أثبت الله تعالى لنفسه في كتابه العزيز المشتق من هذه الصفات من نحو العالم والقادر، وهذا يقتضي ثبوت هذه الأوصاف له تعالى، وأنها ليست عينه تعالى.
              والفرق بين هذا الدليل والدليل الأول أن الأول هو استدلال بالنصوص عن طريق العقل، وهذا استدلال بها عن طريق اللغة.
              ومنها: أنه يلزم على مذهب المعتزلة أن يصح أن يقال: إن الله تعالى عالم بما لا علم له به، وقادر على ما لا قدرة له عليه، وهو كلام محال متناقض، لا يخفى تناقضه على أغبى خليقة الله تعالى.
              ومنها: أنه لا فرق عند أهل اللغة بين قول القائل: الله تعالى ليس بعالم.
              وقوله: الله تعالى لا علم له بشيء، والأول فاسد فكذا الثاني، وكذلك لا فرق بين قوله: الله تعالى ليس بقادر على شيء، وقوله: لا قدرة له على شيء.
              فما ذهب إليه المعتزلة من جملة الآراء المستشنعة المسترذلة التي يتسارع كل سامع إلى نسبته إلى التناقض، ويستحيل أن يختاره عاقل، فضلاً عن أن يعيب غيره على عدم القول بها.
              قال أبو المعين النسفي في التبصرة (1/202) بعد إيراده للدليل الأخير: وهذا النوع من الاستدلال سمي عند أرباب المنطق" الاستشهاد بشهادات المعارف"، ويعنون بالمعارف العلوم الأولية الثابتة في أصل خلقة كل مميز وجبلته، ولهذا يقولون: إن من تمسك بهذا الرأي ينبغي أن تصور عقيدته للدهماء ليقابلوه بالطنز والاستهزاء، ويسمى هذا الاستدلال عندهم أيضاً "الاستدلال بالآراء الذائعة".
              3-بيان مذهب الفلاسفة والمعتزلة في أن صفات الله تعالى عينه.
              وأما مذهب الفلاسفة ومن وافقهم من المعتزلة فننقل في بيانه كلام السيد الشريف في شرح المواقف، ثم نورد دلائلهم التي استدلوا بها على مذهبهم مع بيان زيفها. قال رحمه الله تعالى (8/48):
              فإن قلت: كيف يتصور كون صفة الشيء عين حقيقته مع أن كل واحد من الصفة والموصوف يشهد بمغايرته لصاحبه، هل هذا إلاكلام مخيل لا يمكن أن يصدق به، كما في سائر القضايا المخيلة التي يمتنع التصديق بها، فلا حاجة بنا إلى الاستدلال على بطلانه؟.
              قلت: ليس معنى ما ذكروه أن هناك ذات وله صفة وهما متحدان حقيقة كما تخيلته، بل معناه أن ذاته تعالى يترتب عليها ما يترتب على ذات وصفة معاً، مثلاً ذاتك ليست كافية في انكشاف الأشياء عليك، بل تحتاج في ذلك إلى صفة العلم التي تقوم بك، بخلاف ذاته تعالى فإنه لا يحتاج في انكشاف الأشياء وظهورها عليه إلى صفة تقوم به، بل المفهومات بأسرها منكشفة عليه لأجل ذاته تعالى، فذاته بهذا الاعتبار حقيقة العلم، وكذا الحال في القدرة، فإن ذاته تعالى مؤثرة بذاتها لا بصفة زائدة عليها كما في ذواتنا، فهي بهذا الاعتبار حقيقة القدرة، وعلى هذا تكون الذات والصفات متحدة في الحقيقة متغايرة بالاعتبار والمفهوم.
              ومرجعه إذا حقق إلى نفي الصفات مع حصول نتائجها وثمراتها من الذات وحدها، انتهى.
              4- دلائل المعتزلة على مذهبهم والأجوبة عنها.
              واستدلت المعتزلة على مذهبهم بأمور:
              منها: أنه لو كان الله تعالى عالماً بعلم لكان محتاجاً إلى العلم والاحتياج على الله تعالى محال، لأنه موجب للاستكمال بالغير.
              وأجيب عنه أولا: بأن الحاجة لا تكون إلا بين متغايرين، ولا تغاير بين ذات الله تعالى وصفاته.
              وثانياً: بأن الحاجة نقص يوجد ويتحقق، ثم يرتفع بوجود ما به دفعها.
              ولم يكن الذات متعرياً عن العلم، ولم يكن العلم معدوماً لتتصور الحاجة واندفاعها.
              ومنها: أنه لو كانت للواجب صفات موجودة فإما حادثة، فيلزم قيام الحوادث بذاته تعالى وخلوه عنها في الأزل، وإما قديمة، فيلزم تعدد القدماء. والنصارى كفرت بإثبات ثلاثة من القدماء، فما ظنك بإثبات الأكثر. وأجيب عن هذه الشبهة بأجوبة:
              الأول: أن الأشعري يجيب عن لزوم تعدد القدماء، بنفي التعدد، ويقول: إن الصفات وإن كانت قديمة لكنها ليست متعددة، وإنما تكون متعددة لو كانت مغايرة للموصوف، وليست كذلك.
              الثاني: أن تكفير النصارى لإثباتهم قدماء متغايرة مستقلة بذواتها.
              وهي الوجود والعلم والحياة، وسموها الأب والابن وروح القدس، ولذا جوزوا انتقال بعضها، وهي صفة العلم إلى بدن عيسى، وبعضها، وهي صفة الحياة إلى بدن مريم، فجوزوا الانفكاك والانتقال، فكانت ذواتاً متغايرة، لكن حديث الانتقال لا يستقيم على زعم النسطورية منهم القائلين باتحاد أقنوم العلم بجسد المسيح بطريق الإشراق كما تشرف الشمس من كوة على بلور.
              الثالث: أن تكفير النصارى لإثباتهم آلهة ثلاثة هم الله تعالى والمسيح عليه السلام ومريم، سواء كان ذلك بطريق الحلول والاتحاد، أو بطريق الامتزاج كامتزاج الخمر بالماء، أو بطريق الإشراق، أو بطريق الانقلاب لحماً ودماً، أو بطريق آخر كما يزعمون، كما يدل عليه قوله تعالى: (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد)، وقوله تعالى خطاباً لعيسى عليه الصلاة والسلام: (أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله).
              5-استدلال الفلاسفة على العينية بأن الصفات لو كانت غيره تعالى لكانت مفتقرة إليه ممكنة.
              واستدلت الفلاسفة بأنه لو وجدت الصفات لكانت غير الذات،ولو كانت غير الذات لزم أن تكون ممكنة لافتقارها واحتياجها في وجودها إلى الذات الموصوفة بها لاستحالة قيام الصفة بنفسها، ولافتقار بعضها إلى بعض، لأن بعضها وهي الحياة شرط في الباقي، وهي العلم والقدرة والإرادة .. الخ، والمشروط مفتقر إلى الشرط، والافتقار ينافي وجوب الوجود، إذ الواجب مستغن على الإطلاق، فتكون ممكنة، ويمتنع قيام الممكن بذاته تعالى واتصافه تعالى به، لأن صفاته مثل ذاته لابد أن تكون واجبة الوجود، فثبت أن صفاته تعالى عين ذاته.
              وقد سلك متأخروا الأشاعرة في الإجابة على هذه الشبهة مسلكين:
              6-مسلك الإمام الرازي في الجواب عن شبهة الفلاسفة بتسليم أمكان الصفات.
              الأول: مسلك الإمام فخر الدين الرازي، وتبعه معظم من أتى بعده من متكلمي الأعاجم، مثل سعد الدين التفتازاني، والسيد الشريف الجرجاني، وجلال الدين الدواني، ، والبياضي، والكلنبوي.
              وهؤلاء سلموا أن صفاته تعالى ممكنة لكنهم قالوا: إنها ممكنة قديمة، وليست ممكنة حادثة، فتابعوا الفلاسفة في القول بالممكن القديم، وقالوا بنظيرماقال الفلاسفة: إن العالم ممكن قديم، وأن العقول العشرة ممكنة قديمة، وذلك بناء على أصل الفلاسفة: أن علة افتقارالعالم إلى الصانع هي الإمكان لاالحدوث كما عليه جمهور المتكلمين.
              وبيان مذهبهم أنهم قالوا: إن صفاته تعالى واجبة لذاته تعالى أي صادرة عنه تعالى بطريق الإيجاب، فيكون تعالى موجباً بالذات بالنسبة إليها، وتكون هي أثرا عن ذاته.
              وليست واجبة لذاتها بأن يكون وجودها مقتضى ذاتها، كما أن وجوده تعالى مقتضى ذاته، وقالوا في بيان ذلك: إنه لما ثبت زيادة الصفات الحقيقية على الذات فهي إما مستندة إليه وجوداً أولاً، والثاني يستلزم كون الصفات واجبات بالذات غير مفتقرة إلى الذات، وهو باطل، ضرورة افتقار الصفة وجودا إلى الموصوف، والأول إما أن يكون استنادها إليه تعالى بالإيجاب أو بالاختيار، والثاني يستلزم حدوث الصفات، ومحليته تعالى للحوادث، ضرورة مقارنة الاختيار لعدم ما تعلق الاختيار بإيجاده، ويستلزم التسلسل أو الدور، لأن الإيجاد بالاختيار يستلزم سبق الحياة والقدرة والعلم والإرادة، فتعين الأول وهو أنها مستندة إليه تعالى بالإيجاب.
              7-مسلك ابن التلمساني والقرافي والسنوسي في الجواب عن شبهة الفلاسفة بنفي الإمكان.
              والمسلك الثاني: مسلك القرافي وشرف الدين ابن التلمساني والسنوسي، وهؤلاء قالوا: إن صفاته تعالى واجبة بذاتها مثل ذاته تعالى، وقالوا بثبوت واجبين بذاتهما: الله تعالى، وصفاته، وسلموا افتقارها لذاته تعالى، لكنهم منعوا استلزام الافتقار للحدوث، وقالوا: ليس كل افتقار مستلزماً للحدوث، بل المستلزم له هو الافتقار في الوجود، وليس الافتقار في القيام، وصفاته تعالى إنما تفتقر إلى ذاته تعالى في القيام لا في الوجود. وانظر شرح السنوسي لعقيدته الكبرى (232-233) طباعة مصطفى البابي.
              قال القرافي في تعليقه على المسائل الأربعين للرازي:
              الصفات يجب قيامها بالموصوف، ويستحيل عليها القيام بنفسها، فإن عنيتم بالافتقار هذا القدر فمسلم، لكن العبارة رديئة، ولا يلزم منه الإمكان، إذ الافتقار على هذا التقدير في القيام لا في الوجود، ولا يلزم من الافتقار في القيام الافتقار في الوجود، فإن العرض مفتقر إلى الجوهر في قيامه، ومستغن عنه في وجوده، فإنه من الله تعالى.
              فلا يلزم من مطلق الافتقار الإمكان فبطل قوله أي قول الرازي-: كل مفتقر ممكن، بل المفتقر يكون افتقاره باعتبار تركيبه وباعتبار قيامه، وإن افتقار الصفة إلى موصوفها باعتبار قيامها، لا باعتبار وجودها، كافتقار الأثر إلى المؤثر، وهذا هو المقتضى للإمكان، فالافتقار أعم، والإمكان أخص، والاستدلال بالأعم غير مستقيم انتهى.
              وتحرير محل النزاع أنه هل مطلق الاحتياج للغير مستلزم للإمكان، أو الاحتياج في الوجود فقط؟ فالرازي ومن تبعه على الأول، والقرافي ومن نحا نحوه على الثاني، وشنعوا على الأولين. وانظر (إشارات المرام ص147).
              8-تشنيع ابن التلمساني وغيره على الرازي فيما ذهب إليه من إمكان صفات الله تعالى.
              قال السنوسي في شرح عقيدته الكبرى (234): قال شرف الدين ابن التلمساني:
              ولما اعتقد الفخر صحة هذه الحجة يعني شبهة الفلاسفة: " أن الافتقار بمعنى مطلق التوقف يوجب الإمكان " و " أن كل مركب يفتقر إلى جزئه " و " جزئه غيره " و "المفتقر إلى الغير لا يكون إلا ممكناً " و "توهم التركيب باعتبار الصفات " (أي توهم أنه لو أثبتنا الصفات الحقيقية لله تعالى لزم تركب ذاته تعالى، وهو مستلزم للافتقار المستلزم للإمكان)، واستعمل هذه المقدمات في الاستدلال على إمكان كل ما سوى الله تعالى، استشعر النقض بصفات الله تعالى، فقال مرة: هذا مما نستخير الله تعالى فيه، يعني القول بإمكانها باعتبار ذاتها، وجزم أخرى وصرح والعياذ بالله- بكلمة لم يسبق إليها فقال:
              1- هي ممكنة باعتبار ذاتها واجبة بوجوب ذاته جل وعلا، وضاها في ذلك قول الفلاسفة: إن العالم ممكن باعتبار ذاته، واجب بوجوب مقتضيه، ونعوذ بالله من زلة العالم.
              2- قلت وأشنع من هذا- ونعوذ بالله تعالى- تصريحه بأن الذات قابلة لصفاتها فاعلة لها (يعني لأن الصفات على هذا حادثة، وأما على الأول فهي ممكنة لكنها قديمة).
              3- ومن شنيع مذهبه أيضاً رد الصفات إلى مجرد نسب وإضافات.
              4- وتسميته لها في بعض المواضع: مغايرة للذات، مع ما علم من أن أئمة السنة يمنعون إطلاق الغيرية في صفاته تعالى، لما يؤذن به من صحة المفارقة، كما يمنعون أن يقال: هي هو، لما يؤذن به من معنى الاتحاد.
              والذي قاده إلى أكثر هذه الآراء الفاسدة بإجماع فراره من التركيب الذي توهمته الفلاسفة لازماً لثبوت الصفات، ولأجل ذلك نفوها، هذا مع أن الشيء لا يتكثر بتكثير صفاته، كما لا يتكثر بتكثير اعتباراته. انتهى.
              وممن شنع على الرازي العلامة المرجاني في حاشيته على شرح الجلال الدواني للعقائد العضدية قال (1/277) ، (1/260): أما الحنفية وغيرهم من أعاظم الفقهاء وكبار مشايخ الصوفية فمذهب المتقدمين منهم في صفات الله تعالى وأسمائه العلى .. هو الثبات على بيان الشرع، والتقيد بقيوده، وعدم التعدي عن حدوده، فلا يتكلمون فيها، ولا يخوضون في البحث عنها، بل يفوضونها إلى الله سبحانه وتعالى، ويصدقون بها على مراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يتجاوزون عن إثبات ما أثبته، ونفي ما نفاه، ويسكتون عما عداه، وإذا عرض عليهم الشُبَه التي أحدثها أرباب المقالات في صفاته تعالى يقولون: لا هو ولا غيره بمعنى إنا لا نقول بهما، ولا نخوض في البحث عن ذلك لعدم الحاجة، وإنما الواجب علينا توصيفه سبحانه بما وصف به نفسه وسماه، واعتقاد أنه حق ثابت له بالمعنى الذي عناه، وان الزيادة عليه بدعة يشترك فيها السائل لتعاطيه ما ليس له، والمجيب لتكلفه ما ليس عليه.
              وأما المتأخرون من أتباعهم فمذهبهم نفي العينية والغيرية على الحقيقة لا بمحض الاصطلاح على الوجه الذي أثبته بعض الأشعرية.
              والحق أنه لم يقل أحد ممن ينتمي إلى السنة بزيادة الصفات وإمكانها ومغايرتها على الذات إلا ابن الخطيب الرازي من... أتباع الأشعرية في أواخر المائة السادسة مخافة تكثر الواجبات وتعدد القدماء بالذات، إلا أنه كان في بدأ حدوث هذه المقالة الغثة والعقيدة الرثة يتجافى عن إطلاق أنها ممكنة، ويتحاشى عن مخالفة السلف بعض حشية، ولا يرفض لفظ الوجوب، بل يطلقه عليها، ويكتفي بالتأويل، ويقول: المعنى أنها واجبة بذات الواجب، أو بما ليس عينها ولا غيرها، أو واجبة لها (أي للذات) إلى أن تجاسر التفتازاني من مقلديه، وصرح بالإمكان، ولم يخش من الرحمن في جعله العوارض الضعيفة الرقيقة القوام (وهي الصفات الممكنة) صفات كمالية للحي القيوم الملك المنان، وتهالك في إذاعة ذلك التعليم وإشاعته، فتبعهما من أهل القرن الثامن وما بعده كل ذي عقل سقيم ورأي عقيم، وصار ذلك مذهباً يتداوله في هذه الأزمنة عامة من ينتمي إلى السنة وينتسب إلى الجماعة، وهو أرك المذاهب المحدثة في الإسلام، وإنما هو مذهب هذين الرجلين واتباعهما..
              ولما لزمهم حدوث الصفات التجئوا إلى الفرق بين معنى القديم والواجب بالذات، ومنعوا استحالة تعدد القديم على الإطلاق.
              ولما لزمهم المغايرة تستروا بما ابتدعوه من معنى الغير (يعني قالوا: إن الغير هو المنفك) سبحانه وتعالى عما يصفون.
              وقد أكثر المرجاني من التشنيع على الرازي في مواضع كثيرة من حاشيته وانظر (1/47) و(1/271) و(1/278) و(1/296) بهامش حاشيته الكلنبوي على شرح الدواني. للعقيدة العضدية.
              قال: ولم يذهب أحد إلى الزيادة والإمكان (يعني زيادة صفاته تعالى على ذاته، وكونها ممكنة) إلى أن ظهر فخر الدين الرازي، واشتهر بالعلم، فأحدث هذه الداهية، وأما من قبله فكانوا مطبقين على نفي الإمكان والزيادة، والمتقدمون منهم، وإن لم يصرحوا بالوجوب لعدم هذا الاصطلاح فيما بينهم، حيث لم يطلقوه على الذات أيضاً، إلا أنهم نصوا عن آخرهم على أن صفات الله تعالى قديمة، وأنها ليست عين الذات ولا غيرها، وكانوا لا يريدون من القديم إلا معنى الواجب، ولذلك قال بعضهم: إن القدم والوجوب مترادفان.
              وكذلك جماعة ممن تأخر عن الرازي كانوا على هذه الطريقة، قد حفظهم الله تعالى عن البدعة والوقوع في هذه الورطة: كالبيضاوي وحافظ الدين النسفي وغيرهما من أهل البصيرة، فلنورد في هذا المقام بعض عباراتهم ليكون ذلك طريقاً مؤدياً إلى ما طوينا عن إيراده، ثم نقل المرجاني عن كثير من الأئمة المتقدمين على الرازي والمتأخرين عنه ما يدل على ما قاله، أو ما هو صريح فيه، وأطال في ذلك فراجعه.
              وقال: (1/298): والزيادة الموجبة للغيرية مستحيلة قطعاً لاستلزامها:
              1- النقص بالذات، والعرو عن الكمالات، والاستكمال بالأمور العرضية الضعيفة القوام الرقيقة الوجود (يعني الصفات الممكنة بالذات)، وهو معنى قولهم: (إن الله فقير ونحن أغنياء).
              2- وتعدد القدماء
              3-وتكثر الواجبات، أو حدوث الصفات، وانظر (1/271).
              وقال (1/227) والحق أن صفاته تعالى واجبة بالذات، فلا تحتاج إلى علة، ولا تستند إلى جاعل، ولا يلزم التعدد، لكونها غير متغايرة، ولا مغايرة له، ولا زائدة عليه على الحقيقة، لا بالمعنى الذي يتداوله إحداث الأشعرية. انتهى.
              9-بيان فساد كل من مسلكي الرازي وابن التلمساني.
              أقول: لا يخفى أنه على كلا المسلكين يلزم تعدد القدماء وتكثر الواجبات. أما على مسلك الرازي فلأنه هناك واجب بذاته، وهو ذات الله تعالى، وواجب لذات الواجب بذاته، وهي صفات الله تعالى، فصار هناك نوعان من الواجب، نظيرماذهب إليه الفلاسفة من أن العقول العشرة والهيولي قديمة واجبة لذاته تعالى.
              وأما على مسلك ابن التلمساني والقرافي والسنوسي فلأنه هناك واجبان كل منهما واجب بذاته، وهما ذاته تعالى وصفاته، فصار هناك فردان للواجب بذاته، بل أفراد كثيرة له، لأن كل صفة واجبة لذاتها عندهم. ومن ثمة قال الكلنبوي (1/295): تعدد القدماء لازم لإثبات الصفات الحقيقية البتة. انتهى.
              وانتقاد المرجاني وتشنيعه بتعدد القدماء وتكثر الواجبات وارد على كلا المسلكين لا على مسلك الرازي فقط، وإن كان هو قد وجهه إلى الرازي فقط.
              ولا يخفى أن المسلك الثاني ليس أقل شناعة من المسلك الأول، فإنه كما لم يقل أحد من سلف الأمة، إن صفاته تعالى ممكنة بذاتها واجبة لذاته تعالى،كذلك لم يقل أحد منهم: إن هناك واجبان بذاتهما، بل هذا أشنع من الأول.
              فإن الذي أجمع عليه سلف الأمة: أنه ليس في الوجود إلا واجب واحد، وقديم واحد وجوده مقتضى ذاته، وكذلك وجوبه وقدمه، وهو الله المتصف بالأسماء الحسنى والصفات العلى، أي هو الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى.

              تعليق

              • اسماعيل طورنا
                طالب علم
                • May 2007
                • 5

                #8
                بقية الرسالة

                10-تحقيق أنه ليس في الوجود إلا واجب واحد وقديم واحد وهو الله تعالى بأسماه الحسنى وصفاته العلى.
                وتحقيق هذا: أن المفروض هنا وجود الإ̃له، وليس وجود ذات مطلقاً، والإ̃له لا يكون إ̃لهاً إلا بهذه الصفات، فهذه الصفات من مقتضى ذات الإ̃له، وغير مغايرة له، ولاأثر عنه، وهي داخلة في مسمى كلمة الجلالة، وذلك لأن كلمة الجلالة اسم للذات المتصفة بهذه الصفات بدخول الصفات في مسماها، ولانقول: إنها داخلة في ذاته تعالى حتى تكون ذات الله مركبة، ولاهي عين ذاته تعالى كما يقول المعتزلة، بل نقول: إنها مقتضى ذاته تعالى، ومقتضى الذات- كصفة الوجود والصفات الذاتية الثبوتية بالنسبة إلى الله تعالى-لايتخلف عن الذات، بل يكون موجودا بوجود الذات، ويكون وجود الذات وجودا له، ولايكون موجودا بوجود آخر، وإلالما كان مقتضى الذات، فهناك ذات الله تعالى وصفاته،وليس هناك بالنسبة إلى ذاته وصفاته إلا وجود واحد ووجوب واحد وقدم واحد، وليس لذاته تعالى وجود ولكل من صفاته وجود آخر، وإلا لما كانت مقتضى ذاته تعالى، فليست الصفات شيئاً آخر مغايرا لذاته تعالى، كما ذهب إليه أهل المسلكين، حيث أثبتوا الإثنينية بالنسبة إلى ذات الله تعالى وصفاته، وجعلوا أحدهما نوعاً غير النوع الآخر من مطلق الواجب، أو فرداً غير الفرد الآخر من الواجب لذاته، ولا هي أثر لذات الإ̃له عارضة له كما ذهب إليه أهل المسلك الأول، بل هي موجودة بوجوده تعالى، وليس لها وجود غير وجوده تعالى، وليس لها وجوب آخر، ولا قدم آخر غير وجوبه وقدمه تعالى.
                وتقريبا للأذهان نقول: إن للموجودات أوصافا ذاتية، وأوصافا عرضية. وذاتيات الشيء عبارة عما يتكون به الشيء ويدخل به في الوجود، ويكون داخلا في قوامه، وغير خارج عنه، وأما العرضيات فهي ما يتكون الشيء بدونها، وليست بداخلة في قوامه، بل هي خارجة عنه لاحقة به بعد تقومه وتكونه.
                ونحن لا نقول: إن صفاته تعالى ذاتية له داخلة في ذاته، فإن ذلك يقتضي التركيب في ذاته تعالى، والله تعالى منزه عن التركيب، ولانقول: إنها عرضية عارضة له تعالى، لاقتضاء ذلك النقص والاستكمال بالغير، والله تعالى كامل بذاته وكماله مقتضى ذاته، فالذاتيات والعرضيات لاتتصورلله تعالى، وإنما تتصور لغيره تعالى، كما لانقول: إن صفات الله تعالى عين ذاته كما يقول المعتزلة.
                لكننا نقول: إن صفاته تعالى بالنسبة إلى ذاته أقرب إلى الذاتيات منها إلى العر ضيات، ونقول: إنها مقتضى ذاته تعالى، ومقتضى الذات لايتخلف عن الذات، بل هو موجود بوجود الذات. وهي في مرتبة الذات، فوجود الذات وجود لها، وليست مغايرة للذات، ولاأثرا للذات، ولامتأخرة عنه في المرتبة. ومن أجل أنها مقتضى الذات سموها صفات الذات ، وصفات ذاتية. وإلى هذا يشير قول الخلخالي في خاتمة كلامه: والحق أن صفته تعالى واجبة بالذت...إلخ.
                فليس لهذه الصفات وجود آخر غير وجود ذاته تعالى، كما ذهب إليه من قال: إن صفاته تعالى غير ذاته، وهذه الغيرية قد اتفق على القول بها أهل المسلكين السابقين، فإن الغيرية بهذا المعنى بين ذاته تعالى وصفاته لازمة لهم، ولا ينفعهم في نفيها تحاشيهم عن إطلاق لفظ الغير، وتجنبهم إياه.
                وليست هذه الصفات أثرا عن ذاته تعالى، ولاعارضة له كما ذهب إليه أهل المسلك الأول.
                ونحن لانرى إطلاق اللزوم بين ذات الله تعالى وصفاته أيضا، ولانقول: صفات الله تعالى لازمة لذاته، مع عدم نفينا حقيقة اللزوم بينهما وهو عدم الانفكاك، وذلك لأن إطلاق اللزوم مشعر أوموهم بالغيرية بين اللازم والملزوم وبالتعدد باعتبار الوجود، وماهو مشعر بنسبة أمر لايصح نسبته إلى الله تعالى أوموهم له لايصح إطلاقه بالنسبة إلى الله تعالى، بل نقول: صفات الله تعالى مقتضى ذاته، وموجودة بوجوده، وليست مغايرة له، ولا متأخرة عنه في مرتبة من المراتب، ولاأثرا له، ولاعينا له، ولانتجاوز هذا القدر.
                ثم رأيت الإمام أبا المظفر الإسفراييني صرح بما ذكرته من منع اطلاق اللزوم بين ذات الله وصفاته. قال في كتابه "التبصير في الدين" [165] في بيان مذهب أهل السنة والجماعة: وأن تعلم أنه لا يجوز في ما ذكرناه من صفات القديم سبحانه أن يقال: إنها هي هو أو غيره، ولا هي هو ولا هي غيره، ولا إنها موافقة أو مخالفة، ولا إنها تباينه أو تلازمه، أوتتصل به أو تنفصل عنه، أو تشببه أو لا تشببه، ولكن يجب أن يقال: إنها صفات له موجودة به، قائمة بذاته مختصة به.انتهى.
                وتعبير أهل المسلكين بالافتقار بالنسبة إلى صفاته إيضاً غير سديد، نعم. إذا أرادوا بافتقار صفاته تعالى إلى ذاته قيام صفاته بذاته، واتصاف ذاته بها فالمعنى صحيح، لكن التعبير غير صحيح، لأن الافتقار بمعنى الاحتياج، وهو بالنسبة إلى ذاته تعالى وصفاته محال، ولأن التعبير مشعر بالمغايرة بين ذاته تعالى وصفاته، وهو أيضاً ممتنع.
                وما ذكرناه من المعنى هو الذي قصده المتقدمون بقولهم: "صفات الله تعالى ليست عينه ولا غيره"، وقد صرح بحمل كلامهم هذا على هذا المعنى المحقق الكبير عبد الحكيم السيالكوتي، وسيأتي نقل كلامه قريبا، فنفى المتقدمون الغيرية بالمعنى الذي ذكرناه، وأثتبها بالمعنى المذكور القائلون بالغيرية، فكان الخلاف بينهما معنوياً، وليس الخلاف بينهما لفظياً كما قررناه في صدر هذا البحث، فإن ما قررناه هناك مبني على مذهب المتأخرين من المتكلمين، ونقل لمذهبهم، ومقصودنا هنا الرد على هذا المذهب. وبيان خطئه.
                وتعريف الأشعري للغيرين محمول على هذا المعنى، وذلك بأن يقال: معنى قوله: الغيران موجودان يصح عدم أحدهما مع وجود الآخر، أنه يصح انفكاك أحدهما عن صاحبه بحسب الوجود، بأن لا يوجد بوجود صاحبه، بل يوجد بوجود آخر، فيكون لهذا وجود، ولذلك وجود آخر،ولهذا النكتة عبر الإمام بقوله: موجودان يصح عدم أحدهما مع وجود الآخر، المقتضي لعدم اقتضاء وجود الغير وجود الغير، وهذا هو المقصود بالإفادة في هذا المقام، ولم يعبر بموجودان يصح وجود أحدهما مع عدم الآخر، المقتضي لعدم اقتضاء عدم الغير عدم الغير، فإن هذا المعنى ليس مقصوداً بالإفادة، وإن كان راجعا ًإلى المعنى الأول، فإنه إذا لم يقتض عدم هذا عدم ذاك فلا يقتضي وجوده وجوده.
                وهذا الرأي الذي ذهبنا إليه قد قال به كثير من محققي المتأخرين: ابن تيمية، والقاضي عضد الدين الإيجي، وعبد الحكيم السيالكوتي، والخلخالي، والكشميري، أما كلام الخلخالي فقد نقلناه آنفا، وأما كلام الآخرين فنورده فيما يلي:
                11-تحقيق قيم للمسألة لإبن تيمية.
                ثم رأيت كلاماً للإمام ابن تيمية يؤيد ما حققناه فرأينا إيراده هنا.
                قال رحمه الله تعالى في " الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح " ما ملخصه: من الناس من يقول: كل صفة للرب عز وجل غير الأخرى، ويقول: الغيران ما جاز العلم بأحدهما مع الجهل بالآخر، ومنهم من يقول: ليست هي غير الأخرى ولا هي هي، لأن الغيرين ما جاز وجود أحدهما مع عدم الآخر، أو ما جاز مفارقة أحدهما الآخر بزمان أو مكان أو وجود، والذي عليه سلف الأمة وأئمتها إذا قيل لهم: علم الله وكلام الله هل هو غير الله أم لا؟ لم يطلقوا النفي ولا الإثبات.
                فإنه إذا قيل: هو غير أوهم أنه مباين له، وإذا قيل: ليس غيره أوهم أنه هو، بل يستفصل السائل، فإن أراد بقوله: غيره أنه مباين له منفصل عنه، فصفات الموصوف لا تكون مباينة له منفصلة عنه وإن كان مخلوقاً، فكيف بصفات الخالق، وإن أراد بالغير أنها ليست هي هو، فليست الصفة هي الموصوف، فهي غيره بهذا الاعتبار.
                واسم الرب إذا أطلق يتناول الذات المقدسة بما تستحقه من صفات الكمال، فيمتنع وجود الذات عرية عن صفات الكمال، فاسم الله عز وجل-يتناول الذات الموصوفة بصفات الكمال، وهذه الصفات ليست زائدة على هذا المسمى، بل هي داخلة في المسمى، ولكنها زائدة على الذات المجردة التي تثبتها نفاة الصفات.
                فأولئك لما زعموا أنه ذات مجردة، قال هؤلاء (المثبتون للصفات): الصفات زائدة على ما أثبتموه من الذات، وأما في نفس الأمر فليس هناك ذات مجردة تكون الصفات زائدة عليها، بل الرب تعالى هو الذات المقدسة الموصوفة بصفات الكمال، وصفاته داخلة في مسى أسمائه تعالى. انتهى.
                نقله السفاويني في لوامع الأنوار البهية 1/218-219) ثم قال: وهذا تحقيق لا مزيد عليه، فاحفظه فإنه مهم وبالله التوفيق.
                12-إشارة القاضي عضد الدين الإيجي إلى تحقيق المسألة.
                أقول:وإلى هذا التحقيق أشار الإمام القاضي عضد الدين في المواقف، فقال: "والحق أن مرادهم: أي مراد أهل السنة من قولهم: إن صفاته تعالى ليست عينه ولا غيره تعالى أنها لا هو بحسب المفهوم، ولا غيره بحسب الوجود والهوية، كما يجب أن يكون في الحمل" انتهى. وقصد بقوله: ولا غيره بحسب الوجود ما قلناه من أن صفاته تعالى موجودة بوجوده، وليس لها وجود مستقل عن وجوده، حتى تكون غيره بحسب الوجود، وأراد بالهوية الوجود الخارجي، وأراد بقوله: كما يجب أن يكون في الحمل، التنظير، أي كما يجب أن يكون المحمول والمحمول عليه في نحو: زيد عالم مختلفين بحسب المفهوم متحدين بحسب الوجود، حتى يصح حمل أحدهما على الآخر، كذلك الموجود هنا الاختلاف بين الله وصفاته بحسب المفهوم، واتحادهما بحسب الوجود، فالتنظير إنما هو باعتبار الاختلاف بحسب المفهوم، والاتحاد بحسب الوجود، وليس التنظير باعتبار الحمل، لبداهة أنه لا يجوز الحمل بين الله تعالى وصفاته، فلا يقال: الله تعالى علم أو قدرة، فلا يرد على القاضي ما أورده التفتازاني في شرح المقاصد، والسيد الشريف الجرجاني في شرح المواقف، والدواني في شرح العقائد العضدية من أن ما قاله القاضي العضد إنما يصح في المشتقات مثل العالم والقادر، لا في مبادئها، والكلام إنما هو في مبادئها، فإن الأشعري وغيره من أهل السنة يثبتونها، والمعتزلة ينفونها. إنتهى. وذلك لأن القاضي لم يقصد التنظير بحسب الحمل حتى يرد عليه ما قالوه، وإنما قصد التنظير باعتبار الاختلاف بحسب المفهوم، والاتحاد بحسب الوجود.
                13-رأي المحقق الكبيرعبد الحكيم السيالكوتي في المسألة
                أقول: هذا الرأي الذي ذهبنا إليه قد ذهب إليه المحقق الكبير عبد الحكيم السيالكوتي في حواشيه على شرح المواقف وحواشيه على شرح جلال الدين الدواني للعقائد العضدية. وننقل كلامه في الموضعين، وقبل نقل كلامه في حواشي شرح المواقف ننقل كلام شارح المواقف السيد الشريف الجرجاني الذي جعل عبد الحكيم رأيه هذا تعليقا عليه.
                قال السيد الشريف [3/181-182]:
                إعلم أن القائل بأن علة الحاجة هي الحدوث وحده أو مع الإمكان حقه أن يقول: إن القديم لا يستند إلى علة أصلا إذ لا حاجة له إلى مؤثر قطعا، فلا يتصور منه القول بأن القديم يجوز استناده إلى الموجب، إلا أن يتنزل من اعتبار الحدوث إلى اعتبار الامكان وحده...
                فإن قلت: الأشاعرة كافة زعموا أن لله تعالى صفات موجودة قائمة بذاته، وهي قديمة، فهم بين أن يجعلوا الواجب بالذات متعددا (إن قالوا بعدم استنادها إلى علة) وبين أن يجعلوا القديم مستندا إلى الغير، والأول باطل، فتعين الثاني: فهذه الأقوال منهم منافية لما ذهبوا إليه من اعتبار الحدوث ( فقد تحقق منهم القول باستناد القديم إلى العلة مع منافاته لقولهم: بأن علة الحاجة الحدوث، فكيف قلتم: إنه لا يتصور منهم القول باستناد القديم إلى الموجب مع القول بعلية الحدوث؟)...
                قلت: يعتذر عن ذلك... بأن صفات الله تعالى ليست عين الذات ولا غيرها، فلا يتصور تعدد الواجب، ولا تعليل القديم بغيره. وأنت تعلم أن أمثال هذه الإعتذارات أمور لفظية لا معنوية (لأن هذه الأقوال صريحة في استناد الأمور الأزلية إلى العلة سواء أطلقوا عليها القديم أولا، وفي استناد الصفات القديمة إلى العلة سواء قالوا: إنها غيرها أولا) هذا كلام السيد الشريف بإضافة ما بين الهلالين من حاشية عبد الحكيم عليه.
                ويرد على هذا أن استناد الصفات إلى العلة معناه تأثير العلة فيها، فيتجه عليهم -كما في شرح المواقف [8/49]-" أن يقال: تأثيره تعالى في صفة القدرة مثلا إن كان بقدرة وإختيار لزم محذوران: التسلسل في صفاته، وحدوثها، وإن كان بالإيجاب لزم كونه موجبا بالذات، فلا يكون الإيجاب نقصانا، فجاز أن يتصف به بالقياس إلى بعض مصنوعاته".
                وهكذا اضطر السيد إلى القول بالشق الثاني، وهو كونه تعالى موجب بالذات بالقياس إلى بعض مصنوعاته. ولما استشعرالسيد ما في القول به من الصعوبة والإستشكال قال عقب هذا الكلام: "ودعوى أن إيجاب الصفات كمال و إيجاب غيرها نقصان مشكلة".
                وقد وقع السعد التفتازاني قبله في مثل وقع فيه من الإشكال الذي شعر بصعوبة التخلص عن ما يرد عليه . قال في شرح المقاصد [4/79]: «إستناد الصفات عند من يثبتها ليس إلا بطريق الإيجاب، وكذا قولهم: علة الإحتياج هو الحدوث دون الإمكان ينبغي أن يخص بغير الصفات».
                ولما شعر التفتازاني بالضعف في كلامه هذا أخذ ينتقده، فقال: "ولا يخفى أن مثل هذه التخصيصات في الأحكام العقلية بعيد جدا»، ثم أضاف التفتازاني إلى هذا الإنتقاد إنتقادا آخر ، فقال: «ثم صفاته على تقدير تحققها ولزوم إمكانها يجب أن تكون أثرا له، لإمتناع إفتقار الواجب في صفاته وكمالاته إلى الغير، فيلزم كونه القابل والفاعل، وهو باطل لما مر». هذا كلام السيد، وقد أضفت إليه كلام السعد ليظهر للقارئ أن الرأي الذي ذهبا إليه هما شاعران بضعفه وبما يرد عليه من الإشكالات القوية.
                قال عبد الحكيم تعليقا على كلام السيد المنقول آنفا، وجوابا على سؤاله الذي اعترف بضعف الاعتذارعنه:
                وأقول: الكلام في استناد القديم إلى الموجب بمعنى كونه أثرا صادرا عنه مستفيدا للوجود منه... وصفاته تعالى لما كانت مقتضيات ذاته كالوجود كانت في مرتبة الوجود في اقتضاء الذات إياها وكونها لازمة له، فلا يتصور كونها أثارا صادرا عنه، لأن مرتبة الإيجاد بعد مرتبة الوجود، فلا تكون مستندة إلى علة موجدة ثم تكون من مقتضيات ذاته كالوجود. وهذا معنى قولهم: «إنها ليست غير الذات» أي أمور ممكنة يمكن إنفكاكها عنه في الوجود بأن يكون وجودها بعد مرتبة وجوده تعالى، فتكون آثارا مستندة إليه تعالى، بل حالها حال الوجود في كونها مقتضى الذات [3/183].
                وقال السيالكوتي في حواشيه على شرح جلال الدواني للعقائد العضدية [81]: نقل عن بعض المحققين في شرح التجريد وشرح المقاصد أن صفات الواجب لا تكون آثارا له، وإنما يمتنع عدمها لكونها لوازم الماهية. وتحقيقه كما أن لوازم الماهية الممكنة في مرتبة جعل الماهية، وليست متأخرة عنها كذلك لوازم ذات الواجب في مرتبتها وليست متأخرة عنها حتى يقال: إنها آثار لها والماهية مفيدة لها، ومعنى قولنا ذاته تقتضى وجوده أو أنها علة لوجوده أن ذاته بحيث لا يجوز أن تتصف باللاوجود، لا أن هناك اقتضاء أو تأثيرا أو افادة.
                ومعنى ما في شرح العقائد النسفية عن الإمام حميد الدين أن الواجب لذاته هو الله وصفاته: أن ذاته تعالى ملتبسة بصفاته، وأن القديم لا يطلق على الصفات مطلقا لئلا يذهب الوهم إلى كونها واجبة بالذات، ولأن القديم يساوي الواجب عندهم، بل يقال: إنها قديمة بذاته تعالى كما يقال إنها واجبة بذاته تعالى.
                وعلى ما قلنا لا حاجة إلى ما قيل: إنه تعالى في صفاته موجب، ولا إلى تخصيص قولهم: كل ممكن حادث صادر بالإختيار. وهذا محمل حسن لقول الأشعري: "إن صفات الله تعالى لا هو ولا غير". وحمله الغير على ما ينفك عنه في الوجود، يعنى أنها لا يمكن انفكاكها عنه في الوجود حتى يلزم تعدد القدماء المتغايرة، بل هي في مرتبة الذات فوجودها وجودها ليس متأخر عنها.
                قال الشيخ محمد عبده في حواشيه على شرح جلال الدين الدواني تعليقا على هذا الكلام [93] وحاصله أن الصفات من قبيل لوازم الماهية، لا يلزم أن تكون معلولة لها، كما أن اللوازم المذكورة لا تكون معلولة للماهية، بل في مرتبتها، وكما أنها ليست معلولة للذات ليست واجبة الوجود بذاتها.
                ثم حاول الشيخ محمد عبده نقض ما ذهب إليه عبد الحكيم ورده بما يلي:
                قد يقرر الإستدلال (أي استدل الفلاسفة والمعتزلة على نفي زيادة صفاته تعالى على ذاته) هكذا:
                لو زادت وتحققت في الخارج فأما أن تكون لازمة لذات الواجب أو غير لازمة. الثاني محال لأن جواز انفكاك الكمال جواز ورود النقص، وواجب الوجود يجب له جميع كمالاته، فتعين أن تكون لازمة لذات الواجب.
                ومن المعلوم أن المتلازمين إما أن يكون أحدهما علة للآخر أو يكونا معلولين لثالث، ومعلولية الذات والصفات لثالث محال، وكون الصفات علة للذات محال، فكون الذات علة للصفات واجب، ويلزم عليه ما ذكر من المحذور (وهو كون الله فاعلا وقابلا معا وقد بين في موضعه استحالته)
                فيندفع به ما عده عبد الحكيم من نبات أفكاره... وحاصله: أن الصفات من قبيل لوازم الماهية، لا يلزم أن تكون معلولة لها، كما أن اللوازم المذكورة لا تكون معلولة للماهية، بل في مرتبتها، وكما أنها ليست معلولة للذات ليست واجبة الوجود بذاتها.
                أقول: ما ذكره الشيخ محمد عبده من أن المتلازمين إما أن يكون أحدهما علة للآخر أو يكونا معلولين لثالث، إنما يصح في المتلازمين المتغايرين اللذين لكل منهما وجود غير وجود الآخر، وأما بعد أن قال السيالكوتي: "إن الصفات مقتضيات الذات وموجودة بوجود الذات، لأنها في مرتبة الذات ومرتبة الوجود للذات"، فلا يجري ما قاله فيها، فلا تصح النتيجة التي توصل إليها، وهوقوله: فكون الذات علة للصفات واجب.
                وقد تورط الشيخ في هذا الخطأ من أجل توهمه أن المتلازمين لابد أن يكون لكل منهما وجود غير وجود الآخر، مع أن هذا إنما يصح في غير اللازم الذي هو مقتضى الذات، أما هو فوجوده بوجود الذات، لما قلنا آنفا: إن صفات الله تعالى بالنسبة إلى ذاته أقرب إلى الذاتيات منها إلى العرضيات، وبمنزلة الذاتيات في كون وجودها بوجود الذات.
                ومن أجل أن لا يتطرف هذا الوهم إلى صفات الله تعالى قلنا آنفا: إنا لا نرى أن نطلق اللزوم بين ذات الله وصفاته.

                تعليق

                • اسماعيل طورنا
                  طالب علم
                  • May 2007
                  • 5

                  #9
                  بقية الرسالة

                  14-رأي الإمام الكشميري في المسألة:
                  وقد ذهب إلى هذا الرأي الإمام محمد أنور الكشميري. قال في "فيض الباري" [4/514]: وكان جهم ينفي الصفات السبعة كالفلاسفة، وإليه ذهب المعتزلة زعما منهم أن الصفات إن لم تكن عين الذات فإما أن تكون واجبة أو ممكنة، فعلى الأول يلزم تعدد الواجب، وعلى الثاني يلزم الحدوث.
                  وقام التفتازاني بجوابه، فلم يسو شيئا غير أن قال: إنها ممكنة لذاتها وواجبة لغيرها... بل هي واجبة عندنا لكونهما ضرورية الوجود، وليست بحيث توجد مرة وتنعدم أخرى، فلا تكون ممكنة... فلو اعتبرناها داخلا في الذات عاد إلى الواجب بالذات، لكون الوجوب حينئذ من مقتضيات الذات دون الخارج... فإذا التزمت تلك الصفات ذات الواجب لزوم الضوء للشمس فقد وجدت مع الذات أزلا وأبدا، ولم تنفك عنها في الخارج أصلا فهي إذا واجبة على مذهبنا... فالصواب: أن الله سبحانه عز برهانه ليس مجردأ عن الكمالات في مرتبة من المراتب، بل تلك الصفات من فروع كمال الذات كما عبر بهذا ابن الهمام في التحرير.
                  وقال الكشميري أيضا [1/56]: فذاته تعالى لا يخلو عن الكمالات في مرتبة من المراتب. ومن هنا تنحل حل شبهة عظيمة أوردها الفلاسفة في كون الصفات عينا له تعالى لا زائدة عليه.
                  قالوا: إن القول بزيادة الصفات يستلزم خلو الذات عنها في مرتبة الذات، وهو يوجب نقصا في الذات من جانب أو الإستكمال بالغير من جانب آخر. وهو أوهن من البيت العنكبوت. فإن الذات ليست عارية عن الكمال في مرتبة ما كالشمس، فإن الضوء زائد على الشمس وصفة له ومع هذا لا يلزم منها سلب الضوء في أي مرتبة فرض.
                  والسر فيه أن الذات إذا كانت كاملة فلا تتجرد عن كماليتها في أي مرتبة لوحظت، كما أن ذاتيات الشيء وذاته لا ينفك عن نفسه، بل فكه وتجريده عن ذاته يستلزم إعدامه. ولذا قالوا: انسلاخ الذاتيات عن الذات محال، فالشمس مستضيئة ومستنيرة في ذاتها، فتبقى كذلك في أي مرتبة فرضت اهـ.
                  فالإمام الكشميري مع قوله بزيادة الصفات على الذات وعدم نفيه للزيادة قال: إن صفات الله تعالى موجودة مع الذات وليست الذات مجردة عنها في مرتبة من المراتب وعدها بمنزلة الذاتيات من الذات وهذا هو الذي ذهبنا إليه.
                  نعم نأخذ عليه التعبير بالدخول في الذات، وتجويره هذا التعبير، لكننا إذا لاحظنا سياق كلامه وأحطنا بجوانبه مقارنين بعضه ببعض نرى أنه لم يقصد حقيقة الدخول، وأنه إنما قصد به أنها بمنزلة الداخلة لأنها بمنزلة الذاتيات من الذات.
                  15-بيان أن المتقدمين من المتكلمين كانوا يتحرجون عن اطلاق كل عبارة فيها شائبة إيهام التغاير والإثنينية بالنسبة إلى الله تعالى وصفاته.
                  وإكمالاً لهذا التحقيق أورد هنا ما يدل على أن المتقدمين من المتكلمين كانوا يتحرجون عن إطلاق كل عبارة فيها شائبة إيهام التغاير والإثنينية بالنسبة إلى الله تعالى وصفاته، ومن ثمة امتنعوا عن إطلاق مثل القديم والباقي على صفاته تعالى على سبيل الاستقلال، وإنما أطلقوها عليها في ضمن إطلاقها على الذات، وهذا يدل على أنهم أرادوا بنفي الغير ما ذكرناه من نفي الإثنينية والتغاير بحسب الوجود.
                  قال أبو المعين النسفي في التبصرة (1/210): إن قدماء أصحابنا .. امتنعوا عن إطلاق اسم القديم على الصفات، وإن كانت أزلية، ويقولون: إن الله تعالى قديم بصفاته.
                  وقال (1/211): إن قدماء أصحابنا امتنعوا عن القول بأن شيئاً من صفاته تعالى باق، بل يقولون: إن الله تعالى باق بصفاته.
                  وقال (1/258): واعلم أنه لا يقال: إن علمه تعالى معه، لأنه (أي علمه) ليس بقائم بنفسه فيكون معه، ولا يقال: هو فيه، لأنه تعالى ليس بظرف للعلم، والعلم ليس متمكناً فيه، ولا يقال: إنه مجاور له، لأنه غير مماس له، ولا إنه مباين له، لما أنه لا يقبل المفارقة، ولما أن هذه الألفاظ مستعملة في المتغايرات، ولا تغاير في ما نحن فيه.
                  ثم قال: ثم اعلم أن عبارة عامة متكلمي أهل الحديث في هذه المسألة أن يقال:إن الله تعالى عالم بعلم،وكذا فيما وراء ذلك من الصفات.
                  وأكثر مشايخنا امتنعوا عن هذه العبارة احتراز عما يوهم أن العلم آلة وأداة (أي فيكون مغايرا للذات) فيقولون: الله تعالى عالم وله العلم، وكذا فيما وراء ذلك من الصفات.
                  ثم قال: والشيخ الإمام أبو منصور الماتريدي يقول: إن الله تعالى عالم بذاته، حي بذاته، قادر بذاته، ولا يريد به نفي الصفات، لأنه أثبت الصفات في جميع مصنفاته،وأتى بالدلائل لإثباتها، ودفع شبهاتهم على وجه لا مخلص للخصوم عن ذلك، غير أنه أراد بذلك دفع وهم المغايرة، وأن ذاته يستحيل أن لا يكون عالماً. انتهى.
                  وقال التفتازاني في شرح المقاصد [4/70]: منع بعضهم أن يقال: صفات الله قديمة وإن كانت أزلية، بل يقال: هو قديم بصفاته، وآثروا أن يقال: هي قديمة بذاته، أو موجودة بذاته، ولا يقال: هي فيه أو معه أو مجاورة له أو حالة فيه لإيهام التغاير، وأطبقوا على أنها لا توصف بكونها أعراضا. انتهى.
                  فهذه التحرجات من المتقدمين من المتكلمين، وهذه التعبيرات والإطلاقات منهم، ولا سيما إطلاق الإمام أبي منصور تكاد تكون نصاً فيما قلناه من أنهم لم يقصدوا بنفي الغيرية إلا المعنى الذي ذكرناه.
                  16-بيان فساد قول من قال: المراد بالغير في قولهم "صفات الله ليست غيره" الغير الاصطلاحي.
                  واعلم أنه قد وقع في كلام كثير من المتأخرين أن إطلاق الإمام الأشعري الغير على المنفك في قوله:" صفات الله تعالى ليست عينه ولا غيره"، اصطلاح منه، وأنه إنما نفى الغيرية عنها بالمعنى الذي اصطلح عليه للفظ غير، ولم ينف الغيرية بالمعنى اللغوي وبحسب الشرع، وأول من قال هذا القول هو الإمام الرازي، نقله عنه الجلال الدواني في شرح العقائد العضدية (1/295) ثم قال: رداً عليه: وأنت خبير بأن الغرض وهو نفي لزوم تعدد القدماء- لا يترتب على ذلك، فلا فائدة فيه، ولا وجه لإدخاله في المسائل الاعتقادية. قال المحقق السيالكوتي تعليقا على هذا الكلام: إذ الاصطلاح على معنى لايكون حجة على عدم التعدد في نفس الأمر، فالحق أن يعترف بالتعدد والغيرية، وأن الكفر تعدد الذوات القديمة، لاتعدد الذوات والصفات، كما ذكره الشارح.(105)
                  ورده السعد التفتازاني في شرح المقاصد بما حاصله: إنه لو كان الأمر كما قال لكان الحكم بعدم مغايرة الصفات للذات بديهياً مستغنياً عن الدليل، مع أن من الأشاعرة من استدل عليه.
                  ورده السيد الشريف الجرجاني في شرح المواقف بأنه غير مرضي، لأنهم ذكروا ذلك في الاعتقادات المتعلقة بذات الله تعالى وصفاته، فكيف يكون أمرا لفظيا محضاً متعلقاً بمجرد الاصطلاح، مع أن بعضهم قد تصدى للاستدلال عليه. والحق أنه بحث معنوي.
                  قال الكلنبوي بعد نقله لرد السعد والسيد(1/295): أقول: ويدل على كونه بحثاً معنوياً قطعاً استدلالهم السابق يعني في كلام الشارح الدواني ،لأنه صريح في أن الأشاعرة قصدوا إثبات معنى الغير في الشرع والعرف واللغة، لا إثبات معنى اصطلحوا عليه، وهو ظاهر.
                  17-خلاصة البحث.
                  أقول:إن هؤلاء العلماء التفتازاني، والسيد الشريف، والدواني، والكلنبوي قد أصابوا في قولهم بأن البحث معنوي بمعنى أنه ليس راجعاً إلى الاصطلاح، لكنهم أخطأوا في تقريرهم الخلاف على الوجه الذي قررناه في صدور هذا البحث، وهو بنائهم الخلاف في أن صفاته تعالى هل هي غير له تعالى أم لا، على الخلاف في تفسير الغير لغة هل "هو نقيض هو هو"، فلا يكون بينه وبين العين واسطة، فتكون الصفات على هذا التفسير غير الله تعالى.
                  أو هو بمعنى "غير الملازم الذي يجوز انفكاكه"، فتثبت الواسطة على هذا بين العين والغير، فلا تكون الصفات على هذا غير الله تعالى، لملازمتها له وعدم جواز انفكاكها عنه.
                  فإن تقرير الخلاف على هذا الوجه، وإن لم يكن راجعاً إلى الاصطلاح، لكنه لا يخفى أنه لا يخرج عن أن يكون لفظياً، عائداً إلى أنه هل يجوز إطلاق لفظ الغير علي صفات الله تعالى لغة أم لا؟ مع اتفاق الفريقين في المعنى، وهو أنها ليست عينه تعالى، ولا يجوز انفكاكها عنه.
                  والصواب في تقرير الخلاف ما قررناه أخيراً، وهو أن من قال: إنها ليست عينه ولا غيره، أراد كما قال القاضي عضد الدين: ليست عينه بحسب المفهوم، ولا غيره بحسب الوجود، وأرادوا نفي الإثنينية بين الذات والصفات بحسب الوجود، ومن قال: إنها غيره أثبت الإثنينية، وقال: إنها غيره بحسب الوجود، فالخلاف معنوي بحت لا علاقة له لا بالاصطلاح ولا باللفظ، والله تعالى أعلم.
                  محمد صالح بن أحمد الغرسي
                  ذي الحجة 1424هـ قونيه

                  تعليق

                  يعمل...