[frame="1 80"]
اعلم رحمك الله أن الإمام أحمد إمام من أئمة السلف وله مذهب فقهي مستقل , وقد تبعه أناس كثير على مذهبه حتى أصبح أحد المذاهب الأربعة المشتهرة , وقد افترى عليه بعض أتباعه ما لم يُنَزَّلْ به من سلطان , وسنبحث الآن عن منهج الإمام أحمد في مبحث الصفات , حتى ينجلى الأمر ويصبح صافياً نقياً ... , وحتى نزداد يقيناً من أن ما سنورده هو منهج الإمام أحمد , فسأذكر جملة من أقوال كبار أتباعه بعد أن نبين عقيدته , والله الموفق ...
يقول الإمام أبو الفضل عبد الواحد التميمي رحمه الله ( في كتابه "اعتقاد الإمام المبجل أحمد بن حنبل" , والتميمي من شيوخ الحنابلة في عصره): " وسئل (أي الإمام أحمد) قبل موته بيوم عن أحاديث الصفات , فقال: تمر كما جاءت , ويؤمن بها إذا كانت بأسانيد صحاح , ولا يوصف الله بأكثر مما وصف به نفسه.. بلا حد ولا غاية , ليس كمثله شىء وهو السميع البصير , ومن تكلم في معناها ابتدع". ومعنى قوله : (ومن تكلم في معناها ابتدع) أي ومن حمل معناها على ظاهرها اللغوي الحقيقي إذا قطعت عن سياقها, أما التكلم في معناها بما تقتضيه لغة العرب فليس هو المقصود.. لأن الإمام أحمد نفسه قد قال في معنى ( وجاء ربك ).. أي جاء ثوابه , كما سيأتي .
فأنت ترى أن الإمام أحمد يرى هنا تفويض أحاديث الصفات.. وذلك من قوله " تمر كما جاءت".. وهذه العبارة مأثورة عن كثير من السلف , والتي معناها أن تُمَر كما جاءت بلا معنى, وهذا واضح من قوله " ومن تكلم في معناها ابتدع" , خلافاً لما يقوله المشبهة في هذا الزمان من تفسير هذه النصوص على حقائقها اللغوية وهي مبتورة عن سياقها .. ثم ينسبون ذلك إلى الإمام أحمد وإلى السلف.. والسلف بريئون منهم , وأنت ترى أيضاً أن الإمام أحمد ينفي الحد عن الله سبحانه وتعالى , وهذا ردٌ على المشبهة الذين يقولون بالحدّ وينسبون ذلك إلى السلف , ومن قال عندهم بنفي الحد فهو مبتدع ضال.. وهم أولى بهذا الوصف , وهاك دليل آخر أن الإمام أحمد كان ينفي الحد عن الله سبحانه , "حيث يقول في قول النبي صلى الله عليه وسلم : « إن الله ينزل إلى سماء الدنيا » ، أو « إن الله يرى في القيامة » ، وما أشبه هذه الأحاديث نؤمن بها ، ونصدق بها بلا كيف ، ولا معنى ، ولا نرد شيئا منها ، ونعلم أن ما جاء به الرسول حق ، ولا نرد على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا نصف الله بأكثر مما وصف به نفسه بلا حد ولا غاية { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ }"(كما في لمعة الإعتقاد لابن قدامة)
وقال التميمي(كما في اعتقاد الإمام المبجل أحمد بن حنبل) : " (مسألة).. وكان يقول (أي الإمام أحمد) إن الله تعالى قديم بصفاته التي هي مضافة إليه في نفسه" , وهذا يعني أن صفات الله تعالى قديمة وليست بمحدثة.. وهو إجماع أهل السنة والجماعة , وفي هذا نقض لقول المشبهة بأن معنى (الرحمن على العرش استوى ) أي جلس واستقر , وكما هو معروف أن العرش مخلوق.. والمخلوق له بداية حيث لم يكن موجوداً في وقت ما , فكلامهم هذا يستلزم أن الله اكتسب صفة الإستواء بعد خلق العرش.. أي أن الله حدثت له صفة لم تكن موجودة , أي أن الله تأثر بوجود المخلوق , فجعلوا صفات الله حوادث متأثرة في وجودها بالمخلوقات الحادثة ، فبدلا من أن يصير الحادث خاضعا لله صارت صفات الله خاضعة للحادث , تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا .
وقال التميمي(كما في اعتقاد الإمام المبجل) : " وأنكر (أي الإمام أحمد) علي من يقول بالجسم , وقال إن الأسماء مأخوذه بالشريعه واللغة , وأهل اللغة وضعوا هذا الإسم علي كل ذي طول وعرض وسمك وتركيب وصور وتأليف , و الله خارج عن ذلك كله , فلم يجز أن يسمي جسماً لخروجه عن معني الجسمية ولم يجىء في الشريعة ذلك فبطل" , فيتبين من هذا بطلان قول من يقول بأن الله جسم , أو من يقول بأننا لا نثبت أن الله جسمٌ ولا ننفي عنه ذلك , فهذا كلّه انحراف عن عقيدة السلف وعقيدة الإمام أحمد , فها هو ينفي هنا بأن الله جسم , تعالى الله عمّا يقول الظالمون علواً كبيراً .
وها هو إمام على من أئمة الحنابلة يؤكد أن ذلك كان عقيدة الإمام أحمد , ألا وهو الإمام السفاريني الحنبلي السلفي , حيث يقول في منظومته في العقيدة :
" ... ومن هنا نظمت لي عـقيدة ** أرجـوزة وجـيزة مـفيدة
وسمتها بالـدرة المــضية ** في عقد أهل الفـرقة المرضية
على اعتقاد ذي السداد الحنبلي ** إمام أهل الحق ذي القدر الـعلي
حبر المـلا فـرد العلى الرباني ** رب الحجى ماحي الدجى الشيباني
فـإنـه إمـام أهــل الأثر ** فمن نحى منـحـاه فـهو الأثري ..."
فهنا يبين الإمام السفاريني أن هذه العقيدة تمثل عقيدة أهل الأثر(1) وهم أتباع الإمام أحمد بن حنبل ومن سار على نهج السلف في العقيدة , ثم يقول بعد عدة أبيات :
" - وليس ربنا بجوهر ولا ... عرض ولا جسم تعالى ذو العلا
- سبحانه قد استوى كما ورد ... من غير كيف قد تعالى أن يحد
- فلا يحيط علمنا بذاته ... كذاك لا ينفك عن صفاته
- فكل ما قد جاء في الدليل ... فثابت من غير ما تمثيل
- من رحمة ونحوها كوجهه ... ويده وكل ما من نهجه
- وعينه وصفة النزول ... وخلقه فاحذر من النزول
- فسائر الصفات والأفعال ... قديمة لله ذي الجلال...
- لكن بلا كيف ولا تمثيل ... رغماً لأهل الزيغ والتعطيل
- فمرها كما أتت في الذكر ... من غير تأويل وغير فكر..."
فها هو الإمام الأثري العالم بعقيدة الإمام أحمد ينفي بأن يكون الله جسماً خلافاً للمشبهة.. حيث يقول بعضهم إن الله تعالى جسم لا كالأجسام وبعضهم يقول لا نثبت أن الله جسم ولا نثبت أنه ليس بجسم !! , وقد سبق تفنيد الإمام أحمد لقول هؤلاء المشبهة , ثم ينفي هذا الإمام الأثري الحد عن الله سبحانه وتعالى.. خلافاً لمشبهة هذا الزمان أدعياء السلفية الذين يقولون أن الله تعالى محدود من الأسفل.. متوهمين في أذهانهم أن الله تعالى كالأجسام , وضاربين قول النبي -ص- عرض الحائط حيث قال : ( وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء ) وهم يقولون أن العرش دونه وأسفل منه . فتعالى الله عما يقولون علواً كبيراً , ويتبين من قول الإمام السفاريني أنه كان مفوضاً لصفات الله تعالى لا يعمل الفكر في معناها.. حيث قال : " فمرها كما أتت في الذكر ... من غير تأويل وغير فكر" , فهو يتبنى عقيدة إمرار نصوص الصفات كما جاءت , وهذه هي عقيدة الإمام أحمد كما تبين .
وقال التميمي (إعتقاد الإمام المبجل ) : " وكان يقول (أي الإمام أحمد) في معنى الاستواء : هو العلو والارتفاع , ولم يزل الله تعالى عالياً رفيعاً قبل أن يخلق عرشه, فهو فوق كل شيء والعالي على كل شيء , وإنما خص الله العرش لمعنى فيه مخالف لسائر الأشياء , والعرش أفضل الأشياء وأرفعها , فامتدح الله نفسه بأنه على العرش استوى أي عليه علا , ولا يجوز أن يقال استوى بمماسة ولا بملاقاة تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً , والله تعالى لم يلحقه تغير ولا تبدل , ولا يلحقه الحدود قبل خلق العرش ولا بعد خلق العرش.." , فانظر رحمك الله إلى قوله هذا.. الذي يدل بجلاء على أن الإمام أحمد كان منزهاً لله عن العلو والإرتفاع الحسي الذي يقول به حنابلة هذا الزمان , وهذا واضح من قوله " ولم يزل الله تعالى عالياً رفيعاً قبل أن يخلق عرشه" .. فلو كان يرى بأنه علو حسي لم يصح أن يكون الله عالياً على العرش قبل أن يخلقه.. لأن الله كان قبل أن يخلق العرش , ولو علا على العرش بعد أن خلقه للزم من ذلك أنه تأثر بأحد المخلوقات.. وتغير وتبدل من حال عدم الإرتفاع إلى حال الإرتفاع .. وأصبح محدوداً من جهة الأسفل بعد أن لم يكن كذلك , وحتى لا يظن أحد أن هذا هو مقصوده من الإستواء قال :" والله تعالى لم يلحقه تغير ولا تبدل" , فالعلو على العرش قبل خلق العرش يستحيل أن يكون مادّياً بل هو علو معنوي.. علو قهر وسلطان ( وهذا ما قاله الإمام الطبري في تفسيره , وهو من السلف ) , لذلك أتبع الإمام أحمد هذا القول بقوله : " فهو فوق كل شيء والعالي على كل شيء".. مما يبطل قول المشبهة بأن معنى استوى : جلس واستقر , إذ لو كان كذلك لكان الله مستقراً وجالساً على كل شيء وهذا محال على الله تعالى , ثم يوضّح الإمام أحمد سبب اختصاص العرش بإضافة الإستواء عليه فيقول : " وإنما خص الله العرش لمعنى فيه مخالف لسائر الأشياء , والعرش أفضل الأشياء وأرفعها , فامتدح الله نفسه بأنه على العرش استوى أي عليه علا".. وبهذا المعنى يقول الإمام البيهقي في الأسماء والصفات: " وفيما كتب إلي الأستاذ أبو منصور بن أبي أيوب أن كثيرا من متأخري أصحابنا ذهبوا إلى أن الاستواء هو القهر والغلبة ، ومعناه أن الرحمن غلب العرش وقهره ، وفائدته الإخبار عن قهره مملوكاته ، وأنها لم تقهره ، وإنما خص العرش بالذكر لأنه أعظم المملوكات ، فنبه بالأعلى على الأدنى ، قال : والاستواء بمعنى القهر والغلبة شائع في اللغة ، كما يقال : استوى فلان على الناحية إذا غلب أهلها " , وحتى لا يعتقد أحد كذلك أن معنى استوى استقر وجلس عقب الإمام أحمد ذلك بقوله :" ولا يجوز أن يقال استوى بمماسة ولا بملاقاة , تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً" , ثم يزيد الأمر إيضاحاً وبياناً بنفيه الإستواء المادي عن الله تعالى.. لأنه يلزم منه وجود الحد لله تعالى والله منزه عن ذلك فيقول :" ولا يلحقه الحدود قبل خلق العرش ولا بعد خلق العرش" فانظر يا صاحب العقل والبصيرة.. يا من تطلب الحق وترجو الله واليوم الآخر , انظر إلى الفرق بين عقيدة الإمام أحمد وعقيدة أدعياء السلفية في هذا الزمان , ثم احكم بعد ذلك أهم على عقيدة السلف أم هم امتداد لطائفة المشبهة , وقد قال الإمام أبو العباس الإقليشي بما يشبه هذه المقولة في نفيه الجهة عن الله تعالى , حيث يقول في تفسير اسمه تعالى (ذو العرش) (كما في " الانباء في حقائق الصفات والأسماء " نقلاً عن روض الرياحين) : "العرش في وضع اللسان هو السرير , قال الله تعالى: (ورفع أبويه على العرش)، وعرش الله الذي أضافه إلى نفسه إضافة مِلك واختصاص.. وأخبر في كتابه أنه استوى عليه هو أعظم المخلوقات وأرفع الموجودات المصنوعات، تمدح بإضافته إليه فقال: (ذو العرش المجيد) , وتعزز بالاستواء عليه لأنه وسع الكرسي الذي وسع السموات والأرض، فإذا استوى عليه , فكل شيء في قبضته، ومن هذا قوله: (مالك يوم الدين) لعظمته، وهذا بيّن لأولي الأبصار لأن الله تعالى مستويا على الأشياء بقهره وقوته وقدرته ومحيط لها بعلمه "اهـ .فانظر إلى التشابه الشديد بين قوليهما , فكلاهما يرى أن الإستواء استواء ملك وسلطان , وإنما ذكر العلو على العرش والهيمنة عليه لأنه ذلك يقتضي القهر لجميع المخلوقات.. والتي يعتبر العرش أعظمها وأرفعها , وهذا واضح من قول الإمام أحمد :" وإنما خص الله العرش لمعنى فيه مخالف لسائر الأشياء , والعرش أفضل الأشياء وأرفعها , فامتدح الله نفسه بأنه على العرش استوى أي عليه علا" , والإمام أحمد إمام من أئمة السلف , وما فهمه من معنى الإستواء هو ما يفهمه كل علماء أهل السنة والجماعة.., وليس ما يفهمه المشبهة , فيقول الإمام الثعالبي في تفسيره :" وقوله سبحانه : { استوى عَلَى العرش } معناه عند أبي المعالي وغيره من حُذَّاق المتكلمين : الملك ، والسلطان ، وخصّ العرش بالذِّكْرِ تشريفاً له؛ إذ هو أَعْظَمُ المخلوقات ."(في تفسير الآية (54) من سورة الأعراف) , ومثل هذا قول الإمام الإقليشي السابق :" فإذا استوى عليه , فكل شيء في قبضته، ومن هذا قوله: (مالك يوم الدين) لعظمته، وهذا بيّن لأولي الأبصار لأن الله تعالى مستويا على الأشياء بقهره وقوته وقدرته ومحيط لها بعلمه" , ونزيد الأمر إيضاحاً بنقل آخر عن الإمام الإقليشي حيث يقول : " فائدة علمية: قوله: (الرحمن على العرش استوى) أي علا عليه رتبةً وقدرا لأن الاستواء في وضع اللسان هو الاعتلاء سواء كان معنويا أو حسيا، وإذا تقدس الباري عن الاستواء الجسمي ثبت له الاستواء المعنوي، فعلى هذا الطريق ينبغي لك أن تعلم علوّ ذات الله العلية وأنها أمور معنوية , وإلا وقعت في مذهب الحشوية المثبتين لله الجهة العلوية". اهـ . (كما في " الانباء في حقائق الصفات والأسماء " نقلاً عن روض الرياحين)
وقال التميمي (كما في إعتقاد الإمام المبجل) : " وكان ينكر ( أي الإمام أحمد) على من يقول إن الله في كل مكان بذاته.. لأن الأمكنة كلها محدودة , وحكى عن عبدالرحمن بن مهدي عن مالك : أن الله تعالى مستو على عرشه المجيد كما أخبر , وأن علمه في كل مكان ولا يخلو شيء من علمه , وعظم عليه الكلام في هذا واستبشعه".. فهو ينفي أن يكون الله في كل مكان لأن هذا يلزمنا بالقول أن الله موجود في الحشوش وأماكن النجاسات , وأن الله محدود أو محصور , وهو قول باطل , ويثبت الإمام الإستواء دون الخوض في معناه والقول بأنه جلوس أو إستعلاء حسّي , وينفي كما سبق أن يكون الإستواء مماسة أو ملاقاة , لأن ذلك تشبيه للخالق بالمخلوق , بل يفوض معناه إلى الله تعالى .. خلافاً للمشبهة , والله المستعان...
تابع ...
عقيدة الإمام الرباني أحمد بن حنبل الشيباني
في باب الصفات...
[/frame]في باب الصفات...
اعلم رحمك الله أن الإمام أحمد إمام من أئمة السلف وله مذهب فقهي مستقل , وقد تبعه أناس كثير على مذهبه حتى أصبح أحد المذاهب الأربعة المشتهرة , وقد افترى عليه بعض أتباعه ما لم يُنَزَّلْ به من سلطان , وسنبحث الآن عن منهج الإمام أحمد في مبحث الصفات , حتى ينجلى الأمر ويصبح صافياً نقياً ... , وحتى نزداد يقيناً من أن ما سنورده هو منهج الإمام أحمد , فسأذكر جملة من أقوال كبار أتباعه بعد أن نبين عقيدته , والله الموفق ...
يقول الإمام أبو الفضل عبد الواحد التميمي رحمه الله ( في كتابه "اعتقاد الإمام المبجل أحمد بن حنبل" , والتميمي من شيوخ الحنابلة في عصره): " وسئل (أي الإمام أحمد) قبل موته بيوم عن أحاديث الصفات , فقال: تمر كما جاءت , ويؤمن بها إذا كانت بأسانيد صحاح , ولا يوصف الله بأكثر مما وصف به نفسه.. بلا حد ولا غاية , ليس كمثله شىء وهو السميع البصير , ومن تكلم في معناها ابتدع". ومعنى قوله : (ومن تكلم في معناها ابتدع) أي ومن حمل معناها على ظاهرها اللغوي الحقيقي إذا قطعت عن سياقها, أما التكلم في معناها بما تقتضيه لغة العرب فليس هو المقصود.. لأن الإمام أحمد نفسه قد قال في معنى ( وجاء ربك ).. أي جاء ثوابه , كما سيأتي .
فأنت ترى أن الإمام أحمد يرى هنا تفويض أحاديث الصفات.. وذلك من قوله " تمر كما جاءت".. وهذه العبارة مأثورة عن كثير من السلف , والتي معناها أن تُمَر كما جاءت بلا معنى, وهذا واضح من قوله " ومن تكلم في معناها ابتدع" , خلافاً لما يقوله المشبهة في هذا الزمان من تفسير هذه النصوص على حقائقها اللغوية وهي مبتورة عن سياقها .. ثم ينسبون ذلك إلى الإمام أحمد وإلى السلف.. والسلف بريئون منهم , وأنت ترى أيضاً أن الإمام أحمد ينفي الحد عن الله سبحانه وتعالى , وهذا ردٌ على المشبهة الذين يقولون بالحدّ وينسبون ذلك إلى السلف , ومن قال عندهم بنفي الحد فهو مبتدع ضال.. وهم أولى بهذا الوصف , وهاك دليل آخر أن الإمام أحمد كان ينفي الحد عن الله سبحانه , "حيث يقول في قول النبي صلى الله عليه وسلم : « إن الله ينزل إلى سماء الدنيا » ، أو « إن الله يرى في القيامة » ، وما أشبه هذه الأحاديث نؤمن بها ، ونصدق بها بلا كيف ، ولا معنى ، ولا نرد شيئا منها ، ونعلم أن ما جاء به الرسول حق ، ولا نرد على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا نصف الله بأكثر مما وصف به نفسه بلا حد ولا غاية { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ }"(كما في لمعة الإعتقاد لابن قدامة)
وقال التميمي(كما في اعتقاد الإمام المبجل أحمد بن حنبل) : " (مسألة).. وكان يقول (أي الإمام أحمد) إن الله تعالى قديم بصفاته التي هي مضافة إليه في نفسه" , وهذا يعني أن صفات الله تعالى قديمة وليست بمحدثة.. وهو إجماع أهل السنة والجماعة , وفي هذا نقض لقول المشبهة بأن معنى (الرحمن على العرش استوى ) أي جلس واستقر , وكما هو معروف أن العرش مخلوق.. والمخلوق له بداية حيث لم يكن موجوداً في وقت ما , فكلامهم هذا يستلزم أن الله اكتسب صفة الإستواء بعد خلق العرش.. أي أن الله حدثت له صفة لم تكن موجودة , أي أن الله تأثر بوجود المخلوق , فجعلوا صفات الله حوادث متأثرة في وجودها بالمخلوقات الحادثة ، فبدلا من أن يصير الحادث خاضعا لله صارت صفات الله خاضعة للحادث , تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا .
وقال التميمي(كما في اعتقاد الإمام المبجل) : " وأنكر (أي الإمام أحمد) علي من يقول بالجسم , وقال إن الأسماء مأخوذه بالشريعه واللغة , وأهل اللغة وضعوا هذا الإسم علي كل ذي طول وعرض وسمك وتركيب وصور وتأليف , و الله خارج عن ذلك كله , فلم يجز أن يسمي جسماً لخروجه عن معني الجسمية ولم يجىء في الشريعة ذلك فبطل" , فيتبين من هذا بطلان قول من يقول بأن الله جسم , أو من يقول بأننا لا نثبت أن الله جسمٌ ولا ننفي عنه ذلك , فهذا كلّه انحراف عن عقيدة السلف وعقيدة الإمام أحمد , فها هو ينفي هنا بأن الله جسم , تعالى الله عمّا يقول الظالمون علواً كبيراً .
وها هو إمام على من أئمة الحنابلة يؤكد أن ذلك كان عقيدة الإمام أحمد , ألا وهو الإمام السفاريني الحنبلي السلفي , حيث يقول في منظومته في العقيدة :
" ... ومن هنا نظمت لي عـقيدة ** أرجـوزة وجـيزة مـفيدة
وسمتها بالـدرة المــضية ** في عقد أهل الفـرقة المرضية
على اعتقاد ذي السداد الحنبلي ** إمام أهل الحق ذي القدر الـعلي
حبر المـلا فـرد العلى الرباني ** رب الحجى ماحي الدجى الشيباني
فـإنـه إمـام أهــل الأثر ** فمن نحى منـحـاه فـهو الأثري ..."
فهنا يبين الإمام السفاريني أن هذه العقيدة تمثل عقيدة أهل الأثر(1) وهم أتباع الإمام أحمد بن حنبل ومن سار على نهج السلف في العقيدة , ثم يقول بعد عدة أبيات :
" - وليس ربنا بجوهر ولا ... عرض ولا جسم تعالى ذو العلا
- سبحانه قد استوى كما ورد ... من غير كيف قد تعالى أن يحد
- فلا يحيط علمنا بذاته ... كذاك لا ينفك عن صفاته
- فكل ما قد جاء في الدليل ... فثابت من غير ما تمثيل
- من رحمة ونحوها كوجهه ... ويده وكل ما من نهجه
- وعينه وصفة النزول ... وخلقه فاحذر من النزول
- فسائر الصفات والأفعال ... قديمة لله ذي الجلال...
- لكن بلا كيف ولا تمثيل ... رغماً لأهل الزيغ والتعطيل
- فمرها كما أتت في الذكر ... من غير تأويل وغير فكر..."
فها هو الإمام الأثري العالم بعقيدة الإمام أحمد ينفي بأن يكون الله جسماً خلافاً للمشبهة.. حيث يقول بعضهم إن الله تعالى جسم لا كالأجسام وبعضهم يقول لا نثبت أن الله جسم ولا نثبت أنه ليس بجسم !! , وقد سبق تفنيد الإمام أحمد لقول هؤلاء المشبهة , ثم ينفي هذا الإمام الأثري الحد عن الله سبحانه وتعالى.. خلافاً لمشبهة هذا الزمان أدعياء السلفية الذين يقولون أن الله تعالى محدود من الأسفل.. متوهمين في أذهانهم أن الله تعالى كالأجسام , وضاربين قول النبي -ص- عرض الحائط حيث قال : ( وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء ) وهم يقولون أن العرش دونه وأسفل منه . فتعالى الله عما يقولون علواً كبيراً , ويتبين من قول الإمام السفاريني أنه كان مفوضاً لصفات الله تعالى لا يعمل الفكر في معناها.. حيث قال : " فمرها كما أتت في الذكر ... من غير تأويل وغير فكر" , فهو يتبنى عقيدة إمرار نصوص الصفات كما جاءت , وهذه هي عقيدة الإمام أحمد كما تبين .
وقال التميمي (إعتقاد الإمام المبجل ) : " وكان يقول (أي الإمام أحمد) في معنى الاستواء : هو العلو والارتفاع , ولم يزل الله تعالى عالياً رفيعاً قبل أن يخلق عرشه, فهو فوق كل شيء والعالي على كل شيء , وإنما خص الله العرش لمعنى فيه مخالف لسائر الأشياء , والعرش أفضل الأشياء وأرفعها , فامتدح الله نفسه بأنه على العرش استوى أي عليه علا , ولا يجوز أن يقال استوى بمماسة ولا بملاقاة تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً , والله تعالى لم يلحقه تغير ولا تبدل , ولا يلحقه الحدود قبل خلق العرش ولا بعد خلق العرش.." , فانظر رحمك الله إلى قوله هذا.. الذي يدل بجلاء على أن الإمام أحمد كان منزهاً لله عن العلو والإرتفاع الحسي الذي يقول به حنابلة هذا الزمان , وهذا واضح من قوله " ولم يزل الله تعالى عالياً رفيعاً قبل أن يخلق عرشه" .. فلو كان يرى بأنه علو حسي لم يصح أن يكون الله عالياً على العرش قبل أن يخلقه.. لأن الله كان قبل أن يخلق العرش , ولو علا على العرش بعد أن خلقه للزم من ذلك أنه تأثر بأحد المخلوقات.. وتغير وتبدل من حال عدم الإرتفاع إلى حال الإرتفاع .. وأصبح محدوداً من جهة الأسفل بعد أن لم يكن كذلك , وحتى لا يظن أحد أن هذا هو مقصوده من الإستواء قال :" والله تعالى لم يلحقه تغير ولا تبدل" , فالعلو على العرش قبل خلق العرش يستحيل أن يكون مادّياً بل هو علو معنوي.. علو قهر وسلطان ( وهذا ما قاله الإمام الطبري في تفسيره , وهو من السلف ) , لذلك أتبع الإمام أحمد هذا القول بقوله : " فهو فوق كل شيء والعالي على كل شيء".. مما يبطل قول المشبهة بأن معنى استوى : جلس واستقر , إذ لو كان كذلك لكان الله مستقراً وجالساً على كل شيء وهذا محال على الله تعالى , ثم يوضّح الإمام أحمد سبب اختصاص العرش بإضافة الإستواء عليه فيقول : " وإنما خص الله العرش لمعنى فيه مخالف لسائر الأشياء , والعرش أفضل الأشياء وأرفعها , فامتدح الله نفسه بأنه على العرش استوى أي عليه علا".. وبهذا المعنى يقول الإمام البيهقي في الأسماء والصفات: " وفيما كتب إلي الأستاذ أبو منصور بن أبي أيوب أن كثيرا من متأخري أصحابنا ذهبوا إلى أن الاستواء هو القهر والغلبة ، ومعناه أن الرحمن غلب العرش وقهره ، وفائدته الإخبار عن قهره مملوكاته ، وأنها لم تقهره ، وإنما خص العرش بالذكر لأنه أعظم المملوكات ، فنبه بالأعلى على الأدنى ، قال : والاستواء بمعنى القهر والغلبة شائع في اللغة ، كما يقال : استوى فلان على الناحية إذا غلب أهلها " , وحتى لا يعتقد أحد كذلك أن معنى استوى استقر وجلس عقب الإمام أحمد ذلك بقوله :" ولا يجوز أن يقال استوى بمماسة ولا بملاقاة , تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً" , ثم يزيد الأمر إيضاحاً وبياناً بنفيه الإستواء المادي عن الله تعالى.. لأنه يلزم منه وجود الحد لله تعالى والله منزه عن ذلك فيقول :" ولا يلحقه الحدود قبل خلق العرش ولا بعد خلق العرش" فانظر يا صاحب العقل والبصيرة.. يا من تطلب الحق وترجو الله واليوم الآخر , انظر إلى الفرق بين عقيدة الإمام أحمد وعقيدة أدعياء السلفية في هذا الزمان , ثم احكم بعد ذلك أهم على عقيدة السلف أم هم امتداد لطائفة المشبهة , وقد قال الإمام أبو العباس الإقليشي بما يشبه هذه المقولة في نفيه الجهة عن الله تعالى , حيث يقول في تفسير اسمه تعالى (ذو العرش) (كما في " الانباء في حقائق الصفات والأسماء " نقلاً عن روض الرياحين) : "العرش في وضع اللسان هو السرير , قال الله تعالى: (ورفع أبويه على العرش)، وعرش الله الذي أضافه إلى نفسه إضافة مِلك واختصاص.. وأخبر في كتابه أنه استوى عليه هو أعظم المخلوقات وأرفع الموجودات المصنوعات، تمدح بإضافته إليه فقال: (ذو العرش المجيد) , وتعزز بالاستواء عليه لأنه وسع الكرسي الذي وسع السموات والأرض، فإذا استوى عليه , فكل شيء في قبضته، ومن هذا قوله: (مالك يوم الدين) لعظمته، وهذا بيّن لأولي الأبصار لأن الله تعالى مستويا على الأشياء بقهره وقوته وقدرته ومحيط لها بعلمه "اهـ .فانظر إلى التشابه الشديد بين قوليهما , فكلاهما يرى أن الإستواء استواء ملك وسلطان , وإنما ذكر العلو على العرش والهيمنة عليه لأنه ذلك يقتضي القهر لجميع المخلوقات.. والتي يعتبر العرش أعظمها وأرفعها , وهذا واضح من قول الإمام أحمد :" وإنما خص الله العرش لمعنى فيه مخالف لسائر الأشياء , والعرش أفضل الأشياء وأرفعها , فامتدح الله نفسه بأنه على العرش استوى أي عليه علا" , والإمام أحمد إمام من أئمة السلف , وما فهمه من معنى الإستواء هو ما يفهمه كل علماء أهل السنة والجماعة.., وليس ما يفهمه المشبهة , فيقول الإمام الثعالبي في تفسيره :" وقوله سبحانه : { استوى عَلَى العرش } معناه عند أبي المعالي وغيره من حُذَّاق المتكلمين : الملك ، والسلطان ، وخصّ العرش بالذِّكْرِ تشريفاً له؛ إذ هو أَعْظَمُ المخلوقات ."(في تفسير الآية (54) من سورة الأعراف) , ومثل هذا قول الإمام الإقليشي السابق :" فإذا استوى عليه , فكل شيء في قبضته، ومن هذا قوله: (مالك يوم الدين) لعظمته، وهذا بيّن لأولي الأبصار لأن الله تعالى مستويا على الأشياء بقهره وقوته وقدرته ومحيط لها بعلمه" , ونزيد الأمر إيضاحاً بنقل آخر عن الإمام الإقليشي حيث يقول : " فائدة علمية: قوله: (الرحمن على العرش استوى) أي علا عليه رتبةً وقدرا لأن الاستواء في وضع اللسان هو الاعتلاء سواء كان معنويا أو حسيا، وإذا تقدس الباري عن الاستواء الجسمي ثبت له الاستواء المعنوي، فعلى هذا الطريق ينبغي لك أن تعلم علوّ ذات الله العلية وأنها أمور معنوية , وإلا وقعت في مذهب الحشوية المثبتين لله الجهة العلوية". اهـ . (كما في " الانباء في حقائق الصفات والأسماء " نقلاً عن روض الرياحين)
وقال التميمي (كما في إعتقاد الإمام المبجل) : " وكان ينكر ( أي الإمام أحمد) على من يقول إن الله في كل مكان بذاته.. لأن الأمكنة كلها محدودة , وحكى عن عبدالرحمن بن مهدي عن مالك : أن الله تعالى مستو على عرشه المجيد كما أخبر , وأن علمه في كل مكان ولا يخلو شيء من علمه , وعظم عليه الكلام في هذا واستبشعه".. فهو ينفي أن يكون الله في كل مكان لأن هذا يلزمنا بالقول أن الله موجود في الحشوش وأماكن النجاسات , وأن الله محدود أو محصور , وهو قول باطل , ويثبت الإمام الإستواء دون الخوض في معناه والقول بأنه جلوس أو إستعلاء حسّي , وينفي كما سبق أن يكون الإستواء مماسة أو ملاقاة , لأن ذلك تشبيه للخالق بالمخلوق , بل يفوض معناه إلى الله تعالى .. خلافاً للمشبهة , والله المستعان...
تابع ...
تعليق