عقيدة الإمام الرباني أحمد بن حنبل الشيباني .. في باب الصفات

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عثمان مصطفى البوريني
    طالب علم
    • Jul 2007
    • 5

    #1

    عقيدة الإمام الرباني أحمد بن حنبل الشيباني .. في باب الصفات

    [frame="1 80"]
    عقيدة الإمام الرباني أحمد بن حنبل الشيباني
    في باب الصفات...
    [/frame]


    اعلم رحمك الله أن الإمام أحمد إمام من أئمة السلف وله مذهب فقهي مستقل , وقد تبعه أناس كثير على مذهبه حتى أصبح أحد المذاهب الأربعة المشتهرة , وقد افترى عليه بعض أتباعه ما لم يُنَزَّلْ به من سلطان , وسنبحث الآن عن منهج الإمام أحمد في مبحث الصفات , حتى ينجلى الأمر ويصبح صافياً نقياً ... , وحتى نزداد يقيناً من أن ما سنورده هو منهج الإمام أحمد , فسأذكر جملة من أقوال كبار أتباعه بعد أن نبين عقيدته , والله الموفق ...
    يقول الإمام أبو الفضل عبد الواحد التميمي رحمه الله ( في كتابه "اعتقاد الإمام المبجل أحمد بن حنبل" , والتميمي من شيوخ الحنابلة في عصره): " وسئل (أي الإمام أحمد) قبل موته بيوم عن أحاديث الصفات , فقال: تمر كما جاءت , ويؤمن بها إذا كانت بأسانيد صحاح , ولا يوصف الله بأكثر مما وصف به نفسه.. بلا حد ولا غاية , ليس كمثله شىء وهو السميع البصير , ومن تكلم في معناها ابتدع". ومعنى قوله : (ومن تكلم في معناها ابتدع) أي ومن حمل معناها على ظاهرها اللغوي الحقيقي إذا قطعت عن سياقها, أما التكلم في معناها بما تقتضيه لغة العرب فليس هو المقصود.. لأن الإمام أحمد نفسه قد قال في معنى ( وجاء ربك ).. أي جاء ثوابه , كما سيأتي .
    فأنت ترى أن الإمام أحمد يرى هنا تفويض أحاديث الصفات.. وذلك من قوله " تمر كما جاءت".. وهذه العبارة مأثورة عن كثير من السلف , والتي معناها أن تُمَر كما جاءت بلا معنى, وهذا واضح من قوله " ومن تكلم في معناها ابتدع" , خلافاً لما يقوله المشبهة في هذا الزمان من تفسير هذه النصوص على حقائقها اللغوية وهي مبتورة عن سياقها .. ثم ينسبون ذلك إلى الإمام أحمد وإلى السلف.. والسلف بريئون منهم , وأنت ترى أيضاً أن الإمام أحمد ينفي الحد عن الله سبحانه وتعالى , وهذا ردٌ على المشبهة الذين يقولون بالحدّ وينسبون ذلك إلى السلف , ومن قال عندهم بنفي الحد فهو مبتدع ضال.. وهم أولى بهذا الوصف , وهاك دليل آخر أن الإمام أحمد كان ينفي الحد عن الله سبحانه , "حيث يقول في قول النبي صلى الله عليه وسلم : « إن الله ينزل إلى سماء الدنيا » ، أو « إن الله يرى في القيامة » ، وما أشبه هذه الأحاديث نؤمن بها ، ونصدق بها بلا كيف ، ولا معنى ، ولا نرد شيئا منها ، ونعلم أن ما جاء به الرسول حق ، ولا نرد على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا نصف الله بأكثر مما وصف به نفسه بلا حد ولا غاية { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ }"(كما في لمعة الإعتقاد لابن قدامة)
    وقال التميمي(كما في اعتقاد الإمام المبجل أحمد بن حنبل) : " (مسألة).. وكان يقول (أي الإمام أحمد) إن الله تعالى قديم بصفاته التي هي مضافة إليه في نفسه" , وهذا يعني أن صفات الله تعالى قديمة وليست بمحدثة.. وهو إجماع أهل السنة والجماعة , وفي هذا نقض لقول المشبهة بأن معنى (الرحمن على العرش استوى ) أي جلس واستقر , وكما هو معروف أن العرش مخلوق.. والمخلوق له بداية حيث لم يكن موجوداً في وقت ما , فكلامهم هذا يستلزم أن الله اكتسب صفة الإستواء بعد خلق العرش.. أي أن الله حدثت له صفة لم تكن موجودة , أي أن الله تأثر بوجود المخلوق , فجعلوا صفات الله حوادث متأثرة في وجودها بالمخلوقات الحادثة ، فبدلا من أن يصير الحادث خاضعا لله صارت صفات الله خاضعة للحادث , تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا .
    وقال التميمي(كما في اعتقاد الإمام المبجل) : " وأنكر (أي الإمام أحمد) علي من يقول بالجسم , وقال إن الأسماء مأخوذه بالشريعه واللغة , وأهل اللغة وضعوا هذا الإسم علي كل ذي طول وعرض وسمك وتركيب وصور وتأليف , و الله خارج عن ذلك كله , فلم يجز أن يسمي جسماً لخروجه عن معني الجسمية ولم يجىء في الشريعة ذلك فبطل" , فيتبين من هذا بطلان قول من يقول بأن الله جسم , أو من يقول بأننا لا نثبت أن الله جسمٌ ولا ننفي عنه ذلك , فهذا كلّه انحراف عن عقيدة السلف وعقيدة الإمام أحمد , فها هو ينفي هنا بأن الله جسم , تعالى الله عمّا يقول الظالمون علواً كبيراً .
    وها هو إمام على من أئمة الحنابلة يؤكد أن ذلك كان عقيدة الإمام أحمد , ألا وهو الإمام السفاريني الحنبلي السلفي , حيث يقول في منظومته في العقيدة :
    " ... ومن هنا نظمت لي عـقيدة ** أرجـوزة وجـيزة مـفيدة
    وسمتها بالـدرة المــضية ** في عقد أهل الفـرقة المرضية
    على اعتقاد ذي السداد الحنبلي ** إمام أهل الحق ذي القدر الـعلي
    حبر المـلا فـرد العلى الرباني ** رب الحجى ماحي الدجى الشيباني
    فـإنـه إمـام أهــل الأثر ** فمن نحى منـحـاه فـهو الأثري ..."
    فهنا يبين الإمام السفاريني أن هذه العقيدة تمثل عقيدة أهل الأثر(1) وهم أتباع الإمام أحمد بن حنبل ومن سار على نهج السلف في العقيدة , ثم يقول بعد عدة أبيات :
    " - وليس ربنا بجوهر ولا ... عرض ولا جسم تعالى ذو العلا
    - سبحانه قد استوى كما ورد ... من غير كيف قد تعالى أن يحد
    - فلا يحيط علمنا بذاته ... كذاك لا ينفك عن صفاته
    - فكل ما قد جاء في الدليل ... فثابت من غير ما تمثيل
    - من رحمة ونحوها كوجهه ... ويده وكل ما من نهجه
    - وعينه وصفة النزول ... وخلقه فاحذر من النزول
    - فسائر الصفات والأفعال ... قديمة لله ذي الجلال...
    - لكن بلا كيف ولا تمثيل ... رغماً لأهل الزيغ والتعطيل
    - فمرها كما أتت في الذكر ... من غير تأويل وغير فكر..."
    فها هو الإمام الأثري العالم بعقيدة الإمام أحمد ينفي بأن يكون الله جسماً خلافاً للمشبهة.. حيث يقول بعضهم إن الله تعالى جسم لا كالأجسام وبعضهم يقول لا نثبت أن الله جسم ولا نثبت أنه ليس بجسم !! , وقد سبق تفنيد الإمام أحمد لقول هؤلاء المشبهة , ثم ينفي هذا الإمام الأثري الحد عن الله سبحانه وتعالى.. خلافاً لمشبهة هذا الزمان أدعياء السلفية الذين يقولون أن الله تعالى محدود من الأسفل.. متوهمين في أذهانهم أن الله تعالى كالأجسام , وضاربين قول النبي -ص- عرض الحائط حيث قال : ( وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء ) وهم يقولون أن العرش دونه وأسفل منه . فتعالى الله عما يقولون علواً كبيراً , ويتبين من قول الإمام السفاريني أنه كان مفوضاً لصفات الله تعالى لا يعمل الفكر في معناها.. حيث قال : " فمرها كما أتت في الذكر ... من غير تأويل وغير فكر" , فهو يتبنى عقيدة إمرار نصوص الصفات كما جاءت , وهذه هي عقيدة الإمام أحمد كما تبين .
    وقال التميمي (إعتقاد الإمام المبجل ) : " وكان يقول (أي الإمام أحمد) في معنى الاستواء : هو العلو والارتفاع , ولم يزل الله تعالى عالياً رفيعاً قبل أن يخلق عرشه, فهو فوق كل شيء والعالي على كل شيء , وإنما خص الله العرش لمعنى فيه مخالف لسائر الأشياء , والعرش أفضل الأشياء وأرفعها , فامتدح الله نفسه بأنه على العرش استوى أي عليه علا , ولا يجوز أن يقال استوى بمماسة ولا بملاقاة تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً , والله تعالى لم يلحقه تغير ولا تبدل , ولا يلحقه الحدود قبل خلق العرش ولا بعد خلق العرش.." , فانظر رحمك الله إلى قوله هذا.. الذي يدل بجلاء على أن الإمام أحمد كان منزهاً لله عن العلو والإرتفاع الحسي الذي يقول به حنابلة هذا الزمان , وهذا واضح من قوله " ولم يزل الله تعالى عالياً رفيعاً قبل أن يخلق عرشه" .. فلو كان يرى بأنه علو حسي لم يصح أن يكون الله عالياً على العرش قبل أن يخلقه.. لأن الله كان قبل أن يخلق العرش , ولو علا على العرش بعد أن خلقه للزم من ذلك أنه تأثر بأحد المخلوقات.. وتغير وتبدل من حال عدم الإرتفاع إلى حال الإرتفاع .. وأصبح محدوداً من جهة الأسفل بعد أن لم يكن كذلك , وحتى لا يظن أحد أن هذا هو مقصوده من الإستواء قال :" والله تعالى لم يلحقه تغير ولا تبدل" , فالعلو على العرش قبل خلق العرش يستحيل أن يكون مادّياً بل هو علو معنوي.. علو قهر وسلطان ( وهذا ما قاله الإمام الطبري في تفسيره , وهو من السلف ) , لذلك أتبع الإمام أحمد هذا القول بقوله : " فهو فوق كل شيء والعالي على كل شيء".. مما يبطل قول المشبهة بأن معنى استوى : جلس واستقر , إذ لو كان كذلك لكان الله مستقراً وجالساً على كل شيء وهذا محال على الله تعالى , ثم يوضّح الإمام أحمد سبب اختصاص العرش بإضافة الإستواء عليه فيقول : " وإنما خص الله العرش لمعنى فيه مخالف لسائر الأشياء , والعرش أفضل الأشياء وأرفعها , فامتدح الله نفسه بأنه على العرش استوى أي عليه علا".. وبهذا المعنى يقول الإمام البيهقي في الأسماء والصفات: " وفيما كتب إلي الأستاذ أبو منصور بن أبي أيوب أن كثيرا من متأخري أصحابنا ذهبوا إلى أن الاستواء هو القهر والغلبة ، ومعناه أن الرحمن غلب العرش وقهره ، وفائدته الإخبار عن قهره مملوكاته ، وأنها لم تقهره ، وإنما خص العرش بالذكر لأنه أعظم المملوكات ، فنبه بالأعلى على الأدنى ، قال : والاستواء بمعنى القهر والغلبة شائع في اللغة ، كما يقال : استوى فلان على الناحية إذا غلب أهلها " , وحتى لا يعتقد أحد كذلك أن معنى استوى استقر وجلس عقب الإمام أحمد ذلك بقوله :" ولا يجوز أن يقال استوى بمماسة ولا بملاقاة , تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً" , ثم يزيد الأمر إيضاحاً وبياناً بنفيه الإستواء المادي عن الله تعالى.. لأنه يلزم منه وجود الحد لله تعالى والله منزه عن ذلك فيقول :" ولا يلحقه الحدود قبل خلق العرش ولا بعد خلق العرش" فانظر يا صاحب العقل والبصيرة.. يا من تطلب الحق وترجو الله واليوم الآخر , انظر إلى الفرق بين عقيدة الإمام أحمد وعقيدة أدعياء السلفية في هذا الزمان , ثم احكم بعد ذلك أهم على عقيدة السلف أم هم امتداد لطائفة المشبهة , وقد قال الإمام أبو العباس الإقليشي بما يشبه هذه المقولة في نفيه الجهة عن الله تعالى , حيث يقول في تفسير اسمه تعالى (ذو العرش) (كما في " الانباء في حقائق الصفات والأسماء " نقلاً عن روض الرياحين) : "العرش في وضع اللسان هو السرير , قال الله تعالى: (ورفع أبويه على العرش)، وعرش الله الذي أضافه إلى نفسه إضافة مِلك واختصاص.. وأخبر في كتابه أنه استوى عليه هو أعظم المخلوقات وأرفع الموجودات المصنوعات، تمدح بإضافته إليه فقال: (ذو العرش المجيد) , وتعزز بالاستواء عليه لأنه وسع الكرسي الذي وسع السموات والأرض، فإذا استوى عليه , فكل شيء في قبضته، ومن هذا قوله: (مالك يوم الدين) لعظمته، وهذا بيّن لأولي الأبصار لأن الله تعالى مستويا على الأشياء بقهره وقوته وقدرته ومحيط لها بعلمه "اهـ .فانظر إلى التشابه الشديد بين قوليهما , فكلاهما يرى أن الإستواء استواء ملك وسلطان , وإنما ذكر العلو على العرش والهيمنة عليه لأنه ذلك يقتضي القهر لجميع المخلوقات.. والتي يعتبر العرش أعظمها وأرفعها , وهذا واضح من قول الإمام أحمد :" وإنما خص الله العرش لمعنى فيه مخالف لسائر الأشياء , والعرش أفضل الأشياء وأرفعها , فامتدح الله نفسه بأنه على العرش استوى أي عليه علا" , والإمام أحمد إمام من أئمة السلف , وما فهمه من معنى الإستواء هو ما يفهمه كل علماء أهل السنة والجماعة.., وليس ما يفهمه المشبهة , فيقول الإمام الثعالبي في تفسيره :" وقوله سبحانه : { استوى عَلَى العرش } معناه عند أبي المعالي وغيره من حُذَّاق المتكلمين : الملك ، والسلطان ، وخصّ العرش بالذِّكْرِ تشريفاً له؛ إذ هو أَعْظَمُ المخلوقات ."(في تفسير الآية (54) من سورة الأعراف) , ومثل هذا قول الإمام الإقليشي السابق :" فإذا استوى عليه , فكل شيء في قبضته، ومن هذا قوله: (مالك يوم الدين) لعظمته، وهذا بيّن لأولي الأبصار لأن الله تعالى مستويا على الأشياء بقهره وقوته وقدرته ومحيط لها بعلمه" , ونزيد الأمر إيضاحاً بنقل آخر عن الإمام الإقليشي حيث يقول : " فائدة علمية: قوله: (الرحمن على العرش استوى) أي علا عليه رتبةً وقدرا لأن الاستواء في وضع اللسان هو الاعتلاء سواء كان معنويا أو حسيا، وإذا تقدس الباري عن الاستواء الجسمي ثبت له الاستواء المعنوي، فعلى هذا الطريق ينبغي لك أن تعلم علوّ ذات الله العلية وأنها أمور معنوية , وإلا وقعت في مذهب الحشوية المثبتين لله الجهة العلوية". اهـ . (كما في " الانباء في حقائق الصفات والأسماء " نقلاً عن روض الرياحين)
    وقال التميمي (كما في إعتقاد الإمام المبجل) : " وكان ينكر ( أي الإمام أحمد) على من يقول إن الله في كل مكان بذاته.. لأن الأمكنة كلها محدودة , وحكى عن عبدالرحمن بن مهدي عن مالك : أن الله تعالى مستو على عرشه المجيد كما أخبر , وأن علمه في كل مكان ولا يخلو شيء من علمه , وعظم عليه الكلام في هذا واستبشعه".. فهو ينفي أن يكون الله في كل مكان لأن هذا يلزمنا بالقول أن الله موجود في الحشوش وأماكن النجاسات , وأن الله محدود أو محصور , وهو قول باطل , ويثبت الإمام الإستواء دون الخوض في معناه والقول بأنه جلوس أو إستعلاء حسّي , وينفي كما سبق أن يكون الإستواء مماسة أو ملاقاة , لأن ذلك تشبيه للخالق بالمخلوق , بل يفوض معناه إلى الله تعالى .. خلافاً للمشبهة , والله المستعان...
    تابع ...
  • عثمان مصطفى البوريني
    طالب علم
    • Jul 2007
    • 5

    #2
    يتبع ...
    ولكن كثيراً من فضلاء الحنابلة وأئمتهم الكبار كانوا على معتقد الإمام أحمد وحاولوا تنزيه مذهبه ممما علق به من أدران التشبيه , وكان على رأسهم الإمام الحافظ المفسر ابن الجوزي الحنبلي رحمه الله , فقد ألف في الرد على المشبهة الذين شانوا مذهب الحنابلة بتجسيمهم , فيقول الإمام ابن الجوزي شيخ الحنابلة (كما في تلبيس إبليس) :
    " ذكر تلبيس إبليس على أمتنا في العقائد
    وقد وقف أقوام مع الظواهر فحملوها على مقتضى الحس , فقال بعضهم إن الله جسم -تعالى الله عن ذلك- وهذا مذهب هشام بن الحكم وعلي بن منصور ومحمد بن الخليل ويونس بن عبد الرحمن .
    ثم اختلفوا فقال بعضهم جسم كالأجسام , ومنهم من قال لا كالأجسام . ثم اختلفوا فمنهم من قال هو نور , ومنهم من قال هو على هيئة السبيكة البيضاء , هكذا كان يقول هشام بن الحكم , وكان يقول إن الإله سبعة أشبار بشبر نفسه -تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً- وأنه يرى ما تحت الثرى بشعاع متصل منه بالمرئي . قلت ما أعجب إلا من حدة سبعة أشبار حتى علمت أنه جعله كالأدميين والآدمي طوله سبعة أشبار بشبر نفسه .
    وذكر أبو محمد النوبختي عن الجاحظ عن النظام أن هشام بن عبد الحكم قال في التشبيه في سنة واحدة خمسة أقاويل.. قطع في آخرها أن معبودة أشبر نفسه سبعة أشبار .
    فإن قوماً قالوا أنه على هيئة السبيكة وأن قوماً قالوا هو على هيئة البلورة الصافية المستوية الاستدارة.. التي من حيث أتيتها رأيتها على هيئة واحدة , وقال هشام هو متناهي الذات , حتى قال إن الجبل أكبر منه , قال وله ماهية يعلمها هو .
    قال المصنف(أي ابن الجوزي) وهذا يلزمه أن يكون له كيفية أيضا.. وذلك ينقض القول بالتوحيد , وقد استقر أن الماهية لا تكون إلا لمن كان ذا جنس وله نظائر فيحتاج أن يفرد منها ويبان عنها , والحق سبحانه ليس بذي جنس ولا مثل له ولا يجوز أن يوصف بأن ذاته أرادته ومتناهية لا على معنى أنه ذاهب في الجهات بلا نهاية , إنما المراد أنه ليس بجسم ولا جوهر فتلزمه النهاية .
    قال النوبختي : وقد حكى كثير من المتكلمين أن مقاتل بن سليمان ونعيم بن حماد وداود الحواري يقولون إن لله صورة وأعضاء .
    قال المصنف : أترى هؤلاء كيف يثبتون له القدم دون الآدميين ولم لا يجوز عليه عندهم ما يجوز على الآدميين من مرض أو تلف , ثم يقال لكل من ادعى التجسيم بأي دليل أثبت حدث الأجسام فيدلك بذلك على أن الاله هو الذي اعتقدته جسماً محدثاً غير قديم , ومن قول المجسمة : ان الله عز وجل يجوز أن يمس ويلمس , فيقال له : فيجوز على قولكم أن يمس ويلمس ويعانق , وقال بعضهم : أنه جسم هو فضاء والأجسام كلها فيه , وكان بيان بن سمعان يزعم أن معبوده نور كله وأنه على صورة رجل وأنه يهلك جميع أعضائه إلا وجهه.. فقتله خالد بن عبد الله , وكان المغيرة بن سعد العجلي يزعم أن معبوده رجل من نور على رأسه تاج من نور وله أعضاء وقلب تنبع منه الحكمة وأعضاؤه على صورة حروف الهجاء .
    وكان هذا يقول بإمامة محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن , وكان زرارة ابن أعين يقول : لم يكن الباري قادراً حياً عالماً في الأزل.. حتى خلق لنفسه هذه الصفات -تعالى الله عن ذلك- , وقال داود الحوارى : هو جسم لحم ودم وله جوارح وأعضاء وهو أجوف من فمه إلى صدره ومصمت ما سوى ذلك , ومن الواقفين مع الحس أقوام قالوا هو على العرش بذاته على وجه المماسة , فإذا نزل انتقل وتحرك.. وجعلوا لذاته نهاية , وهؤلاء قد أوجبوا عليه المساحة والمقدار , واستدلوا على أنه على العرش بذاته بقول النبي-ص- (ينزل الله إلى سماء الدنيا) , قالوا : ولا ينزل إلا من هو فوق .
    وهؤلاء حملوا نزوله على الأمر الحسي الذي يوصف به الأجسام , وهؤلاء المشبهة الذين حملوا الصفات على مقتضى الحس , وقد ذكرنا جمهور كلامهم في كتابنا المسمى "بمنهاج الوصول إلى علم الأصول" , وربما تخيل بعض المشبهة في رؤية الحق يوم القيامة لما يراه في الأشخاص , فيمثله شخصاً يزيد حسنه على كل حسن.. فتراه يتنفس من الشوق إليه , ويمثل الزيادة فيزداد توقعه ويتصور رفع الحجاب فيقلق , ويتذكر الرؤية فيغشى عليه , ويسمع في الحديث أنه يدني عبده المؤمن إليه فيخايل القرب الذاتي كما يجالس الجنس وهذا كله جهل بالموصوف , ومن الناس من يقول لله وجه هو صفة زائدة على صفة ذاته ]تعالى الله عما يقول الظالمون[ لقوله عز وجل: (ويبقى وجه ربك) , وله يد وله أصبع لقول رسول الله (يضع السموات على أصبع) وله قدم إلى غير ذلك مما تضمنته الأخبار , وهذا كله إنما استخرجوه من مفهوم الحس , وإنما الصواب قراءة الآيات والأحاديث من غير تفسير ولا كلام فيها ]وقد تبين لنا فيما سبق أن هذا هو منهج الإمام أحمد رحمه الله- وقد أثر عن السلف [ وما يؤمن هؤلاء أن يكون المراد بالوجه الذات لا أنه صفة زائدة , وعلى هذا فسر الآية المحققون فقالوا : ويبقى ربك , وقالوا في قوله : (يريدون وجهه) يريدونه , وما يؤمنهم أن يكون أراد بقوله : (قلوب العباد بين إصبعين) أن الأصابع لما كانت هي المقبلة للشيء وأن ما بين الإصبعين يتصرف فيه صاحبها كيف شاء ذكر ذلك لا أن ثم صفة زائدة.
    قال المصنف : والذي أراه السكوت على هذا التفسير أيضا إلا أنه يجوز أن يكون مرادا ولا يجوز أن يكون ثم ذات تقبل التجزىء والإنقسام , ومن أعجب أحوال الظاهرية قول السالمية : أن الميت يأكل في القبر ويشرب وينكح لأنهم سمعوا بنعيم ولم يعرفوا من النعيم إلا هذا ولو قنعوا بما ورد في الآثار من أن أرواح المؤمنين تجعل في حواصل طير تأكل من شجر الجنة لسلموا , لكنهم أضافوا ذلك إلى الجسد .
    قال ابن عقيل : ولهذا المذهب مرض يضاهي الإستشعار الواقع للجاهلية وما كانوا يقولونه في الهام والصدا والمكالمة لهؤلاء ينبغي أن تكون على سبيل المداراة لاستشعارهم لا على وجه المناظرة , فإن المقاومة تفسدهم , وإنما لبّس إبليس على هؤلاء لتركهم البحث عن التأويل المطابق لأدلة الشرع والعقل. فإنه لما ورد النعيم والعذاب للميت علم أن الإضافة حصلت إلى الأجساد والقبور تعريفاً كأنه يقول صاحب هذا القبر: الروح التي كانت في هذا الجسد منعمة بنعيم الجنة معذبة بعذاب النار.
    قال المصنف: فإن قال قائل قد عبت طريق المقلدين في الأصول وطريق المتكلمين فما الطريق السليم من تلبيس إبليس ؟ فالجواب: أنه ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وتابعوهم بإحسان , من إثبات الخالق سبحانه وإثبات صفاته على ما وردت به الآيات والأخبار من غير تفسير ولا بحث عما ليس في قوة البشر إدراكه , وأن القرآن كلام الله غير مخلوق , قال علي كرم الله وجهه: والله ما حكمت مخلوقاً إنما حكمت القرآن وأنه المسموع قوله عز وجل حتى يسمع كلام الله وأنه في المصاحف لقوله عز وجل في رق منشور ولا نتعدى مضمون الآيات ولا نتكلم في ذلك برأينا وقد كان أحمد بن حنبل ينهي أن يقول الرجل لفظي بالقرآن مخلوق أو غير مخلوق لئلا يخرج عن الاتباع للسلف إلى حدث
    والعجب ممن يدعي اتباع هذا الإمام ثم يتكلم في المسائل المحدثة أخبرنا سعد الله بن علي البزار نا أبو بكر الطريثيثي نا هبة الله بن الحسن الطبري نا أبو حامد أحمد بن أبي طاهر الفقيه نا عمر بن أحمد الواعظ ثنا محمد بن هرون الحضرمي ثنا القاسم بن العباس الشيباني ثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال أدركت تسعة من أصحاب رسول الله يقولون من قال القرآن مخلوق فهو كافر وقال مالك بن أنس من قال القرآن مخلوق فيستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه
    أخبرنا أبو البركات بن علي البزار نا أحمد بن علي الطريثي نا هبة الله الطبري ثنا محمد بن أحمد القاسم ثنا أحمد بن عثمان ثنا محمد بن ماهان ثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن جعفر بن برقان أن عمر بن عبد العزيز قال لرجل وسأله عن الأهواء فقال عليك بدين الصبي في الكتاب والإعرابي وإله عما سواهما قال ابن مهدي وثنا عبد الله بن المبارك عن الأوزاعي قال قال عمر بن عبد العزيز إذا رأيت قوماً يتناجون في دينهم بشيء دون العامة فاعلم أنهم على تأسيس ضلالة أخبرنا محمد بن أبي القاسم نا أحمد بن احمد نا أبو نعيم الحافظ ثنا محمد بن أحمد بن الحسن ثنا بشر بن موسى ثنا خلاد بن يحيى عن سفيان الثوري قال بلغني عن عمر أنه كتب إلى بعض عماله أوصيك بتقوى الله عز وجل واتباع سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وترك ما أحدث المحدثون بعده بما قد كفوا مؤنته واعلم أن من سن السنن قد علم ما في خلافها من الخطأ والزلل والتعمق فإن السابقين الماضين عن علم توقفوا وتبصر ناقد قد كفوا وفي رواية أخرى عن عمر وأنهم كانوا على كشف الأمور أقوى وما أحدث إي من اتبع غير سبيلهم ورغب بنفسه عنهم لقد قصر دونهم أقوام فخفوه وطمح عنهم آخرون فعلوه .
    أخبرنا محمد بن أبي القاسم نا أحمد بن احمد نا أحمد بن عبد الله الحافظ ثنا سليمان بن أحمد ثنا بشر بن موسى ثنا عبد الصمد بن حسان قال سمعت سفيان الثوري يقول عليكم بما عليه الحمالون والنساء في البيوت والصبيان في الكتاب من الإقراء والعمل..
    قال المصنف فإن قال قائل هذا مقام حجر لا مقام الرجال فقد أسلفنا جواب هذا وقلنا إن الوقوف على العمل ضرورة لأن بلوغ ما يشفي العقل من التعليل لم يدركه من عاص من المتكلمين في البحار فلذلك أمروا بالوقوف على الساحل كما ذكرنا عنهم ".اهـ .
    وقال أيضاً(كما في دفع شبه التشبيه) :
    " وقد وقع غلط المصنفين الذين ذكرتهم في سبعة أوجه:
    أولها: أنهم سموا الاخبار أخبار صفات ، وإنما هي إضافات وليس كل مضاف صفة ، فإنه قال سبحانه وتعالى : ( ونفخت فيه من روحي ) وليس لله صفة تسمى روحا ، فقد ابتدع من سمى المضاف صفة .
    والثاني : أنهم قالوا : هذه الاحاديث من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله تعالى . ثم قالوا : نحملها على ظواهرها ، فواعجبا !! ما لا يعلمه إلا الله أي ظاهر له . . ؟ ! وهل ظاهر الاستواء إلا القعود ، وظاهر النزول إلا الإنتقال .
    والثالث : أنهم أثبتوا لله تعالى صفات ، وصفات الحق لا تثبت إلا بما يثبت به الذات من الادلة القطعية .
    وقال ابن حامد : من رد ما يتعلق به بالاخبار الثابتة فهل يكفر ؟ على وجهين ، وقال : غالب أصحابنا على تكفير من خالف الاخبار في الساق والقدم والاصابع والكف ونظائر ذلك وإن كانت أخبار آحاد لأنها عندنا توجب العلم. قلت : هذا قول من لا يفهم الفقه ولا العقل .
    والرابع : أنهم لم يفرقوا في الاحاديث بين خبر مشهور كقوله : " ينزل إلى السماء الدنيا " , وبين حديث لا يصح كقوله : " رأيت ربي في أحسن صورة " بل أثبتوا بهذا صفة وبهذا صفة .
    والخامس : أنهم لم يفرقوا بين حديث مرفوع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وبين حديث موقوف على صحابي أو تابعي ، فأثبتوا بهذا ما أثبتوا بهذا .
    والسادس : أنهم تأولوا بعض الالفاظ في موضع ولم يتأولوها في موضع آخر كقوله : " من أتاني يمشي أتيته هرولة " . قالوا : هذا ضرب مثل للإنعام . وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه قال : " إذا كان يوم القيامة جاء الله يمشي " فقالوا : نحمله على ظاهره ...
    قلت : فواعجبا ! ! ممن تأول حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يتأول كلام عمر بن عبد العزيز .
    والسابع : أنهم حملوا الاحاديث على مقتضى الحس فقالوا : ينزل بذاته وينتقل ويتحرك ، ثم قالوا : لا كما يعقل . فغالطوا من يسمع فكابروا الحس والعقل فحملوا الاحاديث على الحسيات ، فرأيت الرد عليهم لازما لئلا يتسب الامام إلى ذلك ، وإذا سكت نسبت إلى اعتقاد ذلك ، ولا يهولني أمر عظيم في النفوس لأن العمل على الدليل ، وخصوصا في معرفة الحق لا يجوز فيه التقليد" انتهى كلام ابن الجوزي . ]وقد تقدم قول أحمد بن حنبل في هذا : من ضيق علم الرجل أن يقلد في اعتقاده رجلاً [
    وكذلك كان الإمام ابن عقيل الحنبلي شيخ الحنابلة في زمانه من أهل التنزيه , حيث يقول :
    " تعالى الله أن يكون له صفة تشغل الأمكنة , هذا عين التجسيم , وليس الحق بذي أعضاء وأبعاض يعالج بها..." انتهى المقصود . (دفع شبه التشبيه) .
    وقال الإمام ابن عقيل في حديث النبي صلى الله عليه وسلم - لقد عجب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة ) :
    " العُجْب في الأصل .. استغراب الشيء , وذلك يكون من عِلْمِ ما لم يعلم , وإلا فكل شيء أنس به لا يتصور العجب منه , فإن الإنسان إذا رأى حجر المغناطيس يجذب الحديد ولم يكن رآه من قبل ذلك عجب , والباري سبحانه لا يعزب عن علمه شيء أعجبه فعله , وكذلك الضحك لا يصدر إلا عن راضٍ , ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم ( لله أفرح بتوبة عبده...) أي رضي , ومنه قوله تعالى (( كل حزب بما لديهم فرحون )).. أي راضون ."(دفع شبه التشبيه)
    وقال الإمام عبد الباقي الحنبلي (كما في العين والأثر في عقائد أهل الأثر) : "... كما اشتهر من جواب أبي علي الحسين بن الفضل البجلي عن الاستواء , فقال لا نعرف أنباء الغيب إلا ما كشف لنا , وقد أعلمنا جل ذكره أنه استوى على عرشه ولم يخبر كيف استوى , ومن اعتقد أن الله مفتقر للعرش أو لغيره من المخلوقات.. أو أن استواءه على العرش كاستواء المخلوقات على كرسيه فهو ضال مبتدع , فكان الله ولا زمان ولا مكان , وهو الآن على ما عليه كان..". (وفي هذا تنزيه لله عن المكان)
    وسأنقل لك مقتطفات من كلام الإمام ابن عبد البر , لأن كثيراً من المجسمة يحتجون به ويتبجحون بكلامه , فأسأل الله أن يكون كلامه هذا مقبولاً عند من يقرؤه من طائفة المشبهة وأن يكون سبباً في رجوعهم إلى الحق , حيث يقول (كما في التمهيد): " وليس مجيئه حركة ولا زوالاً ولا انتقالاً ، لأن ذلك إنما يكون إذا كان الجائي جسماً أو جوهراً ، فلما ثبت أنه ليس بجسم ولا جوهر ، لم يجب أن يكون مجيئه حركة ولا نقلة ، ولو اعتبرت ذلك بقولهم : جاءت فلاناً قيامته ، وجاءه الموت ، وجاءه المرض ، وشبه ذلك ، مما هو موجود نازل به ، ولا مجيء ، لبان لك ، وبالله العصمة والتوفيق ".
    وقال رحمه الله في كتابه التمهيد رداً على من فسر حديث النزول بنزول الذات : "ليس هذا- يعني قول من قال ينزل بذاته - بشيء عند أهل الفهم من أهل السنة لأن هذا كيفية وهم يفزعون منها.."
    وقال رحمه الله في شرحه لحديث ( ما من عبد يتصدق بصدقة من كسب طيب إلا كأنما وضعها في يد الرحمن ، فيربيها كما يربي أحدكم فلوه وفصيله ) ... قال : " وروى معمر عن أيوب عن القاسم بن محمد عن أبي هريرة قال : إن الله يقبل الصدقة إذا كانت من طيب ويأخذها بيمينه .. وأما قوله : يأخذها بيمينه ، فهذا مجاز وحسن عبارة عن قبول الله تعالى للصدقة ، ومعنى أخذ الله لها ، قبوله تبارك وتعالى ، لا يشبهه شيء ، وليس كمثله شيء ، وهو السميع العليم" .
    وقال أيضاً في الإستذكار : "باب ما جاء في صلاة الليل ، وعند شرحه لحديث النبي صلى الله عليه وسلم إن الله لا يمل حتى تملوا قال : أي من مل فقطع عمله ، انقطع عنه الجزاء ، ومعلوم أن الله عز وجل لا يمل سواء مل الناس أو لم يملوا ، ولا يدخله ملال في شيء من الأشياء ، جل عن ذلك وتعالى علوا كبيرا ، وإنما جاء لفظ هذا الحديث على المعروف من لغة العرب ، فإنهم إذا وضعوا لفظا بإزاء لفظ جوابا له أو جزاء ذكروه بمثل لفظه وإن كان مخالفا له في معناه.."
    وقال أيضاً : " وقد قالت فرقة منتسبة إلى السنة : إنه ينزل بذاته ! ، وهذا قول مهجور ، لأنه تعالى ذكره ليس بمحل للحركات ولا فيه شيء من علامات المخلوقات.. "
    وها هو أبو بكر الإسماعيلي رجل آخر من أهل الحديث, ينفل لنا عقيدة أهل الأثر وأئمة الحديث ويقول (كما جاء في اعتقاد أئمة الحديث) :
    " ولا يعتقد فيه الأعضاء، والجوارح، ولا الطول والعرض، والغلظ، والدقة، ونحو هذا مما يكون مثله في الخلق، وأنه ليس كمثله شيء تبارك وجه ربنا ذو الجلال والإكرام."
    وهذا خلاف لمن ينسبون الجوارح والأعضاء لله - جل وعلا - ثم يدّعون بأنهم على عقيدة الإمام أحمد وهو بريء منهم .
    وقال أيضاً (كما جاء في اعتقاد أئمة الحديث) :
    " ويعتقدون ( أي أئمة الحديث ) جواز الرؤية من العباد المتقين لله عز وجل في القيامة ، دون الدنيا ، ووجوبها لمن جعل الله ذلك ثواباَ له في الآخرة ، كما قال : { وجوه يومئذِ ناضرة إلى ربها ناظرة } وقال في الكفار : { كلا إنهم عن ربهم يومئذِ لمحجوبون } فلو كان المؤمنون كلهم والكافرون كلهم لا يرونه ، كانوا جميعا عنه محجوبين ، وذلك من غير اعتقاد التجسيم في الله عز وجل ولا التحديد له ، ولكن يرونه جل وعز بأعينهم على ما يشاء هو بلا كيف..."
    فهو ينفي ما يثبته المجسمة من الحد والجسمية لله تعالى , فهل آن للمجسمة أن يعودوا إلى منهج أهل السنة والجماعة ويتركوا التشبيه القبيح ؟!
    تابع ..

    تعليق

    • عثمان مصطفى البوريني
      طالب علم
      • Jul 2007
      • 5

      #3
      يتبع ...
      تابع ....
      وسنأخذ الآن منهج رجل آخر من أتباع الإمام أحمد وهو من السلف.. ألا وهو أبو محمد بن قتيبة, ولا نريد أن نأخذ جميع أقواله خشية التطويل , ولكننا نستطيع أن نأخذ مقتطفات من أقواله بما يدل على المطلوب.. والله المستعان .
      يقول ابن قتيبة -رحمه الله- (كما في تأويل مختلف الحديث):
      " قالوا حديث في التشبيه، قالوا: رويتم عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: عجب ربكم من إلكم وقنوطكم وسرعة إجابته إياكم، وضحك من كذا.. وإنما يعجب ويضحك من لا يعلم ثم يعلم فيعجب ويضحك.
      قال أبو محمد: ونحن نقول إن العجب والضحك ليس على ما ظنوا , وإنما هو على حل عنده كذا بمحل ما يعجب منه وبمحل ما يضحك منه.. لأن الضاحك إنما يضحك لأمر معجب له , ولذلك قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- للأنصاري الذي ضافه ضيف وليس في طعامه فضل عن كفايته فأمر امرأته بإطفاء السراج ليأكل الضيف وهو لا يشعر أن المضيف له لا يأكل (لقد عجب الله تعالى من صنيعكما البارحة).. أي حل عنده محل ما يعجب الناس منه , وقال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: " وإن تعجب فعجب قولهم " لم يرد أنه عندي عجب وإنما أراد أنه عجب عند من سمعه "
      فها هو الإمام الثقة ابن قتيبة الحنبلي السلفي يصرف اللفظ عن حقيقته ويؤوّل العجب إلى محل ما يعجب منه.. ويؤول الضحك إلى محل ما يضحك منه , فهل أصبح ضالاً بهذا القول وهو من السلف! ثم يأتي من يقول إن الله يضحك حقيقة ويقول أنا سلفي على منهج السلف!!! وأي سلف هؤلاء الذين تزعم أنك على منهجهم ثم تخالفهم ؟!...
      وقال أيضاً ( المصدر السابق) :
      " قالوا حديث في التشبيه، قالوا رويتم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( لا تسبوا الريح فإنها من نفس الرحمن) وينبغي أن تكون الريح عندكم غير مخلوقة لأنه لا يكون من الرحمن جل وعز شيء مخلوق.
      قال أبو محمد: ونحن نقول إنه لم يرد بالنفس ما ذهبوا إليه , وإنما أراد أن الريح من فرج الرحمن عز وجل وروحه , يقال اللهم نفس عني الأذى , وقد فرج الله عن نبيه صلى الله عليه وسلم بالريح يوم الأحزاب وقال تعالى: " فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها " وكذلك قوله : إني لأجد نفس ربكم من قبل اليمن.
      قال أبو محمد: وهذا من الكناية , لأن معنى هذا أنه قال: كنت في شدة وكرب وغم من أهل مكة ففرج الله عني بالأنصار يعني أنه يجد الفرج من قبل الأنصار وهم من اليمن , فالريح من فرج الله تعالى وروحه كما كان الأنصار من فرج الله تعالى.."
      فقد أول رحمه الله (نفس الرحمن) بفرج الرحمن ورَوْحِه..
      وقال أيضاً (المصدر السابق) :
      " قالوا حديث في التشبيه، قالوا: رويتم أن ابن عباس قال: الحجر الأسود يمين الله تعالى في الأرض يصافح بها من شاء من خلقه.
      قال أبو محمد: ونحن نقول إن هذا تمثيل وتشبيه , وأصله أن الملك كان إذا صافح رجلاً قبّل الرجل يده , فكأن الحجر لله تعالى بمنزلة اليمين للملك تستلم وتلثم . وبلغني عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: إن الله تبارك وتعالى حين أخذ الميثاق من بني آدم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا: بلى , جعل ذلك في الحجر الأسود وقال: أما سمعتم إذا استلموه يقولون إيماناً بك ووفاء بعهدك , أي قد وفينا بعهدك إنك أنت ربنا. وذلك أن الجاهلية قد استلموه وكانوا مشركين لم يستلموه بحقه لأنهم كانوا كفاراً."
      وقال أيضاً (المصدر السابق):
      " قالوا حديث في التشبيه، قالوا: رويتم عن أبي ذر وأبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (يقول الله عز وجل: من تقرب إلي شبراً تقربت منه ذراعاً,ومن تقرب مني ذراعاً تقربت منه باعاً , ومن أتاني يمشي أتيته هرولة.)
      قال أبو محمد: ونحن نقول إن هذا تمثيل وتشبيه, وإنما أراد من أتاني مسرعاً بالطاعة أتيته بالثواب أسرع من إتيانه , فكنى عن ذلك بالمشي وبالهرولة , كما يقال فلان موضع في الضلال والإيضاع سير سريع.. لا يراد به أنه يسير ذلك السير وإنما يراد أنه يسرع إلى الضلال , فكنى بالوضع عن الإسراع. وكذلك قوله: " والذين سعوا في آياتنا معاجزين " والسعي: الإسراع في المشي , وليس يراد أنهم مشوا دائماً وإنما يراد أنهم أسرعوا بنياتهم وأعمالهم والله أعلم."
      فها هم أعلام المذهب الحنبلي وأئمة الأثر أتباع الإمام أحمد وأساطين أهل الحديث ينزهون الله تعالى عن مشابهة المخلوقات , فمال المشبهة لا يعقلون حديثاً...
      والمشبهة في كل زمان ومكان يحاولون أن يظهروا للناس أنهم على عقيدة السلف وأنهم أهل الأثر أتباع الإمام أحمد , فلذلك يسمون أنفسهم في هذا الزمان بالسلفيين وهم أبعد ما يكونون عن السلف الصالح , ولكنهم في الحقيقة امتداد لطائفة المشبة والمجسمة القديمة.. التي حذر منها علماء الأمة الأقدمون , فباسم السلف راجت سوقهم وانتشرت بضاعتهم بين العوام وصغار طلبة العلم والسذج , وباسم السلف طعنوا في أساطين العلماء أئمة الأمة كالإمام أبي حنيفة والترمذي والنووي وابن حجر العسقلاني والغزالي والرازي والنسفي وابن كثير وابن الجوزي وغيرهم كثير, فأخذوا يفسقونهم ويلمزونهم بالتلميح حيناً وحيناً بالتصريح, وباسم السلف أخذوا يحذرون من اتباع مذاهب أئمة السلف وأئمة الهدى , أما أهل الأثر فهم بريئون من هذه النحلة الخاسرة .. لأن أهل الأثر يثبتون صفاتاً لله وينفون أن تكون كصفات المخلوقين كما سبق , أما المجسمة فإنهم يثبتونها مقطوعة عن سياقها على حقيقتها اللغوية , قال الإمام القرطبي : "وهذه الآية من المشكلات، والناس فيها وفيما شاكلها على ثلاثة أوجه قال بعضهم: نقرؤها ونؤمن بها ولا نفسرها، وذهب إليه كثير من الائمة، وهذا كما روى عن مالك رحمه الله أن رجلا سأله عن قوله تعالى: " الرحمن على العرش استوى " [ طه: 5 ] قال مالك: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والايمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وأراك رجل سوء ! أخرجوه. وقال بعضهم: نقرؤها ونفسرها على ما يحتمله ظاهر اللغة.وهذا قول المشبهة.
      وقال بعضهم: نقرؤها ونتأولها ونحيل (من الإستحالة) حملها على ظاهرها."( انظر تفسير الآية (29) من سورة البقرة) .
      وما نقله القرطبي عن المشبهة هو عين ما يقوله أدعياء السلفية في هذا الزمان , وقد نقل قولاً عن ابن عباس في تفسير الآية (106) من سورة يوسف حيث يقول : " وعنه أيضا (أي عن ابن عباس) أنهم المشبهة، آمنوا مجملا وأشركوا مفصلاً" , وقال الإمام السمرقندي في بحر العلوم :" ثم قال عز وجل : { أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا } يعني : في حوائجكم { أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا } يعني : يعطون بها ويمنعون عنكم الضر { أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا } يعني : عبادتكم { أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ } يعني : دعاءكم وقد احتجت المشبهة بهذه الآية أن من لا يكون له يد ولا رجل ولا بصر لا يصلح أن يكون إلها؟!!! . ولكن لا حجة لهم في ذلك لأن الله تعالى بيّن ضعف معبودهم وعجزهم ، وبيّن أنهم اشتغلوا بشيء لا فائدة فيه ولا منفعة لهم في ذلك ...." , وقال الإمام ابن عادل في تفسيره : " قوله تعالى : { وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُواْ على رَبِّهِمْ } الآية الكريمة [ الأية : 30 ] تَمَسَّكَ بعضُ المُشَبِّهَةِ بهذه الآية ، فقال ظاهرها يَدُلُّ على أن أهل القيامة يَقِقُون عند الله - تبارك وتعالى - بالقُرْبِ منه!!! ، وذلك يَدُلُّ على أنَّهُ تبارك وتعالى بحيث يحضر في مكان تارة ، ويغيب عنه أخرى ، وهذا خطاب؛ لأن ظاهر الآية يدل على أن الله تعالى يوقفُ عليه ، كما يقف أحدنا على الأرْضِ ، وذلك كونه مُسْتَعْلياً على ذات الله تعالى ، وأنه بَاطِلٌ بالاتِّفاق" , وقال أيضاً في تفسيره : " قال ابنُ الخطيب : قالت المشبِّهةُ : لو لم يكن اللَّهُ في العرشِ لكان حملُ العرش عبثاً لا فائدة فيه؟!!!" , "كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً" .
      ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
      (1)- وأهل الأثر هم أتباع الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة.. واسمهم المفوّضة ( أي الذين يفوضون معاني المتشابه من النصوص ) .. وقد بين الإمام السفاريني عقيدتهم في شرحه على منظومته هذه , أما الذين يدّعون بأنهم سلفية في هذا الزمان فليسوا هم الفرقة الأثرية أتباع الإمام أحمد الحقيقيين , بل كان اسمهم المشبهة .. لأنهم لا يفوضون معاني هذه النصوص وكذلك لا يؤولونها بما يقتضي التنزيه ويكون وفق قواعد اللغة العربية وأساليبها.. بل يثبتونها على حقيقتها وظوارها المتبادرة إلى الذهن ..فهم يشبهون الله بخلقه خلافاً للأثرية أتباع الإمام أحمد كابن عقيل والتميمي وابن الجوزي والسفاريني والكرمي وعبد الواحد الحنبلي وعبد الباقي الحنبلي وابن الأثير وابن عبد البر وغيرهم من أئمة الأثرية , وإذا أردت أن تعرف عقيدة الأثرية فارجع الى شرح الإمام السفاريني الأثري على منظومته وإلى كتاب ( أقاويل الثقات ) للإمام مرعي الكرمي الأثري , وإلى كتاب ( دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه ) للإمام ابن الجوزي الأثري في الإنتصار للعقيدة الأثرية والرد على المشبهة , وإلى كتاب (عقيدة الإمام المبجل أحمد بن حنبل) للإمام عبد الواحد التميمي الأثري , فترى بعد ذلك أن أدعياء السلفية ليسوا على عقيدة أهل الأثر وعقيدة الإمام أحمد , وسأبين جزءً من الفرق بين الأثرية والمشبهة في مبحث لاحق إن شاء الله .
      انتهى المقال , وأرجو من الإخوة أن لا يبخلوا علينا بالتعليقات والتصحيحات ..
      وجزاكم الله خيرا , والحمد لله رب العالمين ....

      تعليق

      • عثمان مصطفى البوريني
        طالب علم
        • Jul 2007
        • 5

        #4
        أرجو من الإخوة تصحيح الأخطاء إن وجدت , وتقييم المقال وإبداء الملاحظات والتعليقات , جزاكم الله خيراً ....

        تعليق

        • عثمان مصطفى البوريني
          طالب علم
          • Jul 2007
          • 5

          #5
          ما لكم يا إخوة قد بخلتم علينا بالتصحيحات ...
          أنا لست وهابياً

          تعليق

          • أحمد درويش
            موقوف لأسباب إدارية
            • Feb 2007
            • 893

            #6
            ربنا يفتح عليك

            السيد الحافظ أحمد بن الصديق كان يفوض وأنا* أفوض
            والتأويل من باب الإسعاف لمن يقع فى الإشكال وقد استعاذ من الوقوع فى الإشكالات ولى الله ابن مشيش بقوله من "أوحال التوحيد" إلى "بحر الوحدة" - بفتح الواو

            والسلام

            * لا قيمة لى فوضت أم لا
            حمل مجمع الأحاديث وموسوعة الحافظ عبد الله للبحث الإسلامي الشامل http://www.mosque.com (مجمع الأحاديث) بركة جمع 50000 سنة من أعمال الرواة والحفاظ بركة الحافظ عبد الله حفظه الله ممن يريد يلونه شيعيا إثنا عشريا أو زيديا أو ..فهو إمام أهل السنة والجماعة فى عصره وهذه الموسوعة تختم شخصيته ببركة سنة النبي صلى الله عليه وسلم التى أحياها - نبحث عن وكلاء توزيع مجانا بكل المدن والقرى info@muhammad.com ولا تنس أن تدعوا لشيخي أن يزيده الله عزا وكرامة كل يوم بقبره وأن يرحمنى ويرحمك معه والسلام

            تعليق

            يعمل...