تعليق للشيخ سعيد على القاعدة 85 من قواعد الشيخ زروق

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • أشرف سهيل
    طالب علم
    • Aug 2006
    • 1843

    #1

    تعليق للشيخ سعيد على القاعدة 85 من قواعد الشيخ زروق

    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد أفضل الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد،

    فقد طلب بعض الإخوة أن أعلق على كلام الشيخ زروق رحمه الله تعالى الذي ذكره في القاعدة الخامسة والثمانين، والشيخ زروق من العلماء العظماء الذين تأثرتُ بكتبه التي قرأتها وخاصة كتاب قواعد التصوف فجعلته لي مرشدا ومرجعا أعوِّل عليه.
    ولما كان مجرد التعليق على كلام شيخ وعالم كبير مثل الشيخ زروق شرفا، ولما كان لكلامه فائدة عظيمة غير خافية على كل من يقرأ له، فقد أحببت أن أكتب تعليقا موجزا على الفقرة التي نقلها الأخ الفاضل، لما لها من عُلْقَةٍ بموضوع الكلام، فقد أحببت أن يكون لي شرف توضيح كلام الأخيار للأخيار.

    قال في القاعدة الخامسة والثمانين :
    "التوقف في محل الاشتباه مطلوب كعدمه فيما تبين وجهه من خير أو شر"

    أقول:
    قوله مطلوب يفيد الترجيح، إما الندب أو الوجوب، وكلامه صحيح، فإن الشبهة تدرأ، ولا يخاض فيها إلا بقرينة ودليل، فما دامت موضع شبهة فالأصل الاحتراز عنها واجتنابها. كما أن ما ترجح فيه وجح الحسن والخير فالإقدام فالحكم بحسنه هو الأصل، إما وجوبا أو ندبا أو إباحة على القول بأن الإباحة يقال عليها الحسن.

    قال رحمه الله تعالى:
    "ومبنى الطريق على ترجيح الظنِّ الحسن عند موجبه ، وإن ظهر معارض."اهـ

    أقول:
    إن حصل اختلاف في الحكم على قول أو شخص، لما لكلامه من احتمال، فالأصل العمل بحسن الظنِّ، نعم هذا صحيح، ولكن هذا مبنى الطريق أي طريق التصوف الذي يختاره الشيخ زروق، وليس طريق كل عالم، لما سيذكره من خلاف بعد قليل. فإن العمل بحسن الظنِّ لا يجب بل قد يجوز مجرد جواز خاصة مع ظهور دلالة الكلام على أمر غير صحيح شرعا، فربما يقال إن الأصل العمل بالظاهر خاصة إذا اجتمعت قرائن هذا الظاهر.

    أما كلمة الموجب فإما أن تقرأ بفتح الجيم أو بكسرها، والظاهر هنا الكسر، والمراد به دليل حسن الظن، أي إن ظهر دليل حسن الظن فالأصل العمل به، أما معناها بالفتح فهو ما يوجبه حسن الظن، وما يوجبه حسن الظن يكون بعد حسن الظن لا قبله فلا يقيَّد به.
    وحاصل قول الشيخ زروق: إن ظهر معارض لحسن الظن أو دليله، فالأصل العمل بحسن الظنِّ. ولم يعين الشيخ زروق مستوى المعارض، هل هو مظنون أو موهوم أو مقطوع به، وقد يكون أراد ما سوى القطع، لأنه لا دليل يعارض القطع، فكل ما يعارضه لا دلالة فيه. وأما الظن فقد يعارض الظن، فإن عارضه فإما أن يقال بالتساقط فيعمل بالأصل، أو بالتساوي فيعمل بأي واحد منهما، وهناك تفاصيل يرجع فيها إلى علم الأصول.

    وتعبير الشيخ زروق بالظهور في قوله:"وإن ظهر معارض"اهـ يدل على ما قلناه. وإنما استبعدنا احتمال إرادته للقطع لأن القطع ينبغي ألا يعارضه معارض، ولا حجية لشيء معارض للقطع.

    وقد يكون المعارض موهوما أيضا أي لم يصل إلى مستوى الظنِّ، بل هو دون ذلك، وكلام الشيخ زروق يشتمل عليه قطعا.


    قال الشيخ زروق:
    "حتى قال ابن فورك رحمه الله : الغلط في إدخال ألف كافر بشبهة إسلامه ولا الغلط في إخراج مؤمن واحد بشبهة ظهرت منه."اهـ

    أقول:
    قد يحمل كلام الإمام ابن فورك على ما إذا كانت الشبهة ضعيفة أو معارَضَة بأدلة أقوى منها، أو مساوية لها. ولذلك سماها شبهة ولم يسمها دليلا. فإن كان هذا هو المقصود فنحن معه ونقول بقوله، لأن الأصل هو الحكم بالإسلام وبقاء المسلم على إسلامه. وإخراجه منه هو المحتاج إلى دليل.
    أما إن كان المقصود إنا لا نكفر الواحد ما دام هناك شبهة في إدخاله الإسلام، فهذا يستلزم إمكان ظهور قوله بأقوال الكفر، واحتمال إرادته غيرها مما لا يخالف الإسلام، ولو على سبيل الشبهة الضعيفة، فهذا الرأي يحتمل المعارضة القوية كما لا يخفى.


    قال الشيخ زروق:
    "وشئل الإمام مالك رحمه الله عن أهل الأهواء أكفارٌ هُمْ؟ ، قال : من الكفر هربوا . وأشار عليه الصلاة والسلام بالتوقف في الخوارج بقوله : فيتمارى في الفُوقة ."اهـ

    أقول:
    الفوقة بضم الفاء، فقد قال الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم:
    "فينظر الرامى إلى نصله إلى رصافه فيتمارى في الفوقة وفي الرواية الأخرى ينظر إلى نضيه وفيها ثم ينظر إلى قذذه وفي الرواية الأخرى فينظر في النضى فلا يرى بصيرة وينظر في الفوق فلا يرى بصيرة أما الرصاف فبكسر الراء وبالصاد المهملة وهو مدخل النصل من السهم والنصل هو حديدة السهم والقدح عوده والقذذ بضم القاف وبذالين معجمتين وهو ريش السهم والفوق والفوقة بضم الفاء هو الحز الذي يجعل فيه الوتر والنضى بفتح النون وكسر الضاد المعجمة وتشديد الياء وهو القدح كذا جاء في كتاب مسلم مفسرا وكذا قاله الأصمعى وأما البصير فبفتح الباء الموحدة وكسر الصاد المهملة وهي الشيء من الدم أي لا يرى شيئا من الدم يستدل به على اصابة الرمية قوله صلى الله عليه وسلم."اهـ

    وقد يستدل بهذا الحديث على أن الخوارج لم يعلق بهم شيء من الإسلام كما لا يعلق بالفوقة شيء، وعلى هذا فهم كفار.
    وقد يستدل به على أنه وإن علق بهم أقل شيء منه كما لا يعلق بالفوقة شيء ظاهر إلا أنهم لا يُخرَجون من الإسلام، فهذا هو معنى الاعتماد على أقل شبهة في عدم الحكم بالكفر على أحد.


    قال الشيخ زروق:
    "وقال قوم : ما أدى إليه الاجتهاد جُزم به ، ثم أمر الباطن إلى الله."اهـ

    أقول:
    وهذا الطريق يعتمد القول بالظاهر بحسب الأدلة، ومبناه ترجيح الظاهر المعمول به في الشريعة على الاحتمالات المعارضة من نحو ما ذكر. وهو طريق مبني على قواعد فقهية يمكن ترجيحها أيضا من قبل الفقهاء، ولا يعترض على من قال بها بأنه مخالف لحسن الظن أو مخالف للطريق السابق، لأن أصحاب هذه الطريق يقولون إنه قول بموجَب الدليل الظاهر وهو المعتبر شرعا، فالظهور له الحجية مطلقا، ولا عبرة بمجرد الاحتمال في مقابل الظن الراجح.

    قال الشيخ زروق:
    "فمن ثم اختلف في جماعة من الصوفية كابن الفارض وابن أحلا والعفيف التلمساني وابن ذي سكن وأبي إسحاق التجيبي والششتري وابن سبعين والحاتمي وغيرهم ."اهـ

    أقول:
    أي بناء على ما القاعدة التي سبق ذكرها اختلف في الموقف من جماعة من الصوفية، وقد ذكر أهمهم.

    قال الشيخ زروق:
    "وقد سئل شيخنا أبو عبد الله القوري وأنا أسمع ، فقيل له : ما تقول في ابن عربي الحاتمي ؟ فقال : أعرف بكل فن من أهل كل فن ، فقيل له : ما سألناك عن هذا ، قال : اختلف فيه من الكفر إلى القطبانية ، قيل له : فما ترجح ؟ قال : التسليم .."اهـ

    أقول:
    أما قوله بان ابن عربي أعرف بكل فنٍّ من أهل كل فنٍّ، فلا يسلَّم له، بل لانوافقه على ما قاله، نعم له قدم قوية في العلوم، أما أن يقال إنه أعرف من كل أهل فنٍّ بفنهم، فهذا غير صحيح، وال ظاهر، فليس هو أعرف بالفقة من الإمام الشافعي ولا الإمام مالك، ولا هو أعرف بالفقه ممن هم أقل من هؤلاء شأنا كالإمام الرافعي والنووي ولا من الإمام الجويني والإمام الغزالي. ولا هو أعرف باللغة من سيبويه ولا ممن هو دونه قطعا، ولا هو أعرف من ابن الحاجب ولا من ابن مالك ولا من أبي حيان ولا هو أبرع من الإمام الرازي في أصول الفقه ولا هو أعرف بالكلام من أئمة الكلام كالباقلاني والأستاذ الإسفراييني ، ويمكن الإتيان بالعديد من العلماء في مختلف العلوم الذين هم أعرف بفنهم على سبيل القطع من ابن عربي. ولا هو في الشعر يضاهي كبار الشعراء كالمتنبي وأبي تمام ولا متوسطيهم ولا كثير ممن هم دون ذلك.

    هذا كله على احتمال إرادة مطلق الفنِّ الشامل لكل العلوم إطلاقا عاما، أما إن أراد بالفن بعض أنواع العلوم والمعارف كعلم التصوف مثلاً فيخصص القول فيه على الاحتمالات السابقة.

    وهكذا يمكن أن نأتي بالعديد من الامثلة التي تعارض الإطلاق الذي أطلقه الشيخ أبو عبدالله القوري.
    ولكنا نحمل قوله على ما يحمل عليه نحو هذا الإطلاق من إرادة تعظيم قدره في العلوم ، من دون إرادة حقيقته التي عارضناها، يعني أن الشيخ القوري لا يريد إلا أن يقول إن ابن عربي صاحب معرفة واطلاع ورسوخ في العلوم، دون إرادته إثبات حقيقة الأعرفية له على غيره من أعلام تلك العلوم والفنون.

    ثم قد بين السائل أن ابن عربي قد اختلف فيه من القطبانية إلى الكفر، فمن رجاحة عقل المسئول، وكذلك لم يعترض على السائل الشيخ زروق الذي كان يسمع السؤال، علما منه بوقوع هذا الاختلاف.
    فأما جواب الشيخ القوري، فقد قال إنه يرجح "التسليم"...
    فماذا سلم، هل سلم القطبانية لابن عربي أم سلم الكفر....؟

    إن الشيخ زروق علل قول شيخه الشيخ الفوري، فقال:" قلت : لأن في التكفير خطرا ، وتعظيمه ربما عاد على صاحبه بالضرر من جهة اتباع السامع لمبهماته وموهماته. "اهـ

    معنى كلام الشيخ زروق: إن الشيخ القوري لم يقل بالتكفير لأن في التكفير خطراً، لاحتمال إخراج من هو مسلم من الإسلام، فهذا مشيٌ على الطريقة الأولى التي اختارها الشيخ زروق، بناءً على حُسْنِ الظنِّ. وقد وضحنا هذه الطريقة سابقا.
    ولم يختر الشيخ القوري الجزم بأن ابن عربي من الأقطاب، لأن هذا يستلزم تعظيم ابن عربي، وتعظيمه ربما يؤدي إلى تعظيم ما يقوله ابن عربي مما يوهم خلاف الشريعة، فيعود على صاحبه بالضرر.

    إذن الذي اختاره الشيخ القوري إنما هو تسليم أمر ابن عربي لله تعالى مع عدم تكفيره ولا الحكم بالقطبانية له، مع عدم موافقته لما قاله مما يخالف ظاهره الشريعة...فهذا ما ظهر لنا من معنى كلامه...

    وهذا الموقف هو موقف الشيخ زروق كما هو ظاهر، وهو مشتمل على قدر عظيم من الحكمة والعلم.

    فهذا بعض ما ظهر لنا من بيان عبارة الشيخ زروق في هذه القاعدة، كتبناه على عجلٍ مع انشغال الذهن انشغالا عظيما ببعض الفتن والمحن، داعين الله تعالى أن يكون فيما قررناه فائدة، وأن يفرج عنا وعن سائر المسلمين. آمين.
    والله تعالى أعلم وإليه المصير.



    http://www.aslein.net/showthread.php...0708#post40708
    اللهمَّ أخرِجْنَا مِنْ ظُلُمَاتِ الوَهْمِ ، وأكْرِمْنَا بِنُورِ الفَهْمِ ، وافْتَحْ عَلَيْنَا بِمَعْرِفَةِ العِلْمِ ، وحَسِّنْ أخْلَاقَنَا بالحِلْمِ ، وسَهِّلْ لنَا أبْوَابَ فَضْلِكَ ، وانشُرْ عَلَيْنَا مِنْ خَزَائنِ رَحْمَتِكَ يا أرْحَمَ الرَّاحِمِين
  • محمد نصار
    طالب علم
    • Jan 2005
    • 518

    #2
    كنت سأتجرأ على مقام أستاذنا الشيخ سعيد وأختلف معه في توجيهه لكلام الشيخ زروق وأنا أقول هذا على سبيل أداء الأمانة واتهام النفس.
    ولكن لما عدت إلى تفصيل كلام سيدي زروق في موضع آخر من كتبه وجدته شرح كلام القوري بما يوافق توجيه الأستاذ سعيد حفظه الله. قال سيدي زروق:

    وقد سئل شيخنا أبو عبد الله القوري عن ابن العربي هذا فقال: أَعْرَفُ بكل فن من أهل كل ذي فن. فقيل: ما سألناك عن هذا. فقال: اختلف فيه من الكفر إلى القطبية. قيل له: فما ترجح؟ قال التسليم.
    قلت: لأن التعرض للنكير والتكفير مخطر، وإقامة منصبه [أي القطبانية. نصار] ربما عاد على الجاهل بالضرر، فالتسليم أسلم مـن الجانبيـن. أه

    هذا تفسير الشيخ زروق لكلام القوري وهو أعلم به خاصة وقد سأله مشافهة فقرائن الحال تنبئ عن حقيقة الحال.

    ولكن الشيخ زروقاً قال قبله:

    وقد نسب إلى هذا العلم[لعل صوابها: "القول" لأن الحديث عن الحلول والاتحاد] جماعة من أهل التصوف لظواهر من كلامهم كالحلاج وابن أحلى وابن سويدكين وابن قسي وابن سبعين والششتري والعفيف التلمساني والسُهروردي والأقطع المالقي وابن عربي وابن الفارض، ومن جرى مجراهم.

    وقد شنع ذلك عليهم أبو حيان في تفسيره في تفسيره وسرد أسماءهم في تفسيره المسمى بـ«النهر من البحر» عند قوله تعالى: (وقالت النصارى المسيح ابن الله) (التوبة: ٣٠). قال: «وممن ذهب مذهب النصارى وادعى الإسلام وتستر بالتصوف ظاهراً...»، ثم سرد أسماء من ذكرت وغيرهم، وحلف أنه ما فعل ذلك إلا تحذيراً من الوقوع فيما وقعوا فيه إلى آخر ما ذكر.

    قلت: والذي ينبغي أن يعتمد في ذلك أنهم أهل خصوصية في الدين فيُحمل كلامهم على ما يرجع إلى السنة والجماعة، ويُتعرض له بالرد والقبول من حيث هو ولا يتعرض لمن صدر عند لاحتمال رجوعه عنه، أو أن مراده خلاف ظاهره، فلا يُكَفَّر به ولا يُبَدَّع طلباً للسلامة وحذراً من الأذى بغير حق. ويرحم الله الشيخ أبا بكر بن فورك حيث قال: الغلط في إدخال ألف كافر بشبهة إسلام ولا الغلط في إخراج المسلم بشبهة كفر. وقد قال الفقيه القاضي أبو عبد الله المغربي رحمه الله: الاعتقاد ولاية والاعتراض جناية، فإن عرفت فاتبع وإن جهلت فسلم.

    وسئل النووي عن كلام ابن العربي الحاتمي فأجاب بقوله: الكلام كلام صوفي وتلك أمة قد خلت...

    نعم وقد جرى بحكم سنة الله أن كل من يتكلم في هؤلاء القوم بهذا ونحوه يدركه المقت والضيق والأذى، فسلم تسلم بعد حفظ ما تعرف من عقائد السنة والتمسك بها من غير تعصب ولا إنكار بغير حق، فلا أجهل من متعصب بالباطل ومن منكرٍ لما هو له جاهل. انتهى

    موضع الشاهد من كلامه بالطبع هو قوله: والذي ينبغي أن يعتمد في ذلك أنهم أهل خصوصية في الدين فيُحمل كلامهم على ما يرجع إلى السنة والجماعة، ويُتعرض له بالرد والقبول من حيث هو ولا يتعرض لمن صدر عند لاحتمال رجوعه عنه، أو أن مراده خلاف ظاهره، فلا يُكَفَّر به ولا يُبَدَّع طلباً للسلامة وحذراً من الأذى بغير حق.

    تعليق

    • سعيد فودة
      المشرف العام
      • Jul 2003
      • 2444

      #3
      كنت قد علقت قبل أكثر من عشرة سنوات على القاعدة رقم 85 من قواعد التصوف للشيخ زروق، والتعليق موجود في منتدى الأصلين لمن أحب الاطلاع عليه. وننشر الآن تعليقا على موضع آخر من كلام الشيخ المتشرع الملتزم بقواعد الدين المعتبرة الشيخ زروق، ومن المعلوم أن بعض المتصوفة يعدون الشيخ زروق من ظاهرية الصوفية كناية عن عدم رضائهم كلامه...!؟
      .................................................. .

      تعليق على كلام الشيخ زروق في عدة المريد الصادق

      وقال الشيخ زروق في عدة المريد الصادق: في فصل 77 :
      "في التظاهر بالأمور الغريبة من الشطحات والطامات وغيرها.
      وهي أمور تبدو على أصحاب الأحوال من الصادقين في مبادئ الفتح والتلوين، لا تناهي التمكين فلذلك قيل: التلون مجون، والتمكن معرفة، وأين الحال من الصفة، وغالب أمرها إنما تصدر عمن سلك من طريق العلم أو ريق التجريد، أي: سلك على طريق العمل والتأدب، لأن فيضان نور المعرفة على حسب بساطه، وكل ذلك إناء يرشح بما فيه، وتحقيق ذلك يطول، لكن هذا صوابه.
      لكن هناك طوائف من الناس استظهروا بهذه الأمور عن حقائقهم:
      -إما لغلبة وارد فمعذورون بالغلبة غير مقتدى بهم، وهو حال الغالب، كالحلاج ومن جرى مجراه.
      -وإما للتنبيه على موارد الواردات كحال الحاتمي ومن جرى مجراه، ولا عذر له في ذلك، إلا من حيث إنه يقول: إنما تكلمت بخاص في خاص، يفهم ما أريد مما أوردُ، ولكل قوم اصطلاح، والعبارة تقريب لمن يفهم المقصود، ولو بالنقيض، فيبقى عليه حفظ الربوبية والنبوءة في التوقيعات.
      فيقول: قد عرف ذلك من أصل مذهبنا، والألفاظ مؤديات وقد أدت أعظم مما يبدي المنكر من التعظيم لأهله، كما أشار إليه ابن الفارض
      وعنى بالتلويح يفهم ذائق=وغنى عن التصريح للمتعنت
      فيجاب عن ذلك: بأن التوقير واجب ظاهرا كوجوبه باطناً، وغلبة الحال لا يتعرض لها بغير نفي الاقتداء، فلا يجوز لأحد أن ينقل كلامهم ولو فهمه، إلا على وجه لا يصح فيه نقد، لاتساع نظر الناس اليوم في الطريق، وتداولها الجاهل والعالم وإسراع النفوس لاعتقاد ظاهرها، أو أن من ينقلها معتقد ذلك، وكل من أولع بذلك وجعله هجيراه، فالفلاح منه بعيد.
      وقد سئل شيخنا أبو عبدا لله محمد بن القاسم القوري رضي الله عنه، عن ابن العربي الحاتمي فقال: أعرف بكل فنٍّ من أهل كل فنّ، فقيل له: ما سألناك عن هذا، قال اختلف فيه من الكفر إلى القطبانية، قيل له: فما ترجح. قال التسليم.
      قلت: وذلك لأن ظهوره بترجيحه ربما أغرى الضعفاء على اتباعه، والاغتناء به فهلكوا، والتعرض للتكفير خطر من حيث إخراج مسلم بشبهة.
      وقد قال الشيخ أبو بكر بن فورك رضي الله عنه: الغلط في إدخال ألف كافر بشبهة الإسلام أولى من إخراج مسلم بذلك. ذكره في الشفاء فانظره.
      ولقد رأيت من الناس كثيراً لا يرون الفقير إلا من يستظهر بذلك، ومن يحفظ حرمة الله ورسوله يسمونه يابساً، ويقولون: لا خير عنده، وهو لو فتح باب الكلام في حقائق الحقائق ما شموا له رائحة، أعاذنا الله مما ابتلاه به بمنه وكرمه"اهـ.
      [انظر: عدة المريد الصادق، ص239-240].
      أقول: ومن المعلوم مكانة الشيخ زروق بين الصوفية، فهي مكانة عظيمة معروفة، وإن كان بين المتصوفة من يصفونه بأنه من ظاهرية الصوفية، فكلامه المتقيد بالشريعة لا يرضون به، وطريقته المضبوطة لا تعجبهم، ولعلنا نكتب في ذلك مقالاً.
      وما نريد التركيز عليه، ولفت أنظار القراء المهتمين إليه، هو كيفية معالجته لما صدر من طائفتين من الصوفية:
      الطائفة الأولى التي صدرت على ألسنتهم كلمات إشكالية
      كمثل الحلاج الذين غلبهم الحال، فصدرت عنهم كلمات، حملها كثير من الأعلام على حسن الظنّ، لأنها بناء على غلبة الحال، لم تجر على ألسنتهم ليبنوا مذهبا في مقابل مذهب أهل السنة، يخالفونهم فيه في القواعد الأساسية، بل إننا نحسن الظنّ فيهم، لما ذكره العلامة الشيخ زروق. ولذلك حكم عليهم بأنهم معذورون، أي نعذرهم لصدور ذلك عنهم لغلبة الحال، وعدم قصد المعاني الظاهرة من كلماتهم المخالفة في ظاهرها للشريعة، وإن أمكن تأويلها، ولكن الكلام على ظاهر الكلام.
      فإن كانوا معذورين، من حيث صدور الكلام عنهم، فهل يجوز لغيرهم نقل هذا الكلام وحكايته على سبيل الموافقة، أو نشره بين الناس وخصوصا العوام، لتنتج إشكالات:
      -فبعضهم قد يفهم منها المعنى الظاهر، وهو مخالف كما تعلم، فإن اتبعه العامي ضلَّ فيكون إطلاع العوام عليه ونشره بينهم سببا في ضلالهم.
      -وبعضهم قد يتعذر عليه فهمه أو قد يفهمه ولكن يتعذر عليه الخضوع له لما يشعر به من مخالفة الشريعة! فيقع في حيرة، ويشرع إما في طلب التأويل وسيكون بعيداً، ويعسر علهيهم فهمه كما عسر عليهم فهم أصله، أو يشرع في الحكم على من قاله بمقتضاه الظاهر، وهو ما لا يحسن أيضا نشره بين العوام.
      فهذا هو حكم الشيخ زروق من أمثال الحلاج الذين يجري على السنتهم كلمات لغلبة الحال.

      الطائفة الثانية التي صدر عنها كلام إشكاليٌّ
      وهذا النوع هو الذي تكلم بأمثال هذه الكلمات قاصدا تأسيسها، والتنظير لها، كما فعل الحاتميّ، وهذا المعنى الذي يظهر لنا من قول الشيخ زروق :"للتنبيه على موارد الواردات"اهـ، أي محاولة تفسيرها وتعليلها، وهذا يعطي لها مشروعية وقاعدة نظرية لقبولها على ما هي من ظاهر فاسد أو محل إشكال على أقل تقدير.
      ومن كان هذا حاله فقد حكم عليه الشيخ زروق بأنه: "لا عذر له في ذلك، إلا من حيث يقول: إنما تكلمت بخاص في خاص، يفهم ما أريد مما أرود، ولكل قوم اصطلاح...الح" اهـ.
      أي إن الأصل أن من يتكلم نحو كلام ابن عربي فهو غير معذور، ولا ابن عربي معذور أيضا.
      ولكن قد يتعلل ابن عربي ومن يتابعه، بأن كلامهم هذا ما قصدوا به إلا الكلام لخاصة الناس، لا لعامتهم، ويقولون إن هؤلاء الخاصة يعرفون اصطلاحنا ولا يترتب على ذلك ما تخاف منه من المفاسد.
      ولكن الشيخ زروق يقول مع ذلك: إنهم مع احتجاجهم بهذا القول، إلا أنه يبقى عليهم توقير ظاهر الشريعة، كما يجب عليهم توقير باطن الشريعة، وما يقولونه من كلام محل إشكال، ليس فيه توقير ظاهر الشريعة، هذا إن سلمنا أنه موافق للشريعة في الباطن! وهذا محل دعوى قد لا تسلم عند الأكثرين كما هو ظاهر.
      فيبقى الاستنكار على أمثال ابن عربي متوجهاً على رأي الشيخ زروق.
      هل يسوغ نشر هذا الكلام بحجة غلبة الحال؟
      وإذا قيل: إنما أشعنا ذلك وأظهرناه لغلبة الحال، ولم نكن في ذلك مختارين راغبين بأن يطلع العوام والخواص على كلامنا!
      وأجابهم الشيخ زروق بقوله: حتى لو سلمنا أن ذلك الكلام الذي ظاهره باطل درى عليهم لغلبة الحال، كما قلتم! إلا أننا ينبغي أن نلتزم في هذه الحال أن جريان ما ظاهره مخالف للشريعة لغلبة الحال لا يصحح لغيرهم نقله، ولا الاقتداء بهم فيه! والذي نراه أن كثيرين من أتباعهم يقررون كلامهم، ولا يلتفتون أصلا إلى هذا الاعتذار المذكور، فلا يقولون: إن ذلك الكلام كان لغلبة حال، بل كثير منهم يقول: إن ما تنكرون ظاهره بحجة أنه مخالف للشريعة هو في الحقيقة الحق الصريح الذي لم تكسف عنه عقولكم ولا نفوسكم المحجوبة، ولما ظهرت لأمثال الصناديد من العرفاء الكاملين كابن عربي، وجب علينا نشر ما قرره من درر ونفائس ونشره بين الناس كلما استطعنا ذلك، نعم لو رأينا أن الناس غلب عليهم الرفض والاستنكار، فلنا عذر عدم نشره إلى حين تغير الأحوال.
      الإشكال وقع أصلا في معاني كلامهم لا في نياتهم ومقاصدهم
      وهذا الطريق لا يخفى أنه غير مرضي عند أهل الشريعة، لأن الخلاف أصلا جرى في معاني كلامهم الظاهرة منه، وأنها مخالفة للشريعة ولذلك جرى عليهم الإنكار، وبعض أهل العلم الذين يحسنون الظن بهم ادعوا أنه مدسوس عليهم، وبعضهم قال لا بد من تأويله ليصبح موافقا للشريعة، وهكذا، فكل هذه المسالك متفقة أصلا على مخالفة الظاهر منه للشريعة كما لا يخفى، فأن يقول أتباع هؤلاء إن هذا الظاهر هو عين الحق والصدق، ولا علينا إن نشرناه وأعلنا عنه كلما سنحت لنا الظروف، هذا التصرف قلب للحقائق وإعلان ظاهر بمخالفة أهل الحقّ.
      حالة نقل كلامهم على وجه لا يصح في نقدٌ
      وهناك حالة أخرى جوز الشيخ زروق نشر كلامهم عندها، وهي الحالة هي أن يكون النقل والكلام "على وجه لا يصح فيه نقد" أي لا يكون له ظهور في مخالفة الشريعة ومذهب أهل الحق. وهذا شرط ظاهر سببه، ولكنا نعلم أن نقل كلامهم مقيدا بهذا لشرط عسر جدا إن لم يكن محالا، لأنه لو أمكن ذلك فمعناه إمكان التأويل له عن قربٍ، وهل الاختلاف إلا في ذلك!
      والشيخ زروق علل اشتراطه لهذا الشرط بقوله: "لاتساع نظر الناس اليوم في الطريق، وتداولها الجاهل والعالم وإسراع النفوس لاعتقاد ظاهرها، أو أن من ينقلها معتقد ذلك"اهـ. ولعمر الحق إن هذا الكلام يدل على صدق الشيخ زروق والتزامه العظيم بالشريعة، وهذا هو التصوف الحق الذي نؤيده ونعمل جهدنا على نشره ولقت أنظار الناس إليه.
      الأمور الباطلة التي تترتب على نقل كلامهم والسكوت عليه أو المنع من نقده!
      فكثير من الناس في زمان الشيخ زروق كما هم في زماننا تسارع أوهامهم إلى التقاط هذه المعاني الباطلة، لأسباب ليس هذا المحل مناسبا لذكرها، ولكن منها أن هذه لنفوس تلتف إلى الغرائب، وتحسب أن في كل أمر غريب دلالة على صدقه وحقيته فتسارع إلى التقاطه والتمسك به واتهام الآخرين الرافضين له بالقصور في النظر، وعدم القدرة على العدل وضيق الصدر عن الآخرين! إلى غير تلك التهم الجاهزة.
      وبعض الناس يحسب ان من ينقل هذا الكلام الذي ظاهره مخالف للشريعة معتقد به، لكفاية النقل عنده من غير اعتراض على الرضا من الناقل، وهو مسلك ظاهر مسوغ كما ترى في عرف الناس، وإلا فلو كان معارضا لما ينقله للفت النظر إليه فساده ولو بكلمة. فإن لم يفعل عدَّ الناس هذا المنقول مذهبا له، فإن كانوا يحسنون الظن بالناقل ربما تابعوه في اعتقاد ما ينقله، وهذا هو الذي يحذرنا منه الشيخ زروق.
      حكم الشيخ زروق على من جعل ذلك الكلام هجيراه، هل يفلح؟
      ويبالغ الشيخ زروق فينقل لنا حالة رآها في زمانه وهي بصورة أعظم وأجلى متحققة في زماننا، فقال: "وكل من أولع بذلك وجعله هجيراه، فالفلاح منه بعيد". اهـ. على هذا الكلام المنور، الدال على سلامة البصيرة وسدادها، والتزام ظاهر وباطن بالشريعة.
      إن الشيخ زروق يحلل أحوال الناس كما ترى، بحكمة بالغة ودقة متناهية، فيقرر أنه إذا عرف أن هذه الظواهر التي نحن في صدد الكلام عليها وتحليل عوارضها، وما يدور حولها من إشكالات، إذا عرف أنها باطلة أو مخالفة للشريعة، فوجدنا بعض الناس مع ذلك يبالغ في الحرص عليها، وتأكيدها ومحاولة ترويجها، والتشنيع على كل من ينكرها على قائلها، أو ناقلها بلا اعتراض! فلنعلم أن هؤلاء الناس الذين هذا حالهم قد أن يفلحوا! والفلاح هنا هو التزام الطريق الحق من فهم الشريعة، وترتب النتائج المؤيدة للإسلام والتزام أحكام الله تعالى، والفلاح هنا هو النجاح باعتبار مذهب أهل الحق، وهذا لا يكون إلا بالتزام الفهم الصحيح للإسلام، والشيخ زروق يحكم على يبالغ بالتقاط تلك العبارات والترويج لها، وأولع بها انه لا يفلح أو أن الفلاح منه بعيد.
      ذكر قصة الشيخ القوري والتعليق عليها مرة أخرى
      ثم ذكر الشيخ زروق قصة شيخة القوري مع الذي سأله عن ابن عربي، فقال: "وقد سئل شيخنا أبو عبد الله محمد بن القاسم القوري رضي الله عنه، عن ابن العربي الحاتمي فقال: أعرف بكل فنٍّ من أهل كل فنّ، فقيل له: ما سألناك عن هذا، قال اختلف فيه من الكفر إلى القطبانية، قيل له: فما ترجح. قال التسليم". اهـ
      أقول: أما مقولة أن ابن عربي أعرف بكل فنٍّ من أهله، فقد مضى التعليق عليها، فلا نعيد.
      وقوله إن ابن عربي اختلف فيه من الكفر إلى القطبانية، لا بد من ملاحظة أن هذا الاختلاف اختلاف بين المعتبرين في العلم، وليس اختلافا بين عامة الناس، فإنه غير معتبر. وأهل العلم عندما يقول بعضهم فيه إنه كافر أو قال بقول كفر، لا يصح لمن يسمعه أن يستخف بهذا القول الصادر عن أهل العلم، ولا يصح له أن يتجاهله كأنه لم يكن، وكذلك، عندما يسمع قول أه العلم يصفونه بالقطبانية فكذا لا يصح للسامع أن يستهين بذلك، بل عليه أن يعرف أن هؤلاء الذين حكموا عليه بالقطبانية رأوا فيه ما يستحق به هذا الوصف، كما هو حال من قابلهم وأنكر عليه.
      ذكر الاختلاف في الحكم على ابن عربي من دون استنكار على الفريقين
      وعندما نرى الشيخ القوري يذكر هذا الاختلاف بدون استنكار على أي من الفريقين فعلينا أن نعرف أن لكل واحد منهما دليل على ما يقول. إلى درجة أن الشيخ القوري لما يعرفه من مآخذهم مال إلى التسليم، بأن لا يحكم عليه بالقطبانية، ولا بالكفر، فابتعد عن رأيي الفريقين، واختار التسليم، والمراد بالتسليم تسليم الحكم عليه بالقطبانية أو بالكفر لله تعالى، فهو أعلم بحاله.
      بعض الآثار السيئة المترتبة على إظهار الكلام دون نقده مع تحسين الظن بصاحبه
      وقد وافق الشيخ زروق على الاختيار الذي مال إليه القوري، فقال معللا اختيار شيخه: "وذلك لأن ظهوره بترجيحه ربما أغرى الضعفاء على اتباعه، والاغتناء به، فهلكوا فيه، والتعرض للتكفير خطر من حيث إخراج مسلم بشبهة" اهـ. أي إن إظهار ذلك الكلام الذي صدر عن أمثال ابن عربي، وعنه خصوصاً ربما يتسبب في جعل بعض الناس الضعفاء يتبعونه، يحسبون إظهاره علامة على صوابه، والأمر ليس كذلك، ولذلك حكم الشيخ زروق بأن من ساير ابن عربي في هذه الأمور واعتقدوا سلامتها، واعتمدوا عليها في اعتقادهم وطريقهم، فإن مصيرهم الهلاك. والحكم عليهم بالهلاك مبني كما هو ظاهر بأن ما يظهر مما قاله ابن عربي باطل لا يجوز اتباعه فيه.
      نقول ذلك ونبينه لعله يكون حافزا لمن يمنعون الناس من التصريح بالخطأ والانحراف في أقواله، ويدعون أن تخطئته في هذه الأقوال هو قدح في النوايا، وقدح في الأولياء ونحو ذلك، ومن الظاهر أن ذم القول متفق عليه، ولكن محل الإشكال في تعدية حكم القول للقائل كما لا يخفى. فالحكم على القول لا ينبغي لأحد من أهل السنة الاعتراض عليه.
      الميل إلى التكفير فيه خطر
      وبين الشيخ زروق أن الميل نحو التكفير فيه خطر أيضا، لعل هناك ما يمنع التكفير مما لا نعرفه، ولأن الأصل هو الحكم بإسلام هؤلاء الأشخاص. ولكن ذلك كله لا يعني بأي وجه من الوجوه عدم تغليطهم في أقوالهم المنقوله عنهم والموجودة في كتبهم مما يخالف أهل السنة، وقد صار ذلك ظاهراً.
      المنع من التكفير لا يستلزم تصحيح المتابعة ولا المؤازرة ولا تصحيح ترويج تلك الأقوال
      والمنع من التكفير لا يستلزم تصحيح المتابعة ولا المؤازرة ولا تصحيح ترويج أقواله لا باطنا ولا ظاهراً خلافا لما نراه في أيامنا هذه ممن يدعي أنه من العرفاء أو الذين يحسنون الظنّ بالناس، ومن المعلوم أن إحسان الظن بهم لا يستلزم تصحيح أقوالهم محل الإشكال، فمن سار في هذا المسار فليعلم أنه على خطر.
      نقد حال بعض الصوفية الذين لا يحتفون إلا بمن يستظهر بنحو ذلك الكلام الإشكاليّ
      ثم قال الشيخ زروق: "ولقد رأيت من الناس كثيراً لا يرون الفقير إلا من يستظهر بذلك، ومن يحفظ حرمة الله ورسوله يسمونه يابساً، ويقولون: لا خير عنده، وهو لو فتح باب الكلام في حقائق الحقائق ما شموا له رائحة، أعاذنا الله مما ابتلاه به بمنه بمنه وكرمه"اهـ
      سبحان الله كأن الشيخ زروق يصف بعض من في زماننا من المتصوفة الذين يحبون نشر ما يخالف آراء أهل السنة، ويميلون كل الميل إذا أنكر على هذه الكلمات منكرٌ، ولو لم يتعرض لأصحابها، مع أنا رأينا أن هذا طيق معتبر لا يصح الاعتراض عليه.
      إن الشيخ زروق يخبرنا بما هو أكثر من ذلك فيقول: إن بعض الفقراء، أي المتصوفة صاروا لا يحكمون على أحد بانه من الفقراء إلا إذا تظاهر بأمثال هذه الكلمات ونصر أصحابها، وذمَّ من ينتقدها! وهذا المسلك خلاف ما قرره أعلام أهل السنة كما اتضح.
      كثرة من يتظاهر بتلك الأحوال والمعارف الإشكالية وتعديهم على المخالفين لهم بغير حقٍّ
      ويقول الشيخ زروق: لقد صار كثير!! من الناس يحكمون على من يحفظ حرمة الله ورسوله ويسمونه يابساً، هكذا هو تعبير الشيخ زروق، وبعضهم يسميه قشري، لا يعرف إلا القشور، وبعضهم يسميه ظاهريّاً، وبعضهم تعدى لسوء أدبه فحكم عليه بأنه وهابيّ! والحال أنه لم ينادِ إلا بحفظ مقام الشريعة وحفظ حرمة الله ورسوله، أيصح أن يسمى هذا بهذه الأسماء والصفات إلا عند من سفه نفسَه أو استخف بغيره، أو تعصب لمن يقلده بدون دليل ولا بينة إلا بناء على الهوى والتقليد!
      وأيضاً: صار هؤلاء الذين يتشبثون بهذه الكلمات التي يظهر منها ما يخالف الشريعة يحكمون على من نقدهم أو أنكر عليهم بانه لا يأتي منه خير، وينفرون الناسِ منه، وهذا لا يفعله إلا كل متعدٍّ والله تعالى هو حسيبه في الآخرة.
      ويبين الشيخ زروق حقيقة هؤلاء المتعالمين الذين يصفون من حفظ حرمة الله ورسوله بأنهم يابسون فهم لو فتح لهم باب الكلام في حقائق الحقائق ما شموا له رائحة، إذن هم متظاهرون ملبسون.
      تعدي الفقراء (الصوفية) على من ينكر عليهم
      واستباحة دمائهم وأعراضهم والانتصار عليهم بغير حقٍّ
      وقال الشيخ زروق في عدة المريد الصادق ص237: "وقد جرت عادة فقراء هذا الزمان بسب المنكرين والانتصار عليهم من غير حقٍّ، وربما انتهى بهم الأمر إلى حدٍّ يستبيحون به دماءهم وأموالهم وأعراضهم، فيدخلون بذلك في زمرة المارقين، وربما كانوا به من الذين يقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس، وحق الفقير إقباله على شأنه وإعراضه عن مواضع الشبه، وعدم مقابله الخلق فيما يأتون به، لأن ذلك لا ينقضي ويؤدي إلى وجود التشويش دائماً"اهـ.
      وهذا الحال للأسف هو الذي صرنا نراه من الذين يدعون الذبَّ عن أولياء الله والصوفية، وإن كان الذي يعترض على بعض كلماتهم معترضا على كلمات خالفوا في ظاهرها أهل السنة والجماعة اتفاقا بين الفريقين، فاستباحة أعراض المنتقدين والمعترضين بلا دليل خروج عن الشريعة، وتأليب الناس عليهم بغير حق خروج وانحراف عن الشريعة، فضلا عن الكذب عليهم واتهامهم بما لم يقولوه أو إلزامهم بما لا يلزمهم.
      ونحن نحذر الذين ينتقدون هؤلاء الناس أمثال ابن عربي وغيرهم من ان يكون انتقادهم لهم لهوى في أنفسهم، وعليهم أن يضبطوا أنفسهم وأحوالهم في هذا العمل لئلا ينحرفوا عما أمرهم الله تعالى به، فيجب أن يكون كلامهم منضبطا، مضبوطا بالشريعة، لا يتجاوزون ذلك ولا يسيرون وراء المتشابهات عن الاعتراض بل يعتمدون الظاهرات من العبارات التي تؤيدها غيرها، ولا يتمسكوا بمجرد كلمة قيلت هنا أو هناك إلا إذا كانت صريحة أو ظاهرة جدا في الغلط. والله سبحانه الموفق للجميع.
      وليس لنا إلى غير الله حاجة ولا مذهب
      سعيد فودة
      كتبتها في العشرين من رمضان الخير 1441هـ
      الموافق لعام 2020م.
      وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

      تعليق

      يعمل...