بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد أفضل الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد،
فقد طلب بعض الإخوة أن أعلق على كلام الشيخ زروق رحمه الله تعالى الذي ذكره في القاعدة الخامسة والثمانين، والشيخ زروق من العلماء العظماء الذين تأثرتُ بكتبه التي قرأتها وخاصة كتاب قواعد التصوف فجعلته لي مرشدا ومرجعا أعوِّل عليه.
ولما كان مجرد التعليق على كلام شيخ وعالم كبير مثل الشيخ زروق شرفا، ولما كان لكلامه فائدة عظيمة غير خافية على كل من يقرأ له، فقد أحببت أن أكتب تعليقا موجزا على الفقرة التي نقلها الأخ الفاضل، لما لها من عُلْقَةٍ بموضوع الكلام، فقد أحببت أن يكون لي شرف توضيح كلام الأخيار للأخيار.
قال في القاعدة الخامسة والثمانين :
"التوقف في محل الاشتباه مطلوب كعدمه فيما تبين وجهه من خير أو شر"
أقول:
قوله مطلوب يفيد الترجيح، إما الندب أو الوجوب، وكلامه صحيح، فإن الشبهة تدرأ، ولا يخاض فيها إلا بقرينة ودليل، فما دامت موضع شبهة فالأصل الاحتراز عنها واجتنابها. كما أن ما ترجح فيه وجح الحسن والخير فالإقدام فالحكم بحسنه هو الأصل، إما وجوبا أو ندبا أو إباحة على القول بأن الإباحة يقال عليها الحسن.
قال رحمه الله تعالى:
"ومبنى الطريق على ترجيح الظنِّ الحسن عند موجبه ، وإن ظهر معارض."اهـ
أقول:
إن حصل اختلاف في الحكم على قول أو شخص، لما لكلامه من احتمال، فالأصل العمل بحسن الظنِّ، نعم هذا صحيح، ولكن هذا مبنى الطريق أي طريق التصوف الذي يختاره الشيخ زروق، وليس طريق كل عالم، لما سيذكره من خلاف بعد قليل. فإن العمل بحسن الظنِّ لا يجب بل قد يجوز مجرد جواز خاصة مع ظهور دلالة الكلام على أمر غير صحيح شرعا، فربما يقال إن الأصل العمل بالظاهر خاصة إذا اجتمعت قرائن هذا الظاهر.
أما كلمة الموجب فإما أن تقرأ بفتح الجيم أو بكسرها، والظاهر هنا الكسر، والمراد به دليل حسن الظن، أي إن ظهر دليل حسن الظن فالأصل العمل به، أما معناها بالفتح فهو ما يوجبه حسن الظن، وما يوجبه حسن الظن يكون بعد حسن الظن لا قبله فلا يقيَّد به.
وحاصل قول الشيخ زروق: إن ظهر معارض لحسن الظن أو دليله، فالأصل العمل بحسن الظنِّ. ولم يعين الشيخ زروق مستوى المعارض، هل هو مظنون أو موهوم أو مقطوع به، وقد يكون أراد ما سوى القطع، لأنه لا دليل يعارض القطع، فكل ما يعارضه لا دلالة فيه. وأما الظن فقد يعارض الظن، فإن عارضه فإما أن يقال بالتساقط فيعمل بالأصل، أو بالتساوي فيعمل بأي واحد منهما، وهناك تفاصيل يرجع فيها إلى علم الأصول.
وتعبير الشيخ زروق بالظهور في قوله:"وإن ظهر معارض"اهـ يدل على ما قلناه. وإنما استبعدنا احتمال إرادته للقطع لأن القطع ينبغي ألا يعارضه معارض، ولا حجية لشيء معارض للقطع.
وقد يكون المعارض موهوما أيضا أي لم يصل إلى مستوى الظنِّ، بل هو دون ذلك، وكلام الشيخ زروق يشتمل عليه قطعا.
قال الشيخ زروق:
"حتى قال ابن فورك رحمه الله : الغلط في إدخال ألف كافر بشبهة إسلامه ولا الغلط في إخراج مؤمن واحد بشبهة ظهرت منه."اهـ
أقول:
قد يحمل كلام الإمام ابن فورك على ما إذا كانت الشبهة ضعيفة أو معارَضَة بأدلة أقوى منها، أو مساوية لها. ولذلك سماها شبهة ولم يسمها دليلا. فإن كان هذا هو المقصود فنحن معه ونقول بقوله، لأن الأصل هو الحكم بالإسلام وبقاء المسلم على إسلامه. وإخراجه منه هو المحتاج إلى دليل.
أما إن كان المقصود إنا لا نكفر الواحد ما دام هناك شبهة في إدخاله الإسلام، فهذا يستلزم إمكان ظهور قوله بأقوال الكفر، واحتمال إرادته غيرها مما لا يخالف الإسلام، ولو على سبيل الشبهة الضعيفة، فهذا الرأي يحتمل المعارضة القوية كما لا يخفى.
قال الشيخ زروق:
"وشئل الإمام مالك رحمه الله عن أهل الأهواء أكفارٌ هُمْ؟ ، قال : من الكفر هربوا . وأشار عليه الصلاة والسلام بالتوقف في الخوارج بقوله : فيتمارى في الفُوقة ."اهـ
أقول:
الفوقة بضم الفاء، فقد قال الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم:
"فينظر الرامى إلى نصله إلى رصافه فيتمارى في الفوقة وفي الرواية الأخرى ينظر إلى نضيه وفيها ثم ينظر إلى قذذه وفي الرواية الأخرى فينظر في النضى فلا يرى بصيرة وينظر في الفوق فلا يرى بصيرة أما الرصاف فبكسر الراء وبالصاد المهملة وهو مدخل النصل من السهم والنصل هو حديدة السهم والقدح عوده والقذذ بضم القاف وبذالين معجمتين وهو ريش السهم والفوق والفوقة بضم الفاء هو الحز الذي يجعل فيه الوتر والنضى بفتح النون وكسر الضاد المعجمة وتشديد الياء وهو القدح كذا جاء في كتاب مسلم مفسرا وكذا قاله الأصمعى وأما البصير فبفتح الباء الموحدة وكسر الصاد المهملة وهي الشيء من الدم أي لا يرى شيئا من الدم يستدل به على اصابة الرمية قوله صلى الله عليه وسلم."اهـ
وقد يستدل بهذا الحديث على أن الخوارج لم يعلق بهم شيء من الإسلام كما لا يعلق بالفوقة شيء، وعلى هذا فهم كفار.
وقد يستدل به على أنه وإن علق بهم أقل شيء منه كما لا يعلق بالفوقة شيء ظاهر إلا أنهم لا يُخرَجون من الإسلام، فهذا هو معنى الاعتماد على أقل شبهة في عدم الحكم بالكفر على أحد.
قال الشيخ زروق:
"وقال قوم : ما أدى إليه الاجتهاد جُزم به ، ثم أمر الباطن إلى الله."اهـ
أقول:
وهذا الطريق يعتمد القول بالظاهر بحسب الأدلة، ومبناه ترجيح الظاهر المعمول به في الشريعة على الاحتمالات المعارضة من نحو ما ذكر. وهو طريق مبني على قواعد فقهية يمكن ترجيحها أيضا من قبل الفقهاء، ولا يعترض على من قال بها بأنه مخالف لحسن الظن أو مخالف للطريق السابق، لأن أصحاب هذه الطريق يقولون إنه قول بموجَب الدليل الظاهر وهو المعتبر شرعا، فالظهور له الحجية مطلقا، ولا عبرة بمجرد الاحتمال في مقابل الظن الراجح.
قال الشيخ زروق:
"فمن ثم اختلف في جماعة من الصوفية كابن الفارض وابن أحلا والعفيف التلمساني وابن ذي سكن وأبي إسحاق التجيبي والششتري وابن سبعين والحاتمي وغيرهم ."اهـ
أقول:
أي بناء على ما القاعدة التي سبق ذكرها اختلف في الموقف من جماعة من الصوفية، وقد ذكر أهمهم.
قال الشيخ زروق:
"وقد سئل شيخنا أبو عبد الله القوري وأنا أسمع ، فقيل له : ما تقول في ابن عربي الحاتمي ؟ فقال : أعرف بكل فن من أهل كل فن ، فقيل له : ما سألناك عن هذا ، قال : اختلف فيه من الكفر إلى القطبانية ، قيل له : فما ترجح ؟ قال : التسليم .."اهـ
أقول:
أما قوله بان ابن عربي أعرف بكل فنٍّ من أهل كل فنٍّ، فلا يسلَّم له، بل لانوافقه على ما قاله، نعم له قدم قوية في العلوم، أما أن يقال إنه أعرف من كل أهل فنٍّ بفنهم، فهذا غير صحيح، وال ظاهر، فليس هو أعرف بالفقة من الإمام الشافعي ولا الإمام مالك، ولا هو أعرف بالفقه ممن هم أقل من هؤلاء شأنا كالإمام الرافعي والنووي ولا من الإمام الجويني والإمام الغزالي. ولا هو أعرف باللغة من سيبويه ولا ممن هو دونه قطعا، ولا هو أعرف من ابن الحاجب ولا من ابن مالك ولا من أبي حيان ولا هو أبرع من الإمام الرازي في أصول الفقه ولا هو أعرف بالكلام من أئمة الكلام كالباقلاني والأستاذ الإسفراييني ، ويمكن الإتيان بالعديد من العلماء في مختلف العلوم الذين هم أعرف بفنهم على سبيل القطع من ابن عربي. ولا هو في الشعر يضاهي كبار الشعراء كالمتنبي وأبي تمام ولا متوسطيهم ولا كثير ممن هم دون ذلك.
هذا كله على احتمال إرادة مطلق الفنِّ الشامل لكل العلوم إطلاقا عاما، أما إن أراد بالفن بعض أنواع العلوم والمعارف كعلم التصوف مثلاً فيخصص القول فيه على الاحتمالات السابقة.
وهكذا يمكن أن نأتي بالعديد من الامثلة التي تعارض الإطلاق الذي أطلقه الشيخ أبو عبدالله القوري.
ولكنا نحمل قوله على ما يحمل عليه نحو هذا الإطلاق من إرادة تعظيم قدره في العلوم ، من دون إرادة حقيقته التي عارضناها، يعني أن الشيخ القوري لا يريد إلا أن يقول إن ابن عربي صاحب معرفة واطلاع ورسوخ في العلوم، دون إرادته إثبات حقيقة الأعرفية له على غيره من أعلام تلك العلوم والفنون.
ثم قد بين السائل أن ابن عربي قد اختلف فيه من القطبانية إلى الكفر، فمن رجاحة عقل المسئول، وكذلك لم يعترض على السائل الشيخ زروق الذي كان يسمع السؤال، علما منه بوقوع هذا الاختلاف.
فأما جواب الشيخ القوري، فقد قال إنه يرجح "التسليم"...
فماذا سلم، هل سلم القطبانية لابن عربي أم سلم الكفر....؟
إن الشيخ زروق علل قول شيخه الشيخ الفوري، فقال:" قلت : لأن في التكفير خطرا ، وتعظيمه ربما عاد على صاحبه بالضرر من جهة اتباع السامع لمبهماته وموهماته. "اهـ
معنى كلام الشيخ زروق: إن الشيخ القوري لم يقل بالتكفير لأن في التكفير خطراً، لاحتمال إخراج من هو مسلم من الإسلام، فهذا مشيٌ على الطريقة الأولى التي اختارها الشيخ زروق، بناءً على حُسْنِ الظنِّ. وقد وضحنا هذه الطريقة سابقا.
ولم يختر الشيخ القوري الجزم بأن ابن عربي من الأقطاب، لأن هذا يستلزم تعظيم ابن عربي، وتعظيمه ربما يؤدي إلى تعظيم ما يقوله ابن عربي مما يوهم خلاف الشريعة، فيعود على صاحبه بالضرر.
إذن الذي اختاره الشيخ القوري إنما هو تسليم أمر ابن عربي لله تعالى مع عدم تكفيره ولا الحكم بالقطبانية له، مع عدم موافقته لما قاله مما يخالف ظاهره الشريعة...فهذا ما ظهر لنا من معنى كلامه...
وهذا الموقف هو موقف الشيخ زروق كما هو ظاهر، وهو مشتمل على قدر عظيم من الحكمة والعلم.
فهذا بعض ما ظهر لنا من بيان عبارة الشيخ زروق في هذه القاعدة، كتبناه على عجلٍ مع انشغال الذهن انشغالا عظيما ببعض الفتن والمحن، داعين الله تعالى أن يكون فيما قررناه فائدة، وأن يفرج عنا وعن سائر المسلمين. آمين.
والله تعالى أعلم وإليه المصير.
http://www.aslein.net/showthread.php...0708#post40708
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد أفضل الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد،
فقد طلب بعض الإخوة أن أعلق على كلام الشيخ زروق رحمه الله تعالى الذي ذكره في القاعدة الخامسة والثمانين، والشيخ زروق من العلماء العظماء الذين تأثرتُ بكتبه التي قرأتها وخاصة كتاب قواعد التصوف فجعلته لي مرشدا ومرجعا أعوِّل عليه.
ولما كان مجرد التعليق على كلام شيخ وعالم كبير مثل الشيخ زروق شرفا، ولما كان لكلامه فائدة عظيمة غير خافية على كل من يقرأ له، فقد أحببت أن أكتب تعليقا موجزا على الفقرة التي نقلها الأخ الفاضل، لما لها من عُلْقَةٍ بموضوع الكلام، فقد أحببت أن يكون لي شرف توضيح كلام الأخيار للأخيار.
قال في القاعدة الخامسة والثمانين :
"التوقف في محل الاشتباه مطلوب كعدمه فيما تبين وجهه من خير أو شر"
أقول:
قوله مطلوب يفيد الترجيح، إما الندب أو الوجوب، وكلامه صحيح، فإن الشبهة تدرأ، ولا يخاض فيها إلا بقرينة ودليل، فما دامت موضع شبهة فالأصل الاحتراز عنها واجتنابها. كما أن ما ترجح فيه وجح الحسن والخير فالإقدام فالحكم بحسنه هو الأصل، إما وجوبا أو ندبا أو إباحة على القول بأن الإباحة يقال عليها الحسن.
قال رحمه الله تعالى:
"ومبنى الطريق على ترجيح الظنِّ الحسن عند موجبه ، وإن ظهر معارض."اهـ
أقول:
إن حصل اختلاف في الحكم على قول أو شخص، لما لكلامه من احتمال، فالأصل العمل بحسن الظنِّ، نعم هذا صحيح، ولكن هذا مبنى الطريق أي طريق التصوف الذي يختاره الشيخ زروق، وليس طريق كل عالم، لما سيذكره من خلاف بعد قليل. فإن العمل بحسن الظنِّ لا يجب بل قد يجوز مجرد جواز خاصة مع ظهور دلالة الكلام على أمر غير صحيح شرعا، فربما يقال إن الأصل العمل بالظاهر خاصة إذا اجتمعت قرائن هذا الظاهر.
أما كلمة الموجب فإما أن تقرأ بفتح الجيم أو بكسرها، والظاهر هنا الكسر، والمراد به دليل حسن الظن، أي إن ظهر دليل حسن الظن فالأصل العمل به، أما معناها بالفتح فهو ما يوجبه حسن الظن، وما يوجبه حسن الظن يكون بعد حسن الظن لا قبله فلا يقيَّد به.
وحاصل قول الشيخ زروق: إن ظهر معارض لحسن الظن أو دليله، فالأصل العمل بحسن الظنِّ. ولم يعين الشيخ زروق مستوى المعارض، هل هو مظنون أو موهوم أو مقطوع به، وقد يكون أراد ما سوى القطع، لأنه لا دليل يعارض القطع، فكل ما يعارضه لا دلالة فيه. وأما الظن فقد يعارض الظن، فإن عارضه فإما أن يقال بالتساقط فيعمل بالأصل، أو بالتساوي فيعمل بأي واحد منهما، وهناك تفاصيل يرجع فيها إلى علم الأصول.
وتعبير الشيخ زروق بالظهور في قوله:"وإن ظهر معارض"اهـ يدل على ما قلناه. وإنما استبعدنا احتمال إرادته للقطع لأن القطع ينبغي ألا يعارضه معارض، ولا حجية لشيء معارض للقطع.
وقد يكون المعارض موهوما أيضا أي لم يصل إلى مستوى الظنِّ، بل هو دون ذلك، وكلام الشيخ زروق يشتمل عليه قطعا.
قال الشيخ زروق:
"حتى قال ابن فورك رحمه الله : الغلط في إدخال ألف كافر بشبهة إسلامه ولا الغلط في إخراج مؤمن واحد بشبهة ظهرت منه."اهـ
أقول:
قد يحمل كلام الإمام ابن فورك على ما إذا كانت الشبهة ضعيفة أو معارَضَة بأدلة أقوى منها، أو مساوية لها. ولذلك سماها شبهة ولم يسمها دليلا. فإن كان هذا هو المقصود فنحن معه ونقول بقوله، لأن الأصل هو الحكم بالإسلام وبقاء المسلم على إسلامه. وإخراجه منه هو المحتاج إلى دليل.
أما إن كان المقصود إنا لا نكفر الواحد ما دام هناك شبهة في إدخاله الإسلام، فهذا يستلزم إمكان ظهور قوله بأقوال الكفر، واحتمال إرادته غيرها مما لا يخالف الإسلام، ولو على سبيل الشبهة الضعيفة، فهذا الرأي يحتمل المعارضة القوية كما لا يخفى.
قال الشيخ زروق:
"وشئل الإمام مالك رحمه الله عن أهل الأهواء أكفارٌ هُمْ؟ ، قال : من الكفر هربوا . وأشار عليه الصلاة والسلام بالتوقف في الخوارج بقوله : فيتمارى في الفُوقة ."اهـ
أقول:
الفوقة بضم الفاء، فقد قال الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم:
"فينظر الرامى إلى نصله إلى رصافه فيتمارى في الفوقة وفي الرواية الأخرى ينظر إلى نضيه وفيها ثم ينظر إلى قذذه وفي الرواية الأخرى فينظر في النضى فلا يرى بصيرة وينظر في الفوق فلا يرى بصيرة أما الرصاف فبكسر الراء وبالصاد المهملة وهو مدخل النصل من السهم والنصل هو حديدة السهم والقدح عوده والقذذ بضم القاف وبذالين معجمتين وهو ريش السهم والفوق والفوقة بضم الفاء هو الحز الذي يجعل فيه الوتر والنضى بفتح النون وكسر الضاد المعجمة وتشديد الياء وهو القدح كذا جاء في كتاب مسلم مفسرا وكذا قاله الأصمعى وأما البصير فبفتح الباء الموحدة وكسر الصاد المهملة وهي الشيء من الدم أي لا يرى شيئا من الدم يستدل به على اصابة الرمية قوله صلى الله عليه وسلم."اهـ
وقد يستدل بهذا الحديث على أن الخوارج لم يعلق بهم شيء من الإسلام كما لا يعلق بالفوقة شيء، وعلى هذا فهم كفار.
وقد يستدل به على أنه وإن علق بهم أقل شيء منه كما لا يعلق بالفوقة شيء ظاهر إلا أنهم لا يُخرَجون من الإسلام، فهذا هو معنى الاعتماد على أقل شبهة في عدم الحكم بالكفر على أحد.
قال الشيخ زروق:
"وقال قوم : ما أدى إليه الاجتهاد جُزم به ، ثم أمر الباطن إلى الله."اهـ
أقول:
وهذا الطريق يعتمد القول بالظاهر بحسب الأدلة، ومبناه ترجيح الظاهر المعمول به في الشريعة على الاحتمالات المعارضة من نحو ما ذكر. وهو طريق مبني على قواعد فقهية يمكن ترجيحها أيضا من قبل الفقهاء، ولا يعترض على من قال بها بأنه مخالف لحسن الظن أو مخالف للطريق السابق، لأن أصحاب هذه الطريق يقولون إنه قول بموجَب الدليل الظاهر وهو المعتبر شرعا، فالظهور له الحجية مطلقا، ولا عبرة بمجرد الاحتمال في مقابل الظن الراجح.
قال الشيخ زروق:
"فمن ثم اختلف في جماعة من الصوفية كابن الفارض وابن أحلا والعفيف التلمساني وابن ذي سكن وأبي إسحاق التجيبي والششتري وابن سبعين والحاتمي وغيرهم ."اهـ
أقول:
أي بناء على ما القاعدة التي سبق ذكرها اختلف في الموقف من جماعة من الصوفية، وقد ذكر أهمهم.
قال الشيخ زروق:
"وقد سئل شيخنا أبو عبد الله القوري وأنا أسمع ، فقيل له : ما تقول في ابن عربي الحاتمي ؟ فقال : أعرف بكل فن من أهل كل فن ، فقيل له : ما سألناك عن هذا ، قال : اختلف فيه من الكفر إلى القطبانية ، قيل له : فما ترجح ؟ قال : التسليم .."اهـ
أقول:
أما قوله بان ابن عربي أعرف بكل فنٍّ من أهل كل فنٍّ، فلا يسلَّم له، بل لانوافقه على ما قاله، نعم له قدم قوية في العلوم، أما أن يقال إنه أعرف من كل أهل فنٍّ بفنهم، فهذا غير صحيح، وال ظاهر، فليس هو أعرف بالفقة من الإمام الشافعي ولا الإمام مالك، ولا هو أعرف بالفقه ممن هم أقل من هؤلاء شأنا كالإمام الرافعي والنووي ولا من الإمام الجويني والإمام الغزالي. ولا هو أعرف باللغة من سيبويه ولا ممن هو دونه قطعا، ولا هو أعرف من ابن الحاجب ولا من ابن مالك ولا من أبي حيان ولا هو أبرع من الإمام الرازي في أصول الفقه ولا هو أعرف بالكلام من أئمة الكلام كالباقلاني والأستاذ الإسفراييني ، ويمكن الإتيان بالعديد من العلماء في مختلف العلوم الذين هم أعرف بفنهم على سبيل القطع من ابن عربي. ولا هو في الشعر يضاهي كبار الشعراء كالمتنبي وأبي تمام ولا متوسطيهم ولا كثير ممن هم دون ذلك.
هذا كله على احتمال إرادة مطلق الفنِّ الشامل لكل العلوم إطلاقا عاما، أما إن أراد بالفن بعض أنواع العلوم والمعارف كعلم التصوف مثلاً فيخصص القول فيه على الاحتمالات السابقة.
وهكذا يمكن أن نأتي بالعديد من الامثلة التي تعارض الإطلاق الذي أطلقه الشيخ أبو عبدالله القوري.
ولكنا نحمل قوله على ما يحمل عليه نحو هذا الإطلاق من إرادة تعظيم قدره في العلوم ، من دون إرادة حقيقته التي عارضناها، يعني أن الشيخ القوري لا يريد إلا أن يقول إن ابن عربي صاحب معرفة واطلاع ورسوخ في العلوم، دون إرادته إثبات حقيقة الأعرفية له على غيره من أعلام تلك العلوم والفنون.
ثم قد بين السائل أن ابن عربي قد اختلف فيه من القطبانية إلى الكفر، فمن رجاحة عقل المسئول، وكذلك لم يعترض على السائل الشيخ زروق الذي كان يسمع السؤال، علما منه بوقوع هذا الاختلاف.
فأما جواب الشيخ القوري، فقد قال إنه يرجح "التسليم"...
فماذا سلم، هل سلم القطبانية لابن عربي أم سلم الكفر....؟
إن الشيخ زروق علل قول شيخه الشيخ الفوري، فقال:" قلت : لأن في التكفير خطرا ، وتعظيمه ربما عاد على صاحبه بالضرر من جهة اتباع السامع لمبهماته وموهماته. "اهـ
معنى كلام الشيخ زروق: إن الشيخ القوري لم يقل بالتكفير لأن في التكفير خطراً، لاحتمال إخراج من هو مسلم من الإسلام، فهذا مشيٌ على الطريقة الأولى التي اختارها الشيخ زروق، بناءً على حُسْنِ الظنِّ. وقد وضحنا هذه الطريقة سابقا.
ولم يختر الشيخ القوري الجزم بأن ابن عربي من الأقطاب، لأن هذا يستلزم تعظيم ابن عربي، وتعظيمه ربما يؤدي إلى تعظيم ما يقوله ابن عربي مما يوهم خلاف الشريعة، فيعود على صاحبه بالضرر.
إذن الذي اختاره الشيخ القوري إنما هو تسليم أمر ابن عربي لله تعالى مع عدم تكفيره ولا الحكم بالقطبانية له، مع عدم موافقته لما قاله مما يخالف ظاهره الشريعة...فهذا ما ظهر لنا من معنى كلامه...
وهذا الموقف هو موقف الشيخ زروق كما هو ظاهر، وهو مشتمل على قدر عظيم من الحكمة والعلم.
فهذا بعض ما ظهر لنا من بيان عبارة الشيخ زروق في هذه القاعدة، كتبناه على عجلٍ مع انشغال الذهن انشغالا عظيما ببعض الفتن والمحن، داعين الله تعالى أن يكون فيما قررناه فائدة، وأن يفرج عنا وعن سائر المسلمين. آمين.
والله تعالى أعلم وإليه المصير.
http://www.aslein.net/showthread.php...0708#post40708
على هذا الكلام المنور، الدال على سلامة البصيرة وسدادها، والتزام ظاهر وباطن بالشريعة.
تعليق