{بسم الله الرحمن الرحيم}
الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
فهذه استراحة مع بعض المناظرات والحكايات [من 1 إلى 22 من تفسير الإمام الرازي رحمه الله و23-28 من طبقات ابن السبكي و 29-31 من الطبقات السنية]
1-حكي أن هرون الرشيد كان معه فقهاء وكان فيهم أبو يوسف فأتي برجل فادعى عليه آخر أنه أخذ من بيته مالاً بالليل فأقر الآخذ بذلك في المجلس فاتفق الفقهاء على أنه تقطع يده. فقال أبو يوسف: لا قطع عليه، قالوا لم؟ قال لأنه أقر بالأخذ والأخذ لا يوجب القطع بل لا بدّ من الاعتراف بالسرقة فصدقه الكل في قوله، ثم قالوا للآخذ أسرقتها؟ قال : نعم ، فأجمعوا كلهم على أنه وجب القطع لأنه أقر بالسرقة فقال أبو يوسف: لا قطع لأنه وإن أقر بالسرقة لكن بعد ما وجب الضمان عليه بإقراره بالأخذ فإذا أقر بالسرقة بعد ذلك فهو بهذا الإقرار يسقط الضمان عن نفسه فلا يسمع إقراره فتعجب الكل من ذلك.
2- عن الشعبي كنت عند الحجاج فأتي بيحيى بن يعمر فقيه خراسان من بلخ مكبلاً بالحديد فقال له الحجاج أنت زعمت أن الحسن والحسين من ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : بلى فقال: الحجاج لتأتيني بها واضحة بينة من كتاب الله أو لأقطعنك عضواً عضواً.
فقال: آتيك بها واضحة بينة من كتاب الله يا حجاج.
قال : فتعجبت من جرأته بقوله يا حجاج.
فقال له: ولا تأتني بهذه الآية { نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ } [ آل عمران : 61 ]
فقال: آتيك بها واضحة من كتاب الله وهو قوله : { وَنُوحاً هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرّيَّتِهِ دَاودُ وسليمان } [ الأنعام : 84 ] إلى قوله : { وَزَكَرِيَّا ويحيى وعيسى } فمن كان أبو عيسى وقد ألحق بذرية نوح؟ قال : فأطرق ملياً ثم رفع رأسه فقال : كأني لم أقرأ هذه الآية من كتاب الله حلوا وثاقه وأعطوه من المال كذا.
3-يحكى أن جماعة من أهل المدينة جاءوا إلى أبي حنيفة ليناظروه في القراءة خلف الإمام ويبكتوه ويشنعوا عليه فقال لهم: لا يمكنني مناظرة الجميع ففوضوا أمر المناظرة إلى أعلمكم لأناظره، فأشاروا إلى واحد فقال: هذا أعلمكم؟ قالوا: نعم، قال: والمناظرة معه كالمناظرة معكم؟ قالوا: نعم، قال: والإلزام عليه كالإلزام عليكم؟ قالوا: نعم، قال: وإن ناظرته وألزمته الحجة فقد لزمتكم الحجة؟ قالوا: نعم، قال: كيف؟ قالوا: لأنا رضينا به إماماً فكان قوله قولاً لنا، قالأبو حنيفة: فنحن لما اخترنا الإمام في الصلاة كانت قراءته قراءة لنا وهو ينوب عنا فأقروا له بالإلزام.
4-هجا الفرزدق واحداً فقال:
لقد ضاع شعري على بابكم ... كما ضاع در على خالصة
وكانت خالصة معشوقة سليمان بن عبد الملك وكانت ظريفة صاحبة أدب وكانت هيبة سليمان بن عبد الملك تفوق هيبة المروانيين فلما بلغها هذا البيت شق عليها فدخلت على سليمان وشكت الفرزدق فأمر سليمان بإشخاص الفرزدق على أفظع الوجوه مكبلاً مقيداً فلما حضر وما كان به من الرمق إلا مقدار ما يقيمه على الرجل من شدة الهيبة فقال له سليمان بن عبد الملك: أنت القائل:
لقد ضاع شعري على بابكم ... كما ضاع در على خالصة
فقال ما قلته هكذا وإنما غيره عليَّ من أراد بي مكروهاً وإنما قلت- وخالصة من وراء الستر تسمع-:
لقد ضاء شعري على بابكم ... كما ضاء در على خالصة
فسرى عن خالصة فلم تملك نفسها أن خرجت من الستر فألقت على الفرزدق ما كان عليها من الحلي وهي زيادة على ألف ألف درهم فأتبعه سليمان بن عبد الملك حاجبه لما خرج من عنده حتى اشترى الحلي من الفرزدق بمئة ألف ورده على خالصة.
5- دعا المنصور أبا حنيفة يوماً فقال الربيع -وهو يعاديه- يا أمير المؤمنين هذا يعني أبا حنيفة يخالف جدك حيث يقول : الاستثناء المنفصل جائز وأبو حنيفة ينكره. فقال أبو حنيفة هذا الربيع يقول ليس لك بيعة في رقبة الناس. فقال: كيف؟ قال: أنهم يعقدون البيعة لك ثم يرجعون إلى منازلهم فيستثنون فتبطل بيعتهم فضحك المنصور وقال : إياك يا ربيع وأبا حنيفة. فلما خرج قال الربيع: يا أبا حنيفة سعيت في دمي. فقال أبو حنيفة: كنت البادي وأنا المدافع.
6- ويحكى أن مسلماً قتل ذمياً عمداً فحكم أبو يوسف بقتل المسلم به فبلغ زبيدة ذلك فبعثت إلى أبي يوسف فقالت: إياك وأن تقتل المسلم وكانت في عناية عظيمة بأمر المسلمين فلما حضر أبو يوسف وحضر الفقهاء وجيء بأولياء الذمي والمسلم فقال له الرشيد أحكمْ بقتله. فقال: يا أمير المؤمنين هو مذهبي غير أني لست أقتل المسلم به حتى تقوم البينة العادلة أن الذمي يوم قتله المسلم كان ممن يؤدي الجزية فلم يقدروا عليه فبطل دمه.
7- دخل الغضبان على الحجاج بعدما قال لعدوه عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث تغد بالحجاج قبل أن يتعشى بك فقال له ما جواب السلام عليك؟ فقال وعليك السلام ثم فطن الحجاح، وقال: قاتلك الله يا غضبان ، أخذت لنفسك أمانا بردي عليك أما والله لولا الوفاء والكرم ، لما شربت الماء البارد بعد ساعتك هذه . قال الإمام الرازي: فانظر إلى فائدة العلم في هذه الصورة فلله در العلم ومن به تردى ، وتعسا للجهل ومن في أوديته تردى
8- بلغ عبد الملك بن مروان قول الشاعر :
ومنا سويد والبطين وقعنب ... ومنا أمير المؤمنين شبيب
فأمر به فأدخل عليه، فقال: أنت القائل ومنا أمير ُالمؤمنين شبيب؟ فقال : إنما قلت ومنا أميرَ المؤمنين شبيب ، -بنصب الراء- فناديتك واستغثت بك ، فسرى عن عبد الملك وتخلص الرجل من الهلاك بصنعة يسيرة عملها بعلمه، وهو أنه حول الضمة فتحة.
9- قال أبو مسلم صاحب الدولة لسليمان بن كثير : بلغني أنك كنت في مجلس وقد جرى بين يديك ذكري، فقلت: اللهم سود وجهه واقطع عنقه وأسقني من دمه، فقال : نعم قلته، ولكن في كرم كذا لما نظرت إلى الحصرم فاستحسن قوله وعفا عنه. أي أنه قصد الحصرم بدعائه-.
10- قال رجل لأبي حنيفة : إني حلفت لا أكلم امرأتي حتى تكلمني وحلفت بصدقة ما تملك أن لا تكلمني أو أكلمها فتحير الفقهاء فيه فقال سفيان من كلم صاحبه حنث فقال أبو حنيفة: اذهب وكلمها ولا حنث عليكما. فذهب إلى سفيان وأخبره بما قال أبو حنيفة؛ فذهب سفيان إلى أبي حنيفة مغضباً وقال: تبيح الفروج فقال أبو حنيفة: وما ذاك؟ قال سفيان : أعيدوا على أبي حنيفة السؤال ، فأعادوا وأعاد أبو حنيفة الفتوى، فقال من أين قلت؟ قال : لما شافهَتْه باليمين بعدما حلف كانت مكلمة فسقطت يمينه، وإن كلمها فلا حنث عليه ولا عليها؛ لأنه قد كلمها بعد اليمين فسقطت اليمين عنهما . قال سفيان: إنه ليكشف لك من العلم عن شيء كلنا عنه غافل.
11- دخل اللصوص على رجل فأخذوا متاعه واستحلفوه بالطلاق ثلاثاً أن لا يعلم أحداً ، فأصبح الرجل وهو يرى اللصوص يبيعون متاعه وليس يقدر أن يتكلم من أجل يمينه ، فجاء الرجل يشاور أبا حنيفة فقال : أحضر لي إمام مسجدك وأهل محلتك فأحضرهم إياه ، فقال لهم أبو حنيفة . هل تحبون أن يرد الله على هذا متاعه؟ قالوا : نعم ، قال : فاجمعوا كلاً منهم وأدخلوهم في دار ثم أخرجوهم واحداً واحداً ، وقولوا أهذا لصك؟ فإن كان ليس بلصه قال : لا ، وإن كان لصه فليسكت ، وإذا سكت فاقبضوا عليه ، ففعلوا ما أمرهم به أبو حنيفة ، فرد الله عليه جميع ما سرق منه.
12-كان في جوار أبي حنيفة فتى يغشى مجلس أبي حنيفة ، فقال يوماً لأبي حنيفة: إني أريد أن أتزوج ابنة فلان وقد خطبتها ، إلا أنهم قد طلبوا مني من المهر فوق طاقتي ، فقال: احتل واقترض وادخل عليها ، فإن الله تعالى يسهل الأمر عليك بعد ذلك ، ثم أقرضه أبو حنيفة ذلك القدر؛ ثم قال له: بعد الدخول أظهر أنك تريد الخروج من هذا البلد إلى بلد بعيد، وأنك تسافر بأهلك معك: فأظهر الرجل ذلك. فاشتد ذلك على أهل المرأة وجاؤا إلى أبي حنيفة يشكونه ويستفتونه، فقال لهم أبو حنيفة: له ذلك، فقالوا : وكيف الطريق إلى دفع ذلك؟ فقال أبو حنيفة: الطريق أن ترضوه بأن تردوا عليه ما أخذتموه منه، فأجابوه إليه؛ فذكر أبو حنيفة ذلك للزوج، فقال الزوج: فأنا أريد منهم شيئاً آخر فوق ذلك، فقال أبو حنيفة : أيما أحب إليك أن ترضى بهذا القدر وإلا أقرْ لرجل بدين فلا تملك المسافرة بها حتى تقضي ما عليك من الدين فقال الرجل: الله الله لا يسمعوا بهذا فلا آخذ منهم شيئاً ورضي بذلك القدر فحصل ببركة علم أبي حنيفة فرج كل واحد من الخصمين.
13-عن الليث بن سعد قال : قال رجل لأبي حنيفة؛ لي ابن ليس بمحمود السيرة أشتري له الجارية بالمال العظيم فيعتقها وأزوجه المرأة بالمال العظيم فيطلقها فقال له أبو حنيفة: إذهب به معك إلى سوق النخاسين فإذا وقعت عينه على جارية فابتعها لنفسك ثم زوجها إياه فإن طلقها عادت إليك مملوكة وإن أعتقها لم يجز عتقه إياها، قال الليث: فوالله ما أعجبني جوابه كما أعجبني سرعة جوابه.
14-سئل أبو حنيفة عن رجل حلف ليقربن امرأته نهاراً في رمضان فلم يعرف أحد وجه الجواب فقال أبو حنيفة: يسافر مع امرأته فيطؤها نهاراً في رمضان.
15- جاء رجل إلى الحجاج فقال: سُرقت لي أربعة آلاف درهم فقال الحجاج: من تتهم؟ فقال : لا أتهم أحداً. قال: لعلك أتيت من قبل أهلك؟ قال : سبحان الله امرأتي خير من ذلك. قال الحجاج لعطاره: إعمل لي طيباً ذكياً ليس له نظير فعمل له الطيب ثم دعا الشيخ فقال: ادهن من هذه القارورة ولا تدهن منها غيرك ثم قال الحجاج لحرسه: اقعدوا على أبواب المساجد وأراهم الطيب وقال من وجد منه ريح هذا الطيب فخذوه فإذا رجل له وفرة فأخذوه فقال الحجاج من أين لك هذا الدهن؟ قال: اشتريته قال : أصدقني وإلا قتلتك فصدقه فدعا الشيخ وقال: هذا صاحب الأربعة آلاف عليك بامرأتك فأحسن أدبها، ثم أخذ الأربعة آلاف من الرجل، وردها إلى صاحبها.
16- قال الرشيد يوماً لأبي يوسف: عند جعفر بن عيسى جارية هي أحب الناس إليّ وقد عرف ذلك وقد حلف أن لا يبيع ولا يهب ولا يعتق ، وهو الآن يطلب حل يمينه .
فقال : يهب النصف ويبيع النصف ولا يحنث.
17- قال محمد بن الحسن: كنت نائماً ذات ليلة ، فإذا أنا بالباب يدق ويقرع فقلت: انظروا من ذاك؟ فقالوا: رسول الخليفة يدعوكَ فخفتُ على روحي فقمت ومضيت إليه ، فلما دخلت عليه قال: دعوتك في مسألة: إن أم محمد يعني زبيدة قلت لها أنا الإمام العدل، والإمام العدل في الجنة، فقالت لي إنك ظالم عاصٍ فقد شهدت لنفسك بالجنة فكفرت بكذبك على الله وحرمت عليك، فقلت له يا أمير المؤمنين إذا وقعت في معصية هل تخاف الله في تلك الحالة أو بعدها : فقال إي والله أخاف خوفاً شديداً ، فقلت : أنا أشهد أن لك جنتين ، لا جنة واحدة قال تعالى :
{ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنَّتَانِ } [ الرحمن : 46 ] فلاطفني وأمرني بالانصراف فلما رجعت إلى داري رأيت البدر متبادرة إلي.
18- يحكى أن أبا يوسف أتاه ذات ليلة رسول الرشيد يستعجله ، فخاف أبو يوسف على نفسه، فلبس إزاره ومشى خائفاً إلى دار الخليفة، فلما دخل عليه سلم فرد عليه الجواب وأدناه، فعند ذلك هدأ روعه، قال الرشيد إن حلياً لنا فقد من الدار فاتهمت فيه جارية من جواري الدار الخاصة ، فحلفت لتصدقيني أولأقتلنك وقد ندمت فاطلب لي وجهاً؛ فقال أبو يوسف: فأذن لي في الدخول عليها فأذن له فرأى جارية كأنها فلقة قمر؛ فأخلى المجلس ثم قال لها: أمعك الحلى؟ فقالت : لا والله ، فقال لها : احفظي ما أقول لك ولا تزيدي عليه ولا تنقصي عنه إذا دعاك الخليفة وقال لك أسرقت الحلى فقولي نعم ، فإذا قال لك فهاتها فقولي ما سرقتها ، ثم خرج أبو يوسف إلى مجلس الرشيد وأمر بإحضار الجارية فحضرت، فقال للخليفة : سلها عن الحلى ، فقال لها الخليفة : أسرقت الحلى؟ قالت : نعم ، قال لها : فهاتها ، قالت: لم أسرقها والله ، قال أبو يوسف : قد صدقتكَ يا أمير المؤمنين في الإقرار أو الإنكار وخرجتَ من اليمين ، فسكن غضب الرشيد وأمر أن يحمل إلى دار أبي يوسف مائة ألف درهم ، فقالوا: إن الخزان غيب فلو أخرنا ذلك إلى الغد ، فقال : إن القاضي أعتقنا الليلة فلا نؤخر صلته إلى الغد ، فأمر حتى حمل عشر بدر مع أبي يوسف إلى منزله.
19- قال بشر المريسي للشافعي: كيف تدعي انعقاد الإجماع مع أن أهل المشرق والمغرب لا يمكن معرفة وجود إجماعهم على الشيء الواحد وكانت هذه المناظرة عند الرشيد ، فقال الشافعي: هل تعرف إجماع الناس على خلافة هذا الجالس؟ فأقر به خوفاً وانقطع.
20- أعرابي قصد الحسين بن علي رضي الله عنهما، فسلم عليه وسأله حاجة وقال: سمعت جدك يقول: إذا سألتم حاجة فاسألوها من أحد أربعة: إما عربي شريف، أو مولى كريم، أو حامل القرآن، أو صاحب وجه صبيح. فأما العرب فشرفت بجدك، وأما الكرم فدأبكم وسيرتكم، وأما القرآن ففي بيوتكم نزل، وأما الوجه الصبيح فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا أردتم أن تنظروا إليّ فانظروا إلى الحسن والحسين، فقال الحسين: ما حاجتك؟ فكتبها على الأرض، فقال الحسين سمعت أبي علياً يقول قيمة كل امرىء ما يحسنه. وسمعت جدي يقول: المعروف بقدر المعرفة فأسألك عن ثلاث مسائل إن أحسنت في جواب واحدة فلك ثلث ما عندي وإن أجبت عن اثنتين فلك ثلثا ما عندي وإن أجبت عن الثلاث فلك كل ما عندي وقد حمل إليّ صرة مختومة من العراق. فقال: سل ولا حول ولا قوة إلا بالله. فقال: أي الأعمال أفضل؟ قال الأعرابي: الإيمان بالله. قال: فما نجاة العبد من الهلكة. قال: الثقة بالله. قال: فما يزين المرء. قال: علم معه حلم. قال: فإن أخطأه ذلك قال: فمال معه كرم. قال: فإن أخطأه ذلك قال: ففقر معه صبر. قال: فإن أخطأه ذلك قال: فصاعقة تنزل من السماء فتحرقه فضحك الحسين ورمى بالصرة إليه.
21-حكى محمد بن عبد الكريم الشهرستاني في أول كتابه المسمى «بالملل والنحل» عن ماري شارح الأناجيل الأربعة وهي مذكورة في التوراة متفرقة على شكل مناظرة بينه وبين الملائكة بعد الأمر بالسجود قال إبليس للملائكة إني أسلم أن لي إلهاً هو خالقي، وموجدي، وهو خالق الخلق، لكن لي على حكمة الله تعالى أسئلة سبعة، الأولى: ما الحكمة في الخلق لا سيما إن كان عالماً بأن الكافر لا يستوجب عند خلقه الآلام؟ الثاني: ثم ما الفائدة في التكليف مع أنه لا يعود منه ضر ولا نفع وكل ما يعود إلى المكلفين فهو قادر على تحصيله لهم من غير واسطة التكليف؟ الثالث: هب أنه كلفني بمعرفته وطاعته فلماذا كلفني السجود لآدم؟ الرابع: ثم لما عصيته في ترك السجود لآدم فلم لعنني وأوجب عقابي مع أنه لا فائدة له ولا لغيره فيه، ولي فيه أعظم الضرر؟ الخامس: ثم لما فعل ذلك فلم مكنني من الدخول إلى الجنة ووسوست لآدم عليه السلام؟ السادس: ثم لما فعلت ذلك فلم سلطني على أولاده ومكنني من إغوائهم وإضلالهم؟ السابع: ثم لما استمهلته المدة الطويلة في ذلك، فلم أمهلني. ومعلوم أن العالم لو كان خالياً عن الشر لكان ذلك خيراً؟ قال شارح الأناجيل: فأوحى الله تعالى إليه من سرادقات الجلال والكبرياء : يا إبليس إنك ما عرفتني ، ولو عرفتني لعلمت أنه لا عتراض علىَّ في شيء من أفعالي فإني أنا الله لا إله إلا أنا لا أسأل عما أفعل .
22-وروى أن مناظرة دارت بين أبي عمرو بن العلاء، وبين عمرو بن عبيد-من شيوخ المعتزلة- قال أبو عمرو بن العلاء لعمرو بن عبيد: ما تقول في أصحاب الكبائر؟ قال: أقول إن الله وعد وعداً، وأوعد إيعاداً، فهو منجز إيعاده، كما هو منجز وعده ، فقال أبو عمرو بن العلاء: إنك رجل أعجم، لا أقول أعجم اللسان ولكن أعجم القلب، إن العرب تعد الرجوع عن الوعد لؤما وعن الإيعاد كرما وأنشد:
وإني وإن أوعدته أو وعدته ... لمكذب إيعادي ومنجز موعدي
واعلم أن المعتزلة حكوا أن أبا عمرو بن العلاء لما قال هذا الكلام قال له عمرو بن عبيد: يا أبا عمرو فهل يسمى الله مكذب نفسه؟ فقال: لا ، فقال عمرو بن عبيد: فقد سقطت حجتك ، قالوا: فانقطع أبو عمرو بن العلاء .
وعندي-أي الإمام الرازي- أنه كان لأبي عمرو بن العلاء أن يجيب عن هذا السؤال فيقول : إنك قست الوعيد على الوعد وأنا إنما ذكرت هذا لبيان الفرق بين البابين، وذلك لأن الوعد حق عليه والوعيد حق له، ومن أسقط حق نفسه فقد أتى بالجود والكرم، ومن أسقط حق غيره فذلك هو اللؤم، فظهر الفرق بين الوعد والوعيد، وبطل قياسك، وإنما ذكرت هذا الشعر لإيضاح هذا الفرق، فأما قولك: لو لم يفعل لصار كاذباً ومكذباً نفسه، فجوابه: أن هذا إنما يلزم لو كان الوعيد ثابتاً جزماً من غير شرط، وعندي جميع الوعيدات مشروطة بعدم العفو، فلا يلزم من تركه دخول الكذب في كلام الله تعالى، فهذا ما يتعلق بهذه الحكاية ، والله أعلم .
يتبع
الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
فهذه استراحة مع بعض المناظرات والحكايات [من 1 إلى 22 من تفسير الإمام الرازي رحمه الله و23-28 من طبقات ابن السبكي و 29-31 من الطبقات السنية]
1-حكي أن هرون الرشيد كان معه فقهاء وكان فيهم أبو يوسف فأتي برجل فادعى عليه آخر أنه أخذ من بيته مالاً بالليل فأقر الآخذ بذلك في المجلس فاتفق الفقهاء على أنه تقطع يده. فقال أبو يوسف: لا قطع عليه، قالوا لم؟ قال لأنه أقر بالأخذ والأخذ لا يوجب القطع بل لا بدّ من الاعتراف بالسرقة فصدقه الكل في قوله، ثم قالوا للآخذ أسرقتها؟ قال : نعم ، فأجمعوا كلهم على أنه وجب القطع لأنه أقر بالسرقة فقال أبو يوسف: لا قطع لأنه وإن أقر بالسرقة لكن بعد ما وجب الضمان عليه بإقراره بالأخذ فإذا أقر بالسرقة بعد ذلك فهو بهذا الإقرار يسقط الضمان عن نفسه فلا يسمع إقراره فتعجب الكل من ذلك.
2- عن الشعبي كنت عند الحجاج فأتي بيحيى بن يعمر فقيه خراسان من بلخ مكبلاً بالحديد فقال له الحجاج أنت زعمت أن الحسن والحسين من ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : بلى فقال: الحجاج لتأتيني بها واضحة بينة من كتاب الله أو لأقطعنك عضواً عضواً.
فقال: آتيك بها واضحة بينة من كتاب الله يا حجاج.
قال : فتعجبت من جرأته بقوله يا حجاج.
فقال له: ولا تأتني بهذه الآية { نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ } [ آل عمران : 61 ]
فقال: آتيك بها واضحة من كتاب الله وهو قوله : { وَنُوحاً هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرّيَّتِهِ دَاودُ وسليمان } [ الأنعام : 84 ] إلى قوله : { وَزَكَرِيَّا ويحيى وعيسى } فمن كان أبو عيسى وقد ألحق بذرية نوح؟ قال : فأطرق ملياً ثم رفع رأسه فقال : كأني لم أقرأ هذه الآية من كتاب الله حلوا وثاقه وأعطوه من المال كذا.
3-يحكى أن جماعة من أهل المدينة جاءوا إلى أبي حنيفة ليناظروه في القراءة خلف الإمام ويبكتوه ويشنعوا عليه فقال لهم: لا يمكنني مناظرة الجميع ففوضوا أمر المناظرة إلى أعلمكم لأناظره، فأشاروا إلى واحد فقال: هذا أعلمكم؟ قالوا: نعم، قال: والمناظرة معه كالمناظرة معكم؟ قالوا: نعم، قال: والإلزام عليه كالإلزام عليكم؟ قالوا: نعم، قال: وإن ناظرته وألزمته الحجة فقد لزمتكم الحجة؟ قالوا: نعم، قال: كيف؟ قالوا: لأنا رضينا به إماماً فكان قوله قولاً لنا، قالأبو حنيفة: فنحن لما اخترنا الإمام في الصلاة كانت قراءته قراءة لنا وهو ينوب عنا فأقروا له بالإلزام.
4-هجا الفرزدق واحداً فقال:
لقد ضاع شعري على بابكم ... كما ضاع در على خالصة
وكانت خالصة معشوقة سليمان بن عبد الملك وكانت ظريفة صاحبة أدب وكانت هيبة سليمان بن عبد الملك تفوق هيبة المروانيين فلما بلغها هذا البيت شق عليها فدخلت على سليمان وشكت الفرزدق فأمر سليمان بإشخاص الفرزدق على أفظع الوجوه مكبلاً مقيداً فلما حضر وما كان به من الرمق إلا مقدار ما يقيمه على الرجل من شدة الهيبة فقال له سليمان بن عبد الملك: أنت القائل:
لقد ضاع شعري على بابكم ... كما ضاع در على خالصة
فقال ما قلته هكذا وإنما غيره عليَّ من أراد بي مكروهاً وإنما قلت- وخالصة من وراء الستر تسمع-:
لقد ضاء شعري على بابكم ... كما ضاء در على خالصة
فسرى عن خالصة فلم تملك نفسها أن خرجت من الستر فألقت على الفرزدق ما كان عليها من الحلي وهي زيادة على ألف ألف درهم فأتبعه سليمان بن عبد الملك حاجبه لما خرج من عنده حتى اشترى الحلي من الفرزدق بمئة ألف ورده على خالصة.
5- دعا المنصور أبا حنيفة يوماً فقال الربيع -وهو يعاديه- يا أمير المؤمنين هذا يعني أبا حنيفة يخالف جدك حيث يقول : الاستثناء المنفصل جائز وأبو حنيفة ينكره. فقال أبو حنيفة هذا الربيع يقول ليس لك بيعة في رقبة الناس. فقال: كيف؟ قال: أنهم يعقدون البيعة لك ثم يرجعون إلى منازلهم فيستثنون فتبطل بيعتهم فضحك المنصور وقال : إياك يا ربيع وأبا حنيفة. فلما خرج قال الربيع: يا أبا حنيفة سعيت في دمي. فقال أبو حنيفة: كنت البادي وأنا المدافع.
6- ويحكى أن مسلماً قتل ذمياً عمداً فحكم أبو يوسف بقتل المسلم به فبلغ زبيدة ذلك فبعثت إلى أبي يوسف فقالت: إياك وأن تقتل المسلم وكانت في عناية عظيمة بأمر المسلمين فلما حضر أبو يوسف وحضر الفقهاء وجيء بأولياء الذمي والمسلم فقال له الرشيد أحكمْ بقتله. فقال: يا أمير المؤمنين هو مذهبي غير أني لست أقتل المسلم به حتى تقوم البينة العادلة أن الذمي يوم قتله المسلم كان ممن يؤدي الجزية فلم يقدروا عليه فبطل دمه.
7- دخل الغضبان على الحجاج بعدما قال لعدوه عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث تغد بالحجاج قبل أن يتعشى بك فقال له ما جواب السلام عليك؟ فقال وعليك السلام ثم فطن الحجاح، وقال: قاتلك الله يا غضبان ، أخذت لنفسك أمانا بردي عليك أما والله لولا الوفاء والكرم ، لما شربت الماء البارد بعد ساعتك هذه . قال الإمام الرازي: فانظر إلى فائدة العلم في هذه الصورة فلله در العلم ومن به تردى ، وتعسا للجهل ومن في أوديته تردى
8- بلغ عبد الملك بن مروان قول الشاعر :
ومنا سويد والبطين وقعنب ... ومنا أمير المؤمنين شبيب
فأمر به فأدخل عليه، فقال: أنت القائل ومنا أمير ُالمؤمنين شبيب؟ فقال : إنما قلت ومنا أميرَ المؤمنين شبيب ، -بنصب الراء- فناديتك واستغثت بك ، فسرى عن عبد الملك وتخلص الرجل من الهلاك بصنعة يسيرة عملها بعلمه، وهو أنه حول الضمة فتحة.
9- قال أبو مسلم صاحب الدولة لسليمان بن كثير : بلغني أنك كنت في مجلس وقد جرى بين يديك ذكري، فقلت: اللهم سود وجهه واقطع عنقه وأسقني من دمه، فقال : نعم قلته، ولكن في كرم كذا لما نظرت إلى الحصرم فاستحسن قوله وعفا عنه. أي أنه قصد الحصرم بدعائه-.
10- قال رجل لأبي حنيفة : إني حلفت لا أكلم امرأتي حتى تكلمني وحلفت بصدقة ما تملك أن لا تكلمني أو أكلمها فتحير الفقهاء فيه فقال سفيان من كلم صاحبه حنث فقال أبو حنيفة: اذهب وكلمها ولا حنث عليكما. فذهب إلى سفيان وأخبره بما قال أبو حنيفة؛ فذهب سفيان إلى أبي حنيفة مغضباً وقال: تبيح الفروج فقال أبو حنيفة: وما ذاك؟ قال سفيان : أعيدوا على أبي حنيفة السؤال ، فأعادوا وأعاد أبو حنيفة الفتوى، فقال من أين قلت؟ قال : لما شافهَتْه باليمين بعدما حلف كانت مكلمة فسقطت يمينه، وإن كلمها فلا حنث عليه ولا عليها؛ لأنه قد كلمها بعد اليمين فسقطت اليمين عنهما . قال سفيان: إنه ليكشف لك من العلم عن شيء كلنا عنه غافل.
11- دخل اللصوص على رجل فأخذوا متاعه واستحلفوه بالطلاق ثلاثاً أن لا يعلم أحداً ، فأصبح الرجل وهو يرى اللصوص يبيعون متاعه وليس يقدر أن يتكلم من أجل يمينه ، فجاء الرجل يشاور أبا حنيفة فقال : أحضر لي إمام مسجدك وأهل محلتك فأحضرهم إياه ، فقال لهم أبو حنيفة . هل تحبون أن يرد الله على هذا متاعه؟ قالوا : نعم ، قال : فاجمعوا كلاً منهم وأدخلوهم في دار ثم أخرجوهم واحداً واحداً ، وقولوا أهذا لصك؟ فإن كان ليس بلصه قال : لا ، وإن كان لصه فليسكت ، وإذا سكت فاقبضوا عليه ، ففعلوا ما أمرهم به أبو حنيفة ، فرد الله عليه جميع ما سرق منه.
12-كان في جوار أبي حنيفة فتى يغشى مجلس أبي حنيفة ، فقال يوماً لأبي حنيفة: إني أريد أن أتزوج ابنة فلان وقد خطبتها ، إلا أنهم قد طلبوا مني من المهر فوق طاقتي ، فقال: احتل واقترض وادخل عليها ، فإن الله تعالى يسهل الأمر عليك بعد ذلك ، ثم أقرضه أبو حنيفة ذلك القدر؛ ثم قال له: بعد الدخول أظهر أنك تريد الخروج من هذا البلد إلى بلد بعيد، وأنك تسافر بأهلك معك: فأظهر الرجل ذلك. فاشتد ذلك على أهل المرأة وجاؤا إلى أبي حنيفة يشكونه ويستفتونه، فقال لهم أبو حنيفة: له ذلك، فقالوا : وكيف الطريق إلى دفع ذلك؟ فقال أبو حنيفة: الطريق أن ترضوه بأن تردوا عليه ما أخذتموه منه، فأجابوه إليه؛ فذكر أبو حنيفة ذلك للزوج، فقال الزوج: فأنا أريد منهم شيئاً آخر فوق ذلك، فقال أبو حنيفة : أيما أحب إليك أن ترضى بهذا القدر وإلا أقرْ لرجل بدين فلا تملك المسافرة بها حتى تقضي ما عليك من الدين فقال الرجل: الله الله لا يسمعوا بهذا فلا آخذ منهم شيئاً ورضي بذلك القدر فحصل ببركة علم أبي حنيفة فرج كل واحد من الخصمين.
13-عن الليث بن سعد قال : قال رجل لأبي حنيفة؛ لي ابن ليس بمحمود السيرة أشتري له الجارية بالمال العظيم فيعتقها وأزوجه المرأة بالمال العظيم فيطلقها فقال له أبو حنيفة: إذهب به معك إلى سوق النخاسين فإذا وقعت عينه على جارية فابتعها لنفسك ثم زوجها إياه فإن طلقها عادت إليك مملوكة وإن أعتقها لم يجز عتقه إياها، قال الليث: فوالله ما أعجبني جوابه كما أعجبني سرعة جوابه.
14-سئل أبو حنيفة عن رجل حلف ليقربن امرأته نهاراً في رمضان فلم يعرف أحد وجه الجواب فقال أبو حنيفة: يسافر مع امرأته فيطؤها نهاراً في رمضان.
15- جاء رجل إلى الحجاج فقال: سُرقت لي أربعة آلاف درهم فقال الحجاج: من تتهم؟ فقال : لا أتهم أحداً. قال: لعلك أتيت من قبل أهلك؟ قال : سبحان الله امرأتي خير من ذلك. قال الحجاج لعطاره: إعمل لي طيباً ذكياً ليس له نظير فعمل له الطيب ثم دعا الشيخ فقال: ادهن من هذه القارورة ولا تدهن منها غيرك ثم قال الحجاج لحرسه: اقعدوا على أبواب المساجد وأراهم الطيب وقال من وجد منه ريح هذا الطيب فخذوه فإذا رجل له وفرة فأخذوه فقال الحجاج من أين لك هذا الدهن؟ قال: اشتريته قال : أصدقني وإلا قتلتك فصدقه فدعا الشيخ وقال: هذا صاحب الأربعة آلاف عليك بامرأتك فأحسن أدبها، ثم أخذ الأربعة آلاف من الرجل، وردها إلى صاحبها.
16- قال الرشيد يوماً لأبي يوسف: عند جعفر بن عيسى جارية هي أحب الناس إليّ وقد عرف ذلك وقد حلف أن لا يبيع ولا يهب ولا يعتق ، وهو الآن يطلب حل يمينه .
فقال : يهب النصف ويبيع النصف ولا يحنث.
17- قال محمد بن الحسن: كنت نائماً ذات ليلة ، فإذا أنا بالباب يدق ويقرع فقلت: انظروا من ذاك؟ فقالوا: رسول الخليفة يدعوكَ فخفتُ على روحي فقمت ومضيت إليه ، فلما دخلت عليه قال: دعوتك في مسألة: إن أم محمد يعني زبيدة قلت لها أنا الإمام العدل، والإمام العدل في الجنة، فقالت لي إنك ظالم عاصٍ فقد شهدت لنفسك بالجنة فكفرت بكذبك على الله وحرمت عليك، فقلت له يا أمير المؤمنين إذا وقعت في معصية هل تخاف الله في تلك الحالة أو بعدها : فقال إي والله أخاف خوفاً شديداً ، فقلت : أنا أشهد أن لك جنتين ، لا جنة واحدة قال تعالى :
{ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنَّتَانِ } [ الرحمن : 46 ] فلاطفني وأمرني بالانصراف فلما رجعت إلى داري رأيت البدر متبادرة إلي.
18- يحكى أن أبا يوسف أتاه ذات ليلة رسول الرشيد يستعجله ، فخاف أبو يوسف على نفسه، فلبس إزاره ومشى خائفاً إلى دار الخليفة، فلما دخل عليه سلم فرد عليه الجواب وأدناه، فعند ذلك هدأ روعه، قال الرشيد إن حلياً لنا فقد من الدار فاتهمت فيه جارية من جواري الدار الخاصة ، فحلفت لتصدقيني أولأقتلنك وقد ندمت فاطلب لي وجهاً؛ فقال أبو يوسف: فأذن لي في الدخول عليها فأذن له فرأى جارية كأنها فلقة قمر؛ فأخلى المجلس ثم قال لها: أمعك الحلى؟ فقالت : لا والله ، فقال لها : احفظي ما أقول لك ولا تزيدي عليه ولا تنقصي عنه إذا دعاك الخليفة وقال لك أسرقت الحلى فقولي نعم ، فإذا قال لك فهاتها فقولي ما سرقتها ، ثم خرج أبو يوسف إلى مجلس الرشيد وأمر بإحضار الجارية فحضرت، فقال للخليفة : سلها عن الحلى ، فقال لها الخليفة : أسرقت الحلى؟ قالت : نعم ، قال لها : فهاتها ، قالت: لم أسرقها والله ، قال أبو يوسف : قد صدقتكَ يا أمير المؤمنين في الإقرار أو الإنكار وخرجتَ من اليمين ، فسكن غضب الرشيد وأمر أن يحمل إلى دار أبي يوسف مائة ألف درهم ، فقالوا: إن الخزان غيب فلو أخرنا ذلك إلى الغد ، فقال : إن القاضي أعتقنا الليلة فلا نؤخر صلته إلى الغد ، فأمر حتى حمل عشر بدر مع أبي يوسف إلى منزله.
19- قال بشر المريسي للشافعي: كيف تدعي انعقاد الإجماع مع أن أهل المشرق والمغرب لا يمكن معرفة وجود إجماعهم على الشيء الواحد وكانت هذه المناظرة عند الرشيد ، فقال الشافعي: هل تعرف إجماع الناس على خلافة هذا الجالس؟ فأقر به خوفاً وانقطع.
20- أعرابي قصد الحسين بن علي رضي الله عنهما، فسلم عليه وسأله حاجة وقال: سمعت جدك يقول: إذا سألتم حاجة فاسألوها من أحد أربعة: إما عربي شريف، أو مولى كريم، أو حامل القرآن، أو صاحب وجه صبيح. فأما العرب فشرفت بجدك، وأما الكرم فدأبكم وسيرتكم، وأما القرآن ففي بيوتكم نزل، وأما الوجه الصبيح فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا أردتم أن تنظروا إليّ فانظروا إلى الحسن والحسين، فقال الحسين: ما حاجتك؟ فكتبها على الأرض، فقال الحسين سمعت أبي علياً يقول قيمة كل امرىء ما يحسنه. وسمعت جدي يقول: المعروف بقدر المعرفة فأسألك عن ثلاث مسائل إن أحسنت في جواب واحدة فلك ثلث ما عندي وإن أجبت عن اثنتين فلك ثلثا ما عندي وإن أجبت عن الثلاث فلك كل ما عندي وقد حمل إليّ صرة مختومة من العراق. فقال: سل ولا حول ولا قوة إلا بالله. فقال: أي الأعمال أفضل؟ قال الأعرابي: الإيمان بالله. قال: فما نجاة العبد من الهلكة. قال: الثقة بالله. قال: فما يزين المرء. قال: علم معه حلم. قال: فإن أخطأه ذلك قال: فمال معه كرم. قال: فإن أخطأه ذلك قال: ففقر معه صبر. قال: فإن أخطأه ذلك قال: فصاعقة تنزل من السماء فتحرقه فضحك الحسين ورمى بالصرة إليه.
21-حكى محمد بن عبد الكريم الشهرستاني في أول كتابه المسمى «بالملل والنحل» عن ماري شارح الأناجيل الأربعة وهي مذكورة في التوراة متفرقة على شكل مناظرة بينه وبين الملائكة بعد الأمر بالسجود قال إبليس للملائكة إني أسلم أن لي إلهاً هو خالقي، وموجدي، وهو خالق الخلق، لكن لي على حكمة الله تعالى أسئلة سبعة، الأولى: ما الحكمة في الخلق لا سيما إن كان عالماً بأن الكافر لا يستوجب عند خلقه الآلام؟ الثاني: ثم ما الفائدة في التكليف مع أنه لا يعود منه ضر ولا نفع وكل ما يعود إلى المكلفين فهو قادر على تحصيله لهم من غير واسطة التكليف؟ الثالث: هب أنه كلفني بمعرفته وطاعته فلماذا كلفني السجود لآدم؟ الرابع: ثم لما عصيته في ترك السجود لآدم فلم لعنني وأوجب عقابي مع أنه لا فائدة له ولا لغيره فيه، ولي فيه أعظم الضرر؟ الخامس: ثم لما فعل ذلك فلم مكنني من الدخول إلى الجنة ووسوست لآدم عليه السلام؟ السادس: ثم لما فعلت ذلك فلم سلطني على أولاده ومكنني من إغوائهم وإضلالهم؟ السابع: ثم لما استمهلته المدة الطويلة في ذلك، فلم أمهلني. ومعلوم أن العالم لو كان خالياً عن الشر لكان ذلك خيراً؟ قال شارح الأناجيل: فأوحى الله تعالى إليه من سرادقات الجلال والكبرياء : يا إبليس إنك ما عرفتني ، ولو عرفتني لعلمت أنه لا عتراض علىَّ في شيء من أفعالي فإني أنا الله لا إله إلا أنا لا أسأل عما أفعل .
22-وروى أن مناظرة دارت بين أبي عمرو بن العلاء، وبين عمرو بن عبيد-من شيوخ المعتزلة- قال أبو عمرو بن العلاء لعمرو بن عبيد: ما تقول في أصحاب الكبائر؟ قال: أقول إن الله وعد وعداً، وأوعد إيعاداً، فهو منجز إيعاده، كما هو منجز وعده ، فقال أبو عمرو بن العلاء: إنك رجل أعجم، لا أقول أعجم اللسان ولكن أعجم القلب، إن العرب تعد الرجوع عن الوعد لؤما وعن الإيعاد كرما وأنشد:
وإني وإن أوعدته أو وعدته ... لمكذب إيعادي ومنجز موعدي
واعلم أن المعتزلة حكوا أن أبا عمرو بن العلاء لما قال هذا الكلام قال له عمرو بن عبيد: يا أبا عمرو فهل يسمى الله مكذب نفسه؟ فقال: لا ، فقال عمرو بن عبيد: فقد سقطت حجتك ، قالوا: فانقطع أبو عمرو بن العلاء .
وعندي-أي الإمام الرازي- أنه كان لأبي عمرو بن العلاء أن يجيب عن هذا السؤال فيقول : إنك قست الوعيد على الوعد وأنا إنما ذكرت هذا لبيان الفرق بين البابين، وذلك لأن الوعد حق عليه والوعيد حق له، ومن أسقط حق نفسه فقد أتى بالجود والكرم، ومن أسقط حق غيره فذلك هو اللؤم، فظهر الفرق بين الوعد والوعيد، وبطل قياسك، وإنما ذكرت هذا الشعر لإيضاح هذا الفرق، فأما قولك: لو لم يفعل لصار كاذباً ومكذباً نفسه، فجوابه: أن هذا إنما يلزم لو كان الوعيد ثابتاً جزماً من غير شرط، وعندي جميع الوعيدات مشروطة بعدم العفو، فلا يلزم من تركه دخول الكذب في كلام الله تعالى، فهذا ما يتعلق بهذه الحكاية ، والله أعلم .
يتبع
تعليق