استراحة مع بعض المناظرات والحكايات من تاريخنا

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • علي عبد اللطيف
    طالب علم
    • Dec 2007
    • 730

    #1

    استراحة مع بعض المناظرات والحكايات من تاريخنا

    {بسم الله الرحمن الرحيم}
    الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
    فهذه استراحة مع بعض المناظرات والحكايات [من 1 إلى 22 من تفسير الإمام الرازي رحمه الله و23-28 من طبقات ابن السبكي و 29-31 من الطبقات السنية]
    1-حكي أن هرون الرشيد كان معه فقهاء وكان فيهم أبو يوسف فأتي برجل فادعى عليه آخر أنه أخذ من بيته مالاً بالليل فأقر الآخذ بذلك في المجلس فاتفق الفقهاء على أنه تقطع يده. فقال أبو يوسف: لا قطع عليه، قالوا لم؟ قال لأنه أقر بالأخذ والأخذ لا يوجب القطع بل لا بدّ من الاعتراف بالسرقة فصدقه الكل في قوله، ثم قالوا للآخذ أسرقتها؟ قال : نعم ، فأجمعوا كلهم على أنه وجب القطع لأنه أقر بالسرقة فقال أبو يوسف: لا قطع لأنه وإن أقر بالسرقة لكن بعد ما وجب الضمان عليه بإقراره بالأخذ فإذا أقر بالسرقة بعد ذلك فهو بهذا الإقرار يسقط الضمان عن نفسه فلا يسمع إقراره فتعجب الكل من ذلك.
    2- عن الشعبي كنت عند الحجاج فأتي بيحيى بن يعمر فقيه خراسان من بلخ مكبلاً بالحديد فقال له الحجاج أنت زعمت أن الحسن والحسين من ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : بلى فقال: الحجاج لتأتيني بها واضحة بينة من كتاب الله أو لأقطعنك عضواً عضواً.
    فقال: آتيك بها واضحة بينة من كتاب الله يا حجاج.
    قال : فتعجبت من جرأته بقوله يا حجاج.
    فقال له: ولا تأتني بهذه الآية { نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ } [ آل عمران : 61 ]
    فقال: آتيك بها واضحة من كتاب الله وهو قوله : { وَنُوحاً هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرّيَّتِهِ دَاودُ وسليمان } [ الأنعام : 84 ] إلى قوله : { وَزَكَرِيَّا ويحيى وعيسى } فمن كان أبو عيسى وقد ألحق بذرية نوح؟ قال : فأطرق ملياً ثم رفع رأسه فقال : كأني لم أقرأ هذه الآية من كتاب الله حلوا وثاقه وأعطوه من المال كذا.
    3-يحكى أن جماعة من أهل المدينة جاءوا إلى أبي حنيفة ليناظروه في القراءة خلف الإمام ويبكتوه ويشنعوا عليه فقال لهم: لا يمكنني مناظرة الجميع ففوضوا أمر المناظرة إلى أعلمكم لأناظره، فأشاروا إلى واحد فقال: هذا أعلمكم؟ قالوا: نعم، قال: والمناظرة معه كالمناظرة معكم؟ قالوا: نعم، قال: والإلزام عليه كالإلزام عليكم؟ قالوا: نعم، قال: وإن ناظرته وألزمته الحجة فقد لزمتكم الحجة؟ قالوا: نعم، قال: كيف؟ قالوا: لأنا رضينا به إماماً فكان قوله قولاً لنا، قالأبو حنيفة: فنحن لما اخترنا الإمام في الصلاة كانت قراءته قراءة لنا وهو ينوب عنا فأقروا له بالإلزام.
    4-هجا الفرزدق واحداً فقال:
    لقد ضاع شعري على بابكم ... كما ضاع در على خالصة
    وكانت خالصة معشوقة سليمان بن عبد الملك وكانت ظريفة صاحبة أدب وكانت هيبة سليمان بن عبد الملك تفوق هيبة المروانيين فلما بلغها هذا البيت شق عليها فدخلت على سليمان وشكت الفرزدق فأمر سليمان بإشخاص الفرزدق على أفظع الوجوه مكبلاً مقيداً فلما حضر وما كان به من الرمق إلا مقدار ما يقيمه على الرجل من شدة الهيبة فقال له سليمان بن عبد الملك: أنت القائل:
    لقد ضاع شعري على بابكم ... كما ضاع در على خالصة
    فقال ما قلته هكذا وإنما غيره عليَّ من أراد بي مكروهاً وإنما قلت- وخالصة من وراء الستر تسمع-:
    لقد ضاء شعري على بابكم ... كما ضاء در على خالصة
    فسرى عن خالصة فلم تملك نفسها أن خرجت من الستر فألقت على الفرزدق ما كان عليها من الحلي وهي زيادة على ألف ألف درهم فأتبعه سليمان بن عبد الملك حاجبه لما خرج من عنده حتى اشترى الحلي من الفرزدق بمئة ألف ورده على خالصة.
    5- دعا المنصور أبا حنيفة يوماً فقال الربيع -وهو يعاديه- يا أمير المؤمنين هذا يعني أبا حنيفة يخالف جدك حيث يقول : الاستثناء المنفصل جائز وأبو حنيفة ينكره. فقال أبو حنيفة هذا الربيع يقول ليس لك بيعة في رقبة الناس. فقال: كيف؟ قال: أنهم يعقدون البيعة لك ثم يرجعون إلى منازلهم فيستثنون فتبطل بيعتهم فضحك المنصور وقال : إياك يا ربيع وأبا حنيفة. فلما خرج قال الربيع: يا أبا حنيفة سعيت في دمي. فقال أبو حنيفة: كنت البادي وأنا المدافع.
    6- ويحكى أن مسلماً قتل ذمياً عمداً فحكم أبو يوسف بقتل المسلم به فبلغ زبيدة ذلك فبعثت إلى أبي يوسف فقالت: إياك وأن تقتل المسلم وكانت في عناية عظيمة بأمر المسلمين فلما حضر أبو يوسف وحضر الفقهاء وجيء بأولياء الذمي والمسلم فقال له الرشيد أحكمْ بقتله. فقال: يا أمير المؤمنين هو مذهبي غير أني لست أقتل المسلم به حتى تقوم البينة العادلة أن الذمي يوم قتله المسلم كان ممن يؤدي الجزية فلم يقدروا عليه فبطل دمه.
    7- دخل الغضبان على الحجاج بعدما قال لعدوه عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث تغد بالحجاج قبل أن يتعشى بك فقال له ما جواب السلام عليك؟ فقال وعليك السلام ثم فطن الحجاح، وقال: قاتلك الله يا غضبان ، أخذت لنفسك أمانا بردي عليك أما والله لولا الوفاء والكرم ، لما شربت الماء البارد بعد ساعتك هذه . قال الإمام الرازي: فانظر إلى فائدة العلم في هذه الصورة فلله در العلم ومن به تردى ، وتعسا للجهل ومن في أوديته تردى
    8- بلغ عبد الملك بن مروان قول الشاعر :
    ومنا سويد والبطين وقعنب ... ومنا أمير المؤمنين شبيب
    فأمر به فأدخل عليه، فقال: أنت القائل ومنا أمير ُالمؤمنين شبيب؟ فقال : إنما قلت ومنا أميرَ المؤمنين شبيب ، -بنصب الراء- فناديتك واستغثت بك ، فسرى عن عبد الملك وتخلص الرجل من الهلاك بصنعة يسيرة عملها بعلمه، وهو أنه حول الضمة فتحة.
    9- قال أبو مسلم صاحب الدولة لسليمان بن كثير : بلغني أنك كنت في مجلس وقد جرى بين يديك ذكري، فقلت: اللهم سود وجهه واقطع عنقه وأسقني من دمه، فقال : نعم قلته، ولكن في كرم كذا لما نظرت إلى الحصرم فاستحسن قوله وعفا عنه. أي أنه قصد الحصرم بدعائه-.
    10- قال رجل لأبي حنيفة : إني حلفت لا أكلم امرأتي حتى تكلمني وحلفت بصدقة ما تملك أن لا تكلمني أو أكلمها فتحير الفقهاء فيه فقال سفيان من كلم صاحبه حنث فقال أبو حنيفة: اذهب وكلمها ولا حنث عليكما. فذهب إلى سفيان وأخبره بما قال أبو حنيفة؛ فذهب سفيان إلى أبي حنيفة مغضباً وقال: تبيح الفروج فقال أبو حنيفة: وما ذاك؟ قال سفيان : أعيدوا على أبي حنيفة السؤال ، فأعادوا وأعاد أبو حنيفة الفتوى، فقال من أين قلت؟ قال : لما شافهَتْه باليمين بعدما حلف كانت مكلمة فسقطت يمينه، وإن كلمها فلا حنث عليه ولا عليها؛ لأنه قد كلمها بعد اليمين فسقطت اليمين عنهما . قال سفيان: إنه ليكشف لك من العلم عن شيء كلنا عنه غافل.
    11- دخل اللصوص على رجل فأخذوا متاعه واستحلفوه بالطلاق ثلاثاً أن لا يعلم أحداً ، فأصبح الرجل وهو يرى اللصوص يبيعون متاعه وليس يقدر أن يتكلم من أجل يمينه ، فجاء الرجل يشاور أبا حنيفة فقال : أحضر لي إمام مسجدك وأهل محلتك فأحضرهم إياه ، فقال لهم أبو حنيفة . هل تحبون أن يرد الله على هذا متاعه؟ قالوا : نعم ، قال : فاجمعوا كلاً منهم وأدخلوهم في دار ثم أخرجوهم واحداً واحداً ، وقولوا أهذا لصك؟ فإن كان ليس بلصه قال : لا ، وإن كان لصه فليسكت ، وإذا سكت فاقبضوا عليه ، ففعلوا ما أمرهم به أبو حنيفة ، فرد الله عليه جميع ما سرق منه.
    12-كان في جوار أبي حنيفة فتى يغشى مجلس أبي حنيفة ، فقال يوماً لأبي حنيفة: إني أريد أن أتزوج ابنة فلان وقد خطبتها ، إلا أنهم قد طلبوا مني من المهر فوق طاقتي ، فقال: احتل واقترض وادخل عليها ، فإن الله تعالى يسهل الأمر عليك بعد ذلك ، ثم أقرضه أبو حنيفة ذلك القدر؛ ثم قال له: بعد الدخول أظهر أنك تريد الخروج من هذا البلد إلى بلد بعيد، وأنك تسافر بأهلك معك: فأظهر الرجل ذلك. فاشتد ذلك على أهل المرأة وجاؤا إلى أبي حنيفة يشكونه ويستفتونه، فقال لهم أبو حنيفة: له ذلك، فقالوا : وكيف الطريق إلى دفع ذلك؟ فقال أبو حنيفة: الطريق أن ترضوه بأن تردوا عليه ما أخذتموه منه، فأجابوه إليه؛ فذكر أبو حنيفة ذلك للزوج، فقال الزوج: فأنا أريد منهم شيئاً آخر فوق ذلك، فقال أبو حنيفة : أيما أحب إليك أن ترضى بهذا القدر وإلا أقرْ لرجل بدين فلا تملك المسافرة بها حتى تقضي ما عليك من الدين فقال الرجل: الله الله لا يسمعوا بهذا فلا آخذ منهم شيئاً ورضي بذلك القدر فحصل ببركة علم أبي حنيفة فرج كل واحد من الخصمين.
    13-عن الليث بن سعد قال : قال رجل لأبي حنيفة؛ لي ابن ليس بمحمود السيرة أشتري له الجارية بالمال العظيم فيعتقها وأزوجه المرأة بالمال العظيم فيطلقها فقال له أبو حنيفة: إذهب به معك إلى سوق النخاسين فإذا وقعت عينه على جارية فابتعها لنفسك ثم زوجها إياه فإن طلقها عادت إليك مملوكة وإن أعتقها لم يجز عتقه إياها، قال الليث: فوالله ما أعجبني جوابه كما أعجبني سرعة جوابه.
    14-سئل أبو حنيفة عن رجل حلف ليقربن امرأته نهاراً في رمضان فلم يعرف أحد وجه الجواب فقال أبو حنيفة: يسافر مع امرأته فيطؤها نهاراً في رمضان.
    15- جاء رجل إلى الحجاج فقال: سُرقت لي أربعة آلاف درهم فقال الحجاج: من تتهم؟ فقال : لا أتهم أحداً. قال: لعلك أتيت من قبل أهلك؟ قال : سبحان الله امرأتي خير من ذلك. قال الحجاج لعطاره: إعمل لي طيباً ذكياً ليس له نظير فعمل له الطيب ثم دعا الشيخ فقال: ادهن من هذه القارورة ولا تدهن منها غيرك ثم قال الحجاج لحرسه: اقعدوا على أبواب المساجد وأراهم الطيب وقال من وجد منه ريح هذا الطيب فخذوه فإذا رجل له وفرة فأخذوه فقال الحجاج من أين لك هذا الدهن؟ قال: اشتريته قال : أصدقني وإلا قتلتك فصدقه فدعا الشيخ وقال: هذا صاحب الأربعة آلاف عليك بامرأتك فأحسن أدبها، ثم أخذ الأربعة آلاف من الرجل، وردها إلى صاحبها.
    16- قال الرشيد يوماً لأبي يوسف: عند جعفر بن عيسى جارية هي أحب الناس إليّ وقد عرف ذلك وقد حلف أن لا يبيع ولا يهب ولا يعتق ، وهو الآن يطلب حل يمينه .
    فقال : يهب النصف ويبيع النصف ولا يحنث.
    17- قال محمد بن الحسن: كنت نائماً ذات ليلة ، فإذا أنا بالباب يدق ويقرع فقلت: انظروا من ذاك؟ فقالوا: رسول الخليفة يدعوكَ فخفتُ على روحي فقمت ومضيت إليه ، فلما دخلت عليه قال: دعوتك في مسألة: إن أم محمد يعني زبيدة قلت لها أنا الإمام العدل، والإمام العدل في الجنة، فقالت لي إنك ظالم عاصٍ فقد شهدت لنفسك بالجنة فكفرت بكذبك على الله وحرمت عليك، فقلت له يا أمير المؤمنين إذا وقعت في معصية هل تخاف الله في تلك الحالة أو بعدها : فقال إي والله أخاف خوفاً شديداً ، فقلت : أنا أشهد أن لك جنتين ، لا جنة واحدة قال تعالى :
    { وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنَّتَانِ } [ الرحمن : 46 ] فلاطفني وأمرني بالانصراف فلما رجعت إلى داري رأيت البدر متبادرة إلي.
    18- يحكى أن أبا يوسف أتاه ذات ليلة رسول الرشيد يستعجله ، فخاف أبو يوسف على نفسه، فلبس إزاره ومشى خائفاً إلى دار الخليفة، فلما دخل عليه سلم فرد عليه الجواب وأدناه، فعند ذلك هدأ روعه، قال الرشيد إن حلياً لنا فقد من الدار فاتهمت فيه جارية من جواري الدار الخاصة ، فحلفت لتصدقيني أولأقتلنك وقد ندمت فاطلب لي وجهاً؛ فقال أبو يوسف: فأذن لي في الدخول عليها فأذن له فرأى جارية كأنها فلقة قمر؛ فأخلى المجلس ثم قال لها: أمعك الحلى؟ فقالت : لا والله ، فقال لها : احفظي ما أقول لك ولا تزيدي عليه ولا تنقصي عنه إذا دعاك الخليفة وقال لك أسرقت الحلى فقولي نعم ، فإذا قال لك فهاتها فقولي ما سرقتها ، ثم خرج أبو يوسف إلى مجلس الرشيد وأمر بإحضار الجارية فحضرت، فقال للخليفة : سلها عن الحلى ، فقال لها الخليفة : أسرقت الحلى؟ قالت : نعم ، قال لها : فهاتها ، قالت: لم أسرقها والله ، قال أبو يوسف : قد صدقتكَ يا أمير المؤمنين في الإقرار أو الإنكار وخرجتَ من اليمين ، فسكن غضب الرشيد وأمر أن يحمل إلى دار أبي يوسف مائة ألف درهم ، فقالوا: إن الخزان غيب فلو أخرنا ذلك إلى الغد ، فقال : إن القاضي أعتقنا الليلة فلا نؤخر صلته إلى الغد ، فأمر حتى حمل عشر بدر مع أبي يوسف إلى منزله.
    19- قال بشر المريسي للشافعي: كيف تدعي انعقاد الإجماع مع أن أهل المشرق والمغرب لا يمكن معرفة وجود إجماعهم على الشيء الواحد وكانت هذه المناظرة عند الرشيد ، فقال الشافعي: هل تعرف إجماع الناس على خلافة هذا الجالس؟ فأقر به خوفاً وانقطع.
    20- أعرابي قصد الحسين بن علي رضي الله عنهما، فسلم عليه وسأله حاجة وقال: سمعت جدك يقول: إذا سألتم حاجة فاسألوها من أحد أربعة: إما عربي شريف، أو مولى كريم، أو حامل القرآن، أو صاحب وجه صبيح. فأما العرب فشرفت بجدك، وأما الكرم فدأبكم وسيرتكم، وأما القرآن ففي بيوتكم نزل، وأما الوجه الصبيح فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا أردتم أن تنظروا إليّ فانظروا إلى الحسن والحسين، فقال الحسين: ما حاجتك؟ فكتبها على الأرض، فقال الحسين سمعت أبي علياً يقول قيمة كل امرىء ما يحسنه. وسمعت جدي يقول: المعروف بقدر المعرفة فأسألك عن ثلاث مسائل إن أحسنت في جواب واحدة فلك ثلث ما عندي وإن أجبت عن اثنتين فلك ثلثا ما عندي وإن أجبت عن الثلاث فلك كل ما عندي وقد حمل إليّ صرة مختومة من العراق. فقال: سل ولا حول ولا قوة إلا بالله. فقال: أي الأعمال أفضل؟ قال الأعرابي: الإيمان بالله. قال: فما نجاة العبد من الهلكة. قال: الثقة بالله. قال: فما يزين المرء. قال: علم معه حلم. قال: فإن أخطأه ذلك قال: فمال معه كرم. قال: فإن أخطأه ذلك قال: ففقر معه صبر. قال: فإن أخطأه ذلك قال: فصاعقة تنزل من السماء فتحرقه فضحك الحسين ورمى بالصرة إليه.
    21-حكى محمد بن عبد الكريم الشهرستاني في أول كتابه المسمى «بالملل والنحل» عن ماري شارح الأناجيل الأربعة وهي مذكورة في التوراة متفرقة على شكل مناظرة بينه وبين الملائكة بعد الأمر بالسجود قال إبليس للملائكة إني أسلم أن لي إلهاً هو خالقي، وموجدي، وهو خالق الخلق، لكن لي على حكمة الله تعالى أسئلة سبعة، الأولى: ما الحكمة في الخلق لا سيما إن كان عالماً بأن الكافر لا يستوجب عند خلقه الآلام؟ الثاني: ثم ما الفائدة في التكليف مع أنه لا يعود منه ضر ولا نفع وكل ما يعود إلى المكلفين فهو قادر على تحصيله لهم من غير واسطة التكليف؟ الثالث: هب أنه كلفني بمعرفته وطاعته فلماذا كلفني السجود لآدم؟ الرابع: ثم لما عصيته في ترك السجود لآدم فلم لعنني وأوجب عقابي مع أنه لا فائدة له ولا لغيره فيه، ولي فيه أعظم الضرر؟ الخامس: ثم لما فعل ذلك فلم مكنني من الدخول إلى الجنة ووسوست لآدم عليه السلام؟ السادس: ثم لما فعلت ذلك فلم سلطني على أولاده ومكنني من إغوائهم وإضلالهم؟ السابع: ثم لما استمهلته المدة الطويلة في ذلك، فلم أمهلني. ومعلوم أن العالم لو كان خالياً عن الشر لكان ذلك خيراً؟ قال شارح الأناجيل: فأوحى الله تعالى إليه من سرادقات الجلال والكبرياء : يا إبليس إنك ما عرفتني ، ولو عرفتني لعلمت أنه لا عتراض علىَّ في شيء من أفعالي فإني أنا الله لا إله إلا أنا لا أسأل عما أفعل .
    22-وروى أن مناظرة دارت بين أبي عمرو بن العلاء، وبين عمرو بن عبيد-من شيوخ المعتزلة- قال أبو عمرو بن العلاء لعمرو بن عبيد: ما تقول في أصحاب الكبائر؟ قال: أقول إن الله وعد وعداً، وأوعد إيعاداً، فهو منجز إيعاده، كما هو منجز وعده ، فقال أبو عمرو بن العلاء: إنك رجل أعجم، لا أقول أعجم اللسان ولكن أعجم القلب، إن العرب تعد الرجوع عن الوعد لؤما وعن الإيعاد كرما وأنشد:
    وإني وإن أوعدته أو وعدته ... لمكذب إيعادي ومنجز موعدي
    واعلم أن المعتزلة حكوا أن أبا عمرو بن العلاء لما قال هذا الكلام قال له عمرو بن عبيد: يا أبا عمرو فهل يسمى الله مكذب نفسه؟ فقال: لا ، فقال عمرو بن عبيد: فقد سقطت حجتك ، قالوا: فانقطع أبو عمرو بن العلاء .
    وعندي-أي الإمام الرازي- أنه كان لأبي عمرو بن العلاء أن يجيب عن هذا السؤال فيقول : إنك قست الوعيد على الوعد وأنا إنما ذكرت هذا لبيان الفرق بين البابين، وذلك لأن الوعد حق عليه والوعيد حق له، ومن أسقط حق نفسه فقد أتى بالجود والكرم، ومن أسقط حق غيره فذلك هو اللؤم، فظهر الفرق بين الوعد والوعيد، وبطل قياسك، وإنما ذكرت هذا الشعر لإيضاح هذا الفرق، فأما قولك: لو لم يفعل لصار كاذباً ومكذباً نفسه، فجوابه: أن هذا إنما يلزم لو كان الوعيد ثابتاً جزماً من غير شرط، وعندي جميع الوعيدات مشروطة بعدم العفو، فلا يلزم من تركه دخول الكذب في كلام الله تعالى، فهذا ما يتعلق بهذه الحكاية ، والله أعلم .
    يتبع
    الحمد لله
  • علي عبد اللطيف
    طالب علم
    • Dec 2007
    • 730

    #2
    23- مناظرة بين الشافعى وأحمد ابن حنبل رضى الله عنهما:
    حكى أن أحمد ناظر الشافعي في تارك الصلاة فقال له الشافعي يا أحمد أتقول إنه يكفر.
    قال أحمد: نعم. قال الشافعي: إذا كان كافرا فبم يسلم. قال أحمد: يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله.
    قال الشافعي: فالرجل مستديم لهذا القول لم يتركه.
    قال أحمد: يسلم بأن يصلي
    قال الشافعي: صلاة الكافر لا تصح ولا يحكم بالإسلام بها فانقطع أحمد وسكت. حكى هذه المناظرة أبو على الحسن بن عمار من أصحابنا وهو رجل موصلى من تلامذة فخر الإسلام الشاشى. التاج ابن السبكي
    24-وقريب من هذا ما يعجبني من عائشة بنت طلحة بن عبيد الله وهي بنت أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنه وعائشة أم المؤمنين خالتها وكانت هذه عائشة بنت طلحة على ما يقول المؤرخون أجمل نساء زمانها وأظرفهن وأخبارها في هذا الشأن كثيرة وقد تزوجها مصعب بن الزبير وجمع بينها وبين سكينة بنت الحسين بن علي.
    حجت عائشة بنت طلحة في ستين بغلا عليها الهوادج وفي حشمة زائدة وكانت سكينة أيضا قد حجت معها فكانت عائشة أحسن آلة وثقلا فأخذ الحداة يتراجزون بمن حملن فقال حادي عائشة:
    ( عائش يا ذات البغال الستين *** لا زلت ما عشت كذا تحجين )
    فشق ذلك على سكينة فنزل حاديها وقال:
    ( عائش هذي ضرة تشكوكِ *** لولا أبوها ما اهتدى أبوكِ )
    فأمرت عائشة حاديها حينئذ أن يكف فكف. فلله درها حيث كفت موضع الانكفاف أدبا مع رسول الله فقد كان الأمر والمفاخرة في الدنيا هزلا.
    فقلبته سكينة بذكر رسول الله جدا فأفحمت خصمها وأقامت عليه الحجة فلله درها من مناظرة عرفت مواقع الجدل ودر خصمتها من مذعنة للحق منقادة إلى الصدق. التاج ابن السبكي
    25-روي أن إسحاق ابن راهويه ناظر الشافعي وأحمد بن حنبل حاضر في جلود الميتة إذا دبغت.
    فقال الشافعي: دباغها طهورها. فقال إسحاق: ما الدليل.
    فقال الشافعي: حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن ميمونة أن النبي - صلى الله عليه و سلم - مر بشاة ميتة فقال ( هلا انتفعتم بجلدها )
    فقال إسحاق: حديث ابن عكيم كتب إلينا رسول الله قبل موته بشهر (لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب) أشبه أن يكون ناسخا لحديث ميمونة لأنه قبل موته بشهر.
    فقال الشافعي: هذا كتاب وذاك سماع.
    فقال إسحاق إن النبي - صلى الله عليه و سلم - كتب إلى كسرى وقيصر وكان حجة عليهم عند الله
    فسكت الشافعي. فلما سمع ذلك أحمد بن حنبل ذهب إلى حديث ابن عكيم وأفتى به ورجع إسحاق إلى حديث الشافعي فأفتى بحديث ميمونة.
    قلت-ابن السبكي- وهذه المناظرة حكاها البيهقي وغيره وقد يظن قاصر الفهم أن الشافعي انقطع فيها مع إسحاق وليس الأمر كذلك ويكفيه مع قصور فهمه أن يتأمل رجوع إسحاق إلى قول الشافعي فلو كانت حجته قد نهضت على الشافعي لما رجع إليه.
    ثم تحقيق هذا أن اعتراض إسحاق فاسد الوضع لا يقابل بغير السكوت بيانه أن كتاب عبد الله بن عكيم كتاب عارضه سماع ولم يتيقن أنه مسبوق بالسماع وإنما ظن ذلك ظنا لقرب التاريخ ومجرد هذا لا ينهض بالنسخ أما كتب رسول الله إلى كسرى وقيصر فلم يعارضها شيء بل عضدتها القرائن وساعدها التواتر الدال على أن هذا النبي - صلى الله عليه و سلم - جاء بالدعوة إلى ما في هذا الكتاب فلاح بهذا أن السكوت من الشافعي تسجيل على إسحاق بأن اعتراضه فاسد الوضع فلم يستحق عنده جوابا وهذا شأن الخارج عن المبحث عند الجدليين فإنه لا يقابل بغير السكوت ورب سكوت أبلغ من نطق ومن ثم رجع إليه إسحاق ولو كان السكوت لقيام الحجة لأكد ذلك ما عند إسحاق فافهم ما يلقى إليك.
    26-حكى الشيخ أبو محمد الجويني فى شرح الرسالة أن الشيخ أبا بكر الصيرفي اجتمع بالشيخ أبى الحسن فقال له أبو الحسن أنت تقول بوجوب شكر المنعم بناء على ما ذكرت من أنه يحتمل إرادة الشكر فإذا لم يشكر عاقبه عليه وقولك هذا مع اعتقاد أن الله خلق كفر الكافر وأراده متناقض فإما أن تقول أفعالنا مخلوقة لنا أو تقول شكر المنعم لا يجب أبدا لمجرده.
    قال ولم قال مذهبك أن الله يريد كفر الكافر وإرادته كفره لا توجب الكفر فهب أنه تعالى أراد منا الشكر فإرادته لا توجب الشكر كما لا توجب الكفر فإما أن تنفى إرادة الله تعالى الكفر وتمشى على مذهب المعتزلة ويمشى لك أصلك وإما أن تترك هذا المذهب. فقال الصيرفي ترك القول بوجوب الشكر أهون فاعتقده
    ثم كان يكتب على حواشي كتبه حيث يصير وجوب شكر المنعم بمجرده مهما قلنا بوجوبه قلناه مع قرينة الشرع والسمع به.
    27-مناظرة فى أن أسماء الله هل هي توقيفية:
    دخل رجل على الجبائي فقال هل يجوز أن يسمى الله تعالى عاقلا. فقال الجبائي لا لأن العقل مشتق من العقال وهو المانع والمنع في حق الله محال فامتنع الإطلاق.
    قال الشيخ أبو الحسن الأشعري فقلت له: فعلى قياسك لا يسمى الله سبحانه حكيما لأن هذا الاسم مشتق من حكمة اللجام وهى الحديدة المانعة للدابة عن الخروج ويشهد لذلك قول حسان بن ثابت رضي الله عنه:
    ( فنحكم بالقوافى من هجانا *** ونضرب حين تختلط الدماء )
    وقول الآخر:
    ( أبني حنيفة حكموا سفهاءكم *** إني أخاف عليكم أن أغضبا )
    أى نمنع بالقوافى من هجانا وامنعوا سفهاءكم.
    فإذا كان اللفظ مشتقا من المنع والمنع على الله محال لزمك أن تمنع إطلاق حكيم عليه سبحانه وتعالى.
    قال فلم يحر جوابا إلا أنه قال لي: فلمَ منعت أنت أن يسمى الله سبحانه عاقلا وأجزت أن يسمى حكيما.
    قال فقلت له: لأن طريقي في مأخذ أسماء الله الإذن الشرعي دون القياس اللغوي فأطلقت حكيما لأن الشرع أطلقه ومنعت عاقلا لان الشرع منعه ولو أطلقه الشرع لأطلقته.
    28-مناظرة بين القاضي عبد الجبار والأستاذ الإسفراييني:
    قال عبد الجبار في ابتداء جلوسه للمناظرة: سبحان من تنزه عن الفحشاء.
    فقال الأستاذ مجيبا: سبحان من لا يقع في ملكه إلا ما يشاء. فقال عبد الجبار: أفيشاء ربنا أن يعصى. فقال الأستاذ: أيعصى ربنا قهرا. فقال عبد الجبار أفرأيت إن منعني الهدى وقضى علي بالردى أحسن إلي أم أسا.
    فقال الأستاذ: إن كان منعك ما هو لك فقد أسا وإن منعك ما هو له فيختص برحمته من يشا. فانقطع عبد الجبار.
    29-وروى الخطيب في " تاريخه " ، عن محمد بن فضيل الزاهد، قال: سمعت أبا مُطيع، يقول: مات رجل وأوصى إلى أبي حنيفة وهو غائب. قال: فقدم أبو حنيفة، فارتفع إلى ابن شبرمة، وادعى الوصية، وأقام البينة، أن فلاناً مات وأوصى إليه. فقال ابن شبرمة: يا أبا حنيفة، أحلف أن شهودك شهدوا بحق.
    قال: ليس عليَّ يمينٌ. قال: ضلت مقاييسك يا أبا حنيفة. قال أبو حنيفة: بل " ضلت مقاييسك أنت "، ما تقول في أعمى شج، فشهد له شاهدان أن فلاناً شجه، هل على الأعمى يمين أن شهوده شهدوا بالحق، وهو لا يرى؟ " فانقطع ابن شبرمة " .
    30-وروى الخطيب أيضاً، عن النضر بن محمد، قال: دخل قتادة الكوفة، ونزل في دار أبي بُردة، فخرج يوماً، وقد اجتمع إليه خلق كثير، فقال قتادة: والله الذي لا إله إلا هو، ما يسألني اليوم أحدٌ عن الحلال والحرام إلا أجبته.
    فقام إليه أبو حنيفة، فقال: يا أبا الخطاب، ما تقول في رجل غاب عن أهله أعواماً، فظنت امرأته أن زوجها مات، فتزوجت، ثم رجع زوجها الأول، ما تقول في صداقها؟
    وقال لأصحابه الذين اجتمعوا إليه: لئن حدث بحديث ليكذبن، وإن قال برأي نفسه ليخطئن.
    فقال قتادة: وَيلك، أوقعت هذه المسألة؟ قال: لا. قال: فلِمَ تسألني عما لم يقع؟ فقال أبو حنيفة: إنا نستعد للبلاء قبل نزوله، فإذا وقع عرفنا الدخول فيه والخروج منه.
    قال قتادة: والله لا أحدثكم بشيء من الحلال والحرام، سلوني عن التفسير.
    فقام إليه أبو حنيفة، فقال له: يا أبا الخطاب ما تقول في قول الله تعالى: (قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتَابِ أنا آتِيكَ به قَبْلَ أن يَرتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ)؟. قال: نعم، هذا آصف بن برخيا بن شميعا، كاتب سليمان بن داود، وكان يعرف اسم الله الأعظم. فقال أبو حنيفة: وهل كان يعرف الاسم سليمان؟ قال: لا.
    قال: فيجوز أن يكون في زمان نبيٍّ من هو أعلم من النبي؟ قال: فقال قتادة: والله لا أحدثكم بشيء من التفسير، سلوني عما اختلف فيه العلماء.
    قال: فقام إليه أبو حنيفة، فقال: يا أبا الخطاب، أمؤمن أنت؟ قال: أرجو.
    قال: ولِمَ؟ قال: لقول إبراهيم عليه الصلاة والسلام: (وَالَّذِي أطمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئتِي يَوْمَ الدِّينِ).
    فقال أبو حنيفة: فهلا قلت كما قال إبراهيم، عليه الصلاة والسلام: (قَالَ أوَلَمْ تُؤمِنْ قَالَ بَلَى).
    قال: فقام قتادة مُغضباً، ودخل الدار، وحلف أن لا يحدثهم.
    31-وروى الخطيب أيضاً، عن الفضل بن غانم، قال: كان أبو يوسف مريضاً شديد المرض، فَعاده أبو حنيفة مراراً، فصار إليه آخر مرة، فرآه ثقيلاً، فاسترجع، ثم قال: لقد كنت أؤملك بعدي للمسلمين، ولئن أصيب الناس بك ليموتن علمٌ كثير.
    ثم رزق العافية، وخرج من العلة، فأُخبر أبو يوسف بقول أبي حنيفة فيه، فارتفعت نفسه، وانصرفت وجوه الناس إليه، فعقد لنفسه مجلساً في الفقه، وقصر عن لزوم مجلس أبي حنيفة، فسأل عنه، فأخبر أنه عقد لنفسه مجلساً، وأنه بلغه كلامك فيه.
    فدعا رجلا كان له عنده قدر، فقال: صِر إليه بعد أيام في طلب الثوب فقال له القصار: ما لك عندي شيء. أنكره، ثم إن رب الثوب رجع إليه، فدفع إليه الثوب مقصوراً، أله أجره؟. فإن قال: له أجره، فقل: أخطأت. وإن قال: لا أجر له. فقل: أخطأت.
    فصار إليه، فسأله، فقال أبو يوسف: له الأجرة. فقال: أخطأت. فنظر ساعة، ثم قال: لا أجرة له.
    فقال: أخطأت. فقام أبو يوسف من ساعته، فأتى أبا حنيفة، فقال له، ما جاء بك إلا مسألة القصار.
    قال: أجل. فقال: سبحان الله، من قعد يُفتي الناس، وعقد مجلساً يتكلم في دين الله، وهذا قدره، لا يُحسن أن يجيب في مسألة من الإجارات! فقال: يا أبا حنيفة، علمني.
    فقال: إن قصره بعدما غصبه فلا أجرة له، لأنه قصر لنفسه، وإن كان قصره قبل أن يغصبه، فله الأجرة، لأنه قصره لصاحبه. ثم قال: من ظن أن يستغني عن التعلم فليبك على نفسه. اهـ
    فقل أنت: رحم الله أبا حنيفة ونفع به ورضى عنه إذ قال:
    من ظن أن يستغني عن التعلم فليبك على نفسه
    [/SIZE]
    الحمد لله

    تعليق

    يعمل...