بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما
قال الشيخ الإمام العالم المحقق أبو عبد الله محمد بن الشيخ الولي الصالح أبي إسحاق يوسف السنوسي الحسني
نفعنا الله تعالى به بمنّه
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما
قال الشيخ الإمام العالم المحقق أبو عبد الله محمد بن الشيخ الولي الصالح أبي إسحاق يوسف السنوسي الحسني
نفعنا الله تعالى به بمنّه
الحمد لله حَقَّ حَمْدِهِ، والصلاةُ والسلامُ على سيدنا ومولانا محمد نبيِّه وعَبْدِه. وبعد؛ فهذه جملة مختصرة في شرح أسماء الله تعالى الحسنى وكيفية العمل بها، حتى يَجْمَع العبدُ الناظر في هذه الجملة بين المعرفة بالله والعمل بأحكام الله، وذلك كفيل بالسعادة الأخروية على حسب ما نص عليه الصادق والمصدَّق ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ في قوله: «إن لله تسعة وتسعين اسمًا، مائة إلا واحدا، من أحصاها دخل الجنة» . قيل: أحصاها عِلْمًا وعَمَلاً.
وهذه الجملة المختصرة وافية ببيان الأمرين بفضل الله تعالى، نسأل الله تعالى أن ينفع بها مؤلِّفها وناظِرَها بجاه أشرف خَلْقِه سيدنا ومولانا محمد صلوات الله وسلامه عليه.
اللهُ
وحظُّ العَبْدِ منه دوامُ التعلُّقِ به في الظاهر والباطن، والفناء به عن كل ما سواه تَبَارَكَ وَتَعَالَى؛ لأنه لمَّا كان اسمًا جامعًا للذات والصفات والأفعال امتَحَى من القلب، عند استحضارِ كمال هذه الثلاثة العديمة المثال في حقه تعالى، كلُّ ما عداه ـ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ـ من الذوات والصفات والأفعال.
ولهذا كان هذا الاسم الأعظم، الفَرْدُ الجامِعُ، ذِكْرًا لأصحاب الفناء والبقاء . نسأله سبحانه أن يَمُنَّ علينا بما مَنَّ به عليهم بلا مِحنَة.
الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ
هما اسمان مشتقان من الرحمة، وهي في حقِّه ـ تعالى ـ بمعنى إرادة الإنعام الدنيوي والأخروي فتكون صفة ذَاتٍ، أو بمعنى نفس الإنعام فتكون صفة فِعْلٍ. وأمّا معناهما الحقيقي ـ الذي هو الرقّة والتحنُّن ـ فمستحيل في حقِّه تعالى.
وقُدِّمَ الاسمُ الأول على الثاني لأنّ الأول لمّا كان خاصًّا بالمولى ـ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ـ جَرَى مَجْرَى العَلَم، فقُدِّمَ على ما تمَحَّضَ للوَصفِيَّة، وأيضا فالاسمُ الثاني كالتتِمَّة للأوّل بناءً على أنّ الأوّل دالٌّ على الإنعام بجلائِل النِّعَمِ والثاني على الإنعام بدقائقها، فإردافُ الأول بالثاني من باب التكميل والتتميم.
ويحتمل أيضا أن يكون قدّم الأول على الثاني لأن متعلَّقَ الأوِّلِ متقدِّمٌ في الوجود، بناءً على أنه دالٌّ على الإنعام الدُنيَوِيِّ، وأنَّ الثاني دالٌّ على الإنعام الأُخْرَوِيِّ، ويحتمل على هذا أن يكون من باب الترقِّي لأنَّ الإنعام الدنيوي دون الإنعام الأخروي بكثير؛ إذ «موضع سَوْطٍ من الجنة خيرٌ من الدنيا وما فيها» ، ومع هذا يُعطَى لأدنى أهل الجنة قَدْرَ الدنيا عشر مرات.
وفي الوَصْل بين هذين الاسمين الكريمين على هذا إشارة لطيفة إلى أنّ المطلوب من العاقل أن يُؤَاخِي بين متعلَّقيهما في التحصيل كما آخَى بينهما في التلفُّظِ، وذلك بأن لا يأخذ من النِّعَمِ الدنيوية ـ التي هي مُتعلَّقُ اسم الرحمن ـ إلا ما يُوصِلُ إلى النِّعَمِ الأخروية ـ التي هي مُتعلَّقُ اسم الرحيم ـ، وذلك كالإيمان والأعمال الصالحات وما يُعِينُ عليها من ضروريٍّ في المَعاشِ، ثم يَزهَدُ فيما سوى ذلك زُهدًا كلِّيًا خَوْفَ أن يَنْقَطِع بذلك عن نعيم الآخرة التي هي الغايةُ والمقصود، فيَتعلَّم العاقل الزُّهْدَ من وَصْلِ هذين الاسمين وترتيبهما كما تعلَّمَ التوحيد من معناهما.
وحظُّ العبد منهما الاتِّسَامُ بالرحمة بجميع العباد، ورَفْضُ كل ما سواه ـ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ـ اكتفاءً برحمته الواسعة التي إليها الاستنادُ في هذا اليوم ويوم يَقُومُ الأشهاد ، ولزومُ الشُّكْرِ للرَّبِّ المولى الكريم، ورؤيةُ المِنَّةِ له ـ تَعَالَى ـ وَحدَهُ في كل ما يبدو من النِّعَمِ بالتخصيص والتعميم. وأمّا حظُّهُ من وَصْلِ الاسمين، فقد قدّمنا بسطه على أشْْرَفِ وَجْهٍ، وبالله التوفيق.
المَلِكُ
هو الذي له كَمَالُ القُدْرَةِ والاستقلال بالتصرُّفِ العامِّ بلا حَجْرٍ ، وله الأمرُ المُطاعُ والنَّهْيُ المُتَّبَعُ والوَعْدُ والوَعِيدُ والجَزاءُ بالثواب والعقاب بلا مُعَارِضٍ ولا مُعَانِدٍ.
وحظُّ العبد منه لزومُ الخِدْمَة والمَذَلَّةِ والتعظيم والمخافة والرجاء والحياء، مع الوقوف بالباب، ورَفْع الهِمَّةِ عن جميع الأكوان بالانتماء إلى عَلِيِّ ذلك الجانب.
القُدُّوسُ
هو المُنَزَّهُ عن كل نَقْصٍِ. وإن شئت قُلتَ: هو البعيد من كل نَقْصٍ. وإن شئت قُلتَ: هو الطَّاهِرُ من كلِّ نَقصٍ؛ لأنّ التقديس هو التنزيهُ والتبعيد والتطهير.
وحظُّ العبد منه البُعْدُ عن كل نقيصةٍ بقَدْرِ الإمكان لأنَّ حَضْرَة مولاه المُقدَّسَة لا يُؤذَنُ فيها لقَذِرِ الجَنَانِ والأركان.
السَّلاَمُ
هو ذو السلامة الواجِبة من كل نَقْصٍ. وقيل: هو مَالِكُ تَسْلِيمِ مَخلُوقَاته من مَهَالِكِ الدنيا والآخرة إن شاء. وقيل: هو ذُو السَّلاَمِ على المؤمنين في الآخرة بكَلاَمِهِ القَدِيمِ الذي لا مِثْلَ له.
وحظ العبد منه على الأول قريب من الذي قبله.
المُؤْمِنُ
هو المُصَدِّقُ لأنبيائه ورُسُلِه فيما بلَّغُوا عنه بآيات كِتَابِه ومُعْجِزات أفعاله.
وحظُّ العبد منه التزامُ التصديق بكلِّ ما صدَّقه به المولى الكريم، والعَمَلُ على وِفْقِ ذلك إلى الممات ليظفر ـ بفضل الله تعالى ـ بجنات النعيم.
المُهَيْمِنُ
هو المُحيطُ بكل شيءٍ بعِلْمِه وحُكْمِهِ وقُدْرَتِه.
وحظُّ العَبْدِ منه الإِذْعَانُ لحُكْمِه ـ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ـ، والمُرَاقَبَةُ لله ـ تعالى ـ في حَرَكاته وسكناته ظاهرةً وباطنَةً، عِلْمًا منه بإحاطته ـ تعالى ـ به عِلمًا وقُدرةً وحُكمًا.
العَزِيزُ
هو القَاهِرُ لجميع المُمْكِنَات فِعْلاً وتَرْكًا. وقيل: هو العَدِيمُ المِثْلِ.
وحظ العبد منه التعزُّزُ بعِزِّ مولاه العلي الكبير حتى يَقْهَرَ بذلك نَفْسَهُ وشَيْطانَهُ وهَوَاهُ، والترَقِّي بطاعة مولاه والإخلاصِ فيها، والتماسُ رضاه إلى ذُرْوَةٍ يكون فيها عديمَ النظير.
تعليق