اقرأ: "شرح الأسماء الحسنى" للإمام السنوسي (ت895هـ)

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • نزار بن علي
    طالب علم
    • Nov 2005
    • 1729

    #1

    اقرأ: "شرح الأسماء الحسنى" للإمام السنوسي (ت895هـ)

    بسم الله الرحمن الرحيم
    وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما
    قال الشيخ الإمام العالم المحقق أبو عبد الله محمد بن الشيخ الولي الصالح أبي إسحاق يوسف السنوسي الحسني
    نفعنا الله تعالى به بمنّه

    الحمد لله حَقَّ حَمْدِهِ، والصلاةُ والسلامُ على سيدنا ومولانا محمد نبيِّه وعَبْدِه. وبعد؛ فهذه جملة مختصرة في شرح أسماء الله تعالى الحسنى وكيفية العمل بها، حتى يَجْمَع العبدُ الناظر في هذه الجملة بين المعرفة بالله والعمل بأحكام الله، وذلك كفيل بالسعادة الأخروية على حسب ما نص عليه الصادق والمصدَّق ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ في قوله: «إن لله تسعة وتسعين اسمًا، مائة إلا واحدا، من أحصاها دخل الجنة» . قيل: أحصاها عِلْمًا وعَمَلاً.
    وهذه الجملة المختصرة وافية ببيان الأمرين بفضل الله تعالى، نسأل الله تعالى أن ينفع بها مؤلِّفها وناظِرَها بجاه أشرف خَلْقِه سيدنا ومولانا محمد صلوات الله وسلامه عليه.


    اللهُ
    هو اسمٌ عَلَمٌ على الإله الواجِبِ الوُجُودِ المَعْبُودِ بِحَقٍّ.
    وحظُّ العَبْدِ منه دوامُ التعلُّقِ به في الظاهر والباطن، والفناء به عن كل ما سواه تَبَارَكَ وَتَعَالَى؛ لأنه لمَّا كان اسمًا جامعًا للذات والصفات والأفعال امتَحَى من القلب، عند استحضارِ كمال هذه الثلاثة العديمة المثال في حقه تعالى، كلُّ ما عداه ـ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ـ من الذوات والصفات والأفعال.
    ولهذا كان هذا الاسم الأعظم، الفَرْدُ الجامِعُ، ذِكْرًا لأصحاب الفناء والبقاء . نسأله سبحانه أن يَمُنَّ علينا بما مَنَّ به عليهم بلا مِحنَة.

    الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ

    هما اسمان مشتقان من الرحمة، وهي في حقِّه ـ تعالى ـ بمعنى إرادة الإنعام الدنيوي والأخروي فتكون صفة ذَاتٍ، أو بمعنى نفس الإنعام فتكون صفة فِعْلٍ. وأمّا معناهما الحقيقي ـ الذي هو الرقّة والتحنُّن ـ فمستحيل في حقِّه تعالى.
    وقُدِّمَ الاسمُ الأول على الثاني لأنّ الأول لمّا كان خاصًّا بالمولى ـ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ـ جَرَى مَجْرَى العَلَم، فقُدِّمَ على ما تمَحَّضَ للوَصفِيَّة، وأيضا فالاسمُ الثاني كالتتِمَّة للأوّل بناءً على أنّ الأوّل دالٌّ على الإنعام بجلائِل النِّعَمِ والثاني على الإنعام بدقائقها، فإردافُ الأول بالثاني من باب التكميل والتتميم.

    ويحتمل أيضا أن يكون قدّم الأول على الثاني لأن متعلَّقَ الأوِّلِ متقدِّمٌ في الوجود، بناءً على أنه دالٌّ على الإنعام الدُنيَوِيِّ، وأنَّ الثاني دالٌّ على الإنعام الأُخْرَوِيِّ، ويحتمل على هذا أن يكون من باب الترقِّي لأنَّ الإنعام الدنيوي دون الإنعام الأخروي بكثير؛ إذ «موضع سَوْطٍ من الجنة خيرٌ من الدنيا وما فيها» ، ومع هذا يُعطَى لأدنى أهل الجنة قَدْرَ الدنيا عشر مرات.

    وفي الوَصْل بين هذين الاسمين الكريمين على هذا إشارة لطيفة إلى أنّ المطلوب من العاقل أن يُؤَاخِي بين متعلَّقيهما في التحصيل كما آخَى بينهما في التلفُّظِ، وذلك بأن لا يأخذ من النِّعَمِ الدنيوية ـ التي هي مُتعلَّقُ اسم الرحمن ـ إلا ما يُوصِلُ إلى النِّعَمِ الأخروية ـ التي هي مُتعلَّقُ اسم الرحيم ـ، وذلك كالإيمان والأعمال الصالحات وما يُعِينُ عليها من ضروريٍّ في المَعاشِ، ثم يَزهَدُ فيما سوى ذلك زُهدًا كلِّيًا خَوْفَ أن يَنْقَطِع بذلك عن نعيم الآخرة التي هي الغايةُ والمقصود، فيَتعلَّم العاقل الزُّهْدَ من وَصْلِ هذين الاسمين وترتيبهما كما تعلَّمَ التوحيد من معناهما.

    وحظُّ العبد منهما الاتِّسَامُ بالرحمة بجميع العباد، ورَفْضُ كل ما سواه ـ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ـ اكتفاءً برحمته الواسعة التي إليها الاستنادُ في هذا اليوم ويوم يَقُومُ الأشهاد ، ولزومُ الشُّكْرِ للرَّبِّ المولى الكريم، ورؤيةُ المِنَّةِ له ـ تَعَالَى ـ وَحدَهُ في كل ما يبدو من النِّعَمِ بالتخصيص والتعميم. وأمّا حظُّهُ من وَصْلِ الاسمين، فقد قدّمنا بسطه على أشْْرَفِ وَجْهٍ، وبالله التوفيق.

    المَلِكُ

    هو الذي له كَمَالُ القُدْرَةِ والاستقلال بالتصرُّفِ العامِّ بلا حَجْرٍ ، وله الأمرُ المُطاعُ والنَّهْيُ المُتَّبَعُ والوَعْدُ والوَعِيدُ والجَزاءُ بالثواب والعقاب بلا مُعَارِضٍ ولا مُعَانِدٍ.
    وحظُّ العبد منه لزومُ الخِدْمَة والمَذَلَّةِ والتعظيم والمخافة والرجاء والحياء، مع الوقوف بالباب، ورَفْع الهِمَّةِ عن جميع الأكوان بالانتماء إلى عَلِيِّ ذلك الجانب.

    القُدُّوسُ

    هو المُنَزَّهُ عن كل نَقْصٍِ. وإن شئت قُلتَ: هو البعيد من كل نَقْصٍ. وإن شئت قُلتَ: هو الطَّاهِرُ من كلِّ نَقصٍ؛ لأنّ التقديس هو التنزيهُ والتبعيد والتطهير.
    وحظُّ العبد منه البُعْدُ عن كل نقيصةٍ بقَدْرِ الإمكان لأنَّ حَضْرَة مولاه المُقدَّسَة لا يُؤذَنُ فيها لقَذِرِ الجَنَانِ والأركان.

    السَّلاَمُ

    هو ذو السلامة الواجِبة من كل نَقْصٍ. وقيل: هو مَالِكُ تَسْلِيمِ مَخلُوقَاته من مَهَالِكِ الدنيا والآخرة إن شاء. وقيل: هو ذُو السَّلاَمِ على المؤمنين في الآخرة بكَلاَمِهِ القَدِيمِ الذي لا مِثْلَ له.
    وحظ العبد منه على الأول قريب من الذي قبله.

    المُؤْمِنُ

    هو المُصَدِّقُ لأنبيائه ورُسُلِه فيما بلَّغُوا عنه بآيات كِتَابِه ومُعْجِزات أفعاله.
    وحظُّ العبد منه التزامُ التصديق بكلِّ ما صدَّقه به المولى الكريم، والعَمَلُ على وِفْقِ ذلك إلى الممات ليظفر ـ بفضل الله تعالى ـ بجنات النعيم.

    المُهَيْمِنُ

    هو المُحيطُ بكل شيءٍ بعِلْمِه وحُكْمِهِ وقُدْرَتِه.
    وحظُّ العَبْدِ منه الإِذْعَانُ لحُكْمِه ـ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ـ، والمُرَاقَبَةُ لله ـ تعالى ـ في حَرَكاته وسكناته ظاهرةً وباطنَةً، عِلْمًا منه بإحاطته ـ تعالى ـ به عِلمًا وقُدرةً وحُكمًا.

    العَزِيزُ

    هو القَاهِرُ لجميع المُمْكِنَات فِعْلاً وتَرْكًا. وقيل: هو العَدِيمُ المِثْلِ.
    وحظ العبد منه التعزُّزُ بعِزِّ مولاه العلي الكبير حتى يَقْهَرَ بذلك نَفْسَهُ وشَيْطانَهُ وهَوَاهُ، والترَقِّي بطاعة مولاه والإخلاصِ فيها، والتماسُ رضاه إلى ذُرْوَةٍ يكون فيها عديمَ النظير.
    وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]
  • نزار بن علي
    طالب علم
    • Nov 2005
    • 1729

    #2
    الجَبَّارُ
    هو الذي يَرُدُّ الممكنَ من فَسَادٍ دُنيَوِيٍّ أو أُخْرَوِيٍّ إلى صَلاَحٍ إن شاء، فعلى هذا يكون مُشتقًّا من الجَبْرِ الذي هو الإِصْلاَحُ. وقيل: هو حَامِلُ الخلائق قَهْرًا على ما يُرِيد، أحبُّوا ذلك أم كَرِهُوا، مأخوذٌ من الجَبْرِ بمعنى الإكراه.

    وحظُّ العبد منه التزامُ الرياضة وقَهْرُ النفس عليها وإن نَفَرَت من دوائها النافع أيّ نفارٍ، متعلِّقًا فيها بمولاه الكريم الجَبَّارِ حتى تَنْجَبِرَ أحوالُه وتتبدَّلَ صِفاتُه الذَّميمَة بصفاتٍ عالية محمودة كريمة، وما ذلك على المولى الجَبَّارِ بعزِيز.

    المُتَكَبِّرُ

    هو المُظهِرُ بالأدلَّةِ العقلِيَّة والنقلِيَّة عَظيمَ كمالِه في ذاته وصفاته وأفعاله، ونَقْصَ كل ما سواه في الثلاثة.

    وحظُّ العبد منه قَهْرُ النَّفْسِ المُتعَاطِيَة ما ليست أهلاً له من صفات العظمة والكبرياء الَّذَيْنِ لا يليقان إلا بالمولى العظيم، حتى تَعْرِفَ قَدْرَها وتَتذلَّلَ ذُلَّ المساكين العبيد وتَتْرُكَ كلَّ دَعْوَى وكلَّ مَعصِيةٍ خَوْفًا من سَطوة المُتَكَبِّر المَجِيدِ.

    الخَالِقُ

    هو المُقدِّرُ لجميع الكائنات بمشيئته. وقيل: هو المُبدِعُ لجميعها بقدرته.

    وحظُّ العبد منه إِسْقَاطُ تَدْبِيرِهِ ومشيئته؛ لعَدَمِ انقيادِ الكائنات لَهُمَا، والتعلُّقُ بتَدْبِيرِ المولى ـ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ـ ومشيئَتِه النَّافِذة.

    البَارِئُ

    هو الذي له التأثيرُ في كل مُمْكِنٍ، مع رعاية تدقيق ما وَقع فيه التقدير، وإتمامُ تهيئة كلّ مُمْكِنٍ لقبول الصُّوَرِ التي شاءها فيه.

    وحظُّ العَبْدِ منه إِسْقَاطُ الدَعَاوَى، ومَحْوُ الوسائط كلها من القلب لعِلْمِه بأنَّ العَجْزَ التامَّ عَمَّ جميعَها.

    المُصَوِّرُ

    هو مُوجِدُ الصُّوَرِ وتخصيصها بلا علاجٍ ولا واسطةٍ ولا مثالٍ على وِفْقِ مشيئته.

    وحظ العبد منه عدمُ الوقوف مع الصُّوَرِ وكمالها الناقص غِنًى عنها بكمال خالِقها ومُصوِّرِها، فلا يُسْبَى لذلك قَلْبُ العارف بجمالِ مولاه وجلالِه الذي يَجِبُ له البقاءُ والقِدَمُ بما يَبْدُو من سرابِ حُسْنِ الكائنات المغروسة في النَّقْصِ والعَدَم.

    الغَفَّارُ

    هو المُتفضِّلُ على من شاء بسَتْرِ فضائحه عن عَيْنِ غَيْرِه وفَهْمِه، ودَفْعِ مهالِك الدنيا والآخرة عنه بكَرَمِه وحِلْمِه.
    ومن جملة أحكام تَعمِيمِه سَتْرُهُ ـ تَعَالَى ـ على المذنبين خَفِيَّ جَبرُوتِه وعظمته حتى تجاسَرُوا على مَعصِيَته، وسَتْرُه ـ تَعَالَى ـ على المُطيعين من عامة العباد خَفِيَّ تَوْفِيقه حين أضاف ـ تَعَالَى ـ الأفعالَ والأعمالَ إليهم لُطْفًا بهم حتى أَقبَلُوا على أنفسهم بالذمِّ والمجاهدة والمطالَبة بأحكام العبودية، ثم سَتَرَ ـ سُبحَانَه ـ على أوليائه جميع ذلك حتى شاهدوا الكُلَّ منه فَضلاً، ثم سَتَرَ ـ تَعَالَى ـ عنهم أَحْكامَ نُفوسِهم، بل آثار خِلْقَتِهِم، فتحقَّقُوا به وظَهَرُوا بِه لا بِهِم.

    وحظُّ العَبْدِ منه سَتْرُ الذنوب والمعايب الصادرة منه بالتوبة المُقتَضِية تَبْدِيلَ تلك المساوي وتغطيتها بأضدادها، وسَتْرُ زلاَّتِ العُصَاةِ بالنُّصْحِ لهم حتى يتركوها، والتضرُّعِ للمولى الكريم الغفَّار أن يغفرها لهم، وصيانةُ اللسان من كَشْفِها وفَضِيحَتِهم بها للغير من غير مُوجِبٍ شَرعِيٍّ، وسَتْرُ ذنوب من أساء إليه بمقابلته بالإحسان ليَظْفَرَ بذلك من المولى الكريم دنيا وأخرى بجميل العَفْوِ وعظيم الغفران.
    وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]

    تعليق

    • نزار بن علي
      طالب علم
      • Nov 2005
      • 1729

      #3
      القَهَّارُ

      هو الذي له الغَلَبَةُ التامَّةُ على ظاهر كلِّ أَمْرٍ وبَاطِنِه، فكلُّ ما سواه ـ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ـ مَغلُوبٌ مَقهُورٌ لحُكْمِهِ، لا يَخْرُجُ جميعُهم عن ذلك لحظة.

      وحظُّ العبد منه أن يَقْهَرَ بقَهْرِ مولاه ـ تَعَالَى ـ كلَّ من أَمَرَهُ بقَهْرِه من نَفْسٍ أمَّارَةٍ بالسوء وشَيطانٍ ومُبتَدِعٍ وكَافِرٍ وظَالِمٍ، ثم يَشْكُرُ مع ذلك المَوْلَى القَهَّارِ الذي قَهَرَ له هؤلاء وهَزَمَ حِزبَهم وكَسَرَ شوكَتهم وَحْدَهُ لا شريك له، ولا يدَّعِي من ذلك لنفسه شيئًا؛ قال الله تعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـكِنَّ اللّهَ رَمَى﴾[الأنفال:17]، وكان ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ـ يقول عندما يقدم من غَزْوٍ ونحوه: «آيبون تائبون» إلى آخره.

      الوَهَّابُ

      هو المُعطِي النعمَ ابتداءً من غير مقابَلَةٍ ولا جزاءٍ. وكَمَالُ تلك النِّعَم إنما يكون في الجَنَانِ فيما يسوق إليها كالإيمان والتوفيق للأعمال الصالحات وسلوك طريق الولاية، وأمّا ما عدى ذلك من النِّعَم الدنيوية فهي نَاقِصَةٌ؛ إذ هي كلها شِبْهُ أمانة وعارية لا بدّ من سَلْبِها ورَدِّهَا والمُحاسَبَةِ عليها.

      وحظُّ العبد منه الحياءُ من مولاه الوَهَّاب ـ جَلَّ وعَلاَ ـ أن يَكْفُرَ نِعَمَهُ بإضافَةِ شيءٍ منها إلى غيره، أو يَعْصِيه بها، أو يَبْخَلَ بها عمَّنْ أمَرَهُ مولاهُ مالِكُها ـ تَبَارَكَ وتَعَالَى ـ أن يُوصِلَها إليه.


      الرَّزَّاقُ

      هو المُمِدُّ بفَضْلِه كل كائِنٍ بما تنحفظ به مادَّتُه وصُورَتُه، فأمَدَّ بفَضْلِه الصُّوَرَ الروحانية برِزْقِ العُلُومِ والمُشاهَدات، وأمَدَّ الصُّوَرَ الجسمانية بالأغذية المناسِبة لها على وِفْقِ ما أراد تبارك وتعالى.

      وحظُّ العَبْدِ منه الإجمالُ في الطَّلَبِ، وكَفُّ النَّفْسِ عن الجَزَعِ والاضطراب عند تَعَسُّرِ السَّبَب، عِلْمًا منه بأنَّ مولاه الكريم هو الذي تَكفَّلَ بالأرزاق كيف شاء فضلاً منه تبارك وتعالى. وفيه أيضا ما تقدَّم من اسمه الوَهَّاب.

      الفَتَّاحُ

      هو المتفَضِّلُ بإظهار الخير والسَّعَة على إثر ضيق وانغلاق الباب للأرواح والأشباح في الأمور الدنيوية والأخروية.
      وحظُّ العَبْدِ منه عَدَمُ الضِنَّةِ بما يفتح به المولى الكريم من علومٍ وغيرها، ثم لا يرى فيما وَصَلَ من ذلك للغير مِنَّةً له أصلاً لعِلْمِهِ بأنّ مولاه الفتَّاحُ هو الذي فَتَحَ وحده لذلك الغير كما فُتِحَ له هو قَبْلَه ، وَلْيَشْكُرِ المولى الكريم الذي فَتَحَ للغير على يَدِه وأثابَه بفضله على ما لا أَثَرَ له فيه ولم تَعْمَلْهُ يَدَاه.

      العَلِيمُ

      هو المُحِيطُ عِلمُهُ في الأزَل بكل معلومٍِ بلا تأمُّلٍ ولا اضطِرَارٍ.

      وحظُّ العبد منه اللَّجْأُ إلى المولى الكريم فيما يَحتاج إلى تعلُّمِه من العلوم النافعة، ثم يَشكُرُه ـ تعالى ـ بعدُ فيما عَلِمَهُ منها بالتواضع والعمل بمقتضاها ونُصْحِ الغير بها، ثم لا يرى المِنَّة في الجميع إلا لله تبارك وتعالى، وليحذر من أن يَزْهُوَ بشيءٍ من العِلْمِ أو يَدَّعِيه أو يَرَى لنفسه به شفُوفًا أو لعَقْلِه واجتهادِه في تحصيل شيءٍ منه تأثيرًا، وَلْيَسْتَحِي من رؤية كمالٍ له فيما حَصَّلَ من العِلْم لعِلْمِه بأنه لا نِسْبَة لعِلْمِه، بل لعلوم جميع الخلائق مما جهلوه من معلوماته جَلَّ وعَلاَ، وليُرَاقِبْ الربَّ ـ تبارك وتعالى ـ في سِرِّهِ وعَلَنِه لإحاطة عِلمِه تعالى بجميع ذلك.
      وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]

      تعليق

      • نزار بن علي
        طالب علم
        • Nov 2005
        • 1729

        #4
        القَابِضُ

        هو المُضَيِّقُ على من أراد في الأرزاق وفيما شاء من سائر المرافق والسمات والأخلاق ، روحانية أو جسمانية، مُتَّصِلة أو مُنفَصِلة.

        وحظُّ العبد منه أن يَقْبِضَ قلبَهُ وجوارِحَهُ عن كل ما أمره المولى ـ تبارك وتعالى ـ بالانقباض عنه، ثم إن وُفِّق لذلك لا يَرَى المِنَّةَ فيه إلا للمولى ـ جَلَّ وعَلاَ ـ؛ إذ هو القابض عن ذلك بفَضْلِه حُكمًا وفِعْلاً، فلَهُ الشكرُ أوَّلاً وآخِرًا، وإن لم يُوَفَّق لِمَا أُمِرَ به من ذلك فليَلْجَأْ في قَبْضِ ذلك عنه إلى القَابِضَ جلَّ وعلاَ.

        البَاسِطُ

        هو المُوَسِّعُ ـ بِفَضْلِهِ ـ جميعَ ما تعلَّقَ به القَبْضُ على من شاء.

        وحظُّ العبد منه أن يَبْسُطَ قلبَهُ وجوارِحَهُ حيث أَمَرَهُ الرَبُّ ـ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ـ بالبَسْطِ ليَشْكُرَه تعالى فيما بَسَطَ له من ذلك بفَضْلِه، ولْيَتَعَلَّقْ باسمه الباسط فيما انقبضَ عليه من ذلك، ولْيَسْتَعِن بملازمة تقديم القَبْضِ الدنيوي عن كل ما تَأْلَفُهُ النَّفسُ على الظَّفَرِ بالبَسْطِ الأخروي الذي لا نهاية له. وفي الحديث حكاية عن الله تعالى: «لا أجمع لعبدي أمنين ولا خوفين» الحديث، وبالله ـ تعالى ـ التوفيق.

        الخَافِضُ الرَّافِعُ

        الخَفْضُ: حَطُّ المرتبة دُنيَا وأُخْرَى أو فيهما معًا، والرَّفْعُ ضدُّه.

        وحظُّ العبد منهما ظاهر، وهو خَفْضُ كل ما خَفَضَهُ الربُّ ـ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ـ ورَفْعُ كل ما رَفَعَهُ الله ـ تعالى ـ في حُكْمِهِ وشَرْعِه، وذلك مُستَلزِمٌ لزُهْدِه في الدُّنيا المُنخَفِضَة الحقيرة، والرَّغْبَةِ في رِضَاهُ الرفيع وما يُوصِلُ إلى ذلك من رفيع الأعمال، وَلْيَسْتَعِنْ بملازمة الخَفْضِ في العاجل على الرفيع العظيم في الآجل.

        المُعِزُّ

        هو المُعَظِّمُ لمن شاء من مخلوقاته تعظيمًا دنيويا أو أُخرَوِيًّا بالقول أو بالفعل أو بما شاء تبارك وتعالى.
        وحَظُّ العبد منه التعزُّزُ بما أعزَّهُ اللهُ ـ تعالى ـ من لُزُومِ طاعَتِه، والتعلُّقُ بأذيال الأعِزَّاءِ من أهل ولايته.

        المُذِلُّ

        ضِدُّ المُعِزّ.

        وحظُّ العبد منه إذلاَلُ ما أَمَرَ اللهُ ـ سُبْحَانَهُ ـ بإذلالِهِ من نَفْسٍ ودُنْيَا وهَوًى وشيطَانٍ.

        السَّمِيعُ

        هو الذي انْكَشَفَ كُلُّ مَوجُودٍ لِصَفِةِ سَمْعِهِ، كان ذلك الموجودُ كَلامًا أو غيره، قديمًا كان أو حادثًا.

        وحظُّ العبد منه صَوْنُ ظاهِرِه وباطِنِه من كل ما يستحيي أن ينكشف لسَمْعِ مولانا ـ تبارك وتعالى ـ.

        البَصِيرُ

        هو مِثلُ السميع.

        الحَكَمُ

        هو الذي يَفْصِلُ بين مخلوقاته بما شاء، ويَمْلِكُ ما بِيَدِ أحَدِ المُتحاكِمَين للآخر إن شاء، وإن شاء أرضَى المحكومَ عليه؛ إذ هو المالِكُ للظواهر والبواطن، لا شريك معه في شيءٍ منها.

        وحظُّ العبد منه صَرْفُ جميع الأمور إلى حُكْمِهِ ـ تعالى ـ، ثم الرِّضَا بما حَكَمَ به المولى ـ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ـ في ذلك ظاهرًا
        وباطنًا.

        العَدْلُ

        معناه: العَادِلُ، وهو الذي لا ظُلْمَ ولا جَوْرَ في جميع تصرُّفاتِه، لاءَمَتِ النفوسَ أو نَافَرَتْهَا، لعُمُوم مُلْكِه لكل ما سواه، ولا أمْرَ يتوجَّهُ إليه من غيره ولا نَهْيَ، بل هو الآمِرُ النَّاهِي تبارك وتعالى.

        وحظُّ العبد منه التسليمُ بالباطن والظاهر فيما لاَءَمَ النفسَ أو نَافَرَ ، وقَصْرُ التصرُّفات كلها على ما أذِنَ فيه الرَّبُّ العَدْلُ تبارك وتعالى.

        اللَّطِيفُ

        هو العَالِمُ بخَفِيَّاتِ الأمور. وإن شئت قُلتَ: هو المتفَضِّلُ بإيصال المَرافق والمَنافع لمن شاء من أبوابٍ ضيِّقَةٍ بعيدةٍِ عن العقول والأوهام.

        وحظُّ العبد منه اجتنابُ العُنْفِ في جميع الأمور، وعَدَمِ قَصْرِ وُصُول المصالح إليه أو إلى غيره من الأبواب المعتادة في سالِف الدهور.

        الخَبِيرُ

        هو العَالِمُ بدقائق الأمور التي لا يُتَوَصَّلُ إليها في حقِّ غيره إلا بالاختبار والاحتيال.
        وحظُّ العبد منه البَحْثُ عن دقائق العُلُوم النافعة ليَقْمَعَ بها نَفْسَهُ وشَيْطَانَهُ وهَوَاهُ، ويَرْفُضَ بها شهواته ودُنياه، ويَفُوزَ بها في الآخرة بأعلي الدرجات مع عظيم رضوان مولاه، ثم إن ظَفَرَ بذلك الخير الخطير لا يرى المِنَّةَ إلا للرَّبِّ اللَّطيف الخبير .

        الحَلِيمُ

        هو الذي يُسامِحُ عبدَه الجاني بِتَرْكِ المُؤاخَذة مع اسْتِحْقَاقِه لها كَرَمًا منه ـ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ـ، وإِمْهَالِهِ للعبد الجاني مع إصراره فَضْلاً منه ورعايةً لحِكْمَةٍ ومَصلحة في ذلك خفيَّة لا يطَّلِعُ عليها سِوَاه.

        وحظُّ العبد منه الاقتداءُ بالمولى الكريم ـ جَلَّ وَعَلاَ ـ، فيُقابِلُ الإساءةَ إليه بالإحسان، وظُلْمَ من ظَلمَهُ بجميل العَفْوِ والغُفرَان.

        العَظِيمُ

        هو الذي لا حَدَّ ولا غاية لكماله. وقال بعضهم: هو الذي ملأ أمْرُهُ الكون بحيث لا موجود فيه من جِرْمٍ وعَرَضٍ إلا وهو مُوجِدُه وفاعِلُه وهو المحيط به في الأزل عِلْمًا وإرادَةً، ثم خَفِيَ كُنْهُهُ مع ذلك عن الخَلْقِ وسَتَرَ عُقولَهُم وأَوْهامَهُم وأفهامَهُم القاصرة عن مَنَالِ كمال أمره وجلال قدرته.

        وحظُّ العبد منه احتقارُ الكائنات كلها أن تتعبَّدَهُ مع حقارتها، كيف وإنما هو عَبْدٌ للمولى العظيم وَحْدَه؟!.
        وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]

        تعليق

        • نزار بن علي
          طالب علم
          • Nov 2005
          • 1729

          #5
          الغَفُورُ

          هو قريب من الغَفَّارِ معنًى وحظًّا، إلا أن اسم الغَفَّارِ يقتضي العموم في الأزمان والأفراد لأنَّ صيغة فَعَّال تُستعمَلُ كثيرًا في الحِرَفِ والصنائع كعطَّارٍ وبقَّالٍ وكحَّالٍ، والحرفة تقتضي الانتصاب على مرور الأزمان ولكل أحَدٍ، فاسمُ الغَفُورُ يقتضي المبالَغة في كثرة عدد ما يُغفَر، والله تعالى أعلم.

          الشَّكُورُ

          هو المُجَازِي على شُكْرِهِ بما شاء من النِّعَم، فسُمِّيَ ثوابُ الشُّكْرِ بالشُّكْر مجازًا من باب تسمية المسبَّب باسم السَّبَبِ. وقيل: هو المُجازِي على العمل اليسير بالخير الكثير. وقيل: هو المُثْنِي على المطيعين له بقوله. وفي الحقيقة هو الشاكِرُ والمشكُورُ؛ إذ الأعمَالُ والنِّعَمُ بَدْءًا وعَوْدًا جميعُها منه تبارك وتعالى.

          وحظُّ العبد منه التزامُ شُكْر مولاَهُ، إذ لا مُنعِمَ في الحقيقة سِوَاه، ويدخل في شكره ـ تبارك وتعالى ـ امتِثَالُ أمْرِهِ في شُكْرِ من أَوْصَلَ ـ جلَّ وعلاَ ـ نِعمَهُ على يديه ، و«من لم يَشْكُرِ الناسَ لم يَشْكُرِ اللهَ» .

          العَلِيُّ

          هو الذي عَلاَ كمالُه حتى فات جميع مدارك العقول.

          وحظُّ العبد منه الحياءُ من مولاه العليِّ ـ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ـ أن يَرَى كمَالاً دُنيَا وأُخرَى سِوَى كماله ـ جلَّ وعَلاَ ـ.

          والمُتَعَالِي هو الذي تفضَّل بإظهار عُلوُّهِ للعقول حتى استبان لها عَجْزُها عن الإحاطة بذلك العُلُوِّ.

          وحظ العبد منه التزامُ شُكْرِ مولاه المتعالي الذي تفضَّل بإظهار عُلوِّه حتى نَفَرَ بذلك القَلْبُ مما سِوَاه من محاسن الكائنات الناقصة المتلاشية.

          الكَبِيرُ

          هو الذي له الكمالُ والشَّرَفُ، المُرتَفِعُ ارتفَاعًا تَقْصُرُ جميعُ العقول عن إدْرَاكِ كُنْهِ معناه، وتَعْجَزُ الأفهامُ كلها عن التطاول إلى الإشراف على عُلُوِّ مُرتَقاه .

          وحظُّ العبد منه الانسلاخُ عن الكِبْرِ والتعَاظُمِ الذي لا يليق لِبَاسُه عَقلاً ولا شَرْعًا بالمخلوقين، ولُزومُ لباس الذُّلِّ والتواضُعِ اللائِقَين بالعبيد المساكين.

          الحَفِيظُ

          هُو العالِمُ بجميع المعلومات عِلْمًا ثابِتًا لا تَغَيُّرَ له ولا زوال. وقيل: هو مُدبِّرُ الخلائق وكالِئُهُم عن المهالك على حَسَب مشيئته.

          وحظُّ العبد منه على الأوّل عَدَمُ الاغترار بحِلْمِه تعالى عنه فيما يَصْدُر منه من المخالَفات في العاجل؛ إذ ذاك كله محفوظٌ عند الحفيظ الذي لا يجوز عليه نسيان ولا ذهول، وسيُوقِفُه عليه في اليوم الآجل.

          وحظُّه منه على الثاني إدامَةُ التوكُّلِ على الرَّبِّ الحفيظ ـ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ـ في الحِفْظِ من جميع المهالك، والتبرِّي من الحَوْلِ والقوة لمن له الأمرُ في كل الموارد والمصادر والمسالك.

          المُقِيتُ

          هو الذي يُعْطِي كلَّ مَوجودٍ ما به قَوَامُه من القُوتِ والقوة بحيث لا يَنْقُص ولا يَفْضُل.
          وحظُّ العبد منه صَرْفُ الوِجْهَة كلها إلى الطاعة والامتثال، والإضراب صَفْحًا عن تَشاغُلِ القلب بأمر الأقوات وإخطارها بالبال، عِلْمًا منه بأنها موكولة إلى المولى المُقيت الربِّ الكبيرِ المُتعَال.

          الحَسِيبُ

          هو مُعْطِي الخلائِقَ ما يَكفِيهم، من قولهم أحْسَبَهُ: إذا أعطاه حتى قال حَسْبِي، أي كَفَانِي. وقيل: هو محاسب الخلائق في الآخرة، أي مُطلِعُهم على جميع ما عَمِلُوا في لحظة واحدة. وقيل: هو الذي له الشَّرفُ والكمالُ المُطلَق، مأخوذ من الحَسَبِ ـ بالتحريك ـ، إذ معناه الشَّرَفُ والسُّؤْدُد .

          وحظُّ العبد منه على الأول تعليقُ القلب بكفاية الله والاجتزاءُ به عن كل ما سواه.

          وعلى الثاني محاسَبةُ النفس في كل حركةٍ وسكونٍ وفي كل ما يجول في الباطن من هاجسٍ وخاطرٍ وحديثٍ بما كان أو يكون، وإذا كان الإنسان يهتبل غاية الاهتبال بالاستعداد للوقوف بين يدي الحُكَّام فكيف لا يحاسِبُ نفسَه ويستعد غايَةَ الاستعدادِ للوقوف بين يدي المَلِك العلاَّم؟!

          وعلى الثالث الاتصافُ بالحَسَب الذي يليق بمثله وهو ملازمَته لتقوى مولاه والوثوق بما وعَدَهُ الرَّبُّ الحسيب على ذلك في دنياه وأُخرَاه ، إذ شأن الحَسِيبِ أن لا يُخيِّبَ الآمالَ، وَيَفِي على سبيل الكمال بما يَعِدُ به في الحال أو المآل.

          الجَلِيلُ

          هو الذي جلَّ لكمال أحديَّتِه وعَظيمِ صفاته أن يكون له نَظِيرٌ في ذاتِه أو في صفاته أو أفعاله.
          وحظُّ العبد منه إجلالُ نفسه بصيانتها عن كل عَيبٍ حياءً من الربِّ الجليل تبارك وتعالى.

          الكَرِيمُ

          هو من أشمل الأسماء كَلِمًا وأَثَرًا؛ إذ الكريم يجمع الشَّرفَ والسُّؤْدُدَ التابعين لنَيْلِ المعروف وإغاثة الملهوف ونَيْلِ كل ما هو بالمَحمدة موصوف، ويَجْمَعُ الخَطَرَ ونباهَة الشأن، ويَجْمَعُ السَّبْقَ بالإحسان والعَفْوَ والصَّفْحَ والحِلْمَ والغُفران وجميع أنواع الخير والنَّفْع والامتنان.

          وحظُّ العبد منه قَصْرُ نَظَرِه وأمَلِه على مولاه الكريم، فإنّ الكريم لا تتخطاه الآمال، ومِنْ لازِمِ ذلك أن لا يَبْخَل بما عنده ولا يتشوَّفُ لمخلوقٍ ولا لِمَا بيديه؛ إذ كلُّ ما سوى المولى الكريم ليس مَوثُوقًا به ولا بما عِندَه.

          الجَوَّادُ

          هو المُتمكِّنُ من الإيثار، وذلك الإيثار يكون بالإيجاد أولا ثم بالإبقاء ثانيا، ثم بنَفْخِ الروح والحياة ثالِثًا، ثم بالرزق الروحاني كالهداية والإيمان ومراتبهما كالتوبة والزهد ومثل ذلك، والعلم ومراتبه، وبالمنّ بالأخلاق السنيّة على عبده كالعفو والحلم والرحمة رابعًا، وبإظهار آثار هذه الأخلاق فيه والمعاملة معه بها خامسًا، ثم بالرزق الجسماني من المطعم الشهِيِّ والمَنْكَحِ الرَّضِيِّ والأموال والخزائن والذخائر والعيش الهني سادسًا.
          وحظ العبد منه قريب مما قبله .

          الرَّقِيبُ

          هو الذي لا يَجُوز على عِلْمِه ذُهولٌ ولا غَفْلَةٌ في معلومٍ أيِّ معلومٍ كان.

          وحظُّ العبد منه دَوامُ الحَيَاءِ من مولاه الذي هذا وَصْفُه، فلا يَخْطُرُ بباله سوءُ أدَبٍ في حقِّه، فَضلاً عن الهَمِّ، فضلاً عن العَزْمِ، فضلاً عن الفِعْلِ.

          المُجِيبُ

          هو الذي يُسعِفُ بمقتضى الفَضْلِ كل سائِلٍ بلسانِ الحال أو لسان المَقال بمطلوبه المقسومِ له أزَلاً.

          وحظُّ العَبْدِ منه قَصْرُ حَوائِجه على مولاه، وإدامَةُ التضرُّعِ حالاً ومآلاً بين يديه؛ إذ لا مجيب على الحقيقة سواه ـ تبارك وتعالى ـ، ثم يقتدي هو أيضا بمولاه فيجيب كل داعٍ دَعاهُ إلى الخير، ويرى المِنَّةَ في ذلك لمولاه لا لَهُ.

          الوَاسِعُ

          هو الذي وَسِعَ عِلْمُهُ جميعَ المعلومات التي لا نهاية لها، ولم يُضِيِّقْ عِلمُهُ بعضَها عن بَعْضٍ ولا شَغَلَ بعضُهَا عن بَعضٍ أزَلاً ولا أبَدًا، وكذا سائرُ صفاته من قُدرتِه وإرادته وسَمْعِه وبَصرِه وكلامه، وكذا فِعلُه من تدبيره ورَزْقِه وَجُودِه العامة لجميع مخلوقاته.

          وحظُّ العبد منه أن يُوَسِّعَ صَدْرَه للقيام بجميع ما طُلِبَ منه، ويستعين على ذلك بمولاه القويِّ الواسِع، لا بحَوْلِه الذي يَضِيقُ عن دَفْعِ أدنى ضارٍّ وجَلْبِ أدنى نافِعٍ، ويُريحَ نفسَه من الفكرة في كل ما ضُمِنَ له، مُوقِنًا أن أعباء التدبير لا يحملها إلا صفات الألوهية الواسعة، فوجب قَطْعُ النَّفس عنها بالكلية، إلا ما كان منها عبادةً وامتثالاً لأمرِ المولى ـ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ـ فيفعَلُه العبدُ بنِيَّةِ الامتثال فقط، والمِنَّةُ في ذلك للمولى الواسِع وَحْدَه ـ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ـ؛ إذ هو الموفِّقُ والخالِقُ بلا مُعِينٍ ولا واسِطَةٍ.
          وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]

          تعليق

          • نزار بن علي
            طالب علم
            • Nov 2005
            • 1729

            #6
            الحَكِيمُ
            هو الذي لا خَلَلَ في جميع أفعالِه، بل جميعُها مُتقَنٌ جَارٍ على وِفْقِ عِلْمِه وإرادَتِه، شاهِدٌ له بكمال وَحْدَانيَّته وألوهِيَّته.

            وحظُّ العبد من ذلك أن لا يَعتَرِضَ على مولاه ـ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ـ في فِعْلٍ من الأفعال، ساعَدَهُ أو لم يُساعِده، لعِلْمِه بأنَّ ذلك الفِعلَ صَدَرَ من حَكِيمٍ، وإنما يَعتَرِضُ على نفسه فيما يرى فيها من المخالَفاتِ لمُجرَّدِ التعبُّد والامتثال فقط، ويطالبها على سبيل التعبُّدِ بإِحْكَامِ كُل ما طُلِبَ منها، ومُعَوَّلُهُ في ذلك حقيقةً ليس إلا على مولاه الذي لا خالِقَ سواهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى.

            الوَدُودُ

            هو الذي يُعامِلُ كثِيرًا من المخلوقات دُنيَا وأُخرَى معامَلَةَ الوَدُودِ لها، أي الكثير الودِّ والمحبَّة، فيُزيل عنهم المَوانِعَ والمكروهات، ويُنِيلُهُم من نِعَمِه ما لا يَدخُل تحت الأوهام والتخيلات، ويُدِيمُ لهم ذلك إدامةً لا تتغير بما يبدو منهم من صِفَةٍ أو حُكْمٍ يُخالِفُ ذلك، وكل ذلك مع الغِنَى المُطلَقِ عنهم وعن غيرهم وعدم توجُّهِ حَقٍّ عليه من قِبَلِهم، ونَفْيِ مَيْلٍ يَبْعَثُ على إيصال شيءٍ من الخير إليهم، بل مَحْضُ فَضْلٍ سَبَقَ بِه عِلْمُهُ وتدبيرُه تَبَارَكَ وَتَعَالَى.

            وحظُّ العبد منه أن يَتوَدَّدَ بكل ما يَقدِرُ عليه من الأعمال ـ لشدَّة فَقْرِه ـ إلى مولاهُ الودودُ لِخَلْقِه مع عظيمِ غناهُ عنهم، ويتودَّدُ أيضا إلى أوليائه الذين هم وسائله ـ تعالى ـ من خَلقِه لعلَّ المولى ـ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ـ يُوِدُّه عند ذلك بمَحْضِ فَضْلِهِ.

            المَجِيدُ

            هو الذي انتهى في الشَّرَفِ وكَمال المُلْكِ واتساعِه إلى غايةٍ لا يُمكِنُ المزيدُ عليها ولا الوصول إلى شيءٍ منها.

            وحظُّ العَبْدِ منه أن يستغني بمولاه ـ الذي هذا وَصْفُهُ ـ عن كل ما سواه لأنّ العبد إذا عَرَفَ أنّ مولاه إليه انتهى الشَّرَفُ وكل ما سواه دُونَه، بل هو مِلْكُهُ ومُفتَقِرٌ إليه غاية الافتقار، ثم أخذ يتشوَّفُ إلى خدمة غير مولاه أو التعلُّقِ به كان أحمق خسيسًا في غاية الخِسَّة، «تَعِسَ عَبْدُ الدينار» الحديث. اللهم إلا أن يَأْمُرَهُ مولاَهُ بخدمة بَعْضِ عبيده والتعلُّقِ به تشريفًا من المولى لذلك العَبْدِ المخدُومِ، كأَمْرِهِ ـ تعالى ـ الملائكةَ بالسجود لآدَمَ ـ عليه السلام ـ، تعيَّن على العبد المأمُورِ امتثالُ أَمْرِ مولاه تقرُّبًا إليه بذلك وتوسُّلاً إلى نيل رضاه.

            البَاعِثُ

            هو نَاشِرُ المَوتَى، أي مُحْيِيهم يوم الحشر. وقيل: هو باعث الرُّسُل. والظاهر أنّ معناه أعمّ من هذين وأنه المُثيرُ لساكنٍ في حالةٍ أو وَصْفٍ وحُكْمٍ كنَوْمٍ أو مَوتٍ أو أيِّ حالةٍ وَوصْفٍ كان، والمحرِّكُ له نحو حَالَةٍ ووَصْفٍ آخَرَ كاليقظة والحياة ونحوهما.

            وحظُّ العبد منه إحياءُ قَلْبِه ـ الميِّتِ ـ بذِكْرِ أوامِرِ مولاه العظيم وذِكْرِ وَعْدِهِ ووَعِيدِه وما أعدَّ اللهُ للمكلَّفين من نِعَمٍ ونِقَمٍ في يوم البعث ، وإنْهَاضُ جوارِجِه ـ السَّاكنة ـ للخِدْمَة قبل الفَوْتِ، ويتعلَّقُ في ذلك كلِّه بمولاه الباعِث للأموات بعد هُمودِهم واليأس من حياتِهم وحرَكاتِهم، فيتمرَّغُ في التراب مُتضرِّعًا بين يديه لعلَّهُ يتفضَّلُ عليه بإحياء قَلْبِه وجوارِحِه وبَعْثِها لما يُعينُها ويَنفَعُها بعد مماتها.

            الشَّهِيدُ

            هو المُحِيطُ بجميع المعلومات، الذي لا يُمكِنُ أن يغيب على عِلْمِه مَعلُومٌ، ولا يَحتاجُ فيه إلى إعلام مُعْلِمٍ لأنه كالحاضر مع كل معلوم.

            وحظُّ العبد منه إدامةُ الخَوْفِ والهَيْبَةِ والتعظيم، ومراعاةِ سرِّهِ وعَلَنِه لأنّ مولاه وخَالِقَه ـ جَلَّ وَعَلاَ ـ كالحاضر مع كل ما ظهر منه وما بَطَن.

            الحَقُّ

            هو الثَّابِتُ الوُجُودِ، الذي لا يَقْبَلُ العَدَمَ ولا التَّغَيُّرَ لا أزَلاً ولا أبَدًا. وقيل: هو المُحِقُّ للكائنات، أي المُثْبِتُ لذواتها وصفاتها، ولو لا هو لبَطَلَت وبقيت على العَدَمِ أبَدَ الآبَاد. وقيل: هو مُظهِرُ الحَقِّ بِقوله الصِّدْقِ وحُكْمِه العَدْلِ. وقيل: معناه العَدْلُ.

            وحظُّ العبد منه إدامَةُ التعلُّقِ بمولاه ظاهِرًا وباطِنًا، عِلْمًا وعَمَلاً، ونَبْذُ كل ما سواه مُعتمَدًا ومُعوَّلاً؛ إذ لا حقَّ ولا مُحِقَّ سواه ـ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ـ، وكل ما عداه مُتَغَيِّرٌ فَانٍ لا نَفْعَ له ولا ضَرَرَ، أَلاَ كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلاَ اللهَ بَاطِلُ.

            يتبع إن شاء الله...
            وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]

            تعليق

            • نزار بن علي
              طالب علم
              • Nov 2005
              • 1729

              #7
              الوَكِيلُ
              هو المُتكَفِّلُ بمصالِحِ جميع عبيده، والمُدَبِّرُ لشؤونهم لعَجْزِهم عنها وجَهْلِهِم بهَا.

              وحظُّ العبد منه صَرْفُ كل الظاهر والباطن لِمَا يُعِينُه مما يُنِيلُ رِضَا المولى، وإراحةُ النَّفْسِ من تدبير الشؤون ، بل يَكِلُها
              إلى الوكيل القادر عليها وهي به أولى.

              القَوِيُّ

              هو الذي لا يَضْعُفُ عن إيجادِ كل مُمكِنٍ وإعدامِه، ولا يَمسَّهُ نَصَبٌ في حَلِّ ما شاء مِنه وإبرَامِه، ونِسبَةُ إيجادِ مجموع العوالم أو إعدامها في لحظةٍ إلى قدرته وإرادته كنِسبَةِ إيجاد الجَوْهَرِ الفَرْدِ وإعدامه إليها.

              وحظُّ العبد منه قَصْرُ جميع حوائجه وأغراضه الصعبة على باب مولاه القوِيّ، ولْيَهْرَبْ بضَعْفِه من شِبَاك المعاصي وحبائِل الشهوات إلى جانِبِ رضاه وطاعةِ العزيز العلِيِّ.

              المَتِينُ

              هو الذي له كمالُ القوَّةِ بحيث لا يُشارَكُ ولا يُعارَضُ ولا يُمانَعُ، وهو الغالِبُ الذي لا يُغلَب، ويَتَعالَى أن يحتاج في قُوَّتِه المتينة إلى مُعينٍ أو آلة أو سَببٍ .

              وحظُّ العبد منه قريب من القوِيِّ.

              الوَلِيُّ

              هو الذي جميعُ العوالم تحت قَهْرِ عُموم تدبيره ورعايته، ولا يمكن خروج شيء منها دنيا وأخرى عن حِجْرِ نَظرِه وولاَيته.

              وحظُّ العبد منه دَوامُ الفِرَار من النفس الضعيفة السفيهة ومن غيرها من سائر العوالم لعموم العَجْزِ والجَهْل لها من حيث ذواتها إلى مولاه ووليِّهِ القوِيِّ المُحيطِ عِلْمُه بجميع المنافِع والمضار، وهو ـ جَلَّ وَعَلاَ ـ الخالِقُ لما شاء من ذلك ويختار، فلا يختار العبد المَحْجُورُ إذن من العلوم والأعمال إلا ما اختارَ له مولاه، ولا يتحرَّكُ ولا يَسْكُن ظاهرًا وباطنًا إلا بإذنه ورضاه.

              الحَمِيدُ

              هو المحمود، أي المُثنَى عليه بكل كمالٍ دلَّ عليه وَصْفُ ألوهيَّته، وبكل تكميل تفضَّلَ به بمقتضى رحمته وشُمُولِ وَصْفِ ربوبيَّتِه، فلا حَمْدَ في الحقيقة لما سواه؛ إذ لا ألوهية ولا رحمانية ولا ربوبية لما عداه.

              وحظ العبد منه رفضُ ذِكْرِ كل كمالٍ سوى ذِكْرِ كمال مولاه العديم المثال، وامتلاءُ القلب بمحبته والاشتياق إلى لذيذ رؤيته، والمسابقةُ إلى أسباب ذلك ليلاً نهارًا، وصِحَّةً وسُقْمًا، وحَضْرًا وسَفَرًا وعلى كل حال.

              المُحْصِي

              هو الذي لا يَشُذُّ مَعلُومٌ عن عِلْمِه، لا باعتبار ذاته وصفاته، ولا باعتبار كَمِّيتِه وعدَدِه إن كان مما له كمٌّ.

              وحظُّ العبد منه المبالغةُ في اكتساب كَثْرَة الطاعات، وجَعْلُ جميع الأنفاس فيها والخواطر والكلمات والحركات والسكنات وسائر الصفات؛ لِعِلْمِه أنّ ذلك كله لا يضيع شيءٌ منه وإن قَلَّ عند مولاه الكريم الربِّ الرءوف الرحيم الذي أحاط عِلْمًا بجميع المعلومات، كما أنّ العبد لذلك يجب أن يُحْصِي على نفسه ما صدر منها من السيئات ويحاسبها على ذلك وإن صَغر، ويوبِّخها غاية التوبيخ ويندم غاية الندم، ويتقطع قلبه من أجل جعلها حسرات، فإن شيئا من ذلك وإن صَغُرَ لا يمكن أن ينساه ربُّ الأرض والسموات المحيط عِلْمُهُ بالجليات والخفيات .

              المُبْدِئُ المُعِيدُ

              هو الذي أظهر وجود الكائنات كلها بإيجاده لها على اختلاف أنواعها وأصنافها وصفاتها من غَيْبِ العَدَمِ المَحْضِ الذي لا أوَّل له، بلا مثالٍ سَبَقَ لكائِنٍ منها، ثم يُعيدُها ثانِيًا إلى ما كانت عليه من العدم، ثم يعيدها ثالثًا إلى ما كانت عليه من الوجود، وحينئذ يُنَفِّذُ فيها من أحْكامِ برِّهِ وقَهْرِهِ ما لا يمكن أن يحيط به سواه تَبَارَكَ وَتَعَالَى.

              وحظُّ العبد من الاسمين رؤيةُ العوالم كلها ـ ومن جملتها ذاته ـ بعَيْنِ العَدَمِ لعِلْمِه بمُبْدِيها ومُصَيِّرِها، فيَقْطَعُ تَشوُّفَه من الثِّقَةِ بها والتأنّس بشيء من ملذوذاتها والسعي لتحصيل شيء منها؛ إذ ذلك كله كبَرْقٍ لَمَعَ لمعةً في ظُلْمَةٍ فانصدعت ثم رجعت الظلمة على الفور كما كانت، فلا تكون للعبد هِمَّةٌ ولا تَشَاغُلٌ في ظاهره وباطنه إلا في الاستعداد لمَعَاده الذي لا عَدَمَ بَعْدَه، فالكَيِّسُ من دَانَ نَفْسَهُ وعَمِلَ لِمَا بعد الموت، والأحمَقُ من أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وتَمَنَّى على الله الأمَانِيّ.

              المُحْيِي

              هو خالِقُ الحياة في الأشباح والأرواح، ورابط حياة الأشباح بما شاء من الأبواب العادية كمُشابكة الأرواح والأكل والشرب ونحو ذلك من غير أن يكون لشيءٍ من ذلك تأثيرٌ في الحياة أصلاً، بل مولانا ـ جَلَّ وَعَلاَ ـ هو المُحْيِي وَحْدَهُ بلا واسطة. هذا في الحياة الحسية، وكذلك هو المُنفرِدُ ـ تَعَالَى ـ بإيجاد الحياة المعنويَّة، كإحيائه ـ سُبْحَانَهُ ـ القُلوبَ بمعرفته وما تَسْتَتْبِعُه من أعمال الباطن، وإحيائه ـ تَعَالَى ـ الجوارح بخدمته وعَدَمِ الفتور والكسل عن الجَدِّ في طاعته وشُكْرِ نعمته.

              وحَظُّ العبد منه أن يَعْرِفَ قَدْرَ نعمة هذه الحياة العاجلة فيغتنمها لكثرة الطاعات ولا يُتْلِفُ شيئًا منها فيما لا يعني من الراحات واللذات المباحات ، فَضْلاً عن المكروهات والمحرَّمات، ليفوز بعد موته بما لا يُكَيَّفُ من لذّة الحياة الباقية في فراديس الجنان وعلوِّ الدرجات.

              المُمِيتُ

              هو خالِقُ عَرَضِ المَوْتِ عند سَبَبٍ عادِيٍّ اختارَهُ ـ جَلَّ وَعَلاَ ـ أمارةً على ذلك أو بدونه في كل جزء من أجزاء البدن، وأجرى سبحانه العادة بتبعيد الروح حينئذ عن مشابكة تلك الأجزاء الميتة. ومن الجائز عقلاً أن يَخلُقَ ـ سبحانه ـ الحياةَ في تلك الأجزاء وإن فارقتها الروحُ كما أدام ـ تعالى ـ خَلْقَ الحياة في الروح بعد مفارقة البدن. ومن الجائز أيضا أن يخلق فيها أعْرَاضَ الموت وإن شابكتها الروحُ، كما يجوز عقلاً أن يُمِيتَ ـ جَلَّ وعَلاَ ـ الروحَ وهو مشابِكٌ للبدن أو مفارِقٌ له.
              وهو سبحانه أيضا المميت للقلوب بعدم إمدادها بأنوار علومه الربانية وتطهيرها من الميل إلى الشهوات الجسمانية، ويَتْبَعُ ذلك موتُ الجوارح بتكاسلها عن شريف خدمته وتَشاغلها بما يوجب حرمان الدرجات العلية في دار كرامته ورحمته.

              وحظُّ العبد منه أن يجعل مصيبة الموت القريبة منه ومن غيره بين عينيه، ويسدّ عن نفسه أبواب الراحات والتسويف والشهوات المُكدِّرة الفانية، فإن جميع ذلك سيندم عليه غاية الندم لإضراره له بعد موته ولا ثمرة له هنالك بين يديه. ولْيَلْجَأْ في مَوْتِ قَلبِه وجوارحه إلى مولاه الرءوف الرحيم لعَلَّه يتفضَّلُ ـ سبحانه ـ بإحيائها وإن آيس منها كما يتفضل ـ جَلَّ وَعَلاَ ـ بإحياء العظام وهي رميم.

              الحَيُّ

              هو ذو الحياة التي لا يجوز عليها مَوْتٌ ولا عَدَمٌ ولا نَوْمٌ ولا سِنَةٌ ولا تكدُّرٌ ولا سَقَمٌ، ولا يجوز انتسابها إلى رُوحٍ ولا مِزَاجٍ ولا مأكول ولا مشروب ولا شيء من أنواع العلاج.

              وحظ العبد منه أن لا يتعزَّزَ ولا يتعبَّدَ ولا يأنس بكل حيٍّ سيفارقه عن قريبٍ ويموت ويفوت، ويعتكف بظاهره وباطنه على لزوم خدمة مولاه الحيِّ الذي لا يموت.

              القَيُّومُ

              هو القَائِمُ بنفسه، وكل شيء ما عداه لا يقوم إلا به. وقيل: معناه الدائم الذي لا يجوز عليه الفناء.

              وحظُّ العبد منه على الأول تقدّم في اسمه الوكيل، وعلى الثاني تقدم في اسم الحَيِّ.

              الوَاجِدُ

              هو الغَنِيُّ. ومعنى الغِنَى في حقِّه ـ تعالى ـ هو الذي لا يَعْسُرُ عليه ممكن أراده، بل جميع الممكنات التي لا نهاية لها في قبضة قدرته وإرادته، وكل معلوم مُندرِجٌ في محيط عِلْمِه وكَلاَمِه، وكل موجود مُنكَشِف لسمعه وبصره، فهو الغنيُّ بذاته وصفاته لا بشيءٍ سواه تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وإنفاقُه تعالى على جميع العوالِم ما يقوم به وجودها كإنفاقِه على الواحد منها، لا يُنقِصُ ذلك من ملْكِه شيئًا.

              وحظُّ العبد منه استغناؤُه بمولاه ـ الذي هذا وَصْفُهُ ـ عن كل ما سواه تَبَارَكَ وَتَعَالَى.

              المَاجِدُ

              معناه كمعنى المجيد، إلا أنّ في لفظ المجيد ما يُشعِرُ بالمبالغة.

              وحظ العبد منه ظاهر مما سبق في اسم المجيد.

              الوَاحِدُ الأَحَدُ

              معناهما متقارب، والواحد هو الذي لا يَصُحُّ عليه التركيبُ ولا يقبل الانقسام، ويتعالى على النظير وصفات الأجرام.

              وحظُّ العبد منهما إفرادُ ظاهره وباطنه لمولاه، فلا يذكر ولا يتحرك ولا يسكن ولا يتصرف عمومًا بقصد سواه.

              الصَّمَدُ

              هو الذي يُصْمَدُ إليه، أي يُلْجَأُ إليه في جميع الحاجات، وإليه ينتهي السُّؤْدُدُ، ويُتَوَجَّهُ إليه في جميع الأغراض لأنه المولى وحده بقضائها ولا يُحتَاجُ إلى ما سواه أصلاً.

              وحظ العبد منه ظاهر لا يخفى.
              وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]

              تعليق

              • نزار بن علي
                طالب علم
                • Nov 2005
                • 1729

                #8
                القَادِرُ المُقْتَدِرُ

                هما بمعنى واحد، إلا أن في لفظ المُقْتَدِرِ زيادة مبالغة، ومعناهما: الذي له القُدرَةُ والاقتدار، أي المُتمَكِّنُ بلا معالجة ولا واسطة من إيجاد كل ممكن وإعدامه.
                وقد يقال: المقتدر أخصُّ من القادر، فيكون معناه: المُتمكِّنُ من التأثير والفِعْلِ بواسطة الأسباب العادية كالملائكة ونحوهم وإن لم يكن لتلك الأسباب أثَرٌ البتة، فيكون من توابع الملك، ولهذا قرن بالمليك في قوله تعالى: ﴿ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ [القمر:55].

                وحظُّ العبد منهما التَحَقُّقُ بعَجْزِ نَفْسِهِ وعَجْزِ العوالِم كلها عن إبداء أثَرٍ ما، والإيواء بكلية القلب إلى المولى القادر عاكِفًا على ذكره ومحبته وطاعته.

                المُقَدِّمُ المُؤَخِّرُ

                مرجعُهما إلى تعيين الربِّ ـ تَعَالَى ـ القَدْرَ المعلومَ في كل مُمْكِنٍ ترتيبًا وهيئةً ووقتًا وكيفًا وكمًّا على وِفْقِ عِلْمِه تعالى وإرادته.

                وحظُّ العبد منهما التسليمُ والرضا بمواقع القدر، وتَرْكُ الاعتراض بالباطن والظاهر على ما قدَّمَ منها المولى ـ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ـ وأخَّر.

                الأَوَّلُ الآخِرُ

                معناهما: المَوجُودُ قَبْلَ وُجودِ كل ما سواه، والباقي بعد فناء ما عداه، ومن لازمهما وجوب وجوده تبارك وتعالى؛ إذ لو جاز وجودُه ـ تعالى عن ذلك! ـ لكان وجودُه حادِثًا فيَفتقِرُ إلى مُحدِثٍ يَجِبُ أن يَسبِقَ وجودُه عليه، ويتأخَّرُ وجودُه عن عَدَمِهِ، فتنتفي حينئذ الأولية والآخرية، وهما واجبان له تَبَارَكَ وَتَعَالَى.

                وحظ العبد منهما صَرْفُ وِجْهَةِ القلب عن كل ما سواه ـ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ـ بالتوكُّلِ والاعتماد؛ لعِلْمِه بإحاطة العَدَمِ بكل ما سواه ـ جَلَّ وَعَلاَ ـ سابِقًا ولاحِقًا، وقَصْرُ المِنَّةِ والذِّكْرِ والعبادة على المَوْلَى العظيم الرَّبِّ الأوَّلِ الآخِرِ جَلَّ وَعَلاَ.

                الظَّاهِرُ البَاطِنُ

                قيل: الظَّاهِرُ: القَاهِرُ، يقال: ظَهَرَ فُلاَنٌ على فلاَنٍ، إذا قَهَرَهُ، فيرجع معناه إلى معنى القاهر. وقيل: معناه المَعلُومُ بالدلالة الواضحة من كل حادِثٍ.

                والباطِنُ: المُحْتَجِبُ عن خَلْقِهِ في دار الدنيا بموانع خَلَقَها في أعينهم. وقيل: الباطنُ هو العالِمُ بالخفيات.

                وحظُّ العبد منهما التمسُّكُ بمعرفة ما شَهِدَتْ به الحوادِثُ من جَلالِه ـ تعالى ـ وجمالِه العديمين المِثال، والإمساكُ بعد ذلك عمَّا بَطَنَ من الكُنْهِ الذي لا يُدْرَكُ ولا يُنَالُ، فيكون حينئذ بذلك ظاهرًا على النَّفْسِ والشيطان الموسوس بضروب من الوَهْمِ والخيال، مُحتَجِبًا عن الخَلْقِ بخالِص النيات والمعارف والأحوال والأعمال.

                الوَالِي

                هو الذي يُباشِرُ الحُكْمَ على سبيل الحياطة وإصلاح حال المولَّى عليه، والإصابةُ في الحُكْمِ بموجب إحاطة العِلْم نفاذُ الإرادة، فلا رَادَّ لحُكْمِهِ ولا مُعَقِّبَ له.

                وحظُّ العبد منه ما سبق في اسم الحَكَمِ.

                المُتَعَالِي

                هو الذي لا يَنَالُ حُكْمَهُ تَعَقُّبٌ بحُجَّةٍ أو حُكْمٌ يُخَالفُه ببُرهَان، بل كل من يتعرّض لمدافعة أحكامه بحُجَّةٍ تكون حُجَّتُه داحِضَةٌ، فهو المتعالي عن أن تُقاوِمَ حُجَّتَهُ حُجَّةٌ أو يُدافِعَ حُكْمَهُ حُكْمٌ. وقد شرحنا هذا الاسم قَبْلُ من حيث مناسبته لاسمِه العَلِيِّ ،
                وشرحناه هنا من حيث مناسبته لاسمه الوالي.

                وحظُّ العبد منه الرضا والتسليمُ بالظاهر والباطن لجميع أحكام الله ـ تعالى ـ الشرعية والفعلية من غير حَرَجٍ ولا كزازةٍ في النفس، وبالله تعالى التوفيق.

                البَرُّ

                هو الذي يُوصِلُ الخيرات إلى خَلْقِهِ بتلَطُّفٍ ورَحْمَةٍ من غير استشرافٍ إلى جَزاءٍ وعِوَضٍ منهم.

                وحظُّ العبد منه قَصْرُ مَحَبَّتِه على المولى العظيم الذي هذا وَصْفُهُ.

                التَّوَّابُ

                هو الرجَّاعُ إلى إيصال الرحمة الاختصاصية والعفو والمغفرة والعناية والتوفيق وقبول التوبة إلى عبيده بعد إعراضه عنهم حال اقترافهم الذنوب والمعاصي والمخالفات مرة بعد أخرى.

                وحظُّ العبد منه حَلُّ عُقدَةِ الإصرار على الذنوب، والرجوعُ إلى لزوم طاعة المولى التوَّابِ الوَهَّاب كاشف الأغيار والكروب.

                المُنْتَقِمُ

                هو المُؤاخِذُ لمن شاء بعد الإعذار بأشدِّ سَطوَةٍ وأعظم عقوبة لا تحيط بها العقول.

                وحظُّ العبد منه كَسْرُ صَوْلَةِ النَّفْسِ والهَوَى في دعائهما للمعصية باستحضار ما أُعِدَّ لهما دُنيَا وأُخرَى من عظيم النِّقَم، والاقتداء بالمولى ـ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ـ في الانتقام ممن عصاه من نَفْسٍ أو غيرها بما أذن فيه ـ جَلَّ وعَلاَ ـ من قَتْلٍ أو ضَرْبٍ أو توبيخٍ وذَمٍّ.

                العَفُوُّ

                هو الذي يترك مؤاخذة العبد بجنايته وظلمه الظاهر حُكمُهُما وأثرُهما فضلاً منه ـ تَعَالَى ـ وكَرَمًا، حتى يعفو ـ أي يَنْدَرِس ـ ذلك الأثر والحكم.

                وحظُّ العبد منه كَسْرُ صَوْلَةِ اليَأْسِ عند تَلَبُّسِ النفس بالمعاصي المؤذنة بالهلاك وعظيم النِّقَم، ومَدُّ يَدِ الضراعة عند باب
                التوبة الصادقة متعلِّقًا بما وَصَفَ به المولى ـ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ـ نَفْسَه من جميل العَفْوِ والكَرَمِ، وَلْيُكْثِرْ من معاملة من أساءَ إليه بما يُحِبُّ أن يعامِلَهُ به المولى العظيم ـ جَلَّ وَعَلاَ ـ في هذه الدار ويوم تجتمع لعظيم الأهوال والحساب والجزاء جميعُ الأمم. اللهم عاملنا في الدنيا والآخرة بجميل سترك وعفوك يا غنيُّ يا عَفُوُّ يا كريم، واغفر لنا يا مولانا في الدارين بلا مِحْنَة ما تَعْلَمُه منا يا حَيُّ يا قيُّومُ يا رءوف يا رحيم يا عَلِيُّ يا عظيم.

                الرَّؤُوفُ

                هو الذي له باطن الرحمة والشفقة لأنّ الرأفة ألطف رحمة باطنة منبعثة عن الحب والعناية التي تثير القَصْدَ إلى إزالة ما يَضْعُفُ العبدُ عن تحمله من المكاره، وإلى إعانته في تحصيل ما يتوقعه من المحابِّ والمنافع.

                وحظ العبد منه لا يخفى.


                مَالِكُ المُلْكِ

                هو الذي يملك ذوات من يتصرَّف في أمورهم ويُقيم أحوالهم، فيتصرف فيهم التصرُّفَ التامَّ العام بلا حَجْرٍ لا عقلاً ولا شرعًا، تصرُّفَ الملاَّكِ لظواهرهم وبواطنهم، لا تصرُّفَ الملوك على ظواهرهم دون بواطنهم.

                وحظُّ العبد منه الإذعانُ وتَرْكُ الاعتراض بالظاهر والباطن.

                ذُو الجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ

                هو الذي له رفعة القَدْرِ بحيث لا يصطفي لقُرْبِه إلا من شاء، ويَجِلُّ من أن يُوصَلَ إليه بسَعْيٍ أو كَسْبٍ، أو يُنتَسَبَ إليه بشَيءٍ سواه بوَجْهٍ من الوجوه سوى نسبةِ العبودية والافتقار اللازم الضروري، فهو مع الخَلْقِ في جميع أحوالهم بالوَصْفِ، بائِنٌ بالذات، ثم هو مع عظيم جلالته ذو الإكرام لمن شاء من خَلْقِه بمَحْضِِ فَضْلِه، فإنه ـ تَعَالَى ـ ظاهِرُ اللُّطْفِ والإنعام والإكرام مع عبيده بالإيجاد والإبقاء وإصلاح الأمور والأحوال ورعاية المصالح وحسن المجازات والمكافأة في الدنيا والآخرة.

                وحظُّ العبد منه الهيبةُ والحياءُ والشكرُ حتى لا يَقَعَ منه في الظاهر ولا في الباطن مُخالَفة ولا سوءُ أدب.
                وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]

                تعليق

                • نزار بن علي
                  طالب علم
                  • Nov 2005
                  • 1729

                  #9
                  المُقْسِطُ

                  هو المُتَّصِفُ بالعَدْلِ في أفعاله وأحكامه.

                  وحظُّ العبد منه الإذعان بالظاهر والباطن لحُكْمِه ـ تَعَالَى ـ وقضائه العَدْلِ، ونَبْذُ كل ما يدعو إليه الهوى والشيطان من الباطل في الاعتقاد والفعل والقول.

                  الجَامِعُ

                  هو الذي يتصف على سبيل الوجوب العقلي بجميع الكمالات الحقيقية، فلم يَفُتْهُ شَيْءٌ منها أزَلاً وأبَدًا.

                  وحظُّ العبد منه أن يَجْمَعَ من الكمالات اللائقة بمثله ما يَتَوصَّلُ به إلى رضا المولى العظيم الجامع للكمالات الحقيقية، ويَظْفَرَ في الآخرة بمشاهدة ذلك الكمال العديم المثال.

                  الغَنِيُّ

                  هو المُتَّصِفُ بسَعَةِ الكمال الذي لا نهاية له في الذات والصفات والأفعال، فلا حاجة له إلى شيءٍ في ذاته ولا صفاته لوجوبهما واستحالة النَّقْصِ فيهما، ولا حاجة له في فعل جميع الممكنات إلى وزير أو معين أو واسطة البتة.

                  وحظُّ العبد منه أن يتمسك في جميع أحواله بالفقر الضروري إلى مولاه الغني، ولْيَقْطَعْ طَمَعَهُ من نفسه ومن كل مخلوقٍ على الدوام؛ لعموم الفَقْرِ التام اللازم لكل ما سواه تعالى، وتعلُّقُ الفقيرِ بالفقير تَضْيِيعُ وَقْتٍ وعَناءٌ بلا فائدة.

                  المُغْنِي

                  هو المُعْطِي لمن شاء من عبيده المحتاجين الناقصين ما ترتفع به الحاجةُ والنقصُ فضلاً منه ـ تَعَالَى ـ، لا لِاسْتحقاقٍ من أحدٍ عليه، فأفاض سبحانه على من شاء ـ بمَحْضِ الفَضْلِ ـ وُجودًا ورِزْقًا وبَقَاءً وعِلْمًا وشَرَفًا وسُؤْدُدًا ونَعِيمًا دنيويا وأخرويا إلى غير ذلك مما لا يحيط به الوصفُ، وأفضل ذلك أن يَسلِب العبد عن نفسه وأوصافه الناقصة ويُغرِقه في بحار كمال الذات والصفات ويُغْنِيه الغِنَى الأكمل حتى يَفْنَى به عن كل ما سواه ثم يبقى به دون ما عداه.

                  وحظُّ العبد منه تَرْكُ الدَّعْوَى والتواضع في كل كمال يظهر عليه لتحققه أن ذلك كمال عَرَضِيٌّ جاءَهُ من المولى الكريم المُغْنِي بلا سَبَبٍ ولا استحقاقٍ، وليس للعبد من ذاته إلا كمالُ النَّقْصِ والفَقْرِ بالعموم والإطلاق، فَلْيَعْرِفْ عند ذلك العبدُ على سبيل الدوام قَدْرَهُ، وَلْيَلْتَزِمْ عند رؤية الكمال العَرَضِيِّ التواضعَ والشكرَ والحياءَ ولا يتعدَّى عند ذلك أصْلَهُ وطَوْرَه.

                  المَانِعُ

                  هو الذي إذا أراد ثبوتَ حقيقةٍ مُمكِنَةٍ، أيَّ حقيقةٍ كانت، مَنَعَ عنها ودَفَعَ كل ما يُخالِفُ تحقُّقَها مِنْ ضِدٍّ ونِدٍّ، ذاتًا كانت أو صفةً أو حالاً أو غير ذلك، ومَنَعَ أثَر ظهورِ المُضَادَدَةِ بينهما.

                  وحَظُّ العبد منه أن يَمْنَعَ ـ على سبيل التعبُّد ـ نَفْسَهُ من كل ما يُخالِفُ تَحَقُّقَ ما به يَرْضَي عنه مولاه، ثم إن وُفِّقَ لذلك لا يَرَى المِنَّةَ فيه إلا للربِّ المَانِعِ ـ تعالى ـ دون شيءٍ سواه، ولْيَلْجَأْ إلى مولاه المَانِعِ عندما يرى ابتلاءه بالأضداد التي تُبْعِدُه عن رضا مولاه ـ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ـ؛ إذ بِيَدِ مولانا ـ جَلَّ وعَلاَ ـ مَنْعُهَا ودَفْعُها.

                  الضَّارُّ

                  هو الخالِقُ لكل ضَرَرٍ دنيوي وأخروي، روحاني أو جسماني، تَسَتَّرَ ذلك الضَّرَرُ بمقارنته لأسبَابٍِ عادية أم لا.

                  وحظ العبد منه الرضا بالقضاء، ولزومُ اللَّجْأ لمن بيده المَنْعُ والعطاء.

                  النَّافِعُ

                  هو الذي يُوصِل الراحة والأمور الملائمة للقلوب والأرواح والنفوس والطباع، جَمْعًا أو فُرَادَى، في الدنيا والآخرة أو فيهما؛ أمّا نَفْعُهُ للقلوبِ فبالتجلِّيات والمشاهدات، وأمَّا نَفْعُه للأرواح فبالعلوم والمعارف والمكاشفات، وأمَّا نَفْعُهُ للنفوس فبأنواع حصول الأمان والأماني والوصول إلى اللذات الوهميات والعقليات، وأمَّا نَفْعُهُ للطباع والأبدان فبأصناف اللذات والراحات المحسوسة المشتركة بين جميع الحيونات مَأْكُولاً ومَشْرُوبًا ومَلْبُوسًا ومَنْكُوحًا ومُبْصَرًا ومَسْمُوعًا ومَشْمُومًا، وبعضها بواسطة وبعضها بلا واسطة.

                  وحظ العبد منه لا يخفى.

                  النُّورُ

                  هو الذي أَظْهَرَ كلَّ مَستُورٍ في ظُلْمَةِ العَدَمِ أو الغَيْبِ بإيجادِه وهِدَايَتِه.

                  وحظُّ العبد منه إخلاصُ شُكْرِ المولى العظيم ـ جَلَّ وَعَلاَ ـ في كل ما كَشَفَ عنه الغِطاءَ من المعارف والمصالح الدينية والدنيوية، وإدمانُ اللَّجْأ إلى الرَّبِّ الكريم في كَشْفِ كل ما يوصل إلى رضاه والحلول في جواره في جنات النعيم.


                  الهَادِي

                  هو المُرْشِدُ خَلْقَهُ وسائِقُهُم إلى منافعهم الدينية والدنيوية، إمّا بشعورٍ منهم أو بغير شعورٍ كما في حقِّ الأطفال والبهائم والعقلاء في كثير من الأمور.

                  وحظُّ العبد منه قريب من الذي قبله.

                  البَدِيعُ

                  قيل: هو بمعنى المُبْدِع، أي المُخْتَرِع لجميع الكائنات على وِفْقِ عِلْمِه بلا مِثَالٍ ولا مُعانَاةٍ. وقيل: الذي لا نظير له.
                  وحظُّ العبد منه ظاهر من معنى القادر وغيره.

                  البَاقِي

                  هو الذي لا يجوز عليه الفَنَاءُ، ويَجِبُ له الثَّبَاتُ عند ورود الفناء والهلاك على ذوات الممكنات وأعراضها وتعيُّنَاتِها وإضافاتها ، فتَفْنَى وتَهْلَكُ هذه كلها، ويَبْقَى عَيْنُ وجوده ـ تَعَالَى ـ الذي كان مواجها لحقائق الممكنات، فيفنى من لم يَكُنْ ويبقى من لم يَزَلْ تَبَارَكَ وتَعالى؛ قال الله تعالى: ﴿ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ﴾ [القصص:88]، وقال جَلَّ من قَائِلٍ: ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (27)﴾ [الرحمن].

                  وحظُّ العبد منه نَفْضُ اليَدِ من كل ما سوى المولى ـ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ـ لعموم العَدَمِ السابق ولاَحِقًا لجميعه، وصَرْفُ الوِجْهَةِ كلّها إلى الربِّ الحَقِّ القديمِ البَاقِي، ألاَ كُلّ شَيْءٍِ مَا خَلاَ اللهَ بَاطِلُ.


                  الوَارِثُ

                  هو الذي إليه تنتهي جميعُ الأملاك إلى ملكه والتصرفاتُ على سبيل الاستقلال عند فناءِ كل من تُنْسَبُ إليه وإن كانت تلك النسبةُ إليهم بطريق المجاز، والمُلْكُ على الحقيقة أوَّلاً وآخِرًا ليس إلا له تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وذلك بحُكْمِ قولِه جلَّ من قائِلٍ: ﴿ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ﴾ [القصص:88].

                  وحظُّ العَبْدِ منه الإعراضُ عن الحياة الزائلة وشهواتها الفانية لتيَقُّنِه بقُرْبِ زوالها، والسَّعْيُ بكل الظاهر والباطن للحياة الباقية.

                  الرَّشِيدُ

                  قيل: معناه المُرْشِدُ، فيكون قريبًا من معنى الهادي. وقيل: معناه الموصوف بالعَدْلِ في الفعل والصِّدْقِ في القول. وقيل: هو المتعالي عن الدنِيئَاتِ وسِمَاتِ النَّقْصِ.

                  وحظُّ العبد منه على الأول قريب من اسم الهَادِي، وعلى الثاني من اسمه العَدْل، وعلى الثالث من اسمه المتعالي.

                  الصَّبُورُ

                  فَعُولٌ، من الصَّبْرِ، والصَّبْرُ: الحَبْسُ للنفس عما يقتضيه المُؤْلِمُ لها من الجَزَع والانتصار ونحوهما، وهذا محال في حقه ـ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ـ، وإنما معناه في حقه ـ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ـ تأخيرُ العقوبة عن العصاة إلى الأمد المضروب في عِلمه تعالى، أو يوفِّقهم إلى التوبة، أو يعفو عنهم بمَحْضِ فَضْلِه تبارك وتعالى.

                  وحظ العبد منه الاقتداءُ بالمولى تبارك وتعالى بأن يصير الصبر الذي يليق بالمخلوق مثله، فيعفو عمَّنْ ظَلَمَهُ، ويَصِلُ من قَطَعَهُ، ويُعْطِي مَنْ حَرَمَهُ ، ويَصْبِرُ على حَمْلِ وظائف التكاليف كلها، وقَمْعُ الشهوات المؤخِّرَة عنه عَلِيَّ الدرجات، ثم لا يرى في ذلك كلّه المِنَّةَ إلا للمولى تَبَارَكَ وَتَعَالَى؛ إذ لا خَيْرَ ولا تَوفِيقَ ولا نُورَ إلا منه جلَّ وَعَلاَ، فلَهُ الحَمْدُ أوَّلاً وآخِرًا.
                  نسأله سبحانه أن يَمُنَّ علينا بحُسن الخاتمة والوفاة على أعلى درجات الإيمان، ويجمعنا مع الآباء والأمهات والإخوة والأحبة والزوجات والذرية في دار النعيم بلا مِحنَةٍ ولا عتاب ولا عقوبة ولا هَوَانٍ، بفَضْلِه وإحسانه، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله عدد ما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون، والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى .
                  انتهى بحمد الله وحسن عونه.
                  وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]

                  تعليق

                  • نزار بن علي
                    طالب علم
                    • Nov 2005
                    • 1729

                    #10
                    وهذا رابط الكتاب لمن أراد اقتناءه مطبوعا.. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات

                    http://www.aslein.net/showthread.php?t=8282
                    وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]

                    تعليق

                    • جلال علي الجهاني
                      خادم أهل العلم
                      • Jun 2003
                      • 4020

                      #11
                      رفع الله قدرك أخي نزار في الدارين .. جزاك الله خيراً ...
                      إلهنا واجبٌ لولاه ما انقطعت
                      آحاد سلسلة حفَّــت بإمكـانِ



                      كتاب أنصح بقراءته: سنن المهتدين في مقامات الدين للإمام المواق
                      حمله من هنا

                      تعليق

                      • الطاهر عمر الطاهر
                        طالب علم
                        • Mar 2005
                        • 371

                        #12
                        بارك الله فيك على هذه التحفة
                        قال الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ((لا يقل عمل مع التقوى، وكيف يقل ما يُتقبل)).

                        تعليق

                        • جمال عبد اللطيف محمود
                          طالب علم
                          • Jul 2005
                          • 287

                          #13
                          بارك الله بكم ونفع بكم وجعله في ميزان حسناتكم
                          لا إله إلا الله محمد رسول الله

                          تعليق

                          • ماهر محمد بركات
                            طالب علم
                            • Dec 2003
                            • 2736

                            #14
                            جزاكم الله خيراً

                            وهذا ملف وورد لمن أراد حفظ الكتاب
                            الملفات المرفقة
                            ومبلغ العلم فيه أنه بشر ** وأنه خير خلق الله كلهم

                            تعليق

                            • أنفال سعد سليمان
                              طالبة علم
                              • Jan 2007
                              • 1681

                              #15
                              أخي المُكرم ماهر .. جزاكم الله خيرًا

                              تعليق

                              يعمل...