نص كتاب إشارات المرام من عبارت الإمام

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • حماد محمد الشنقيطي
    طالب علم
    • Feb 2010
    • 252

    #1

    نص كتاب إشارات المرام من عبارت الإمام

    بعد حمد الله و الصلاة و السلام على نبيه محمد، و على آله، و صحابته، و التابعين، و من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
    لا يزال يبزغ علينا بحمد الله و فضله من شموس أعلام أهل السنة المحمدية ما يضيء لنا الطريق، و يكون بعون الله و حسن توفيقه قذى بأعين أهل البدع و الزيغ و الضلال؛ يهدي الله به من شاء منهم، أو يزيد في ضلاله إلى ما يشاء.
    و هذا كتاب إشارات المرام، كتاب حق له أن يكتب بماء الذهب، لما حواه من تحقيقات، و جمع بين مذهبي أهل السنة الأشاعرة و الماتريدية.
    و لذلك كان حقا علينا خدمته بكل طريق ممكن، حتى يعم فضله، و يتحقق ما رجاه منه مؤلفه.
    لذلك فقد ارتأيت خدمة هذا الكتاب بأن أضعه نصا، كما قد قمت بتصويره سابقا و إنزاله على هذا الموقع المبارك الميمون، بتوفيق الله و حسن سداده، و ما بذله أهله و أعوانهم من مجهود، جزاهم الله عنا كل خير.
    و سأقوم بعون الله بعد أن انتهي من كتابة الكتاب، أن أضع النص المشروح مفرداً، مشكولاً، حتى يستفيد منه المريد لذلك؛ و الله المستعان.
    و بسم الله نبدأ

    بسم الله الرحمن الرحيم
    كلمة عن كتاب "إشارات المرام من عبارات المرام"؛ للعلامة البياضي رحمه الله؛ للشيخ محمد زاهد الكوثري:
    تفضل بها علينا حضرة صاحب الفضيلة، مولانا، الأستاذ الجليل، المحدث الأشهر، ناصر السنة في هذا العصر، أستاذنا الشيخ محمد زاهد الكوثري، وكيل المشيخة الإسلامية في دار العثمانية سابقا، فنثبتها شاكرين لفضيلته تشجيعه، و عنايته بالعلم و أهله؛ أمتع الله المسلمين بحياته؛ قال حفظه الله:
    الحمد لله، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد رسول الله، و آله، و صحبه، و كل من والاه.
    و بعد؛ فقد بلغنا أن "كتاب إشارات المرام من عبارات الإمام"، تأليف الحبر البحر، الهمام، عمدة المتأخرين في علم الكلام، الشيخ كمال الدين أحمد بن الحسن بن يوسف البياضي؛ القاضي، ابن القاضي، قد أعد للطبع، بتحقيق فضيلة الأستاذ البحاثة المحقق، العالم، العامل، المدقق، السيد جمال الدين أبي المحاسن، يوسف بن عبد الرزاق المشهدي الشافعي ؛ الأستاذ بكلية أصول الدين بالأزهر الشريف.
    و تقرر طبعه في مطبعة المرحوم، السيد مصطفى البابي الحلبي، بمعرفة أنجاله النجباء، الماضين على منهج والدهم، الغيور في إحياء الكتب للقائمين بطبع هذا الكتاب،و تحقيقه بالتوفيق و التسديد في شؤونهم كلها، مقدرا حسن اختيارهم في ملء فراغ ملموس بهذا العمل المفيد؛ و الله جل شأنه هو الموفق للمضيّ على هذا المهيع الرشيد.
    و بهذه المناسبة أحببت أن أتحدث عن الكتاب، و اتجاهه، و أهميته، و جلالة قدر مؤلفه؛ و ما إلى ذلك.
    فأقول: إن العقيدة الصحيحة، المنجية في الآخرة، الباعثة لكل سعادة، و كل خير في الدارين، هي العقيدة، التي كان عليها النبي صلى الله عليه و سلم، و أصحابه الميامين، رضي الله عنهم أجمعين.
    و لذا كان أئمة الهدى رضي الله عنهم، يسعون جهدهم في المحافظة على مسائلها، و على صفائها الأصلي، حذراً من أن يعكر صفوها مبتدع طارئ.
    و من أقدم من أبرز خدمات جليلة في هذا الميدان، الإمام أبو حنيفة النعمان، رضي الله عنه، و قد سهل الله له هذا العمل، بسابق اشتغاله بالجدل، و الرد على أهل الأهواء و النحل، مدة مديدة قبل تفرغه للفقه، و كلٌّ ميسرٌ لما خلق له.
    و قد روى الخطيب، في "تاريخه"، (13/333)، بسنده إلى أبي حنيفة، أنه قال: (كنت أنظر في الكلام، حتى بلغت فيه مبلغاً يشارُ إليّ فيه الأصابع)؛ ثم ذكر كيف لازم حماد بن أبي سليمان في الفقه، منصرفاً عن الكلام.
    و حكى الموفق، في "المناقب"، (1/63): عن أبي حفص الصغير، أنه قال: (لم يزل أبو حنيفة يلتمس الكلام، و يخاصم الناس، حتى مهر في الكلام).
    و حكى أيضاً عن الزرنجري: (أن أبا حنيفة كان صاحب حلقة في الكلام)؛ يعني قبل اتصاله بحماد.
    و ساق في (1/59): بطريق الحارثي: عن أبي حنيفة، أنه قال: (كنت أعطيت جدلاً في الكلام، فجرى دهر، فيه أتردد، و به أخاصم، و عنه أناضل، و كان أصحاب الخصومات و الجدل أكثرها بالبصرة، فدخلت البصرة نيفاً و عشرين مرة، و منها ما أقيم سنة، و أقل، و أكثر؛ و كنت قد نازعت طبقات الخوارج؛ من الأباضية، و الصفرية، و غيرهم، و طبقات الحشوية)؛ ثم ذكر كيف أقبل على الفقه.
    و قال حافظ الدين، محمد بن محمد الكردي، صاحب "الفتاوي البزازية" المشهورة، في المناقب (1/38): (ذكر جمال الدين، أبو يعلى أحمد بن مسعود الأصفهاني، بإسناده: عن خالد بن زيد العمري، أنه قال: كان أبو حنيفة، و أبو يوسف، و محمد، و زفر، و حماد بن أبي حنيفة، قوماً قد خَصَموا بالكلام الناس؛ و هم أئمة العلم).
    و تلك نصوص تدل على مبلغ اهتمام أبي حنيفة، و أصحابه بعلم الكلام، حتى إن الإمام أبا جعفر الطحاوي رحمه الله، عنون عقيدته المشهورة، بقوله: (بيان عقيدة فقهاء الملة أبي حنيفة، و أبي يوسف، و محمد بن الحسن؛ رحمهم الله)؛ و يسوق عقيدة السلف، التي لا خلاف فيها بين أهل السنة، كعقيدة لهم جميعاً.
    و قال الإمام عبد القاهر البغدادي، الشافعي، في "أصول الدين"، (308): (و أول متكلميهم من الفقهاء، و أرباب المذاهب: أبو حنيفة، و الشافعي؛ فإن أبا حنيفة له كتاب في "الرد على القدرية"، سماه "الفقه الأكبر"، و له رسالة أملاها في نصرة قول أهل السنة: إن الاستطاعة مع الفعل، و لكنه قال: إنها تصلح للضدين؛ و على هذا قوم من أصحابنا؛ و للشافعي كتابان في الكلام: أحدهما في تصحيح النبوة، و الرد على البراهمة، و الثاني: في الرد على أهل الأهواء...).
    و قال أبو المظفر الإسفراييني، الشافعي، في "التبصير"، (113): (كتاب العالم لأبي حنيفة، فيه الحجج القاهرة على أهل الإلحاد، و البدعة ... و كتاب "الفقه الأكبر"، الذي أخبرنا به الثقة، بطريق معتمد، و إسناد صحيح، عن نصير بن يحيى: عن أبي حنيفة؛ و ما جمعه أبو حنيفة في "الوصية"، التي كتبها إلى أبي عمرو عثمان البتي، رد فيها على المبتدعين، و من نظر فيها، و فيما صنفه الشافعي، لم يجد بين مذهبيهما تبايناً بحالٍ؛ و كل ما حكى عنهم خلاف ما ذكرناه من مذاهبهم؛ فإنما هو كذب، يرتكبه مبتدع، ترويجاً لبدعته).
    و هذا من الدليل على وحدة المعتقد بين الأئمة، و مع ذلك ما كانوا يرون خوض المرء فيما يعلو على مداركه؛ و كان مالك يكره ما ليس تحته عمل من العلم؛ و كان أحمد مثله في ذلك؛ منعاً للجمهور عن الخوض فيما لا قِبَل لهم به، خوفاً من الزلل، و اكتفاءً بمسائل الاعتقاد، المتوارثة مع التنزيه، و الابتعاد عن التشبيه.
    و كان أبو حنيفة مُرْهَف النظر، حيث اشتغل بالجدل مدةً طويلةً، قبل إقباله على الفقه، حتى أسس بعد تفقهه مجمعاً فقهياً، كيانه من أربعين عالماً من عظماء أصحابه، المسرودة أسماؤهم في التاريخ، يرأسهم هو في تحقيق المسائل، و تبيين الدلائل، و لا يخفى ما في هذه الطريقة من استثمار المواهب، و تنمية الملكات، حتى كثرت عندهم المسائل التقديرية في الفقه ؛ و سهُل عليهم الرد على أهل الأهواء، فملئوا بقاع الأرض علماً، بتلك الطريقة المثمرة.
    و من الكتب المتوارثة عن أبي حنيفة في العقيدة:
    كتاب "الفقه الأكبر"، رواية علي بن أحمد الفارسي: عن نصير بن يحيى:عن أبي مقاتل: عن عصام بن يوسف: عن حماد بن أبي حنيفة: عن أبيه؛ و تمام السند في النسخة المحفوظة، ضمن المجموعة (رقم:226)، بمكتبة شيخ الإسلام بالمدينة المنورة.
    و كتاب "الفقه الأبسط" ، رواية أبي زكريا يحيى بن مطرف، بطريق نصير بن يحيى: عن أبي مطيع: عن أبي حنيفة؛ و تمام السند في المجموعتين، (64م، و 215م)، بدار الكتب المصرية.
    و "العالم و المتعلم"، رواية أبي الفضل أحمد بن علي البيكندي الحافظ: عن حاتم بن عقيل: عن الفتح بن أبي علوان، و محمد بن يزيد: عن الحسن بن صالح: عن أبي مقاتل حفص بن سلم السمرقندي: عن أبي حنيفة.
    و يرويه أبو منصور الماتريدي: عن أبي بكر أحمد بن إسحاق الجوزجاني: عن محمد بن مقاتل الرازي: عن أبي مقاتل: عنه؛ و تمام الأسانيد في "مناقب الموفق"، و "التأنيب"، (73، و 85).
    و "رسالة أبي حنيفة إلى البتى"، رواية نصير بن يحيى: عن محمد بن سماعة: عن أبي يوسف: عن أبي حنيفة.
    و بهذا السند رواية "الوصية"، أيضا.
    و تمام الأسانيد في نسخ دار الكتب المصرية، و لأبي حنيفة وصايا أخرى لعدة من أصحابه.
    فبنور تلك الرسائل، سعى أصحاب أبي حنيفة، و أصحاب أصحابه، في إبانة الحق في المعتقد، في غير لبس، و لا تعمية، على طبق ما كان عليه النبي ، و أصحابه رضي الله عنهم؛ و كان بلاد ما وراء النهر سليمة من أهل الأهواء و البدع، لسلطة السنة على النفوس هناك من غير منازع، بتناقل تلك الآثار بينهم جيلاً بعد جيل.
    إلى أن جاء إمام السنة فيما وراء النهر، أبو منصور محمد بن محمد الماتريدي، المعروف بإمام الهدى، فتفرغ لتحقيق مسائلها، و تدقيق دلائلها، فأرضى بمؤلفاته جانبي العقل، و النقل، في آن واحد؛ منها "التأويلات" في تفسير القرآن الكريم؛ و هو كتاب لا نظير له في بابه، و يؤسف على عدم نشره إلى الآن.
    و منها كتاب "المقالات"، و كتاب "التوحيد"، و كتاب "مآخذ الشريعة في أصول الفقه"، و كتاب "الجدل في أصول الفقه" أيضاً، و كتاب "بيان وهم المعتزلة"، و كتاب "رد الأصول الخمسة"، لأبي محمد الباهلي، و كتاب "رد الإمامة"، لبعض الروافض، و كتاب "الرد على أصول القرامطة"، و كتاب "رد تهذيب الجدل" للكعبي، و كتاب "رد وعيد الفساق"، للكعبي، و كتاب "رد أوائل الأدلة"، للكعبي أيضاً، على ما في تاج التراجم للعلامة قاسم، توفي سنة 332هـ، على ما ذكره الحافظ قطب الدين عبد الكريم الحلبي.
    و أما أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري ، إمام أهل السنة في العراق، و ناشر ألوية السنة في الآفاق، بعد أن رجع عن الاعتزال، و قام بمناصرة السنة، فقد توسعنا في بيان طريقته في مقدمة "تبيين كذب المفتري" للحافظ ابن عساكر، فلا نعيد الكلام هنا.
    و من العزيز جداًّ الظفر بأصل صحيح من مؤلفاته، على كثرتها البالغة؛ و طبْع كتاب "الإبانة"، لم يكن من أصل وثيق، و في "المقالات" المنشورة باسمه وقفة، لأن جميع النسخ الموجودة اليوم من أصل وحيد، كان في حيازة أحد كبار الحشوية، ممن لا يؤتمن لا على الاسم، و لا على المسمى؛ بل لو صح الكتابان عنه على وضعهما الحاضر، لما بقي وجه لمناصبة الحشوية العداء له على الوجه المعروف.
    على أنه لا تخلو آراؤه من بعض ابتعاد عن النقل مرة، و عن العقل مرة أخرى في حسبان بعض النظار، كقوله في "التحسين، و التعليل"، و في "ما يفيده الدليل النقلي"؛ كما هو شأن طول أمد الجدال مع أصناف المبتدعة، في بندر الأهواء في عهده: البصرة، و بغداد.
    بخلاف معاصره الماتريدي، فإنه كان في بيئةٍ، لا سلطان الأهل الابتداع فيها، كما سبق، و قد اهتم أهل العلم بتعرف وجوه الخلاف بين إمامي أهل السنة، دراسةً، و تدويناً، و تحقيقاً، و مقارنة بينهما.
    و شارح "الإحياء"، المرتضى الزبيدي، ترجم لهذه الإمامين العظيمين، إمامي أهل السنة، و ذكر المسائل التي اختلفا فيها، أخذاً من "إشارات المرام"، تقديراً منه لهذا الأصل الأصيل.
    و مؤلف "الإشارات"، العلامة البياضي، من بيت قضاء، و فقه، و علم؛ تقلب في مناصب العلم، إلى أن حاز أعلاها، بعد أن أقبل على العلم، حتى أصبح فريد عصره، مشاراً إليه بالبنان.
    فألف أولاً متناً متيناً في اعتقاد أهل السنة، و سماه "الأصول المنيفة للإمام أبي حنيفة"؛ جمع فيه نصوص الإمام في رسائله السابقة، في معتقد أهل الحق، على ترتيب بديع جامع، محافظاً على ألفاظ أبي حنيفة، فجاء في غاية التناسب، و منتهى التجاذب.
    ثم شرح هذا المتن المتين، شرحاً ممتعاً، في تحقيق المسائل، و تدقيق الدلائل، و إزالة الشبهات، و حل المعضلات، حتى أصبح مرجعاً للباحثين، و معقداً لآمال المتطلعين.
    و كانت مسائل أبي حنيفة في تلك الرسائل غير مرتبة على نظام خاص، بل كان يمليها إملاء على أصحابه، على طبق الأسئلة التي كانت توجه إليه من غير انسجام، فرد البياضي مسائل تلك الرسائل إلى ترتيبها الصناعي في كتب الكلام، من غير تصرف منه في عبارات الإمام، و قال في كيفية جمعه للمتن و مسائله: "جمعتها من نصوص كتبه، التي أملاها على أصحابه، من "الفقه الأكبر"، و "الرسالة"، و "الفقه الأبسط"، و كتاب "العالم و الوصية"؛ برواية الإمام حماد بن أبي حنيفة، و أبي يوسف الأنصاري، و أبي مطيع الحكم بن عبد الله البلخي، و أبي مقاتل حفص بن سلم السمرقندي".
    و ذكر في الشرح رواة تلك الرسائل، و نص على نحو ثلاثين عالماً من كبار علماء هذا الفن، قد عولوا عليها، و سجلوا مسائلها في كتبهم، برغم إنكار بعض المعتزلة نسبة بعضها إلى الإمام، وساق سند أبي منصور الماتريدي فيها، حيث استند إليها في شرح معتقد أهل السنة.
    و الواقع أن العلامة البياضي، ممن كرمه الله بالإطلاع الواسع، و الغوص الدقيق في المسائل، و البيان الواضح في سرد الدلائل، و الذهن الوقاد في استثارة الفوائد الكامنة، من ثنايا النصوص، و العبارات، مع ما جمع إلى خزانته من كتب نادرة جداًّ في هذا الفن، حتى شفى النفوس بنقوله الرصينة، عن أئمة هذا العلم، فيسرد النصوص من أقوال أئمة الفريقين، من الأشعرية و الماتريدية، ليكون المطالع على بينة من أمر مسائل الوفاق و الخلاف.
    و يقول: "إن الماتريدي ليس بمبتكر لطريقة، بل هو مفصل لمذهب أبي حنيفة و أصحابه، و إن الخلاف بين الأشعري و الماتريدي -في نحو خمسين مسألة-، خلافٌ معنويٌّ، لكنه في التفاريع، التي لا يجري في خلافها التبديع، و سرد تلك المسائل، و حققها أتم تحقيق.
    و انتهى في شرح إلى آخر الإلهيات، تجاه بيت الله الحرام، أيام كان قاضياً بمكة المكرمة، ثم تنقل في الوظائف إلى أن تولى منصب قاضي العسكر في الدولة، الذي هو رئاسة قضاة المملكة العثمانية، و براعته في علم الكلام، بحيث يخضع لتحقيقاته من بعده من العلماء الأعلام، و لا سيما الذين كتبوا بعده في مسائل الخلاف بين الأشعرية و الماتريدية؛ حتى إنك ترى المقبليَّ على جموحه و غلوائه، و شذوذه و كبريائه، يحسب حسابه في كتابه "العلم الشامخ".
    و له أيضا كتاب "سوانح العلوم، في ستة من الفنون"، و كان رحمه الله فقيهاً واسع الأفق، صارماً في الحكم، لا يخاف في الله لومة لائم، فخلد ذكراً جميلاً، و علماً غزيراً، تغمده الله برضوانه، و كافأه على إحسانه.
    و صفوة القول، أن طبع كتابه هذا بشرى عظيمة، يُزَف بها إلى الراغبين في التحقيق، في مسائل التوحيد، على مناهج الفريقين من أهل السنة، و الله سبحانه يكافئ القائمين بنشره، و تحقيقه، أحسن مكافأة، و يوفقهم لنشر كثير من أمثاله من الكتب النافعة، في خير و عافية، و هو المجيب لمن دعاه.
  • حماد محمد الشنقيطي
    طالب علم
    • Feb 2010
    • 252

    #2
    التعريف بالكتاب:
    عرض و تمهيد:
    لا تزال دور الكتب العربية في الشرق و الغرب، زاخرة بكل نفيس من المخطوطات الإسلامية، في شتى أنواع العلوم و الفنون، و غاصة بمختلف الكتب القيمة من ثمرات قرائح علمائنا الأعلام، و آثار أئمتنا الكرام.
    و هي تعد بحق، مفخرة من مفاخر الحضارة الإسلامية، و مثلا عالياً من أمثلة الرقي الفكري في الإسلام، و برهاناً صادقاً على ما للإسلام من أياد بيض على الإنسانية بأسرها.
    و كفى الإسلام شرفاً، و فخاراً، أن علماءه هم الذين حملوا راية الفكر، و مشعل الحضارة، و المعرفة، قروناً متطاولة، و كان غيرهم من الأمم فيها سادراً في ظلمات من الجهالة، بعضها فوق بعض.
    أجل، لقد وصل قادة الفكر في الإسلام ما انقطع من أسباب العلم، و نظموا ما انفرط من عقد المعارف البشرية، فحفظوا ذلك التراث العظيم من الضياع، بل جددوا فيه ما وسعهم التجديد، و قد أثبت لهم التاريخ في كل حقل من حقول المعرفة، و في كل روض من رياض العلم، و الفن، غرساً كريماً، و ثمراً يانعاً، و أفكاراً جديدةً، و نظريات مبتكرةً، لم يهتد إليها من قبلهم.
    يشهد بذلك، كل منصف خَبَر آثارهم، و وقف على مدى جهودهم المشكورة، و مساعيهم المأثورة.
    يقول "ويدمان": (إن العرب أخذوا بعض النظريات عن اليونان، و فهموها جيداً، و طبقوها على حالات كثيرة مختلفة، ثم أنشئوا نظريات جديدة، و بحوثاً مبتكرة، فهم بذلك قد أسدوا إلى العلم خدمات لا تقل عن الخدمات التي أتت من مجهودات نيوتن، و فراداي، و رنتجن) .
    و يقول العلامة "لوبون"، في مقدمة كتابه "حضارة العرب": (كلما أمعنا في درس حضارة العرب، و كتبهم العلمية، و اختراعاتهم، ظهرت لنا حقائق جديدة، و آفاق واسعة، و لسرعان ما رأينا أن العرب أصحاب الفضل في معرفة القرون الوسطى لعلوم الأقدمين، و أن جامعات الغرب، لم تعرف لها مدة خمسة قرون مورداً علمياًّ، سوى مؤلفاتهم.
    و أنهم هم الذين مدنوا أوروبا، مادةً، و عقلاً، و أخلاقاً.
    و أن التاريخ لم يعرف امة أنتجت ما أنتجوه في وقت قصير، و إنه لم يفقهم قومٌ في الإبداع الفني).
    و يقول أيضا: (و تأثير العرب عظيم في الغرب، و هو في الشرق أشد و أقوى، و لم يتفق لأمة ما اتفق للعرب من النفوذ، و الأمم التي كانت لها سيادة العالم، قد توارت تحت أعفار الدهر، و لم تترك لنا غير أطلال دارسة.
    و العرب، لم تزل عناصر حضارتهم ديانتهم، لغتهم، و فنونهم- حية؛ و شريعة الرسول، و فنون العرب، و لغتهم؛ أينما حلت، ثبتت أصولها).
    علم الكلام، و أصول الدين:
    إن من أجل العلوم التي كان للمسلمين فيها فضل السبق، و شرف العناية البالغة "علم الكلام"، المسمى بـ "أصول الدين".
    فقد وجهوا إليه مزيد عنايتهم، و عظيم اهتمامهم، فمهدوا أصوله، و رتبوا قواعده، و قرروا مسائله، و أعلوا بنيانه، و شيدوا صروحه و أركانه، و كتبوا فيه الأسفار الفسيحة الأرجاء، و بحثوا فيه الأبحاث الشيقة الممتعة، الدالة على سعة أفق الفكر، و عمقه؛ و تناولوا آراء حكماء اليونان قبلهم، فنظروا فيها، و درسوها الدراسة الوافية، و ناقشوها، و محصوها أتم تمحيص، و بينوا ما فيها من خطل في الفكر، و فساد في النظر و الرأي.
    شكر الله هذا السعي الحميد، و أثابهم عليه الجزاء الأوفى في جنات النعيم.
    إشارات المرام من عبارات الإمام:
    عنوان كتاب، من أعظم كتب هذا الفن، و أرفعها شأنا، و أعلاها كعباً، و أغزرها فائدة، و أتمها عائدة، و أحسنها ترتيباً، و أصفاها تهذيباً.
    ألفه العلامة كمال الدين البياضي، من أجلاء علماء الروم، و أجمعهم لفنون العلم في القرن الحادي عشر الهجري.
    شرح به مختصره الموسوم بـ "الأصول المنيفة للإمام أبي حنيفة"؛ الذي جمعه من نصوص كتب الإمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه، التي أملاها على أصحابه، من "الفقه الأكبر"، رواية ابنه حماد، و "الفقه الأبسط"، رواية أبي مطيع الحكم بن عبد الله البلخي، و "الوصية"، و "الرسالة إلى أبي عثمان البتي" في الإرجاء، كلتاهما رواية الإمام أبي يوسف الأنصاري، و "العالم و المتعلم"، رواية أبي مقاتل حفص بن سلم السمرقندي.
    و لقد ظل هذا الكتاب أحقاباً طويلةً كنزاً دفيناً في أحشاء الخزائن، و بطون القماطر، و درة يتيمةً في مكنون الأصداف، أو زهرةً تتفتح عنها الأكمام، لتأخذ سبيلها إلى آفاق النور، و عوالم الظهور، و يعم بها النفع العام و الخاص، فلا يظل النفع به مقصوراً على نخبة ممتازة من حملة العلم، و رجال البحث و التنقيب، و قليل ماهم.
    و كأنما عناه الشاعر بقوله:
    درة من عقول البحر، بكر، لم تخنها مثاقب اللال
    إلى أن قيض الله تعالى له أستاذنا الجليل العلامة الألمعي، و المحقق الفهامة اللوذعي، صاحب التحقيقات الباهرة، و التعليقات النافعة، الشيخ محمد زاهد الكوثري حفظه الله، فنوه بالكتاب فيما علقه على كتاب "تبيين كذب المفتري"، و كتابه "اللمعة"، و "التبصير في أصول الدين"؛ و جلا عن محاسنه، و أظهر فضله، و حض على نشره، لينتفع به الخاص و العام.
    فصادف ذلك أمنية طالما ترددت في نفسي، و اعتلجت في صدري، و هي نشر كتاب في "علم الكلام"، على طريقة إمام الهدى، الإمام أبي منصور الماتريدي، إذ كان غالب ما بأيدينا من الكتب المقررة المعروفة، إنما هو على طريقة الإمام أبي الحسن الأشعري رضي الله تعالى عنهما، و جزاهما الله تعالى عن الإسلام الجزاء الأوفى.
    فكان ذلك كله حافزاً للبحث عن الكتاب، و الاطلاع عليه، فوجدته كما يقول الشاعر:
    كانت محادثة الركبان تخبرنا عن جعفر بن فلاح أحسن الخبر
    حتى التقينا، فلا و الله ما سمعت أذني بأحسن مما قد رأى بصري
    و حينئذ، عقدت العزم على نشر الكتاب، و القيام بما يجب له من عناية.
    عملنا في الكتاب:
    لقد كان رائدي فيما أقدمت عليه، و هدفي الذي أرمي إليه، أن أقدم لحملة العلم، و محبي البحث و الاطلاع، نسخة صحيحة، معتمدة لهذا الأصل النفيس، و تحقيقاً لهذه الرغبة الملحة، التزمت الأمور الآتية:
    1. تحقيق نصوص الكتاب، و ضبطها ضبطاً تاماًّ، بتنقيتها مما يعرض للأصول المخطوطة من تصحيف، و تحريف، و زيادة، و نقص.
    2. مقابلة نصوصه على النسخ المخطوطة، التي تيسر لنا الاطلاع عليها، و الإفادة منها، و هي النسخ المحفوظة في مكتبة الأزهر الشريف، و دار الكتب الملكية، و بعض المكاتب الأهلية الخاصة.
    أما مكتبة الأزهر، فقد عثرنا فيها على مخطوطين نفيسين:
    أحدهما: في مكتبة شيخ الإسلام العروسي؛ و هو محفوظ تحت (رقم: 3274) عروسي؛ و يقع في مجلد، بقلم معتاد، سنة 1160هـ، و مجدول بالمداد الأحمر، و أوراقه (136) ورقة، و مسطرته (29 سطرا/ 21 سم)؛ و رمزنا لها في التعليق بحرف "ع".
    و ينفرد هذا المخطوط بزيادات، لا توجد في سواه، و تكون في بعض الأحيان كبيرة، حتى لتصل إلى عشر صحائف، و قد أثبتنا هذه الزيادات كغيرها، و نبهنا عليها في موضعها.
    ثانيهما: في المكتبة الزكية، في القسم المحفوظ منها في مكتبة الأزهر؛ و هو في مجلد، بقلم معتاد، بخط محمد الأكراشي الشافعي، سنة 1159هـ؛ و في أوله أوراق بخط مغاية، في (373 ورقة)، و مسطرته (21 سطرا/ 23سم)، تحت (رقم: 3126، زكي)؛ و رمزنا لها بحرف "ز".
    و أما المكتبة الملكية، فقد عثرنا فيها على ثلاثة مخطوطات:
    أحدها: المقيد تحت (رقم: 224)، و نصفه الأول غاية في الصحة و الإتقان؛ و على هامشه تعليقات للمؤلف، و كثيراً ما يختم الكاتب التعليق، بقوله: "اهـ منه، دامت فوائده"، أو "اهـ منه، حرسه الله".
    و قد أفدنا منه كثيراً، بل نقلنا من هوامشه، ما رأينا أن الحاجة ماسة لذكره، و أدرجناه في ذيل الكتاب، فيما علقناه عليه، و نبهنا على ذلك، و رمزنا لهذه النسخة بحرف "ا".
    ثانيها: المخطوط المقيد تحت (رقم: 856)، و هذا كثيراً ما يختلف هو و سابقه عن نسختي الأزهر بزيادة، و نقص، و قد نبهنا على ذلك كله في مواطنه، و رمزنا له بحرف "ب".
    و ما انفردت به نسخة عن أخواتها من زيادة، فقد حرصنا على إثبات تلك الزيادة في تعليقنا في الذيل، فنكون بعملنا هذا قد أعطينا الباحث صورة صادقة للكتاب، تمثل مختلف نسخه.
    و ثالثها: المخطوط المقيد تحت (رقم 329)، بمكتبة طلعت، المحفوظة في دار الكتب الملكية بالقاهرة، و هو في جملته لا يخرج عن سابقيه، حتى إنه ليتفق معهما في التصحيف أحياناً، و قد رمزنا لهذه النسخة بحرف "ط".
    و أما المكاتب الخاصة:
    فقد تفضل علينا حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ العلامة الشيخ محمد زاهد الكوثري، بالكتابة إلى صديقه الأستاذ البحاثة، الشيخ أحمد خير باشا، ليسمح لنا بنسخة مكتبته العامرة، في روضة خيري باشا، فتفضل مشكوراً بإرسال نسخته الكريمة، فأفدنا منها كثيراً، و رمزنا لها بحرف "خ".
    فضائل النعمان، أبي حنيفة النعمان :
    إن فضائل هذا الإمام الجليل، الذي وجه وجهه خالصاً لله، و قام بمهمة لا تعرف الملل، و عزيمة لا ينالها الكلل، على إحياء الشرع و الدين، و إظهار معالم الفقه و اليقين، أشهر من أن تحصى.
    فقد كانت حياته كلها جهاداً في سبيل الله تعالى، و أن الله الذي لا يضيع أجر من أحسن عملا، و لا يذهب عنده مثقال ذرة من خير، قد كافأ هذا الإمام، فرفع قدره، و أحيا ذكره، و نشر في مشارق الأرض و مغاربها مذهبه.
    و لقد مضت القرون، و خلت السنون، و أقوال هذا الإمام يتردد صداها في آذان حملة العلم من هذه الأمة، المعصومة، سلفاً و خلفاً.
    و على الجملة، ففضائل هذا الإمام كالحلقة المفرغة، لا يدرى أين طرفاها، و لا يزال المثنون يلهجون بالثناء عليه، حتى يظنوا أنهم بلغوا النهاية، و أوفوا على الغاية، فإذا هم لا يزالون في البداية.
    يقول مسعر : (رأيته يصلي الغداة، ثم يجلس للناس في العلم إلى أن يصلي الظهر، ثم يجلس إلى العصر، ثم إلى قريب المغرب، ثم إلى العشاء؛ فقلت في نفسي: متى يتفرغ هذا للعبادة؟ لأتعاهدنه؛ فلما هدأ الناس، خرج إلى المسجد متطهراً، فانتصب للصلاة إلى الفجر، ثم دخل، و لبس ثيابه، و خرج لصلاة الصبح، ففعل كما فعل، ثم تعاهد على هذه الحالة؛ قال: فما رأيته بالنهار مفطراً، و لا بالليل نائماً؛ و كان يغفو قبل الظهر إغفاءة خفيفة.
    و قرأ ليلة حتى وصل قوله تعالى: ﴿فمن الله علينا و وقانا عذاب السموم﴾؛ فما زال يرددها، حتى أذن للفجر؛ و ردد قوله تعالى: ﴿بل الساعة موعدهم و الساعة أدهى و أمر﴾، ليلة كاملة في صلاته.
    و قالت أم ولده: ما توسد فراشاً بليل منذ عرفته، و إنما كان نومه بين الظهر و العصر بالصيف، و أول الليل بمسجده في الشتاء.
    و إننا لنضرع إلى الله تعالى أن يعيد للإسلام و المسلمين مجدهم، و سالف عزهم، و أن يبعث لهذه الأمة أئمة يهدونها سواء السبيل، يلم الله بهم شملها، و يرأب صدعها، و يبصرها بهم الهدى، فإذا هي مبصرة، و حسبنا الله و نعم الوكيل.
    التعريف بشارح الكتاب:
    هو العلامة: كمال الدين، أحمد بن حسن بن سنان الدين البياضي، الرومي ، الحنفي، البسنوي الأصل، قاضي العسكر، و أحد صدور الدولة العثمانية، من أجلاء علماء الروم، و أجمعهم لفنون العلم، كان صدراً علماً وقوراً، جسيماً، عليه رونق العلم، و مهابة الفضل؛ اشتهر بالفقه، و فصل الأحكام، و شاعت فضائله، و انتشرت في الناس محاسنه؛ أخذ العلم ببلاده عن والده، و عن العلامة يحيى المنقاري، و غيرهما من أفاضلهم، و حج مع والده.
    وحضر دروس الشمس البابلي، بمكة، لما كان أبوه قاضيا بها، و أجازه في عموم طلبته، و عمدته في العلوم شيخه المحقق المشهور، العلامة محمد بن علي الآمدي ، المعروف بملا جلبي.
    ثم علا شأنه، و نبل قدره، و ردس بالروم، و أفاد الطلبة، و بالغ أفاضل العاصر في الثناء عليه، شغل القضاء مدة طويلة، و تقلب في مختلف حواضر دار الخلافة العلية، فسار فيها سيرة حميدة، سيرة القاضي العادل، الذي لا تأخذه في الحق لومة لائم، فكان في ذلك مثلاً عالياً، و نبراساً هادياً، أجزل الله ثوابه، و ثواب العلماء العاملين من أمثاله.
    ففي سنة سبع و سبعين و ألف هجرية، أسند إليه منصب القضاء بحضرة حلب الشهباء، فاعتنى به أهلها، و بالغوا في توقيره، و تعظيمه، و جرى له مع مفتيها العلامة محمد بن حسن الكواكبي مباحثات و مناقشات كثيرة، دوّنت و اشتهرت عنهما، ثم صرف، و ولي قضاء بورسه.
    و في سنة ثلاث و ثمانين بعد الألف، أسند إليه منصب قضاء مكة، فسار أحسن سيرة، و عقد بمجلس الحكم درساً.
    و كان مما قرأه شرحه على الفقه الأكبر، و غيره من كتب الإمام أبي حنيفة، الذي سماه "إشارات المرام من عبارات الإمام"؛ و هو شرح استوعب فيه أبحاثاً كثيرةً، و أحسن فيه كل الإحسان، و قد كتب أهل الحرمين منه نسخاً، إذ كان شرحاً بديعاً، لم يسبق إليه في حسن العبارة، و جودة السبك.
    قال في خلاصة الأثر (1/181): "و قد رأيته بالروم، و استفدت منه".
    قلت: و هو هذا الشرح، الذي نحنن بصدد إخراجه، و نشره، ليعم نفعه، و فقنا الله تعالى لما فيه رضاه.
    ثم صرف عن قضاء مكة، و قدم دمشق.
    و قال أيضا في خلاصة الأثر: "و اجتمعت به، فرأيته جبلا من جبال العلم، راسخ القدم"؛ اهـ.
    و هي شهادة جليلة، لها قيمتها من مثل المحبي، العالم المفضال، المؤرخ، الثقة.
    ثم ولي قضاء العسكر بالروم أيلى، و صار هو المشار إليه، و قضاء العسكر: هو رئاسة قضاة المملكة العثمانية.
    و اتفق أن يوم ولايته كان يوماً كثير الثلج؛ فأنشد المحبي لبعض حفدته، قوله فيه:
    و الأرض سرّت به، لهذا قد لبست حلة البياض
    صلابته في الحق:
    وقع في أيام قضائه في القسطنطينية، أنه رفع إليه أن امرأة ثبت عليها الزنا، و شهد بذلك أربعة على الوجه الذي يقتضي الرجم، فحكم برجم المرأة؛ فسمع بذلك الموالي، و قضاة العساكر، فحاولوا أن يثنوه عن ذلك، بأن هذا و إن كان أمرا شرعيا، لكنه ينكر في مثل هذه الأعصار؛ و الأولى دفع ذلك بحيلة، و وجه شرعي مخلص في الظاهر، فامتنع و أبى عليه ذلك، و أمر بإجراء الحكم الشرعي و تنفيذه، فأرضى بذلك ربه، و أرضى رسوله، و أجرى أحكام الشرع، بل أحياها، فله أجر من أحيا سنة أماتها الظالمون، و أقام حداًّ من حدود الله عطله الباغون.
    نعم، إن ذلك قد كان سببا في انحراف ذوي الشأن في ذلك العهد عليه، و لم تطل إقامته بالقضاء بعد هذه الحادثة، و لكنه ربح إذ خسروا، و ظفر و فاز إذا خابوا، و له عند الله ما هو أعلى و أجل و أبقى؛ رحمه الله رحمة واسعة، و أثابه ثواباً جزيلاً.

    يوسف عبد الرزاق

    تعليق

    • حماد محمد الشنقيطي
      طالب علم
      • Feb 2010
      • 252

      #3
      بسم الله الرحمن الرحيم
      و به الإعانة، و منه التوفيق.
      حامداً لمن شيد أصول الدين، بمحكمات كتابه المبين، و مصليا على من سدد قواعد اليقين، بيينات خطابه المتين، و على آله و صحبه الهادين، إلى سنن سنته داعين، و الأئمة التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، لاسيما سابقهم في إظهارها بالتدوين، إمام الأئمة أبي حنيفة الكوفي، أكرمه الله تعالى في عليين، حيث أملاها على أصحابه المتقين، في: "الفقه الأكبر"، و "الفقه الأبسط"، و "الرسالة"، و "كتاب العلم"، و "الوصية" المروية في كتب المحققين، من المتقدمين و المتأخرين.
      و هي طوالع مسائل يشرق ببهجتها وجه اليقين، و مطالع دلائل يهتدي بلمعانها إلى دقائق أصول الدين، سلك فيها منهاجاً بديعاً في إشارات التحقيق، و استولى على الأمد الأقصى في تلويحات التدقيق.
      فكلام الإمام، إمام الكلام لأهل التوفيق؛ لكن لوقوعها بحسب السؤال لم يلاحظ فيها الجمع و التلفيق، فسألني ذلك بعض من بضبط و نشرها يليق؛ فجمعت بينها بترتيب أنيق، ضاماًّ إليها نبذاً مما روى عنه أئمة التحقيق، في تنقيح تتبلج به أصول الدين صباحاً، و تتبين قواعد المتكلمين براحاً ، و ترتيب به تتبختر دلائل اليقين اتضاحاً، و تتساقط شبه المخالفين افتضاحاً، ثانياً للقصد إلى شرح مدلولات الكلام، في تقرير المسائل، و تحرير دلائل المرام، و كشف مرموزات ألحاظ الإمام، في إزاحة شبه المخالفين في كل مقام، مؤكداً في جميع ذلك بالنقل عن فحول أئمة الكلام، منبها في الحواشي على ما زلت فيه أقدام الأقوام، ناقلاً فيها لمسانيد الإمام، أكثر الطرق عن الأئمة العلام؛ و سميته: "إشارات المرام، من عبارات الإمام".
      سائلاً من الملك العلام التسديد، و التوفيق في كل مقام.
      "فَهَذَا مَا سُئِلْتُ جَمْعَهُ وَ تَرْتِيبَهُ، وَ تَهْذِيبَهُ عَنِ الْمُكَرَّرَاتِ وَ تَقْرِيبَهُ"؛ بحذف الأسئلة، لكون الأجوبة جملا تامةً.
      "مِنَ الْأُصُولِ الْمُنِيفَةِ، لِلْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ"؛ رضي الله تعالى عنه؛ و هو أول من دون الأصول الدينية، و أتقنها بقواطع البراهين اليقينية، في مبادئ أمره بُعَيد رأس المائة الأولى؛ و إنما كانت رسائل من تقدمه في رد الخوارج و القدرية.
      ففي التبصرة البغدادية : "أن أول متكلمي أهل السنة من الفقهاء أبو حنيفة، ألف فيه الفقه الأكبر، و الرسالة في نصرة أهل السنة، و قد ناظر فرق الخوارج، و الشيعة، و القدرية، و الدهرية؛ و كان دعاتهم بالبصرة، فسافر إليها نيفا و عشرين مرة، و قصبهم بالأدلة الباهرة، و بلغ في الكلام إلى أن كان المشار إليه بين الأنام؛ و اقتفى به تلامذته الأعلام".
      ففي المناقب الكردرية ، و غيرها: "عن الإمام خالد بن زيد العمري: أنه كان الإمام أبو حنيفة، و أبو يوسف، و محمد، و زفر، و حماد بن أبي حنيفة، قد خصموا بالكلام الناس، أي ألزموا المخالفين؛ و هم أئمة العلم".
      و عن الإمام أبي عبد الله الصيمري: "أن الإمام كان متكلم هذه الأمة في زمانه، و فقيههم في الحلال و الحرام".
      أخذ العلم عن سبعة من الصحابة، و ثلاثة و تسعين من التابعين؛ أدرك أبا الطفيل عامر بن واثلة الكناني ، و أنس بن مالك الأنصاري، و الهرماس بن زياد الباهلي، و محمود بن الربيع الأنصاري، و محمود بن لبيد الأشهلي، و عبد الله بن بسر المازني، و عبد الله بن أبي أوفى الأسلمي، رضي الله تعالى عنهم.
      و لزم الإمام حماد بن أبي سليمان الأشعري زمنا طويلاً، فعرف به؛ و إلا فهو أخذ عن أصحاب عمر رضي الله عنه: عن عمر؛ و عن أصحاب ابن مسعود رضيه الله تعالى عنه: عن ابن مسعود؛ و عن أصحاب ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: عن ابن عباس؛ ممن يبلغ العدد المذكور؛ بالكوفة، و البصرة، و الحجاز؛ في حجه سنة ست و تسعين، و بعده.
      1. و ظهر فيه مصداق قوله عليه الصلاة و السلام: «طُوبَى لِمَنْ رَآَنِي وَ آَمَنَ بِي، وَ طُوبَى لِمَنْ رَأَى مَنْ رَآَنِي»؛ رواه كثير من الأئمة: عن علي، و أنس، و أبي موسى الأشعري، و أبي سعيد الخدري، و واثلة بن الأسقع، و وائل بن حجر رضي الله تعالى عنهم.
      2. و مصداق قوله عليه الصلاة و السلام: «لَوْ كَانَ الْعِلْمُ مُعَلَّقاً بِالثُّرَيَّا، لَنَالَهُ رِجَالٌ مِنْ أَبْنَاءِ فَارِسَ»؛ رواه أحمد بن حنبل، و أبو نعيم: عن أبي هريرة؛ و الطبراني: عن ابن مسعود؛ و أبو بكر الشيرازي: عن قيس بن سعد بن عبادة، رضي الله تعالى عنهم.
      3. و في رواية لأحمد: «لَتَنَاوَلَهُ قَوْمٌ مِنْ أَبْنَاءِ فَارِسَ».
      4. و مصداق قوله عليه الصلاة و السلام: «يَبْعَثُ اللهُ تَعَالَى لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا»؛ رواه أحمد بن حنبل، و أبو داود، و الطبراني، و الحاكم، و البيهقي: عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.
      فإنه أكملهم الذي عينه الوجود، و مفردهم الذي يدخل دخولا أوليا في ذلك المقصود، حيث لم يوجد من فارس مثله في إعلاء معالم اليقين، و إظهار الأحكام بالاستنباط و التدوين؛ إذ بلغت مسائله المنقولة عنه نصا خمسمائة ألف؛ كما ذكره الإمام أبو الفضل الكرماني، و غيره.
      و أخذ عنه خمسمائة و ستون شيخاً، بلغ منهم رتبة الاجتهاد ستة و ثلاثون إماماً؛ و كتب ما أملاه من الأصول و الأحكام أربعون إماماً، كما في رسالة حافظ الدين الكردري.
      و الظاهر المتبادر من بعث المجدد على رأس المائة، ابتداؤه في أثنائه؛ و يمتد إلى آخر عمره؛ و الحمل على "القبض"، فيها كما ظن تعكيس.
      و كذا الظاهر: تعدد المائة ، إبقاء للفظ على عمومه؛ كما قاله أجلة من الأئمة.
      فقد بان لأولي الأفهام، أنه وفق لمدلولات الأحاديث الثلاثة، و خص بمزايا الإكرام.
      "جَمَعْتُهَا مِنْ نُصُوصِ كُتُبِهِ الَّتِي أَمْلَاهَا عَلَى أَصْحَابِهِ، مِنَ: "الْفِقْهِ الْأَكْبَرِ"، وَ "الرِّسَالَةِ"، وَ "الْفِقْهِ الْأَبْسَطِ"، وَ "كِتَابِ الْعَالِمِ"، وَ "الْوَصِيَّةِ"، بِرِوَايَةِ: الْإِمَامِ حَمَّادِ بْنِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَ أَبِي يُوسُفَ الْأَنْصَارِيِّ، وَ أَبِي مُطِيعٍ الْحَكَمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْبَلْخِيِّ، وَ أَبِي مُقَاتِلٍ حَفْصُ بْنُ سَلَمٍ السَّمَرْقَنْدِيُّ".
      و روى عنهم من الأئمة: إسماعيل بن حماد، و محمد بن مقاتل الرازي، و محمد بن سماعة التميمي ، و نصير بن يحيى البلخي، و شداد بن الحكيم البلخي، و غيرهم.
      و ذكر الإمام فخر الإسلام، علي بن محمد البزدوي، في أول أصوله جملة من "الفقه الأكبر"، و "كتاب العلم"، و "الرسالة".
      و ذُكِر بعض مسائل الكتب المذكورة في شروحه من "الكافي" لحسام الدين السغناقي، و "الشامل" لقوام الدين الاتقاني، و "الشافي" لجلال الدين الكرلاني، و "بيان الأصول" لقوام الدين الكاكي، و "البرهان" للبخاري، و "الكشف" لعلاء الدين البخاري، و "التقرير" لأكمل الدين البابرتي.
      و ذكر "الرسالة" بتمامها في أواخر "خزانة الأكمل" للهمذاني، و ذكرها الإمام الناطفي في "الأجناس"، و ذكر كثير من مسائل كتاب "العالم" في المناقب للإمام العالم العلامة نجم الدين عمر النسفي، و "المناقب الخوارزمية"، و "الكردرية"، و "الكشف" للإمام أبي محمد الحارث السبذموني؛ و بعضها في باب نكاح أهل الكتاب من "المحيط البرهاني".
      و ذكر بعض مسائل "الفقه الأكبر" شيخ الإسلام الشيخ محمد بن إلياس في "فتاواه"، و الإمام ابن الهمام في "المسايرة".
      و ذكر بعض مسائل "الفقه الأبسط" الإمام أبو المعين النسفي في "التبصرة"، في فصل التقليد، و غيره؛ و نور الدين البخاري في "الكفاية"، في فصل التنزيه و غيره، و حافظ الدين النسفي في "الاعتماد شرح العمدة"، و "كشف المنار"، و أبو العباس الناطفي في "الأجناس"، و القاضي أبو العلاء الصاعدي في كتاب "الاعتقاد"، و أبو شجاع الناصري في "البرهان الساطع، شرح عقائد الطحاوي"، و أبو المحاسن محمود بن السراج القنوي في شرحها أيضا، و شرحه الفقيه عطاء بن علي الجوزجاني.
      و ذكر "الوصية" بتمامها الإمام صارم المصري، في "نظم الجمان"، و القاضي تقي الدين المصري في "الطبقات السنية"، و القاضي أبو الفضل محمد بن الشحنة الحلبي في أوائل "شرح الهداية".
      و ذكر بعض مسائلها الإمام ابن الهمام في "المسايرة"، و شرحها الشيخ أكمل الدين البابرتي، فقدم ذكر بعض جمل من مسائل الكتب الخمسة، منقولا عنها في ثلاثين كتابا من كتب الأئمة رحمهم الله تعالى.
      و إنما أنكرها المعتزلة، و نسبوها إلى محمد بن يوسف البخاري، المعروف بأبي حنيفة، لما فيها من إبطال أصولهم الزائفة، و ادعائهم كون الإمام منهم، كما في المناقب الكردرية.
      و قد رواها الإمام أبو منصور محمد بن محمد بن محمود الماتريدي الأنصاري: عن الإمامين أبي بكر أحمد بن إسحاق الجوزجاني، و أبي نصر أحمد بن العياضي: عن أبي سليمان موسى الجوزجاني: عن الإمامين أبي يوسف، و محمد.
      و روى عن الإمامين نصير بن يحيى، و محمد بن مقاتل الرازي: عن أبي مطيع الحكم بن عبد الله؛ و أبي مقاتل حفص بن سلم السمرقندي: عن إمام الأئمة.
      و حقق تلك الأصول في كتبه بقواطع الأدلة، و أتقن التفاريع بلوامع البراهين اليقينية.
      فليس الماتريدي من أتباع الإمام الأشعري، لكونه أول من أظهر مذهب أهل السنة، كما ظن .
      و ما قيل إن معظم خلافه من الخلافيات اللفظية، وهمٌ؛ بل معنوي؛ لكنه في التفاريع التي لا يجري في خلافها التبديع.
      و لأن الماتريدي مفصل لمذهب الإمام و أصحابه، المظهرين قبل الأشعري لمذهب أهل السنة، فلم يخل زمان من القائمين بنصرة الدين، و إظهاره؛ كما فصل في "التبصرة النسفية".
      و كيف لا؟ و قد سبقه أيضاً في ذلك الإمام أبو محمد عبد الله بن سعيد القطان ، و له قواعد، و كتب، و أصحاب.
      و مخالفاته للحنفية، لا تبلغ عشر مسائل، كما في "سير الظاهرية".
      و الإمام أبو العباس أحمد بن إبراهيم القلانسي الرازي ، و له أيضا قواعد، و كتب، و أصحاب.
      و ألف الإمام محمد بن فورك الأصفهاني كتاب اختلاف الشيخين: القلانسي، و الأشعري؛ كما في "التبصرة النسفية".
      "وَ أَلْحَقْتُ بِهَا عِشْرِينَ مَسْأَلَةً كَلَامِيَّةً؛ عَنْ رِوَايَاتِ الْأَئِمَّةِ": الإمام أبي يوسف، و محمد، و الحسن بن زياد، و أسد بن عمرو، و يوسف بن خالد السمتي، و عبد الكريم الجرجاني، و أبي عصمة المروزي؛ وجدتها في كتب المشايخ المذكورين.
      "وَ أَرْبَعِينَ حَدِيثاً، اِعْتِقَادِياًّ مِنْ مَسَانِيدِهِ الْعَلِيَّةِ": بتخريج الإمام محمد بن الحسن، و الإمام أبي محمد الحارثي، و أبي القاسم طلحة بن محمد، و أبي الحسين أحمد بن المظفر، و محمد بن عبد الباقي الأنصاري، و أبي بكر أحمد الكُلاعي، و أبي عبد الله بن خسرو البلخي، و القاضي عمر بن الحسن الأشناني ، و القاضي أبي زكريا موسى الحصكفي، و أبي عبد الله محمد الخوارزمي رضي الله تعالى عنهم.
      "وَ رَتَّبْتُهَا عَلَى: مُقَدِّمَةٍ، وَ ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ، وَ خَاتِمَةٍ؛ وَ هِيَ لِجَمِيعِ الْأُصُولِ حَاوِيَةٌ": كما سيأتي بيانه.
      معمما الإشارة للرمز، و التلويح في العبارة، و معمما المسائل لمعانيها اللغوية، و الطرق لتخريجات الأئمة، روماً للاختصار، و طلباً لبديع التقصار.
      و إنما رتبنا على ذلك أخذا من "الفقه الأبسط"، و "الوصية"؛ لأن المذكور في الكتاب: إما المقاصد، أو ماله ارتباط بها.
      و الثاني: إما أن يكون للشروع في المقاصد على وجه البصيرة الكاملة، توقف عليه، أو لا؛ الأول: المقدمة؛ و الثاني: الخاتمة.
      و البحث عن المقاصد: إما من حيث التصديق بأحوال الموضوع للفن من أحوال الصانع إجمالا، و هو الباب الأول.
      و إما من حيث التصديق بأحواله تفصيلاً؛ فإما أن يكون من صفاته الذاتية، و ما يرجع إليها؛ و هو الباب الثاني.
      أو من صفاته الفعلية، و ما يرجع إليها؛ و هو الباب الثالث.
      و هذا وجه ضبط، مسهل للاستقراء، دون وجه حصر عقلي، فإن من رامه ارتكب شططاً.
      و لما كان من حق من ابتدأ في أمر ذي بال، أن يبتدئ بالتسمية، و التحميد للمنعم المتعال، للحديثين المشهورين.
      "قَالَ": الإمام.
      "فِي": بدءِ.
      "كِتَابِ الْعَالِمِ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ": أي متلبساً باسم مختص بذات جامع لصفات الكمال؛ منها: إرادة الإحسان الكثير ، و إرادة مستمر الإفضال ابتدئ المقال.
      فذكر الاسم تنبيه على أن التلبس و التبرك به، دون ذاته المقدس عن التلبس، لا للتعظيم، أو دفع اليمين ، كما ظن، لاندفاع الضرورة، و منع المقام، مع الخلاف فيه.
      و إضافته إلى العلم المرتجل للذات، الواجب الوجود، المستجمع للصفات الكمالية، تنبيه على تعميم التلبس لجميع الأسماء الدالة على الصفات.
      و ليس الإضافة بيانية، بناء على كون الاسم عين المسمى، كما ظن؛ و لا بمعنى التسمية، لمنع التلبس، و عدم الضرورة.
      و يحتمل كون الباء للاستعانة.
      و على كل، وجه يحتمل التعلق باسم، أو فعل.
      و على كل، فهو مقدم، أو مؤخر.
      و على كل، فهو خاص كالتأليف، أو عام كالابتداء.
      و على كل، فالاسم من السمو، أو من الوسم.
      و على كل، فإضافته إلى الجلالة، إما للاختصاص لذاته وضعاً، أو في الجملة.
      و قال: "الْحَمْدُ للهِ": منشئاً للثناء بتعظيم الفاعل المختار، كما هو المعنى اللغوي المختار، أو لما يشعر بتعظيم المنعم عرفاً، و هو الشكر لغة.
      ففي الاسمية، تنبيه على أن جنس الثناء ثابت له، بلا شائبة احتمال، كما في الفعلية المتضمنة للأخبار بحمد نفسه، المحتملة للصدور مع الغفول عن معناه.
      فالمراد بـ "الحمد" معناه اللغوي، أو العرفي.
      و لكل واحد احتمالات أربعة: إرادة الحمد من حيث هو، أو الحامدية، أو المحمودية، أو المعنى العام لكل منها.
      و المراد بـ "لام التعريف" الجنس، أو الاستغراق، أو العهد الذهني، أو العهد الخارجي.
      و بـ "لام الاختصاص" الجنس بمدخوله، أو اختصاص الصفة بالموصوف.
      ففي القرينتين مائة و ثمانية و عشرون وجها .
      و أشار بالوصف، بقوله: "رَبِّ الْعَالَمِينَ".
      أي مبلغهم إلى ما يليق بهم من الكمالات حالا فحالاً إلى التنبيه على احتياجهم إليه تعالى وجوداً، و بقاءً؛ ففيه رمز إلى براعة الاستهلال.
      و لما كان إتمام الحمد بالصلاة، لأن من لم يشكر نعمة من الخلائق، لم يشكر نعم الخالق؛ على ما نطق به الأثر.
      و أجل منعمي البرايا بأنواع العطايا، هم الأنبياء، سيما رسولنا المجتبى، و آله، و صحبه، أئمة الهدى؛ كما في "شرح التهذيب العصامي".
      قال: "وَ صَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ"؛ منشئاَ للدعوة بإرادة الخيرات، لصاحب العلا، و الكمالاتِ من تعظيمه في الدنيا، بإجراء شرعه، و إعلاء ذكره؛ و في الأخرى بتشفيعه في أمته، و تضعيف أجره؛ كما قال الحافظ ابن الأثير الجزري.
      و تنبيها على أن ثناءه وفق غنائه، خارج عن الوسع ؛ فلهذا أمرنا أن نكل إليه تعالى، كما في "شرح التأويلات"، لعلاء الدين السمرقندي.
      و أشار بالوصف، بقوله: "سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ، وَ خَاتَِمِ النَّبِيِّينَ".
      إلى مسائل:
      الأولى: إنه الفاضل منهم في نفسه، الجامع لفضائلهم، كما في "الشفاء"، و "المعالم".
      فإن به السيادة على الجميع، كما دل الإضافة إلى الجمع المعرف باللام، و هو في الأصل المتولي للسواد، و الجماعة الكثيرة؛ و لما كان من شرطه كونه مهذب النفس، قيل لكل فاضل في نفسه "سيد"، كما في "المفردات"، للإمام الراغب الأصفهاني.
      الثانية: التنبيه على فضيلته من كل واحد منهم، و من الجميع، من حيث الكل، كما دل الإطلاق؛ فهو أفضل من جميع المبعوثين بالشريعة المجددة من الثلاثمائة و الثلاثة عشر؛ على ما رواه أبو داود.
      الثالثة: التنبيه على عموم خاتميته لجميع المبعوثين من المذكورين، و من المأمورين بالإبلاغ بدون الشريعة المجددة من مائة ألف و أربعة و عشرين ألفاً مع المذكورين، فإن كل رسول نبي، فهو خاتم الفريقين، لا نبي بعده.
      و قال: "وَ عَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ": تكميلاً له بإنشاء الدعاء لصلحاء الأمة، و تنبيها على أن الآل يعم العلماء العاملين، فإنهم المختصون بالرسول، من حيث العلم، كما في "المفردات".
      و على التعميم المأمور به في الدعاء، كما ورد في التشهد، و على دخول ذوي القربى منه عليه الصلاة و السلام، و صحابته، فيهم دخولاً أوليا.

      تعليق

      • حماد محمد الشنقيطي
        طالب علم
        • Feb 2010
        • 252

        #4
        المقدمة:
        لما كان من حق من حاول علما؛ أن يتصور حقيقته أولا، ليكون على بصيرة في طلبه، و مناه.
        "وَ يُعْرَفُ اِسْمُهُ الْمُنَوِّهِ لِمُسَمَّاهُ، وَ مَوْضُوعِهِ، وَ مَالَهُ مِنْ شَرَفٍ حَوَاهُ، وَ غَايَةَ جُهْدِهِ وَ جَدْوَاهُ، وَ مَأَخْذَ عِلْمِهِ وَ مَبْنَاهُ"؛ و ما هو المطلوب من فحواه، كان جديراً بأن يصدر بها الكلام، فلذا صدر بها الإمام.
        "قَالَ فِي الْفِقْهِ الْأَبْسَطِ:"؛ مشيرا إلى تعريفه، و اسمه، و منبهاً على استيجاب فهمه.
        "اِعْلَمْ أَنَّ الْفِقْهَ"؛ هو التوسل إلى علم غائب بعلم شاهد لغة، كما في "المفردات".
        "فِي": أصول؛ "الدِّينِ"؛ و هو الوضع الإلهي، السائق لذوي العقول، باختيارهم، المحمود، إلى ما هو خير لهم بالذات، و سأتي بيانه.
        "أَفْضَلُ مِنَ الْفِقْهِ فِي"، فروع "الْأَحْكَامِ"؛ و هي: آثار الخطاب الأزلي، المتعلق بأفعال المكلفين، بالاقتضاء، أو التخيير، أو الوضع من السببية، و الشرطية، و المانعية، لابتناء المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء، أو التأخير، أو الوضع من السببية، و الشرطية، و المانعية؛ لابتناء ثبوتها عند المكلف على الفقه في الدين، و التصديق به، و ابتناء أعماله عليه، كما سيشير إليه.
        5. و لقوله عليه الصلاة و السلام: «مَا عُبِدَ اللهُ بِشَيْءٍ أَفْضَلَ مِنْ فِقْهٍ فِي دِينِ اللهِ»؛ رواه الدارقطني، و البيهقي: عن أبي هريرة: عنه، عليه أفضل الصلاة و السلام.
        "وَ الْفِقْهُ"، العام لهما، عرفاً.
        "مَعْرِفَةُ"، أي إدراك جزئيات عن الدليل؛ لأن المعرفة: إدراك عن أثر، كما في "المفردات".
        فليس التقييد بلا دليل، كما ظن؛ أو الملكة الحاصلة منه، أو المدرك من القواعد.
        و المراد بـ "المعرفة" على الأول: تهيؤ "النَّفْسِ" الناطقة، تهيؤا تاماًّ، كما هو المعروف المشهور من التعريفات، لمعرفة جميع "مَا" يصح "لَهَا" من الاعتقاديات، و العمليات؛ "وَ مَا" يجب "عَلَيْهَا"، منهما.
        كما أشار إليه؛ بعد قوله: [أصل التوحيد، و ما يصح الاعتقاد عليه] ؛ معمما للتفريعات الخلافية بين الأئمة الأعلام، و للأصول الواجبة الاعتقاد على الأنام؛ فهو يشمل القسمين في قسم الفقه في الدين.
        و يشمل معرفة الأحكام التكليفية على الحقيقة من أحكام الواجب، و الحرام، و المكروه؛ تحريماً مما يجب عليه، و يكلف بإتيانه، و تركه.
        و غير التكليفية على الحقيقة من أحكام المباح، و المندوب فعله، أو تركه من المكروه تنزيهاً مما يصح، و يجوز للنفس فعله، أو تركه.
        سواء كان مساوى الطرفين، أو مرجحاً في قسم الفقه من الأحكام، بلا كلفة في تعميم الكلام؛ و إلى إيفاء حق المقام، باستيعاب الأقسام إجمالاً.
        و كفى باحتمال المعاني الصحيحة مع القرائن اللفظية، و الحالية، المنضمة في كل مقام صحة و كمالاً، و بغاية الإيجاز، مع دلالة المرام، بلاغةً و جمالاً.
        و ليس من إطلاق اللفظ المحتمل للمعاني المتعددة، مع عدم تعين المراد، كما ظن حتى يرد أنه غير مستحسن في التعريفات.
        و أشار إلى حده المختص، و اسمه؛ بقوله: "وَ مَا يَتَعَلَّقُ مِنْهَا"، أي من تلك المعرفة، "بِالْاِعْتِقَادِيَّاتِ".
        بأن يكون المطلوب منها الاعتقاد فقط؛ "هُوَ "الْفِقْهُ الْأَكْبَرُ""؛ فهو معرفة النفس عن الأدلة، ما يصح لها، و ما يجب عليها من العقائد الدينية، و المتبادر منها المعتقدات المنسوبة إلى دين محمد عليه الصلاة و السلام؛ توقفت على شرعه أو لا.
        فخرج المعرفة بالمشروعات الفرعية، و بغير الدينيات؛ و خرج علم الله و الرسول بالمعتقدات، لعدم كونه عن الأدلة، و اعتقاد المقلد لذلك؛ و دخل علم الصحابة بها، و ما يثبت بدلائل العقل الصريح، كبعض مسائل التنزيه، و التفاريع الخلافية.
        و أشار إلى اسمه الدال على شرف مسماه، و كونه أصلا لما سواه؛ حيث سماه "الفقه الأكبر"، لعظم موضوعه.
        و قد سماه المتأخرون بـ "الكلام"، إشعاراً بأخذ أصوله من صريح كلام الملك العلام؛ و إيماء إلى شرفه، بادعاء أنه الفرد المتعين عند إطلاق الكلام، كما في "شرح التعديل"، و غيره.
        و أشار إلى شرفه، و سطوع برهانه بوجهين:
        الأول: ما قال فيه: "وَ لَأَنْ يَتَفَقَّهَ"، و يتقن "الرَّجُلُ، كَيْفَ يَعْبُدُ رَبَّهُ؛ بأن يعلم ربه الصانع، المتعال، بما له من صفات الكمال، و يعلم أركان عباداته، و شروط طاعاته؛ "خَيْرٌ لَهُ"، و أنفع "مِنْ أَنْ يَجْمَعَ الْعِلْمَ الْكَثِيرَ"، بلا إتقانه لما هو المهم من دينه، كما هو المتبادر من مقابلة النفقة بالجمع، و بين ما ذكر.
        "وَ قَالَ فِي كِتَابِ "الْعَالِمِ": وَ الْعَمَلُ"؛ أي الفعل الصادر عن قصد، كما في "المفردات".
        "تَبَعٌ" في الوجود المعتبر؛ "لِلْعِلْمِ"، العام بالمعتقدات، و الأحكام؛ "كَمَا أَنَّ الْأَعْضَاءَ"، في غالب الأعمال، "تَبَعٌ لِلْبَصَرِ؛ فَالْعِلْمُ" بالأركان، و الشرائط، و تحقيق ما يتوقف عليه اعتبار العلم من الاعتقاد المقارن "مَعَ الْعَمَلِ الْيَسِيرِ"، بالاقتصار على الواجبات، و السنن، دون الاقتصار فيها؛ إذ لا نفع، و لا خروج عن العهدة بالاقتصار.
        و التقليل فيهما؛ "أَنْفَعُ مِنَ الْعَمَلِ الْكَثِيرِ"، بالإكثار عليهما من النوافل، "مَعَ الْجَهْلِ" في إيفاء الأركان، و الشرائط، و تحقيق ما تتوقف عليه، من الاعتقاد؛ و أ، نفع العمل الكثير معه في الجملة، لوجود أصل الأركان، و الاعتقاد؛ و لو بالتقليد.
        6. و فيه إشارة، إلى قوله عليه الصلاة و السلام: «أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ الْعِلْمُ بِاللهِ، إِنَّ الْعِلْمَ يَنْفَعُكَ مَعَهُ قَلِيلُ الْعَمَلِ، وَ كَثِيرُهُ؛ وَ إِنَّ الْجَهْلَ لَا يَنْفَعُكَ مَعَهُ قَلِيلُ الْعَمَلِ، وَ لَا كَثِيرُهُ»؛ أي مع الجهل في أصل الأركان؛ رواه: الديلمي، و الحكيم الترمذي، و ابن عبد البر: عن أنس رضي الله تعالى عنهم.
        و إلى أن الفقه في الدين تتوقف عليه العبادات، و تبتنى عليه الطاعات؛ فهو أشرف جميع العلوم، كما أن معلومه أشرف المعلومات.
        الثاني: ما قال فيه: "وَ لِذَلِكَ قَالَ اللهُ تَعَالَى"، بعد ما ذكر عدم استواء القانت، و غيره؛ كناية؛ "﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾".
        فذكر الفريقين المتقابلين صريحا، و نفى الاستواء بينهما، بطريق الاستفهام الإنكاري؛ بياناً لمزيد فضل العلم، المثمر للعمل، من العلم بالدين و أصوله، و فروعه، المتعلقة بأحكام العبادات، و هو متوقف على العلم بأصول الدين؛ فهو أفضل، و أشرف من جميع العلوم.
        و أشار إلى موضوعه، و شمول البحث فيه، لاختلاف الأمة في قوله في الفقه الأبسط.
        "وَ أَفْضَلُ الْفِقْهِ"، العام للقسمين: "أَنْ يَتَعَلَّمَ الرَّجُلُ"؛ و تخصيصه بالذكر، لسبقه في ذلك.
        7. و فيه إشارة إلى الأخذ من قوله : «إِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ»؛ رواه الطبراني، و الخطيب، و ابن عساكر: عن أبي الدرداء؛ و البزار: عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنهم.
        "الْإِيمَانَ بِاللهِ تَعَالَى"؛ أي يباشر أسباب التصديق بالله تعالى، الصانع، المتعال، المتصف بصفات الكمال، من إلقاء الذهن، و صرف النظر، و توجيه الحواس، و ما أشبه ذلك؛ كما في "شرح المقاصد".
        "وَ الشَّرَائِعَ"، أي الفرائض؛ "وَ السُّنَنَ الْمُبْتَنَى"، على معرفتهما عبادت.
        "وَ الْحُدُودَ"، أي حدود العقائد، و الأحكام، و الزواجر التي جعلت فاصلة بين العبادة، و السيئات من الأعمال، و الاعتقادات الزائفات.
        "وَ اخْتِلَافَ الْأُمَّةِ"، بالاهتداء، و الضلالات، المبتنى على معرفتهما معرفة الهدى و السداد؛ لأن معرفة الأشياء، بمعرفة الأضداد، كما في "شرح الفقه الأبسط"، للفقيه عطاء الجوزجاني.
        و أشير إليه في وجه بقوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾، فإنه إذا بين الضلالة بين الهدى؛ لأنه ضدى، فيجتنب المنهي عنه، و يقصد المأمور به، كما في "التيسير"؛ و يشير إليه الإمام فيما سيأتي.
        و في بيان الأفضل من القسم الأول بتعلم الإيمن بالصانع المتعال، المتصف بصفات الكمال، تلويح إلى أن موضوع الفقه في الدين أحوال الصانع؛ و أنه يرجع إليه جميع ما يبحث عنه من الصفات و الأفعال؛ من إحداث العالم، و خلق الأعمال، و مباحث النبوة، و الإمامة، و الأفضال، و غير ذلك؛ مما يرجع إلى صفات الأفعال؛ و اختاره القاضي الأرموي، و من تبعه من الأشاعرة.
        فالبحث فيه عن أحوال الصانع، و شئونه من صفاته الثبوتية، و السلبية، و أفعاله المتعلقة بأمور الدنيا، و الآخرة؛ ككيفية صدور العالم عنه، و كونه بالاختيار، و حدوث العالم، و خلق الأعمال، و كيفية نظام العالم؛ كمباحث النبوة، و الإمامة، و مباحث المعاد، و السمعيات الراجعة إلى التكوين.
        و أما إثبات الواجب فيه، بمعنى إقامة البرهان على وجوده، كما سيأتي؛ فعند الماتريدية لإثبات انتهاء جميع الموجودات إليه، و كونه مبدأ لها؛ و ذلك يرجع إلى صفات التكوين، و إن لزم من ذلك ثبوت إنيته و وجوده.
        كما أن الحكيم يثبت إنية واجب الوجود بافتقارالموجودات إليه، و ليس مقصوده إثبات كونه مبدأ لجميع الموجودات، و إن لزم ذلك منه، كما ذكره صاحب "المطالع".
        و عند جمهور الأشاعرة، القائلين بزيادة الوجود، لكون الوجود من أحواله، و شئونه الذاتية، لكونه واجب الوجود، بخلاف سائر العلوم.
        إذ الوجود إنما يلحق موضوعاتها لأمر مباين، هو العلة المقتضية لموجوداتها، فيكون فيه قضية نظرية، محمولها الموجود في الخارج، بطريق الوجوب، و موضوعها مطلق الموجود عندهم؛ و لأنه لا علم شرعي فوقه، يبين فيه موضوعه، فلا بد من إثباته فيه، كما في "شرح المقاصد".
        و لما ورد عليه ما شاع من شبهة الحشوية، أنه لو جاز البحث، و المحاجة في الأصول الدينية، و ما فيه اختلاف الأمة، لدخل فيه الصحابة، كما دخلوا في المحاجة في الفروع الأحكامية؛ و نقل عنهم بالشهرة، و لما لم يثبت ذلك، يثبت كونه من البدع المنهية.
        أشار إلى الجواب، بمنع ذلك كله، و الحل بوجوه متضمنة لبيان جدواه:
        الأول: ما أشار إليه بتوجيه عدم الدخول، بكونه بالتوغل؛ بقوله في كتاب "العالم": "وَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ، إِنَّمَا لَمْ يَدْخُلُوا فِيهِ"، و وسعهم أن لا يتوغلوا، كما أشار إليه التمثيل؛ "فِيهِ"، أي، فيما فيه اختلاف الأمة من الاعتقادات.
        "لِأَنَّ مِثْلَهُمْ"، بإفتائهم الزائغين، بعد كشف شبههم، لإصرارهم في اللجاج، لم يحوج إلى التوغل في الاحتجاج.
        و صار مثلهم فيه، و حالهم، "كَقَوْمٍ لَيْسَ بِحَضْرَتِهِمْ مَنْ يُقَاتِلُهُمْ"، و يبرز لهم؛ "فَلَا يَتَكَلَّفُونَ"؛ و لا يظهرون الكلفة، و المشقة في تعاطيهم "السِّلَاحَ"، لدفع من يقاتلهم، فإن تكلف الشيء، ما يفعله الإنسان، بإظهار كَلَفٍ، و إيلاعٍ مع مشقة تناله في تعاطيه، كما في "المفردات".
        فقد أشار إلى وجه عدم دخولهم في المحاجة بالتوغل، و المشقة، بعدم الاحتياج، حيث لم يستمر في زمنهم البدع و الأهواء.
        و لم يقدر أصحابها على التمادي في الاستطالة، و استحلال الدماء، و إلى منع تركهم البحث فيها أصلاً؛ بل تركوا التوغل، و التكلف.
        فإنه لما ظهر في أواسط عصرهم أوائل أهل الأهواء، من الخوارج،و الشيعة، و القدرية، كشفت فقهاء الصحابة عن شبههم بالحجج الساطعة، و بينوا العقائد الحقة، بالبراهين القاطعة، و قمعوا مادة الأهواء، و استأصلوا المصرين، المتحزبين منهم بالإفناء.
        فإن أمير المؤمنين عليا ، كشف عن شبهة الخوارج في مسألة التحكيم، و الوعد، و الوعيد؛ و حاجهم فيه، كما في "التبصرة البغدادية".
        و لما أصروا، و تحزبوا بالنهروان، استأصلهم بالإفناء؛ فما انفلت منهم إلا أقل من عشرة، تفرقوا في البلاد، فظهر منهم بدعتهم في عصرهم، كما في "النحل الشهرستانية".
        و استتاب عبد الله بن سبأ رئيس الشيعة، القائلة بالحلول في الإبهام، و نفاه إلى المدائن؛ كما في "شرح المواقف"، و "النحل".
        و استتاب القائلين بالقدر، و بكون الاستطاعة من العبد، كما في "تاريخ الإمام ابن عساكر"، و "الجامع الكبير" للسيوطي.
        و حاجهم فيه، و في المشيئة، و الاستطاعة، كما في "التبصرة البغدادية".
        و كذا ابنه الحسن ، و له رسالة في القدرية؛ كما في أوائل "شرح المشكاة"، للشيخ علي القاري.
        و كذا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، كما في "التبصرة".
        و عبد الله بن عباس، في مناظرته مع الفريقين، حتى قال: (كلام القدرية كفر، و كلام الحرورية ضلال؛ و كلام الشيعة هلاك)؛ كما في "سير التتارخانية".
        و ناظر أبو موسى الأشعري، من قال: كيف يقدِّر عليّ شيئاً، ثم يعذبني عليه؟ حيث قال: (قدَّر، حيث علم؛ و عذّب، حيث لم يظلم)؛ كما في "شرح جمع الجوامع"، للإمام ولي الدين العراقي، و "النحل الشهرستانية".
        8. و روى الحافظ أبو بكر البزار، في "مسنده": عن عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله : عن أبيه: عن جده: أنه تناظر أبو بكر، و عمر رضي الله تعالى عنهما في القضاء و القدر، و تحاكما إلى رسول الله ، فقضى بأن القدر كله من الله تعالى؛ كما قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه؛ و ذكره في "سير الظهيرية".
        و كذلك في أواسط عصر التابعين، فقد ناظرهم من التابعين زيد بن علي بن الحسين؛ و له رسالة في رد القدرية.
        و عمر بن عبد العزيز، و له أيضاً رسالة فيه.
        و قد استتاب غيلان الدمشقي، من دعاة القدرية.
        و جعفر بن محمد الصادق؛ و له رسائل في رد القدرية، و الخوارج، و الروافض؛ كما في "التبصرة البغدادية".
        و لما عاد غيلان إلى غيّه، أفتى بقتله مكحول، و الأوزاعي؛ فقتله هشام بن عبد الملك.
        و لما ظهر الجعد بن درهم، و قال بخلق القرآن، قتله خالد بن عبد الله القسري، بواسط، في إمارته على العراق؛ كما في "شرح السنة للإمام البغوي".
        و لما ظهر الجهم بن صفوان الترمذي، قال بالجبر المحض، و فناء الجنة و النار؛ قتله سالم بن أحوز المازني، أمير مرو، من طرف بني أمية، كما في النحل الشهرستانية.
        الثاني: ما أشار إليه بقوله، فيه:
        "وَ نَحْنُ قَدِ ابْتُلِينَا"، في عصرنا؛ "بِمَنْ يَطْعَنُ"، في الاعتقاديات "عَلَيْنَا، من أهل البدع، و الأهواء؛ "وَ يَسْتَحِلُّ الدِّمَاءَ مِنَّا"؛ و يستطيلون علينا لشيوع بدعتهم، و نصرة بعض ملوك السوء لهم؛كيزيد بن الوليد، و مروان بن محمد من الأموية؛ كما في "تاريخ الخلفاء"، للسيوطي، و غيره.
        "فَلَا يَسَعُنَا"، و لايجوز لنا، "أَنْ لَا نَعْلَمَ" بإقامة البراهين اليقينية؛ "مِنَ الْمُخْطِئِ" المريد في الاعتقاديات، غير ما يحسن إرادته "مِنَّا"؛ أي من المتخالفين.
        "وَ مِنَ الْمُصِيبِ"، المدرك للمقصود المحمود فيها؛ "وَ أَنْ لَا نَذُبَّ"، و نمنع المخالفين بإقامة الحجج عليهم، و إبطال نحلهم "عَنْ" الاستطالة على "أَنْفُسِنَا، وَ حُرَمِنَا"، باستحلال الدماء، كما هو نحلة الخوارج، و الشيعة، وكثير من القدرية؛ و كذا أغروا بعض الملوك على قتل كثير من أهل السنة.
        "فَقَدِ ابْتُلِينَا بِمَنْ يُقَاتِلُنَا" من أهل الأهواء، بإظهار الشبه، و الإغراء، الذي هو القتال المعنوي؛ "فَلَا بُدَّ لَنَا" في دفعهم، و إزالة شبههم "مِنَ" إقامة الحجج الساطعة، و البراهين القاطعة، التي في معنى "السِّلَاحِ".
        فقد أشار إلى أن البحث فيه، و المحاجة، صارت من الفروض على الكفاية، دون البدع المنهية؛ و صرح في "الملتقط"، و "التتارخانية".
        9. و إلى الأخذ من قوله عليه الصلاة و السلام: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي، يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ، ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»؛ رواه البخاري، و مسلم: عن المغيرة بن شعبة، و جابر بن عبد الله: عنه عليه الصلاة و السلام.
        حيث حمل على العلماء الآمرين بالمعروف، و الناهين عن المنكر، المقاتلين مقاتلة معنوية؛ كما في "شرح البخاري".
        فيشمل الناهين عن الأهواء، بالطريق الأولى؛ لأنها أنكر الأشياء، أو يعمهم؛ و المقاتلين مقاتلة حسية، كما في "شرح مسلم للنووي".
        و صرح بفرضيته على الكفاية، إمام الحرمين في "النهاية"، و الحليمي، و البيهقي، و الغزالي، و الرافعي، و اليافعي، و النووي، و ابن عساكر في "العزيز" ، و "الروضة" ، و "المحرر" ، و "الإرشاد" ، و "التبيين" .
        و صرح به الطيبي في "شرح المشكاة"، و المحلى في "شرح جمع الجوامع".
        و قال الإمام ابن حجر الهيثمي، في "شرح المشكاة": (إنه آكد فروض الكفاية، بل هو فرض عين؛ إذا وقعت شبهة توقف حلها عليه؛ فالحاجة فيه ليس بما وراءه قدر الحاجة المكروه، كما ظن).
        و ما روي عن الإمام: من نهي ابنه حماد عن المناظرة في الكلام، فإنما كان عن المناظرة، بطريق التخطئة و الإلزام.
        فإنه لما قال: رأيتك تتكلم، فلمَ تنهاني؟ قال: (كنا نتكلم، و كل واحدٍ منا، كأن الطير على رأسه، مخافة أن يزل صاحبه؛ و أنتم تتكلمون و كل واحدٍ منكم يريد أن يزل صاحبه، و يكفر).
        و من أراده، فقد كفر، كما في "المحيط"، و "الخانية".
        و كذا ما روي عنه: من كراهة الخوض فيه؛ ورد مفسراً، بكراهة الخوض فيه كذلك، كما في "فتح القدير".
        و ما روي عنه: أن السلف نهوا عنه؛ و ليس سيما أهله سيما الصالحين؛ و لذا تركه.
        ورد مفسراً، بأن سيما المتوغلين فيه كذلك، ليس سيما الصالحين؛ و أنهم إنما نهوا عنه، و أن تركه الاحتجاج على المخالفين، بعد كشف شبههم، و قصمهم بالأدلة القاهرة، كما في "المناقب الكردرية".
        لوجوب إزالة الشبهة، إذا وقعت؛ كما في "الملتقط"، و "التتارخانية".
        و كان فيما لا يتوقف عليه إثبات المذهب،كما في "المصداق"، للسيد ناصر الدين السمرقندي، و "التسديد".
        و هو مراد مشايخنا، بكراهة ما وراء قدر الحاجة، كما في "الذخيرة".
        لا إثبات المذاهب، و دفع الخصم، فإنه محتاج إليه، كما في "البزازية".
        بل و صرحوا بأن بيان مذهب أهل السنة من أهم الأمور.
        و في "التسديد": معاذ الله عن المنع عن تعلم أصول التوحيد؛ و من منع ذلك، فقد رضي بضلال الناس.
        و ما روي عن أبي يوسف: أن الجهل بالكلام، هو العلم؛ و لا يشمل الوصية للعلماء لأهل الكلام، فهو في كلام المخالفين من أهل الأهواء، كما في "الكردرية"، و "شرح المنهاج" للسبكي، و "شرح جمع الجوامع".
        و ما روي عنه: أنه زندقة، و أنه ألف الرسالة في المنع عنه؛ ففي كلام أهل الأهواء المكفرة، كما في "التبصرة البغدادية".
        و من حمله على إطلاقه، فقد جهل أصولهم المقررة؛ و سيأتي تفصيله في الباب الثالث إن شاء الله تعالى.
        و ما روي عنه، و عن محمد: من عدم تجويزهما الاقتداء بمن يناظر فيه، ورد مفسراً بكراهته؛ فيمن يناظر فيه للغلبة، و الإيراد، دون إظهار الحق و الإرشاد؛ كما في "الخانية"، و "الملتقط".
        فإنهما كانا يناظرانِ فيه، كما مرَّ.
        و في "الخانية"، و "مجمع الفتاوي": أن المنهي عنه، هو كلام الفلاسفة، و كلام الخصومة؛ فأما المناظرة فيه على وجه إظهار الحق، فلا كراهة فيها، بل هي المأمور بها في قوله تعالى: ﴿و جادلهم بالتي هي أحسن﴾.
        و كذا ما روي: عن مالك: (أن أهل الكلام، أهل البدعة).
        محمولٌ على كلام المخالفينَ، كما تدل عليه التسمية؛ فإنه كان خاصاًّ بكلامهم في عصر السلف، كما صرّح به البيهقيّ.
        و كذا ما رويَ عن الشافعيّ، أنه قال: (لو علم الناس ما في الكلام من الأهواء، لفروا منه، كما يفرون من الأسد؛ و لأن يلقى الله تعالى العبد بكل ذنب، سوى الإشراك، خير له من أن يلقاه بشيء من الكلام).
        و رأى في أهله، بأن يضربوا بالجريد، و أن يطاف بهم في العشائر، و يقال هذا جزاء من ترك الكتاب و السنة.
        فقد قال البيهقيُّ: (إنما أراد به كلام أهل الأهواء؛ كحفص الفرد ، و أمثاله؛ فبعض الرواة أطلقه، و بعضهم قيده؛ و في تقييد من قيده دليل على مراده.
        قال صاحباه الربيع المرادي، و أبو الوليد المكي: دخل حفص الفرد على الشافعي؛ فقال ذلك).
        و قال الحافظ أبو القاسم بن عساكر في التبيين: (كان الشافعي يحسن الكلام؛ و قد قال: قد أحكمنا ذلك من قبل هذا؛ أي الكلام قبل الفقه؛ و تكلم مع غير واحد ممن ابتدع، و أقام الحجة عليه، و قطع).
        ناظر حفصاً الفرد، في القرآن؛ فلما قال بخلقه، قال له: كفرت بالله العظيم.
        و قطع على إبراهيم بن علية المعتزلي.
        و بيّن للحميدي الاحتجاج على المرجئة؛ و لابن هرم الاحتجاج على منكر الرؤية، و ألف فيه كتابين، كما صرح به في "التبصرة البغدادية".
        و كذا ما روي عن أحمد بن حنبل: (أنه بدعة، و أنه لا يفلح صاحب الكلام أبداً).
        فإن المراد منه كلام أهل الأهواء، كما دل عليه تسميته "بدعة"، و هجره للحارث المحاسبي لذلك.
        فإنه لما قال له الحارث: (نصرت مذهب أهل السنة، و أزحت البدعة؛ قال: ألست تحكي البدعة)؟
        و لا يؤمن من أن يقع فيها من يسمع.
        ففي الشفاء للقاضي عياض: (أجمع السلف، و الخلف، من أئمة الهدى: على حكايات مقالات الكفرة، و الملحدين في كتبهم، و مجالسهم، ليبينوها للناس، و ينقضوا شبهها عليهم، و إن كان ورد لأحمد بن حنبل إنكار لبعض هذا على الحارث بن أسد؛ فقد صنع أحمد مثله، في رده على الجهمية، و القائلين بالخلق).

        تعليق

        • حماد محمد الشنقيطي
          طالب علم
          • Feb 2010
          • 252

          #5
          الثالث: ما أشار إليه بقوله فيه.
          "مَعَ أَنَّ الرَّجُلَ"، الواقف على الخلاف في العقائد.
          "إِذَا كَفَّ لِسَانَهُ عَنِ الْكَلَامِ"، في مختلف العقائد، كما قاله الحشوية، و من يحذو حذوهم؛ و شنعوا على من تكلم، "فِيمَا اخْتَلَفَ فِيهِ النَّاسُ"، و ظهرت فيه الهواء، و تصادم الآراء.
          "وَ قَدْ سَمِعَ ذَلِكَ" الاختلاف منهم، مع شبههم؛ "لَمْ يُطِقْ"، و لم يقدر، "أَنْ يَكُفَّ قَلْبَهُ"، عن الميل إلى أحد الطرفين المتباينين من الخلافيات، أو إلى آخر.
          "لِأَنَّهُ لَا بُدَّ"، و لا فراق "لِلْقَلْبِ"؛ لكونه محل العقل، كما سيأتي، "أَنْ يَكْرَهَ"، أي يعاف من جهة العقل، أو الشرع -كما في "المفردات"- "أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ" فيهما، لرجحان أحدهما؛ "أَوِ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعاً"، لرجحان أمر ثالث عنده.
          "فَأَمَّا أَنْ يُحِبَّهُمَا"، أي يريد ما يراه، أو يظنه خيراً -كما في "المفردات"-، من الأمرين "جَمِيعاً، وَ هُمَا مُخْتَلِفَانِ"، متباينان؛ "فَهَذَا لَا يَكُونُ"؛ و لا يوجد جمع المتباينين؛ فلا بد أن يميل قلبه إلى أمر في ذلك، و لا يخلو من أن يكون جوراً، أو عدلاً.
          "وَ إِذَا مَالَ الْقَلْبُ، أي عدل عن الوسط، "إِلَى الْجَوْرِ"؛ و هو الميل عن القصد في الطريق، ثم جعل أصلا في العدول عن كل حق -كما في "المفردات"-؛ "أَحَبَّ أَهْلَهُ، وَ كَانَ مِنْهُمْ"؛ لاستلزام محبة قوم، لاعتقادهم لذلك.
          "وَ إِذَا مَالَ" القلب، "إِلَى الْحَقِّ"؛ أي الاعتقاد في الشيء المطابق، لما عليه ذلك الشيء في نفسه -كما في "المفردات"-؛ "وَ عَرَفَ أَهْلَهُ"؛ أي كونهم أهل الحق عن دليله كما مر، "كَانَ لَهُمْ وَلِياًّ"؛ أي محبا، لأن المحبة من ثمرة المعرفة على الحق في الغالب.
          و فيه إشارة إلى مسائل:
          الأولى: أن معرفة أهل الحق في الاعتقاديات، و موالاتهم، متوقفة على معرفة الحق منها، فيما اختلف فيه؛ و هي متوقفة على البحث، و النظر، و موالاتهم واجبة؛ فكذا ما يتوقف عليه ذلك.
          الثانية: وجوب بيان مذهب أهل السنة، ليعرف أهلها، و يحب من اتصف به من المسترشدين، و رد مذاهب المخالفين، ليجتنب عنها كل أحد، و يبغض الزائفين.
          فقد قال مشايخنا رحمه الله تعالى: "تعليم صفة الإيمان للناس، و بيان خصائل أهل السنة و الجماعة من أهم المور، و ألف السلف فيها تآليف كثيرة، كما في "سيرة الذخيرة"، و "التتارخانية".
          و أشار إليه بقوله: "إذا مال إلى الحق، و عرف أهله، كان لهم ولياًّ".
          الثالثة: كون ماهية العلم مفهومة واضحة، كما لوح بالسوق في كل محل ذكر مفروغاً عن البيان إلى أنه لا يحد لوضوحه، و اختاره المحققون، كما في "شرح المقاصد".
          و ذهب إمام الحرمين، و الغزالي: إلى أنه لا يحد، لتعسره.
          و ذهب الإمام الرازي: إلى أنه ضروري، لأنه حاصل، و غيره إنما يعلم به؛ فلو علم هو بغيره، لزم الدور؛ لأن علم كل واحد بوجوده حاصل، بلا كسب، فيكون ضرورياًّ، و المطلق جزء منه، فهو أولى بذلك.
          و المراد أن العلم بالشيء، يكون لحصوله بنفسه عند النفس، كصفات النفس، و العلم بصور الأشياء، فإنها تدرك بذاتها؛ كما صرح به "شارح الإشارات"، في نمط التجريد.
          فلا يرد أن الحاصل هو الفرد منه بذاته، لا بصورته، فيكون المطلق أيضاً كذلك، و ذلك الحصول ليس علماً به، بل العلم هو حصوله بصورته ومثاله؛ و الفرق بين الحصولين بين.
          و لا شك أن أفراد العلم ليس كل واحد منها نوعاً منحصراً في شخص حتى يكون علم كل أحد بكل واحد من الأشياء حقيقة مغايرة لعلمه بشيء آخر، أو لعلم شخص آخر بهذا الشيء؛ بل لها حقيقة مشتركة نوعية، أو جنسية؛ فإذا حصل فرد منه عند النفس، لم يتوجه أن يقال هو معلوم بالوجه، لا بالكنه، لأن كنه الشيء نفسه.
          و وجهه الأمرا العارض له، فلا يرد أن تصور الخاص، إنما يستلزم توصر العام، إذا كان تصور الخاص بالكنه، و العام ذاتياً للخاص، و كلاهما في محل النزاع.
          و لما كان بعض الأمور البديهية، مما ينبه عليه.
          فسره الإمام أبو منصور الماتريدي؛ بأنه: "صفةٌ يتجلى بها المذكور، لمن قامت هي به".
          أي صفة ينكشف به ما يذكر، و يلتفت إليه، لمن قامت به تلك الصفة من البشر، و الملك، و الجن.
          عدل عن الشيء، إلى المذكور، ليعم الموجود و المعدوم، و الممكن و المستحيل؛ فيشمل إدراك الحواس، و إدارك العقل من التصورات، و التصديقات اليقينية، و غيرها، و المفرد و المركب، و اعتقالد المقلد المصيب.
          و يخرج الظن، و الشك، و الوهم، و الجهل.
          فلذا قيل إنه أحسن التفاسير، و الحمل على الانكشاف التام، و انحلال العقدة، و إخراج اعتقاد المقلد به، كما ظن، لا يوافق مذهب القائل المعتبر لإيمانه، المشروط بالعلم في الجملة بالمؤمَن به، و حسنِه، كما سيجيء.
          و ما يقال: من أن التصديق قد يكون بدون العلم، و المعرفة، و بالعكس؛ فإنا نؤمن بالأنبياء، و بالملائكة، و لا نعرفهم بأعيانهم، ففيه نظر.
          لأن المراد العلم بما حصل التصديق به، و نحن نعلم من الأنبياء و الملائكة ما نصدق به، فامتناع التصديق بدون العلم، بمعنى الاعتقاد قطعي؛ و إنما الكلام في العكس، كما في بحث التقليد من "شرح المقاصد".
          و فسره الأشعري، بأنه: "الذي يوجب كون من قام به عالماً، و تارةً بأنه إدراك المعلوم على ما هو به".
          و فيهما دورٌ، و في الأخير مجاز، و زيادة ما هو به.
          فإن المعلوم ليس إلا كذلك، كما في "المواقف".
          و فسره جمهور الأشاعرة، بأنه: "صفة توجب لمحلها تمييزاً، بين المعاني، لا يحتمل النقيض".
          فخرج إدراك الحواس، لأنها ليست مميزة بين المعاني؛ و خرج الظن، و الشك، و الوهم، و التقليد، لاحتمال النقيض فيها.
          الرابعة: أن الجهل كذلك مفهوم الماهية، و يفسر تنبيها عليها، بأنه عدم العلم عمن شأنه أن يعلم.
          10. مع الإشارة في الكلام إلى قوله عليه الصلاة و السلام: «الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ».
          و مع التعرض في المقام إلى معظم ما يبحث عنه في الفن من الأعراض، و هي عند أكثر المتكلمين أحد و عشرون نوعاً؛ و عند بعضهم ثلاثة و عشرون نوعاً، أو أربعة و عشرون نوعاً، كما في "قواعد العقائد".
          الرابع: ما أشار إليه بقوله فيه.
          "وَ إِذَا لَمْ تَعْرِفِ"، و تفرق بالدليل، "الْمُخْطِئَ"، أي المريد غير ما يحسن إرادته، و هو الخطأ المأخوذ به الإنسان، كما في "المفردات".
          "مِنَ الْمُصِيبِ"، المدرك للمقصود، المحمود، بحسب مقتضى العقل، و الشرع، كما في "المفردات".
          "لَا يُضُرُّكَ"، و لا يسوء حالك، "فِي خَصْلَةٍ" و حالة، "وَ يُضُرُّكَ بَعْدُ"، أي بعد تلك الحالة، "فِي خِصَالٍ غَيْرِ وَاحِدِةٍ"، و في أحوال متعددة.
          "فَأَمَّا الْخَصْلَةُ الَّتِي لَا تَضُرُّكَ، فَإِنَّهَا: أَنَّكَ لَا تُؤَاخَذُ"، أي لا تجازى مقابلة لما أخذت، و الأخذ في الأصل حوز الشيء بالتناول، أو القهر؛ "بِعَمَلِ الْمُخْطِئِ"، إذا لم ترتكبه، و لم تتصف به.
          "وَ أَمَّا الْخِصَالُ الَّتِي تَضُرُّكَ"، مع اتصافك بحال المخطئ.
          "فَوَاحِدَةٌ مِنْهَا: اِسْمُ الْجَهَالَةِ"، فيما يجب عليك معرفة حقيقته من الاعتقاديات، "يَقَعُ عَلَيْكَ"، بين الناس، فتكون مذموماً به في العاجل، معاقباً بترك واجب المعرفة في الآجل؛ "لِأَنَّكَ لَا تَعْرِفُ الْخَطَأَ" في الاعتقاديات، عن الدليل، و لا تفرقه، "مِنَ الصَّوَابِ"، المحمود بحسب مقتضى العقل، أو الشرع.
          و لما ورد هنا من شبهة الحشوية، أن إصابة المعتقد بتقليد سلف الأمة تدفع المذمة، و المعاقبة، على عدم معرفة خطإ المخالفة بالنظر، و إقامة الحجة.
          أشار إلى منعه، بقوله: "وَ مَنْ وَصَفَ"، و عين "عَدْلاً"، و هو في الأصل بمعنى التسوية، نقل إلى التوسط في الأمور.
          اعتقاداً: كالتوحيد، المتوسط بين التعطيل، و التشريك؛ و القول بالكسب المؤثر المتوسط بين الجبر، و القدر؛ و بوجوب التصديق بسبب العقل المتوسط، بين الإيجاب منه و الإهمال.
          و عملا: كالتعبد بأداء الواجبات، المتوسط بين البطالة و الترهب.
          و خلقاً: كالجود، المتوسط بين البخل، و التبذير.
          ثم سمي به كل حق، لتوسطه بين الإفراط و التفريط؛ فمن عين العدل من الاعتقاديات، و وصفه به تقليداً.
          "وَ لَمْ يَعْرِفْ" عن الدليل، "جَوْرَ مَنْ يُخَالِفُهُ"، في الاعتقاد؛ "فَإِنَّهُ جَاهِلٌ"، في ذلك، "بِالْجَوْرِ وَ الْعَدْلِ"؛ لأن المعتبر في معرفة الاعتقاديات هو التصديق البالغ حد الجزم، فمن لم يعرف خطأ المخالفة، و يجز به، لم يعرف العدل، و لم يجز به.
          و فيه إشارةٌ إلى أنه لا يكفي لدفع المعاقبة مجرد التقليد، فيما اختلف فيه من الأصول الدينية، بل لا بد من الجزم عن الدليل في الجملة.
          و قد صرح الأئمة بأن المقلد في العقائد مطلقاً عاصٍ، بترك النظر، مستحق للعقوبة.
          "وَ الثَّانِيَةُ" من الخصال المضرة، أنه: "عَسَى أَنْ يَنْزِلَ بِكَ"، و تخشى أن يصيبك "مِنَ الشُّبْهَةِ مَا نَزَلَ بِغَيْرِكَ"، ممن تشبث بها، من أهل الأهواء؛ "وَ لَا تَدْرِي مَا الْمَخْرَجُ"، و المخلص "مِنْهَا، لِأَنَّكَ لَا تَدْرِي"، و لا تستيقن، لعدم جزمك بخطأ المخالف؛ "أَمُصِيبٌ أَنْتَ؟ أَمْ مُخْطِئٌ؟" في الخلافيات الاعتقادية؛ "فَلَا تَنْزِعُ"، و لا تتخلص "عَنْهَا" أي عن الشبهة، مما أوردها المخالفون على أهل الحق، و مما ذكروها لإثبات مذهبهم، فإنها شبهة في نفس الأمر، و إن كانت دليلاً عندهم.
          "وَ الثَّالِثَةُ"، من تلك الخصال، أنك "لَا تَدْرِي مَنْ تُحِبُّ فِي اللهِ وَ مَنْ تُبْغِضُ فِي اللهِ"، و هو من مواجب الدين، و آكد ثمرات الإيمان.
          11. و فيه إشارة إلى قوله عليه الصلاة و السلام: «إِنَّ أَوْثَقَ عُرَى الْإِسْلَامِ، أَنْ تُحِبَّ فِي اللهِ، وَ تُبْغِضَ فِي اللهِ تَعَالَى» .
          "لِأَنَّكَ لَا تَدْرِي"، و لا تميز عن دليل، "الْمُخْطِئَ مِنَ الْمُصِيبِ"، في الخلافيات من أصول الاعتقاديات، و المحبة لأهل الحق، و البغض لأهل الباطل، من ثمرات معرفته لذلك.
          و فيه إشارة إلى مسائل:
          الأولى: لا يعذر أحد بجهله من المصيب، و المخطئ في الخلافيات؛ و لا يأمن المكتفي بالتقليد أن تصيبه الشبهات، و لا يدري من يحبه و يبغضه من أهل الهدى و الضلالات، فيجب عليه معرفة ذلك كله، بالنظر فيه، و البحث عن دليله؛ و من منع عن النظر فيه، من الحشوية، و الظاهرية، فقد استروح بالجهالات.
          الثانية: لزوم وصفه تعالى عند الاستيصاف بمعرفة ما ثبت له تعالى من الصفات الثبوتية، و السلبية، و لوازم الألوهية؛ فإنه الواجب بقوله تعالى: ﴿إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن﴾[الممتحنة:10]؛ كما في شرائط الراوي من "التوضيح"، و "البرهان الساطع".
          و نص محمد رحمه الله تعالى في "الجامع الكبير"، على: (كفر من لم يصف الله تعالى، إذا استوصف).
          و لما كان فيه عسر، و الله يريد بكم اليسر.
          قال أبو منصور الماتريدي، و شمس الأئمة الحلواني، رحمهما الله تعالى: (ينبغي أن يستوصف بطريق التلقين)، كما في "سير الملتقط"؛ و اختاره عامة مشايخنا، كما في "المحيط".
          و لو عرف، و لم يقدر على الوصف، يحكم بكفره، عند من اشترط الإقرار، كما في نكاح "المحيط البرهاني".
          و أفتوا بكفر من قال: "لا أعرف صفة الإيمان"، كما في "سير التتارخانية".
          و لوّح إليه بالتعرض للوصف في المقام، لشموله لوصف العدل، و الاعتقاد في صفاته تعالى.
          الثالثة: أن ما تمسكوا به من الأحاديث الناهية عن التفكر في صفات الألوهية.
          12. من رواية ابن عمر، و ابن عباس رضي الله تعالى عنهم: عنه عليه الصلاة و السلام، أنه قال: «تَفَكَّرُوا فِي خَلْقِ اللهِ، وَ لَا تَفَكَّرُوا فِي اللهِ»؛ كما رواه البيهقي، و أبو نعيم: عن ابن عباس، و الأصفهاني: عن ابن عمر.
          محمولة على النهي عن التفكر بمجرد العقول، من غير أخذ من المنقول، كما يشعر به التفكر [جمعاً]، بينه و بين الأدلة، الموجبة للنظر فيها.
          كيف، و قد دل على فضله، و شرف أهله قوله تعالى: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو و الملائكة و أولو العلم﴾[آل عمران:18]؛ حيث قرن شهادتهم على وحدانيته تعالى بالإيمان بها، و الاحتجاج عليه بالحجج العقلية، و النقلية، بشهادته تعالى، بنصب الدلائل التكوينية، كما فسره الجمهور.
          فدل على فضل علم أصول الدين، الباحث عن أحوال الصانع، و الموجب للتفكر فيه، و دل قوله تعالى في ثمانين آية من آل عمران، على أن المناظرة في تقرير الدين، و إزالة الشبهات، حرفة الأنبياء؛ على نبينا و عليهم أفضل الصلاة و السلام؛ و أن مذهب الحشوية في إنكار البحث، و النظر، باطل قطعاً، كما في التفسير الكبير.
          فأشار في الوجوه المذكورة، إلى أن غاية الفقه في الدين، و جدواه، إرشاد المسترشدين، و إلزام المعاندين، و حفظ قواعد الدين، من أن تزلزلها شبه المبطلين، و النجاة من العذاب المستحق للزائغين.
          و أشار إلى كون أدلته، و مبناه، مأخوذة من المحكمات النقلية.
          "وَ قَالَ فِي "الرِّسَالَةِ": وَ اعْلَمْ أَنَّ أَفْضَلَ مَا عُلِّمْتُمْ" في أمور الدين، "وَ مَا تُعَلِّمُونَ النَّاسَ" الطالبين لتعلم أموره، "السُّنَةَ" من قول الرسول عليه الصلاة و السلام، و فعله، و تقريره في الأعمال، و فيما يدل على الاعتقادات، و قول الخلفاء الراشدين، و فعلهم كذلك.
          17. و فيه إشارة إلى قوله عليه الصلاة و السلام: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي، وَ سُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» .
          و إلى وجه التسمية بأهل السنة، و إلى لزوم الأخذ، و التعليم، ممن انتسب إلى السنة، كما بينه بقوله: "وَ أَنْتَ يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَعْرِفَ مَنْ أَهْلُهَا" المنتسب إليها، "الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ تَتَعَلَّمَ مِنْهُ ذَلِكَ" من علمائها، "وَ تُعَلِّمَ" أمور الدين لطلابها، و أشار إلى تعليل الأخذ من المحكمات.

          تعليق

          • حماد محمد الشنقيطي
            طالب علم
            • Feb 2010
            • 252

            #6
            و التجنب عن المحدثات بوجهين:
            الأول: ما أشار إليه بقوله: "وَ لَعَمْرِي" أي واهب عمري ما أقسم به، "مَا فِي شَيْءٍ" من الاعتقادات، و الآراء، "بَاعَدَ" و أقصى، "مِنَ" مرضاة "اللهِ تَعَالَى عُذْرٌ لِأَهْلِهِ"، أي لمن تسمك بذلك الشيء.
            "وَ لَا فِيمَا أَحْدَثَ النَّاسُ" المخالفون للسلف الصالح من الأهواء في الاعتقادات، "وَ ابْتَدَعُوا" من الآراء في أصول الديانات "أَمْرٌ يُهْتَدَى بِهِ" في الاعتقادات.
            "وَ لَا الْأَمْرُ" المهتدى به المطابق للحق فيها، "إِلَّا مَا جَاءَ بِهِ" محكم "الْقُرْآَنُ"، بظاهره، كما سنبينه؛ "وَ دَعَا إِلَيْهِ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَ السَّلَامُ" بقوله، و أمره؛ "وَ كَانَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ" من الاعتقادات، و التمسك فيها بالمحكمات، و المشهورات، و اقتدى بهم السلف التابعون بإحسان زماناً بعد زمانٍ، "حَتَّى تَفَرَّقَ النَّاسُ"، وشاعت الآراء المخالفة، و التأويلات الزائفة.
            "وَ أَمَّا مَا سِوَى ذَلِكَ" المذكور من الآراء فيها، "فَمُبْتَدَعٌ، وَ مُحْدَثٌ وَ" لم يشهد له أصل من الشرع، و لاهتداء إلا بما بينه الله تعالى، و رسوله، و كشف عنه أصحابه.
            و بيَّن ما سوى ذلك، فيما رواه الإمام أبو إسماعيل الهروي، و الإمام تاج الإسلام السمعاني في "الانتصار"، و الإمام محيي الدين الدمشقي في "العقود"، أنه "قَالَ فِي رِوَايَةِ" الإمام، "أَبِي عِصْمَةَ الْمَرُوزِيُّ: فَمَا أَحْدَثَ النَّاسُ" المخالفون للسلف الصالحين، "مِنَ الْكَلَامِ" الواقع "فِي" مباحث "الْأَعْرَاضِ وَ الْأَجْسَامِ"، و ما يتعلق بهما من الأحكام العقلية المشوبة بالأوهام.
            "فَمَقَالَاتُ الْفَلَاسِفَةِ"، و مأخوذة مما ترجم من كتبهم الموجودة بالشام، مع أوهامهم في أصولهم، التي بنوا عليها الأحكام، كما تشير المقالات، و قد ترجمها خالد بن يزيد الأموي ، و عبد الله بن المقفع، في ولاية عبد الملك بن مروان، كما في "معيار الجدل"، لعبد القاهر البغدادي، و أحرق عمرو بن العاص كثيراً من كتبهم في فتح الإسكندرية ، بأمر أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه، كما في "المناقب الكردرية"، و كتب السير.
            و فيه إشارة إلى أنهم كانوا يطلقون الكلام على كلام المخالفين، دون كلام أهل السنة، بل يميزونه بتسميته "الفقه الأكبر"، و "أصول الدين"، كما ذكره البيهقي، و غيره.
            "عَلَيْكَ بِالْأَثَرِ"، استمسك بالخبر الثابت عن رسول الله ، و أصحابه.
            "وَ طَرِيقَةِ السَّلَفِ"، هي في الأصل السبيل المطروقة بالأرجل، استعير لكل مسلك يسلكه الإنسان في فعل محمود، أو مذموم؛ و المراد مسلك السلف الصالحين في العقائد، قبل ظهور المخالف، و المعاند.
            "وَ إِيَّاكَ وَ كُلَّ مُحْدَثَةٍ" في الدين، لم يشهد لها أصل من أصول الشرع "فَإِنَّهَا بِدْعَةٌ"، أي تغيير للدين، و ضلالة.
            فالحمل باعتبار الوصف المعروف شرعاً، نظير قوله في ترجيح رواية ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، و عبد الله عبد الله، كما في "فتح القدير".
            و حمل عليه في وجه قوله تعالى: ﴿وَ السَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾[الواقعة:10]، كما في "التسديد".
            و البدعة في الأصل: إنشاء شيء، بلا حتذاء و اقتداء، يعم الحسن و القبيح، غلب في الثاني شرعاً، و صار خاصاًّ بإنشاء شيء في الدين، بزيادة فيه، أو نقص، بغير إذن من الشارع، قولاً، أو فعلاً صريحاً، أو إشارةً؛ كما في "المفردات"، و "الفتح المبين"، و "الطريقة".
            و تقسيمها في الفقه إلى الحرام، و هو ما ذكر؛ و المكروهة، كزخرة المساجد؛ و المباحة، كالتوسع في المباحات؛ و المندوبة، كإحداث المدارس؛ و الواجبة، كأدلة المتكلمين في الرد على الزائغين، إنما هو باعتبار الأصل.
            الثاني: ما أشار إليه.
            "وَ قَالَ فِي الْفِقْهِ الْأَبْسَطِ" المسند، بتخريج حماد، و الحسن بن زياد، أنه قال: "حَدَّثَنِي حَمَّادٌ: عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخْعِيِّ: عَنْ عَلْقَمَةَ" بن قيس النخعي، الكوفي، خال إبراهيم النخعي تابعي جليل: "عَنْ اِبْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: عَنِ النَّبِيِّ ، أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ أَحْدَثَ حَدَثاً" مغيراً بزيادةٍ، أو نقصانٍ، "فِي" أحكام "الْإِسْلَامِ" من الاعتقادات، و الأعمال، "فَقَدْ هَلَكَ"، و استحق النار، و هو بمنزلة الهلاك، أي بطلان الشيء، و عدمه من العالم، كما في "المفردات".
            "وَ مَنْ اِبْتَدَعَ"، و أنشأ "بِدْعَةً" في الدين، "فَقَدْ ضَلَّ"، و فقد المطلوب منه، و عدل عن الطريق السوي؛ "وَ مَنْ ضَلَّ" فيه، "فَفِي النَّارِ»" و استحقها، إن لم يكن ضلالُه مما يكفر، و صار محكوماً بها عليه، إن كان مما يكفر، كما سيأتي.
            "وَ" حدث بالسند المذكور: أنه "كَانَ اِبْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُ"، و يكرر في وصاياه، ما صدر عن مشكاة النبوة في النصح البالغ للأمة: "إِنَّ شَرَّ الْأُمُورِ"، أي المضر، الذي يرغب عنه من العقائد، و الأفعال، و الأقوال؛ "مُحْدَثَاتُهَا"، أي التي لم يشهد لها أصل من أصول الشرع؛ "وَ كُلُّ مُحْدَثَةٍ" كذلك "بِدْعَةٌ"، و تغيير للدين؛ "وَ كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ"، و فقدان للمطلوب من الدين، "وَ كُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ".
            و هو قياس مركب من الشكل الأول، ينتج: "كل محدثة في النار"، يعني صاحبها من فاعل، و متبع، كما في "الفتح المبين".
            روى معناه أربعة من الصحابة: ابن مسعود، و جابر، و العرباض بن سارية، و عائشة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين؛ و روي عنهم من أكثر من اثنين و عشرين طريقاً.
            فقد أشار إلى أن مبنى الفقه في الدين: محكمات الكتاب، و مشهورات السنة، و إجماع سلف الأمة.
            و في إشارة إلى مسائل:
            الأولى: أن الدليل النقلي يفيد الاعتقاد و اليقين في المعتقدات، عند التوارد على معنى واحد بالعبارات، و الطرق المتعددة، و القرائن المنضمات.
            و إليه أشار بقوله: "و لا الأمر إلا ما جاء به القرآن، و دعا إليه محمد ، و كان عليه الصحابة، و اختاره متقدموا الأشاعرة.
            قال صاحب "الأبكار، و المقاصد": "هو الحق"، خلافاً للمعتزلة، و لجمهور الأشاعرة، كما في "شرح المواقف".
            مستدلين بأن الدليل النقلي مبني على نقل اللغة، و النحو، و التصريف، و عدم الاشتراك، و المجاز، و الإضمار، و النقل، و التخصيص، و التقديم، و التأخير، و الناسخ، و المعارض العقلي، و هي ظنية.
            أما "الوجوديات"، فلعدم عصمة الرواة، و عدم التواتر.
            و أما "العدميات"، فلأن مبناها على الاستقراء، كما في "المحصول".
            و في "التنقيح": أن هذا باطل، لأن بعض اللغات، و النحو، و التصريف بلغ حد التواتر؛ و العقلاء لا يستعملون الكلام في خلاف الأصل عند عدم القرينة.
            و أيضاً فقد يعلم بالقرائن القطعية، أن الأصل هو المراد، و إلا تبطل فائدة التخاطب، و قطعية المتواتر.
            و بينه في "التلويح"، و "المقاصد"، بأن من الأوضاع ما هو معلوم بطريق التواتر، كلفظ "السماء"، و "الأرض"، و كأكثر قواعد الصرف و النحو، مما وضع لهيئات المفردات، و هيئات التراكيب.
            و العلم بالإرادة يحصل بمعونة القرائن، بحيث لا يلقى شبهة، كما في النصوص الواردة في إيجاب الصلاة، و الزكاة.
            و في البعث، إذا اكتفى فيه بمجرد السمع، كقوله تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾[يس:79].
            و نفي المعارض العقلي حاصل عند العلم بالوضع، و الإرادة، و صدق الخبر؛ و ذلك لأن العلم بتحقق أحد المتنافيين يفيد العلم بانتفاء الآخر.
            على أن الحق أن إفادة اليقين إنما تتوقف على انتفاء المعارض، و عدم اعتقاد ثبوته، لا على العلم بانتفائه؛ إذ كثيراً ما يحصل اليقين من الدلائل، و لايخطر المعارض بالبال، إثباتاً، أو نفياً، فضلاً عن العلم بذلك.
            الثانية: أن ذم السلف رحمهم الله تعالى، كالنخعي، و الشعبي، و عطاء، و مكحول، و أضرابهم للكلام، و منعهم عن الخوض فيه للأنام، محمولٌ على كلام المخالفين لأهل السنة، من مبتدعة القدرية، المتشبثة بالفلفسة، و الشيعة، و أمثالهم، الناشئين في أواخر زمان السلف الصالحين؛ و على المناظرة فيه للغلبة، و الإيراد، و الخوض مع المتوغلين فيما لا يتوقف عليه إثبات أصول الدين.
            و إليه أشار بقوله: "فما أحدث الناس من الكلام في الأعراض، و الأجسام، فمقالات الفالسفة، عليك بالأثر، و طريقة السلف، و إياك و كل محدثة".
            لا مطلق الكلام الشامل لكلام أهل السنة، و قواعدهم المأخوذة من الكتاب، و السنة، كما ظن؛ و إن المنع منه خلاف، لدلالة الكتاب و السنة، كما مر.
            فقد سألة عن أصوله جبريل عليه السلام، بمحضر الصحابة الأعلام، و أجاب عنه خير البرية، تعليماً للدين، و معالم الإسلام كما سيأتي.
            و جميع المتكلمين من سلف الأمة، منذ تكلموا في هذه المسائل مع الخصوم، و أثبتوا دلائلها في التصانيف، لم يزيدوا على ما في الكتاب من الإشارات إلى ذلك، بل لم يستخرجوا من قعور تلك البحور، و إن غاصت فيها أفكارهم عشر ما فيها من درر الحجج، و غرر المعاني، و النكت، كما في فصل المعجزات من "التبصرة النسفية".
            و الآيات الدالة على إثبات الصانع، و صفاته، و إثبات النبوة، و الرد على المنكرين أكثر من أن تحصى؛ فكيف يقال إن النبي ، و الصحابة رضي الله تعالى عنهم لم يخوضوا في هذه الأدلة، و كانوا منكرين للخوض فيها، كما في "نهاية العقول".
            الثالثة: أن ما رود في منع النظر، و البحث في الأدلة غير ثابت، أو مؤول.
            18. فما رواه الديلمي: عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما: عن النبي ، أنه قال: «إِذَا كَانَ آَخِرُ الزَّمَانِ، وَ اخْتَلَفَتِ الْأَهْوَاءُ، فَعَلَيْكُمْ بِدِينِ أَهْلِ الْبَادِيَةِ، وَ النِّسَاءِ».
            فقد صرح أئمة الحديث: بأن سنده واهٍ، ضعيفٌ.
            و على تقدير ثبوته، يكون أمراً بدين مأخوذ من ظاهر الكتاب، و السنة، إيجاباً على العامة، دون الخاصة للدلائل الموجبة للنظر.
            19. و ما اشتهر من قولهم: "عليكم بدين العجائز"؛ فلم يثبت عن النبي ، و إنما هو قول سفيان الثوري، حين ادعى عمرو بن عبيد المنزلة بين الإيمان و الكفر؛ فقالت عجوز: قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَ مِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾[التغابن:2]؛ فلم يجعل الله تعالى من عباده إلا الكافر، و المؤمن، فبطل قولك؛ فسمعه سفيان، فقال ذلك مستحسناً.
            و هو في الحقيقة أمر باتباع ظواهر الكتاب، و السنة، و الاستدلال بمحكماتها، كما استدلت تلك المرأة.
            و لو جمل على إطلاقه، صار التخصيص بالعجائز لغواً، كما في "الكفاية"، لنور الدين البخاري، و مثله في "المضمرات"، و "شرح المواقف".
            و نقل السبكي: عن أبي القاسم القشيري، أنه قال في "رسالة الرد على الكرامية": "العجب ممن يقول: ليس في القرآن علم الكلام، و آيات الأحكام الشرعية تجدها محصورة، و الآيات المنبهة على علم الأصول، تربو على ذلك بكثير؛ فلا يجحد علم الكلام إلا مقلد، أو ذو مذهب فاسد".
            قال الإمام ابن حجر الهيثمي في "فتح الإله شرح المشكاة": "محل الذم البليغ، و الزجر الأكيد، ما يؤدي الخوض فيه إلى زيغ، أو ارتكاب شبهة، لا مخلص له منها، و غير ذلك من المفاسد، التي كانت من أهله في زمن أولئك الأئمة؛ و أما بعدهم، فقد تميز أهل السنة، من أهل البدع، و حرروا كتبهم فيه، و اجتهدوا في قمع البدع، فلا مساغ في ذمه، بل هو آكد فروض الكفايات".
            و إليه أشار بقوله: "و ما الأمر إلا ما جاء به القرآن"؛ فإنه جاء فيه إشارات إلى النظر في أدلة اليقين، و آيات منبهة على أصول الدين.
            20. كما قال علي كرم الله وجهه: "جميع العلم في القرآن، لكن تقاصر عنه أفهام الرجال".
            و أشار إلى أن المطلوب من فحوى الفقه في الدين ما يعتقده السواد الأعظم من الأصول المأخوذة من المحكمات؛ بقوله في "الفقه الأبسط" المسند بتخريج أبي يوسف، و حماد، أنه قال: "وَ رَوَى" حماد، بسنده المذكور: "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: عَنِ النَّبِيِّ ، أَنَّهُ قَالَ: «اِفْتَرَقَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ" في الاعتقاد، على "اِثْنَتَيْنِ وَ سَبْعِينَ فِرْقَةً" متخالفة، "وَ سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي"، أي المجيبون لدعوتي "ثَلَاثاً وَ سَبْعِينَ فِرْقَةً"، متخالفة في أصول الاعتقاد؛ "كُلُّهُمْ فِي النَّارِ"، و مستحقون لها، لسوء الاعتقاد، "إِلَّا السَّوَادُ الْأَعْظَمُ»"، المصيبين فيه، المتبعين لظواهر المحكمات، كما بينه فيه.
            و في المسند، بتخريج حماد، و الحسن بن زياد، أنه قال: "وَ رَوَى" حماد، بسنده المذكور: "عَنْ مَيْمُونَ بْنَ مَهْرَانٍ" الجزري، من فقهاء التابعين: "عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ"، عبد الله حبر الأمة.
            و رواه الديلمي، و ابن عساكر عنه؛ و عن ابن مسعود: "أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ عَلِّمْنِي" ما ينفع في أمر الدين؛ "قَالَ: «فَاذْهَبْ"، إلى العلماء، "فَتَعَلَّمِ الْقُرْآَنَ»"؛ قاله ثلاثاً؛ "ثُمَّ قَالَ لَهُ فِي" المرة "الرَّابِعَةِ"، لما ألحّ في السؤال: "«اِقْبَلِ الْحَقَّ"، و اتبعه "مِمَّنْ جَاءَكَ بِهِ"، و أوصله "حَبِيباً كَانَ" الحائي بذلك، "أَوْ بَغِيضاً"، أي مبغوضاً لك، أو مبغضاً، "وَ تَعَلَّمِ الْقُرْآَنَ، وَ مِلْ مَعَهُ"، أي مع محكماته.
            21. كما كشف عنه قوله عليه الصلاة و السلام: «وَ لْيَسَعْكُمُ الْقُرْآَنُ، وَ مَا فِيهِ مِنَ الْبَيَانِ».
            22. كما رواه الحاكم، و البيهقي، و الطبراني، و ابن عساكر: عن معقل بن يسار: عنه عليه الصلاة و السلام.
            و لرجوع المتشابهات إليها، بخلاف العكس، كما في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾[الشورى:11]، مع قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾[طه:5]، و قوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾[ص:75].
            فمن مال إلى المتشابهات، و اتبعها، لم يتبع المحكمات، فلم يكن مائلاً مع جميعه، و هو المراد، لتبادر المعنى العرفي العام في ذلك المقام، و هو جميع ما بين الدفتين.
            لأن القرآن -في العرف الكلامي-: المعنى القائم بذات الله سبحانه و تعالى، و هو لا يقبل التعلم.
            و في العرف الأصولي: بمعنى القدر المشترك؛ و لا يحمل عليه، لأنه عرف مستحدث؛ ففيه إيماء إلى المنع عن اتباع المتشابهات، بالأمر بالميل مع جميعه "حَيْثُ مَالَ»"، و اتباع ظاهر محكماته، بلا جدال.
            فأشار إلى أن مسائل الفقه في الدين القضايا النظرية الاعتقادية، المأخوذة من المحكمات، و إجماع السواد الأعظم من الأمة، لا من مجرد العقول، كما عليه أهل الأهواء؛ لاستيلاء غوائل الوهم في بواديها، و التباس الحق بالباطل في مباديها؛ فمن اقتدى بما جاء به الشرع فقد استقام و هدى، و من ترك هداه و اتبع هواه فقد ضل و غوى.
            و فيه إشارات إلى مسائل:
            الأولى: أن في إيراد خبر الآحاد في مقام البيان إشارة إلى حصول البيان به.
            الثانية: أن المبين قطعي بالمعنى الثاني المشهور فيه.
            [فإن القطعي يطلق على ما يقطع الاحتمال أصلاً، كحكم ثبت بمحكم الكتاب، و متواتر السنة، و يكفر جاحده.
            و يطلق على ما يقطع الاحتمال الناشئ عن دليل، مثل تعدد الوضع، كحكم ثبت بالظاهر، و النص المشهور ، و لا يكفر جاحده، كما لخص في كتاب الأصول] .
            فإنه مشهور، رواه اثنا عشر صحابياًّ: علي، و سعد بن أبي وقاص، و ابن عمر، و أنس، و أبو هريرة، و أبو الدرداء، و ابن عمرو، و معاوية، و أبو أمامة، و صفوان بن عمرو، و واثلة بن الأسقع، و عوف بن مالك؛ و رُوي عنهم بأكثر من أربعين طريقاً .
            و أجمع العلماء على قبوله، و هو من أعلام الرسالة، حيث أخبر بما سيكون، فتحقق على ما أخبر.
            و تفرقت أصول المبتدعة إلى سبعة: المعتزلة، و الجبرية، و الشيعة، و الخوارج، و النجارية، و المشبهة، و المرجئة؛ و تفرقت فروعها إلى اثنتين و سبعين فرقة، كما في "الأبكار"، و "المواقف"، و "النحل الشهرستانية".
            و المراد أمة الإجابة، كما مر، و لا مجال للحمل على أمة الدعوة، كما ظن، لعدم انطباق العدد عليها؛ و تعيين أول الحديث بخلافه، و لا للقول بعدم دخول الناجية مطلقاً، كما ذهب المرجئة، لشمول وعيد القطعيات لعصاتها، بارتكاب الأعمال السيئة.
            و رواية: «كلهم في الجنة إلا الزنادقة»، موضوعٌ باتفاق الأئمة.
            الثالثة: أن في الحديث دلالة على أن استحقاق تلك الفرق للنار، لسوء الاعتقاد، دون السواد الأعظم المصيبين فيه، إذ الافتراق إلى الفرق المتباينة، بافتراق أصول الاعتقادات المتباينة دون الأعمال السيئة، لأنها مشتركة، و ما به الافتراق غير ما به الاشتراك، و سواء اعتقادهم لا من حيث الكفر، فإن جمهور أهل السنة لم يكفروا أهل القبلة من المبتدعة المؤولة في غير الضرورة دون الضروريات.
            إذ المؤول في الضروريات الدينية ليس كالمؤول في الأصول اليقينية، لأن من النصوص ما علم قطعاً من الدين أنه على ظاهره، فتأويله تكذيب للنبي، بخلاف البعض كما في "شرح التعديل"، و "شرح المقاصد".
            و اتفقوا على أن أهل القبلة من صدق بضروريات الدين كلها عند التفصيل، و أنه يخرج منهم من أنكر شيئاً منها، كما في "شرح جمع الجوامع"، للمحلي؛ أو وجد فيه ما يدل عليه من لبس الغيار، و شد الزنار، و نحوه، مما جعله الشارع دليلاً عليه، أو نسبَ النقص الصريح إليه تعالى.
            و قد أشار الإمام إلى جميع ذلك ببيان الإكفار في ثلاثة و عشرين موضعاً من أصوله:
            في ستة منها يرجع إلى الإكفار، بنسبة النقص الصريح إليه تعالى.
            و في ستة عشر موضعاً، يرجع إلى الإكفار بإنكار ما علم بالضرورة كونه من الدين.
            و في موضع واحد يرجع إلى الإكفار بتأويل ما علم قطعاً من الدين كونه على ظاهره.
            و ببيان عدم الإكفار للمؤول فيما ليس كذلك في أربعة مواضع، فليكن ضابطه على ذُكر منك.
            الرابعة: أن الفرقة الناجية هم الجماعة الكثيرة المتمسكون بمحكمات الكتاب، و السنة في العقائد؛ فإنه المنطبق لما عليه الرسول، و لما عليه الصحابة؛ لا يتجاوزون عن ظاهرها إلا لضرورة مخالفة قطعي من الدليل النقلي و العقلي؛ فإن حجج الله تعالى تتعاضد و لا تتضادّ.
            الخامسة: أنهم متحدو الأفراد في أصول الاعتقاد، و إن وقع الاختلاف في التفاريع بينها، إذ لا يعد كل من خالف غيره في مسألة ما صاحب مقالة عرفاً، و ما من مذهب من المذاهب إلا و لأصحابه اختلاف في التفاريع.
            فلو اعتبر مانعاً عن اتحاد الفرقة، لم تعد واحدةً منها فرقة، كما في النحل و غيرها، و جميع ذلك إنما ينطبق على أهل السنة، لأنهم السواد الأعظم المتبعون لظواهر محكمات الكتاب و السنة، المتفقون في أصول العقائد الآخذون لها عن المحكمات، دون مجرد المعقول، كالمعتزلة، و من يحذو حذوهم؛ لأن جعل العقل موجباً ينزع إلى التشريع، و دون المنقول عن غير الرسول، و أصحابه، كالشيعة المتبعة لما يروى عن أئمتهم لزعمهم العصمة فيهم.
            السادسة: أنهم المخالفون في الأصول لسائر الفرق مخالفة كثيرة،كمسألة الكسب، و الرؤية بلا كيفية، و جواز رؤية أعمى الصين بقة أندلس، و جواز رؤية كل موجود، و إسناد جميع الموجودات إلى الله تعالى، و كونه موصوفاً بصفات ليست عين الذات و لا غيرها، و غير ذلك مما لا يوافقهم فيها غيرهم، بخلاف غيرهم.
            فإن الشيعة توافق القدرية في أكثر الأصول، و لا تخالفها كما ظن إلا في مسائل قليلة، أكثرها يتعلق بالإمامة، و ما وقع بين أهل السنة من المخالفات فتلك في التفاريع.
            و لما كان مذهبهم أخذ الأصول الدينية من محكمات الكتاب، و مشهورات السنة، و إجماع سلف الأمة، و التأييد بالأدلة العقلية، و لم يثبت الأخذ منها سالماً عن المعارضة في التفاريع الخلافية بين أئمة أهل السنة؛ كما أشير إليه في "الكشف"، و غيره.
            لم يجز التبديع للمخالف فيها باتفاق الأئمة، و لذا وافق كثير من كل فرقة للأخرى في كثير من الخلافات؛ كما في "التبصرة البغدادية"، و "شرح المقاصد"، و غيرهما.

            تعليق

            • حماد محمد الشنقيطي
              طالب علم
              • Feb 2010
              • 252

              #7
              الخلافيات بين جمهور الماتريدية، و الأشعرية:
              فمن الخلافيات بين جمهور الماتريدية، و الأشعرية:
              1) أن الوجود، و الوجوب عين الذات في التحقيق، و اختاره الأشعري، خلافاً لهم، كما سيأتي في الباب الأول.
              2) و الاسم إذا أريد به المدلول عين المسمى، و لا ينقسم كالصفات إلى ما هو عين، و إلى ما هو غيره، و إلى ما ليس هو و لا غيره، و اختاره كثير منهم، كما سيأتي في الباب الثاني.
              3) و يعرف الصانع حق المعرفة، و اختاره بعضهم، و هو الحق، كما في "المنائح" للآمدي، كما سيأتي في الباب الثالث.
              4) وصفات الأفعال راجعة إلى صفة ذاتية، هي التكوين؛ أي مبدأ الإخراج من العدم إلى الوجود، و ليس عين المكون، و اختاره الحارث المحاسبي، كما في "معالم السنن"، للخطابي؛ كما سيأتي في الباب الثالث.
              5) و البقاء هو الوجود المستمر، و ليس صفة زائدة، و اختاره الباقلاني، و الأستاذ، و كثير منهم.
              6) و السمع بلا جارحة صفة غير العلم، و كذا البصر، و اختاره إمام الحرمين، و الرازي، و كثير منهم.
              7) و ليس إدراك الشم، و الذوق، و اللمس صفة غير العلم في شأنه تعالى، كما سيأتي في الباب الثاني.
              8) و ليس إحساس الشيء بإحدى الحواس علماً به، بل آلته.
              9) و العقل ليس علماً ببعض الضروريات، و اختاره كثير منهم.
              10) و يجب بمجرد العقل في مدة الاستدلال معرفة وجوده تعالى، و وحدته، و علمه، و قدرته، و كلامه، و إرادته، و حدوث العالم، و دلالته المعجزة على صدق الرسول، و يجب تصديقه، و يحرم الكفر، و التكذيب به، لا من البعثة، و بلوغ الدعوة.
              11) و الحسن بمعنى استحقاق المدح و الثواب، و القبح بمعنى استحقاق الذم و العقاب على التكذيب عنده إجمالاً عقلي، أي يعلم به حكم الصانع في مدة الاستدلال في هذه العشرة، كما في "التوضيح"، و غيره؛ لا بإيجاب العقل للحسن و القبح، و لا مطلقاً، كما زعمته المعتزلة.
              12) أما كيفية الثواب، و كونه بالجنة، و كيفية العقاب، و كونه بالنار، فشرعي؛ و اختار ذلك الإمام القفال الشاشي، و الصيرفي، و الحليمي، و أبو بكر الفارسي، و القاضي أبو حامد، و كثير من متقدميهم؛ كما في "القواطع" للإمام أبي المظفر السمعاني الشافعي، و "الكشف الكبير"؛ و هو مختار الإمام القلانسي، و من تبعه، كما في "التبصرة البغدادية".
              13) و لا يجوز نسخ ما لا يقبل حسنه، أو قبحه السقوط؛ كوجوب الإيمان، و حرمة الكفر، و اختاره المذكورون.
              14) و الحسن و القبح، مدلولا الأمر و النهي؛ لحكمة الآمر و الناهي، كما سيأتي كله في الباب الأول.
              15) و الحسن بمعنى الفعل، بحيث يدرك بالعقل اشتماله على عاقبة حميدة، و القبح بمعنى كونه يدرك به عدم اشتماله على ذلك عام، لما يتصور أن يفعله الله تعالى؛ لكنه لحكمته لا يفعل ذلك، كما في "التبصرة"، و "التعديل و التسديد".
              16) و كل ما صدر منه تعالى، فهو حسن إجماعاً، و سيأتي التصريح به في فصل الرد على المرجئة من الباب الثالث.
              17) و يستحيل عقلاً اتصافه تعالى بالجور، و ما لا ينبغي، فلا يجوز تعذيب المطيع، و لا العفو عن الكفر عقلاً؛ لمنافاته للحكمة، فيجزم العقل بعدم جوازه، كما في "التنزيهات".
              18) و لا يجوز التكليف بما لا يطاق، لعدم القدرة، أو الشرط، و اختاره الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايين؛ كما في "التبصرة"، و أبو حامد الإسفراييني، كما في شرح السبكي لـ "عقيدة أبي منصور".
              19) و أفعاله تعالى معللة بالمصالح، و الحكم، تفضلا على العباد، فلا يلزم الاستكمال، و لا وجوب الأصلح، و اختاره صاحب "المقاصد"، و فقهاؤهم، كما في "كشف الطوالع"، كما سيأتي في الباب الثالث.
              20) و لا يؤول المتشابهات، و يفوض علمها إلى الله تعالى، مع التنزيه عن إرادة ظواهرها، و اختاره مالك، و الشافعي، و ابن حنبل، و الحارث المحاسبي، و القطان، و القلانسي؛ كما في "التبصرة البغدادية"، كما سيأتي في الباب الثاني.
              21) و لا يسمع الكلام النفسي، بل الدال عليه، و اختاره الأستاذ، و من تبعه؛ كما في "التبصرة"، للإمام أبي المعين النسفي.
              22) و النفسي: ما ذكره الله تعالى في الأزل، بلا صوت، و لا حرف، كما في "الإرشاد" للإمام أبي الحسن الرستغفَني، و هو مذهب السلف،كما في "نهاية الإقدام".
              و هو إخبار في الأزل، و اختاره الأشعري، كما في "المنائح"، و كثير من الأشاعرة، كما في "الصحائف"، كما سيأتي في الباب الثاني.
              23) و الرؤيا: نوع مشاهدة للروح، قد يشاهد الشيء بحقيقته، و قد يشاهد بمثاله، كما في "التأويلات الماتريدية"، و "التيسير"؛ و اختاره مالك، الشافعي، و الأستاذ، و الغزالي، كما سيأتي في الباب الثاني.
              24) و الدليل النقلي، يفيد اليقين عند توارد الأدلة على معنىً واحدٍ، بطرقٍ متعددةٍ، و قرائن منضمةٍ، و اختاره صاحب "الأبكار"، و "المقاصد"، و كثير من متقدميهم، كما سيأتي في الباب الأول.
              25) و المحبة، بمعنى الاستحماد، لا مطلق الإرادة، فلا يتعلق بغير الطاعة، و اختاره كثير منهم.
              26) و الاستطاعة صالحة للضدين على البدل، و اختاره الإمام القلانسي، و ابن شريح البغدادي، كما في "التبصرة" لعبد القاهر البغدادي، و كثير منهم، كما في "شرح المواقف".
              27) و اختيار العبد مؤثر في الاتصاف دون الإيجاد؛ فالقدرتان المؤثرتان في محلين، و هو الكسب، لا مقارنة الاختيار بلا تأثير أصلاً؛ و اختاره الباقلاني، كما في "المواقف"، و هو مذهب السلف، كما في "الطريقة" للمحقق البركوي.
              و اختاره الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني، و إمام الحرمين، في قوله الأخير: إن اختياره مؤثر في الإيجاد بمعاونة قدرة الله تعالى، فلا يجتمع القدرتان المؤثرتان بالاستقلال، و لا يلزم تماثل القدرتين؛ لأن المماثلة بالمساواة من وجه يستوي المتماثلان فيه، و إن لم يكن من كل وجه، كما سيأتي في فصل الاستطاعة من الباب الثالث.
              28) و لا يزيد و لا ينقص الإيمان؛ أي التصديق البالغ حد الجزم، و اختاره إمام الحرمين، و الرازي، و الآمدي، و النووي، كما في "شرح السبكي"، و غيره.
              و ليس مشككاً متفاوت الأفراد قوة و ضعفاً، فإنه في التصديق بمعنى العلم، و هو شرط للتصديق بالكلام النفسي، المعتبر في الإيمان، كما في "التعديل"، و "المسايرة"؛ على ما اختاره الأشعري في رواية، و الباقلاني، و كثير منهم؛ كما في "المسايرة"، و غيرها.
              فالتفاوت في العصر الأول بزيادة المؤمنَ به، و بعده، بحسب الكيفيات من الإشراق، و استدامة الثمرات.
              29) و يعتبر إيمان النائي عن العمران تقليداً للمخبر، و اختاره مالك، و الشافعي، و ابن حنبل، و القطان، و المحاسبي، و الكرابيسي، و القلانسي؛ كما في "التبصرة" لعبد القاهر البغدادي.
              30) و الاستثناء في الإيمان، لوجوب اعتبار الحال، و إيهامه الشك، و لو باعتبار المآل، و اختاره الباقلاني، و الأستاذ، و ابن مجاهد؛ كما في "التبصرة البغدادية".
              31) و الشقي في الحال قد يسعد، و بالعكس، و اختاره الباقلاني، كما في شرح السبكي.
              و ينعم الكافر في الدنيا لعدم كونها نقمة في الحال.
              32) و لا يكلف الكافر بنفس العبادات، لعدم مقصود التكليف في الحال، و تقبل توبة اليائس، و اختاره كثير منهم كما في "شرح المقاصد".
              33) و الأنبياء عليهم الصلاة و السلام معصومون عن الصغائر قصداً، و عن الكبائر مطلقاً؛ و اختاره الأستاذ.
              قال النووي: و هو مذهب المحققين من المتكلمين، و المحدثين.
              34) و الذكورة شرط النبوة، و اختاره كثيرٌ منهم.
              و المجتهد يخطئ و يصيب.
              35) و الحق عند الله تعالى واحدٌ، و اختاره المحاسبي، و القطان، و الأستاذ أبو إسحاق، و عبد القاهر البغدادي، و كثير منهم، كما في "الكشف الكبير"، كما سيأتي كله في فصول الباب الثالث، إن شاء الله تعالى.
              36) و تصح إمامة المفضول، و اختاره الباقلاني، و كثير منهم، كما في "المواقف".
              37) و الموت بخلق الخروج للروح، و الإزهاق، لا قطع البقاء؛ فهو وجودي، كما في "التبصرة النسفية"، و اختاره القلانسي، كما في "التبصرة البغدادية".
              38) و الأعراض لا تعاد، و اختاره الإمام القلانسي، و هو إحدى الروايتين عن الأشعري، كما في "المواقف"، كما سيأتي كله في الباب الثالث.
              فهذه خمسون مسئلة خلافية في التفاريع الكلامية، ذهب إليها جمهور الحنفية الماتريدية، و خالفهم فيها جمهور الأشاعرة، يفصل إن شاء الله تعالى في محله، كل منها بنقله، و دليله المستفاد، من كلام الإمام في كتبه بأحد وجوه الاستفادة من: العبارة، و الإشارة، و الدلالة، و الاقتضاء، و من مفهوم المخالفة، فإنه معتبر أكثريا في الرواية عندنا، كما في "حدود النهاية شرح الهداية".

              تعليق

              • حماد محمد الشنقيطي
                طالب علم
                • Feb 2010
                • 252

                #8
                الْبَابُ الْأَوَّلُ: "فِي وُجُوبِ مَعْرِفَةِ اللهِ تَعَالَى"، بالاستدلال، "وَ" بيان "الْإِيمَانُ الْإِجْمَالِيُّ بِهِ" تعالى:
                قدمه في "الفقه الأكبر"، و "الأبسط"، لكونه أصل الاعتقادات، و لما كان تمام العلم بالأدلة، و كان المبحوث عنه في الباب ثابتاً بالحديث المشهور، الكاشف عن الأصول الاعتقادية لأهل السنة، الوارد في السنة العاشرة، قبل حجة الوداع، باستفسار جبريل عليه السلام بمحضر الصحابة، عن خير البرية، لكفايتهم في المهمات، لما امتثلوا النهي عن إكثار السؤالات، و لكون البيان بالسؤال و الجواب أثبت في الطويات، آثره على الدليل العقلي، و قدمه، تنبيهاً على أصل أهل السنة، من الأخذ من الكتاب، و السنة.
                19. "قَالَ فِي "الْفِقْهِ الْأَبْسَطِ"، و المسند بتخريج أبي يوسف، و محمد، و الحارثي، و طلحة، و ابن خسرو البلخي، و الأنصاري، و الكلاعي: عنه.
                أنه قال: "حَدَّثَنِي عَلْقَمَةَ بْنَ مَرْثِدٍ"، بالمثلثة، الكوفي، الحضرمي، روى عن عطاء، و سليمان، و عبد الله بن بريدة، و أمثالهم؛ و روى عنه: الثوري، و أمثاله.
                "عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرٍ"؛ وِزان "ينصر"، أبي سليمان البصري، من فقهاء التابعين، سمع: ابن عباس، و ابن عمر، و أبا الأسود الدؤلي.
                "عَنْ" أبي عبد الرحمن، "عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ"، رضي الله عنهما، من فقهاء الصحابة، و زهادهم.
                "أَنَّهُ قَالَ"، مؤكداً للخبر، ببيان الحال؛ "كُنْتُ إِلَى جَنْبِ رَسُولِ اللهِ r"، لقرب منزلته عنده.
                "إِذْ دَخَلَ عَلَيْنَا رَجُلٌ"، في الصورة، و التنوين للتعظيم، لأنع عُلِمَ حين الرواية ، أو للتنكير، فهو حكاية حال ماضية، و التصور بصور الرجل، بانضمام الأجزاء، و تكاثفها، فيصير على قدر الرجل، و هيئته، ثم يعود إلى هيئته الأصلية؛ كما قال الإمام البلقيني، و غيره.
                دون إفناء الزائد من خلقه، و إعادته، كما قال إمام الحرمين.
                أو عدم رؤيته الزائد منه، كما قال اللاري، لعدم الدليل عليه.
                20. و رواية النسائي: "في صورة دحية الكلبي"؛ يخالفها جميع الروايات.
                "حَسَنُ اللِّمَّةِ"، بكسر اللام، و تشديد الميم: الشعر الذي يلمّ بالمنكب؛ "مُتَعَمِّماً"، للتأدب؛ "نَحْسَبُهُ مِنْ رِجَالِ الْبَادِيَةِ"، إذ لا يعرف من البلدتين؛ "فَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ"، إلى مجلس رسول الله r؛ "فَوَقَفَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ" عليه الصلاة و السلام، و في حكاية الحال مع التأكيد للمقال، بيان لاستكمال الآداب لأولي الألباب.
                "فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا الْإِيمَانُ؟" سائلاً عن شرح ماهيته، لا شرح لفظه، أو حكمه؛ فأن أصل "ما"، إنما يسأل بها عن الماهيات.
                و هو في اللغة مطلق التصديق، من "آمن"، وِزان أفعل، لا فاعل، و لا لجاء في مصدره فعال.
                و همزته للتعدية، كأن المصدّق جعل الغير آمناً من تكذيبه؛ أو للصيرورة، كأنه صار ذا أمن من أن يكذبه غيره.
                و لتضمين معنى الاعتراف، و الإذعان، تعدى بالباء.
                و في الشرع إجمالاً: تصديقٌ، و إقرارٌ بما علم بالضرورةِ مجيء الرسول به.
                و لذا "قَالَ"، مجيباً له عن ماهيته، مع بيان متعلقه من المؤمن به، عند الإجمال، من وجه لحصول شرح الماهية في ضمنه، و لكونه الأحق بالتعليم.
                هو "«شَهَادَةُ"، أي إقرارٌ، و تصديقٌ.
                لأنه في اللغة: قول صادرٌ عن علمٍ حصل بمشاهدةِ بصرٍ، أو بصيرةٍ، كما في "المفردات".
                سواءٌ كان الإقرار بلفظ "أشهد"، أو "شهدت"، أو "آمنت"، أو "أعلم"، أو "علمت"؛ أو بغير العربية مع إحسانها، أو بترك الفعل.
                21. كما دل عليه قوله عليه الصلاة و السلام: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ، حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ».
                فلم يثبت التعبد من الشارع بلفظ: أشهد "أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ".
                و الوقل الجامع، المندفع عنه الموانع في معناها؛ أنه لا معبود، مستحق للعبادة، إلا الواجب لذاته في الواقع؛ كما في "الأطول"، للفاضل عصام الدين.
                حيث ينفي استحقاق العبادة، و الألوهية عن جميع ما سوى الواجب لذاته في الواقع، نفياً عاماًّ للوجودِ، و الإمكان، مفهوماً من الإطلاق.
                و يثبت الوجود له تعالى بطريق البرهان، لاستلزام الوجوب، و كذا استحقاق العبادة و الألوهية للوجود، و يرد خطأ المشرك، و المعطل، و معتقد الإمكان؛ فإنها كلمة جامعة، صرات من الكل مدار الإيمان.
                و يناسب ما ذهب إليه جمهور الأئمة الحنفية، و محققو علماء العربية، من إثبات حكم المستثنى بطريق الإشارة، بأن إخراج المستثنى قبل الحكم، لئلا يتناقض، ثم حكم بالنفي مثلا على الباقي، إشارة إلى أن الحكم في المستثنى خلاف حكم الصدر.
                و يفيد جوازه إبدال لفظ الباري، و الرازق، و الرحمن، و المحيي، و المميت، من الأعلام المختصة بالواجب تعالى، كما قال الهيتمي.
                و لا يظهر منعه،كما ظن، و لا يرد عليه ما يرد على المشهور من تقدير الموجود، أنه إن أريد المعبود مطلقاً، لم يستقم نفيه لوجوده، و إن أريد المعبود بالحق، لم يستقم استثناؤه، لكونه استثناء الكل من الكل، و لا يحتاج إلى الرفع، بأن الإله كلي، انحصر نوعه في الشخص.
                و الله علم شخصي، فهو حصر الكل في الفرد الكلي، رداًّ لاعتقاد المشركين عدم الانحصار فيه.
                و ما يرد عليه من أن العلم الشخصي ما وضع لشيء بشخصه، فلا يجري في اسم الله تعالى، لعدم ملاحظته بشخصه حين الوضع، و لعدم العلم بالوضع،كذلك للمخاطبين.
                و إنما يفهم منه معين، مشخص في الخارج، بعنوان منحصر فيه، فلا يحتاج إلى الدفع بأن المراد بالشيء بشخصه كونه معيناً، بحيث لا يحتمل التعدد بحسب الخارج، و لا يطلب منع العقل عن تجويز الشركة فيه، و أن الواضع هو الله تعالى.
                و ما يرد عليه: أنه و إن كان للفرد الموجود منه، فلا يحصل في عقولنا، غلا بمفهوم الواجب لذاته، و المتصف به محتمل التعدد، كالإله بحق؛ فلا يحصل باستثنائه إثبات ما هو المطلوب على وجه يفيد التوحيد.
                و لا يرد ما ظن، أن "إلا"، لو حمل على الاستثناء، يصير التقدير: "لا إله، يستثنى منهم الله"، فيكون نفياً لآلهة، يستثنى منهم الله.
                و لا يكون نفياً لآلهة، لا يستثنى منهم الله، بل إثباتاً لها عند القائل بمفهوم المخالفة، فهو بمعنى "غير"؛ فإن الاستثناء ليس وصفاً.
                و على تسليمه، فهو كاشف للزومه، فلا تخصيص، و لا مفهوم مخالف مع أنه لم يعتبره كلياًّ من علماء العربية، غير أبي عبيد.
                و أن "لا" لنفي الجنس، و الجنس من حيث هو شامل لجميع الأفراد، فيكون نفياً لجميع أفراد جنس الآلهة، التي يستثنى منهم الله، و لا يبقى شيء من الآلهة لا يستثنى منهم الله، حتى لا تكون منفية، أو مثبتة.
                و لذا ذهب أبو البقاء، و غيره إلى كونها للاستثناء، و أنه لو حمل على غير يكون المعنى عفى نفي المغايرة، و ليس مقصوداً.
                و لذا، لم يجز كون الاستثناء مفرَّغاً، واقعاً موقع الخبر؛ لأن المعنى على نفي استحقاق العبادة، و الألوهية، عما سوى الله تعالى، لا على نفي مغايرة الله سبحانه عن كل إله، و لا أن يكون خبراً لـ "لا"، مع اسمها، باعتبار كونهما في موضع رفع بالابتداء عند سيبويه، لفوات المقصود.
                فهو بدل من اسم، لا على المحل؛ كما ذهب إليه الجمهور.
                و لا يرد عدم صلاحية الحلول محل الأول، لعدم اشتراطه عند المحققين، و لذا جوزوا البداية في قوله تعالى: ﴿وَ جَعَلُوا للهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾؛ و قولهم: "أكل الأرغفة جزءاً منها".
                و يجوز أن يكون بدلاً من الضمير، المستكن في الخبر المحذوف، الراجع إلى اسم "لا"، أو بدلا من الاسم، مع "لا"، فإنهما كالشيء الواحد، كما قالوا؛ فتكون من بدل الكل من الكل لفظاً؛ فلا يرد أنه ليس من أقسام البدل.
                و لا يرد عدم استقدام البدلية، لأن البدل هو المقصود بالنسبة، و النسبة إلى المبدل منه سلبية، لأنها إنما وقعت النسبة إلى البدل بعد النقض بـ "إلا"، على طريق الإشارة.
                "وَ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ"، إلى الخلق، لهدايتهم، و تكميل معاشهم، و معادهم؛ المؤيد بالمعجزات، الدالة على صدق دعواه، و هي بالغة ألفاً، كما بينها الزاهدي في "المجتبى"، و غيره.
                و أعظمها القرآن الكريم، المعجز للثقلين ببلاغته، العظيم الشان، و فصاحته الباهر البرهان، الباقي على مر الزمان، الناسخ دينه لجميع الأديان.
                و فيه إشارة إلى مسائل:
                الأولى: أن في الإطلاق إشارة إلى عموم رسالته للثقلين، و لا يعم الملك، كما صرح به الحليمي، و نقله البيهقي.
                و في تفسير الرازي، و البرهان النسفي: عليه الإجماع.
                فلا بد من التصريح بالعموم في إيمان من خصها بالعرب من أهل الكتابين، كما لا بد في إيمان منكر بعض الضروريات من الأحكام من التصريح بحقية ما أنكر، كما في "الفتح المبين".
                الثانية: أن في الوصف بالعبودية في رواية الفقه الأبسط، المراد بها كمال العبودية.
                و الانقياد، المستفاد من الإضافة للعهدية في مقام التوصيف، إشارة إلى عصمته عن جميع الكبائر، و من الصغائر عمداً.
                22. و تابعه فيه مالك، و مسلم، و الترمذي، و أبو داود، و النسائي.
                الثالثة: أن في البيان إشارة إلى اشتراط مجموع الشهادتين، في الإيمان؛ فلا يكفي الأول، كما ظن، قيل: و لا الآخر.
                "وَ تُؤْمِنَ" منزَّل منزلة الصدر، بقرينة العطف، فالناصب محذوف.
                "بِمَلَائِكَتِهِ"، و أنهم أجسام نورانية، مبرأة عن الكدورات الجسمانية، و الذكورة، و الأنوثة؛ قادرون على التشكل بالأشكال المختلفة، سفراء الله تعالى إلى أنبيائه، صادقون في تبليغ أحكامه.
                عباد الله، لا كما زعم المشركون من تألههم؛ مكرمون، لا كما زعم اليهود من تنقيصهم؛ لا يعصون الله ما أمرهم، و يفعلون ما يؤمرون.
                و تاؤه لتأنيث الجمع، أو المبالغة جمع ملك على غير قياس، أو ملأك، من الألوكة، أي الرسالة، فخفف بالنقل و الحذف؛ و في صيغة الكثرة إشارة إليها.
                23. كما ورد: «مَا مِنْ مَوْضِعِ قَدَمٍ فِي السَّمَاءِ، إِلَّا وَ فِيهِ مَلَكٌ رَاكِعٌ، أَوْ سَاجِدٌ؛ ﴿وَ مَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾».
                "وَ كُتُبِهِ"، بأنها كلام الله تعالى، أنزلت على بعض رسله، بألفاظ حادثة على لسان الملك، أو نقوش في ألواحٍ، دالةٍ على كلامهِ الأزليِّ، القائم بذاته تعالى.
                فإنه أنزل منها: عشر من الصحائف على آدم عليه السلام، و خمسون على شيث، و ثلاثون على إدريس، و عشرة على إبراهيم، و التوراة على موسى، و الزبور على داود، و الإنجيل على عيسى، و الفرقان على محمد عليه و عليهم الصلاة و السلام.
                "وَ رُسُلِهِ" إلى عباده لهدايتهم إلى الحق، و تكميل معاشرهم، و معادهم؛ و هم مائة ألف، و أربعة و عشرون ألفاً؛ المبلغون لأحكامه، المعصومون عن مخالفة أمره بارتكاب كبيرة مطلقاً، و كذا صغيرة عمداً.
                و فيه إشارات إلى مسائل:
                الأولى: أن المراد بالرسل هنا الأنبياء على الترادف، فإنه أحد استعماليه، كما في "الشفاء".
                24. على ما بينه رواية "النبيين" هنا، فيما أخرجه ابن عساكر: عن عبد الرحمن بن غُنم الأشعري.
                لوجوب الإيمان بالجميع.
                الثانية: أن المراد بهم البشر، كما دل الإضافة العهدية، إذ لم يكن من الجن نبي؛ كما ذهب إليه الجمهور.
                و حملوا قوله تعالى: ﴿يا معشر الجن و الإنس ألم يأتكم رسل منكم﴾[الأنعام:100]، على ما يعم الواسطة؛ و قالوا: رسلهم رسل البشر، كما دل قوله تعالى: ﴿فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين﴾[الأحقاف:29]؛ و قوله: ﴿إنا سمعنا كتاباً أنزل من بعد موسى﴾[الأحقاف:30]، لأن ظاهرها أنهم كانوا يهوداً، و لذا لم يقولوا من بعد عيسى، مع تأخره، كما قال السهيلي، و غيره.
                و لا من الملك، و ما ورد من الرسالة فيهم، فهو محمول على المعنى اللغوي، كما في الحواشي النسفية، لعصام الدين، و غيرها.
                الثالثة: أن في إجمال عدد الكتب و الرسل، إشارة إلى كفايته في مقام الإجمال.
                "وَ لِقَائِهِ"، أي رؤيته في الآخرة، بمعنى الانكشاف التام بالبصر، بلا مقابلة، و لا مسافة بينه تعالى و بين المؤمنين، الرائين، على ما فسره الأئمة.
                و في "المقاصد": أن النظر الموصول بـ "إلى"، إما بمعنى الرؤية، أو ملزوم لها، أو مجاز متعين فيها؛ و كذلك اللقاء، بشهادة النقل و الاستعمال، و العرف.
                25. و وافقه في رواية "اللقاء"، مالك، و البخاري، و مسلم، و أبو داود، و النسائي: عن أبي هريرة، و أبي ذر.
                و تفسيره بالحساب، أو الانتقال إلى دار الجزاء، كما ظن؛ صرفٌ عن الظاهر.
                و مستدرك بقوله: "وَ الْيَوْمِ الْآَخِرِ"، من أيام الدنيا، أو آخر الأوقات المحدودة، و هو من بوم الموت إلى آخر ما يقع في القيامة من سؤال الملكين، و نعيم القبر، أو عذابه، و البعث، و الجزاء، و الحساب، و الميزان، و الصراط، و الجنة، و الخلود فيها، و النار، و خلود الكفار فيها؛ كما ذكره جمهور الشراح.
                26. على ما بينه ما ورد في رواية عمر بن الخطاب t: «و تؤمن بالبعث بعد الموت، و تؤمن بالجنة، و النار، و الميزان»؛ رواه البيهقي في "البعث"، و أبو القاسم اللالكائي في "كتاب السنة".
                27. و في رواية عبد الرحمن بن غُنم الأشعري: «و بالموت، و الحياة بعد الموت، و الحساب، و الميزان، و الجنة، و النار»؛ رواه ابن عساكر.
                28. و كذا في رواية للبخاري، و غيره: عن أبي هريرة.
                فـ "اليوم"، مجاز عن الوقت الممتد، الكثير، كما في التيسير؛ من قوله تعالى: ﴿يوم تأتي السماء بدخان مبين﴾[الدخان:10]؛ كما يتجوز به عن الوقت اليسير، كقوله تعالى: ﴿و من يولهم يومئذ دبره﴾[الأنفال:16]، مجازاً مشهوراً، كما في الأصول.
                "وَ الْقَدَرِ"، أي و أن تؤمن بتقدير الأشياء، أي بأن الله تعالى قدر الخير و الشر قبل خلق الخلائق، و أن جميع الكائنات متعلق بقدره.
                و هو عند السلف: من الصفات المتشابهة.
                و عند المتأخرين من الماتريدية: يرجع إلى صفة الفعل، لكونه بمعنى جعل كل شيء على ما هو عليه، كما في "الإرشاد"، و "التبصرة".
                و عند الأشاعرة: القضاء، هو الإرادة الأزلية، المقتضية لنظام الموجودات، على ترتيب خاص، و القدر تعلق تلك الإرادة بالأشياء، في أوقاتها المخصوصة؛ و هو تفصيل قضائه السابق، بإيجادها في المواد الجزئية، المسماة بلوح المحو و الإثبات؛ كما ذكره البيضاوي، في "شرح المصابيح"، و غيره.
                "خَيْرِهِ وَ شَرِّهِ"، بدل الكل من الكل، و الرابطة بعد العطف، و فيه توضيح مع التأكيد، لتكرير العامل، مفيد للتعميم؛ "مِنَ اللهِ تَعَالَى»" أو كائناً منه بعلمه، و قضائه.
                "فَقَالَ" السائل: "صَدَقْتَ" فيما قلت، و بلغت؛ "فَتَعَجَّبْنَا مِنْ تَصْدِيقِهِ رَسُولَ اللهِ" r، لأن كلامه يدل على خبرته بالمسئول عنه؛ و كذا تصديقه "مَعَ جَهْلِ أَهْلِ الْبَادِيَةِ" بالأحكام الدينية، فساغ التعجب، و هو انفعال النفس من الشيء، الذي وقع خارج العادة.
                "فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا شَرَائِعُ الْإِسْلَامِ؟"
                "الشريعة" في الأصل: المورد إلى الماء؛ نقل إلى الأحكام الجزئية، التي يتهذب بها المأمورون معاشاً، و معاداً، لكونها مورداً لما هو سبب الحياة الأبدية، سواء كانت منصوصةً من الشارع، أو راجعة إليه؛ و لذلك قال تعالى: ﴿لكل جعلنا منكم شرعة و منهاجا﴾[المائدة:48].
                و النسخ، و التبديل يقع فيها، و يتجوز فيطلق على الأصول الكلية إطلاقاً شائعاً.
                و الإسلام في الأصل: الطاعة، و الانقياد، فيلازم باعتباره الإيمان، نقل إلى الانقياد في الأعمال الظاهرة، و مشروعيتها تلازم الإيمان؛ و من ثم كان نسبة الإسلام إليه، كالظهر مع البطن، و لم يعتبر بدونه.
                29. و رواية «الشرائع» عنه، خرجها الإمامان أبو يوسف، و محمد، و الحارثي، و ابن عبد الباقي الأنصاري، و طلحة بن محمد، و الكلاعي، و ابن خسرو البلخي: في مسانيد الإمام، و هم أئمة الحديث، و ثقات المقام.
                فلا يصح ما ظن أنه لم يصح عن أحد من أئمة الحديث، و المسئول عنه الأصول، دون جميع الجزئيات، بدلالة مقام السؤال، فينطبق على ما بينه الرسول.
                "فَقَالَ: «إِقَامُ الصَّلَاةِ"، أي المكتوبة.
                30. على ما بينه رواية مسلم.
                أي الإتيان بها، محافظاً على أركانها، و شروطها، من التقويم، و التعديل؛ و المدوامة عليها؛ من "الإقامة"، أي الملازمة، و الاستمرار، و حمله على من يقوم إليها، أو يقيم لها من الإقامة، أخت الأذان، كما ظن، بعيد لغةً، و معنىً.
                و "الصلاة" في الأصل، الدعاء بخير، نقل إلى أفعال، و أقوال مخصوصة، غالباً، مفتتحة بالتكبير، مختتمة بالتسليم كذلك؛ فدخلت صلاة الأخرس، و المومئ.
                و قد يطلق على الأصل، فيصير مجازاً عرفياًّ، تشبيهاً للداعي في تخشعه بالمصلي.
                و قيل: مأخوذة من الصَّلا، و هو عرق متصل بالظهر، يمتد من عرقين في الوركين، يقال لهما الصلوان؛ لأنهما يتحركان إذا ركع المصلي، و سمي ثاني خيل السباق مصلياًّ، لإتيانه مع صلوى الساق.
                "وَ إِيتَاءُ الزَّكَاةِ"، هي لغة: النماء، و التطهير، نقل إلى المخرج من الأنعام، و النقدين، و الحبوب؛ لأنه إنما يؤخذ من نام ببلوغه النصاب، مطهر من الخبائث المعنوية.
                "وَ صَوْمُ"، في الأصل: مطلق الإمساك، نقل إلى إمساك مخصوص، الفرض منه في شهر.
                "رَمَضَانَ"، سمي به لأنهم لما أرادوا وضع أسماء الشهور، وافق اشتداد حر الرمضاء فيه، كما قيل، لكنه مبني على كون اللغات توقيفية، و الأصح خلافه.
                31. و قد روى الديلمي، و أبو الشيخ: عن أنس: عن عليه الصلاة و السلام، أنه قال: «سُمِّيَ رَمَضَانَ، لِأَنَّهُ يُرْمِضُ الذُّنُوبَ».
                32. و في رواية مسلم: «وَ تَصُومُ رَمَضَانَ».
                و فيه دليل على عدم كراهة إطلاقه، و أنه ليس من أسمائه تعالى، كما ظن.
                33. و ما ورد في حديث ضعيف، من إطلاقه عليه تعالى، مؤول.
                34. كما في قوله: «فَإِنَّ الدَّهْرَ، هُوَ اللهُ».
                "وَ حَجُّ الْبَيْتِ" الحرام، أي قصده بأعمال مخصوصة، في وقت مخصوص.
                "مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً"، أي طريقاً، تمييز عن نسبة الاستطاعة، و أخر عن الجار، ليكون أوقع.
                و المراد الاستطاعة المجازية، من سلامة أسبابه من الزاد، و الراحلة الوسط، و سلامة الآلة، و من أمن طريق غالب في حق الآفاق.
                ففيه إشارة إلى أنه بالعجز عما ذكر -و إن قدر على المشي- لا يكون مستطيعاً، و إلى أنه يسقط عنه بعدم الاستطاعة، بخلاف نحو الصلاة و الصوم.
                "وَ الْاِغْتِسَالُ" لجميع أعضائه، عند قدرة استعمال الماء، لسقوطه إلى بله عند عدمها، "مِنَ الْجَنَابَةِ»"، المؤدية إلى تعفن البدن المؤذي للملائكة؛ كما في الشفاء.
                سميت بها، لكونها سببا لتجنب الصلاة في حكم الشرع؛ كما في المفردات.
                و ذكره في المقام لمزيد الاهتمام، فإنه بقية من دين إبراهيم، على نبينا و عليه أفضل الصلاة و السلام؛ كما في شرح الجامع الصغير للمناوي.
                و لتوقف الصلاة، و تمام الحج عليه.
                35. و تابع في رواية الاغتسال عن الجنابة، أبو داود، و الترمذي، و الدارقطني، و ابن حبان: عن ابن عمر.
                36. و التاج السبكي: عنه، و عن ابن مسعود.
                37. و البيهقي، و اللالكائي: عن عمر t.
                و في أكثر الروايات، ذكر بدله "الشهادة"، لكنها دخلت في الإيمان، فلم تذكر في بيان الإسلام، في حديث أبي هريرة، و أبي ذر رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
                "فَقَالَ:" السائل: "صَدَقْتَ، فَتَعَجَّبْنَا"، و استمر، و زاد تعجبنا "لِتَصْدِيقِهِ رَسُولَ اللهِ"، في بيان المسئول عنه؛ "كَأَنَّهُ" أي السائل "يُعَلِّمُهُ"، مع خفائه على أهل البادية.
                "فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَ مَا الْإِحْسَانُ؟" أي الإيقان، و الإتقان في الإيمان، و الإسلام؛ كما في شرح مسند الإمام.
                لدلالة سياق الكلام عليه، و كونه معهوداً بينهم، لذكره في الآيات الكثيرة، نحو قوله تعالى: ﴿بلى من أسلم وجهه لله و هو محسن﴾[البقرة:122]، ﴿إن الله يحب المحسنين﴾[البقرة:195]، ﴿هل جزاء الإحسان إلا الإحسان﴾[الرحمن:60]، كما في "الفتح المبين".

                تعليق

                • حماد محمد الشنقيطي
                  طالب علم
                  • Feb 2010
                  • 252

                  #9
                  و لذا حمل عليه الرسول عليه الصلاة و السلام، "قَالَ" مجيباً: "«أَنْ تَعْمَلَ للهِ"، يعم بإطلاقه عمل القلب و الجوارح.
                  38. و تابعه التاج السبكي فيه.
                  39. و في رواية للبخاري: عن أبي هريرة؛ و لأبي داود الطيالسي: عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهم: «أن تخشى الله».
                  "كَأَنَّكَ تَرَاهُ"، أي مستحضراَ كونك بين يدي الحق، ليسكب ذلك كمال العبادات، و الإعراض عن العادات.
                  "فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ"، في هذه النشأة، للقصور، فلا تغفل، "فَإِنَّهُ يَرَاكَ»".
                  فالفاء دليل الجواب، و تعليل الجزاء، لأن ما بعدها لا يصلح للجواب، لكون رؤيته للعبد حاصلة مطلقاً.
                  ففيه إشارات إلى مسائل:
                  الأولى: أنه ليس الشرط على ظاهره، لكونه في متحقق، و لكون الحكم أولى بالنسبة إلى النقيض، فهو للتهييج للاستحضار المذكور في كل حال.
                  الثاني: أن فيه إشارة خفية إلى عدم وقوع رؤية الله تعالى في الدنيا، و هذا في حق الأمة، و أما في حق الرسول في المعراج ، فمختلف فيه.
                  40. و قد صرح بذلك رواية مسلم: عن ابن عمر رضي الله عنهما، أنه عليه الصلاة و السلام قال: «لَنْ يَرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رَبَّهُ حَتَّى يَمُوتَ».
                  41. و رواية ابن ماجة، و الطبراني: عن أبي أمامة: عنه عليه الصلاة و السلام، أنه قال: «لَنْ تَرَوْا رَبَّكُمْ حَتَّى تَمُوتُوا».
                  الثالثة: أن النفي بـ "لن"، لكون لنفي وقوع الممكن، كـ "زيد لن يقوم"، بخلاف "لا"، كـ "الحجر لا يطير"، إشارة إلى إمكان رؤية الله تعالى في الدنيا؛ و لذا سألها موسى على نبينا و عليه أفضل الصلاة و السلام، إذ لا يجوز أن يسأل نبي ما لا يجوز على الله تعالى، لاستلزامه الجهل بالله سبحانه و تعالى.
                  و اختلف في رؤيته ، كما في الشفاء.
                  "فَقَالَ: صَدَقْتَ؛ قَالَ" السائل: "فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ"، المذكور من الأمور، "فَأَنَا مُحْسِنٌ؟" أي موصوف بالإيقان في الإيمان، و الإتقان في الإسلام، محكوم به في تلك الحال عند الله، و عند الناس، كما دل عليه الإطلاق؛ "قَالَ" الرسول عليه الصلاة و السلام: "«نَعَمْ»"، إذن أنت موصوف بذلك؛ "فَقَالَ: صَدَقْتَ" فيما قلت، و بلغت.
                  42. و تابع أبو بكر البزار، فرواه: عن أنس، بلفظ: فإذا فعلت ذلك، فقد أحسنت؟ قال: «نعم».
                  و في الإطلاق إشارة إلى أنه يقول: أنا مؤمن، أنا مسلم من غير استثناء، فإن المحسن يشملهما.
                  43. و قد ورد التصريح بهما، في رواية أحمد بن حنبل، و أبي داود الطيالسي ، و البهقي في "البعث"، و اللالكائي في "السنة": عن عمر رضي الله تعالى عنه، بلفظ: فإذا فعلت هذا، فأنا مؤمن؟ قال: «نعم».
                  44. و عقيب بيان الإسلام: فإذا فعلت هذا، فأنا مسلم؟ قال: «نعم».
                  45. و في رواية ابن عساكر: عن أبي موسى الأشعري، و عبد الرحمن بن غُنم الأشعري؛ و الطبراني، و ابن مندة: عن ابن عمر رضي الله عنهما؛ و البزار: عن أنس: كذلك.
                  فقد روَى ترك الاستثناء في الإيمان، و الإسلام خمسةٌ من الصحابة الأعلام، و ذلك في مقام تعليم معالم الدين، آكد دليل على عدم جوازه عند المسترشدين، فإنه و إن أول فقد أوهم خلاف اليقين.
                  و في تخصيص المذكورات من سائر الضروريات، تنبيه على أنها معظم شعائر الإسلام، بها يتم الاستسلام، و ليس لاستيفاء أفراد الأحكام.
                  و في إيراد الأفعال المضارعية في الإيمان، و الإحسان، تنبيه على الاستمرار التجددي في جميع الأركان.
                  "فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَتَى السَّاعَةُ؟" أي وقت قيامها، سميت القيامة بها، مع طول زمنها، اعتباراً بأول أزمنتها، فإنها تقوم بغتة في ساعة؛ حتى إن من تناول لقمة لا يمهل حتى يبتلعها، و الساعة جزء غير معين من الزمان، كـ "الآن".
                  "فَقَالَ" رسول الله: "«مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا"، أي الساعة، من حيث وقتها، فإنه كما يقال: "سألت زيدا المسئلة"، يقال: "سألته عنها"؛ و هو الاستعمال الأكثر.
                  فلا يرد: أن حق الظاهر أن يقال: "ما المسئول عنه"، ليرجع الضمير إلى اللام.
                  "بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ"؛ لاستوائنا في عدم العلم، بوقت قيامها، إنما علمها عند ربي، و بيانه في الاستواء في العلم، بأنه مما استأثر الله تعالى به، كما ظن ليس مفهوم الكلام، و غير لازم في المقام، فإن الأنبياء لا يعلمون من الغيب إلا ما علمهم الله تعالى، و وقت الساعة ليس منه، و لذا أكد النفي بزيادة الباء.
                  46. و في "فتح الباري"، و غيره: روى الحميدي: عن سفيان: عن مالك بن مغول: عن إسماعيل بن رجاء: عن الشعبي: أن عيسى عليه الصلاة و السلام سأل جبريل عن ذلك، فانتفض بأجنحته، فقال: "ما المسئول عنها بأعلم من السائل".
                  فسؤاله ليظهر للحاضرين بجواب الرسول، أنه لا يعلم، و أنه لا يجاب عما لا يعلم؛ و أنه لا يستنكف من قول "لا أدري"؛ فإنه نصف العلم.
                  "وَ لَكِنْ لَهَا أَشْرَاطٌ"، جمع شرط؛ بالفتح، العلامة.
                  و المراد علاماتها الدالة على قربها: من كون أسعد الناس بالدنيا لكع ابن لكع، أي لئيم ابن لئيم، و أن توضع الأخيار، و ترفع الأشرار، و تملك أهل البادية أهل الحاضرة بالغلبة، و تشييدهم المباني، و كثرة السراري.
                  و علاماتها الدالة على غاية قربها: من قيام المهدي، و كثرة الهرج، و خروج الدجال، و نزول عيسى عليه الصلاة و السلام، و فيض المال حتى لا يقبله أحد، و انحسار الفرات عن جبل من ذهب، و خروج دابة الأرض، و يأجوج و مأجوج، و طلوع الشمس من مغربها، و غير ذلك مما بين في الأحاديث الصحيحة؛ و يفصل في الخاتمة إن شاء الله تعالى.
                  "فَهِيَ مِنَ الْخَمْسِ الَّتِي اِسْتَأْثَرَ اللهُ تَعَالَى"، أي تفرد "بِهَا" دون غيره، و فيه إشارة إلى إبطال التنجيم، و الكهانة، و نحوهما.
                  "فَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ"، أي علم وقت قيامها عند الله تعالى، لا يعلمه غيره؛ فإياكم أن تأتيكم بغتة، و أنتم مغترون بالحياة الدنيا.
                  "وَ يُنَزِّلُ الْغَيْثَ" أي للوقت الذي يعلم الصلاح في إنزاله فيه لعباده، و بلاده.
                  "وَ يَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ" ذكر أم أنثى، حي أم ميت، و ما صفاته، و وقت ولادته.
                  "وَ مَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً"، أي ما يعمل في مسقتبل العمر من خير أو شر.
                  "وَ مَا تَدْرِي نَفْسٌ بَأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ" أي بأي بلد، أو قوم؛ و في نسبة العلم إلى الله تعالى، و الدراية إلى العبد إيذان بأنه إن أعمل حيلته، و بذل وسعه في تعرف ما هو لاحق به من كسبه، و عاقبته، لا يدركه؛ فكيف بغيره مما لم ينصب له دليل عليه.
                  "إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾[لقمان:34]»"؛ هو العالم بظواهر الأشياء، و بواطنها، بتفاصيلها، و جملها، ما كان و ما يكون.
                  "فَقَالَ: صَدَقْتَ"، في كل ما بلغت.
                  "ثُمَّ قَفَّى"، بتشديد الفاء، أي ولى.
                  "فَلَمَّا تَوَسَّطَ النَّاسَ"، أي بلغ وسط مجتمعهم.
                  "لَمْ نَرَهُ؛ فَقَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَ السَّلَامُ: «إِنَّ هَذَا" السائل آنفا، "جَبْرِيلُ"، أعظم الملائكة قدراً، سفير الوحي، و هو اسم أعجمي سرياني، معناه عبد الله.
                  و فيه إشارات إلى مسائل:
                  الأولى: أنه تشكل بشكل البشر، و إليه أشار بقوله: «إن هذا جبريل»؛ لكونه جسماً نورانياً في غاية اللطافة، قابلاً له، فتشكل ليراه الحاضرون، و يسمعوا سؤاله و الجواب، و بصورة البشر، إذ الاستئناس بالجنسية التي هي علة الضم .
                  الثانية: أنه لا يطيق أن يراه على صورته الأصلية من البشر إلا من أيده الله تعالى فأطاق؛ و إليه أشار بقوله: "فلما توسط الناس، لم نره"؛ فنفى الرؤية عنهم دون الرسول r، و لذا رآه رسول الله r مرتين على صورته الأصلية.
                  الثالثة: أن الاسم إذا أريد به المدلول عين المسمى، كما أشار البيان، و سيشير إليه الإمام، و لذا أجيب بالمدلولات من المسميات فيما مر، و ليس فيه دليل على كونه غير المسمى، كما ظن، بناء على أنهما لو اتحدا لعلمها جبريل من علمه بأسمائها، فإن سؤاله للتعليم لا للتعلم، و لعدم استلزام العلم بالشيء ترك السؤال عنه للاستكشاف.
                  و نحوه: "أَتَاكُمْ لِيُعَلِّمَكُمْ مَعَالِمَ دِينِكِمْ»" بسبب سؤاله، فنسبة التعليم إليه مجاز، و المعلم حقيقة هو النبي عليه الصلاة و السلام.
                  و المعالم جمع معلم، أي موضع العلم، أطلق على أصول الدين الشامل للإيمان، و الإسلام، و الإحسان.
                  و فيه إشارات إلى مسائل:
                  الأولى: أن تلك الأصول، و الأركان مدار الدين، و بها يعلم اليقين، و إليه أشير ببيان تلك الأصول بـ "معالم الدين"؛ و أن مطلق الدين يشمل الكل.
                  الثانية: أن الإضافة إليهم إشارة إلى ملابسة كونهم المبلغين، و أن الناس يأخذون منهم.
                  الثالثة: كون البيان المذكور شاملاً لجميع ما يرجع إليه الدين من الأمور الاعتقادية، و العملية، لاشتماله على جملها مطابقة، و تفاصيلها تضمناً، و إليه أشار بجمع المعالم.
                  47. و بينه رواية ابن حبان: «يُعَلِّمُكُمْ أَمْرَ دِينِكُمْ».
                  و بيانها بالشرائع، أو مجملها، أو طيرق سؤالها، كما ظن، صرف عن ظاهر بيانها، و تفويت للطائف معانيها.
                  و قد عرفوا "الدين"، بأنه: (وضعٌ إلهيٌّ سائقٌ لذوي العقول، باختيارهم المحمود، إلى الخير بالذات).
                  فقوله "وضع": أي تخصيص كالجنس.
                  و قوله: "إلهي"، احترازٌ عن سائر الأوضاع الصناعية و غيرها.
                  و قوله: "سائق"، احتراز عن الأوضاع الإلهية الغير السائقة، كتخصيصاته تعالى إنبات الأرض، و الأشجار في بعض الأماكن بالأحايين المعينة له.
                  و قوله: "لذوي العقول"، احتراز عن أفعال الحيوانات، المختصة بالأحيان.
                  و قوله: "باختيارهم"، احترازٌ عن الأوضاع الإلهية، السائقة، لا بالاختيار، كالوجدانيات السائقة من هي فيه إلى غايتها.
                  و قوله: "المحمود"، احتراز عن الاختيار المذموم، كاختيار الكفر، فإنه وضع إلهي عند من يقول بخلق أفعال العباد، و إرادة غير الحسن.
                  و قوله: "إلى الخير بالذات"، أي إلى ما وعده الكريم من الكرامات، فالخير حصول الشيء لما من شأنه أن يكون حاصلاً له، أي يناسبه، و يليق به، ثم أشار إلى تعدد طرقه.
                  48. و قال في رواية الحارثي، و الحصكفي: "وَ حَدَّثَنِي بِهِ حَمَّادٌ: عَنْ إِبْرَاهِيمَ: عَنْ عَلْقَمَةَ: عَنْ اِبْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ".
                  فالحديث مشهور، رواه أحد عشر من الصحابة: أمير المؤمنين عمر، و ابن عمر، و ابن مسعود، و ابن عباس، و أبو موسى الأشعري، و أبو عامر الأشعري، و أبو هريرة، و أبو ذر، و أنس، و جرير بن عبد الله، و عبد الرحمن بن غنم الأشعري رضي الله تعالى عنهم؛ و قد رُوِي عنهم من أكثر من اثنين و أربعين طريقاً.
                  و قد مر ما في بعض طرقه من الزيادات، لزيادة ضبط بعض الرواة، و اقتصار البعض على المهمات؛ و فصل تلك المعالم، منبها في الابتداء على ما بين في الكتاب تفصيلاً، لكونه آكد بياناً، و تأصيلاً؛ و أقرب ضبطاً، و تحصيلاً.
                  "وَ قَالَ فِي "الْفِقْهِ الْأَكْبَرِ": فَاعْلَمْ أَنَّ أَصْلَ التَّوْحِيدِ"، أي مبنى التوحيد، و ما يلزم على العبد في الاعتقاد؛ "وَ مَا يَصِحُّ"، و يثبت بالدلائل "الْاِعْتِقَادُ عَلَيْهِ"؛ أي يعتقده العبد، و يصدق جزماً، استدلالاً، أو تقليداً.
                  "يَجِبُ أَنْ تَقُولَ: آَمَنْتُ بِاللهِ"، الواجب لذاته، المبدئ لكل ما عداه، المتصف بصفات الكمال الذاتية، و الفعلية، الراجعة إلى تكوينه الشامل لإرسال الرسل، و إنزال الكتب بالملائكة، و القدر من الخير و الشر، و غير ذلك.
                  "وَ الْيَوْمِ الْآَخِرِ"، من البعث، و الحساب، و غير ذلك مما ثبت في المعاد.
                  و فيه إشارة إلى مسائل:
                  الأولى: أن الإيمان هو الإقرار، و التصديق، كما دل عليه البيان بالشهادة.
                  الثانية: توقف التوحيد عليهما، و كونهما ركنين للإيمان؛ و لذا أكد باعتراض الوجوب المحمول على الشرعي العام في المقام دون الأعم منه، كما ظن؛ إذ لا يتم المشترك.
                  الثالثة: أن من تمكن من الإقرار، و لو سراًّ، و لم يقر لا يكون مؤمناً، و إن حصل له التصديق.
                  الرابعة: أن هذا العلم يسمى بـ "علم التوحيد" أيضاً.
                  "وَ مَلَائِكَتِهِ، وَ كُتُبِهِ، وَ رُسُلِهِ"، قد مر بيانه.
                  و فيه إشارات إلى مسائل:
                  الأولى: أن الأصل في الاعتقاد، هو الإيمان بالمبدإ و المعاد، و أن ما عطف يرجع إلى الإيمان بهما، و لذا قدم الآخر.
                  الثانية: الأخذ بقوله تعالى: ﴿و لكن البر من آمن بالله و اليوم الآخر و الملائكة و الكتاب و النبيين﴾.
                  الثالثة: أن نزول الكتب على الرسل بواسطة جنس الملائكة، و لذا قدمها لا لقوة الإيمان بهم، لكونهم أخفى، كما ظن؛ لأن التفاوت فيه خلاف المذهب، و لا لتقديم الأفضل، إذ الكتب أفضل بالإجماع من الملائكة.
                  الرابعة: أن المذكور أتم بيانا، و أكشف تفصيلاً من بيان كلمتي الشهادة؛ و لذا عقب به في الحديث.
                  "وَ الْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ"، أي بعث الأبدان من القبور، و في التصريح به بعد الإشارة إليه باليوم الآخر، رد على الفلاسفة المنكرين له.
                  "وَ الْقَدَرِ خَيْرِهِ وَ شَرِّهِ"، مر بيانه.
                  كله "مِنَ اللهِ تَعَالَى"، أي بخلقه تعالى، و إرادته، كما بينه.
                  "وَ قَالَ فِي "الْفِقْهِ الْأَبْسَطِ": لَمْ يُفَوِّضِ اللهُ الْأَعْمَالَ إِلَى أَحَدٍ"، تنصيصاً في الرد على القدرية.
                  و فيه إشارات إلى مسائل:
                  الأولى: أن كونه من الله تعالى، بخلقه تعالى، دون مجرد الإقدار و التمكين.
                  الثانية: الأخذ من قول:
                  49. علي رضي الله عنه: "أمر الله تعالى بالخير تخييراً، و نهى عن الشر تحذيراً، و لم يُعص مغلوباً، و لم يُطَع مكرهاً، و لم يُمَلِّك تفويضاً؛ فهو أمر بين أمرين، لا جبر، و لا تفويض؛ و الاستطاعة تملك بالله الذي إن شاء ملك"؛ رواه الأصبهاني، و ابن عساكر.
                  الثالثة: أن الإيمان بالقدر، بمعنى الإيمان بالتقدير للخير و الشر، و عدم تفويض الأعمال إلى العباد، كما زعمه القدرية، لا بمعنى الجبر عليهم، و إليه أشار ببيان القدرية.
                  50. و قد كتب فيه الحسن البصري، إلى الحسن بن علي t، يسأله عن القضاء، و القدر؛ فكتب إليه الحسن بن علي رضي الله عنهما: "من لم يؤمن بقضاء الله و قدره، و خيره، و شره، فقد كفر؛ و من حمل ذنبه على ربه، فقد فجر؛ و إن الله تعالى لا يطاع استكراهاً، و لا يعصى بغلبةٍ، لأنه تعالى مالك لما ملكهم، و قادر على ما أقدرهم؛ فإن عملوا بالطاعة، لم يحل بينهم و بين ما عملوا؛ و إن عملوا بمعصية، فلو شاء لحال بينهم و بين ما عملوا؛ فإن لم يفعل، فليس هو الذي جبرهم على ذلك؛ و لو جبر الخلق على الطاعة، لأسقط عنهم الثواب، و لو جبرهم على المعصية، لأسقط عنهم العقاب؛ و لو أهملهم، كان ذلك عجزاً في القدرةِ، و لكن له فيهم المشيئة التي غيبها عنهم، فإن عملوا بالطاعة، فله المنة عليهم؛ و إن عملوا بالمعصية، فله الحجة عليهم"؛ رواه الهروي في "شرح المشكاة".
                  و أشار إلى تنوير المرام، لمخالفة كثير في المقام؛ بوجهين:
                  الأول: ما أشار إليه بقوله فيه: "وَ النَّاسُ صَائِرُونَ إِلَى مَا خُلِقُوا لَهُ"، يختارون ما خلقوا له، و أريد منهم؛ "وَ إِلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ"، من الختم على سعادة، أو شقاوة.
                  يعني أن الناس صائرون إلى ما أريد منهم من خير و طاعة، أو شر و معصية، و ما جرى به التقدير عليهم، و صارفون اختيارهم إليه البتَّةَ، بلا انفكاك، لاستلزام تخلف المراد عن الإرادة، نقصاً في الربوبية، تعالى عن ذلك علواًّ كبيراً.
                  الثاني: ما أشار إليه بقوله فيه: "وَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ" من المقادير، "لَمْ يَكُنْ" مقدراً على غيرك، "لِيُخْطِئَكَ" إلى غيرك، و إنما هو مقدر عليك؛ إذ لا يصيب الإنسان إلا ما قدر عليه.
                  "وَ أَنَّ مَا أَخْطَأَكَ" منها، "لَمْ يَكُنْ" مقدراً عليك "لِيُصِيبَكَ"، لأنه بان بكونه أخطأك أنه مقدر على غيرك، أي فرغ مما أصابك، أو أخطأك من خير و طاعة، و شر و معصية.
                  فما إصابته لك محتومة، فلا يمكن أن يخطئك، و ما أخطأك، فسلامتك منه محتومة، فلا يمكن أن يصيبك؛ لأنها سهام صائبة، وجهت من الأزل، بحسب ما يقع من اختيارات العباد، فلا بد أن تقع مواقعها؛ و لا تنفعك عما علم الله في الأزل، لاستلزام الانفكاك انقلاب العلم جهلا، تعالى الله عن ذلك علواًّ كبيراً.
                  و فيه إشارات إلى مسائل:
                  الأولى: أنه كتب جميع المقادير، بحسب ما سيقع من اختيارات العباد، و جف القلم به، فلا يقع إلا ما كتب من المقادير؛ و إليه أشار بقوله: "وَ إِلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ".
                  51. "وَ أَوْضَحَهُ، مَا رَوَى اِبْنُ عَبَّاسٍ"، فِي بَعْضِ الطُّرُقِ لِهَذَا الْحَدِيثِ: "«وَ اعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ لَكَ، وَ إِنْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ، لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ»"؛ رواه الترمذي، و ابن مندة، [و البيهقي، و أحمد بن حنبل، و عبد بن حميد، و ابن مردويه: عن ابن عباس رضي الله عنهما .
                  الثانية: أن الناس صائرون بالاختيار إلى ما خلقوا له، و تعلق به العلم الأزلي، دون الجبر، و الاضطرار فيه؛ لأنه إنما يتعلق بالماهية على ما هي عليه في الواقع؛ و إليه أشار بقوله: "صائرون..." إلى آخره؛ و لم يقل: "مضطرون"] .
                  و بينه الإمام في فصل خلق الأعمال: "كتبه في اللوح المحفوظ، بالوصف، دون الحكم؛ أي بأن يفعله العبد باختياره، فإن القدرة، و الإرادة متوقفان على العلم؛ و علمه تعالى، و إن كان فعلياًّ، أي غير مستفادٍ، متبوعاً في الوجود، فهو تابع للمعلوم في الماهية؛ و مطابق له على ما هو عليه من الاختيار العميم؛ فافهمه، فإنه الصراط القويم.

                  تعليق

                  • حماد محمد الشنقيطي
                    طالب علم
                    • Feb 2010
                    • 252

                    #10
                    الثالثة: أن في إيثار صيغة الخطاب، في مقام الإخبار إشعاراً بالتبرك، بلفظ الحديث المشهور عن عشرة من الصحابة: علي، و ابن مسعود، و ابن عباس، و أبي بن كعب، و زيد بن ثابت، و سلمان، و أبي الدرداء، و عبادة بن الصامت، و أنس، و خباب بن الأرت؛ المروي عنهم بأكثر من اثنين و عشرين طريقا.
                    "وَ الْحَسَابُ"، أي استعمال عدد الأعمال، جليلها، و يسيرها بالنسبة إلى الأكثر.
                    لأن الأحاديث تواترت بدخول قوم الجنة بغير حساب، كما قال الحافظ ابن الأثير؛ كما في "شرح المسايرة"؛ و به صرح عبد القاهر البغدادي، و القرطبي، و الغزالي.
                    و هي مخصصة عموم حكم التقسيم في النظم الكريم؛ أو محمولة على رفع حساب المناقشة.
                    ففي "البحر" : "يرفع حساب المناقشة عن الأنبياء، و المبشرين بالجنة، و بعض المؤمنين دون حساب العرض؛ بأن يقال فعلتَ، و عفوتُ؛ فلا يخالف تقسيم القرآن، كما ظن.
                    و من يرفع عنهم الحساب، يرفع عنهم الميزان، كما صرحوا به.
                    "وَ الْمِيزَانُ"، و له كفتان، و عمود، و لسان.
                    52. يزن به جبريل عليه السلام؛ كما روى أبو القاسم اللالكائي في "كتاب السنة"، عن حذيفة بن اليمان.
                    فالموزون صحائف الأعمال، على ما عليه الجمهور.
                    بأن يحدث الله تعالى فيها الثقل، بحسب درجاتها عنده؛ كما في "المسايرة".
                    فتوضع صحائف الحسنات في كفة، و صحائف السيئات في الأخرى، بعد الحساب؛ إظهاراً للعدل، و إظهاراً لشرف بعض المؤمنين، و إعلاماً للفضل، و يكون ميكائيل أمينا عليه، كما في "نوادر الأصول".
                    و في التصريح بهما بعد الإشارة باليوم الآخر، رد على المنكرين من المعتزلة، و الجهمية، و الرافضة؛ و في الإفراد، إشارة إلى أنه ميزان واحدٌ لجميع الأمم، و الأعمال.
                    و ما ورد بصيغة الجمع، فللتعظيم، كما قاله الجمهور.
                    و أن كفتيه كأطباق السماوات و الأرض، كما في "شرح المسايرة".
                    53. "وَ الْجَنَّةُ"، دار الثواب، الحاوية على ثمانية: جنة الفردوس، و هي أعلاها؛ و جنة عدن، و جنة النعمي، و دار الخلد، و دار القرار، و دار الجلال، و جنة المأوى، و دار السلام؛ كما في "التيسير"؛ نقلاً عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.
                    سميت بها، إما تشبيها بجنة الأرض، و إن كان بينهما بون، أي كل بستان ذي شجر يستر بأشجاره الأرض.
                    و إما لستر نعمها، كما أشير إليه بقوله تعالى: ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين﴾؛ كما في "المفردات".
                    "وَ النَّارُ"، دار العقاب، الحاوية على سبع طباق: جهنم، و لظى، و الحطمة، و السعير، و سقر، و الجحيم، و الهاوية؛ كما في تفسير البيضاوي، و ابن عطية.
                    و هو الترتيب الثابت بكثير من الأحاديث المرفوعة، و الموقوفة على أكابر الصحابة رضي الله تعالى عنهم؛ سميت بها للهيبها، البادي للحاسة في الموقف.
                    "حَقٌّ" واقعٌ، "كُلُّهُ"؛ تأكيد للرد على المنكرين للحساب، و الميزان، من تلك الفرق؛ و للمنكرين للجنة، و النار، من المتفلسفة المؤولة.
                    فالجنة، فوق السماوات السبع، و النار تحت الأرضين السبع، كما اختاره الأكثرون؛ و نص عليه الأشعري في "عقائده".
                    "فَإِذَا اسْتَيْقَنَ"، أي صدق، "بِهَذَا أَحَدٌ"، أي بوجود الصانع تعالى، و اليوم الآخر، و ملائكته، و كتبه، و رسله، إلى آخر ما ذكر.
                    "وَ أَقَرَّ بِهِ، فَقَدْ أَقَرَّ بِجُمْلَةِ الْإِسْلَامِ"، تصريح بما أشير إليه من كون التصديق، و الإقرار، ركنين للإيمان تأكيداً له.
                    و إشارة إلى تلازم الإيمان، و الإسلام وجوداً؛ و كون الإيمان مقدماً ذاتاً.
                    و إلى أنه إجمالي بالنسبة إلى التفصيلي، المتعلق بكل حكم، أدرك من الأحكام الشرعية الاعتقادية، و الفرعية المفترض على الكفاية؛ كما صرح به الرازي، و البيضاوي.
                    "وَ هُوَ مُؤْمِنٌ"، أي محكومٌ عليه، و موصوفٌ بالإيمان حالاً، كما بينه الحديث.
                    و فيه إشارات إلى مسائل:
                    الأولى: الرد على من لم يعتبر الحال، و أدخل الاستثناء لذلك.
                    الثانية: أن التصديق المتعبر في الإيمان، استيقان بوجود الصانع تعالى، و اليوم الآخر، و قبول نبوة محمد r، و استيقان به، و التزام على نفسه متابعته في جميع ما أخبر به.
                    و إليه أشار بقوله: "فإذا استيقن بهذا إلى آخره، فيرجع إلى نسبة الصدق إليه قصداً، فهو من جنس كلام النفس، كما هو ظاهر كلام الأشعري؛ كما في "الفتح المبين"، و "المسايرة"، و صرح به الباقلاني، و إمام الحرمين، و الرازي، و صدر الشريعة، في مسألة زيادة الإيمان من التعديل،و الغزالي في "الاعتقاد".
                    و ليس هو التصديق المنطقي، كما ظن؛ لأنه قبول لوقوع نسبة، و لا وقوعها، و بينهما بون بعيد، كما صرح به العلامة الشريف في "حواشي التلويح".
                    الثالثة: أن الأعمال غير داخلة في الإيمان، و إليه أشار بالحكم على المستيقن المقر بالإيمان، و ليس التسليم المفهوم من قوله تعالى: ﴿لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت و يسلموا تسليما﴾[النساء:46]؛ بمعنى التسليم الظاهري بالأعمال.
                    فيكون ركناً ثالثاً كما ظن؛ فإنه مذهب المعتزلة، بل بمعنى ترك الاعتراض الراجع إلى القبول، و التزام المتابعة، فليحفظ المقام، فإنه مما يجب به الاهتمام.
                    ثم أشار إلى الاعتبار الإيمان بما ذكر، من غير معرفة الفرائض، فيمن لم تبلغه تأكيداً لعدم دخول الأعمال ، في مسمى الإيمان.
                    فقال فيه: "وَ لَوْ أَقَرَّ بِجُمْلَةِ الْإِسْلَامِ"، مما ذكر، "فِي أَرْضِ التُّرْكِ"، أي أقصى بلاد الصين، و نحوها من البلاد البعيدة عن بلاد الإسلام.
                    "وَ لَا يَعْلَمُ شَيْئاً مِنَ الْفَرَائِضِ، وَ الشَّرَائِعِ، وَ الْكِتَابِ"، لعدم وصولها إليه على وجهها؛ "وَ لَا يُقِرُّ بِشَيْءٍ مِنْهَا"، لعدم إدراكه بالعقل.
                    "إِلَّا أَنَّهُ مُقِرٌّ بِاللهِ تَعَالَى، وَ الْإِيمَانِ"، أي جنس الإيمان، أو بالمؤمن به، من الأمور السبعة الآتية، المعهودة، المشهورة بالاستدلال بالآثار، أو التقليد بمجرد الإخبار.
                    "فَهُوَ مُؤْمِنٌ"، مأجور على إيمانه، معذور على ترك أعماله.
                    ثم أشار إلى وجوب الإيمان بالعقل، لمن أدرك مدة التجربة في المسائل السبعة المشهورة.
                    54. فيما رواه الحاكم الشهير في "المنتقى"، و الناطفي في "الأجناس"، و أبو زيد الدبوسي في "التقويم"، و الهمذاني في "خزانة الأكمل"، و أبو منصور السمرقندي في "الميزان"، أنه "قَالَ، فِي رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفٍ، وَ مُحَمَّدٍ: وَ لَوْ لَمْ يَبْعَثِ اللهُ تَعَالَى لِلنَّاسِ رَسُولاً"، مبيناً لهم ما وجب عليهم، "لَوَجَبَ عَلَيْهِمْ"، أي على البالغين منهم.
                    55. كما هو المتبادر لظاهر قوله عليه الصلاة و السلام: «رُفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم...»؛ الحديث .
                    و حمله الإمام أبو منصور، و كثير من العراقيين على الوجوب بالعقل الغريزي، و تحمل الاستدلال، و أولوا الحديث برفع الشرائع عنه.
                    و الجمهور على خلافه.
                    و هذا إن أريد بوجوب المعرفة، و الإيمان وجوب أدائه؛ و إن أريد أصل الوجوب، فهو وفاق من الأكثرين؛ كما في "الكشف الكبير"، قبيل باب أهلية الأداء.
                    "مَعْرِفَتُهُ"، أي معرفة وجوده تعالى، و ما يتوقف عليه ذلك من: وحدته، و علمه، و قدرته، و كلامه، و إرادته، و أنه مُحدِث العالَم.
                    "بِعُقُولِهِمْ" المستفادة التي يدور عليها التكليف بالاستدلال، في مدة التجربة، و الاستدلال، كما هو المتبادر؛ و يشير إليه التعليل الآتي، لا مطلقاً؛ كما قال جمهور المعتزلة.
                    لعدم القدرة على الاستدلال بدون مدته.
                    و فيه إشارات إلى مسائل:
                    الأولى: أن العقل آلة لمعرفة الوجوب الثابت لله تعالى، و لمعرفة الحسن اللازم له، لا موجب؛ كما قالت المعتزلة.
                    و إليه أشار بباء الآلة، و هو معتبر، و آلة لمعرفة ذلك بدون السمع، و إليه أشار بالشرطية، لا لفهم الخطاب؛ و معرفة صدق الناقل فقط؛ كما قال جمهور الأشاعرة؛ كما في "شرح البزدوي"، و غيره.
                    الثانية: أن الحسن و كذا القبح مدلولان بالأمر و النهي إجمالاً، فيما يدرك عقلاً، لا موجبان بهما؛ كما في "الميزان".
                    و إليه أشار بنسبة وجوب معرفة الله تعالى، و ما يتوقف عليه إلى العقل، لما تقرر من حسن الواجبات، و قبح المحرمات.
                    و ذهب كثير من أئمتنا إلى أنهما مدلولان مطلقاً؛ كما في "الكشف الكبير".
                    خلافاً لجمهور الأشاعرة؛ فأنهما موجبان مطلقاً عندهم.
                    فلا يجوز عندنا نسخ ما لا يحتمل حسنه، أو قبحه السقوط؛ كما يشير إليه الإمام، خلافاً لهم، كما في "التحرير".
                    الثالثة: أن معرفة الله تعالى بدليل إجمالي، يرفع الناظر من حضيض التقليد، فرضُ عين على جميع المكلفين.
                    و إليه أشار بقوله: "لوجب عليهم معرفته بعقولهم"؛ مشيراً إلى أنه أول الواجبات المقصودة بالذات.
                    الرابعة: أن في تخصيص نسبة الوجوب، في مقام البيان بمعرفة الله تعالى، و ما يتوقف عليه دون الشرائع؛ إشارة إلى أن الحسن، و كذا القبح، لعدم الفاصل عقلي في البعض، أي يدرك العقل حسن بعض الأشياء، و قبح بعضها، بدون السمع، لا كلها، كما قالت المعتزلة؛ كما في "التعديل"، و "التبصرة"، و "الكفاية"، و "الاعتماد"، و غيرها.
                    فالعقل يدرك به في البعض بالضرورة، كالعلم بحسن الصدق النافع، أو بالنظر كحسن الصدق الضارّ، و لا يدرك به في البعض، كحسن صوم آخر يوم من رمضان، و قبح صوم أول يوم من شوال؛ فإنه إنما يدرك بالشرع.
                    و زعم المعتزلة: أنه كاشف عن حكم العقل في ذلك.
                    الخامسة: أن الحسن في ذلك، بمعنى تعلق المدح و الثواب، كما هو المتبادر من الوجوب، فالوجوب و الحرمة العقليان بمعنى جزم العقل باستحقاق المدح، و الثواب، و الذم، و العقاب، عند الصانع إجمالاً؛ لأن معرفة كيفية ذلك، و كون الثواب بالجنة، و العقاب بالنار، إنما يثبت بالسمع، كما في "التوضيح".
                    و هذا هو المتنازع فيه، بالنسبة إلى العباد، و بمعنى كون الفعل بحيث يترتب عليه عاقبة حميدة، أو لا يترتب بالنسبة إليهم و غلى الخالق تعالى من المتنازع، لكنه تعالى لا يفعل القبيح الخالي عن العاقبة الحميدة، كالكذب، و نحوه، لحكمته، كما في "التعديل"، و "التبصرة"، و "التسديد"، و غيرها.
                    و أما الحسن و القبح، بمعنى كون الشيء ملائماً للطبع، أو الغرض، أو منافراً له؛ و كونه صفة كمال أو نقص، فعقليان اتفاقاً من الكل.
                    السادسة: أن في عدم تعيين المدة إشارة إلى عدم تعيينها، لأن عدم البيان في محل الاحتياج إليه بيان للعدم، كما دل عليه قوله تعالى: ﴿أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر﴾[فاطر:37].
                    لأن لفظة "ما"، عبارة عن مدة التذكر، و الاستدلال.
                    و إبهامها بلا بيان، دليل على عدم تقدرها بمقدار معلوم للعباد، فقدر المدة التذكر، مفوض إلى الله تعالى، لتفاوت العقول، كما في "التقويم"، للإمام أبي زيد.
                    السابعة: أن في الشرطية دلالة على كون نقيض المذكور أولى بالحكم، إذ في بعث الرسل كشف، و تفصيل لما دل عليه العقل إجمالاً، كما كشف قوله تعالى: ﴿إن الله يأمر بالعدل و الإحسان و إيتاء ذي القربى و ينهى عن الفحشاء و المنكر﴾[النحل:90].
                    فدل على أن وجوب المعرفة بعد البعثة بالطريقة الأولى، و الدليل الأقوى؛ و لذا وبخ الكفار آكد توبيخ، بتركه بعدهما ، بقوله تعالى: ﴿أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر و جاءكم النذير﴾[فاطر:37].
                    و العقل هو النفس الناطقة من حيث توجهها، أو قوة لها.
                    فعلى الأول: هو جوهر يدرك به الغائبات بالوسائط، و المحسوسات، بالمشاهد؛ كما في "أصول الإمام أبي القاسم اللامشي".
                    و المراد بـ "الوسائط"، ما يقابل المشاهدة، و يعم التعريفات، و الأدلة.
                    و بـ "المحسوسات"، ما ينتزع عنها الغائبات.
                    و بـ "المشاهدات"، أعمال الحواس لإدراكها.
                    و بـ "الإدراك به"، الإدراك بتوجهه.
                    و على الثاني: بينه الإمام فخر الإسلام البزدوي، بقوله: "إنه نورٌ يبتدأ به من منتهى درك الحواس، فيبدو به المدرك للقلب، و النفس الناطقة".
                    فلا يرد: أن الجوهر المذكور، هو النفس الناطقة بعينها.
                    و "النفس"، و "القوة"، متغايران عرفا، و لغة.
                    و أنه لو كان جوهراً، لجاز أن يكون عقل بلا عاقل.
                    و محله القلب، كما دل عليه قوله تعالى: ﴿فتكون لهم قلوب يعقلون بها﴾[الحج:46].
                    و ما ذكره صدر الإسلام، محمد البزدوي، من أن "محله الرأس عند عامة أهل السنة"؛ فالمراد محله، بمعنى مبتدئه، كما بينه أخوه فخر الإسلام، لا محل أصله؛ و اختاره الإمام أبو المعين النسفي، كما في "شرح التحرير".
                    الثامنة: أن في نسبة الكون آلة للمعرفة إلى العقل، إشارة إلى أنه غير العلم، فليس العقل علماً ببعض الضروريات، و اختاره جمهور الأشاعرة، خلافاً للأشعري، و الباقلاني.
                    استدلالاً بعدم الانفكاك، إذ يمتنع عاقلٌ لا علم له أصلاً، و عالم لا عقل له أصلا.
                    و أجيب: بأن ذلك لتلازمهما؛ كما في "المواقف".
                    التاسعة: أن الإطلاق مشير إلى أن الإدراك الواجب ، و المعرفة بمطلق العقل، و الحواس الظاهرة آلاته، و أنه ليس منقسماً إلى أقسامٍ، كما قال الفلاسفة.
                    من "العقل الهيولاني"، إن خلت النفس عن العلوم، مع قابليتها لها.
                    و "العقل بالملكة"، إن حصل لها الضروريات فقط، و هو مناط التكليف، عند القائلين به.
                    و "العقل بالفعل"، إن حصلت لها النظريات بالقوة، بمجرد توجه النفس.
                    و "العقل المستفاد"، إن حضرت النظريات عندها.
                    لأن كل ذلك لم يثبت عن دليل، كما في "التحرير".
                    بل في الإنسان في أول أمره استعدادٌ لأن يوجد فيه العقل، و التوجه نحو المدركات؛ فهذا الاستعداد يسمى "عقلاً بالقوة"، و "عقلا غريزياًّ"؛ ثم يحدث العقل فيه شيئاً فشيئاً، بخلق الله تعالى، إلى أن يبلغ الكمال، و يسمى "عقلا مستفاداً"، كما في "الكشف الكبير".
                    و اختار الأول: صاحب "المحصل"، و "الصحائف"، و صاحب "التوضيح"، و "المواقف"، و "المقاصد".
                    و يتمشى التعريف الأول عليه.
                    و اختلفت العبارات في أن الأربعة أسام لهذه الحالات، أو للنفس باعتبارها، أو لقوى هي مباديها؛ كما في "المقاصد".
                    و وافق جمهور الماتريدية، فيما ذكر من المسائل السبعة: الإمام أبو العباس القلانسي، و من تبعه من الأشاعرة؛ كما في "التبصرة"، للإمام عبد القاهر البغدادي؛ و الإمام أبو بكر القفال الشاشي، و أبو بكر الصيرفي، و أبو بكر الفارسي، و القاضي أبو حامد، و الحليمي، و غيرهم.
                    و عبروا عنها بـ "وجوب شكر المنعم"؛ كما في "القواطع"، للإمام أبي المظفر السمعاني الشافعي، و "الكشف الكبير".
                    و وافق جمهور الأشاعرة في كون الحسن و القبح شرعيين مطلقاً.
                    و ثبوت المعذرة بلا بلوغ الدعوة طائفة من أئمتنا البخاريين، كما في "الكشف الكبير"، و "التحرير".
                    منهم: شمس الأئمة السرخسي، و فخر الدين قاضيخان، البخاريان، و اختاره ابن الهمام؛ و قالوا: "لا حكم قبل البعثة، و بلوغ الدعوة؛ فلا يحرم كفر، و لا يجب إيمان قبلهما"؛ كما في "التحرير".
                    فيعذر الناشئ في الشاهق، الذي لم تبلغه الدعوة عندهم، كما في "الكشف الكبير".
                    و أليه أشار قاضيخان، في فتاواه، بقوله: "لو حلف إن كان الله يعذب المشركين، فامرأته طالق؛ قالوا: لا تطلق، لأن من المشركين من لا يعذب حيث يخرج من الأفراد المستغرقة من لم تبلغه الدعوة عند البخاريين، و حملوا رواية الوجوب على الانبغاء.
                    كما أول به الإمام نور الدين البخاري في "الكفاية"؛ و حمل الوجوب بالعقل على الأولوية عنده.
                    و هو مع كونه خلاف الظاهر، يمنعه ما بعده، و ينادى التعليل على خلافه، و تصريح الأئمة به.
                    فقد صرح به الإمام أبو زيد الدبوسي في "التقويم"، و فخر الإسلام البزدوي في "أصوله": بخلود العقاب للناشئ في الشاهق، المدرك لمدة الاستدلال، فلم يستدل.
                    فمن الغفول عن تفصيل المنقول، التصدي للتوفيق بأن الوجوب عند الماتريدية بمعنى ترجيح العقل الفعل، و الحرمة بمعنى ترجيحه الترك، مستدلاًّ بما في "الكفاية".
                    و لذا صرح المحقق ابن الهمام في "التحرير": بكون التوفيق المذكور غلطاً.

                    تعليق

                    • حماد محمد الشنقيطي
                      طالب علم
                      • Feb 2010
                      • 252

                      #11
                      و استدل جمهور الأشاعرة بوجوه:
                      الأول: قوله تعالى: ﴿و ما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾[الإسراء:15]، حيث نفى العذاب قبل وصول الشرع، و لو وجب شيء من الأحكام، للزم بتركه العذاب قبله، و اللازم منتف بالنص.
                      و هو إلزامي على المعتزلة، دون الماتريدية، إلا أن يجعل التالي عدم الأمن من العذاب قبله، و هو منتف، لدلالته على الكون في الأمن و السلامة منه لأهل الفترة، و الشاهق قبله.
                      أو يجعل التالي صحة التعذيب قبله، و نفيها بمعنى عدم اللياقة للحكمة، دون عدم الوقوع؛ كما أشير إليه في ["شرح المنهاج للأسنوي".
                      أو يصور المقدم وجوب الإيمان للزوم العذاب على تركه عندهم بمعنى عدم جواز العفو عنه، لمنافاته للحكمة، كما أرشد إليه في] "الكشف الكبير".
                      و أجيب : بالحمل على عذاب الاستئصال، و نفى وقوعه لدلالة سياقها؛ و هو قوله تعالى: ﴿و إذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول﴾[الإسراء:16]، الآية<80>.
                      و للجمع بينها و بين الآيات المثبتة للعذاب قبله، كما سيأتي، بدفع التنافي الظاهري بينهما، فلا يُمنع مستنداً بأن الآية لما دلت على أنه لا يليق بحكمته و رحمته إيصال العذاب الأدنى على ترك الواجب، قبل تنبيههم، بإرسال الرسل، فدلالتها على أنه لا يوصل إليهم العذاب الأكبر، على تركه قبل ذلك أولى.
                      و لو سلم كون النفي بمعنى عدم اللياقة، دون عدم الوقوع، و ثبوت الدلالة بذلك؛ فعبارة الآيات المثبتة قاضية على دلالتها، كما تقرر في محله.
                      الثاني: قوله تعالى: ﴿لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل﴾[النساء:165]، حيث دل على ثبوت الاحتجاج، و العذر للناس على ترك الإيمان قبل الرسل، فلو كان العقل حجة ملزمة، لزم انتفاؤه؛ و ليس كذلك، بالنص.
                      و أجيب: بأن المراد لئلا يكون حجة أصلاً، كما هو المتبادر من الوقوع في سياق النفي، فإن العقل دليل جملي، و التفصيل إلى الرسل، و العاقل إذا لم ينبه، جاز أن يغفل، فكان له نوع حجة، كما في "كشف الكشاف".
                      فلا يستلزم نفي حجية العقل.
                      أو محمول على نفي الاحتجاج في الشرائع و الأحكام، جمعاً بين الأدلة.
                      كما أشار الإمام إلى توقف وجوب الشرائع و الأحكام على البعثة، و بلوغ الدعوة.
                      و الجواب عما تمسك به المخالفون من الوجهين بالتأويل بقوله في رواية المذكورين من الأئمة.
                      "وَ يُعْذَرُونَ فِي" جهل "الشَّرَائِعِ"، و الأحكام، "إِلَى قِيَامِ الْحُجَّةِ" عليهم ببعث الرسول، و بلوغ دينه؛ كما أشير إليه بنفي الحجة في الآية.
                      و أريد نفي المعذرة التي يعتذرون بها، قائلين: ﴿لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً﴾[طه:134، القصص:47]، فيبين لنا شرائعك، و يعلمنا ما لم نكن نعلم من أحكامك، ففيه إشارة إلى أن تسميتها حجة، للتنبيه على أن المعذرة في القبول عنده تعالى بمقتضى كرمه، بمنزلة الحجة القاطعة، التي لا مرد لها.
                      فأشار إلى أن ثبوت المعذرة، و السلامة عن التعذيب، قبل البعثة، كما نطق به الآيات، محمولٌ على ثبوت ذلك في الشرائع و الأحكام، دون ما يثبت بدلالة العقول، مما مر من المسائل السبعة السابقة، فإنها تثبت بالعقل، دون السمع، لتوقفه عليها؛ كما سيصرح به.
                      الثالث: أن العباد مجبورون في أفعالهم لوجوبها عند تمام المرجح، و ليس ذلك<81> اختيار العبد، و إلا لزم أن يكون للاختيار اختيار، فيدور، أو يتسلسل، فلا يتصف بالحسن و القبح العقليين، و لا يثبت الوجوب و الحرمة عقلاً، المتوقفان على ثبوتهما.
                      و أجيب: بأنه معارض بنفيه الشرعيين أيضاً، لكونهما من صفات الأفعال الاختيارية، و منتقض باختياره تعالى، و سيأتي حله في فصل الاستطاعة من الباب الثالث، إن شاء الله تعالى.
                      الرابع: أن الحسن و القبح، لو كانا عقليين، لكانا لذات الفعل، أو جزئه، أو لصفة لازمة لذاته، أو جزئه، و لم يتبدلا؛ لأن ما كان كذلك، لا يتخلف و لا يختلف، و التالي باطلٌ، لحسن كذب فيه إنقاذ لمظلوم، و قبح صدق فيه إمداد لظالم، و لاستلزام عدم النسخ.
                      و أجيب: بأن الحسن و القبح لذاته فيما يختلف باختلاف الإضافات، و هو المجموع المركب من الفعل، و الإضافة، و الفعل جنس، و الإضافات فصولٌ مقوِّمة لأنواعه، لأن الفعل من الأعراض النسبية، و هي تتقوم بالنسب، و الإضافات المختلفة فصولٌ مقومة لها، و الحسن و القبح يثبتان بحسب الأنواع، لا الجنس نفسه.
                      فقولنا: "شكر المنعم حسن لذاته"، معناه أن الشكر المضاف إلى المنعم حسن، لا أن ذات الشكر، من غير إضافة حسن؛ كما في "التوضيح".
                      الخامس: أنهما لو كانا ذاتيين، لزم اجتماع المتنافيين بالذات في قول من قال: "هذا الذي أتكلم به الآن ليس بصادق"؛ فإنه إن صدق فيه، فقد كذب،و بالعكس؛ و كذا في قول من قال: "ما أتكلم به غداً ليس بصادق"، فإنه إن صدق فيه، فقد كذب، و بالعكس؛ و كذا في قول من قال: "ما أتكلم به غداً ليس بصادق"، ثم اقتصر فيه على قوله: "ما تكلمت به أمس ليس بصادق"، فإن صدق كل من الغدي و الأمسي، يستلزم عدمه، و بالعكس؛ و قد تحير في حله العقول، و سماه صاحب "المقاصد"، بـ "الجذر الأصم".
                      و أجيب: بأنه إن أريد الإلزام، فلا يتم على الماتريدية، إذ لا يلزم من عدم كونهما ذاتيين في البعض عدمه مطلقاً، و إن أريد التحقيق، فليس التقريب بتام، و بالحل بأن الخبر إشارة إلى المخبر عنه، و الإشارة إلى الشيء، لا يمكن أن تكون إلى نفس تلك الإشارة، فلا يدخل نفس الخبر في الحكم الذي يتضمنه ذلك الخبر، و لا يتناوله الحكم، كما لو استثناه، كما ذكر العلامة الشريف.
                      و هو أمتن ما قيل في حله مما يبلغ عشرين وجهاً.
                      يعني؛ كما أن الإشارة قاصرة عن تناول نفسها، كذلك الحكم الذي يتضمنه الخبر، لا يتناول نفس الخبر، لأن حقيقة الإخبار هو الحكاية عن النسبة، الواقعة على الوجه المطابق أولاً، و من شأن الحكاية أن يكون للمحي عنه تعين في الواقع، مع قطع النظر عن الحكاية.
                      قال العلامة الدواني: "فلو قال: هذا الكلام، مشيراً إلى نفس هذا الكلام، لم يصح اتصافه بالصدق و الكذب، لانتفاء الحكاية عن النسبة الواقعة، لأنه إنما يوصف بهما الكلام، الذي هو إخبار، و حكاية عن نسبة واقعة، و هي مفقودة فيه، بل لا حكاية حقيقة، فيكون كلاماً خالياً عن التحصيل، و لا يكون خبرا حقيقةً".
                      و في القول الثاني، إشارة إلى أنه متكلم حقيقة، و أن ذلك الكلام ليس بصادق، و الأول صادق، فيكون الأمسي كاذباً، لتخلف فرد من الكلية؛ و يلزم كذب الثاني، بلا استلزام صدق الأول كذبه، و كذب الثاني صدقه، و لا كذب الأمسي صدقه؛ كما في "شرح النونية"، للفاضل الخيالي.
                      و أشار إلى الاستدلال على وجود الصانع المتعال، و على كونه محدث العالم، مغيراً لما فيه من الأحوال، و وجوب معرفة ذلك بالعقول، و عدم العذر في الجهل بها بحال بوجوه أربعة: بإمكان الجوهر، و حدوثها، و إمكان الأعراض، و حدوثها.
                      الدليل الأول: ما أشار إليه بقوله في رواية المذكورين: "وَ لَا عُذْرَ لِأَحَدٍ" من البالغين، "فِي الْجَهْلِ بِخَالِقِهِ"، بعد مضي مدة الاستدلال، كما دل عليها قوله: "لِمَا يَرَى"، و يعلم في تلك المدة، بجري العادة الإلهية، كما هو المتبادر، و لعدم رؤية نفس الخلق، "مِنْ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ"، أي وجودهما بعد العدم، "وَ خَلْقِ نَفْسِهِ، وَ غَيْرِهِ"؛ لتغير الآثار، و الأحوال في ذلك، و لا شيء من القديم كذلك.
                      يعني أنه يعلم كل من استدل أن العالم من السماوات و الأرض، و غيرهما ممكن؛ لأنه مركب، متكثر، و كل ممكن، فله علة مؤثرة.
                      و تقريره على طريقة الحدوث، بوجهين:
                      الأول: أنه يعلم أن الموجودات الممكنة، يحتاج في حدوثها إلى علة لا يتطرقها العدم، بوجه من الوجوه، و ما يمتنع عدمه بوجه من الوجوه بالنسبة إليها، لا يكون عينها، و لا جزءها، و إلا لزم الانقلاب، فيكون خارجاً واجباً بالذات<83>.
                      الثاني: أن حال الممكنات بالنسبة إلى الترجيح كحالها بالنسبة إلى الترجح، فلو لم يوجد مرجح بالذات، لم يترجح أصلاً، فيثبت وجود الواجب تعالى.
                      و فيه إشارة إلى أن افتقار الموجودات إلى المؤثر من حيث الحدوث، كما ذهب إليه المتكلمون.
                      و إليه أشار بتصوير الدليل في الخلق و الإحداث، و يحتمل كونه من حيث الإمكان و الحدوث جميعاً، كما اختاره محققوهم.
                      على خلاف في كون الحدوث شرطاً، أو شطراً في العلية؛ و إليه يشير الخلق الذي لا يتصور إلا فيما أمكن.
                      و تقرير الدليل عليه، أنه يعلم دلالة السماوات و الأرض، و غيرهما، من الموجودات على أن في الوجود واجباً، و إلا لزم انحصار الموجود في الممكن، فيلزم أن لا يوجد شيء، لأن الممكن لا يستقل بالوجود في نفسه، و هو ظاهر، و لا في إيجاده لغيره، لأن الإيجاد بعد الوجود، و إذ لا وجود لا إيجاد، فلا موجود بذاته و لا بغيره، فثبت وجود الواجب تعالى.
                      و هذان الوجهان، فيهما غنية عن إبطال الدور، و التسلسل.
                      و أصل الدليل مأخوذ من قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف:185]، و قوله: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ﴾[فصلت:53]، و قوله: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ﴾[فاطر:37].
                      حيث دلت على توبيخ الكفار، بترك النظر و الاستدلال على وجود الصانع، المتعال، و اتصافه بصفات الكمال، بعد تعميرهم مدة، يتمكنون فيها بعقولهم من الاستدلال.
                      و قد أشير إلى الاستدلال بثمانين آية، كما في "شرح المقاصد".
                      و ظاهر الكل: الاستدلال بحدوث الموجودات، لكفايته في مقام التصديق، و ظهوره، و هو مراد المتكلمين.
                      فإن مرادهم علية الحدوث على طريق الدليل الأنِّي ، أي الكون علة للتصديق باحتياج الحادث قبل حدوثه، كما في "المواقف".
                      و لا يدفعه كون المقام مقام بيان العلة، على طريقة الدليل اللِّمِّيِّ، أي العلية في نفس الأمر، و أن اتصاف الحادث بالحدوث في نفس الأمر متأخر<84> بالذات عن اتصافه بالوجود فيها، و اتصافه بالوجود متأخر كذلك عن احتياجه، فلا يكون اتصافه بالحدوث علة اتصافه بالحاجة.
                      و فيه إشارات إلى مسائل:
                      الأولى: وجوب النظر في معرفة الصانع تعالى، و إليه أشار بقوله: "و لا عذر لأحد في الجهل بخالقه، لما يرى من خلق..."، إلى آخره.
                      و حيث كان سائر الواجبات متوقفة عليه عنده ثبت أن أول مطلق الواجبات، هو النظر، و الاستدلال بالمصنوعات على وجود الصانع تعالى، و اختاره الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني.
                      فأول الواجبات على المكلف:
                      النظر، و الاستدلال، المؤدي إلى المعرفة بالله، و بصفاته، و توحيده، و عدله، و حكمته.
                      ثم النظر و الاستدلال المؤدي إلى جواز إرسال الرسل، و تكليف العباد.
                      ثم الاستدلال المؤدي إلى ثبوت الإرسال، بدلالة المعجزات، و ثبوت الأحكام و الواجبات.
                      ثم الاستدلال المؤدي إلى تفصيل أركان الشريعة لأهله.
                      ثم العمل بما يلزمه على شروطه فيهما؛ كما في "التبصرة" لعبد القاهر البغدادي.
                      الثانية: أن وجوب النظر و الاستدلال على كل أحد، بحسب ما يتيسر له من الدليل، دون الأدلة المشهورة للمتكلمين، و إليه أشار بسوق عبارة الدليل على طريقة السلف.
                      الثالثة: أن حصول المعرفة بعد النظر الصحيح بطريق جري العادة الإلهية في الإنتاج عقيبه، و خلق العلم به، كما هو المتبادر في المقام دون التوليد، كما ذهب إليه المعتزلة، و دون الإيجاب، كما ذهب إليه الفلاسفة.
                      الرابعة: أن العلم الواحد يتعلق بمعلومين، و أكثر، كما أشاره إليه برؤية خلق السماوات، و الأرض، و خلق نفسه، و غيره؛ أي العلم بها، خلافاً لبعض الأشاعرة في العلم المكتسب، و للمعتزلة مطلقاً، كما في "التبصرة البغدادية".
                      الخامسة: أن الإحساس بالشيء ليس علماً به، و إليه أشار بزيادة الخلق في المقام، و لم يقتصر على رؤية المذكورات مع كفايتها في المرام، و اختاره جمهور الأشاعرة.
                      فالإبصار ليس علماً بالمبصرات، و كذا البواقي خلافاً للأشعري.
                      للفرق الضروري بين العلم التام بهذا اللون و بين إبصاره، و كذا بين العلم بهذا الصوت و سماعه، و بين العلم بهذه الرائحة<85> و شمها، إلى غير ذلك.
                      و لإن إطلاقه على الإحساس مخالف للعرف، و اللغة؛ كما في "شرح المقاصد".
                      و الدليل الثاني: ما أشار إليه بقوله؛ فيما رواه الإمام أبو بكر محمد الزَّرَنْجَرِي في "المناقب"، و الفقيه عطاء بن علي الجوزجاني في "شرح الفقه الأبسط"، و حافظ الدين الكردري في "المناقب الصغرى"، و الإمام أبو عبد الله الحارثي في "الكشف"، و الإمام صار الدين في "نظم الجمان" : "وَ قَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ: وَ كَمَا يُحِيلُ الْعَقْلُ"، و يجزم بالاستحالة، "فِي سَفِينَةٍ مَشْحُونَةٍ بِالْأَحْمَالِ، اِحْتَوَشَتْهَا"، أي أحاطت بها من كل جهة؛ يقال: احتوش القوم بالصيد، و احتوشوه؛ "فِي لُجَّةِ الْبَحْرِ"، و معظمه، "أَمْوَاجٌ مُتَلَاطِمَةٌ"، يضرب بعضها بعضاً، "وَ رِيَاحٌ مُخْتَلِفَةٌ"، تهب من كل جهة، "أَنْ تَجْرِيَ" بنفسها "مُسْتَوِيَةً"، لا تميل إلى طرف، و لا تقف وقفة، مع تصادم الرياح المختلفة، "وَ" الحال أنه "لَيْسَ أَحَدٌ يُجْرِيهَا، وَ يَقُودُهَا"، مستوية.
                      "فَكَذَلِكَ يَسْتَحِيلُ" في العقل "قِيَامُ هَذَا الْعَالَمِ"، من السماوات و الأرض، و ما فيهما بنفسه، "عَلَى اِخْتِلَافِ أَحْوَالِهِ"، من حركات السماوات، و السيارات، و سكون الأرض، و اختلافها في الكيفيات، و ما خص به الإنسان من الهيئات، و استجماع أنواع الكمالات، و ما يختص به سائر الموجودات، "وَ تَغَيُّرِ أُمُورِهِ"، من تعاقب الضوء و الظلمات، و تغير أحوال الحيوانات، و المعادن، و النبات؛ "مِنْ غَيْرِ صَانِعٍ"، واجب بالذات واحد موصوف بصفات الكمال، منزه عن سمات التغير و الزوال، "وَ مُحْدِثٍ"، يحدث العالم، و ما اختلف فيه من الأحوال، و تغير من الأعمال، "وَ حَافِظٍ" يحفظه عن الاختلال.
                      يعني أن الممكنات من الأرض و السماوات، و ما فيهما حادثة، لأنها متغيرة، و كل حادث فله محدث.
                      و تقريره على طريق الإمكان: أن الممكنات موجودة، فلا بد لها من موجد، لاستحالة وجود الممكنات من نفسها و قيامها بلا موجد، فإن كان واجباً أو مشتملاً عليه فذاك، و إن كان ممكناً، فلا بد له من علة، و يعود الكلام فيها؛ فإن انتهت إلى الواجب فذاك، و إلا دار، أو تسلسل، و كلاهما باطل.
                      و إليه يشير إطلاق استحالة القيام بنفسه، لشموله القيام بالتسلسل، أو الدور على نفسه<86>.
                      أما الدور، فلوجهين:
                      الأول: أن صريح العقل يجزم بأن ما لم يوجد، لم يؤثر، فلو أثر الشيء في مؤثره، يلزم تقدمه على مؤثره المتقدم عليه؛ و هو محال.
                      الثاني: أن نسبة العلة إلى المعلول بالوجوب، و نسبته إليها بالإمكان، فلا يجتمعان في الشيء بالنسبة إلى أمر معين، فضلاً عن نفسه.
                      و أما التسلسل، فلوجهين:
                      الأول: أن الممكنات لو تسلسلت، لا إلى نهاية، لاحتاج المجموع إلى علة، لا يجوز أن تكون نفسها، و لا جزءاً منها، فتعين أن تكون خارجة واجبة، لأن المجموع يكون ممكناً لافتقاره إلى أجزائه، فله سبب مغاير له، خارجٌ عنه؛ إذ الداخل لا يكون علة لنفسه، و لا لعلله، فلا يكون علة مستقلة للمجموع، و الخارج لا يكون ممكناً، فينقطع.
                      الثاني: أن نسبة السلسلة و أجزائها إلى الترجيح، كنسبتها إلى الترجح، و هو ظاهر، فلا يصلح شيء منهما للعلية، و ينتفي التسلسل، و هذا ينفي التسلسل، فيما يضبطه الوجود مطلقاً مجتمعة أولا، كما قال به المتكلمون.
                      و تقريره على طريقة الحدوث: أن العالم حادث، لأنه متغير، أموره، و أعماله، فلا بد له من مؤثر صانع، و لا يكون حادثاً متغيراً، و إلا لاحتاج إلى مؤثر آخر، و دار، أو تسلسل؛ و كلاهما باطل، لما مر؛ فثبت الانتهاء إلى مؤثر واجب، و قديم، يحدثه و يحفظه.
                      و هذا برهان لطيف، جليل، مأخوذ من مسلك الخليل عليه التحية و التسليم، بالتبجيل، حيث استدل قبل أن يجري عليه القلم بالظهور، بعد أن لم يكن، و الأفول بعد الطلوع، و آثار العجز عن التدبير.
                      كما قال الإمام أبو منصور، مستفهماً على سبيل الإنكار في قوله: هذا ربي، فإن حذف أداته مشهور، قائلاً: "لا أحب الآفلين"، أي لا أثني على الذي تتعاقب عليه الأحوال، و يعتريه التغير و الزوال، باستحقاق الربوبية، و لا أعطيه المحبة التي تجب لله، الواجب الوجود، الذي يستحيل عليه الزيادة و النقصان، و الذهاب، و الإتيان؛ كما في "التيسير".
                      و أصل الدليل مأخوذ من قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ<87> * إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ﴾[الشورى:33]، و قوله تعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾[النمل:88]، و قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾[البقرة:255].
                      و فيه أشارات إلى مسائل:
                      الأولى: أن الموجودات مفتقرة إلى الصانع، ابتداءً، و بقاءً، من حيث يستتبع حدوثها، كافتقارها، من حيث إمكانها الذي لا ينفك عنها، فإن الموجدات إما جواهر يستحيل خلوها عن الأكوان المتجددة المتغيرة، أو أعراض متجددة بتعاقب الأمثال متغيرة، فهي محتاجة إليه تعالى دائماً عند المتكلمين، و التشنيع عليهم في القول بعلية الحدوث بلزوم الاستغناء عن الصانع بقاء، كما ظن قشري؛ بل ساقط بمرة، و إليه أشار بقوله: "و محدث و حافظ".
                      الثانية: أن جزم العقل باستحالة جريان سفينة محمولة بنفسها، على الاستواء، مع تصادم الأمواج و الرياح، مما لم يختلف فيه الآراء، و أجمع عليه العقلاء، و هو قدر يسير بالنسبة إلى ما في العالم من اختلاف الأحوال، و تغير الأمور، و الأعمال؛ فكيف يوجد و يقوم بنفسه من غير صانع واجب، و إليه أشار بجعله المقيس عليه.
                      الثالثة: أن العالم حادث، و الاستدلال على حدوثه بجميع أقسامه، و كونه مسبوقاً بالعدم؛ بوجوه:
                      الأول: أن الجسم يقوم به الحادث، و هو ضروري، لما نشاهده من الحركات، و تجدد الأعراض، و لا شيء من القديم كذلك؛ و إليه أشار بقوله: "في سفينة مشحونة بالأحمال، احتوشتها في لجة البحر أمواج متلاطمة".
                      الثاني: أن الأجسام لا تخلو عن الحوادث من الأكوان، و التأليف، و ما يتبعهما من الأعراض، و لا توجد بدون التمايز؛ و هو بالأعراض لتماثل الجواهر الفردة، التي يتألف منها<88> الأجسام، و الأعراض لا تبقى زمانين، و كل ما لا يخلو عن الحادث فهو حادث، بذاته، و صفاته، و أحواله، و إليه أشار بقوله: "قيام هذا العالم على اختلاف أحواله و تغير أموره، و أعماله".
                      الثالث: أن كل جسم ممكن، لأنه مركب، و كل ممكن وجد مسبوق بالعدم، إذ لا يتصور الإيجاد إلا عن عدم، و إليه أشار بقوله: "صانع، و محدث"؛ مع قوله في الدليل السابق: "لما يرى من خلق السماوات و الأرض".
                      الرابع: أنه لو وجد جسم قديم، لكان في الأزل، إما متحركاً، أو ساكناً، و الكل باطل؛ لأن ماهية الحركة المسبوقية بالغير، و ماهية الأزلية عدم المسبوقية بالغير، فيتنافيان، و ماهية الكون كونان في آنين في مكان واحدٍ، فهو يقتضي المسبوقية بالغير المنافية للأزلية، و إليه أشار بقوله: "و تغير أموره، و أعماله"؛ مع قوله في الدليل اللاحق: "و العالم يتغير من حال إلى حال".
                      الرابعة: إثبات شمول قدرته تعالى لجميع الجواهر، و الأعراض، بمعنى أنه يصح منه الفعل، و الترك، ببيان حدوث العالم بأقسامه، أي ما سوى ذاته تعالى و صفاته؛ إذ لا يمكن إثبات قدرته تعالى بحدوث الأعراض فقط، أو بإمكانها كما قيل لبقاء احتمال كونه موجباً بالذات يصدر عنه قديم يكون مبدأ الحوادث كالعقل الفعال عند الفلاسفة؛ كما أشير إليه في مبحث القدرة من "شرح المواقف"، و المقاصد".
                      بل يتوقف إثبات وجوده تعالى، و وحدته، و اتصافه بصفات الكمال، و إثبات الرسالة، و أحكام شرع ذي الجلال على إثبات حدوث العالم و الاستدلال، كما في "التسديد"؛ و مزيد بيانه في "الوافي شرح المنتخب".
                      الخامسة: الرد على الفلاسفة المخالفين في حدوثه، حيث ذهبوا إلى قدم العالم من العقول، و الأفلاك، و النفوس الناطقة، و نوع العناصر؛ أي العقول العشرة، و الأفلاك السبعة بذاواتها، دون صفاتها عند متقدميهم؛ و بموادها، و صورها الجسمية، و النوعية، و أعراضها المعينة من المقادير، و الأشكال عند متأخريهم؛ و بنفوسها، و مطلق الحركة، و الوضع فيها دون الشخصية، و العنصريات بموادها، و صورها الجسمية، و النوعية عندهم؛ و النفوس الناطقة عند بعضهم.
                      و استدلوا عليه بوجوه<89>:
                       الأول: أن المؤثر إما أن يستجمع في الأزل جميع ما يتوقف عليه تأثيره، أو لا؛ و الثاني إن لم يتوقف على شرط، يستلزم الترجيح بلا مرجح، و إلا يستلزم التسلسل، و الأول يستلزم قدم الحادث، فثبت التأثير في الأزل.
                      و أجيب عنه: بالنقض بما اعترفوا به في الحوادث اليومية، لجريان ما ذكروا فيها بعينه، و لا مخلص لهم بأنها تستند إلى الحوادث الفلكية، لالتزامهم لكون كل منها مسبوقاً بآخر، لا إلى نهاية؛ لما مر من استحالة التسلسل مطلقاً.
                      و لو سلم عدم استحالته في مثله، فهو معارضٌ بجريان مثله في الأجسام، فيجوز أن يكون حدوثها مشروطاً بشرطٍ، مسبوقٍ بآخر لا إلى نهاية.
                      و بالحل بأن التأثير، و ترجيح الفاعل المختار لأحد مقدوريه، إنما هو بمجرد الإرادة، و لا حاجة فيه إلى مرجح ينضم إليه.
                      فالفاعلية بمعنى تعلق التكوين حادثة بمجرد الإرادة المتعلقة بالمقدور، و بالمعارضة بجواز ترتب الإرادات، أو ترتب تعلقات إرادة قديمة إلى ما لا نهاية، و كذا حدوث تعلقها في وقت معين بلا سبب مخصص، لأن التعلق اعتباري؛ و لا تعلل الإرادة و الاختيار، كما لا يعلل الإيجاب.
                      و بالجملة، فاعليته تعالى، و تأثيره، إما أن تكون أزلية، أو حادثة بالنسبة إلى جميع العناصر و الأفلاك بذواتها، و صفاتها؛ أو تكون أزلية بالنسبة إلى البعض، و حادثة بالنظر إلى البعض الآخر.
                      و يبطل الأول لزوم انتفاء الحوادث اليومية، و الضرورة شاهدة بثبوتها؛ و يبطل الثالث، لزوم الترجيح بلا مرجح؛ فتعين الثاني، و هو المطلوب.
                       الثاني: أن المادة قديمة، و إلا لاحتاجت إلى مادة أخرى، و تسلسلت، و أنها لا تخلو عن الصورة الجسمية، و النوعية، فيلزم قدم الجسم، لقدم جميع أجزائه.
                      و أجيب: بمنع تركب الجسم من المادة و الصورة، و منع قدم المادة؛ لأن قدمها إنما يثبت بوجوب اختلاف الاستعداد، المتفرع على الإيجاب بالذات، و هو باطل؛ و بمنع عدم خلوها عن الصورة.
                       الثالث: أن الزمان قديم، و إلا لكان عدمه قبل وجوده قبلية، لا يجامع فيها السابق المسبوق، و هو السبق الزماني، فيكون الزمان موجوداً حين ما فرض معدوماً؛ هذا خلف.
                      و أجيب: بمنع تحقق التقدم الزماني، لكونه فرع وجود الزمان، و هو ممنوع؛ و لو سلم تحققه<90> في الجملة، فليس تقدم الزمان على وجوده بالزمان، حتى يلزم اجتماع النقيضين، بل بالذات لتقدم أجزاء الزمان بعضها على بعض.

                      تعليق

                      • حماد محمد الشنقيطي
                        طالب علم
                        • Feb 2010
                        • 252

                        #12
                         الرابع: إمكان وجود العالم لا أول له، و إلا لزم الانقلاب من الامتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي، و هو يرفع الأمان عن البديهيات، لجواز الجائزات، و استحالة المستحيلات؛ و كذا إمكان تأثيره تعالى في العالم لا أول له، و إلا لزم الانقلاب المذكور؛ فيجب الجزم بإمكان وجود العالم في الأزل، و هو يبطل الدلائل على امتناع وجوده في الأزل.
                        و أجيب: بمنع استلزام أزلية الإمكان، إمكان الأزلية.
                        فقولهم: "إمكان وجود العالم في الأزل"؛ إن أريد به أن وجوده في الأزل ممكن، على أن يكون قولهم: "في الأزل"، متعلقاً بالوجود؛ فهو ممنوعٌ، لجواز أن يكون وجوده في الأزل ممتنعاً.
                        و إن أريد به أن إمكان وجوده في الجملة مستمر في الأزل، على أن يكون قولهم: "في الأزل"، متعلقاً بالإمكان، فمسلم.
                        و لا يلزم منه أن يكون وجود العالم في الأزل ممكناً، لجواز استحالة الوجود الأزلي، مع كونه متصفاً في الأزل بإمكان الوجود فيما لا يزال.
                        و هذا ما بينه جمهور المحققين، بأنا إذا قلنا: "إمكانه أزلي"، فالأزلي ظرف للإمكان، فيلزم كون ذلك الشيء متصفاً بالإمكان اتصافاً مستمراً، غير مسبوقٍ بعدم الاتصاف، و هذا ثبات للعالم قبل وجوده.
                        و إذا قلنا: "أزليته ممكنة"، فالأزل في المعنى ظرف لوجوده، أي وجود المستمر الغير المسبوق بالعدم ممكن، و من المعلوم أن الأول لا يستلزم الثاني، لجواز أن يكون وجود الشيء في الجملة ممكناً، إمكاناً مستمراًّ، و لا يكون وجوده على وجه الاستمرار ممكناً أصلاً بل ممتنعاً، و لا يلزم من هذا أن يكون ذلك الشيء من قبيل الممتنعات، لأن الممتنع هو الذي لا يمكن وجوده بوجه من الوجوه.
                        و لم يرض السيد الشريف هذا، و ادعى الاستلزام بينهما، و قال في إثباته: "إن إمكان الشيء إذا كان مستمراًّ في الأزل، لم يكن هو في ذاته مانعاً من قبول الوجود في شيء من أجزاء الأزل، فيكون عدم منعه أمراً مستمراًّ في جميع تلك الأجزاء، فإذا نظر إلى ذاته، من حيث هو، لم يمتنع من اتصافه بالوجود في شيء منها، بل جاز اتصافه في كل منها لا بدلاً فقط، بل و معاً أيضاً، و جواز اتصافه في كل منها معاً، هو إمكان اتصافه بالوجود المستمر في جميع أجزاء الأزل، بالنظر إلى ذاته، فأزلتيه الإمكان مستلزمة لإمكان الأزلية".
                        و ورد بأن<91> مقدمات دليله مسلمة إلى قوله: "لم يمنع من اتصافه بالوجود في شيء منها"؛ لأنه إما أن يتعلق بعدم المنع، على معنى أنه لا يمنع في شيء من أجزاء الأزل من الوجود، و لو فيما لا يزال، فهو بعينه أزلية الأمكان، و لا يلزم منه عدم منعه من الوجود الأزلي، الذي هو إمكان الأزلية، و إما أن يتعلق بالوجود على معنى أنه لا يمنع من الوجود في شيء من أجزاء الأزل، فهو بعينه إمكان الأزلية، و النزاع فيه، فيكون مصادرة على المطلوب.
                        و الدليل الثالث: ما أشار إليه بقوله، فيما رواه الإمام أبو شكور السالمي في "التمهيد"، و جمال الدين الكمازروي في "سير المضمرات": عن الإمام، أنه قال في الرواية المزبورة: "وَ كَذَا خُرُوجُ الْجَنِينِ"، الولد، المستبين الخلقة، "مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ"، ملابساً "بِصُورَةٍ حَسَنَةٍ"، من استواء القامة، و تناسب الأعضاء، و اعتدال التخطيطات المقدارية، و الأوضاع المتلائمة، و الإتقان،و الإحكام البالغ أقصى الغاية، و الحكم، و المصالح البالغة، فيما عرف خمسة آلاف.
                        "لَيْسَ" بالضرورة "مَنْ" تأثير "نَجْمٍ"، من السيارات، عديم الشعور، كما زعمه المنجمون، و الصابئون، من أن الكواكب المتحركة بحركات الأفلاك هي العلل الحدوث الحوادث الواقعة في العال، من الجواهر و الأعراض، متمسكين بدوران الحوادث السفلية، و التغيرات الواقعة في جوف فلك القمر وجوداً، و عدماً، مع ما لتلك الكواكب من الأوضاع في البروج، كما يشاهد في الفصول الأربعة، و تأثيرات الطوالع.
                        "وَ لَا" من "طَبْعٍ"، من القوى البسيطة، و المركبة، العديمة الشعور بالضرورة، و إليه أشار بعدم التعرض للاستدلال، للإحالة إلى الضرورة، فليس التأثير من الطبع، كما زعمه الطبيعيون، من أن الطبائع هي العلل للحوادث، متمسكين بأنه يكون من اجتماع الماء، و الأرض، و النبات، و لا بد فيه من هواء يتخلل بين أجزائه، و من حرارة طابخة.
                        إذ لو فقد أحدهما، أو لم يكن على ما ينبغي فسد الزرع، كما إذا ألقى البذر في موضع لا يصل إليه الهواء، و حر الشمس، و من النبات، يحصل بعض الحيوان، لأنه غذاؤه، و منها يحصل الإنسان لأنه متولد من المني، المتكون من الغذاء، الذي هو نبات، أو حيوان، و كذا<92> يحصل منهما بعض الحيوان، الذي غذاؤه منهما، و الطبيعة المصورة التي في الرحم، تقيد الأجزاء المتخالفة الحقيقة بالصور، و القوى، و الأشكال، و المقادير، التي بها يصير مثلاً بالفعل لمن فصلت منه البذر.
                        "بَلْ مِنْ تَقْدِيرِ صَانِعٍ"، متقن للأفعال، فإن الصنع إجادة الفعل، كما في "المفردات".
                        و التقدير، بمعنى التخصيص، الذي هو نتيجة الإرادة، أو نتيجة الحكمة، كما في "التعديل"، و غيره.
                        "حَكِيمٍ، عَالِمٍ" بالأشياء، على ما هي عليه الآتي بالأفعال على ما ينبغي.
                        يعني أن اختصاص كل واحد من الأجسام بصفته و صورته جائز ممكن، فلا بد له من مخصص حكيم.
                        و تقريره: أن اختصاص كل واحد من الأجسام بصفته المعينة، و صورته المشخصة، و الإحكام إلى الغاية، لا بد و أن يكون من الجائزات، و لا بد للجائز من مرجح، فإذا كان واجباً حكيماً، فذاك المطلوب، و إن كان ممكناً، كنجم، أو طبع؛ احتاج إلى مؤثر، فلا بد من الانتهاء إلى الواجب الحكيم؛ و إلا لزم الدور، أو التسلسل، و كلاهما باطل، لما مر.
                        و تقريره على طريقة الحدوث: أن المؤثر في الموجدات المقدر، لما يخصها من الهيئات إن كان واجب الوجود حكيماً، فذاك و إن كان ممكناً فله مؤثر، و يعود الكلام فيه، و يلزم الدور، أو التسلسل، أو الانتهاء إلى مؤثر واجب الوجود لذاته، حكيم، محدث للعالم، و مقدر لأموره، و الأولان باطلان، لما مر؛ فتعين الثالث، و هو المطلوب.
                        و أصل الدليل مأخوذ من قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾[آل عمران:6].
                        حيث دل إيراده في معرض الاستدلال على أنه يعلم علماً ضرورياًّ، و يستدل به على غيره؛ كما في "شرح المواقف".
                        و فيه إشارات إلى مسائل:
                        الأولى: أن من تأمل في عجائب الأفعال، الحادثة في عالم الطبيعة، البالغة من الإتقان و الإحكام أقصى الغايات، و كان راجعاً إلى فطنةٍ، و لم يعم بصيرته التقليد، علم بالضرورة أنها لا يمكن أن تستند إلى قوى بسيطة، أو مركبة عديمة الشعور، سيما ما يحدث في الحيوانات من الصور و الأشكال، و التخطيطات المقدارية، و الأوضاع المتلائمة في الرحم، و ما يفاض فيه من الصور النوعية، و الوقى التابعة لها على تلك المادة المتشابهة الأجزاء، و ما يراعى فيها من حكم و مصالح، قد تحيرت فيها الأوهام، و عجزت عن إدراكها العقول، و الأفهام، مما قد بلغ<93> المعروف منها في كتب منافع الأعضاء، و أشكالها، و مقاديرها، و أوضاعها خمسة آلاف، و ما لم يعلم منها أكثر مما علم، كما في "المواقف"، و "أوائل التفسير الكبير" للرازي.
                        الثانية: أن استدلال المخالفين بمقابلة الضرورة، سيما الاستدلال بالدوران، فإنه لا يفيد العلية، و المدار قد يكون دائراً، سيما الاستدلال في المضافين، فيلزم أن يكون كل واحد منهما علة للآخر، و هو باطلٌ قطعاً.
                        و قد يختلف في التوأمين؛ فإن أحدهما قد يكون في غاية السعادة، و الآخر قد يكون في غاية الشقاوة، و التفاوت درجة واحدة بينهما في وقت الولادة؛ و أنه لا يوجب التغيير في الأحكام اتفاقاً.
                        و لا يعلم كون اجتماع الماء، و الأرض، و الهواء، و الحرارة، سبباً لتكون الحيوان منها، و لم لا يجوز أن يكون تكونه في حال اجتماعها، لا منها؛ بل يخلق الله تعالى إياه من العدم في تلك الحالة بإجراء العادة؛ كما دل البراهين القاطعة.
                        الثالثة: أن الجسم لا يخلو عن شكل لتناهيه، فإن الشكل، و الصورة، إحاطة حد، أو حدود؛ و إليه أشار بالتعرض للصورة.
                        و الدليل الرابع: ما أشار، فيما رواه الإمام أبو محمد عبد الله الحارثي، في "الكشف"، و الفقيه عطاء الجوزجاني في "شرح الفقه الأبسط"، و حافظ الدين الكردري في "المناقب الصغرى"، و صارم الدين المصري، في "نظم الجمان": عن أبي يوسف: عن الإمام، أنه قال: "وَ الْعَالِمُ" أي ما يعلم به الصانع، و صفاته من الجواهر، و الأعراض؛ "يَتَغَيَّرُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ"، في الأكوان، و الأمثال المتجددات، "وَ التَّغَيُّرُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُغَيِّرٍ"، لا يتغير، كما هو المتبادر؛ و الاحتياج إلى المغير المرجح ضروري في الممكن المتغير؛ "فَدَلَّ تَغَيُّرُهُ عَلَى وُجُودِ مُغَيِّرٍ لَهُ، غَالِبٍ"، على أمره، "هُوَ الصَّانِعُ"، الواجب، المتقن لفعاله.
                        يعني، أن كل موجود من العالم، يشاهد تغير حاله، و انقلابه من العناصر، و الحيوان، و المعادن، و النبات، و لا بد له من مغير صانع.
                        و تقريره: أن كل موجود من العالم كانت حقيقته قابلة للتغير، و العدم، فإنه يكون نسبة حقيقته إلى الوجود، و إلى العدم على السوية، و كل ما كان كذلك، لم يكن وجوده راجحاً على عدمه، إلا لمرجح، و هو لا بد و أن يكون موجوداً؛ فإن كان ممكناً، عاد الكلام فيه، و لزم الدور، أو التسلسل؛ و كلاهما باطل، لم مر؛ فثبت الانتهاء إلى مرجح، واجب الوجود، غالب لذاته.
                        و تقريره على طريقة الحدوث: أنه لا شك في تغير العالم، و حدوث أحواله، و كل حادث<94> ممكن، و إلا لم يعدم، و لم يوجد، فله مؤثر، و ذلك المؤثر يكون لا محالة واجباً غالباً، أو منتهياً إليه، لاستحالة الدور، أو التسلسل.
                        و أصل الدليل مأخوذ من قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ﴾[آل عمران:190].
                        [و بين المقام تنبيها على ضرورية دلالة الموجود المحدث على وجود المحدث، بقوله فيه: "كَوُجُودِ بِنَاءٍ مَشِيدٍ"، أي محكم، "فِي عَرَصَةٍ، بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ" فيها مادته، و صورته؛ كما دل الإطلاق، "يَدُلُّ عَلَى وُجُودِ بَانٍ بَنَاهُ" بالضرورة ].
                        و فيه إشارات إلى مسائل:
                        الأولى: أن الوجود عين الموجود، كالوجوب فإنه المتبادر من التمثيل، و أنه معلوم بداهة، و قد ينبه عليه بأنه التحقق حقيقة مخصوصة، و أنه الثابت العين، و أنه ما يعلم و يخبر عنه، و أنه المنقسم إلى فاعل، و منفعل.
                        [فالوجود ليس زائداً على الذات في الواجب، و الممكنات عند الماتريدية، و اختاره الأشعري، كما في "التعديل"، و أوائل "شرح المشكاة" للهروي، خلافاً لجمهور الأشاعرة، و المعتزلة مطلقاً، و للفلاسفة في الممكنات من الموجودات.
                        و ليس النزاع في "مفهوم الذات"، كما قاله صاحب "الصحائف".
                        إذ لا يتصور نزاع في أن "ذات الإنسان"، نفس "ذاته"، و "ماهيته"، فضلا عن الاحتياج إلى الاحتجاج؛ بل النزاع في "الوجود" المقابل "للعدم"، و هو معنى "الكون".
                        و حاصله أن الكون عرض قائم بالذات، بعد كون الذات ذاتاً، و ثبوت هويته في الأعيان، أو هو نفس كون الذات ذاتاً؛ بمعنى أنه ليس لكل من الماهية و الوجود هوية ممتازة عن الآخر، فيصدق مع عدم الهوية الخارجية للموجود، لكونه من المعقولات الثانية.
                        و مع زيادة الوجود في المفهوم، و التعقل، فإنهم و إن نفوا الوجود الذهني، فهم قائلون بمغايرة بعض الأمور للبعض، بحسب المفهوم، و التعقل، كما سيأتي.
                        فليس النزاع فيه مبنياًّ على النزاع في الوجود الذهني، كما قال صاحب "المواقف".
                        و لا لفظياًّ مرتفعاً، ببيان أن المراد الزيادة في التصور، و عدمها في الهوية، كما قال صاحب "المقاصد".
                        فإنه متصادم لنتائج الأذهان، مطالب بقواطع البرهان.
                        و لا يرد ما ذكره "شارح المواقف"، أنه لو اتحد الوجود بالسواد مثلا في الخارج، لكان<95> محمولا على تلك الذات، مواطأة كالسواد.
                        و أيضاً لم يكن لأحد شك في أن و الوجود موجود، كما لا شك في أن السواد موجود؛ فالهوية الثابتة في الأعيان هوية السواد، و الوجود عارض لها، و يمتاز عنها في العقل فقط، و يندفع القول بأن عروض الوجود غير معقول، كما قاله صاحب "المقاصد".
                        و تمسك القائلين بالغيرية مع جوابه، مذكور في المطولات.
                        و كذا الوجوب، ليس زائداً على الذات، و إليه يلوح عدم بيان الزيادة في محل الحاجة إليه، و هو مختار محققي الماتريدية، و الأشعري؛ كما في "شرح التعديل"، و غيره.
                        فليس الوجوب اعتبارياً، و لا عدمياً؛ لأن الوجوب تأكد الوجود.
                        و لا يرد أن نفي قابلية العدم يؤكده، مع أنه عدمي، لأنه و إن كان في اللفظ كذلك، فليس في الحقيقة كذلك؛ فإن صدق العدم على الشيء، لا يوجب العد من العدم.
                        و قال جمهور الأشاعرة، و المعتزلة: يكون الوجوب أمراً اعتبارياًّ، و ليس النزاع في الوجوب، بمعنى الاستغناء في الوجود عن الغير، فإنه اعتباري اتفاقاً، كالإمكان، و الحدوث، و البقاء، و العدم، و الوحدة الذاتية، و العرضية؛ بل في الوجوب بمعنى تحقق الحقيقة في نفسها، بحيث يتنزه عن قابلية العدم، كما صرح به في "التعديل".
                        و يعبر عنه، بكون الذات مقتضياً لوجوده في الخارج، اقتضاءً تاماًّ.
                        و جوز صاحب "المواقف" كون النزاع في الوجوب، بمعنى ما به يتميز الذات عن الغير.
                        لكن، ما يتميز به الذات، هو الذات، كما صرح به؛ و إطلاق الوجوب عليه مجازٌ، بتأويل الواجب، و إرادة مبدإ الوجوب؛ فيكون النزاع لفظياًّ، مرتفعاً ببيان أن العينية باعتبار ما صدق عليه ما يتميز به الذات.
                        و الغيرية باعتبار مفهوم ما به تتميز الذات، فإنه عارض اعتباري من عوارض حقيقة الواجب، و الظاهر الأول؛ و ليس المراد من اقتضاء الذات ما يتبادر منه من النسبة، فإن كون الوجوب نسبة، يبطل القول بالعينية؛ و بالعكس ].
                        الثانية : أن الوجوب هو التحقق في الأعيان، دون الأذهان، و إليه أشار البيان بوجود البناء، و عدم بيان الوجود في الأذهان، في موضع البيان، و اختاره جمهور المتكلمين.
                        فلا وجود في الأذهان بمعنى الوجود، الذي لا يترتب عليه الآثار، كالإضاءة، و الإحراق للنار<96>، و يسمى ظلياًّ.
                        و غير أصيل، كما ذهب إليه الفلاسفة، و بعض المتكلمين.
                        و مرادهم وجود نفس الماهية الموصوفة بالوجود الخارجي.
                        و لذا قيل: "الأشياء في الخارج أعيان، و في الذهن صور"؛ فلا عسر في تحريره، كما ظن صاحب "الصحائف".
                        و استدل الجمهور بوجهين:
                        الأول: أنه قسم من الخارجي، بمعنى أن تخيل الذهن الصورة موجود في الخارج، فإدراك النقيضين موجود خارجاً، لا أن اجتماعهما ماهية، أو صورة موجودة في الذهن، فإن الممتنعات ليس لها ماهيات، و حقائق موجودة في العقل.
                        الثاني: أن الوجود عين الماهية و الذات، فلا وجود لها في الذهن، و إنما يتعقل الكليات، و الاعتباريات، و المعدومات، و الممتنعات، و مغايرة بعضها لبعض، بحسب المفهوم من غير حصول شيء في العقل؛ و اقتضاء الثبوت في الجملة، كما في "شرح التعديل"، و "شرح المقاصد".
                        فلا يشكل بنفيه إثبات قدم العلم، و نحوه، مما أخذ الإضافة من مفهومه، فاستدلال المثبتين مع نفيه مذكور في المطولات ].
                        الثالثة : أن دلالة الموجودات الحادثة على وجود محدث لها ضرورية، قد ينبه عليها بأن من رأى بناء رفيعاً، جزم بأن له بانياً؛ كما ذهب إليه الجمهور.
                        الرابعة : أن في الوصف بالتشييد، و الإحكام إشارة إلى أظهرية دلالته على محدثه، و على علمه، و قدرته، و غير ذلك من الصفات المتوقف عليها الإحداث.
                        الخامسة: [أن الأجسام باقية، أي غير متجددة، كالأعراض، مما سوى الألوان، و الأشكال، و الإدراكات، و الملكات؛ فإن الحق أن العلم ببقائها، بمنزلة العلم الضروري ببقاء الأجسام من غير تفرقة، و إن كان مذهب الأشاعرة امتناع بقائها مطلقاً، كما في "شرح المقاصد".
                        أما بقاء الأجسام، فإن الضرورة الحسية حاكمة بذلك.
                        و في قوله: "عرصة"، إشارة إلى أن الأجسام لا تخلو عن حيز، أي فراغ تشغله، و هو ضروري، لأن الجسم من أقسام الجوهر المتحيز] <97>.
                        السادسة : أن في قوله: "مغير له، غالب، هو الصانع"؛ إشارة إلى الأخذ من قوله تعالى: ﴿وَ اللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾[يوسف:21]، و إلى برهان التمانع المشار إليه في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾[المؤمنون:91]، و في قوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾[الأنبياء:22]، و قوله تعالى: ﴿إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاء مَّعِينٍ﴾[الملك:30].
                        و يقرر بوجوه:
                        الأول: أن الإله لو تعدد، فقدرة كل منهما، و إرادته كافية في الحدوث، و التغير؛ أو لا؟
                        و على الأول: يلزم اجتماع العلتين، التامتين على معلول واحد.
                        و على الثاني: يلزم العجز، المنافي للألوهية، و لا يمكن التوارد، و الاتفاق على الإيجاد بالاشتراك مع القدرة بالاستقلال؛ لأن تعلق إرادة كل واحد، إن كان كافياً، لزم المحذور الأول، و إلا لزم الثاني؛ و إليه أشار بقوله: "مغير له غالب".
                        الثاني: أنه لو تعدد، لكان العالم محتاجاً إلى كل منهما، و مستغنيا عنهما، لكونهما مبدأين مستقلين له، و اللازم باطل بالضرورة، و إليه أشار بقوله: "غالب، هو الصانع".
                        الثالث: أنه لو تعدد، لجاز أن يريد أحدهما شيئاً، و الآخر ضده، الذي لا ضد له غيره، كحركة زيد و سكونه، فيمتنع وقوع المرادين، و عدم وقوعهما؛ لامتناع ارتفاع الضدين المذكورين، و اجتماعهما، فتعين وقوع أحدهما؛ فيكون مريده هو الإله، دون الآخر، لعجزه، فلا يكون الإله إلا واحداً؛ و إليه أشار بقوله: "فدل تغيره على وجود مغير له، غالب، هو الصانع".

                        تعليق

                        • حماد محمد الشنقيطي
                          طالب علم
                          • Feb 2010
                          • 252

                          #13
                          السابعة : نفي الهيولي القديمة، و الصورة كما قالت الفلاسفة، و إليه لوح بقوله: "كوجود بناء مشيد في عرصة، بعد أن لم يكن، يدل على وجود بان بناه"؛ أي بعد أن لم يكن فيها هيولاه، و لا صورته، كما دل عليه الإطلاق، و السياق.
                          فالأجسام مركبة من الجواهر<68> الفردة، الغير منقسمة، كما اختاره المتكلمون.
                          و استدلوا على إثباتها، و إبطال الاتصال في نفسه، بوجوه:
                          الأول: أن القابل للقسمة لو لم يكن منقسماً بالفعل، إلى أجزاء لا تتجزأ، بل واحداً في نفسه، كما هو عند الحس، لكان معروضاً للوحدة، فإذا انقسم، لزم انقسام الوحدة، لاستلزام انقسام المحل انقسام الحال، و اللازم باطلٌ؛ لأن الوحدة لا تنقسم أصلاً، إذ لا معنى لها، سوى عدم الانقسام.
                          الثاني: أنه لو لم يكن منقسما، و كان واحداً، لكان تقسيم الجسم، و تفريق أجزائه، إعداماً له بالكلية، لأنه عند التفريق يزول الهوية الواحدة، و تحدث هويتان أخريان بالضرورة، و اللازم باطلٌ؛ للقطع بأن شق البعوض البحر بإبرته، ليس إعداماً له، و إحداثاً لبعض آخر .
                          الثالث: أنه لو لم يكن الجزء، أي الجوهر الغير المنقسم عقلا، و لا فرضاً، و لا وهماً موجوداً في الجسم، لما كان الجبل أعظم من الخردلة، لأن كلا منهما حينئذ قابل لانقسامات غير متناهية، فيكون أجزاء كل منهما غير متناهية من غير تفاضل، و هو المعنيُّ بالتساوي في عبارة المشايخ.
                          الرابع: أنه لو لم ينته انقسام الجسم إلى شيء لا يقبل الانقسام، لكان امتداد كل جسم حتى الخردلة غير متناهي القدر القدر، لتألفه من امتدادات غير متناهية العدد.
                          و تمسك الفلاسفة، مع جوابه، مذكورٌ في المطولات.
                          ثم أشار إلى أنه يثبت بمجرد العقل، وجوب الإيمان بالله تعالى، و دلالة المعجزة على صدق الرسول r، و وجوب تصديقه، و حرمه الكفر و التكذيب.
                          "وَ قَالَ فِي "كِتَابِ الْعَالِمِ": وَ يُعْرَفُ" بالصدق، "الرَّسُولُ" فيما جاء به من الأحكام الاعتقادية، و العلمية، "مِنْ قِبَلِ" تعريف، "اللهِ" تعالى، بتركيب العقول، و الاستدلال به على حقيقة ما جاء به بدلالة معجزاته، فأشار إلى أن وجوب تصديق الرسول r.
                          و حسن ذلك بمعنى استحقاق المدح و الثواب عليه في حكم الصانع عقلي، يجزم به العقل إجمالاً، بتوفيق الله، للاستدلال، لا بالسمع و الأخذ، من قبل الرسول، لتوقف العلم بصحة السمع على العلم بصحته، فيستحيل إثباته به<99>.
                          و استدل على ذلك بوجهين:
                          الأول: ما أشار إليه بقوله فيه: "لِأَنَّ الرَّسُولَ"، لإرشاد العباد، "وَ إِنْ كَانَ يَدْعُو" من أمر بدعوته من قابل للحق، راشد، و جاحد لإلزام الشرع معاند، كما دل عليه الإطلاق؛ "إِلَى" دين "اللهِ"، تعالى بما جاء به من معجزاته، الدالة على حقية أحكامه الاعتقادية و العملية؛ "لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ" ممن بلغته دعوته، "يَعْلَمُ"، و يصدّق "بِأَنَّ" الأمر "الَّذِي يَقُولُ الرَّسُولُ" r، و يدعو إلى التصديق به، من وحدانية الصانع، المتعال، و اتصافه بصفات الكمال، و سائر ما جاء به من الأحكام على الإجمال "حَقٌّ"، مطابقٌ للواقع، واجب قبوله، "حَتَّى يَقْذِفَ اللهُ" و يلقي "فِي قَلْبِهِ"، أي عقله الحالّ فيه، "التَّصْدِيقَ"، الراجع إلى الكلام النفسي، "وَ الْعِلْمَ" المشروط به التصديق "بِالرَّسُولَ"؛ و حقية دعواه بتوفيقه للاستدلال عليه، برؤية بعض معجزاته، أو بإلقاء التصديق في قلبه بطريق الفيض من تجشم نظر، و كسب.
                          يعني، أن ثبوت الشرع، و ما يقول الرسول عند المكلف، الذي يدعوه الرسول إلى التصديق به، موقوف على وجوب الإيمان و التصديق عنده، لا في نفس الأمر، فلو توقف وجوب الإيمان و التصديق على الشرع، لزم الدور، و إفحام الرسل، فهو ثابت عقلا، بقذف الله في قلبه التصديق و العلم.
                          و تقريره: أن المكلف، المراد إلزام الشرع، لو قال: لا أصدق، و لا أنظر في معرفة صدقه، ما لم يجب التصديق و المعرفة عندي، فحينئذ يتوقف ثبوت الشرع على ثبوت كون التصديق، و معرفة صدقه واجبين؛ فلو استفيد من الشرع توقف على ثبوت الشرع، و لزم الدور، أو التسلسل، و الإفحام في مقام الدعوة، و الإلزام.
                          و فيه إشارات إلى مسائل:
                          الأولى: أن وجوب الإيمان بالله تعالى، و وجوب تصديق النبي عليه الصلاة و السلام، لا يتوقف على الشرع، لأن ثبوت الشرع عند المكلف المراد إلزامه، يتوقف على الإيمان بوجود الباري تعالى، و وحدته، و علمه، و قدرته، و كلامه؛ و بنبوة النبي، و بدلالة معجزاته، و علمه بوجوب التصديق بذلك كله.
                          و إليه أشار بقوله: "لأن الرسول، و إن كان يدعو إلى الله تعالى"، لشمول دعوته: الراشد، و المعاند؛ و لذا عمم بقوله: "لم يكن أحد يعلم بأن الذي يقول الرسول حق.."، إلى آخره.
                          فلا يتوجه منع صاحب "التلويح"، توقف الشرع على وجوب الإيمان، و نحوه<100>؛ مستنداً بأن توقف التصديق، بثبوت الشرع على الإيمان بالله تعالى، و صفاته، و على التصديق بنبوة النبي، و دلالة معجزاته، و لا يقتضي توقفه على وجوب الإيمان و التصديق، و لا على العلم بوجوبهما؛ غايتهما أنه يتوقف على نفس الإيمان، و التصديق، و هو غير مفيد، و لا مناف لتوقف وجوب الإيمان و نحوه على الشرع.
                          الثانية: أن في قوله: "لم يكن أحد يعلم"، في مقام نفي اللزوم عنده، إشارة إلى أنه يترتب الإثم على ترك النظر الواجب في نفس الأمر، بعد ظهور المعجزة، و إدراك مدة التجربة، لا في اعتقاد المكلف، و لا بالنسبة إليه.
                          فليس للمكلف المعاند أن يقول: "لا أقدم على نظر لم يجب، و لا يجب عندي ما لم أنظر؛ و أن لا يأثم بترك النظر، إذ لم يثبت بعد وجوب شيء"؛ لأن الجهل ليس بعذر، بعد ظهور المعجزة، و إدراك مدة التجربة؛ كما صرح به في قوله: "و لا عذر لأحد في الجهل بخالقه".
                          فلا يرد ما في المواقف، و غيره: أنه مشترك الإلزام؛ إذ لو وجب بالعقل، فبالنظر اتفاقاً، فيقول المكلف حينئذ: "لا أنظر ما لم يجب، و لا يجب ما لم أنظر".
                          لا يقال: قد يكون وجوب النظر، فطرى القياس، إذ من القضايا، التي قياساتها معها، فيضع النبي له مقدمات ينساق ذهنه إليها، بلا تكلف، و يفيده العلم بوجوب النظر ضرورةً.
                          لأنا نقول له: أن لا يستمع إليه، و لا إلى كلامه، الذي أرد به تنبيهه، و لا يأثم بترك النظر، و الاستماع؛ إذ لم يثبت بعدُ وجوب شيء أصلاً، فلا يمكن الدعوة، و يلزم الإفحام.
                          الثالثة: أن إثبات الرسالة على المكلف، يتوقف على معرفته وجود الصانع المتعال، و كونه واجباً، واحداً بالذات، متصفاً بصفات الكمال، باعثاً للرسول، آمراً بما جاء به من العقائد، و الأعمال؛ و إليه أشار بقوله: "و يعرف الرسول من قبل الله".
                          و قوله بعده: "بما عرفهم الله من التصديق بالرسول"؛ لتوقف ثبوت الرسالة في نفس الأمر على تلك الأمور، و كذا إثباته على المكلف، و استلزام وجوب الوجود الوحدة بالذات، بمعنى التنزه في ذاته عن أنحاء التعدد، و التركب، و المشاركة في الحقيقة، و خواصها؛ كما صرح به البيضاوي، و غيره.
                          و لذا، بنى المتكلمون برهان التمانع المثبت للوحدة على الوجوب لذاته، كما بنى الفلاسفة عليه دلائل الوحدة، و بينوا استلزام التعدد للإمكان، كما فصل في محله.
                          و عن هذا، قال بعض الأجلة -في رد ما قيل: "إن التوحيد مما يصح إثباته بالسمع"-: إن التعدد يستلزم الإمكان، على ما لخص في محله، و ما لم<101> يعرف أن الله تعالى واجب الوجود، خارج عن جميع الممكنات، لم ينتظم برهان على الرسالة.
                          [يعني، أن إثبات الرسالة، و ما جاء به الرسول من الأدلة السمعية عند المكلف، يتوقف على معرفته وجوب وجود الصانع المرسل، و وحدته، بخروجه عن جميع الممكنات، فإثبات الوحدة بالأدلة السمعية دور.
                          فلا يرد اعتراض صاحب "المقاصد"، بأن: غايته استلزام الوجوب الوحدة بالذات؛ فإثبات الوحدة] ، لاستلزام معرفته معرفتها، فضلا عن التوقف.
                          و منشأ الغلط، عدم التفرقة بين ثبوت الشيء، و العلم به؛ لما يشعر سياقه، أن المراد توقف انتظام البرهان على الرسالة، و على حقية ما جاء به الرسول، بالنسبة إلى المكلف، لا بالنسبة إلى نفس الأمر، كما ظن على معرفته وجوبَ وجود الصانع المرسل له، و معرفته وحدتَه؛ لا توقف معرفة الوجوب على معرفة الوحدة، و إن كان الوجوب يستلزمها.
                          و لا يرد ما قيل: إن الرسالة تثبت عند المكلف بمعرفة دليل الصانع، و دلالة المعجزة على صدق مدعى الرسالة، بلا توقف على معرفة وجوب وجوده، كما ظن.
                          لتوقف انتهاض دليل الصانع، و دلالة المعجزة، عند المكلف، على وجوب الوجود، و معرفته؛كما عرف في مسلك الإمكان و الحدوث.
                          و منشأ الغلط: الغفول عن التوقف بالواسطة.
                          و لا يتجه ما قيل: إنه إن أراد الاستلزام بينا، فظاهر أنه ليس كذلك، و إن أراد مطلقاً، فغير ثابت، و دلائله مدخولة.
                          و لو سلم، فالعلم بوجوده تعالى لا يتوقف عليه، أي على العلم بوحدته، فإنه يثبت بالخروج عن نظام السلسلة، لا عن جميع الممكنات؛ لاحتمال تعدد السلاسل، لمنع البراهين المقررة في كتب الفحول احتمال التعدد، و عدم الخروج عن جميع الممكنات، لتعدد السلاسل، لانتظام البرهان، بانتهاء سلاسل الممكنات و المحدثات إلى واجب بالذات ، على ما تقرر في المسلكين، لانتهاء سلسلة واحدة، كما ظن، و لإثباتها الاستلزام المذكور.
                          و أشار إلى أن أصل الدليل مأخوذ من الآية، بقوله فيه: "وَ لِذَلِكَ"، أي و لكونه معرفة صدق الرسول فيما جاء به من قبل تعريف الله للخلق، بتوفيق الاستدلال؛ "قَالَ اللهُ تَعَالَى" -مخاطباً لرسوله، و مسلياً له-: "﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي" هداية موصلة إلى البغية لا محالة، "مَنْ أَحْبَبْتَ"، ولا تقدر<102> أن تدخله في الإسلام، و إن بذلت فيه المجهود، و لا يجري الاهتداء على محبتك؛ "وَ لَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ" أن يهديه، فيدخله في الإسلام، بتوفيق الاستدلال، و خلق الاهتداء، فيمن يختار الهداية.
                          كما كشف عنه قوله تعالى: "وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾[القصص:56]"؛ أي سبق علمه بمن يختارها فيهديها كما في "التيسير"؛ و فيه إشارة إلى أن الآية عامة الصيغة.
                          56. و إن نزلت في أبي طالب؛ لأن النبي عليه الصلاة و السلام كان راغباً في إسلامه، لتكفله إياه في صباه، و منع عنه في كبره؛ كما قال ابن عباس رضي الله عنهما.
                          الثاني: ما أشار إليه بقوله: "وَ لَوْ كَانَتْ مَعْرِفَةُ اللهِ" بوجوب وجوده، و وحدته، و صفاته الذاتية، و الفعلية الشاملة لإرسال الرسول، و خلق المعجزة على يده، "مِنْ قِبَلِ" تعريف "الرَّسُولِ"، بما جاء به من الشرع، و موقوفاً عليه.
                          "لَكَانَ الْمِنَّةُ عَلَى النَّاسِ"، و هي النعمة التي لا يطلب موليها ثواباً ممن أنعم بها عليه -من المن: بمعنى القطع؛ لأن المقصود بها قطع حاجته-؛ "فِي مَعْرِفَةِ اللهِ مِنْ قِبَلِ الرَّسُولِ"، لحصول نعمة المعرفة، من قبله، بما جاء به؛ "لَا مِنْ قِبَلِ اللهِ" وحده، بتركيب العقول، و التوفيق للاستدلال.
                          "وَ لِكِنَّ الْمِنَّةَ مِنَ اللهِ" وحده، "عَلَى الرَّسُولِ فِي مَعْرِفَةِ الرَّبِّ تَعَالَى"؛ بتوفيق الاستدلال، كما وفق إبراهيم عليه السلام، و بالإعلام بطريق الفيض، و الإفضال، كما وقع لبعض الرس؛ و بالعصمة عن الكبائر، و الكفر في كل حال.
                          "وَ الْمِنَّةُ للهِ" وحده، و إن حصلت بوساطة الرسل، "عَلَى النَّاسِ" المؤمنين؛ "بِمَا عَرَّفَهُمُ اللهُ" بتركيب العقول، و التوفيق للاستدلال؛ "مِنَ التَّصْدِيقِ بِالرَّسُولِ"، و حقية ما جاء به.
                          يعني: أن معرفة الله تعالى، و معرفة وجوب تصديق النبي، لو كان من قبل الرسول، و توقف على الشرع، لكان المنة منه، و لزم الدور، أو التسلسل؛ فهو واجب عقلاً، بما عرَّفهم الله تعالى.
                          و تقريره: أن تصديق أول أخباره واجبٌ عقلاً؛ لأنه لو كان شرعاً، لتوقف على نص آخر، بوجوب تصديقه؛ فالنص الثاني إن كان وجوب تصديقه بنفسه، لزم توقف الشيء على نفسه؛ و إن كان بنص ثالث، لزم التسلسل؛ و أيضاً يتوقف تصديقه على<103> حرمة كذبه؛ فلو ثبت من قبله، لزم الدور، أو التسلسل.
                          و أصل الدليل: مأخوذ من قوله تعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾[الحجرات:17].
                          و أشار إلى تنويره، بقوله فيه: "وَ لِذَلِكَ"، أي لكونه معرفة وجود الصانع المتعال، و اتصافه بصفات الكمال، بتوفيق الله سبحانه للاستدلال؛ "لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ إِنَّ اللهَ يُعْرَفُ"، و يثبت وجوب الإيمان به، "مِنْ قِبَلِ الرَّسُولِ"، بما جاء به من الشرع، كما قاله المحدثون، و تبعهم الأشاعرة، لتوقف ثبوت الشرع عند المكلف على معرفة الله، و وجوب الإيمان به، و بصفاته الذاتية، و الفعلية، التي منها إرسال الرسل، و تشريع الأحكام.
                          و فيه تلويح بما مر من الإشارة إليه، من عدم التبديع في الخلاف في التفاريع؛ و لذا لم يقل بالتخطئة، و التبديع؛ "بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ إِنَّ الْعَبْدَ لَا يَعْرِفُ شَيْئاً مِنَ الْخَيْرِ"، و ما يليق به، فإن الخير حصول الشيء، لما من شأنه أن يكون حاصلاً له؛ "إِلَّا مِنْ قِبَلِ اللهِ تَعَالَى"؛ لتوقف المعرفة على خلق الأسباب، التي يتوصل بها الإنسان إلى الحق.
                          يعني: أن معرفة العبد لربه، بل كل ما يعرفه من الخير، الذي منه معرفة وجوب تصديق النبي فيما جاء به يثبت من قبل الله تعالى بما ركب في العباد من العقول، و وفق للاستدلال من قبل الرسول.
                          و ما قيل في الاعتراض على الدليل: إن وجوب التصديق، و حرمة الكذب، بمعنى جزم العقل؛ بأن صدقه ثابت قطعاً، و كذبه ممتنع، لما قامت عليه من الأدلة القطعية، مما لا نزاع في كونه عقلياًّ، كالتصديق بوجود الصانع؛ و أما بمعنى استحقاق الثواب، أو العقاب في الآجل.
                          فيجوز أن يكون ثابتاً بنص الشارع على دليله، و هو دعوى النبوة؛ و إظهار المعجزة، فإنه بمنزلة نص على أنه يجب تصديق كل ما أخبر به، و يحرم كذبه؛ أو بنص: ﴿أَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾[النساء:59؛ المائدة:92؛ النور:54؛ النور:56؛ محمد:33؛ التغابن:12]؛ مدفوعٌ، بأنه لو توقف الوجوب فيه، و حرمة ضده بمعنى استحقاق الثواب، أو العقاب في الآجل على نص الشارع.
                          فإن وجب الامتثال بذلك النص، في هذا الواجب، فقد دار؛ و إن وجب بنص آخر، تسلسل.
                          و إثبات المعجزة المقارنة لدعوى النبوة،لا يتوقف على اعتبار كونها بمنزلة النص، فاعتباره غير مفيد، و أن ثبوت أصل الشرع، موقوف على العلم به عند المكلف، المراد إلزامه، فكذا ثبوت كل نص من نصوصه، و منه نص وجوب الإطاعة.
                          و فيه إشارات إلى مسائل<104>:
                          الأولى: أن أصل الدليل مأخوذ من قوله تعالى: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾[آل عمران:26]؛ و إليه أشار بقوله: "إن العبد لا يعرف شيئا من الخير، إلا من قبل الله".
                          الثانية: الإشارة إلى أن ما يعرفه العبد من الخير، يتوقف على أمرو يجمعها الهداية بنصب الأدلة، و الإقدار على الاستدلال بإعطاء الصحة، و القوة، و تركيب العقول، و تسهيل السبل؛ و كلها من فضله تعالى، و إليه أشار بقوله: "و المنة لله على الناس، بما عرفهم الله من التصديق بالرسول".
                          الثالثة: أن الهداية تتنوع أنواعاً لا يحصيها عدّ، لأنها منة من الله تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا﴾[النحل:18]؛ و إليه أشار بقوله: "و لكن المنة من الله تعالى على الرسول، في معرفة الرب، و المنة لله على الناس".
                          لكن تنحصر في أجناس أربعة، كما أشار إليه الرازي، و البيضاوي:
                          الأول: الهداية بإفاضة القوى، التي بها يتمكن المرء من الاهتداء إلى إقامة مصالحه المعاشية، و المعادية، و يكون مبدأ لحصول الاهتداء، كإفاضة العاقلة، و الحواس الظاهرة، و إليه أشار بقوله: "حتى يقذف الله في قلبه التصديق، و العلم".
                          الثاني: الهداية بنصب الدلائل الفارقة بين الحق و الباطل، و الصلاح و الفساد، كما أشير إليه في قوله تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾[البلد:10]؛ أي أريناه طريقي الخير و الشر، و نصبنا له دليلهما، فشبه الدليل الواضح بالنجد، الذي هو الطريق الواضح، المرتفع، و سمى إراءة طريق الشر ليحترز منه هداية، لكونها خيراً من هذه الحيثية، و إليه أشار بقوله: "لما يرى من خلق السماوات و الأرض، و خلق نفسه، و غيره".
                          الثالث: الهداية بإرسال الرسل، و إنزال الكتب؛ كما أشير إليه في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾[الأنبياء:73]؛ و قوله: ﴿إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ<105> أَقْوَمُ﴾[الإسراء:9]؛ فإن الهداية لما كانت فعل الله، و بخلقه؛ عدت من هدايته؛ و عدت هداية القرآن، و الرسل بالتوصل، و إليه أشار بقوله: "لأن الرسول، و إن كان يدعو إلى الله".
                          الرابع: الهداية بكشف الله تعالى على قلوبهم السرائر، كما هي عليه، و إلقائها بطريق الفيض؛ كما أشير في قوله: ﴿كُلاًّ هَدَيْنَا﴾[الأنعام:84]؛ و إليه أشار بقوله: "و لكن المنة من الله على الرسول في معرفة الرب".
                          ثم أشار إلى أن كفاية الإيمان الإجمالي في الخروج عن عهدة التكليف، فيما لوحظ إجمالاً، و يشترط التفصيل فيما لوحظ تفصيلاً.
                          فيكفي في الإجمال: التصديق بجميع ما علم بالضرورة مجيء الرسول به، أو يعلم كل أحد كونه من الدين، من غير افتقار إلى الاستدلال؛ كوحدة الصانع، و علمه، و وجوب الصلاة، و حرمة الخمر؛ و لو لم يصدق بواحد منها عند التفصيل، كان كافراً، بالاتفاق؛ كما في "شرح المقاصد"، و غيره.
                          "وَ قَالَ فِي "الْفِقْهِ الْأَكْبَرِ": وَ إِذَا أَشْكَلَ"، أي التبس، استعارة كالاشتباه من الشبه، كما في "المفردات".
                          "عَلَى الْإِنْسَانِ" المصدق بما جاء به الرسول إجمالاً، "شَيْءٌ" لاحظه بخصوصه، مما علم بالضرورة كونه من الدين؛ "مِنْ دَقَائِقِ عِلْمِ التَّوْحِيدِ"،كشموله علمه تعالى للكليات، و الجزئيات، و حدوث العالم، و حشر ما فنى من الأجساد؛ فكم مؤمن، لم يعرف معنى الحادث، و القديم أصلا، و لم يخطر بباله حديث حشر الأجساد، و لكن إذا لاحظ ذلك، فلو لم يصدق، كان كافراً؛ كما في "شرح المقاصد".
                          و أشار إليه بـ "الدقائق".
                          و إلى التقييد بـ "الضروريات الدينية"، بذكر التوحيد، الذي هو مبناه، و أفصح عنه في فصل خلق الأعمال، بالتصريح بعدم الإكفار، في غير الضروريات، بالتردد، و الإنكار؛ و قد مر ضابطه.
                          و إلى الاحتراز عن الإنكار، و التوقف في علم الأحكام، بعدم الإكفار، لمنكر الاجتهاديات، إجماعاً؛ و فيه تصريح بما مر الإشارة إليه من التسمية.
                          "فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ"، و يجب عليه، "أَنْ يَعْتَقِدَ"، و يصدق، على الإجمال، "فِي الْحَالِ"، من غير إهمال، "مَا هُوَ الصَّوَابُ"، المحمود بحسن مقتضى الشرع و العقل، في ذلك الشيء، الملحوظ بخصوصه، و الحق "عِنْدَ اللهِ"، أي علمه، و حكمه، بأن يقول مثلا: "إن ما اراد الله سبحانه و تعالى منه، فهو حق واقع"؛ فإن هذا القدر يكفيه<106>؛ "إِلَى أَنْ يَجِدَ عَالِماً" بدقائق علم التوحيد، "فَيَسْأَلَهُ".
                          و فيه إشارة إلى أن تحصيل دقائق علم التوحيد، فرض على سبيل الكفاية، كما مر؛ و إلى من وجد عالماً ينبغي أن يسأله ما يحتاج إلى السؤال من أمر دينه، كما دل الإطلاق، بحذف المفعول، و إلى الأخذ من قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾[النحل:43؛ الأنبياء:7].
                          "وَ لَا يَسَعُهُ"، و لا يجوز له "تَأْخِيرُ الطَّلَبِ"، إذا أمكن له المراجعة إلى العالم بدقائقه، "وَ لَا يُعْذَرُ بِالتَّوَقُّفِ" فيه، أي فيما أشكل عليه من الضروريات، لأن التوقف، و عدم القول بواحد معين من الطرفين، فيما يجب اعتقاده كالإنكار.
                          "وَ يَكْفُرُ إِنْ وَقَفَ"، و لم يعتقد إجمالاً أن ما أراد الله سبحانه و تعالى منه، حق، لعدم العذر في الجهل بالضروريات الدينية، فلا يتناول التوقف في غيرها، كما ظن.
                          كالتوقف في "قدم الكلام"، كما نسب إلى أبي عبد الله الثلجي؛ أنه يقول بالمتفق عليه، و هو "أنه كلام الله تعالى"؛ و يتوقف في المختلف فيه، و هو "أنه مخلوق"، أو "غير مخلوق".
                          و كيف لا، و لو أطلق، لزم إكفار المنكرين من المعتزلة، و النجارية بالطريق الأولى؛ فقد أطبق الجمهور على خلافه، و نص عليه الإمام في مواضع من كتابه<107>.

                          تعليق

                          • حماد محمد الشنقيطي
                            طالب علم
                            • Feb 2010
                            • 252

                            #14
                            و هذا النص كاملاً، لمن أراده... و أرجوا من الإخوة التحقق من النص، و التصحيح للأخطاء إن عثر عليها....
                            و لعل من الإخوان من يستطيع حفظه بصيغة الشاملة، و يعيد رفعه...
                            روابط المختصر المشروح
                            MediaFire is a simple to use free service that lets you put all your photos, documents, music, and video in a single place so you can access them anywhere and share them everywhere.

                            يتناول المستند عبارات الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان بن ثابت حول تحريم قتل النفس والأخذ بالقصاص.

                            روابط الشرح "إشارات المرام"
                            MediaFire is a simple to use free service that lets you put all your photos, documents, music, and video in a single place so you can access them anywhere and share them everywhere.


                            و هذه روابط الفور شيرد
                            1000-القاضي كمال الدين البياضي -نص المختصر.doc download from 4shared

                            1000-القاضي كمال الدين البياضي -إشارات المرام من عبارات الإمام.doc download from 4shared

                            تعليق

                            يعمل...