هل يجوز للمسلم ان يدعم الديمقراطية؟

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمد إسماعيل متشل
    طالب علم
    • Nov 2004
    • 183

    #16
    الأخوة الكرام:

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    أولا, اريد ان اقول انني متأسف للتأخر في الرد, فقد كنت مشغولا ولا أقدر على الالتفات إلى هذا المنتدى والمبارك. أما الآن فأريد ان اجدد النقاش.

    ولكن قبل الرد على تعليقاتكم أيها الاخوة فاريد منكم ان تجاوبون على السؤال الذي طرحته سابقا, وهو: هل القول بنفي حكم معين لله في الظنيات - كما نطق بذلك الغزالي وغيره من المصوبة - تجيز القول بالديمقراطية في المسائل الظنية؟ فنحن لسنا مأمورين بالاحتكام إلى أي أحد غير الله, ولكن إذا لم يكن لله حكم معين, فماذا نفعل؟ نعم,

    وها ابدأ في الرد عليكم

    إن الديمقراطية نظام حكم وهو قائم على اساس مبدأ الفصل(الدين عن الدولة)
    هذا الكلام غير صحيح, فالديمقراطية مبني على منع الاستبداد السياسي والاديان كلها ولا سيما الإسلام كما هو واضح للكل لا يقول بجواز الاستبداد السياسي, أليس كذلك؟

    يجب أن نعلم أخي محمد أن في أي مسألة كيفما كانت إلا و فيها حكم لله يقول تعالى (ما فرطنا في الكتاب من شيئ)
    قد اختلف المفسرون عن معنى هذه الآية, اليس كذلك أخي الكريم؟ وهذا هو عين المشكلة التي نحن بصدد دراستها: فمثلا اختلف الناس في بعض الآيات والأحاديث, ولا يقطع بأحد منهم أنه حكم الله في المسألة. وعندك الفكرة بأنه إذا أعطينا الإمام السلطة المطلقة في اختيار الحكم في مسألة ما فقد حللنا المشكلة, ولكن الأمر ليس كذلك. بل هذا لا ينتج منه الا الاستبداد والظلم, فنحن ما وقعنا في ورطتنا الحاضرة إلا لأننا اعطينا الحكام السيطرة المطلقة لكي يحكوموا كما يرون بدون أي محاسبة من الشعب. أقول: كيف وقع الإمام أحمد في سجون الخليفة مأمون إذا لم يك من وراء اعطاء الحاكم السيطرة المطلقة على رعيته ويطبق عليهم ما يريد هو من أحكام واعتقادات؟

    وقد سألني أحد الأخوة ولا أذكر من هو: ومن قال بأن الإسلام منع من محاسن الديمقراطية؟ أقول: أنتم!!! كل من قال باننا لسنا بحاجة إلى الديمقراطية, فهو عين الذي قال بأننا لسنا بحاجة إلى محاربة الظلم والاستبداد السياسي والاقتصادي. أقول: إذا كان الحاكم يعلم بأن الفقهاء يقولون بأنه لا يجوز عزل الخليفة إلا بكفر بواح, وإذا عرف أنه يمكنه أن يحكم البلد لطول عمره, فكيف سنحاسبه إذا اخطأ؟ أنا اعيش في الولايات المتحدة, وإذا ارادت اهل امريكا ان تحاسب بوش او احد اعضاء مجلس الشيوخ, نحن قادرين على ذلك!!! فبوش ملزم باتباع مصالحنا, وإلا عزلناه عن الحكم واخترنا واحد غيره, أما حسب النموذج السابق فيمكن للحاكم ان يسرق أموال الناس ويضربهم ويعذبهم عذابا عسيرا ولا يمكن للشعب ان يأنون من الألم!!!! أهذا ما يدعو إليه الإسلام؟!؟!؟!

    ثم يشأل الأخ بلال عن هويتي الفكرية, ولا اريد ان اخفى عليه انني اشعر بالإهانة من وراء هذا السؤال. فهذا يدل على ان الذي يأتي هنا للنقاش والحوار يجب أن يأخذ برأي المشرفين وإلا ترددنا في إسلامه!!! اعدلوا في بارك الله فيكم!!! فما انا الا مسلم يعيش تحت ظل حكومة ديمقراطية وهو معجب بما يرى فيه من محاسن ومصالح. وهو ايضا يعرف ان النظام ليس كاملا, ولكنه يعرف بأنه لا يوجد تحت ظل السماء أي شيء كاملا إلا كتاب الله.

    وأخيرا اريد ان اعلق على هذه العبارة من الأخ محمد عبد الله:

    فالأكثرية إذا صوتت على أي قانون كيفما كان فلا بد للمجتمع أن يسير عليه.
    هذا ليس بصحيح, فهنا في أمريكا إذا اراد الاكثرية شيئا خالف الدستور فهو يرمى عرض الحائط. وهذا يمكن ان يكون الديمقراطية في الشعوب الإسلامية, يمكن ان يكون في دستور يكفل بعدم تشريع اي قانون يتعارض مع قطعيات الإسلام, وأما الظنيات فهي بإيد الشعب تحكم وفقا لمصالحها واهدافها الاخلاقيه.

    وأريد ان اسأل الأخ بلال: إذا كنت مقتنع بأن غالبية المسلمين في البلاد الإسلامية يعرفون حقية الإسلام, فلماذا تفكر بأنه إذا اعطيناهم حرية تبني الاحكام سيرمون الكتاب السنة على عرض الحائظ؟ وإذا كان هذا غير مقصودكم, فما بالكم تمنعونهم من حرية تبني الأحكام؟

    والسلام

    تعليق

    • مصطفى أحمد شبارو
      طالب علم
      • Oct 2006
      • 17

      #17
      للباحث سبط الجيلاني رسالة اسمها "حث المَطيّة في فضيحة الديمقراطيّة" لعلها من أنفع ما ألف على الديمقراطية، أقتطف لكم منها للفائدة (ولكن للأسف الآيات التي ذكرها لا تظهر مقروءة فيما أنقله أدناه، لكونها كتبت بخط غير معياري، كذلك الحواشي لا تظهر):

      الفَصْلُ الثَّانِي: تَعْرِيفُ الدِّيمُقْراطِيَّةِ

      المَبْحَثُ الأَوَّلُ: الدِّيمُقْراطِيّةُ مَعْناها لُغَةً حُكْمُ الشَّعْبِ
      الدِّيمُقْراطِيّةُ كَلِمَةٌ يونانيَّةُ الأَصْلِ، وهِيَ مُرَكَّبةٌ مِنْ لَفظةِ دِيمُوس (demos) ومعناها الشَّعبُ، ولفظةِ قراطُوس (kratos) ومعناها الحُكْمُ، فيكونُ معنَى الدِّيمُقْراطِيّةِ لغةً: حُكْمَ الشَّعْبِ .

      المَبْحَثُ الثَّانِي: الدِّيمُقْراطِيَّةُ يَكْتَنِفُ مَعْنَاهَا الغُمُوضُ والتَّنَاقُضُ
      وممَّا لا شكَّ فيهِ أنَّ كَلِمَةَ دِيمُقْراطِيَّةٍ مِنْ أَغمضِ العِباراتِ المُسْتَعملَةِ في اللُّغاتِ الأَعْجَمِيَّةِ الفِرِنْجِيَّةِ (كالإنكِلِيزيَّةِ والفرنسيَّةِ)، إذْ لا وُجودَ لتعريفٍ دَقيقٍ لها عندَهم، فهيَ قدْ تعنِى أشياءَ مُتناقضةً، ويَظهرُ ذلكَ جليًا إذا قابَلْنَا دِيمُقْراطِيَّةَ الولاياتِ المتَّحِدَةِ الأمريكيَّةِ بدِيمُقْراطيَّةِ الإتِّحادِ السُّوفِياتيِّ قَبْلَ تَفَكُّكِهِ. وقدْ مضَى زَمَنٌ كانتْ فيهِ عبارةُ "دِيمُقْراطيٍّ" سُبَّةً لا مَدْحًا ، أمَّا اليومَ فأصبحَ الاتِّصافُ بِها مَدْعاةً للفخرِ والاعتزازِ، ومصدرًا للمدحِ والإِطْراءِ؛ ولذلكَ نجدُ أنظمةَ الحُكْمِ في عصرِنا، حتَّى الدِّيكتاتوريَّاتِ الاشتراكيَّةَ، والمَمالِكَ الوِرَاثِيَّةَ، تَدَّعِيها وتحرِصُ على أنْ تَتَسَمَّى بِها؛ فسُبحانَ الَّذِي يُغَيِّرُ ولا يَتَغَيَّرُ.

      المَبْحَثُ الثَّالِثُ: الدِّيمُقْراطِيَّةُ في الأَصْلِ نَظَرِيَّةٌ في الحُكْمِ والسِّيَاسَةِ
      أمَّا مِنَ النّاحِيَةِ العمَليَّةِ، فإنَّ الدِّيمُقْراطِيّةَ هيَ في الأَصلِ نَظَرِيَّةٌ في الحُكمِ والسِّياسةِ، يُمارِسُ فيها أفرادُ الشَّعبِ البالِغونَ السُّلطةَ، بِواسِطةِ الاقتراعِ الحُرِّ، الَّذِي يَعتَمِدُ اختيارَ الأكثريَّةِ المُطلقَةِ، وهذِهِ هِيَ الدِّيمُقْراطِيّةُ المُباشِرَةُ.

      وبما أنَّهُ يستحيلُ تطبيقُ الدِّيمُقْراطِيّةِ المباشِرَةِ لأنَّها تَتطلَّبُ أنْ يَبْقَى الشَّعبُ كلُّهُ مُجتمعًا دائمًا في صَعِيدٍ واحِدٍ، للتَّصْوِيتِ عَلَى كلِّ صَغِيرةٍ وكَبيرةٍ مِنْ خِياراتِ الحُكمِ، تَشريعًا وتنفيذًا لِلقوانينِ والأحكامِ، فإِنَّ الدِّيمُقْراطِيّةَ المُطَبَّقَةَ في الدُّوَلِ الدِّيمُقْراطِيّةِ في الدُّنْيَا هيَ الدِّيمُقْراطِيّةُ غيرُ المباشِرَةِ، الَّتِي ينتخِبُ فيها الشَّعبُ ممثِّليهِ في مَجلسٍ يُقالُ لهُ مجلسُ الأُمَّةِ، أَوْ مجلسُ الشَّعبِ، أوِ البَرْلَمَانُ، أو مَجلسُ النُّوَّابِ، ثُمَّ يقومُ هؤلاءِ الممثِّلونَ بالتَّصويتِ لِسَنِّ القَوانينِ، واختيارِ رأسِ الدَّوْلَةِ وبَعْضِ كِبارِ مُعاوِنِيهِ (كرَئِيسِ الوُزَرَاءِ) أَحيانًا ، كما يُشْرِفُونَ عَلَى أَداءِ السُّلْطَةِ التَّنْفِيذِيَّةِ (أَيِ الحَاكِمِ ووُزَرَائِهِ ومُعاوِنِيهِ).

      المَبْحَثُ الرَّابِعُ: الدِّيمُقْراطِيَّةُ مَارَسَهَا الإِغْرِيقُ ثُمَّ اخْتَفَتْ لِتَظْهَرَ بَعْدَ أَلْفَيْ عَامٍ
      والدِّيمُقْراطِيّةُ السِّياسِيَّةُ مُوغِلَةٌ في القِدَمِ، فلقدْ مارَسَهَا الإِغْرِيقُ في دُوَلِهِمِ المَدِينِيَّةِ ، وخاصَّةً في أَثِينا، ولكنَّ الدِّيمُقْراطِيّةَ الإغريقيَّةَ استَثْنَتْ النِّساءَ والعَبيدَ فلَمْ تُعطِهِمْ حقَّ التَّصْوِيتِ، واتَّسَمَتْ بقَمْعِ الحُرِّيَّةِ، وسَيطرةِ الدَّولةِ علَى مُختلِفِ مظاهِرِ النَّشاطِ الاجتماعِيِّ والاقتصاديِّ للشَّعبِ. ولم تعمِّرْ الدِّيمُقْراطِيّةُ الإغريقيَّةُ طويلاً، فما لبِثتْ أنِ انْدَثَرتْ. وبعدَ زُهاءِ أَلَفيْ عامٍ مِنْ زَوالِها، ظَهَرَتْ الدِّيمُقْراطِيّةُ الحدِيثةُ في بَريطانِيا، وكذلك في فَرنسَا وأمْرِيكا أثناءَ الثَّوْرَتَيْنِ الأَمْرِيكِيَّةِ والفَرَنْسِيَّةِ .

      وتَرْجِعُ الدِّيمُقْراطِيّةُ الحديثةُ في أصولِها إلى ثَوْرةِ العُلومِ الكَوْنيَّةِ، في القَرْنينِ المِيلادِيَّيْنِ السَّادِسَ عَشَرَ والسَّابِعَ عَشَرَ، وإلى الثَّوْرَةِ التَّكْنُولُوجيَّةِ والصِّناعِيَّةِ، في القَرنَينِ المِيلادِيَّيْنِ الثَّامِنَ عَشَرَ والتَاسِعَ عَشَرَ، في بِلادِ الكُفْرِ الغَربِيَّةِ. فقَدْ مَهَّدَتْ تِلكَ الطَّفَراتُ التَّارِيخِيَّةُ، في بِلادِ الفِرَنْجَةِ، لَها الطَّرِيقَ، وذلكَ بِما سَبَّبتْهُ مِنْ تَغَيُّرَاتٍ هائِلةٍ في حياةِ كُفَّارِ الغَربِ وتفكِيرِهِمْ، وزَرَعَتْهُ فيهِمْ مِنْ نَزْعَةٍ إلى التَّخَلُّصِ مِنْ جَوْرِ مُلُوكِهِمْ ورِجالِ دِينِهِمْ، ورَغْبَةٍ في تَحْسِينِ مُستوَى حياتِهِمْ، والانْتِقالِ مِنْ شَظَفِ العَيْشِ إلى رَغَدِهِ .

      المَبْحَثُ الخَامِسُ: الدِّيمُقْراطِيَّةُ لَهَا أَشْكَالٌ مُتَعَدِّدَةٌ
      يَتَعَذَّرُ تَطْبِيقُ شَكْلٍ وَاحِدٍ مِنَ الدِّيمُقْراطِيّةَ في كُلِّ بِلادِ العالَمِ، ولِذَلِكَ تختلِفُ الدِّيموقَراطيَّاتُ الحدِيثةُ في التَّفاصيلِ والآلِيَّاتِ، كتَقْسِيمِ الدَّوائِرِ الانْتِخَابِيَّةِ، والتَّمْثِيلِ الطَّائِفِيِّ (أيْ حَسَبَ الدِّينِ)، وطَرِيقَةِ انتِخابِ رَأْسِ الدَّوْلَةِ؛ فتأخذُ أشكالاً مُتعدِّدةً؛ فمِنْها مَثَلاً ما يَعْهَدُ إلى البَرْلَمانِ بِانتخابِ رئيسِ البِلادِ، ومنها ما يَعتَمِدُ الانتخابَ المباشِرَ مِنْ قِبَلِ أفرادِ الشَّعبِ للرَّئيسِ. ومِنْ أنواعِ الدِّيمُقْراطِيّةِ الَّتِي ظَهَرَتْ في الدُّنْيا، الدِّيمُقْراطِيّةُ النِّسْبِيَّةُ، الَّتِي تُحاوِلُ أنْ تُخَفِّفَ مِنْ إِجْحافِ مَبْدَأِ الأَكثريَّةِ العَدَدِيَّةِ بِحُقوقِ الأقَلِيَّاتِ في نَظَرِهِم، وذلكَ أنَّ اعتمادَ اختيارِ الأكثريَّةِ يجعلُ الدِّيمُقْراطِيّةَ استبدادًا مِنْ قِبَلِ الأَكثريَّةِ بِالأقليَّاتِ وتَحَكُّمًا بِها .

      المَبْحَثُ السَّادِسُ: الدِّيمُقْراطِيَّةُ تَعِدُ بِالحُرِّيَّة ِوالمُسَاوَاةِ والرَّخَاءِ لَكِنَّهَا لَمْ تَفِ بِوُعُودِهَا
      وأمَّا مِنَ النَّاحِيَةِ الاقتصادِيَّةِ والاجتماعيَّةِ، فتَعْتَمِدُ الدِّيمُقْراطِيّةُ نظرِيًّا مَبدَأَ الحُرِّيَّةِ الشَّخصيَّةِ، وتكافُؤِ الفُرَصِ أمامَ المُواطِنينَ، والمُساواةِ بينهُمْ في الحُقوقِ والواجباتِ، بِغَضِّ النَّظَرِ عَنِ الدِّينِ والعِرْقِ والجِنْسِ والثَّرْوَةِ، وتَسْعَى إلى توفيرِ فُرَصِ العَمَلِ وتحقيقِ الرَّخاءِ الاجتماعيِّ واليَسَارِ الماليِّ لأكثريَّةِ الشَّعبِ، وتنادي بحريَّةِ الأسواقِ، وتتركُ لِلْعَرضِ والطَّلبِ تحديدَ أسعارِ السِّلَعِ الاستهلاكيَّةِ.

      وإنْ كانتْ الدِّيموقَراطيَّاتُ الغَرْبيَّةُ نجَحَتْ في إنْعاشِ اقتصادِ دُوَلِها، وتحقيقِ الرَّخاءِ لِكَثيرٍ منْ أفرادِ شُعُوبِها بِشَكْلٍ عامٍّ ، ولكنَّها مَعَ ذلكَ أخفَقَتْ في القَضاءِ على بِطالَةِ اليَدِ العامِلةِ، وفَشِلَتْ في القَضاءِ التامِّ على الفَقْرِ والتَّشّرُّدِ ؛ كما أنَّها لم تَتَمَكَّنْ مِنَ المُحَافَظَةِ على الحُرِّيَّةِ الَّتِي وَعَدَتْ بِها، فاندَفَعَتْ في قَمْعِ الحُرِّيَّاتِ، وكَبْتِ الشَّعْبِ، واعتِقالِ النَّاسِ لِمُجَرَّدِ الشُّبْهَةِ . كما أنَّ الدّيموقَراطيَّاتِ الغَرْبيَّةَ لم تحقِّقِ المُساواةَ للأقليَّاتِ بالأكثريَّةِ كما وَعَدَتْ ، وأبقَتْ فُرصَةَ الوُصولِ إلى الحُكْمِ، والقَوْلَ الفَصْلَ في اختيارِ الحاكِمِ، ومِنْ ثَمَّ في التَّأْثِيرِ على سِياسَتِهِ، والسَّيْطَرَةَ على وَسائِلِ الإِعْلامِ، والتَّأْثِيرَ عَلَى الرَّأْيِ العَامِّ، أبْقَتْ ذلكَ كلَّهُ في أيدِي نُخْبَةٍ منْ أهلِ الثَّراءِ والتَرَفِ والنُّفُوذِ، دُونَ غَيرِهِمْ في الغالِبِ.

      المَبْحَثُ السَّابِعُ: الدِّيمُقْراطِيّةُ تُنَادِي بِالسَّلامِ لَكِنَّهَا تُؤَجِّجُ الحُرُوبَ الطَّاحِنَةَ
      وأمَّا مِنَ النَّاحِيَةِ العَسكريَّةِ فتتميَّزُ الدُّولُ الدِّيمُقْراطِيّةُ بالسَّعيِ الحَثِيثِ للتَّفوُّقِ العسكريِّ وامتلاكِ أحدثِ الأسلحةِ الفتَّاكةِ، ورَغْمَ ادِّعاءِها السَّعيَ إلى السَّلامِ، نَجِدُها لا تتردَّدُ في استعمالِ القُوَّةِ العسكريَّةِ المُفْرِطَةِ، وشَنِّ الحروبِ الطَّاحنةِ، لأَتْفَهِ الأسبابِ، باسمِ الدِّفاعِ عنْ الحُرِّيَّةِ ونَشْرِ الدِّيمُقْراطِيَّةِ. واللاَّفِتُ أنَّ جُيوشَ الدُّولِ الدِّيمُقْراطِيّةِ تتَّصِفُ بالبُعدِ كُلَّ البُعدِ عنِ الدِّيمُقْراطِيّةِ بينَ صُفوفِها وفي قِيادَتِها، وبالوَحْشيَّةِ والعَدائِيَّةِ تُجاهَ مَنْ يَرفُضُ الدِّيمُقْراطِيّةَ مِنْ شُعوبِ الأرضِ ودُوَلِهَا، وبمُخالَفَةِ أَبْسَطِ قَوَاعِدِ مَكارِمِ الأَخْلاقِ في مُعامَلَةِ الأَسْرَى والسُّجَناءِ لدَيْها.

      الفَصْلُ الثَّالِثُ: مُخَالَفَةُ الدِّيمُقْراطِيَّةِ لِلإِسْلامِ

      تخالِفُ الدِّيمُقْراطِيّةُ الإسلامَ مِنْ عِدَّةِ وُجوهٍ، كما تُبيِّنُ المباحِثُ الثَّمانيةُ في هذا الفصلِ:

      المَبْحَثُ الأَوَّلُ: الحَاكِمِيَّةُ في الإِسْلامِ للهِ ولَيْسَ لِلشَّعْبِ
      كما بيَّنَ الفصلُ السَّابقُ، الدِّيمُقْراطِيّةُ عبارةٌ يونانيَّةُ الأَصْلِ معناها: حُكْمُ الشَّعبِ . أمَّا الإسلامُ فلا يقبلُ أنْ يكونَ الحُكْمُ لِلشَّعبِ، بلْ يُعلِنُ أنَّ الحُكْمَ والحَاكِمِيَّةَ للهِ وَحْدَهُ، قالَ تَعالى:       .

      المَبْحَثُ الثَّانِي: التَّشْرِيعُ في الإسْلامِ لَيْسَ بِرَأْيِ الأَكْثَرِيَّةِ
      والدِّيمُقْراطِيّةُ، مِنْ حيثُ المبدأُ، تعتمِدُ في الحُكْمِ على اخْتيارِ الأَكْثريَّةِ، وتَعْتَبِرُهُ تَشْرِيعًا مُلْزِمًا لِمَنِ اختارَهُ ولِغَيْرِهِ، بينما الإسلامُ لا يُدخِلُ رأيَ الأكثريَّةِ في التشريعِ، ولا يَعتمِدُهُ في الحُكمِ، فتَشْريعُ الأَحكامِ في الإسلامِ مَصَادِرُهُ القُرآنُ الكريمُ، والحديثُ الشريفُ والإجماعُ، والقياسُ، لا غيرُ.

      المَبْحَثُ الثَّالِثُ: الإسْلامُ لا يَقْبَلُ بفَصْلِ الدِّينِ عَنِ الدَّوْلَةِ
      والدِّيمُقْراطِيّةُ لا دِينَ لها، فهِيَ مبنيَّةٌ على فصلِ الدِّينِ عنِ الدَّولةِ، بلْ وعنِ مُجْمَلِ الحياةِ العامَّةِ وكثيرٍ منَ الخاصّةِ، وجَعْلِه أمرًا اختياريًّا محصورًا في المَعَابِدِ والاحتفالاتِ الخاصَّةِ وبعضِ الطُّقُوسِ الشَّخصيَّةِ؛ أيْ أنَّها تعتمِدُ في شُؤونِ الدَّولةِ، والحُكْمِ، والعُقوباتِ، وإدارةِ البِلادِ والعِبادِ، وعَلاقَةِ الحاكِمِ بِالفَردِ والمجتمعِ، على تطبيقِ القوانينِ، التي يضعُهَا مجلسُ الشَّعبِ، بدلَ أحكامِ الشَّرعِ، التي أنزلَهَا اللهُ.
      أمّا الإسلامُ فيَجعلُ السِّيادةَ لِشرعِ اللهِ في أمورِ الدَّولةِ، وفي حياةِ الفردِ والمجتمَعِ، عَلَى حدٍّ سَواءٍ، ويُوجِبُ أنْ يكونَ دينُ الدولةِ هو الإسلامَ على التَّحْدِيدِ، دونَ غيرِهِ مِنَ الأديانِ، قالَ تَعالى:              ، وقال تعالى:            ، وقال تعالى:            ، وقال سبحانه:            .

      المَبْحَثُ الرَّابِعُ: الإِسْلامُ يَأْبَى تَغْلِيبَ رَأْيِ العَوَامِّ عَلَى رَأْيِ أَهْلِ المَعْرَفَةِ
      والدِّيمُقْراطِيَّةُ، بِاعْتِمادِها على تَشريعِ الأَكثرِيَّةِ، تَعْتَبِرُ الصَّوابَ فيما اخْتارتْهُ أَكْثرِيَّةُ الشَّعبِ كائنًا ما كانَ (ولوْ كانَ تحليلاً للزِّنَا والبِغاءِ واللِّواطِ والسِّحاقِ والرِّبا والقِمارِ وزَواجِ الرَّجُلِ مِنَ الرَّجُلِ والمَرْأَةِ مِنَ المَرْأَةِ)، وهذا لا يَقْبلُهُ الإسلامُ، بلْ ولا مُطلَقُ عاقِلٍ مُنْصِفٍ، فاعتمادُ اختيارِ أَكْثَرِيَّةِ الشَّعْبِ وتَصْوِيبُهُ مهما كانَ، يَعنِي عادةً تغلِيبَ الخطأِ على الصَّوابِ، والباطِلَ على الحَقِّ، لأنَّهُ تغليبٌ لِرَأْيِ العَوامِّ والسُّفهاءِ والسُّذَّجِ والهمَجِ والرَعَاعِ على رأيِ أهلِ الكفاءةِ والحِكْمَةِ والمعرفةِ والعِلْمِ؛ فغالبُ البَشَرِ أتباعُ كُلِّ ناعِقٍ لا عِبْرَةَ بِمُوافقتِهِمْ ولا مُخالفتِهِمْ؛ ألا تَرى أنَّهم في الغالِبِ يَختارونَ ما تُمْلِيهِ عليهِمْ غرائزُهُمْ ورَغَباتُهُمْ، وتَسْتَعْبِدُهُمْ أَهْواؤُهُمْ وشَهَوَاتُهُمْ، وتَتَلاعَبُ بِهِمْ حَمَلاتُ الدِّعَايَةِ ووسائلُ الإعلامِ، فَيَمِيلُونَ حَيْثُ مالَتْ بِهِمْ، ويفتَقِرُونَ إلى الحِكْمةِ، والنَّزَاهَةِ، والاستقامَةِ، والمعْرِفَةِ، والاطِّلاعِ على حقائقِ الأُمورِ.

      فالبَشَرُ أقلُّهُمُ العُلَماءُ الحُكَماءُ العارِفُونَ المُنْصِفُونَ، وأكثرُهُمُ إمَّا سُذَّجٌ بُسَطاءُ، أو خُبثاءُ أنانيُّونَ، أو متَهَوِّرُونَ مُتَسَرِّعُونَ، أو جُهَالٌ حَمْقَى؛ أَلاَ تَرَى كَيْفَ يَخْتارُ أَكْثَرُهُمْ الكُفْرَ، ويُعْرِضُونَ عَنِ الإِيمانِ؛ قالَ تعالى:             ، وقالَ تعالى: وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ، فكيفَ يُعْبَأُ بِرأيِ أَمثالِ هؤلاءِ ويُترَكُ حُكْمُ اللهِ، وكيفَ يُلتفَتُ إلى اختيارِهِمْ، ولا سيَّما في أمورِ الحُكمِ، والحَظْرِ، والإباحةِ، والكَراهَةِ، والاستحبابِ، والإيجابِ، ونحوِ ذلكَ مِنَ الأَحكامِ!؟ فالأخْذُ بِرَأيِ أكثريَّةِ البشرِ ضلالٌ بِنَصِّ القُرآنِ، قالَ اللهُ سبحانَهُ وتعالى:                    .

      المَبْحَثُ الخَامِسُ: الدِّيمُقْراطِيَّةُ مِنْ وَضْعِ الكُفَّارِ
      كما بيَّنَ المَبْحَثُ الرَّابِعُ مِنَ الفَصْلِ السَّابقِ، الدِّيمُقْراطِيّةُ نظامٌ سياسيٌّ قديمٌ مِنْ وَضْعِ البشرِ، وزِدْ على ذلكَ أَنْ الذينَ وضعُوهُ لَيْسُوا مِنَ المسلمينَ، فأوَّلُ مَنْ مارسَهُ هم الإغريقُ ثم غيرُهم مِنَ الفِرِنْجَةِ الكَفَرَةِ، وبِالتَّالِي فالدِّيمُقْراطِيّةُ نِظامٌ بَشَرِيٌّ مَحْضٌ، مَنشَؤُهُ بلادُ الكُفرِ، ومصدرُهُ أهواءُ الكُفَّارِ، ولم يَشْرَعْهُ خَالِقُ البَشَرِ ولا أذِنَ بِهِ، فكيفَ تكونُ مَصلحةُ البشرِ فيهِ، دُونَ ما أَمَرَ بِهِ اللهُ وشرعه لنا!؟ قالَ تعالى:            .

      المَبْحَثُ السَّادِسُ: الحُرِّيَّةُ لَيْسَتْ مُطْلَقَةً في الإِسْلامِ
      والدِّيمُقْراطِيّةُ تُنادِي بِحُرِّيَّةِ الاعتِقادِ، وحُرِّيَّةِ الرَّأْيِ، وحُرِّيَّةِ التَّعبِيرِ، وحُرِّيَّةِ التَّمَلُّكِ، والحُرِّيَّةِ الشَّخْصِيَّةِ، لِكُلِّ فَرْدٍ مِنْ أفرادِ الشَّعبِ، وتعتبرُ هذِهِ الحُرِّيَّاتِ مُطْلَقَةً، ما لم تَمَسَّ حُرِّيَّةَ الآخَرِينَ، أَوْ تَتَعَارَضْ مَعَ مَآرِبِ الدَّوْلَةِ؛ فلِلفَردِ في الدِّيمُقْراطِيّةِ أنْ يفعلَ ما يشاءُ، ويقولَ ما يشاءُ، مُطْلَقًا، ولو كانَ مِنْ أبشعِ المُوبِقاتِ، وأَشْنَعِ الرَّذائلِ، ما لَمْ يَتَعَدَّ على حُرِّيَّةِ غيرِهِ، أوْ يتعارَضْ مَعَ مآرِبِ الدَّوْلَةِ وقَوانِينِها التي سَنَّها رِجالهُا .

      وأَمَّا في الإسلامِ فالحُرِّيَّةُ مُقَيَّدَةٌ بِالشَّرْعِ الَّذِي شَرَعَهُ الخالِقُ العَظِيمُ، ولَيْسَتْ مُطْلَقَةً، ولَها ضَوابِطُ تَمْنَعُها مِنَ الانفِلاتِ المُؤَدِّي إلى الفَسَادِ، كَما تُبيِّنُ الفُصُولُ التَّالِيَةُ .

      المَبْحَثُ السَّابِعُ: الدِّيمُقْراطِيَّةُ تُسَاوِي بَيْنَ الإِسْلامِ والكُفْرِ
      والدِّيمُقْراطِيّةُ تساوِي بينَ الإسلامِ وسائرِ الأديانِ، ولا تُمَيِّزُ بينَ حَقٍّ وباطِلٍ، ولا إِيمانٍ وإِلحادٍ، ولا إِسلامٍ وكُفْرٍ، فكُلُّ إِنسانٍ لهُ في نَظَرِهَا أَنْ يَعْتَنِقَ ما يُرِيدُ مِنَ الأَدْيانِ، ويُمَارِسَ ما يَشَاءُ مِنَ الطُّقُوسِ، ويَنْتَقِلَ من دِينٍ إلى آخرَ ساعةَ يرغبُ، كَمَا لَهُ أَنْ يَختارَ الإِلْحادَ الصِّرْفَ ويدعوَ إليهِ، وتَرى أنَّهُ ليسَ لأَحَدٍ مَنعُهُ مِنْ ذلِكَ ما دامَ لا يَعْتَدِي عَلَى حُرِّيَّةِ الآخَرِينَ.

      كَمَا أنَّ الدِّيمُقْراطِيّةَ تَمْنَعُ مِنَ التَّمييزِ بينَ النَّاسِ عَلَى أساسِ الدِّينِ، وتعتَبِرُ كُلَّ المواطنينَ مُتَساوِينَ في كلِّ شيءٍ مهما كانَ دِينُهُمْ، فعلى سَبِيلِ المِثالِ، لِلْيهودِيِّ في الدِّيمُقْراطِيّةِ أنْ يتزوَّجَ المُسلِمَةَ، وللنَّصْرانِيِّ أَنْ يَتَوَلَّى الحُكْمَ والقَضَاءَ بينَ المُسْلِمِينَ.

      أمَّا الإسلامُ فيُحاربُ الكفرَ ويُحَرِّمُهُ أَشَدَّ التَحريمِ، ويُقاوِمُ الإلحادَ ويمْنَعُهُ أشدَّ المنْعِ، ويعتبرُ الارتدادَ عنِ الإسلامِ خِيانةً عُظمَى، وجريمةً كُبْرَى، ويعتبرُ كلَّ دِينٍ سِوَى الإسلامِ مُنكَرًا، وباطلاً، وكُفرًا، لا يجوزُ اعتِناقُهُ، ولا الدَّعوةُ إليهِ، بِحالٍ مِنَ الأَحوالِ؛ قالَ اللهُ تعالى:                ، وقال تعالى:        .

      وتختلِفُ في الإِسلامِ أَحكامُ المسلمينَ كثيرًا عَنْ أحكامِ غيرِ المسلمينَ (ولو كانوا مِمَّنْ يَخْضَعُ لِسُلْطانِ دَوْلَةِ الإسْلامِ ويَدْفَعُ الجِزْيَةَ)، خِلافًا لِما يَظُنُّهُ بَعضُ الجَهَلَةِ؛ فمثلاً ليسَ لليهوديِّ أو النَّصْرانِيِّ، أوْ أَحَدٍ غيرِهِما مِنَ الكفَّارِ ، أنْ يتزوَّجَ مسلمةً، أو أنْ يَتَوَلَّى مَنْصِبًا يُعْطِيهِ سُلطَةً على المسلمينَ، كرِئاسةِ الدَّولةِ أو القَضاءِ، إلى غيرِ ما هناكَ مِنَ الأحكامِ الكثيرةِ التي يفتَرِقُ فيها المسلمُ عَنِ الكافِرِ، كما هُوَ مُفَصَّلٌ في كُتُبِ الفِقهِ الإسلاميِّ.

      المَبْحَثُ الثَّامِنُ: الدِّيمُقْراطِيَّةُ لا تُقِيمُ لِغَيْرِ المَكَاسِبِ المَادِّيَّةِ وَزْنًا
      والدِّيمُقْراطِيّةُ نظامٌ انبَثَقَ عنْ حَضَارةِ الغَرْبِ المادِّيةِ المزيَّفةِ، التي لا تُقيمُ في الحقيقةِ لِغَيرِ المكاسِبِ الماديَّةِ وَزْنًا، وإنِ ادَّعَتْ خِلافَ ذَلِكَ؛ ولذلِكَ يعتبرُ الدِّيمُقْراطِيُّونَ أنَّ السَّعادةَ هيَ حصولُ الإنسانِ على أكبرِ قِسْطٍ مِنَ المُتَعِ الجَسديَّةِ، واليَسارِ المَالِيِّ، وسائرِ أسبابِ الرّاحةِ واللَّذَّةِ في الدُّنيا، فالحَسَنُ عِنْدَهُمْ ما قرَّبَ مِنْ ذلِكَ، والقبيحُ ما أبعدَ مِنْ ذلِكَ، ويَنْطَلقِونَ في إدارةِ البِلادِ والعِبادِ مِنْ هذا المُنْطَلَقِ ليسَ إِلاَّ .

      وفي المُقابلِ نَرَى أَنَّ أَسْمَى أَهْدافِ الحضارةِ الإسلاميَّةِ هُوَ نَيْلُ رِضْوانِ اللهِ بِامتثالِ أوامرِهِ ونَواهِيهِ، ولِذلِكَ فنِظامُ الحُكْمِ الإسلاميِّ يُدِيرُ المُجْتَمَعَ لِطاعةِ اللهِ، ويُوَجِّهُهُ مِنْ هذا المُنْطلَقِ ، فحَضارَةُ الإِسلامِ تُنَظِّمُ إِشباعَ غرائزِ الإنسانِ الطبيعيَّةِ، وشَهَواتِهِ الجَسديَّةِ، وحاجاتِهِ المَادِّيَّةِ، بالأحكامِ الشَّرعيَّةِ، مُعتبرةً أنَّ مَصلحةَ البَشَرِ، في الدُّنيا والآخرةِ، هِيَ في طاعَةِ اللهِ، الَّذي هُوَ أَعلمُ بِمَصالِحِ خَلْقِهِ مِنْهُمْ، فالحَسَنُ عِنْدَها ما حَسَّنهُ الشَّرعُ لا ما اختارَتْهُ الأَكثريَّةُ، ومالَتْ إليهِ نُفوسُهُمْ وأهواؤُهُمْ؛ والقبيحُ عندَها ما قبَّحَهُ الشَّرْعُ لا ما رَفَضَتْهُ الأَكثريَّةُ، وعَزَفَتْ عنهُ نُفُوسُهُمْ وأَهْواؤُهُمْ؛ قال تعالى:            .

      ولَئِنْ وُجِدَ في تاريخِ المُسْلِمِينَ حُكّامٌ لا يَنْطَبِقُ عَلَيهِمْ هذا الوَصْفُ (أَيْ تَقْدِيمُ الآخِرَةِ على الشَّهَواتِ الدُّنْيَوِيَّةِ)، فلأنَّهُمْ خالَفُوا الإِسْلامَ، فالعِلَّةُ فيهِمْ لا في الإسْلامِ، وأَمّا الدِّيمُقْراطِيَّةُ، وسائرُ النُظُمِ البَشَرِيَّةِ، فالمادِّيَّةُ والدُّنْيَوِيَّةُ مِنْ أَبْرَزِ خَصائِصِها، ولذلِكَ فَكُلُّ ما في تاريخِها، مِنَ الانْحِرافاتِ السُّلُوكِيَّةِ والجَوْرِ، فَناشِئَةٌ عَنْ طَبِيعَتِها، ولَيْسَ عَنْ سُوءِ تَطْبِيقِها.

      تعليق

      • مصطفى أحمد شبارو
        طالب علم
        • Oct 2006
        • 17

        #18
        لمزيد الفائدة أنقل لكم هذا الفصل من رسالة سبط الجيلاني المذكورة على الديمقراطية، وهو يبين أن الشورى غير الديمقراطية:

        الفَصْلُ الرَّابِعُ: الشُّورَى والإِجْمَاعُ لَيْسَا مِنَ الدِّيمُقْراطِيَّةِ

        المَبْحَثُ الأَوَّلُ: الشُّورَى الإِسْلامِيَّةُ لَيْسَتْ دِيمُوقَراطِيَّةً
        يُلاحَظُ أنَّ كثيرًا منْ أبناءِ المسلمينَ يحسَبونَ أنَّ الشُّورَى الإسلاميَّةَ نوعٌ مِنَ الدِّيمُقْراطِيّةِ، ويتبجَّحُونَ بذلكَ ويفخَرونَ بِهِ؛ وليسَ الأمرُ كما ظَنُّوا، فليسَ مبدأُ الشُّورَى، الَّذِي حَثَّ عليهِ الشَّرعُ، مِنَ الدِّيمُقْراطِيّةِ في شيءٍ، والنَّواحِي الخَمْسَةُ التَّاليةُ تُوَضِّحُ ذلِكَ:

        1. الشُّورَى لا تَعنِي الأَخذَ برَأْيِ الأَكثريَّةِ: بلْ هيَ مُشاوَرَةُ منْ كانَ مِنْ أهلِ الرَّأيِ والمعرفةِ مِنَ الخُبراءِ والأفاضِلِ والأماثِلِ فقطْ، لا كُلِّ أحَدٍ؛ قالَ العِزُّ بنُ عبدِ السَّلام : "فَيَنْبَغِي لِمَنْ تَوَلَّى أُمُورَ المسلمينَ أَنْ يَقْتَدِيَ بِسَيِّدِ المُرْسَلِينَ في ذَلِكَ، فَيُشَاوِرَ في كُلِّ تَصَرُّفٍ مَنْ كَانَ عَارِفًا بِذَلِكَ التَّصَرُّفِ، ولا يُشَاوِرُ في كُلِّ فَنٍّ إِلاَّ أَرْبَابَهُ، مُقَدِّمًا لأَفَاضِلِهِمْ وأَمَاثِلِهِمْ عَلَى مَنْ دُونَهُمْ" .

        2. الشُّورَى لا تَكُونُ في كُلِّ الأُمُورِ: فالشُّورَى لا تَكُونُ فيما ثَبَتَ رُجْحانُ المَصْلحةِ فِيهِ شرعًا، ولا فِيما ثَبَتَ رُجْحانُ المَفْسدَةِ فيهِ شرعًا ، بلْ هِيَ مَقْصُورةٌ عَلَى ما التَبَسَ مِنَ الأُمورِ على وَليِّ الأَمْرِ (أَيِ الخليفةِ ومَنْ في مَعناهُ مِنْ نُوَّابِهِ وقُوَّادِهِ) أوِ احتاجَ إلى الاستنارةِ فيهِ برأيِ غيرِهِ، قالَ العِزُّ بنُ عبدِ السَّلامِ: "ما عُلِمَ أَنَّهُ مَصْلَحَةٌ راجِحَةٌ فَلا مُشاوَرَةَ في فِعْلِهِ، وما عُلِمَ أَنَّهُ مَفَسَدَةٌ راجِحَةٌ فلا مًشاوَرَةَ في تَرْكِهِ، وما الْتَبَسَ أَمْرُهُ فَفِِيهِ المُشَاورَةُ، فإِنَّ اللهَ لَمْ يَجْمَعِ الصَّوَابَ كُلَّهُ لِوَاحِدٍ، ولِذلِكَ شُرِعَتِ المُشَاوَرَةُ، فَإِنَّ الصَّوابَ قَدْ يَظْهَرُ لِقَوْمٍ وقَدْ يَغِيبُ عَنْ آخَرِينَ" .

        3. الشُّورَى ليستْ مُلزِمَةً لِوَلِيِّ الأَمْرِ: بلْ بِهَا يَسْتَعْرِضُ آراءَ أهلِ الرَّأْيِ والمعرفةِ لِيختارَ ما يراهُ الأَنْسَبَ، وفائدَتُها لَفْتُ نَظرِهِ إلى ما قَدْ يَغْفُلُ عَنْهُ.

        4. الشُّورَى ليستْ مِنْ مَصَادِرِ التَشريعِ في الإسلامِ: بلْ مصادِرُهُ القُرآنُ والحديثُ والإجماعُ والقِياسُ فقطْ، كما ذكرْنا أَعْلاهُ.

        5. الدِّيمُقْراطِيَّةُ لا تَصْلُحُ حَيثُ تَصْلُحُ الشُّورَى باعْتِرافِ الدِّيمُقْراطِيِّينَ: ففي قِيادَةِ الجُنُودِ في الجُيُوشِ، وإِدارةِ المُوَظَّفِينَ في الشَّرِكاتِ، مثلاً، لا مَكانَ لِلدِّيمُقْراطِيَّةِ، وإلاَّ حَلَّتِ الفَوْضَى والكَوارِثُ ، وذلك باعْتِرافِ الدِّيمُقْراطِيِّينَ أَنْفُسِهِمْ ؛ وأَمَّا الشُّورَى فَتَصْلُحُ لِكُلِّ مَنْ يَقُودُ أَوْ يُدِيرُ، بِإقْرارِ كُلِّ عاقِلٍ.

        دَلَّتْ هذِهِ الأُمُورُ الخَمْسَةُ، بِكُلِّ وُضُوحٍ، عَلَى أَنَّ الشُّورَى والدِّيمُقْراطِيَّةَ لَيْسا شَيْئًا واحدًا، بلْ هُما شَيْئانِ مُخْتَلِفانِ مُتَبايِنانِ، لا عَلاقَةَ لأَحَدِهِما بالآخَرِ. فالعَجَبُ مِمَّن يَلْتَبِسُ عَلَيْهِ الأَمْرُ، فَيَتَوَهَّمُ أنَّهُما شَيءٌ واحِدٌ، ولا سيِّما مِمَّنْ دَرَسَ في المَعاهِدِ الشَّرْعِيَّةِ.

        تعليق

        • مصطفى أحمد شبارو
          طالب علم
          • Oct 2006
          • 17

          #19
          وهذا نقل آخر من الرسالة المذكورة يبين أن الإجماع غير الديمقراطية:

          المَبْحَثُ الثَّانِي: الإِجْمَاعُ الإِسْلامِيُّ لَيْسَ دِيمُوقَرَاطِيَّةً
          وقدْ يحسَبُ البعضُ، مِمَّنْ لا حظَّ لهُ مِنْ عِلمِ أصولِ الدِّينِ، أنَّ الإجماعَ، الَّذِي هوَ مِنْ أدلَّةِ الشَّرعِ الإسلاميِّ، دِيموقَراطيَّةً. وليسَ الأمرُ كَذلكَ، فالإجْماعُ الإسْلامِيُّ شَيءٌ، والدِّيمُقْراطِيّةُ شَيءٌ آخَرُ، مختلفٌ عنهُ تَمامًا.

          فالإجماعُ لا يعنِي الأَكْثَرِيَّةَ، ولا علاقةَ لهُ بِرَأْيِ عَوامِّ الشَّعبِ واخْتِيارِهِمْ، بَلْ يَفْتَقِرُ انْعِقادُهُ إلى اتِّفاقِ المجتهدينَ مِنْ علماءِ الدِّينِ المسلمينَ على أمرٍ مَا، في زَمَنٍ منَ الأزمانِ. ولا ينعقِدُ الإجماعُ بمُجرَّدِ الأَكثريَّةِ، مَهما كَثُرَ العَدَدُ. ومتَى ثبَتَ الإجماعُ في مسألةٍ، فليسَ لأحدٍ مٍمَّنْ يأتي بعدَ زَمَنِهِ مُخالَفَتُهُ وخَرْقُهُ.

          تعليق

          يعمل...