رفع الغشية عن نقد دمشقية للطريقة النقشبندية

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • حسام الدين رامي نقشبند
    طالب علم
    • Apr 2011
    • 231

    #76
    الفصل الثالث: شبهات وحدة الوجود عند كبار النقشبندية:
    يقول الناقد دمشقية في كتابه "الطريقة النقشبندية" [ص: 114 123]، ما نصه:
    "السرهندي يقول: وجدت الله عين نفسي"

    يقول أحمد السرهندي «وجدت الله عين الاشياء كما قاله أرباب التوحيد الوجودي من متأخري الصوفية ... ثم وجدت الله في الاشياء من غير حلول وسريان، ثم وجدته سبحانه معها بمعية ذاتية، ثم رأيته بعدها ثم قبلها ثم رأيته سبحانه وما رأيت شيئا وهو المعني بالتوحيد الشهودي وهو المعبر عنه بالفناء فوجدت الله عينها بل عين نفسي، ثم وجدته تعالى في الاشياء بل في نفسي ثم مع الاشياء بل مع نفسي» (1).
    وسئل شاه نقشبند عن قول البعض «اذا تم الفقر فهو الله» فقال: هذا اشارة الى الفناء. وأنشد يقول (2):
    من كـــــان لم تكن لم يــك الا الله
    واذا فنيت من بقي لم يبق الا الله
    وقد تركوا للحلاج تبيين معنى وحدة الشهود فقالوا: هو كقول الحلاج: أنا الحق وقول أبي يزيد: سبحاني (3).

    ومقصودهم بالتوحيد الوجودي وحدة الوجود بين الله وخلقه. والدليل على ذلك قولهم إنه يجب على الشيخ أن يشغل المريد في ابتداء أمره بظواهر الشريعة ويغلق عليه باب الكلام في التوحيد المطلق. فان من فتح هذا الباب على مريديه ربما تزندقوا فخسروا الدارين (4).
    ونحن نسال كيف يؤدي التوحيد وعبادة الله الى أقوال الزندقة الا أن يكون للتوحيد عندهم معنى آخر وهو وحدة الوجود
    وبالطبع، الكلام عن التوحيد على منهج الانيياء لا يؤدي الى الزندقة وخسارة الدارين بل من حقق التوحيد دخل الجنة. وانما التوحيد عند النقشبندية عبارة عن وحدة الوجود ويسمونه توحيدا: تمويها وخوفا من التشنيع والتكفير (5).
    وقال في تنوير القلوب « قال أبو سعيد الخراز: اذا أراد الله أن يوالي عبدا من عبيده فتح عليه باب ذكره. فاذا استلذ الذكر فتح عليه باب القرب. ثم رفعه الى مجالس الانس. ثم جعله على كرسي التوحيد (6). ثم رفع عنه الحجاب وأدخله دار الفردانية وكشف له حجاب الجلال والعظمة. واذا وقع بصره على الجلال والعظمة بقي بلا هو فحينئذ يصير العبد زمنا فانيا.
    ثم أنشد صاحب التنوير يقول:

    وبعد الفناء في الله كن كيفما تشاء
    فعلمك لا جهل وفعلك لا وزر (7)
    يقول شيخهم محمد بارسا «إن حقيقة الذكر عبارة عن تجليه سبحانه لذاته بذاته في عين العبد» (8). وهكذا يصبح الذاكر عندهم عين المذكور وبالعكس.
    ويفسر عبيد الله أحرار قول الله تعالى {فأعرِض عمّن تولّى عن ذكرنا} أي أعرِض عمن استغرق واستهلك في ذات الله. واحتج بما قاله محي الدين بن عربي
    الا بذكــــر الله تزداد الذنوب وتنطمس البصــائر والقــــلوب
    وترك الذكر أحسن منه حالا فإن الشمس ليس لها غروب (9)

    - حكى صاحب الرشحات أن السالكين يرون الحق سبحانه بالتجليات الصورية، حتى انه يتجلى في جميع صور الاشياء من معادن ونباتات وحيوانات وانسان... وغاية التجلي الصوري وأفضله أن يتجلى الله للسالك في صورة صاحب التجلي... ومنشأ هذا الظهور قول القائل: سبحاني وأنا الحق وما في الجبة الا الله وهل في الدارين غيري وأمثال ذلك من أدلة حصول التجلي (10).

    وقد زعموا أن هذه الحالة هي حالة سكر وتوهم وخطأ يحصل عند الذاكر في سكرته فيحصل له ما يشبه الوحدة بالله ولهذا تصدر عنهم هذه الكلمات وتلك الاحوال. فاذا أفاقوا عرفوا أن ما حدث لهم يشبه الاتحاد. ويخرج على السنتهم كلام الشطح والكفر لحصول قمة الصلة بالله! وحينئذ يقول: أنا الحق وسبحاني (11).

    هل تتسبب العبادة الصحيحة في التلفظ بالكفر؟!

    وبالطبع فهذه النتيجة الخطأ دليل على أن العبادة خطأ وعلى أن الشيطان يستحوذ عليه. فلو كان هذا الذكر متوجها الى الله توجها صحيحا لما أثمر الكفر وانتهى بادعاء الذاكر للالوهية!!!
    وحرم الله الاقتراب من الصلاة {وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون} . وهؤلاء يدعون أن العبادة هي سبب السكر وتعطل العقل!

    وذكر صاحب كتاب الرشحات أن رجلا سال المولى بهاء الدين عمر عن قول القائل (الممكن عين الواجب) فرجع عن هذا الكلام وقال (بل الواجب عين الممكن) فقال: ما هناك فرق بين الكلامين. فلم يتجاسر أحد في الجواب ولم يقولوا شيئا» (12). وقد صرح صاحب السبع الاسرار أن حقيقة مقام الفناء هو فناء السالك هو « اتحاد وجود الممكن بوجود واجب الوجود وذلك نسبة لغلبة التوحيد وقوة ظهور الوحدة على بصيرته» (13).
    - وذكر في قوله تعالى {لمن الملك اليوم} أن المراد من (الملك) قلب السالك حين يتجلى الله سبحانه للقلب بقهر الاحدية لا يترك فيه شيئا غيره فيلقي اليه صدى {لمن الملك اليوم} فاذا لم ير في تلك المملكة غيره يجيب تعالى بنفسه بالضرورة بقوله {لله الواحد القهار} ويسمع صدى (سبحاني ما أعظم شأني) و (أنا الحق) و (هل في الدارين غيري) (14).
    - وصرح نقشبندي آخر بأن «وجود الحق مثل المرآة: ووجود الممكنات مثل الصور التي تنجلي في المرآة. فوجود المرآة حقيقي. ووجود الصور فيها وهمي وخيالي» (15).
    -----------------------------
    (1) ورد في "المواهب السرمدية" للزملكاني [ج1/ص: 182]؛ وفي "الأنوار القدسية" للسنهوتي [ج1/ص: 181]؛ وفي "البهجة السنية" للجد الخاني [ج1/ص: 78] ..
    (2) ورد في "المواهب السرمدية" للزملكاني [ج1/ص: 124]؛ وفي "الأنوار القدسية" للسنهوتي [ج1/ص: 132] ..
    (3) ورد في "البهجة السنية" للجد الخاني [ج1/ص: 81]؛ وفي "الحدائق الوردية" للحفيد الخاني [ج1/ص: 180] ..
    (4) ورد في "البهجة السنية" للجد الخاني [ج1/ص: 34] ..
    (5) ورد في "المكتوبات الشريفة" للسرهندي [ج1/ص: 213] ..
    (6) لا يعرف المسلمون شيئا اسمه كرسي التوحيد ولكن المتخصصين في الصوفية يعرفون أن هذه اشارات يرمزون بها الى وحدة الوجود والفناء في الله، هذه عقيدة موروثة من الهندوس والبوذيين.
    (7) ورد في "تنوير القلوب" للزملكاني [ج1/ص: 510]؛ وفي "الرسالة القشيرية" للقشيري [ج1/ص: 119] ..
    (8) ورد في "الأنوار القدسية" للسنهوتي [ج1/ص: 167]؛ وفي "الحدائق الوردية" للخاني [ج1/ص: 162] ..
    (9) ورد في "المواهب السرمدية" للزملكاني [ج1/ص: 161]؛ وفي "الحدائق الوردية" للحفيد الخاني [ج1/ص: 161] ..
    (10) ورد في "الرشحات" للهروي [ج1/ص: 133] ..
    (11) ورد في "مدارج الأخيار" للمعصوم [ج1/ص: 31] ..
    (12) ورد في "الرشحات" للهروي [ج1/ص: 198] ..
    (13) ورد في "مدارج الأخيار" للمعصوم [ج1/ص: 58] ..
    (14) ورد في "الرشحات" للهروي [ج1/ص: 186] ..
    (15) ورد في "مدارج الأخيار" للمعصوم [ج1/ص: 72] ..
    ==========================
    الجواب:
    نقول الغريب أن الناقد يتبع مدرسة وهي مدرسة التيمية المتقدمين أتباع من عرف بشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وهي مدرسة وقعت بشبهة وحدة التشبيه، حيث شبهوا المخلوق بخالقه، ثم حاول التيمية المعاصرين بالعودة إلى مؤلفات ابن تيمية المتضاربة والمتناقدة في كثير من الأحيان بالآراء العقدية، وواروا القول بالتشبيه، ولكن أثبتوا له تعالى التجسيم! ..
    قول السرهندي: وجدت الله عين الأشياء، إن صح عنه فإن هذا كان في أوهام بدايته، لأنه في غير موضع معتمد وخاصة بمكتوباته الربانية الشريفة [ج1/ص: 490]؛ وفي المواهب السرمدية للزملكاني [ج1/ص: 182]؛ ينكر هذه الأوهام الحالية على الصوفية الوجودية ..
    حتى أنه في قوله أعلاه متبعة بقوله: ثم وجدت غير مرة تبيان لترقيه وعلو تباينه وبيانه للحق الحقيق ..
    يقول الأمام المجدد الفاروقي: ( اِعْلَمْ أَنَ كُلَ مَسْأّلَةِ، يَكُوّنُ فِيِهَاّ خِلَاّفُ بِيِنَ الْعُلَمَاّءِ [العارفين] والْصُوّفِيِةَ [الأولياء]، إِذَاّ تَأَمَلْتَ وَدَقْقَتَ الْنَظْرَ تَجْدُ الْحَقَ مَعَ الْعُلَمَاّءِ، وَسِرُ ذَلَكِ َأِنَ نَظَرَ الْعُلَمَاّءِ بِوَاّسِطَةِ مُتَاّبَعَةِ الْأّنْبِيِاَءِ عَلَيِهِمُ الْصَلَاّةِ وَالْسَلَاّمِ، نَاَفِذُ إِلَىَ كَمَاّلَاّتِ الْنُبْوَةِ وَعُلُوّمَهَاّ، وَنَظْرُ الْصُوّفِيِةِ مَقْصُوّرُ عَلَىَ كَمْاَلَاّتِ الْوِلَاّيَةِ وَمَعَاّرِفِهَاّ، فَتَكُوّنُ الْعُلُوّمُ الْمَأْخُوّذَةِ عَنْ مِشْكَاّةِ الْنُبْوّةِ، أّصْوّبُ قَطْعَاً، مِنْ الْعُلُوّمِ الْمَأْخُوّذَةِ عَنْ رِتْبَةِ الْوِلَاّيَةِ ) اهـ
    وذلك وفق ما ورد في "المواهب السرمدية" للزملكاني [ج1/ص: 182]؛ وفي "المكتوبات الشريفة" للسرهندي [ج1/ص: 466] ..
    وإن صح القول أعلاه عنه، كما نقل الناقد الكريم، فإنه يكون قد أخطئ في بداياته، ثم صوب الخطأ مع تقدم تقواه وفي نهايته، والأمور تقاس بالخواتيم، ولكل جواد كبوة لابد منها ..
    عَنْ أَنَسٍ بن مالك رضي الله عنه، أَنّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ، قَالَ: ( كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الخطاءين التَّوَّابُونَ )؛ (1) ..
    وسبب وهم هذا الخطأ، أنه يرى تجلي أسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى متجلية بكل شيء مخلوق أو محدث، فيتوهم أو يظن أن كل شيء واحد، الصواب أن أصل كل شيء واحد، ولكن لا يندمج الأصل القديم الباقي مع المحدث الفاني أبداً، ولكن لا وجود للمُحْدَثْ من غير الْمُحْدِثْ، فأصل والوجود وموجده الله، ولا وجود لغيره سبحانه إلا به، ولا وجود لذاته العلية القديمة في كنه غيره المحدث، تصديق ذلك ما وصفه النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، في صحيحي الشيخين: بأصدق الشعر، أي أصدق ما يهيمن على المشاعر الإيمانية، وهو أن كل موجود مُحْدَثْ، باطل من غير الموجد الْمُحْدٍثْ: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلٌ ..
    لذلك لا ينبغي عند النقشبندي المتقدم بالسلوك، أن يُعَلَمُ المريد النقشبندي في بداية سلوكه التوحيد المطلق أو التوحيد الوجودي؛ حتى لا يقع في خطأ تصور وحدة الوجود الفاسدة، التي تساوي المخلوق بخالقه كوجود واحد ومادة وجود واحدة ..
    والتوحيد الوجودي معناه كما أسلفنا هو أن كل موجود محدث غير الحق سبحانه القديم وهم باطل بحقيقة وجوده، لأنه فاني هالك، والباقي هو الله وحده، وهو مصدر كل موجود، فلا وجود بغيره، ولا وجود بالحقيقة لغيره، لأن الله كان ولا شيء كان، وهو على ما عليه اليوم وإلى الأزل كائن ..
    وكرسي التوحيد الذي غمز الناقد إليه بالنقد، هو ليس الكرسي المقعد الذي يجلس عليه، كما هو معتقد شيوخ الناقد! ..
    إنما من الكراس والتكريس، وهو ما يجتمع به معاني التوحيد وتنعكس من خلال تجليات الأسماء الحسنى والصفات الفضلى ..
    فيصبح مرآة تعكس معاني كمال الحق، فإن عَلِمَ فبالحق، وإن تكلم فبالحق، وإن سمع فبالحق، وإن قام فبالحق إلى غير ذلك من منعكسات الفناء بالحق والبقاء بمعاني الحق سبحانه، ففي النهاية نجده غارق بأنوار تجليات الحق سبحانه، ومن هذا يفهم جانب من هذا الدعاء المحمدي:
    عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أن قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ( اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا، وَفِي بَصَرِي نُورًا، وَفِي سَمْعِي نُورًا، وَعَنْ يَمِينِي نُورًا، وَعَنْ يَسَارِي نُورًا، وَفَوْقِي نُورًا، وَتَحْتِي نُورًا، وَأَمَامِي نُورًا، وَخَلْفِي نُورًا، وَاجْعَلْ لِي نُورًا )؛ (2) ..
    أما عن قول الناقد، أن صاحب الرشحات، قال: "السالكين يرون الحق سبحانه بالتجليات الصورية، حتى انه يتجلى في جميع صور الاشياء من معادن ونباتات وحيوانات وانسان" اهـ
    فالمقصود رؤية تجليات معاني الحق في صور خلقه المتجسد بالحقيقة من روابط طاقة ذرية، فنرى مثلاً بذلك اسمي القوي والمتين سبحانه واسم المصور سبحانه، إلى غير ذلك من الرؤية المعنوية ..

    يتبع ..
    ----------------------------------------------------

    (1) رواه الترمذي في "سننه" [ج4/ص: 568/ر:2499]، بإسناد حسن؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:2499]، ورواه ابن ماجه في "سننه" [ج3/ص: 517/ر:4251]، بإسناد حسن؛ بتحقيق الألباني في "صحيح ابن ماجه" [ر:3447]؛ ورواه الدارمي في "سننه" [ج2/ص: 759/ر:2627]، ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج4/ص: 53/ر:12637]، وصححه الحاكم في "المستدرك" [ج4/ص: 272/ر:7617]، على شرط الشيخين، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب" [ر:3139]؛ وفي "تخريج المصابيح" [ر:2280]؛ وفي "صحيح الجامع" [ر:4515]؛ وخلاصة حكمه: [حسن] ..
    (2) رواه الشيخان: البخاري في "صحيحة" [ج5/ص: 2327/ر:5957]، ومسلم في "صحيحة" [ج6/ص: 286/ر:1785]؛ ورواه أبو داود في "سننه" [ج1/ص: 430/ر:1353]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح أبي داود" [ر:1353]؛ ورواه النسائي في "سننه المجتبى" [ج2/ص: 567/ر:1120]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح النسائي" [ر:1120]؛ وحكمه: [متفق عليه] ..

    تعليق

    • حسام الدين رامي نقشبند
      طالب علم
      • Apr 2011
      • 231

      #77
      ونقول للناقد الكريم، العبادة الصحيحة لا تؤدي إلى التلفظ بالكفر، أو الهرطقة مطلقاً، ولكن الاضطراب الذي يصيب قلب المؤمن عند علو معرفته بالحق فرحاً أو خوفاً، توقعهم بالخطأ وليس الكفر ..
      وهي ردة فعل طبيعية عند الخروج من حالة المألوف إلى غير المألوف عندما يقذف نور الإيمان في قلب المؤمن بإذن الله، فهذه المحبة العالية للحق والتعظيم الجلل لقدره العلي سبحانه له اضطراب جلل عند الدخول في مجالات الإيمان العالي والتقوى، فرحاً وخبتاً ..
      لقوله تعالى: { وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } [الحج : 54] ..
      وقوله عز من قائل: { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُواْ إِلَى رَبِّهِمْ أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ الجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } [هود : 23] ..
      ثم تضطرب وتخبت مع كل ذكر للحق، أو أثناء الوقوف بين يدي الحق بالصلاة:
      عَنْ مُطَرِّفٍ رضي الله عنه، عَنْ أَبِيهِ [عبد الله بن الشخير]، قَالَ: ( رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يُصَلِّي وَفِي صَدْرِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الرَّحَى، مِنَ الْبُكَاءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ )؛ برواية أبو داود السجستاني؛ وفي رواية النسائي والإمام أحمد والحاكم النيسابوري: ( رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يُصَلِّي وَفِي صَدْرِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الْمِرْجَلِ مِنَ الْبُكَاءِ )؛ (3) ..
      وكذلك الصديق الأكبر رضي الله عنه، كان الناس لا يسمع قراءته أو يميزنها من البكاء؛ (4) ..
      وكذلك الفاروق عمر رضي الله عنه، كان إذا صلى يسمع له من بكائه نشيج يصل إلى أخر صفوف المصلين؛ (5) ..
      فالاضطراب أو الوجل يصبان المؤمن دائماً وخاصة عند دخوله في مجالات حق التقوى وعلو الإيمان ..

      لقوله تعالى: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } [الأنفال : 2]
      فالوجل حالة من الاضطراب النفسي تخرج حال المؤمن عن المألوف ساعة من وقت ..
      وهذا الحال بشكله الغير مألوف نادر الحدوث عادتاً لا يحتمل التكرار، حتى يصبح كفر، أو عقيدة شركية! ..
      -------------------------------

      (3) رواه أبو داود في "سننه" [ج1/ص: 300/ر:904]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح أبي داود" [ر:904]؛ ورواه النسائي في "سننه المجتبى" [ج3/ص: 18/ر:1213]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح النسائي" [ر:1213]؛ ووراه أحمد في "مسنده" [ج4/ص: 604/ر:15877]، بإسناد صحيح، على شرط مسلم؛ بتحقيق الأرناؤوط في "مسند أحمد" [ج4/ص: 25]؛ ورواه الحاكم في "المستدرك" [ج1/ص: 396/ر:971]، وقال: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ؛ ووافقه الذهبي في "التلخيص" [ج1/ص: 264]، وقال: عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ؛ ورواه ابن حبان في "صحيحة" [ج2/ص: 439/ر:665]؛ ورواه ابن خزيمة في "صحيحة" [ج2/ص: 53/ر:900]؛ صححه النووي في "الخلاصة" [ج1/ص: 497]؛ وفي "رياض الصالحين" [ج1/ص: 208]؛ وصححه الوادعي في "الصحيح المسند" [ر:579]؛ وصححه الألباني في "صحيح الترغيب" [ر:3329]؛ وحكمه: [صحيح] ..
      (4) رواه الشيخان: البخاري في "صحيحة" [ج1/ص: 240/ر:647]؛ ومسلم في "صحيحة" [ج4/ص: 361/ر:940]؛ وحكمه: [متفق عليه] ..
      (5) رواه البخاري في "صحيحة" [ج1/ص: 252]، معلقاً تعليقاً يجزم بالصحة؛ ورواه الصنعاني في "مصنف عبد الرزاق" [ج2/ص: 114/ر:2716]، بإسناد صحيح، على شرط الشيخين، والنووي في "الخلاصة" [ج1/ص: 497/ر:1658]، قال: سنده صحيح، على شرط الشيخين ..
      ========================

      تعليق

      • حسام الدين رامي نقشبند
        طالب علم
        • Apr 2011
        • 231

        #78
        الفصل الرابع: شبهة عقيد الاتحاد عند النقشبندية:

        يقول الناقد دمشقية بكتابه: "الطريقة النقشبندية" [ص: 124 125]، ما نصه:
        "الاتحاد بذات الله وصفاته وأفعاله"

        ويذكرون أنه عندما يتجلى الله للعبد بذاته يجد العبد جميع الموجودات وصفاتهم وأفعالهم متلاشية في أشعة ذاته تعالى وصفاته وأفعاله ويجدها بالنسبة اليه كالأعضاء الى البدن... ويرى ذاته وذات الحق سبحانه وتعالى وصفاته وصفات الحق وأفعاله مع الافعال الحق متحدة لكونه مستهلكا في عين التوحيد، ولا يرى شيئا غير الله. فيرى الصور الموجودة هي الله عينه وهذا ما يسمونه بالتجلي الصوري لله (1). هذا قول السرهندي.

        وذكر صاحب الرشحات أن المريد اذا سلك طريق المذلة والمسكنة يحصل له الفناء حتى يرى جمال الشاهد اللاهوتي في مرآة انعدامه» (2).
        قال عبد الكبير «بينما أنا في الطواف إذ هبت الريح وحركت أستار الكعبة وانكشفت بعض جدرانها فحصل لي منه «كيفية» وسقطت مغشيا علي، وتوجهت نحو حضرة الشيخ فقال لي: ما ترى في البيت فهو غير محدود بل هو في الجبال وفي الجدار وفي السماء وفي الارض وفي الحجر وفي المدر: موجود ومشهود بل كل ذلك هو هو الاول والاخر والظاهر والباطن وهو الله الذي لا اله الا هو» (3).
        -----------------------------
        (1) ورد في "الرشحات" للهروي [ج1/ص: 112]؛ وفي "المكتوبات الشريفة" للسرهندي [ج1/ص: 301] ..
        (2) ورد في "الرشحات" للهروي [ج1/ص: 199] ..
        (3) ورد في "الرشحات" للهروي [ج1/ص: 139] ..
        ===========================
        الجواب:
        نقول التجلي الصوري هو تجلي أنوار الأسماء والأفعال الإلهية بالأشياء المخلوقة من الناحية التصريفية والتكوينية والتصورية الخلقية، أو لنقل من الناحية المعاصرة العلمية التكوين والتشكيل الذري أي أصل الأشياء المتجسدة طاقة نورانية تكتلية ذرية، هنا يأتي السؤال من أين تأتي هذه الطاقة التكوينية الذرية والامدادية، التي يتبعها التشكيل الصوري للأشياء المجسدة المرئية؟ ..
        نقول يكون ذلك من خلال التجلي الصوري ..
        فالتجلي الصوري تجلي حقيقي وليس صوري وهمي، إنما تصوري هيكلي ..
        وهو تجلي وتصريف كلمة "كن" الإلهية وهذا أحد معاني مداد كلمات الله التكونية في قوله عز من قائل: { قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً } [الكهف : 109] ..
        أي مدد طاقة تسيريه تكوينية هيكلية خلقية تصورية ..
        فالتجلي الصوري هو منعكس تجلي الأمر الإلهي التكويني "كن"، وتصريفات هذا الأمر بالتكوين وتصرف ومتغيرات التكوين ..
        وفي مقطع من حديث قدسي: عَنْ أَبِي ذَرٍّ الغفاري رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ( يَقُولُ اللَّهُ: يَا عِبَادِي، ............، وَلَوْ أَنَّ حَيَّكُمْ وَمَيِّتَكُمْ، وَأَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَرَطْبَكُمْ وَيَابِسَكُمُ اجْتَمَعُوا فَسَأَلُونِي، كُلُّ سَائِلٍ مِنْهُمْ مَا بَلَغَتْ أُمْنِيَّتُهُ، لأَعْطَيْتُ كُلَّ سَائِلٍ مِنْهُمْ مَا سَأَلَنِي، مَا نَقَصَنِي ذَلِكَ إِلا كَمَا لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ عَلَى شَفَةِ الْبَحْرِ، فَغَمَسَ فِيهِ إِبْرَةً ، ثُمَّ انْتَزَعَهَا، وَذَلِكَ أَنِّي جَوَادٌ كَرِيمٌ، مَاجِدٌ وَاجِدٌ، أَفْعَلُ مَا أَشَاءُ، عَطَائِي كَلامٌ، وَعَذَابِي كَلامٌ، وَأَمْرِي لِلشَّيْءِ إِذَا أَرَدْتُهُ أَنْ أَقُولَ: كُنْ، فَيَكُونَ )؛ (1) ..
        والمريد السالك، عندما تنكشف له هذه الحقيقة التكوينية بالتجلي الصوري، يشهد جانب من عظمة الله في الخلق والبرء والتصوير، تسجد نفسه إجلالاً وشكراً للحق سبحانه ..
        أو كما قال الواعظ الهروي صاحب الرشحات: ( يرى جمال الشاهد اللاهوتي في مرآة انعدامه ) اهـ
        وبناءاً عليه فإن حقيقة التجلي الصوري، هو: تجلي أنوار صورة الخالق المعنوية في صورة الخلق المادية ..
        أي معرفة الله بنور صنعته ..
        لذلك كان سلطان العارفين أبو يزيد البسطامي، يقول: ( عَرِفْتُ اللهَ بِنُوّرِ صَنْعَتِهِ، وَعَرِفْتُ صَنْعَتِهِ بِنُوْرِهِ )؛ (2) ..
        --------------------------
        (1) رواه الترمذي في "سننه" [ج4/ص: 566/ر:2495]، وقال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ؛ ورواه ابن ماجه في "سننه" [ج3/ص: 519/ر:4257]، وهو من أئمة كتب الصحاح الستة؛ ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج6/ص: 192/ر:20861]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الأرناؤوط في "مسند أحمد" [ج5/ص: 154]؛ وحسنه الحافظ في "موافقة الخبر" [ج2/ص: 77]؛ وقال في "تخريج المصابيح" [ج2/ص: 453]: أصله في مسلم؛ وحكمه: [حسن] ..
        (2) ورد في "لواقح الأنوار" للشعراني [ج1/ص: 65]؛ وفي "الحدائق الوردية" للخاني [ج1/ص: 145]؛ وفي "الكواكب الدرية" للخرسة [ج1/ص: 321] ..
        ===========================

        تعليق

        • حسام الدين رامي نقشبند
          طالب علم
          • Apr 2011
          • 231

          #79
          الفصل الخامس: مفهوم الفناء بالله عند النقشبندية:
          يقول الناقد دمشقية في كتابه "الطريقة النقشبندية" [ص: 126 127]، ما نصه:
          "بالفناء يخرجون عن طور البشرية الى الالوهية"
          وإذا حصل الفناء بالله عندهم صاروا طورا آخر غير الطور البشري. وبعد ورود الفيض يترقى السالك حتى تنقص مناسبته عن طور البشرية، فترتفع عنه صفات البشرية (1).
          قال بهاء الدين نقشبند «كنت في بستان فغلبت علي الجذبات الالهية فحصل لي غيبة اتصلت بالقناء الحقيقي وحقيقة الفناء في الله عز وجل ورأيت أني في صورة نجم في بحر من بحور بلا نهاية ثم بعد ست ساعات رُدَتْ اليّ بشريتي شيئا فشيئا» (2).

          ولعلك تسال عن معنى قوله (فعادت الي بشريتي شيئا فشيئا)؟
          فإلى أي مادة تحول بعد خروجه من طور البشرية؟ بالطبع اذا حصل الفناء بالله فهو خروج عن الطبيعة البشرية الى الطبيعة الالهية. لا سيما وأنه يتلفظ بألفاظ الكفر (أنا الحق وسبحاني) الشبيهة بقول فرعون (ما علمت لكم من اله غيري وأنا ربكم الاعلى).
          --------------------------
          (1) ورد في "مدارج الأخيار" للمعصوم [ج1/ص: 66]؛ وفي "المكتوبات الشريفة" للسرهندي [ج1/ص: 40] ..
          (2) ورد في "الحدائق الوردية" للحفيد الخاني [ج1/ص: 130] ..
          ===========================
          الجواب:
          نقول لناقدنا الفاضل، عندما يتجلى الحق لا يبقى إلا الحق فعندما شاء الحق سبحانه التجلي على الجبل انصهر الجبل، وخر نبي الله موسى عليه السلام مصعوقاً مغشياً عليه، وهو هنا غاب عن وعيه وذاته وعقله وشعوره، ثم عاد شيء فشيء ..
          والآيات بينت أن الحق أنبأ نبيه موسى أنه لن يراه أي أنه سوف يفنا عن صفاته الحسية ووعيه: { َلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ } [الأعراف : 143] ..
          وفي آيات أخرى عندما أنس نبي الله موسى عليه السلام، ناراً أمر أن يخلع نعلي ذاته في الدنيا حتى يتثنى له الحضور مع الله، وهو التخلي عن الوعي العقلي، والشعور الحشي: { إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى } [طه : 12] ..
          وهذا الفناء أي التجرد عن معاني الذات بالحضرة الإلهية ..
          ==============================

          تعليق

          • حسام الدين رامي نقشبند
            طالب علم
            • Apr 2011
            • 231

            #80
            يقول الناقد دمشقية في كتابه "الطريقة النقشبندية" [ص: 128 133]، ما نصه:
            "هل العشق أعظم من المحبة؟"

            تبين مما تقدم أن مرتبة الفناء في الله والخروج عن طور البشرية يعتبر غاية الغايات عند النقشبندية وأن كل أذكارهم وطقوسهم انما هي لأجل ذلك.
            وجعل محمد أمين الكردي العشق لمرتبة خواص الخواص: «ومحبتهم لله عبارة عن التعشق الذي ينمحي به العاشق عند تجلي نور معشوقه» (1).

            مع أن الله لم يذكر مرتبة أفضل من مرتبة (يحبهم ويحبونه) وكذلك (لا يزال عبدي يتقرب الي بالنوافل حتى أحبه). ولم يقل (يفنى فيهم ويفنون فيه) أو (يعشقهم ويعشقونه). ولا يتصور مؤمن أن يحب الله أحدا أكثر من رسوله وأصحاب رسوله ولم يقل منهم أحد إنه يعشق الله أو إن الله يعشقه. وهذا هو قول العز بن عبد السلام.
            والعشق لفظ أفتى ابن عبد السلام بمنع استخدامه فيما يتعلق بمحبة الله كما في فتاويه (ص 72). وقال ابن الجوزي «العشق عند أهل اللغة لا يكون الا لما ينكح» ونقل عن أبي الحسن النوري أنه سمع رجلا يقول «أنا أعشق الله عز وجل وهو يعشقني» فقال له: سمعت الله يقول { يحبهم ويحبونه } وليس العشق بأكثر من المحبة»

            وانما يكثر التكلم عن الفناء والعشق عند الهندوس البراهمة كما اعترف به النقشبنديون بأن ما يحصل لهم من المكاشفات والتجليات والفناء في الله شبيه بما يحصل للهندوس البراهمية فقالوا «وبراهمية الهندوس جوكية وفلاسفة اليونان لهم كثير من قسم التجليات الصورية والمكاشفات المثالية والعلوم التوحيدية وليس لهم من نتائجها سوى الفساد والفضاحة ولا نصيب لهم من الرحمن» (2).

            ولكن كيف سلموا للهندوس ذلك واعتبروا ذلك منهم كشفا وتوحيدا وهم يعلمون أنهم أكثر الناس شركا مما يؤكد أنهم اذا أطلقوا لفظ التوحيد فانهم يعنون به وحدة الوجود!

            وقد ذكروا أن طريقة الذكر عند النقشبندية تورث في قلب الذاكر سر التوحيد حتى يفنى عن نظره وجود جميع الخلق ويظهر له وجود الواحد المطلق في المظاهر» (3).

            وذكر عبيد الله أحرار أن الله إذا تجلى في قلب العبد يمحو منه الغير فلا يبقى فيه الا هو، فيسمع القلب حينئذ (سبحاني ما أعظم شأني) و (أنا الحق) و (هل في الدارين غيري) (4) .

            وقالوا اذا توجه الشيخ الى قلب المريد تحصل للمريد الحركة العلمية: فيخرج من دائرة الامكان الى دائرة الوجوب (5). وهذا الكلام يفهمه من يعلم ما اصطلح عليه علماء الكلام حيث يقسمون الموجوات الى وجود واجب وهو الله، ووجود ممكن وهو كل ما سوى الله من المخلوقات.

            وخطر ببال أحد الواقفين أمام الشيخ محمد سيف الدين الفاروقي أن هذا الشيخ متكبر فعرف ما في قلبه وقال له: تكبري من تكبر الحق تعالى والقصة نفسها منسوبة الى بهاء الدين نقشبند (6).
            وفي معنى قوله تعالى {إنّا أعطيناك الكوثر} أي: أعطيناك شهود الاحدية في الكثرة» (7). فهؤلاء اتحاديون وحدويون حلوليون يدعون الى وحدة الوجود.
            -----------------------------
            (1) ورد في "تنوير القلوب" للزملكاني [ج1/ص: 487] ..
            (2) ورد في "البهجة السنية" للخاني [ج1/ص: 9]؛ وفي "المكتوبات الشريفة" للسرهندي [ج1/ص: 218] ..
            (3) ورد في "المواهب السرمدية" للزملكاني [ج1/ص: 90] ..
            (4) ورد في "المواهب السرمدية" للزملكاني [ج1/ص: 162] ..
            (5) ورد في "نور الهداية" لزاده [ج1/ص: 76] ..
            (6) ورد في "المواهب السرمدية" للزملكاني [ج1/ص: 215]؛ وفي "الأنوار القدسية" للسنهوتي [ج1/ص: 200]؛ وفي "جامع الكرامات" للنبهاني [ج1/ص: 204]؛ وفي "الحدائق الوردية" للخاني [ج1/ص: 135]؛ وفي "المكتوبات الشريفة" للسرهندي [ج1/ص: 79] ..
            (7) ورد في "الأنوار القدسية" للسنهوتي [ج1/ص: 162] ..
            =========================
            الجواب:
            نقول مفهوم المحبة أعم من مفهوم العشق ..
            فالعشق هو تمام الموافقة والتوافق مع المحبوب أو المعشوق، من شدة المحبة أو لنقل غياب وعي ومشاعر المحب في معاني حضور محبوبه ..
            وقيل عند العرب عندما كثرت خلوات النبي صلى الله عليه وآله وسلم، في غار حراء: محمد عشق ربه (1) ..
            ولم يستنكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو ينكره، أو حتى يصححه، هذا المفهوم، بنص سني ثابت أو حتى واهي السند ..
            أما قول الله يحبهم ويحبونه؛ فهو لفظ شامل لفناء العشق وكل مراحل ومعاني الحب ومفاهيمه ..
            أما مفهوم العشق والفناء بأنه موجود عند الهندوس البراهمة، فسبب ذلك لأن أي ديانة يجب أن يكون بها جوانب صحيحة أو ظاهرها صحيح، لاجتذاب أنصارها ومتتبعيها بما يتوافق مع الفطرة الإنسانية السليمة ..
            أما كيفية غلبة سر التوحيد في قلب الذاكر النقشبندي، فتكون بسبب تراكم المعارف الناتجة عن البحث الاستدلالي الفكري [التفكر]، وتسبيح هذه المعارف بالتسبيح باسم الذات المفرد [الله]، حتى ينطق القلب بلا إله إلا الله ايعازاً بمكاشفة هذه الحقيقة، ويستولي هذا الشهود والإقرار بالوحدة على القلب بعد أن يستفيض بالمحبة والإجلال ..
            ومن الطبيعي أنه عندما تستولي تجليات أنوار التوحيد بالقلب وتستفيض، فإن النور الإلهي يمحو كل غير:
            عَنْ أَبِي مُوسَى الأشعري رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَنَامُ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ، حِجَابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ كُلَّ شَيْءٍ أَدْرَكَهُ بَصَرُهُ )؛ (2) ..
            فالنور الإلهي يحرق كل الأغيار ..
            والفناء والبقاء، هي الولادة الجديدة، فقد روي عن نبي الله عيسى عليه الصلاة والسلام، أنه قال: ( لَنْ يَلِجَ الْإِنْسَاّنَ إِلَىَ مَلَكُوّتِ الْسَمَوّاتِ، حَتْىَ يُوّلَدَ مَرَتِيِنِ، كَمَاّ يُوّلَدُ الْطَيِرُ مَرَتِيِنِ )؛ (3) ..
            أما عن تولي المرشد لقلب المريد السالك، فهذا يكون على قدر إيمان المريد بصدق المرشد، وإيمان المرشد بصدق المريد، والمتولي بالحقيق هو الله، إنما المرشد واسطة الخير وهو الباب الموصل إلى الحق ..
            لقوله تعالى: { إِنَّ وَلِيِّـيَ اللّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ } [الأعراف : 196] ..
            -----------------------
            (1) ورد في "الإحياء" [ج2/ص: 280]؛ وفي "المنقذ من الضلال" [ج1/ص: 179]، وهما للغزالي ..
            (2) رواه مسلم في "صحيحة" [ج3/ص: 17/ر:445]؛ وحكمه: [صحيح] ..
            (3) ورد في "سر الأسرار" للجيلاني [ج1/ص: 65]؛ وفي "البهجة السنية" للخاني [ج1/ص: 196] ..
            ========================

            تعليق

            • حسام الدين رامي نقشبند
              طالب علم
              • Apr 2011
              • 231

              #81
              الفصل السادس: الحقيقة المحمدية عند النقشبندية:
              يقول الناقد دمشقية في كتابه "الطريقة النقشبندية" [ص: 134 139]، ما نصه:
              "الحقيقة المحمدية"
              حقيقة الحقيقة المحمدية عند القوم شيء ليس مخلوقا وانما خلقت الاشياء منه أو به. وهذه عودة الى عقيدة النصارى وفلسفتها. بما أن مادية نبينا صلى الله عليه وآله وسلم، عند النقشبندية قد صارت في حكم المجرد لم يكن له ظل (1).
              "الكفر الصريح"
              وانظر ماذا يخفي القوم وراء لفظ الحقيقة المحمدية لتعلم: كيف ينصر الله هذه الامة وهي على هذا المعتقد المضاهي لعقيدة النصارى والهندوس.
              يقول في الحدائق الوردية ما نصه «اعلم أن الله تعالى لما توجه لخلق العالم خلق روحا كليا سماه حضرة الجمع والوجود لكونه جامعا لحقائق الوجود وسماه بالحقيقة المحمدية. لكون محمد صلى الله عليه وآله وسلم، أكمل مظاهرها ..
              وما زال الحق تعالى يخلق الموجودات من الحقيقة المحمدية علوية وسفلية لطيفة وكثيفة بسيطة ومركبة. وكلما خلق صورة قبضها الى صورتها الاولى حتى انتهى الامر الى الانسان فخلقه منها ولم يقبضها. فكان الانسان صورة حضرة الجمع والوجود.
              ثم خلق الله العماء الذي كان فيه الرب قبل خلق الخلق وكان أول ما خلق الله في العماء الارواح المهيمة والعقل والنفس الكلية. فهم مخلوقون من حضرة الجمع والوجود وهم مظاهر لها. لكن دون مظهرية الانسان الكامل.
              والكمال الانساني عندهم مرآة للكمال المحمدي. والكمال المحمدي مرآة للكمال الالهي. ولا يتجلى الحق الا من خلف حجاب الكمال المحمدي اذ هو الواسطة العظمى التي لا كمال الا بها (2).
              محمد من نور لا من طين
              وقد زعموا أن جسد نبينا صلى الله عليه وآله وسلم نوراني لأن أصل خلقته نورانية وأن روحانيته سر ملكوتي ولهذا كان لا يرى له ظل بالغدو والاصال» (3).
              ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم، الانسان الاكمل فانه لا انسان يماثل محمدا. وكل ما عداه فهو مخلوق منه. فهو عين الوجود الصادر من الله تعالى بلا واسطة سوى الامر فهو صورة الامر الالهي الذي لا صورة له في نفس الامر.
              ويكذب ذلك ما رواه مسلم عن عائشة قالت «فقدت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، من الفراش، فالتمسته فوقعت يدي في بطن قدميه وهو في المسجد وهما منصوبتان وهو يقول: اللهم اني أعوذ برضاك من سخطك...». وفي رواية « افتقدت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ذات ليلة فظننت أنه ذهب الى بعض نسائه، فتحسست ثم رجعت فاذا هو راكع أو ساجد» (4) .

              فالطبيعة ظاهرة وهو باطنها بل ليست الطبيعة غير الروح الا باعتبار كثافة بعض الصور ولطافة بعضها. فقيل: الطبيعة مغايرة للروح، فاذا أراد الله ايجاد شيء توجه اليه الروح وتوجهه عينه وعين ما توجه على المرآة هو عين وجود صورة المتوجه: عين التوجه عين الصورة ...
              ولهذا فتنبهوا من يصف النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بالإنسان الكامل يخفي عن القوم تاليها للنبي قالوا: وأول الصور: النور المحمدي لما روي: أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر» (5) انتهى
              واحتج السرهندي بقول ابن عربي أن الجمع المحمدي أجمع وأشمل من الجمع الإلهي (6).
              فهل في الكفر أفحش من هذا الكفر ومن هذه الفلسفة المقتبسة من كتاب الفتوحات المكية وكتاب الفصوص الذي ان لم يكن فيه كفر فليس في الدنيا كفر كما قاله الذهبي.
              ومع ذلك يثني الكوثري الثناء البالغ على الفتوحات وأنه من أعظم السنوحات ويعلل سبب الطعن عليه من الجاهل لدقة مدركه (7).
              ----------------------
              (1) ورد في "تفسير سورة التين" للقبرصلي [ج1/ص: 9] ..
              (2) ورد في "نور الهداية" لزاده [ج1/ص: 26] ..
              (3) ورد في "نور الهداية" لزاده [ج1/ص: 24] ..
              (4) رواه الإمام مسلم في "صحيحة" [ر:485] ..
              (5) ورد في "الحدائق الوردية" للخاني [ج1/ص: 382 384] ..
              (6) ورد في "المكتوبات الربانية" للسرهندي [ج1/ص: 193] ..
              (7) ورد في "ارغام المريد" للكوثري [ج1/ص: 28] ..
              ======================================
              الجواب:
              نقول عما أشار إليه الشيخ الخاني بنقل الناقد بقوله: ( اعلم أن الله تعالى لما توجه لخلق العالم خلق روحا كليا سماه حضرة الجمع والوجود، لكونه جامعا لحقائق الوجود وسماه بالحقيقة المحمدية؛ لكون محمد صلى الله عليه وآله وسلم، أكمل مظاهرها ) اهـ
              نقول قبل أن يخلق الله الأجساد خلق الأنفس في عالم الأنفس أو الذر، وكانت هذه الأنفس خاوية مظلمة، فكشف لها طرف من عظيم جلال أنواره أو عظمته اللامتناهية، فتفاوت إقبال تلك الأنفس على الحق، ولكن كان أقبلها وأنوراها بالحق نفس سيد الخلق سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ..
              عن عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: ( إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ خَلْقَهُ فِي ظُلْمَةٍ، فَأَلْقَى عَلَيْهِمْ مِنْ نُورِهِ، فَمَنْ أَصَابَهُ مِنْ ذَلِكَ النُّورِ اهْتَدَى، وَمَنْ أَخْطَأَهُ ضَلَّ، فَلِذَلِكَ أَقُولُ: جَفَّ الْقَلَمُ عَلَى عِلْمِ اللَّهِ )؛ (1) ..
              يقول الله تعالى: { هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً } [الإنسان : 1] ..
              وهذا الإلقاء للنور أو الكشف لجانب من عظمة الله اللامتناهية، هو العرض، لقوله تعالى: { إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً } [الأحزاب : 72] ..
              ويقول عز ومن قائل: { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ } [فاطر : 32] ..
              ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه، مرفاعاً: ( خَلَقَنِي اللَّهُ مِنْ نُورِهِ، وَخَلَقَ أَبَا بَكْرٍ مِنْ نُورِي، وَخَلَقَ عُمَرَ مِنْ نُورِ أَبِي بَكْرٍ، وَخَلَقَ أُمَّتِي مِنْ نُورِ عُمَرَ، وَعُمَرُ سِرَاجُ أَهْلِ الْجَنَّةِ )؛ (2) ..
              وهذا الحديث لا يصح سنده لأن في رواته متروكين ..
              وأورده الباز الجيلاني في كتابه "سر الأسرار" بلفظ قدسي: ( خَلَقْتُ مُحَمَّدَاً أوّلَاً، مِنْ نُوّرِ وَجْهِيِ )؛ (3) ..
              وفي حديث آخر: ( أَوَّلُ مَاَ خَلَقَ الله رُوْحِيِ، وَأَوَّلُ مَاَ خَلَقَ الله نُوْرِيِ )؛ (4) ..
              نقول أولا علينا أن نعرف أن هناك نوعين من الخلق خلق نوارني وخلق جسماني وكلنا نعرفه ..
              أما الخلق النوراني فهو ذلك النور الذي يحدثه الله في قلب المؤمن عندما تتفجر سرائره بشهود الحق لوحدانية الله ..
              يقول الله تعالى: { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ } [الأعراف : 172] ..
              فهذا الإشهاد هو نور أحدثه الله في قلوب خلقه وهي لا زالت أنفس في عالم الذر قبل أن تبعث وتخلق في أجساد فانية ..
              وكان أول من شهد الحق الحقيق هي نفس سيد الخلق في عالم الذر ..
              يروي الحافظ عبد الرزاق الصنعاني [ثقة حافظ ثبت]، بسند عالي صحيح: عن معمر بن راشد [ثقة ثبت فاضل] عن محمد بن المنكدر [ثقة إمام فاضل]، عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه، قال: سألت رسول الله عن أول شيء خلقه الله تعالى، فقال: ( أَوّلُ مَاَ خَلَقَ اللهُ نُوّرُ نَبْيِكَ يَاَ جَاّبِرْ، خَلَقَهُ الله مِنْ نُوّرِهِ قَبْلَ الْأَشْيَاّءِ )، رواه الصنعاني في "منصف عبد الرزاق" [ج1/ص: 7]، بإسناد صحيح على شرط البخاري؛ وحكمه: [صحيح، رجاله رجال البخاري] (5) ..
              وهذا ما جعل حتى أبو الأنبياء نبي الله آدم عليه الصلاة والسلام، يتوسل بسيد الخلق أجمعين عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، ليتوب عليه بعد خروجه من الجنة بعد أغواه الشيطان ..
              وهذه هي الكلمات التي تلقاها من ربه في أثناء خلقه فتاب عليه: { فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ } [البقرة : 37]؛ والتي شرحها أو بيناها بالسنة المطهرة:
              عَنْ عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: ( لَمَّا اقْتَرَفَ آدم الْخَطِيئَةَ، قَالَ: يَا رَبِّ أَسْأَلُكَ بِحَقِّ مُحَمَّدٍ لَمَا غَفَرْتَ لِي، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: (( يَا آدم! وَكَيْفَ عَرَفْتَ مُحَمَّدًا وَلَمْ أَخْلُقْهُ؟ ))، قَالَ: لأَنَّكَ يَا رَبِّ لَمَّا خَلَقْتَنِي بِيَدِكَ وَنَفَخْتَ فِيَّ مِنْ رُوحِكِ رَفَعَتُ رَأْسِي فَرَأَيْتُ عَلَى قَوَائِمِ الْعَرْشِ مَكْتُوبًا: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَعَلِمْتُ أَنَّكَ لَمْ تُضِفْ إِلَى اسْمِكَ إِلا أَحَبَّ الْخَلْقِ إِلَيْكَ، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: (( صَدَقْتَ يَا آدم، إِنَّهُ لأُحِبُّ الْخَلْقِ إِلَيَّ وَإِذْ سَأَلْتَنِي بِحَقِّهِ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ، وَلَوْلا مُحَمَّدٌ مَا خَلَقْتُكَ )) )؛ (6) ..
              وكمال وتفضيل سيد المرسلين عليه أفضل الصلاة والتسليم، على سائر الخلق أجميعن ..
              وأنه باب الخلائق والأنبياء والملائكة إلى الجنة ..
              عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ: ( آتِي بَابَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَسْتفْتِحُ، فَيَقُولُ الْخَازِنُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَأَقُولُ: مُحَمَّدٌ، فَيَقُولُ: بِكَ أُمِرْتُ لَا أَفْتَحُ لِأَحَدٍ قَبْلَكَ )؛ (7) ..
              وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: ( إِنِّي لَأَوَّلُ النَّاسِ تَنْشَقُّ الْأَرْضُ عَنْ جُمْجُمَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا فَخْرَ، وَأُعْطَى لِوَاءَ الْحَمْدِ، وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَلَا فَخْرَ )؛ (8) ..
              عن أبي هريرة وأبو سعيد الخدري وواثلة بن الأشقع رضي الله عنهم أجمعين، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: ( إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى بَنِي هَاشِمٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، فَأَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدم وَلا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الأَرْضُ، وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ )؛ (9) ..
              أما سر عظمة المصطفى حجم الرحمة اللامتناهي للغير، لقوله تعالى: { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ } [الأنبياء : 107] ..
              وأنه صاحب الخلق الذي لا حاط ولا يقدر ولا يحصى، لقوله تعالى: { وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ } [القلم : 4] ..
              وقلبه فيه الدين كله، من قبل النبوة، ومصداق ذلك قوله تعالى: { قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللّهِ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ } [البقرة : 97] ..
              فقوله بين يديه، الهاء عائدة على قلب المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، ومصداق ذلك بالسنة:
              عن المقداد بن معد كرب رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: ( أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ [الْقُرْآّنَ] وَمِثْلَهُ مَعَهُ )؛ (10) ..
              ثم استحق العلم اللدني المفتوح الذي لا حد له، وفق قوله تعالى: { وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى [3] إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [4] عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى } [النجم : 5] ..
              أما الفتوحات المكية للشيخ الأكبر، فهو كتاب قد تلاعب فيه من له مأرب في إسقاط جدوى الرجوع إليه كمرجع رباني فريد ..
              ---------------------------
              (1) رواه الترمذي في "سننه" [ج5/ص: 26/ر:2642]، وصححه الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:2642]؛ وفي "الصحيحة" [ر:1076]؛ وفي "النصحية" [ر:254]؛ وفي "تخريج المصابيح" [ر:97]؛ وصححه السيوطي في "الجامع الصغير" [ر:1733]؛ ووافقه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:1764]؛ ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج2/ص: 368/ر:6606]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق أحمد شاكر في "المسند" [ج10/ص: 128]؛ ورواه ابن حبان في "صحيحة" [ج14/ص: 43/ر:6169]؛ والحاكم في "المستدرك" [ج1/ص: 84/ر:83]، قال: هذا حديث صحيح، قد تداوله الأئمة، ووافقه الذهبي في "التلخيص" [ج1/ص: 30]؛ وحكمه: [صحيح] ..
              (2) رواه الخركوشي في "شرف المصطفى" [ج5/ص: 459/ر:2435]؛ وابن عراق في "تنزيه الشريعة" [ج1/ص: 337]؛ وأصله في "الأمالي" لأبي نعيم ..
              (3) ورد في "سر الأسرار" للجيلاني [ج1ص: 44] ..
              (4) ورد في "مرقاة المفاتيح" للقاري [ج1/ص: 387]؛ وفي "روح البيان" للألوسي [ج7/ص: 157]؛ وفي "غرائب القرآن" للنيسابوري [ج4/ص: 388]؛ وفي "سر الأسرار" للجيلاني [ج1/ص: 45] ..
              (5) وقد أشار إلى وجود هذا الحديث في "مصنف عبد الرزاق" بسند عالي من رجال البخاري كل من:
              الإمام القسطلاني وهو أحد شراح "صحيح البخاري" وذلك في "المواهب اللدنية" [ج1/ص: 46]..
              وذكره الحافظ العجلوني في "كشف الخفاء" [ج1/ص: 311]..
              وذكر الحافظ الهيتمي المكي في "الفتاوى الحديثية" [ج1/ص: 59] ..
              وصدر كتابٌ كُتب عليه: "الجزء الأول من المصنف للحافظ الكبير أبي بكر عبد الرزاق بن همام الصنعاني"، بتحقيق عيسى بن عبد الله بن محمد بن مانع الحميري، وتقديم محمود سعيد ممدوح، الطبعة الأولى 1425هـ-2005م، دون ذكر للناشر، في مجلد في 105 صفحات، منها 44 صفحة لمتن الكتاب ..
              والمعلوم أن الكتاب الذي جمعه المحقق الأعظمي كان في سقط في المخطوط من صفحة 5 إلى الصفحة 7 ..
              وقد وجد الشيخ الحميري هذه السقوط في مخطوطات أصلية وأظهر نسخة كاملة للمصنف ..
              وقد قال الشيخ الحميري في تحقيق المصنف: ( ومن توفيق الله عز وجل أننا عثرنا في هذه النسخة على حديث جابر مسنداً.. وتبين لنا بعد ذلك صحة الحديث الذي يرويه عبد الرزاق عن معمر عن ابن المنكدر عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: سألت رسول الله عن أول شيء خلقه الله تعالى، فقال: هو نور نبيك يا جابر.. الحديث ..
              فثبت لدينا بأن سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وآله وسلم أول مخلوق في العالم؛ أي أول روح مخلوقة، وآدم أول شبحية مخلوقة، إذ أن آدم مظهر من مظاهره صلى الله عليه وآله وسلم، ولا بد للجوهر أن يتقدمه مظهر، فكان آدم متقدما بالظهور في عالم التصوير والتدبير، وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مقدما في عالم الأمر والتقدير، لأنه حقيقة الحقائق، وسراج المشارق في كل المغارب! وما حديث جابر إلا تفسير لآية المشكاة )؛ اهـ
              أما قول الحافظ المحقق الغماري في الحديث: (( منكر موضوع لا أصل له في شيء من كتب السنة ))؛ في كتابه "مرشد الحائر لبيان وضع حديث جابر" ..
              فقد كان مبين على تحقيق الحافظ والناقد السيوطي:
              قال الحافظ السيوطي في "الحاوي في الفتاوى"[ج1/ص: 325 ]: (( ليس له إسناد يعتمد عليه ))؛ اهـ
              وقول السيوطي في "قوت المغتذي شرح الترمذي": (( وأما حديث أولية النور المحمدي فلا يثبت ))؛ اهـ
              ولم يكن يعلم أنه في مصنف عبد الرزاق الصنعاني ..
              (6) رواه الديلمي في "مسند الفردوس" [ج3/ص: 151/ر:4409]؛ ورواه الطبراني في "المعجم الأوسط" [ج6/ص: 313ر:6502]؛ وفي "المعجم الصغير" [ج2/ص: 182/ر:992]، وقال: لا يُرْوَى عَنْ عُمَرَ، إِلا بِهَذَا الإِسْنَادِ؛ ورواه الهيثمي في "مجمع الزوائد" [ج8/ص: 453/ر:13917]؛ رواه الحاكم النيسابوري في "المستدرك على الصحيح" [ج2/ص: 615/ر:4166]، وقال: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الإِسْنَادِ، وَهُوَ أَوَّلُ حَدِيثٍ ذَكَرْتُهُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي هَذَا الْكِتَابِ؛ وصححه القسطلاني والزرقاني في "المواهب اللدنية" [ج1/ ص: 62] ..
              (7) رواه مسلم في "صحيحة" [ج1/ص: 130/ر:507]؛ وحكمه: [صحيح] ..
              (8) رواه الدارمي في "سننه" [ج1/ص: 31/ر:52]؛ وهو من أئمة الصحيح؛ ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج3/ص: 609/ر:12060]، بإسناد جيد؛ بتحقيق الأرناؤوط في "مسند أحمد" [ج3/ص: 144]؛ وقال ابن منده في "الإيمان" [ج2/ص: 847/ر:335]: صحيح مشهور؛ وقال الألباني في "الصحيحة" [ج4/ص: 100]: إسناده جيد، رجاله رجال الشيخين ..
              (9) رواه مسلم في "صحيحة" [ج15/ص: 39/ر:5899]، ورواه أبو داود في "سننه" [ج2/ص: 630/ر:4673]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح أبي داود" [ر:4673]، ورواه الترمذي في "سننه" [ج5/ص: 548/ر:3615]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:3615]، ورواه ابن ماجه في "سننه" [ج3/ص: 540/ر:4308]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح ابن ماجه" [ر:3496]، ورواه الدارمي في "سننه" [ج1/ص: 31/ر:49]، بإسناد جيد؛ بتحقيق الأسد في "سنن الدارمي" [ج1/ص: 40]؛ ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج3/ص:363/ر:10589]، بإسناد صحيح؛ على شرط الشيخين؛ بتحقيق الأرناؤوط في "مسند أحمد" [ج3/ص: 33]؛ وصححه ابن حبان في "الثقات" [ج14/ص: 135/ر:6242]، وقال الحافظ ابن كثير في "البداية والنهاية" [ج2/ص: 266] : متواتر، وصححه الشوكاني في "الفتح الرباني" [ج11/ر:5646]، وصححه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:1468]، وخلاصة حكمه: [صحيح] ..
              (10) رواه أبو داود في "سننه" [ج2/ص: 610/ر:4604]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح أبي داود" [ر: 4604]، ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج5/ص: 115/ر:16722]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الأرنئوط في "المسند" [ج4/ص: 130]؛ ورواه ابن حبان في "الثقات" [ج1/ص: 189/ر:12]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الأرنئوط أيضا؛ بلفظ: ( إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمَا يَعْدِلُهُ )؛ وبلفظ : (إنِّي أوتيتُ القرآنَ ومثلَهُ معَهُ )، وصححه الشوكاني في "فتح القدير" [ج2/ص: 169]، وفي "نيل الأوطار" [ج8/ص: 278]، والعجلوني في "كشف الخفاء" [ج2/ص: 569]؛ وقال الألباني في "صفة الصلاة" [ر:171] : صحيح مشهور، وخلاصة حكمه بألفاظه: [صحيح] ..

              تعليق

              • حسام الدين رامي نقشبند
                طالب علم
                • Apr 2011
                • 231

                #82
                القسم السادس: شبهة البدع المدخلة على أصول الدين عند النقشبندية:
                الفصل الأول: علاقة النقشبندية بالفلسفة الإسلامية:
                يقول الناقد دمشقية في كتابه "الطريقة النقشبندية" [ص: 141 146]، ما نصه:

                "غرقى في تعاليم المدرسة الفلسفية"
                ان الطريقة النقشبندية متلطخة بتعاليم فلاسفة التصوف الذين صنفهم ابن تيمية بأنهم شر الصوفية وغلاتها. وتأمل نموذجا من مصطلحاتهم الفلسفية. قالوا «مقام الخفي فوق الثدي الايمن بمقدار الاصبعين وحقيقته لاهوتية لطيفة ملازمة لعالم الصفات وهو باطن السر والطف منه، ومرتبته مرتبة الجبروت والاستغراق... ومقام النفس الناطقة في الدماغ» (1). فأين هذا من السنة التي زعموا أنهم لا يخرجون عنها قيد أنملة؟!
                وكما تبين لكم بالدليل فان غاية مبادئها وأهدافها تحقيق وحدة الوجود على النمط الذي كان يصرح به ابن عربي والحلاج وغيرهم.
                صفات الأولياء عند النقشبندية صفات الالوهية

                وأما أنواع الأولياء وأوصافهم فقد توسع الكمشخاتلي النقشبندي في بيان ذلك وبالغ حتى جعل لهم صفات الربوبية. فقال ما نصه:
                «وأما أنواع الأولياء والمتصرفين: فمنهم قطب الاقطاب وقطب الارشاد وقطب البلاد وقطب المتصرفين. وهم الكلمات الجامعة الالهية. وقدرتهم القدرة الذاتية... وهم أقطاب العالم وهؤلاء الاوتاد نوابهم: لا موت ولا عارض ولا صعق ولا تغير لهم (2)».
                فهكذا صرح بأنهم لا يموتون ولا يتغيرون ولا تؤثر عليهم عوارض الدنيا.
                يتابع فيقول:
                ومنهم الاثنا عشر نقيبا: وهم مطلعون على تأثيرات الكواكب التي تنزل على البروج.
                ومنهم النجباء وهم ثمانية عدد السموات مع الكرسي: وهم واقفون على أحوال النجوم ومطلعون على أسرار النجوم والكرسي والعرش.
                ومنهم: ثلاثمائة رجل من الأولياء على قلب آدم.
                ومنهم أربعون على قلب نوح.
                ومنهم سبعة غير الابدال السبعة على قلب ابراهيم.
                ومنه خمسة على قلب جبريل.
                ومنهم ثلاثة على قلب ميكائيل.
                ومنهم واحد على قلب اسرافيل. وعلمه علم اسرافيل جامع للقبض والبسط وعلى هذا المشرب أبو يزيد البسطامي.
                ومنهم ثمانية عشر قائمون بحقوق الله وظاهرون بأمره ويحكمون بما أراد الله.
                ومنهم خمسة عشر رجلا وهم المسمون رجال الحنان والعطف الالهي.
                ومنهم أربعة يسمون رجال الهيبة والجلال وهم يمدون بالأوتاد الاربعة: قالبهم روحاني وقلبهم سماوي معروفون في السماء مجهولون في الارض وعلمهم مما لا يتناهى.
                ومنهم رجال الاشتياق وهم خمسة.
                ومنهم رجال الايام الست... وهذه الايام مقالة الصفات السبع: الاحد موجود من صفة السمع. والاثنين من صفة الحياة والثلاثاء من صفة البصر. والاربعاء من صفة الارادة، والخميس من صفة القدرة. والجمعة من العلم. والسبت من الكلام. وكل واحد نال من مظهرية صاحبه: فافهم».
                يزعمون أن قدم الجيلاني على رقبة كل أولياء الله
                ---------------------------
                (1) ورد في "نور الهداية" لزاده [ج1/ص: 78] ..
                (2) ورد في "جامع الأصول" للكمشخاتلي [ج1/ص: 131] ..
                ===============================
                الجواب:
                حول قول الناقد: "ان الطريقة النقشبندية متلطخة بتعاليم فلاسفة التصوف الذين صنفهم ابن تيمية بأنهم شر الصوفية وغلاتها. وتأمل نموذجا من مصطلحاتهم الفلسفية. قالوا «مقام الخفي فوق الثدي الايمن بمقدار الاصبعين وحقيقته لاهوتية لطيفة ملازمة لعالم الصفات وهو باطن السر والطف منه، ومرتبته مرتبة الجبروت والاستغراق ... ومقام النفس الناطقة في الدماغ». فأين هذا من السنة التي زعموا أنهم لا يخرجون عنها قيد أنملة؟!"
                أولاً علينا أن نفهم حقيقة الفلسفة فإذا نظرنا في أصولها اللاتينية أو الإغريقية، فهي تعني "حب الحكمة"، وفي التصريف اللغوي الفلسفة هي: "فل السفه" أي اظهار الحق، أو التحرر من السفه والذي هو عكس الحكمة، وممكن أني يكون معناها "معرفة الحكمة" وهي ضالة المؤمن ..
                ماذا جاء بالسنة عن الحكمة:
                عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ: ( الْحِكْمَةُ ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ فَحَيْثُ وَجَدَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا )؛ (1) ..
                عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّ الْحِكْمَةَ تَزِيدُ الشَّرِيفَ شَرَفًا، وَتَرْفَعُ الْعَبْدَ الْمَمْلُوكَ حَتَّى تَضَعَهُ مَوْضِعَ الْمُلُوكِ )؛ (2) ..
                عَنْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ: ( لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا )؛ (3) ..
                ونختم بقول الحق تعالى: { يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ } [البقرة : 269] ..
                فالحكمة كما في الآية أعلاه لا تكون إلا لأولي الألباب "النقشبندية"، فلا ضير أن يعاديها من يجهلها ..
                يقول نبي الله المُخلص المنتظر عيسى بن مريم عليه وعلى نبينا الصلاة السلام، لحواريين: ( لا تَضَعُوا الْحِكْمَةَ عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِـهَا فَتَظْلِمُوهَا، وَلا تَمْنَعُوهَا أَهْلَـَها فَتَظْلِمُوهُمُ، كُـونُوا كَالْطَّبِيبِ الْرَّفِيقِ، الَّذِي يَضَعُ الْدَّوَاءَ فِي مَوْضِعِ الْدَّاء )؛ (4) ..
                والحكمة من الإحكام وهي وضع الأشياء على شاكلتها أو موضعها، أو في نصابها الصحيح ..
                وهي أيضاً إحكام العلم بالعمل ..
                ومن الناحية العلمية المعنوية: معرفة الحقائق وتوثيقها وتطبيقها على ما هي عليه ..
                وممن عرف الحكمة، من أئمة السنة والجماعة:
                الإمام الهروي: ( الحِكْمَة: اسم لإحكام وضع الشيء في موضعه )؛ (5) ..
                وكذلك الإمام النووي: ( الحِكْمَة: عبارة عن العلم المتَّصف بالأحكام، المشتمل على المعرفة بالله تبارك وتعالى، المصحوب بنفاذ البصيرة، وتهذيب النَّفس، وتحقيق الحقِّ، والعمل به، والصدِّ عن اتِّباع الهوى والباطل، والحَكِيم من له ذلك )؛ (6) ..
                وكذلك من أئمة السلف السنة: الإمام ابن قيم الجوزية: ( الحِكْمَة: فعل ما ينبغي، على الوجه الذي ينبغي، في الوقت الذي ينبغي )؛ (7) ..
                والحكمة أيضاً هي فهم آيات الكتاب الكريم، المحكمة البينات، وفهم المتشابهة بالآيات المبينات ..
                وهو علم البيان العلوي نسبة لإمام التأويل الغالب علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، الذي اشتهر عنه أن قال: ( أَفْضَلُ الْبَيَاّنْ: تَأّوِيِلُ الْقُرْآَنِ بِالْقُرْآَنِ ) ..
                يقول تعالى: { وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [البقرة : 231] ..
                والحكمة هي السنة!:
                لقوله تعالى: { كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ } [البقرة : 151] ..
                وقوله عز من قائل: { لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ ْ}[آل عمران : 164] ..
                وقوله: { هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ } [الجمعة : 2] ..
                يقول فقيه السنة الأكبر الإمام الشافعي، في رسالته بالأصول: ( ذكر الله الكتاب، وهو القُرَآن، وذكر الحِكْمَة، فسمعتُ مَنْ أرْضى من أهل العلم بالقُرَآن يقول: الحكمة سنة رسول الله؛ لأن القُرَآن ذُكر وأُتْبِعَتْه الحكمة، وذكرَ الله منَّه على خَلْقه بتعليمهم الكتاب والحكمة، فلم يَجُزْ أن يقال الحكمة هاهنا إلا سنةُ رسول الله؛ وذلك أنها مقرونة مع كتاب الله، وأن الله افترض طاعة رسوله، وحتَّم على الناس اتباع أمره، فلا يجوز أن يقال لقول: فرضٌ، إلا لكتاب الله، ثم سنة رسوله )؛ (8) ..
                أما قول الناقد:
                وأما أنواع الأولياء وأوصافهم فقد توسع الكمشخاتلي النقشبندي في بيان ذلك وبالغ حتى جعل لهم صفات الربوبية. فقال ما نصه:
                «وأما أنواع الأولياء والمتصرفين: فمنهم قطب الأقطاب وقطب الارشاد وقطب البلاد وقطب المتصرفين. وهم الكلمات الجامعة الالهية. وقدرتهم القدرة الذاتية... وهم أقطاب العالم وهؤلاء الأوتاد نوابهم: لا موت ولا عارض ولا صعق ولا تغير لهم».
                فهكذا صرح بأنهم لا يموتون ولا يتغيرون ولا تؤثر عليهم عوارض الدنيا.
                وللجواب نقول:
                نقول جميع التسميات والألفاظ: النقباء والنجباء والأوتاد والأقطاب ..
                هي اصطلاحات وتقسيمات صوفية لا أساس لها عند السلف الصالح بما فيهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ باستثناء الأولياء والأبدال وهم أي الأبدال الخلفاء المهديين خلفاء وحملة العلم الشريف ..
                يقول من عرف بشيخ الإسلام وهو الإمام الحافظ ابن تيمية الحراني: ( وَفِي حَدِيثٍ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: (( هُمْ مَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مَا أَنَا عَلَيْهِ الْيَوْمَ وَأَصْحَابِي ))؛ صَارَ الْمُتَمَسِّكُونَ بِالْإِسْلَامِ الْمَحْضِ الْخَالِصِ عَنْ الشَّوْبِ: هُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَفِيهِمْ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ وَالصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ أَعْلَامُ الْهُدَى؛ وَمَصَابِيحُ الدُّجَى، أُولُوا الْمَنَاقِبِ الْمَأْثُورَةِ وَالْفَضَائِلِ الْمَذْكُورَةِ؛ وَفِيهِمْ الْأَبْدَالُ: الْأَئِمَّةُ الَّذِينَ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى هِدَايَتِهِمْ وَدِرَايَتِهِمْ وَهُمْ الطَّائِفَةُ الْمَنْصُورَةُ الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ النَّبِيُّ: (( لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ )) )؛ (9) ..
                ويقول: ( قَدْ رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ وَكَذَا كُلُّ حَدِيثٍ يُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عِدَّةِ "الأولياء" وَ"الْأَبْدَالِ" وَ"النُّقَبَاءِ" وَ"النُّجَبَاءِ" وَ"الْأَوْتَادِ" وَ"الْأَقْطَابِ" مِثْلُ أَرْبَعَةٍ أَوْ سَبْعَةٍ أَوْ اثْنَيْ عَشَرَ أَوْ أَرْبَعِينَ أَوْ سَبْعِينَ أَوْ ثَلَاثَمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ أَوْ الْقُطْبَ الْوَاحِدَ، فَلَيْسَ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ صَحِيحٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَمْ يَنْطِقْ السَّلَفُ بِشَيْءِ مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ، إلَّا بِلَفْظِ "الْأَبْدَالِ" وَرُوِيَ فِيهِمْ حَدِيثُ أَنَّهُمْ أَرْبَعُونَ رَجُلًا وَأَنَّهُمْ بِالشَّامِ وَهُوَ فِي الْمُسْنَدِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ )؛ (10) ..
                والخليفة البدل وفق تصنيف الكمشخاتلي النقشبندي، هو قطب الإرشاد ..
                وهم لا يموتون ولا يتغيرون لأنهم يستبدلون، بالخلفية فيبقى الجوهر مورث من صدر إلى صدر لا يفنى إذا ما فني صاحبه بالموت ..
                ------------------------------
                (1) رواه الترمذي في "سننه" [ج5/ص: 49/ر:2687]، وقال: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ؛ ورواه ابن ماجه في "سننه" [ج3/ص: 490/ر:4169]؛ وهما من أئمة الصحيح؛ وحسنه السيوطي في "الجامع الصغير" [ر:6462]؛ وحكمه: [حسن] ..
                (2) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" [ج6/ص: 173/ر:8257]؛ والقضاعي في "مسند الشهاب" [ج2/ص: 105/ر:979]؛ ورواه العراقي في "تخريج الإحياء" [ج1/ص: 23/ر:11] ..
                (3) رواه الشيخان: البخاري في "صحيحة" [ج2/ص: 510/ر:1343]، ومسلم في "صحيحة" [ج1/ص: 559/ر:816]؛ ورواه ابن ماجه في "سننه" [ج2/ص: 1407/ر:4208]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح ابن ماجه" [ر:3411]؛ ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج1/ص: 385/ر:3651]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق أحمد شاكر في "المسند" [ج6/ص: 78]؛ وحكمه: [متفق عليه] ..
                (4) ورد في "الذريعة" للراغب الأصفهاني [ج1/ص: 180]؛ وفي "منهل العرفان" للزمرلي [ج2/ص: 92]؛ وفي "روضة المحبين" لابن القيم [ج1/ص: 306]؛ وفي "زهرة التفاسير" لأبو زهرة [ج1/ص: 482]؛ وفي "العقد الفريد" لابن عبد ربه [ج1/ص: 171] ..
                (5) ورد في "منازل السائرين" للهروي [ج1/ص: 78] ..
                (6) ورد في "شرح مسلم" للنووي [ج2/ص: 33] ..
                (7) ورد في "مدارج السالكين" لابن القيم [ج2/ص: 449] ..
                (8) ورد في "الرسالة" للشافعي [ج1/ص: 78] ..
                (9) ورد في "العقيدة الواسطية" [ج1/ص: 72]؛ وفي "مجموع الفتاوى" [ج3/ص: 159]؛ وهما لابن تيمية ..
                (10) ورد في "مجموع الفتاوى" لابن تيمية [ج11/ص: 167] ..
                =============================

                تعليق

                • حسام الدين رامي نقشبند
                  طالب علم
                  • Apr 2011
                  • 231

                  #83
                  الفصل الثاني: شبهة طعن النقشبندية بالصوفية:
                  يقول الناقد دمشقية في كتابه "الطريقة النقشبندية" [ص: 147 148]، ما نصه:
                  "الصوفية هم الطاعنون في الأولياء"
                  وبعد هذا نسأل: من هم الطاعنون في الأولياء؟
                  الصوفية هم الذين زعموا أن عبد القادر الجيلاني قال «قدمي هذه على رقبة كل ولي لله تعالى». صرح السرهندي بأن السهروردي سمعها من عبد القادر نفسه، إذ كان مصاحبا له. (1)

                  وهذا طعن بالنبي وصحابته لأن النبي أعظم أولياء الله يليه الصحابة. وعبد القادر لم يخصص جماعة من الأولياء دون آخرين بأنهم تحت قدمه بل أطلق وعمم أن كل ولي لله فهو تحت قدمه. فمن الطاعن في أولياء الله؟!

                  وحقيقة الأمر أن الصوفية قد كذبوا على لسان نبيهم، وكل واحد منهم يزعم أنه يراه يقظة بين الآونة والأخرى فكذبهم على سواه من باب أولى. وقد كذب الحافظ ابن رجب هذه الرواية عن الجيلاني واتهم راويها (الشطنوفي) بالوضع والكذب (2).
                  ------------------------
                  (1) ورد في "المكتوبات الشريفة" للسرهندي [ج1/ص: 350]؛ وفي "نور الإنصاف" [ج1/ص: 29]؛ وفي "قلائد الجواهر" [ج1/ص: 113]؛ وفي "ضوء الشمس" [ج1/ص: 133]، وهم للصيادي الرفاعي ..
                  (2) ورد في "ذيل طبقات الحنابلة" لابن رجب [ج1/ص: 293] ..
                  ==============================
                  الجواب:
                  نقول ما روي أنه من قول الإمام الباز الجيلاني، ظهره شنيع وباطنه رفيع:
                  تأويل قول تاج الأولياء الجيلاني: قدمي على رقبة كل ولي من أولياء الله ..

                  الوجه الأول: معناه: ما أنا عليه من أدنى حال [أو: مقام] مع الله، مقدم على أعلى حال آل إليه أولياء الله ..
                  الوجه الثاني: قدمي بالصدق، وما قدمته من خير وعلم، تقدمت به على أقراني، وقد كان تقديمه فرض على عاتق [على رقبة] كل ولي من أولياء الله ..
                  والوجه الثاني وهو الأصلح، يبين تقدمه على أقرانه بعصره وربما ما يلي عصره، إلا عصر المهدي المنتظر والمسيح نبي الله عيسى بن مريم عليهما السلام، وليس من كان قبله من خير القرون كما أشار النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الصحيح ..
                  عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ أَقْوَامٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ )؛ (1) ..
                  ولا يتناسب مع آخر الزمان:
                  عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( إِنَّ مَثَلَ أُمَّتِي مَثَلُ الْمَطَرِ، لَا يُدْرَى أَوَّلُهُ خَيْرٌ أَوْ آخِرُهُ )؛ (2) ..
                  أما قول الصوفية برؤية النبي صلى الله عليه وآله وسلم، باليقظة، ليس بكذب، ولذلك دليل بالصحيح المرفوع المتفق على صحته عند الشيخين:
                  حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: ( مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ، وَلَا يَتَمَثَّلُ الشَّيْطَانُ بِي )؛ (3) ..
                  ورؤية اليقظة هي رؤية خليفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، البدل المهدي، القائم بمقام النبوة في كل زمان حتى المهدي المنتظر صديق المسيح عليه السلام ..
                  والمؤكد أن تاج الأولياء الباز الجيلاني، تقدم على أقرانه المعاصرين، بما فيهم: قطب الأولياء الرفاعي الكبير، رغم أن هذا الأخير، أوذن من المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، وبايعه بشكل مباشر دون بدل، إن صحت حادثة تقبيل يد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، في المدينة والتي شهد حقيقتها بالمكاشفة القلبية السيريانية، أربعة من الأقطاب حضروا الحادثة، كان من بينهم الباز الجيلاني، ورغم أن الباز الجيلاني شهد البدل الغوث الرباني الهمداني، وأذن منه بأن يتكلم للناس، وبايعه الجيلاني على السمع والطاعة وحسن الإتباع، ثم تابع البدل المهدي القطب الرباني الغجدواني؛ إلا أن غزارة ما قدمه الباز الجيلاني من العلم، ظهر ذلك في مكتوباته التي تزيد عن عشرين مصنف، عدا ما دون عنه، وكان يحضر في مجلسه المفتوح سبعون ألف مريد ومستمع ومحب ..
                  ودخل بسببه في دين الحق كثير من أهل الكتاب، وغير أهل الكتاب ..
                  وشهد بفضله القاصي والداني وحتى من نقد على كثير من الأولياء، وأعني من عرف بشيخ الإسلام وهو ابن تيمية، شيخ مشايخ الناقد، حيث يقول: ( فأما المستقيمون من السالكين كجمهور مشائخ السلف مثل الفضيل بن عياض، وإِبراهيم بن أدهم، وأبي سليمان الداراني، ومعروف الكرخي، والسري السقطي، والجنيد بن محمد، وغيرهم من المتقدمين، ومثل الشيخ عبد القادر [الجيلاني]، والشيخ حماد، والشيخ أبي البيان، وغيرهم من المتأخرين، فهم لا يسوِّغون للسالك ولو طار في الهواء، أو مشى على الماء، أن يخرج عن الأمر والنهي الشرعيين، بل عليه أن يفعل المأمور، ويدع المحظور إِلى أن يموت. وهذا هو الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة وإِجماع السلف وهذا كثير في كلامهم )؛ ورد في "مجموع الفتاوى" لابن تيمية [ج10/ص: 516 -517] ..
                  وقال: ( وَأَمَّا أَئِمَّةُ الصُّوفِيَّةِ وَالْمَشَايِخُ الْمَشْهُورُونَ مِنْ الْقُدَمَاءِ: مِثْلُ الجنيد بْنِ مُحَمَّدٍ وَأَتْبَاعِهِ وَمِثْلُ الشَّيْخِ عَبْدِ الْقَادِرِ [الجيلاني] وَأَمْثَالِهِ فَهَؤُلَاءِ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ لُزُومًا لِلْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَتَوْصِيَةً بِاتِّبَاعِ ذَلِكَ، وَتَحْذِيرًا مِنْ الْمَشْيِ مَعَ الْقَدَرِ كَمَا مَشَى أَصْحَابُهُمْ أُولَئِكَ وَهَذَا هُوَ " الْفَرْقُ الثَّانِي " الَّذِي تَكَلَّمَ فِيهِ الجنيد مَعَ أَصْحَابِهِ، وَالشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ [الجيلاني] كَلَامُهُ كُلُّهُ يَدُورُ عَلَى اتِّبَاعِ الْمَأْمُورِ, وَتَرْكِ الْمَحْظُورِ وَالصَّبْرِ عَلَى الْمَقْدُورِ وَلَا يُثْبِتُ طَرِيقًا تُخَالِفُ ذَلِكَ أَصْلًا لَا هُوَ وَلَا عَامَّةُ الْمَشَايِخِ الْمَقْبُولِينَ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ وَيُحَذِّرُ عَنْ مُلَاحَظَةِ الْقَدَرِ الْمَحْضِ بِدُونِ اتِّبَاعِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ )؛ ورد في "مجموع الفتاوى" لابن تيمية [ج8/ص: 366] ..
                  بل استشهد بعلمه: ( لِهَذَا يَقُولُ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ: (( كَثِيرٌ مِنْ الرِّجَالِ إذَا وَصَلُوا إلَى الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ أَمْسَكُوا، وَأَنَا انْفَتَحَتْ لِي فِيهِ رَوْزَنَةٌ، فَنَازَعْتُ أَقْدَارَ الْحَقِّ بِالْحَقِّ لِلْحَقِّ، وَالرَّجُلُ مَنْ يَكُونُ مُنَازِعًا لِقَدَرِ لَا مُوَافِقًا لَهُ ))؛ وَهُوَ "رضي الله عنه" كَانَ يُعَظِّمُ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ وَيُوصِي بِاتِّبَاعِ ذَلِكَ وَيَنْهَى عَنْ الِاحْتِجَاجِ بِالْقَدَرِ )؛ ورد في "مجموع الفتاوي" لابن تيمية [ج8/ص: 303] ..
                  وقال أيضاً: ( فأمر الشيخ عبد القادر [الجيلاني] وشيخه حماد الدباسي وغيرهما من المشايخ أهل الاستقامة رضي الله عنهم: بأنه لا يريد السالك مراداً قط، وأنه لا يريد مع إرادة الله عز وجل سواها، بل يجري فعله فيه، فيكون هو مراد الحق )؛ ورد في "مجموع الفتاوى" لابن تيمية [ج10/ص: 516] ..
                  وقال: ( والشيخ عبد القادر [الجيلاني] ونحوه من أعظم مشائخ زمانهم أمراً بالتزام الشرع، والأمر والنهي، وتقديمه على الذوق والقدر، ومن أعظم المشائخ أمراً بترك الهوى والإرادة النفسية )؛ ورد في "مجموع الفتاوى" لابن تيمية [ج10/ص: 488] ..
                  ------------------------------
                  (1) رواه الشيخان: البخاري في "صحيحة" [ج2/ص: 938/ر:2509]، ومسلم في "صحيحة" [ج16/ص: 302/ر:6419]؛ ورواه الترمذي في "سننه" [ج5/ص: 652/ر:3859]، وقال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ؛ وحكمه: [متفق عليه] ..
                  (2) رواه الترمذي في "سننه" [ج5/ص: 140/ر:2869]، بإسناد حسن صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:2869]؛ ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج5/ص: 417/ر:18402]، بإسناد حسن؛ بتحقيق الأرناؤوط في "مسند أحمد" [ج4/ص: 319]؛ ورواه ابن حبان في "صحيحة" [ج16/ص: 209/ر:7226]؛ وصححه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:5854]؛ وفي "تخريج المصابيح" [ر:6241]؛ وصححه ابن كثير في "تفسير القرآن" [ج7/ص: 493]؛ وقال الحافظ في "فتح الباري" [ج7/ص: 8]: حسن له طرق قد يرتقى بها إلى الصحة؛ وحكمه: [صحيح] ..
                  (3) رواه الشيخان: البخاري في "صحيحة" [ج6/ص: 2567/ر:6592]، ومسلم في "صحيحة" [ج15/ص: 27/ر:5880]؛ ورواه أبو داود في "سننه" [ج2/ص: 742/ر:5023]؛ بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح أبي داود" [ر:5023]؛ وحكمه: [متفق عليه] ..
                  ===========================

                  تعليق

                  • حسام الدين رامي نقشبند
                    طالب علم
                    • Apr 2011
                    • 231

                    #84
                    الفصل الثالث: شبهة تقمص أفعال الربوبية عند النقشبندية:



                    يقول الناقد دمشقية في كتابه "الطريقة النقشبندية" [ص: 149 154]، ما نصه:

                    "الأولياء خالقون عند صاحب الرشحات؟!"



                    بل قد نسبوا الى الأولياء الخالقية فقال صاحب الرشحات «قال حضرة شيخنا: قد أعطي بعض العارفين قدرة على كل ما أرادوا خلقه» (1).

                    ولهم نظر آخر وراء القوة المبصرة: يرون به الاشياء في ليلة مظلمة من مواضع بعيدة ولا يكون البعد المكاني مانعا عن هذا النظر» (2).





                    "فعالون لما يريدون"



                    هكذا أثبتوا صفات مشايخهم فقال صاحب الرشحات «كما أن معارضة القرآن غير ممكنة فكذلك معارضة الاولياء أصحاب الهمة (3) فإن همة العارف فعالة لا يتخلف المراد عنها فمن عارض تلك الهمة يصير مغلوبا البتة.

                    وضرب لذلك مثالا، فحكى أن سعد الدين الكاشغري وغيره كانوا يمتحنون قوة همتهم فيذهبون الى أمكنة المتصارعين فيتوجهون بهمتهم الى أحد المتصارعين وهو ضعيف فيتغلب على خصمه وان كان أقوى منه. وأن قوتهم لا يقف في وجهها ولا حتى مائة ألف رجل فان في أكابر سلسلتهم تصرفات يحصل كلما يريده خواطرهم. والعجيب قوله أن مثل هذه الهمة تحصل حتى للكافر اذا توجه بخاطره الى أمر وصرف همته اليه يحصل له ذلك الامر وليس الايمان والعمل الصالح شرطا فيه (4).



                    ولمزيد تخويف العامة من الاعتراض فقد حكوا أن أحد أولياء النقشبنديين اعترض عليه رجل فعاقبه هذا الولي بمرض الاسهال. فصار يقعد بين النجاسات والقاذورات ويضعها في أنفه ويقول نعم الشيء المسهل ويعمل من نجاسته دمى يلعب بها ثم تقطعت أمعاؤه ومات بسبب شدة مرض الاسهال الذي أصابه به الولي (5).



                    وكلام الصوفية عن الخوارق لا يمت الى الواقع بصلة فان التاريخ لا يثبت لواحد منهم شيئا من هذه القوة الخارقة المزعومة بالرغم من المغالطات العجيبة في كتبهم فقد زعموا أن فتح السلطان محمد الفاتح للقسطنطينية انما تحقق حين طلب السلطان المدد من عبيد الله أحرار النقشبندي فظهر له الشيخ راكبا على فرس أبيض وقال له لا تخف فقال له السلطان: كيف لا أخاف وعسكر الكفار كثير؟ قال السلطان: فأراني الشيخ في كمه فاذا فيه عساكر لا تحصى وقال له: جئتك بهذه العساكر لإعانتك» (6).



                    فأبشروا يا مسلمين، هناك جنود مجندة في أكمام مشايخ الطريقة.

                    ولكن؛ لماذا يخبئونهم في أكمامهم؟ وفلسطين لا تزال تحت الاحتلال.

                    متى سمع المسلمون المغترون بترهات التصوف أن الطريقة الصوفية استردت أرضا مسلوبة؟

                    إن التاريخ لا يذكر للصوفية شيئا من هذه الحكايات الغريبة. فأين كانوا يوم دخل التتار ويوم دخل الصليبيون واين هم اليوم واليهود والنصارى في الشرق والغرب يحتلون بلاد المسلمين؟ انها دعاوى لا تعدو أوراق وكتب الصوفية الصفراء. ان الذين امتلأت كتبهم بالروايات الموضوعة والمكذوبة لم تخل من باب أولى من القصص والحكايات المكذوبة أيضا.



                    وذكروا أيضا أن الشيخ منصور البطائحي ـ خال الشيخ الرفاعي ـ حضر معركة بين جيش العراق وجيش العجم لم تقع بعد . فصفق بيده فتصادم الجيشان، ثم قبض اليد اليسرى وقال: هذه لجيش العجم . فظهر جيش العجم على جيش العراق . فلما بسطها ظهر الجيش العراقي وهزم الجيش العجمي هزيمة ساحقة (7).

                    -----------------------------

                    (1) ورد في "الرشحات" للهروي [ج1/ص: 133] ..

                    (2) ورد في "الرشحات" للهروي [ج1/ص: 144] ..

                    (3) الهمة اصطلاح صوفي يعني: القوة الخارقة الباطنة التي يستطيع بها الولي نصر جيش على آخر.

                    (4) ورد في "الرشحات" للهروي [ج1/ص: 216 -217] ..

                    (5) ورد في "الرشحات" للهروي [ج1/ص: 228-229] ..

                    (6) ورد في "الرشحات" للهروي [ج1/ص: 229] ..

                    (7) ورد في "روضة الناظر" للوتري [ج1/ص: 21]؛ وفي "جامع الكرامات" للنبهاني [ج2/ص: 268] ..

                    =================================

                    الجواب:

                    نقول الخلق هنا خلق معنوي وليس مادي وهو خلق الأفعال ..

                    والخلق المادي هو البراعة بالصناعة البشرية حيث لا تصعب عليهم مهنة، بعون الله إن عزموا العمل ..

                    أما خلق الأفعال، فتأويلة أن الإنسان يخلق مخير ومسير، مخير بالقرار وهو الإرادة وهي بدورها الأمانة التي عرضت عليه فحملها وأشفق منها حتى الجبال ..

                    وهو مسير بالأقدار من رحمة الله به ما لم يمتلك الحكمة الإلهية وذلك حين يصبح همه وهواه ما يحبه الله ويرضاه؛ حينها يصبح سيد قدره أي مخير بقراره وأقداره لأن الله يطلقه من إساره ..

                    ففي الحديث القدسي: عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، قال: قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ( إِذَا ابْتَلَيْتُ عَبْدِي الْمُؤْمِنَ فَلَمْ يَشْكُنِي إِلَى عُوَّادِهِ، أَطْلَقْتُهُ مِنْ إِسَارِي، ثُمَّ أَبْدَلْتُهُ لَحْمًا خَيْرًا مِنْ لَحْمِهِ، وَدَمًا خَيْرًا مِنْ دَمِهِ، ثُمَّ يَسْتَأْنِفُ الْعَمَلَ )؛ (1) ..

                    ويقول الله تعالى: { وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [33] لَهُم مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِينَ } [الزمر : 34] .

                    والعندية هي الخصوصية عند الله، والمشيئة هي الإرادة مع القدرة على انفاذ المراد، وهي خصوصية ربانية، قد يمنحها الله لصديقي الأتقياء الربانين ..

                    ولا تكون المشيئة إلا بمشيئة الله، لقوله: { وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً } [الإنسان : 30]

                    وهذا يصدق ما عند أهل القلوب، قوله تعالى في الحديث القدسي: ( عَبْدْيِ أطْعْنِي أجْعَلْكَ رَبْانْياً، يَدْكَ يَدْيِ، ولِسْاَنْكَ لِسْاَنْيِ، وبَصْرَكَ بَصْرِي، وإرَادُتْكَ إِرَاْدْتْيِ ورَغْبْتُكَ رَغْبْتْيِ ) اهـ

                    أما القصص العجيبة التي نقلها الناقد، فأكثرها من غلو محبة المريد بالمرشد، مما يجعله يتوهم أوهام ويصدقها، أو يسمع أخبار ملفقة ويأخذ بها دون أن يتحقق منها ..

                    وقد سئل شيخي مرة هل المرشد يطير، فتبسم وقال: مريدونه يجعلوه يطير دون أن يطير ..

                    فالغلو بمحبة المريد للمرشد، يجعلان المريد يتوهم أن شيخه على كل شيء قدير! ..

                    -----------------------------

                    (1) رواه البيهقي في "شعب الإيمان" [ج5/ص: 215/ر:6644]، بإسناد صحيح؛ ورواه الحاكم في "المستدرك" [ج1/ص: 500/ر:1290]، وقال: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وصمت عنه الذهبي في "التلخيص" [ج1/ص: 348]، موافقتاً؛ ورواه العراقي في "تخريج الإحياء" [ج2/ص: 262/ر:1500]، بإسناد جيد؛ ورواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" [ج7/ص: 117/ر:10023]؛ وصححه الألباني "صحيح الترغيب" [ر:3424]؛ وفي "صحيح الجامع" [ر:4301]؛ وحكمه: [صحيح] ..

                    ===============================

                    تعليق

                    • حسام الدين رامي نقشبند
                      طالب علم
                      • Apr 2011
                      • 231

                      #85
                      الفصل الرابع: حول حقيقة علمهم للغيب:

                      يقول الناقد دمشقية في كتابه "الطريقة النقشبندية" [ص: 155 159]، مانصه:

                      "يعلمون الغيب وما في الصدور"

                      وقد صرح النقشبنديون بأن مشايخهم يعلمون ما يختلج في صدور الناس، فقال الدهلوي «وللنقشبندية تصرفات عجيبة من التصرف في قلوب الناس والاشراف على خواطر الناس وما يختلج في الصدور» (1).
                      لما حصل للشاه نقشبند التكليف والولاية للطريقة اجتمع مع سلفه من أصحاب الطريقة (أمواتا) فأعطوه علامات قبول ولايته وقالوا له «تذهب غدا عند مولانا شمس الدين الابنيكوني وتخبره بأن ما يدعيه فلان التركي صحيح، والحق مع التركي فإن أنكر السقا صحة هذه الدعوى فقل له: عندي شاهدان: الأول أنك يا سقا عطشان، فهو يعرف معنى هذه الكلمة. والثاني أنك أتيت امرأة أجنبية فحملت منك فسعيت بإسقاط الحمل ودفنته في الموضع الفلاني ... ثم اذهب الى نسف (2) لخدمة السيد أمير كلال وستجد في المحل الفلاني شيخا يعطيك رغيفا حارا فخذه منه ولا تكلمه ... وامض على طريقك فتمر على قافلة اذا تجاوزتها استقبلك فارس فانصحه فانه ستكون توبته على يديك» (3).

                      ويحكون عن الشيخ عبيد الله أحرار أنه «ما من خاطر الا وقد اطلع عليه» (4).
                      وزعم الكوثري أن أبا الحسن الشاذلي قال «أطلعني الله على اللوح المحفوظ فلولا التأدب مع جدي رسول الله لقلت: هذا سعيد وشقي» (5).
                      ونقلوا عن ابراهيم الدسوقي قوله لمريديه «يا أولادي إن صح عهدكم معي فأنا قريب منكم... فلو كان أحدكم بالمشرق وأنا بالمغرب وورد عليكم من المشكلات شيء تستخيرون به ربكم فوجهوا وجوهكم الي، وافتحوا عين قلبكم فانكم تروني جهارا وتستشيروني في جميع أموركم فمهما قلته لكم فاقبلوه وامتثلوه ... هكذا جرت سنة الله مع أوليائه» (6).
                      ومن كرامات الشيخ أحمد ضياء الدين أن أحد مريديه حدثته نفسه أن يسال حضرة الشيخ ظهور كرامة فكاشفه الشيخ في الحال بما في نفسه وقال له: الاستقامة خير من ألف كرامة» (7).
                      وخطر ببال أحد الواقفين أمام الشيخ محمد سيف الذين الفاروقي أن هذا الشيخ متكبر فعرق ما في قلبه وقال له تكبري من تكبر الحق تعالى والقصة نفسها منسوبة الى بهاء الدين نقشبند (8).
                      وأما محمد الخاني النقشبندي فكان يخبر بالأمر قبل أن يقع فيقع كما أخبر وكان في الاطلاع على خواطر المريدين مرآة صقيلة يلوح فيها أدنى الخطرات كأعلاها. وكان لا يسال مريده عن أحواله أبدا بل هو الذي يخبر المريد بأطواره (9).
                      ----------------------------------
                      (1) ورد في "شفاء العليل" لشاه ولي الله [ج1/ص: 104] ..
                      (2) مدينة مشهورة ببلاد فارس منها النسفي صاحب التفسير ..
                      (3) ورد في "المواهب السرمدية" للزملكاني [ج1/ص: 113 115]؛ وفي "الأنوار القدسية" للسنهوتي [ج1/ص: 128 129]؛ وفي "جامع الكرامات" للنبهاني [ج1/ص: 145 146] ..
                      (4) ورد في "المواهب السرمدية" للزملكاني [ج1/ص: 173]؛ وفي "الأنوار القدسية" للسنهوتي [ج1/ص: 175]؛ وفي "جامع الكرامات" للنبهاني [ج2/ص: 140] ..
                      (5) ورد في "ارغام المريد" للكوثري [ج1/ص: 39] ..
                      (6) ورد في "نور الهداية" لزاده [ج1/ص: 38] ..
                      (7) ورد في "الأنوار القدسية" للسنهوتي [ج1/ص: 272] ..
                      (8) ورد في "المواهب السرمدية" للزملكاني [ج1/ص: 215]؛ وفي "الأنوار القدسية" للسنهوتي [ج1/ص: 200]؛ وفي "جامع الكرامات" للنبهاني [ج1/ص: 204]؛ وفي "الحدائق الوردية" للخاني [ج1/ص: 135] ..
                      (9) وفي "الحدائق الوردية" للخاني [ج1/ص: 272]؛ وفي "جامع الكرامات" للنبهاني [ج1/ص: 222 - 223] ..
                      ========================
                      الجواب:
                      يبدو أن ناقدنا الكريم لم يكن على اطلاع على التطورات العلمية التي تبحث بأسرار قدرات الدماغ البشري، فقد اكتشف علماء علم "الباراسيكولجي" والذي يعني ما وراء علم النفس أن في الدماغ البشري مساحات كبيرة صامتة لا تعمل، يسميها الأطباء الخلايا الدماغية الاستنادية، وهي التي تلي الخلايا القشرية المحيطة بالدماغ ويبلغ عددها نحو عشرة أضعاف الخلايا القشرية وذات تجهيز مماثل للخلايا العاملة من حيث وجود حجر التذكر والتحكم والمحاكمة الفكرية إضافة لوجود نحو مئات الوصلات العصبية لكل خلية ..
                      والمقدر أن هذه الخلايا إن عملت فإنها تظهر طاقات ذهنية مهولة تنعكس بالقدرة على الفراسة والبصيرة والمكاشفة القلبية وقوة الفهم وعلو الإدراك وقوة الملاحظة إلى غير ذلك، لا يمكن تخيلها ..
                      بعد أن ترتبط بالخلايا الدماغية الأم في القلب البشري تلك العضلة الصنوبرية في الصدر، حيث ثبت وجود 40 ألف خلية أم كبيرة في عضلة القلب، حيث ينتهي السيطرة والتحكم بالعقل والإدراك الكشف، وعلو المشاعر:
                      عن النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: ( أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ )؛ (1) ..

                      ومن الطبيعي أن هذه الخلايا النبيلة تعمل بآلية معينة عند الأولياء والعارفين، فيتراءى لهم ما لا يراه الناظرين ..
                      فصدق من قال: قلوب العارفين لها عيون، ترى ما لا يراه الناظرين، وأجنحة تطير بغير ريش، إلى ملكوت رب العالمين ..
                      عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ: ( اتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ ، ثُمَّ قَرَأَ: { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ } [الحجر : 75] )؛ (2) ..
                      وعَنْ ثَوْبَانَ مولى النبي رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ: ( احْذَرُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ؛ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ، وَيَنْطِقُ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ )؛ (3) ..
                      فالواقع العلم التحقيقي المادي والمعنوي يثبت صحة ما عليه العارفين والأولياء، وليس العكس، كما يحب أن يؤول ناقدنا الكريم؛ والحمد لله رب العالمين ..
                      أما عن قول الناقد:
                      ومن كرامات الشيخ أحمد ضياء الدين أن أحد مريديه حدثته نفسه أن يسال حضرة الشيخ ظهور كرامة فكاشفه الشيخ في الحال بما في نفسه وقال له: الاستقامة خير من ألف كرامة».
                      نقول:
                      يقول سلطان العارفين أبو يزيد البسطامي: ( الْأّوْلِيَاّءُ لَاَ يَفْرَحُوّنَ بِإِجَاّبَةِ الْدَعَوَاّتِ الْتِيِ هِيَ عَيِنِ الْكَرَاّمَاّتِ، كَالْمَشِيِ عَلَىَ الْمَاّءِ وَالْهَوّاّءِ وَطَيِ الْأّرْضِ، وَرُكُوّبِ الْسَمَاّءِ، فَإِنَ أّدْعِيّةَ الْكُفَاّرِ تُجَاّبُ، وَالْأّرْضَ تُطْوّىَ لِلْشَيَاّطِيِنِ وَالْدَجْاّلِ، والْهَوّاّءِ مُسَخْرُ لِلْطَيِرِ، وَالْمَاّءِ لِلْحُوّتِ، فَمَنْ أُنْعِمَ عَلِيِهِ بِشَيْء مِنْهَاّ فَلَاَ يَأْمَنْ الْمَكْرَ )؛ (4) ..
                      ويقول سلطان العارفين أبو يزيد البسطامي: ( لَوْ رَأَيْتُمْ الرَّجُلَ يَطِيرُ فِي الْهَوَاءِ، أَوْ يَمْشِي عَلَى الْمَاءِ، فَلَا تَغْتَرُّوا بِهِ، حَتَّى تَنْظُرُوا وُقُوفَهُ عِنْدَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ [الاستقامة]، وَحِفْظِ الحُدُوْدِ وَالشَّرْعِ [الورع] )؛ (5) ..
                      ويقول الإمام الشافعي: ( إذَاّ رَأْيِتُم الرَجُلَ يَمْشِي عَلَى الْمَاءِ، أَوّ يَطِيرُ فِي الْهَوَاءِ، فَلَا تَغْتَرُّوا بِهِ، َحَتَّى تَعْرْضُواّ أَمْرَهُ عَلَى الكِتَاّبِ والْسِنَة )؛ (6) ..
                      بل أن حقيقة الاستقامة خيرات لا تحصى ولا تعد:
                      عَنْ ثَوْبَانَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ: ( اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمُ الصَّلَاةَ، وَلَا يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إِلَّا مُؤْمِنٌ )؛ (7) ..
                      والإحصاء هنا يعني عدم إحصاء الخيرات والكرامات بالاستقامة، وليس عدم القدرة على الاستقامة، استناداً للأثر:
                      عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( لَوْ صَلَّيْتُمْ حَتَّى تَكُونُوا كَالْحَنَايَا، وَصُمْتُمْ حَتَّى تَكُونُوا كَالأَوْتَارِ، ثُمَّ كَانَ الاثْنَانِ أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ الْوَاحِدِ، لَمْ تَبْلُغُوا الاسْتِقَامَةَ )؛ (8) ..
                      فهذا لم يرد في كتب الصحاح أو من تعهد الصحيح، ولم يصححه؛ إلا السخاوي في "الأجوبة المرضية" [ج2/ص: 874] ..
                      بل ذكر في "الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة" للشوكاني [ج1/ص: 311/ر:975] ..

                      بل ويخالف ما هو أصح منه:
                      عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ رضي الله عنه، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قُلْ لِي فِي الإِسْلَامِ قَوْلًا لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ: غَيْرَكَ، قَالَ: ( قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ )؛ (9) ..
                      كما أن لفظ الأمر: استقيموا، هو طلب الممكن وليس المحال، لقوله تعالى: { وَلَا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ } [المؤمنون : 62] ..
                      إنما الحديث الذي صححه السخاوي يصح بمعنى أن الاستقامة لا تحقق بالعبادة إنما بجوهر العبادة وهو الإيمان الحق وتقوى القلوب أي ليس بكثرة صلاة ولا صوم إنما بسر الإيمان في الصدور ..
                      لقوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } [الأحقاف : 13] ..
                      فثم بالآية حرف عطف يفيد التراخي أي على قدر الإيمان بالإقرار بالربوبية تكون الاستقامة، أي الاستقامة ترجمة عملية للإيمان، لأنه ما وقر في القلب وصدقه العمل ..
                      ------------------------
                      (1) رواه الشيخان: البخاري في "صحيحة" [ج1/ص: 28/ر:52]، ومسلم في "صحيحة" [ج11/ص: 29/ر:4070]؛ ورواه ابن ماجه في "سننه" [ج3/ص: 410/ر:3984]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح ابن ماجه" [ر:3234]؛ ورواه الدارمي في "سننه" [ج2/ص: 695/ر:3436]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الأسد في "سنن الدارمي" [ج2/ص: 319]؛ وصححه ابن حبان في "الثقات" [ج1/ص: 532/ر:297] وصححه السيوطي في "الجامع الصغير" [ر:3856]؛ ووافقه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:3193]، وصححه الألباني في "الصحيحة" [ر:2708]، وفي "صحيح الترغيب" [ر:1731]، وخلاصة حكمه: [متفق عليه] ..
                      (2) رواه الترمذي في "سننه" [ج5/ض: 298/ر:3127]، وهو من أئمة الصحيح؛ وقال الخطيب البغدادي في " تاريخ بغداد" [ ج3/ص" 409] ، هو الصواب؛ وحسنه الهيثمي في " مجمع الزوائد" [ ج10/ص: 271]؛ والسيوطي في "اللآلئ المصنوعة" [ ج2/ص: 329]؛ وأشار أحمد شاكر إلى صحته بمقدمة "عمدة التفسير" [ ج1/ص: 328] ..
                      (3) رواه الطبري في "جامع البيان" [ج14/ص: 47/ر:19462]؛ ورواه أبو نعيم في "الأربعين" [ج1/ص: 62/ر:55] ..
                      (4) ورد في "المواهب السرمدية" للزملكاني [ج1/ص: 66]؛ وفي "الكواكب الدرية" للخرسة [ج1/ص: 317]؛ وفي "الحدائق الوردية" للخاني [ج1/ص: 144] ..
                      (5) ورد في "البداية والنهاية" لابن كثير [ج11/ص: 42]؛ وفي "سير النبلاء" للذهبي [ج13/ص: 88]؛ وفي "مجموع الفتاوى" لابن تيمية [ج1/ص: 83] ..
                      (6) ورد في "تلبيس إبليس" لابن الجوزي [ج1/ص: 16]؛ وفي "طبقات الشافعية" لابن السبكي [ج1/ص: 63]؛ وفي "البداية والنهاية" لابن كثير [ج13/ص: 251] ..
                      (7) رواه ابن ماجه في "سننه" [ج1/ص: 147/ر:277]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح ابن ماجه" [ر:226]؛ ووراه الدارمي في "سننه" [ج1/ص: 177/ر:660]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الأسد في "سنن الدارمي" [ج1/ص: 174]؛ ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج6/ص: 372/ر:21873]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الأرناؤوط في "مسند أحمد" [ج5/ص: 276]؛ وصححه المنذري في "الترغيب" [ج1/ص: 130]؛ والألباني في "تخريج المصابيح" [ر:279]؛ وحكمه: [صحيح] ..
                      (8) رواه الديلمي في "مسند الفردوس" [ج3/ص: 70/ر:5124]؛ ورواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" [ج23/ص: 132/ر:22540] ..
                      (9) رواه مسلم في "صحيحة" [ج2/ص: 199/ر:158]؛ ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج4/ص: 421/ر:14990]، بإسناد صحيح؛ على شرط الشيخين؛ بتحقيق الأرناؤوط في "مسند أحمد" [ج3/ص: 413]؛ وحكمه: [صحيح] ..
                      ===========================

                      تعليق

                      • حسام الدين رامي نقشبند
                        طالب علم
                        • Apr 2011
                        • 231

                        #86
                        الفصل الخامس: حول عدم الفاتهم لجنة وعدم خوفهم من النار:
                        يقول الناقد دمشقية في كتابه "الطريقة النقشبندية" [ص: 160 164]، ما نصه:
                        "لا يبالون بالجنة ولا بالنار"

                        وأنشد محمد أمين الكردي هذين البيتين الى ربه

                        أحبك لا أرجو بذلك جنة ولا أتقي نارا وأنت مراد
                        إذا كنت لي مولى فأية جنة وأية نار تتقى وتراد (1)

                        ونقل قول رابعة العدوية «ما عبدتك طمعا في جنتك ولا خوفا من نارك ولكن لوجهك الكريم». وقول أرسلان الدمشقي من عبد الله لأجل الجنة والنار فهو طاغوت» (2).

                        وهذه هي المرة الاولى يتحدث فيها صوفي عن الطواغيت. ولكن الطواغيت عنده هم الذين يرجون ثواب الله ويخافون عقابه، ويسالونه جنته ويخافون نيرانه.
                        وقد جهل هؤلاء أن الخوف من النار ورجاء الجنة عبادة بحد ذاتها لله عز وجل. وقد أمرنا الله بما تنهانا عنه رابعة العدوية فقال {وادعوه خوفا وطمعا} قال الطبري «أي لا تشركوا في عملكم لله شيئا غيره من الالهة والاصنام وغير ذلك، وليكن ما يكون منكم في ذلك خوفا من عقابه وطمعا في ثوابه. وإن من كان دعاؤه اياه على غير ذلك فهو بالأخرة من المكذبين لأن من لم يخف عقاب الله ولم يرج ثوابه لم يبال ما ركب من أمر يسخطه الله ولا يرضاه» (3).
                        وقال رسول الله « لا يجتمعان - يعني الخوف والرجاء - في قلب عبد في مثل هذا الموطن - أي عند الاحتضار - الا أعطاه الله الذي يرجو وأمنه مما يخاف» (4).
                        وما قاله الطبري حق. فإن مطالبة الصوفية بحب الله حبا مجردا من طلب الجنة واجتناب النار زادهم جرأة وزندقة فاسمع ما تتناقله كتب النقشبندية عن أبي يزيد:
                        أريدك لا أريدك للثواب ولكني أريدك للعقاب (5)
                        وحكى عنه ابن الجوزي أنه قال «إن لله عبادا لو بصقوا على جهنم لأطفئوها» «ولقد وددت أن قامت القيامة حتى أنصب خيمتي على جهنم، فسأله رجل: ولم ذاك يا أبا يزيد؟

                        فقال: إني أعلم أن جهنك اذا رأتني تخمد فأكون رحمة للخلق» ثم قال « اللهم إن كان في سابق علمك أن تعذب أحدا من خلقك بالنار فعظم خلقي حتى لا تسع معي غيري» وقال « وما النار؟ والله لئن رأيتها لأطفئنها بطرف مرقعتي» (6).

                        وكان يقول فيما تتناقله كتب النقشبنديين «إن لله عبادا لو حجبهم في الجنة عن رؤيته لاستغاثوا بالخروج من الجنة كما يستغيث أهل النار للخروج من النار» (7).
                        ---------------------------------
                        (1) ورد في "تنوير القلوب" للزملكاني [ج1/ص: 486] ..
                        (2) ورد في "الأنوار القدسية" للسنهوتي [ج1/ص: 135] ..
                        (3) ورد في "جامع البيان" للطبري [ج8/ص: 147] ..
                        (4) رواه الترمذي [ج1/ص: 183]، وحسنه ..
                        (5) ورد في "المواهب السرمدية" للزملكاني [ج1/ص: 45] ..
                        (6) ورد في "تلبيس ابليس" لابن الجوزي [ج1ص: 341] ..
                        (7) ورد في "المواهب السرمدية" [ج1/ص: 49]؛ وفي "الأنوار القدسية" للسنهوتي [ج1/ص: 99] ..
                        =====================================
                        الجواب:
                        إن من أسمى المشاعر وأكثرها نبلاً ذلك الشعور الذي يحافظ على الروابط الاجتماعية، هو حالة الحب الذي يلزم المرء بالزواج أكثر من الرغبة أو الغريزة الجنسية، لقوله تعالى: لقوله تعالى: { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } [الروم : 21] ..
                        والحب هو ما وصفه الله بالآية بالمودة والرحمة ..
                        والمحبة هي التي تلزم المرء بتشكيل الأسرة الخاصة والعائلة العامة، والعصبية القبلية، وزوال هذا الشعور السامي وسيطرة المشاعر المادية أدى إلى تفكك الأُسر في الغرب ..
                        ومن الجدير بالذكر أن الإيمان بالله بحقيقته هو محبة الله ..
                        يقول ذو السبطين الغالب علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: ( الإيِمَاّنُ فِيْ قَلْبِ الْمُؤْمِنِ، مَحَبَةُ الله )؛ ورد في بعض كتب الشيعة المأثورة: قال الفضيل بن يسار: ( سألت أبا عبد الله [الحسين بن علي] عليه ‌السلام عن الحب والبغض ، أمن الإيمان هو؟ فقال: (وَهَلِ الإِيِمَاّنُ إلَّا الحُبُّ وَالبُغضُ؟! )؛ ثم تلا هذه الآية : { حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ } [الحجرات : 7]؛ (1)؛ وروي مرفوعاً: ( هَلِ الدّينُ إلَّا الحُبُّ وَالبُغضُ؟! قالَ اللهُ عَزَّو جَلَّ: { إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ } [آل عمران : 31] )؛ (2) ..
                        ويقول سلطان العارفين "أبو يزيد البسطامي" رحمه الله تعالى: ( ظَاْهِرُ التَصْدِيِقُ [الإيمان] وبَاْطِنُه سَوَاء، فَقْد اشْتَرَكَ الإيِمَانُ والحُبُ فيِ قَلْبِ العَبْدِ، فَكُلْمَا زَادَ الإيِمْاَنُ اِزْدَادَ الحُبُ لله، قال الله تعالى: { وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً لِّلّهِ } [البقرة : 165] )؛ (3) ..
                        فالمؤمن كلما زاد إيمانه بزيادة المعرفة لله، زاد حبه له، خاصة إذا ما أدرك جانب من جوانب جمال الربوبية والود والطف والرأفة والرحمة المستفيضة الأصيلة فيه تعالى، حتى يسيطر تماماً على قلبه:
                        فقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم، يقول في خطبه: ( أَحِبُّوا اللَّهَ مِنْ كُلِّ قُلُوبِكُمْ )؛ (4) ..
                        وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي اله عنها، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( أَحِبُّوا اللَّهَ لِمَا يَغْذُوكُمْ مِنْ نِعَمِهِ، وَأَحِبُّونِي بِحُبِّ اللَّهِ، وَأَحِبُّوا أَهْلَ بَيْتِي لِحُبِّي )؛ (5) ..
                        وعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ( ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ، أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ )؛ (6) ..
                        وكان نبي الله عيسى بن مريم عليه السلام، يقول: ( اَلاَ لاَ اِيْمَانَ لِمَنْ لاَ مَحَبَّةَ لَه، اَلاَ لاَ اِيْمَانَ لِمَنْ لاَ مَحَبَّةَ لَه، اَلاَ لاَ اِيْمَانَ لِمَنْ لاَ مَحَبَّةَ لَه ) ..
                        وروى الإمام ابن قيم الجوزية، عن شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية الحراني، عن أحد أئمة السلف، أنه قال: ( مَسَاّكِيِنْ أَهْلُ الْدُنْيَاّ خَرَجُوُا مِنْ الْدُنْيَاّ، وَمَاَ ذَاّقُوُا أَطْيَبَ مَاَ فِيِهَاّ؛ قَاَلْوّا: وَمَاَ أَطْيِبُ مَاَ فَيَهَاّ؟، قَاّلَ: مَحْبَةُ الله، وَالْأُنْسُ بِهِ، وَالْشَوّقُ إِلَىَ لِقَاّئِهِ، وَالْإِقْبَاّلِ عَلْيِهِ وَالْإِعْرَاّضِ عَمْاَ سِوَاهُ )؛ (7) ..
                        أما عن عدم رغبتهم بالجنة أو خوفهم من النار، لأنه قد سيطر على قلوبهم المحبة لله، فلا رغبة لهم بسواه ..
                        وأورد العلامة الحنفي: إسماعيل حقي الخلوتي البروسوي الإسطنبولي في "تفسيره": عن الإمام علي كرم الله وجهه، عن الصديق الأكبر رضي الله عنه، وأرضاه، أنه قال: ( وَجَدْتُ الْنَاّسَ صِنْفِيّنَ: مُرِيّدِ الْدُنْيَا، وَمُرِيّدُ الْعُقْبَىّ، فَكُنْتُ أَنَا مُرِيّدُ الْمَوّلَىَ عَزَ وَجَلَ )؛ (8) ..
                        فقد كان سلطان العافين أبو يزيد الأكبر البسطامي قدس سره، يقول: ( إذْا جَاْءَ حُبٌّ الله يَغْلُبُ كُلَ شَيْء، لاّ حَلاْوَةَ لِلْدُنْيْا، لا حَلاْوّةَ لِلآّخِرَةَ، الحَلاْوَّةَ حَلاْوَّةِ الرَحْمَن )؛ (9) ..
                        يقول الإمام علي كرم الله وجهه: ( إِنَ للهِ جَنْةُ لَاّ فِيِهَاّ حُوّرُ وَلَاّ قُصْوّرُ، وَلَاّ أَنْهَاّرُ مِنْ لَبَنٍ وَعَسَلِ، وَلَكِنْ يُنْظَرُ فِيِهَاّ لِوّجْهِ اللهِ عَزَ وَجَلْ )؛ (10) ..

                        ويقول سلطان العارفين " أبو يزيد البسطامي" رحمه الله تعالى: ( إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى عِبَادًا لَوْ حَجَبَهُمْ فِي الْجَنَّةِ سَاعَةً عَنِ الرُّؤْيَةِ، لاسْتَغَاثُوا مِنَ الْجَنَّةِ وَنَعِيمِهَا، كَمَا يَسْتَغِيثُ أَهْلُ النَّارِ مِنَ النَّارِ وَعَذَابِهَا )؛ (11) ..
                        أما عن قول سلطان العارفين: ( أُرِيِدُكَ لَا أُرِيِدُكَ لِلْثَوّاَبِ، وَلَكِنِيِ أُرِيْدُكَ لِلْعِقَاّبِ، فَكُلُ مَآّرِبِيِ قَدْ نُلْتُ مِنْهَاّ، سِوّىَ مَلْذُوّذُ وَجْدِيَ بِالْعَذَاّبِ ) اهـ
                        نقول: إن لهذا الشعر تأويل! ..
                        فمارده بالْعِقَاّبِ بالبيت الثاني: هو التعقب أي دوام المعية الحافظة كما في قوله تعالى: { لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ } [الرعد : 11] ..
                        وهنا المعية خير من الثواب لما فيها من حفظ يأمن على نفس المؤمن من مكر الله ..
                        فقد اشتهر عن الصديق الأكبر أبو بكر رضي الله عنه، أنه قال: ( واللهِ، لَوْ أَنَ إِحْدَىّ قَدَمَيَ فِيْ الْجَنْةَ، وَالْأُخْرَىَّ خَاّرِجَهَاَ، مَاَ أَمِنْتُ مَكْرَ الله )؛ (12) ..
                        ويؤيد ذلك قوله تعالى: { أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ } [الأعراف : 99] ..
                        أما ملذوذ الوجد من العذاب، فيعني لذائذ الإيمان الوجدانية إذا ما صفا القلب، نقول: ماء عذب أي ماء صافي نقي لا تشوبه شائبة ..
                        واختيار لفظ العذاب لأن الوصول إلى النقاء والصفاء يحتاج إلى مجاهدة شاقة للنفس وهو ضرب من ضروب العذاب ..
                        أما نقد الناقد عن نقله قول سلطان العارفين: ( (( وَلَقَدْ وَدَدْتُ أَنْ قَاّمَتِ الْقِيِاَمَةِ، حَتْىَ أَنْصِبُ خَيِمَتِيِ عَلَىَ جَهَنْمَ ))؛ فسأله رجل: ولم ذاك يا أبا يزيد؟؛ فقال: (( إِنْيِ أَعْلَمُ أَنَ جَهَنْمَ إِذَاّ رَأّتْنِيِ تَخْمُدُ فَأّكُوّنَ رَحْمَةَ لِلْخَلْقِ )) )؛ (13) ..
                        نقول أنه يرغب بفعل ذلك غلبة صبغة رحمة الولي في قلبه، على عدل العارف، كما يتجلى بقوله: ( الْلَهُمَ إِنْ كَاّنَ فِيْ سَاّبِقِ عِلْمِكَ، أَنْ تُعَذْبَ أَحَدَاً مِنْ خَلْقِكَ بِالْنَاّرِ، فَعَظِمْ خَلْقِيِ حَتَىَ لَاّ تَسَعُ مَعِيِ غَيِرِيِ )؛ ورد في "تلبيس ابليس" لابن الجوزي [ج1/ص: 420] ..
                        نجد من غلبة الرحمة في قلب الولي، ظنه أن لا يعذب الله أحد بالنار!، وهذا أمر فيه نظر وفق ما ورد في صحيح السنة المشرفة:
                        عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه، أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْيٌ، فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْيِ قَدْ تَحَلَّبَ ثَدْيُهَا تَبْتَغِي إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ فَأَلْزَقَتْهُ بِبَطْنِهَا فَأَرْضَعَتْهُ، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ: ( أَتَرَوْنَ هَذِهِ الْمَرْأَةَ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟ ) فَقُلْنَا: لا وَاللَّهِ، وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لا تَطْرَحَهُ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ: ( لَلَّهُ تَعَالَى أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ الْمَرْأَةِ بِوَلَدِهَا )؛ (14) ..
                        كما أن سلطان العارفين كان على يقين بأن النار لا تسعر بغير أهلها: { وَإِذ َا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ } [التكوير : 12] ..
                        وبيان ذلك بقوله تعالى: { النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ } [غافر : 46] ..
                        يعرضون عليها أي أنها متهيئة لهم ..
                        وقد يسأل سائل هل الولي أرحم من الله؟!، حتى لا يرتضي النار لأهلها والله يرتضيها! ..
                        نقول غلبة الرحمة في قلب الولي، تغلب على صفة العدل الأكمل في قلب العارف، فالنار ظاهرها عذاب، وباطنها رحمة! ..
                        لقوله تعالى: { فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ } [الحديد : 13] ..
                        وجانب الرحمة هو بالمعالجة، فالمريض مهما اشتد علاجه عليه، فهو يطمئن إليه لأن فيه الدواء والشفاء من الداء المضني الملزم ..
                        فعذاب النار مادي يغطي على آلم الضمير المعنوي للمقصر والمعرض والفاسق والنافق، والذي لا يطاق ولا يحتمل لتعاظمه وتلازم حاله للمرء، إذا ما تحررت أسارير نفسه، ومشاعرها وحواسها من المحدود المقيد المحجوب، إلى المطلق المحرر المنكشف ..
                        ---------------------------
                        (1) ورد في "الكافي" للكليني [ج2/ص: 124]؛ وفي "الخصال" للصدوق [ج5/ص: 69]؛ وفي "بحار الأنوار" للمجلسي [ج66/ص: 238/ر:5]؛ وفي "المحاسن" للبرقي [ج1/ص: 409] ..
                        (2) رواه الحاكم في "المستدرك" [ج2/ص: 319/ر:318]؛ وأبو نعيم في "الحلية" [ج8/ص: 368/ر:13061]؛ ابن الرازي في "تفسيره" [ج2/ص: 632/ر:3453]؛ عن أم المؤمنين الصديقة عائشة رضي الله عنها؛ والمتقي الهندي في "كنز العمال" [ج3/ص: 479/ر:7504]؛ عن سعيد بن يسار رشي الله عنهما ..
                        (3) ورد في "المواهب السرمدية" للزملكاني [ج1/ص: 71] ..
                        (4) ورد في "الروض الأنف" لابن هشام [ج4/ص: 168]؛ وفي "زاد المعاد" لابن القيم [ج1/ص: 363]؛ وفي "دلائل النبوة" للبيهقي [ج2/ص: 525]؛ وفي "البداية والنهاية" لابن كثير [ج3/ص: 260]؛ وفي "مجموع الرسائل" [ج4/ص: 87]؛ وفي "جامع العلوم" [ج1/ص: 366]؛ وهما لابن رجب؛ وفي "سبل الهدى" للصالحي [ج3/ص: 331] ..
                        (5) رواه الترمذي في "سننه" [ج5/ص: 664/ر:3789]، وقال: هَذَا حَسَنٌ غَرِيبٌ؛ ورواه الحاكم في "المستدرك" [ج3/ص: 162/ر:4716]، وقال: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الإِسْنَادِ؛ ووافقه الذهبي في "التلخيص" [ج3/ص: 147]، وقال: صحيح؛ ورواه العراقي في "تخريج الإحياء" [ج9/ص: 118/ر:4118]؛ ووراه البيهقي في "شعب الإيمان" [ج2/ص: 130/ر:1378]؛ وحكمه: [حسن] ..
                        (6) رواه البخاري في "صحيحة" [ج1/ص: 16/ر:21]؛ ورواه النسائي في "سننه المجتبى" [ج8/ص: 471/ر:5003]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح النسائي" [ر:5003]؛ ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج4/ص: 137/ر:13180]، بإسناد صحيح، على شرط الشيخين؛ بتحقيق الأرناؤوط في "مسند أحمد" [ج3/ص: 248]؛ وصححه السيوطي في "الجامع الصغير" [ر:3415]؛ ووافقه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:3044]؛ وحكمه: [صحيح] ..
                        (7) ورد في "مدارج السالكين" [ج1/ص: 454]؛ وفي "الوابل الصيب" [ج1/ص:82]؛ وهما لابن القيم؛ وورد من قول مالك بن دينار وإبراهيم بن الأدهم: في "المجالسة" للدينوري [ج1/ص: 400/ر:1879]؛ وفي "إيقاظ الهمم" لابن عجيبة [ج1/ص: 289]؛ وفي "حلية الأولياء" لأبي نعيم [ج2/ص: 258] ..
                        (8) ورد في "روح البيان" للبروسوي [ج2/ص: 111] ..
                        (9) ورد في "المجموعة الكاملة" لعباس [ج1/ص: 45] ..
                        (10) ورد في "سر الأسرار" للجيلاني [ج1/ص: 49] ..
                        (11) ورد في "الرسالة القشيرية" للقشيري [ج2/ص: 498]؛ وفي "ايقاظ الهمم" لابن عجيبة [ج1/ص: 302]؛ وفي "مجموع الرسائل" لابن رجب [ج1/ص: 180]؛ وفي "بحر الفوائد" للكلاباذي [ج1/ص: 359]؛ ورد في "المواهب السرمدية" للزملكاني [ج1/ص: 49]؛ وفي "الأنوار القدسية" للسنهوتي [ج1/ص: 99]؛ وفي "التذكرة" للقرطبي [ج2/ص: 139]؛ وفي "فيض القدير" للمناوي [ج3/ص: 727]؛ وفي "اعانة الطالبين" للدمياطي [ج1/ص: 28] ..
                        (12) ورد في "شرح الأربعين" للنووي [ج6/ص: 54]؛ وفي "طبقات الشافعية" للسبكي [ج4/ص: 135] ..
                        (13) ورد في "الزواخر" للهيتمي [ج1/ص: 54]؛ وفي "فيض القدير" للمناوي [ج3/ص: 265]؛ وفي "تلبيس ابليس" لابن الجوزي [ج1/ص: 414] ..
                        (14) رواه الشيخان: البخاري في "صحيحة" [ج5/ص: 2235/ر:5653]؛ ومسلم في "صحيحة" [ج17/ص: 73/ر:6912]؛ ورواه أبو نعيم في "الحلية" [ج3/ص: 264/ر:4008]، قال: متفق عليه [أي: بين العلماء]؛ وحكمه: [متفق عليه] ..
                        =============================

                        تعليق

                        • حسام الدين رامي نقشبند
                          طالب علم
                          • Apr 2011
                          • 231

                          #87
                          الفصل السادس: حقيقة انفاذ الإرادة بالقدرة عند النقشبندية:

                          يقول الناقد الكريم في كتابه "الطريقة النقشبندية" [ص: 165 168]، ما نصه:
                          يقولون للشيء كن فيكون
                          قال صاحب نور العرفان «وسئل أحد أكابر الائمة عمن قال: أن من كرامات الولي أن يقول للشيء كن فيكون. فنهى أحدهم هذا القائل عن ذلك؟ فقال - أي لمن نهاه - من أنكر ذلك فعقيدته فاسدة. فهل ما ادعاه صحيح - أي أن من كرامات الولي أن يقول للشيء كن فيكون؟ فأجاب بأن ما قاله صحيح اذ الكرامة الامر الخارق للعادة يظهره الله تعالى على يد وليه» (1).
                          وقال الدهلوي «وللنقشبندية تصرفات عجيبة من التصرف في قلوب الناس» (2).
                          فمن ذلك تصرف الشيخ عبد الله الدهلوي في باطن المريدين والقاء الفيوضات والاسرار في صدورهم، ومن كراماته أيضا أن زوجة أحد أصحاب هذا الشيخ قد مرضت، فالتمس من حضرته أن يدعو الله تعالى بتخفيف مرضها فلم يفعل، فالح عليه، فقال له لا تبقى هذه المرأة أكثر من خمسة عشر يوما، فبقدرة الله تعالى توفيت يوم الخامس عشر» (3).
                          وقالوا عن محمد الخواجكي الامكنكي «ليس من ذرة في العالم الا وهو يمدها بالروحانية» (4).
                          أفلا تصدق أيها الغيور أن هذه الامة قد ابتليت بالتشيع وركبت سنن من قبلها؟
                          أهذه التعاليم التي نادى بها سيد البشر صلوات الله وسلامه عليه؟
                          من تصرفات الاولياء

                          وحكى محمد أسعد صاحب زادة أن للأولياء الكاملين ثلاثة أنواع من التصرفات:
                          الاول: التجسد والتمثيل بالصور: كتجسدهم في الصور في أمكنة متعددة في وقت واحد. وتسميه الصوفية بعالم المثال: وبنوا عليه تجسد الارواح وظهورها في صور مختلفة.. واستأنسوا بقوله تعالى {فتمثل لها بشرا سويا} (5). وأكد ذلك خالد البغدادي وأن الروح تظهر في سبعين الف صورة في دار الدنيا (6).
                          الثاني: التصرف في الاجساد النورانية كجسد نبينا محمد لأن أصل خلقته نوراني وروحانيته سر ملكوتي: فلهذا يعتقدون أن النبي لا ظل له (7).
                          وكما أن الشيطان لا يتمثل بصورة النبي فكذلك لا يستطيع أن يتمثل بصورة الشيخ ولذا تظهر صور المشايخ في مناطق مختلفة في آن واحد، ويمكنهم الله من الظهور بصور عديدة بلا حصر وقد يكون لهم صورة واحدة تملأ الكون. (8).
                          ------------------------
                          (1) ورد في "نور الهداية" لزاده [ج1/ص: 60] ..
                          (2) ورد في "شفاء العليل" للمعصوم [ج1/ص: 104]؛ وفي "نور الهداية" لزاده [ج1/ص: 36] ..
                          (3) ورد في "المواهب السرمدية" للزملكاني [ج1/ص: 249]؛ وفي "جامع الكرامات" للنبهاني [ج2/ص: 129]؛ وفي "الأنوار القدسية" للسنهوتي [ج1/ص: 216 217] ..
                          (4) ورد في "المواهب السرمدية" للزملكاني [ج1/ص: 169]؛ وفي "الأنوار القدسية" للسنهوتي [ج1/ص: 178]؛ وفي "الحدائق الوردية" للخاني [ج1/ص: 177] ..
                          (5) ورد في "نور الهداية" لزاده [ج1/ص: 55] ..
                          (6) ورد في "تحقيق الرابطة" لذي الجناحين [ج1/ص: 7] ..
                          (7) ورد في "نور الهداية" لزاده [ج1/ص: 24] ..
                          (8) ورد في "نور الهداية" لزاده [ج1/ص: 55] ..
                          =====================================
                          الجواب:
                          حول أنهم يقولون للشيء كن فيكون أي إن لله عباد إذا أرادوا أراد؛ أي توافقت إرادتهم مع ما يريد الله، وهذه الولاية ..
                          يتجلى ذلك في قوله تعالى: { وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ } [الأنبياء : 87] ..
                          وجد ذي النون نبي الله يونس عليه السلام، أن السلامة أن يكون مريد لما يريده الله فكانت النتيجة: { فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ } [الأنبياء : 88]

                          أما التصرف بالقلوب فيكون بالسلب والوهب، على قدر الاقبال والإعراض، فالسلب يكون من المعجب بذاته المغرور بعلمه المتكبر على أقرانه، أو من دونه ..
                          والوهب يكون لمن تواضع لعظمة الله وافتقر إليه بالحاجة، فتجري مشيئة الحق بالسلب والوهب على يد العارف والولي ..
                          وهذه القوة النفسية يحررها الحق في الدماغ البشري بتحرير الخلايا النبيلة وفق مفهوم أهل الحق، أو المساحات الصامتة وفق مفهوم علماء ما وراء علم النفس أو الخلايا الاستنادية وفق تسمية علماء الطب ..
                          بعد أن تتواصل مع خلايا التحكم الأمية في القلب فتقوى السيطرة أو الهالة الكهرومغناطيسية للجملة العصبية عند الولي ليسيطر على جملة المريد أو المعرض ..
                          أما موضوع التجسد الصوري فهو تجسيد لنورانية المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، في سبعين جسد، بدل يحمل أو يظهر نورانية التبعية بدرجات مختلفة أعلاها درجة الصديق الأكبر وباقي الراشدين، ومن ثم المهدي المنتظر فالأدنى ثم الأدنى وهكذا ..
                          عَنْ أَنَسٍ بن مالك، وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وأَبَو أُمَامَةَ الباهلي رضي الله عنهم، أَنّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ، قَالَ: ( وَعَدَنِي رَبِّي أَنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي، سَبْعِينَ أَلْفًا بِلا حِسَابٍ وَلا عَذَابٍ )؛ (1) ..
                          والرد هنا مختزل نسبياً لتكرار الناقد لهذا الوجه من النقد غير مرة، ولأن الرد عليه بالأدلة واحد ..
                          إلا أن هناك حيثية أدرجها الناقد هنا تشكل شبهة ظاهرها شنيع وباطنها بديع:
                          وقالوا عن محمد الخواجكي الأمكنكي «ليس من ذرة في العالم الا وهو يمدها بالروحانية» ..
                          نقول قالوا أي لم يقل وكثير ما يقول المريد ومن شطحات وأوهام عن شيخه هو بريء منها براءة الذئب من دم ابن يعقوب ..
                          إلا أن هذا القول أقره العارف الرباني أمين الزملكاني في "المواهب السرمدية" [ج1/ص: 169]: ( فَلَاّ ذَرْةُ فِيْ الْعَاَلَمِ، إِلْاَ وَهُوَّ يَمِدْهُاّ بِالْرُوّحَاَنِيِةِ ) اهـ
                          لذلك نقول الروحانية من الروح والروح خصوصية إلهية من خصوصيات الحق وشأنه وأمره، لقوله تعالى: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً } [الإسراء : 85] ..
                          كما أن للأنبياء والصديقين خصوصية الخصوصية بالروح الإلهية، لقوله تعالى: { فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ } [الحجر : 29] و [ص : 72] ..
                          وهي الروحانية الإلهية الموحية للنبي الملهمة للعالم، والتي خص الله بها أهل العلم من أنبياء وصديقين:
                          عن أبي الدرداء رضي الله عنه، أن نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: ( مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا، سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ، وَمَنْ فِي الأَرْضِ, وَكُلُّ شَيْءٍ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي جَوْفِ الْمَاءِ، وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلا دِرْهَمًا، وَأَوْرَثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ ٍ)؛ (2) ..
                          الملائكة تضع أجنحتها لخصوص روحانية طالب العلم، ويستغفر له من في السموات والأرض؛ هذا مع طالب العلم فكيف مع العالم الرباني ..
                          ------------------------------
                          (1) رواه الشيخان: البخاري في "صحيحة" [ج5/ص: 2375/ر:6107]، ومسلم في "صحيحة" [ج3/ص: 86/ر:524]؛ ورواه الترمذي في "سننه" [ج4/ص: 540/ر:2437]، وقال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ؛ وصححه الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:2437]؛ ورواه ابن ماجه في "سننه" [ر:3/ص: 531/ر:4286]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح ابن ماجه" [ر:3478]؛ وحكمه: [متفق عليه] ..
                          (2) رواه البخاري معلقا في" "صحيحة" [ج1/ص: 37]، ورواه أبو داود في "سننه" [ج2/ص: 341/ر:3641]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح أبي داود" [ر:3641]، ورواه الترمذي ] في "سننه" [ج5/ص: 47/ر:2682]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:2682]، ورواه ابن ماجه في "سننه" [ج1/ص: 124/ر:223]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح ابن ماجه" [ر:183]، ورواه الدارمي في "سننه" [ج1/ص: 104/ر:348]، ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج6/ص: 254/ر:21208]، وصححه ابن حبان في "الثقات" [ج1/ص: 289/ر:88]، وصححه السيوطي في "الجامع الصغير" [ر:3065]؛ ووافقه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:6297]، وحكمه: [صحيح] ..
                          ================================

                          تعليق

                          • حسام الدين رامي نقشبند
                            طالب علم
                            • Apr 2011
                            • 231

                            #88
                            الفصل السابع: حقيقة وجود الغلو عند النقشبندية:
                            يقول الناقد دمشقية في كتابه "الطريقة النقشبندية" [ص: 170 172]، ما نصه:
                            الغلو وتقديس المشايخ

                            وللمؤلفين النقشبنديين طريقة عجيبة في مدح مشايخهم فيقتبسون من آيات القرآن الفاظا يستخدمونها في مدح مشايخهم كقولهم عن شيخ النقشبندية «محمد الخواجكي الامكنكي» ما يلي:

                            «لم يزل في بدايته بعين هدايته ملحوظا وفي ظل سلطنة تربيته محظوظا، حتى صار لمناقبه لوحا محفوظا لا يدع فضيلة جليلة الا أحصاها... فكان تلو والده كالشمس وضحاها والقمر اذا تلاها .. لا ذرة في العالم الا وهو يمدها بالروحانية» (1).
                            وهذا يشبه قول الخميني في أئمة أهل البيت « إن لأئمتنا مقاما عظيما وخلافة تكوينية تخضع لها جميع ذرات هذا الكون» (2).
                            ويستخدمون بعض عبارات الغلو التي يطرون بها مشايخهم كوصفهم عبد الخالق الغجدواني أنه «الغوث الصمداني والمحبوب السبحاني ومحمديته الكعبية » (3).
                            ويصفون عبد الله الدهلوي بصفة « قيوم الزمان» (4).
                            والمقامات عندهم خمسة وهي القلب والروح والسر والخفي والأخفى:
                            (القلب) وهو تحت قدم آدم عليه السلام.
                            (الروح) تحت قدمي سيدنا نوح وسيدنا ابراهيم.
                            (السر) تحت قدم سيدنا موسى.
                            (الخفي) تحت قدم سيدنا عيسى.
                            (الأخفى) تحت قدم سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام (5).
                            ---------------------
                            (1) ورد في "المواهب السرمدية" للزملكاني [ج1/ص: 169]؛ وفي "الأنوار القدسية" للسنهوتي [ج1/ص: 178] ..
                            (2) ورد في "الحكومة الإسلامية" [ص: 25] ..
                            (3) ورد في "الفيوضات الخالدية" لصاحب زاده [ج1/ص: 18] ..
                            (4) ورد في "نور الهداية" لصاحب زاده [ج1/ص: 88] ..
                            (5) ورد في "نور الهداية" لصاحب زاده [ج1/ص: 82 -84]؛ وفي "مدارج الأخيار" للمعصوم [ج1/ص: 31] ..
                            =============================
                            الجواب:
                            هذا الذي يسميه الناقد غلو، هو إجلال وتوقير؛ عملاً بالحديث الصحيح عندهم بالتحقق العقلي:
                            عَنْ أُمِ الْمُؤْمِنِيِنَ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ( مَنْ وَقَّرَ عَالِمًا فَقَدْ وَقَّرَ رَبَّهُ, عَزَّ وَجَلَّ، وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ اسْتَوْجَبَ الثَّوَابَ عَلَى رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وبرواية أخرى : فَقَدْ اِسْتَوّجَبَ عَلَىَ الله الْمَآّبَ )؛ (1) ..
                            أو الحديث: عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِه وَسَلَّمَ: ( أُوْصِي الْخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِي بِتَقْوَى اللَّهِ، وَأُوصِيهِ بِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُعَظِّمَ كَبِيرَهُمْ، وَيَرْحَمَ صَغِيرَهُمْ، وَيُوَقِّرَ عَالِمَهُمْ، وَأَنْ لا يَضْرِبَهُمْ فَيُذِلَّهُمْ، وَلا يُوحِشَهُمْ فَيُكَفِّرَهُمْ، وَأَنْ لا يُخْصِيهِمْ فَيَقْطَعَ نَسْلَهُمْ، وَأَنْ لا يُغْلِقَ بَابَهُ دُونَهُمْ ، فَيَأْكُلُ قَوِيُّهُمْ ضَعِيفَهُمْ )؛ (2) ..
                            وفي رواية أصح:
                            عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رضي الله عنه، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِه وَسَلَّمَ، قَالَ: ( لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا، وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّهُ )؛ (3) ..
                            أما موضوع مصطلحات المقامات الصوفية، فهو أمر لا يدركه إلا أهل المكاشفات والفيوضات النورانية لا يسعني أنا العبد الفقير أن أتكلم عنه، لأنه لا يرى جمال الألوان أعمى، ولا يعرف طعم العسل إلا من ذاق العسل، والمرء عدو ما يجهل، إلا أن الباحث العدول يتحرى الصدق عن كل من شهد بشهادة التوحيد، قبل أن يسيء الظن، ويقع بالتهم، لقوله تعالى: { وَمَن كَانَ فِي هَـذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً } [الإسراء : 72] ..
                            -----------------------
                            (1) رواه الكتاني مرفوعا في "التنزيه" [ر:350]، والذهبي في "الاعتدال" [ج1/ص: 573]، وورد في "الأدب" للماوردي [ج1/ص: 75]؛ ويصح موقوفا، من قول الإمام الغالب علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ..
                            (2) رواه البيهقي في "سننه الكبرى" [ج6/ص: 276/ر:12392]؛ وصححه السيوطي في "الجامع الصغير" [ر:2787]؛ وحكمه على الغالب: [صحيح] ..
                            (3) رواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج6/ص: 441/ر:22249]، وصححه السيوطي في "الجامع الصغير" [ر:7694]؛ ووافقه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:5443]؛ وحسنه الهيثمي في "مجمع الزوائد" [ج1/ص: 132]، وصححه الحاكم في "المستدرك" [ج1/ص: 211/ر:421]؛ ووافقه الذهبي في "التلخيص" [ج1/ص: 122]؛ وحكمه: [صحيح] ..

                            =========================

                            تعليق

                            • حسام الدين رامي نقشبند
                              طالب علم
                              • Apr 2011
                              • 231

                              #89
                              الفصل الثامن: المقام الذي يلقي البقاء بعد الفناء عند النقشبندية:



                              يقول الناقد دمشقية في كتابه "الطريقة النقشبندية" [ص: 174 175]، ما نصه:

                              مقام الكفر من أعلى مقامات العبادة



                              وهناك مقام (الحيرة) من أعلى المقامات عند النقشبندية وليس بعده الا مقام اليقين المطلق. ومقام الحيرة هذا هو مقام الكفر حيث يرى المريد السالك الأشياء هي الله، وحكى السرهندي عن نفسه أنه وصل الى مقام الفناء بالله ثم الى مقام البقاء ثم الى مقام الحيرة فوجد الله مع كل ذرة من ذرات وجوده.

                              ويسمي السرهندي مقام الحيرة بالكفر الحقيقي الذي اذا خرج منه عرج الى مقام أعلى منه وهو مقام الايمان الحقيقي بعد الكفر الحقيقي.

                              وهذا المقام وهو الحيرة الكبرى مخصوصة بالأكابر».

                              أضاف قائلا «ولهذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم، يستعيذ بالله من الكفر الحقيقي فيقول: اللهم أعطني يقينا ليس بعده كفر. فكان يستعيذ من الكفر الحقيقي الذي هو مقام الحيرة» (1).



                              فهكذا صار عند القوم مرتبة شريفة للكفر عالية جدا تحصل للعابد عندهم بعد حصول الفناء بالله.

                              -----------------------------

                              (1) ورد في "المكتوبات الشريفة" للسرهندي [ج1/ص: 339] ..

                              ===========================

                              الجواب:

                              نقول الكفر لغة هو التغطية والستر، ومقام الحيرة هو مقام يفقد العبد ذاته بتجلي أنوار الذات العلية حيث يفنى كل شيء، ويستتر بأنوار الحق؛ ولا يبقى إلا الله ..

                              أي إن للإنسان طاقة على الإدراك، عندما تتعاظم أنوار المعاني الإلهية في قلب المؤمن، ويتجلى جانب من عظمة الله فوق مدارك المؤمن تحصل حيرة الأنوار والعجز عن الإدراك، وهو غاية الإدراك بأن الله محال لا يحاط به علم، فيعلم أنه لا عرف قدر الله إلا الله ..

                              وهو مقام المحو حيث لا يبقى إلا الله، لأن أنوار التجلي تستر وتغطي مشاعر ومدارك الذات الإنسانية، وهو مقام رفيع جداً ..

                              وهي حيرة بكشف الأنانية أو معرفة هوية الذات، أي الحيرة هي ذهول عن الذات البشرية بأنوار تجلي الصفات الإلهية، وهي العجز عن درك حقيقة الإدراك لحقيقة الذات العلية ..

                              وبهذا يقول الصديق الأكبر والرفيق الأفخر أفضل الأئمة على التحقيق أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه، ومن بعده إمام الأئمة العلماء الغالب علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: ( العَجْزُ عَنْ دَرَكِ الإِدْرَاكِ إِدْرَاكُ )؛(1) ..

                              ويؤيد ذلك قوله تعالى: { مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ } [الحج : 74] ..

                              وقوله عز من قائل: { وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ }[البقرة : 255] ..

                              وهو حالة خاصة من حالات قهر التوحيد أو الأحدية الإلهية، لقوله تعالى: { يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ } [غافر : 16] ..



                              والخلاصة الحيرة الكبرى أو الكفر الحقيقي، هو تسمية مجازية لمقام الفناء بالله، أو القهر بلا إله إلا الله، والفناء عصمة، يجلوه البقاء بالحق سبحانه، الذي هو غاية العبودية ..

                              والحقيقة أن هكذا مقامات وأذواق، لا يدركها إلا من شهدها وذاقها ..

                              وسميت الحيرة كفراً، لأن للحيرة أوجه كفر سلبية، لقوله تعالى: { وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [التوبة : 102] ..

                              وكذلك حيرة المنافقين، بقوله تعالى: { مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَـؤُلاء وَلاَ إِلَى هَـؤُلاء وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً } [النساء : 143] ..

                              وقد صنف النبي صلى الله عليه وآله وسلم، مقامات القلوب إلى أربعة قلوب:

                              عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدري رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ: ( الْقُلُوبُ أَرْبَعَةٌ: قَلْبٌ أَجْرَدُ فِيهِ مِثْلُ السِّرَاجِ يُزْهِرُ، وَقَلْبٌ أَغْلَفُ مَرْبُوطٌ عَلَى غِلَافِهِ، وَقَلْبٌ مَنْكُوسٌ، وَقَلْبٌ مُصْفَحٌ، فَأَمَّا الْقَلْبُ الْأَجْرَدُ فَقَلْبُ الْمُؤْمِنِ سِرَاجُهُ فِيهِ نُورُهُ، وَأَمَّا الْقَلْبُ الْأَغْلَفُ فَقَلْبُ الْكَافِرِ، وَأَمَّا الْقَلْبُ الْمَنْكُوسُ فَقَلْبُ الْمُنَافِقِ عَرَفَ ثُمَّ أَنْكَرَ، وَأَمَّا الْقَلْبُ الْمُصْفَحُ فَقَلْبٌ فِيهِ إِيمَانٌ وَنِفَاقٌ، فَمَثَلُ الْإِيمَانِ فِيهِ كَمَثَلِ الْبَقْلَةِ يَمُدُّهَا الْمَاءُ الطَّيِّبُ، وَمَثَلُ النِّفَاقِ فِيهِ كَمَثَلِ الْقُرْحَةِ يَمُدُّهَا الْقَيْحُ وَالدَّمُ، فَأَيُّ الْمَدَّتَيْنِ غَلَبَتْ عَلَى الْأُخْرَى غَلَبَتْ عَلَيْهِ )؛ (2) ..

                              أما مقام الحيرة الذي أشار إليه الناقد من تصريح الإمام المجدد الفاروقي السرهندي الذي يلي الفناء والبقاء؛ فهو الحيرة شهود الخلق وجوهره الخالق وأيهما وجوده أحق، وأيهما عين الحق؛ أي الحيرة بين أوحال التوحيد وأنوار التفريد ..

                              يروي الإمام ابن قيم الجوزية، عن تاج العارفين وإمام الطائفتين أبو القاسم الجنيد، أنه يقول: ( عَبْدُ ذَاّهِبُ عَنْ نَفْسِهِ، مُتَصِلُ بِذِكْرِ رَبْهِ، قَاّئِمُ بِأّدَاّءِ حُقُوّقِهِ، نَاّظِرُ إِلَيِهِ بِقَلّبِهِ، أّحْرَقَتْ قَلّبِهِ أَنْوّاّرِ هَيِبَتِهِ، وَصَفَاّ شِرْبِهِ مِنْ كَأْسِ وُدِهِ، فَإِنْ تَكَلَمَ فَبِالله، وَإِنْ نَطَقَ فَعَنِ الله، وَإِنْ تَحَرَكَ فَبِأّمْرِ الله، وَإِنْ سَكَنَ فَمَعَ الله، فَهُوَ بِالله وَلله وَمَعَ الله )؛ (3) ..

                              وهذا الشطر الأخير هو مقام الحيرة: فَهُوَ بِالله وَلله وَمَعَ الله ..

                              وهو مقام منتهي الرضا عن الله:

                              يروي الإمام الفقيه التابعي سفيان الثوري عن الصحابي الجليل أحد فقهاء الصحابة من العبادلة وهو ابن عمر رضي الله عنهما، عن أحاديث الخصوص المحمدية، وهي الخلوات بكبار الصحابة: أن جبريل الأمين عليه السلام، أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأقراءه السلام، وقد بلغه رسالة من الله ذي العزة، إلى الصديق الأعظم رضي الله عنه، وأرضاه؛ فبلغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قائلاً: ( يَاّ أَبَاّ بَكْرِ، جَاّءَنِيِ أَخِيِ جِبْرِيِلُ وَبَلْغَنِيِ أَنْ أُبَلِغَكَ أَنَ الله يُقْرِئُكَ الْسَلَاّمْ، وَيَقُوّلُ لَكَ إِنَهُ رَاضٍ عَنْكَ؛ فَهَلْ أَنْتَ رَاضٍ عَنْهُ، بِفَقْرِكَ؟ )؛ وكان الصديق قد أنفق ماله كله على النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ قبل الفتح؛ فبكى الصديق الأكبر، عند سماعه، هذا الكلام، ثم قال: ( هُوّ؟!؛ وَهَلْ يَرْضَاّ الْعَبْدُ عَنْ مُوّلَاّهُ؟!؛ إِنْيِ عَنْ رَبِّي رَاضٍ، أَنَا عَنْ رَبِّي رَاضٍ )؛ (4) ..

                              فانظروا مقام الحيرة، قوله: ( هُوّ؟! )؛ بتعجب واستفهام أهو يسألني ذلك، وهو المولى الجليل؛ ثم يسأل متعجباً وهل للعبد أن يرضا عن مولاه؛ ثم يجيب بالرضا التام؛ لأنه حقق مراده المطلق وهو رضا الحق تعالى ..

                              ---------------------------------

                              (1) ورد في "شرح سنن النسائي" للسيوطي [ج1/ص: 103]، وورد في "تشنيف المسامع" للزركشي [ج3/ص:80]، وورد في "الإحياء" للغزالي [ج4/ص: 305]، وفي "المقصد الأسنى" للغزالي [ج1/ص: 54]، وورد في "طبقات الشافعية الكبرى" للسبكي [ج9/ص: 52]، وورد في "فتح القدير" للمناوي [ج16/ص: 181/ر:8860]، وورد في "روح المعاني" للألوسي [ج24/ص: 25]، وورد في "التبصير" للإسفراييني [ج1/ص: 160/ر:15]، في "مرقاة المفاتيح" للقاري [ج2/ص: 90]، وفي "البرهان المؤيد" للرفاعي الكبير [ج1/ص: 156]، وذكره ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" [ج2/ص: 216]، وفي "جامع الرسائل" [ج1/ص: 256]؛ وزاد ذي السبطين ابن أبي طالب كرم الله وجهه، فقال: ( العَجْزُ عَنْ دَرَكِ الإِدْرَاكِ إدْرَاكُ، وَالبَحْثُ عَنْ سرِّ ذات السرِّ إشْرَاكُ ) ..

                              (2) رواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج3/ص: 393/ر:10745]، ورواه أبو نعيم في "الحلية" [ج5/ص: 385/ر:6201]، ورواه الطبراني في "الصغير" [ج1/ص: 442/ر:1077]، صححه السفاريني في "شرح المسند" [ج1/ص: 546]، وابن القيم في "إغاثة اللهفان" [ج1/ص: 17]، وأحمد شاكر في "عمدة التفسير" [ج1/ص: 90]، وحسنه ابن كثير في "تفسير القرآن" [ج1/ص: 85]؛ والسيوطي في "الدر المنثور" [ج1/ص: 463]؛ والشوكاني في "فتح القدير" [ج1/ص: 165]؛ والحكمي في "معارج القبول" [ج3/ص: 1015]؛ وخلاصة حكمه: [حسن صحيح] ..

                              (3) ورد في "روضة المحبين" [ج1/ص: 408]؛ وفي "مدارج السالكين" [ج3/ص: 16] ..

                              (4) عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، قَالَ: ( بَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ وَعِنْدَهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وَعَلَيْهِ عَبَاءَةٌ قَدْ جَلَّلَهَا عَلَى صَدْرِهِ بِجِلالٍ، إِذْ نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَأَقْرَأَهُ مِنَ اللَّهِ السَّلامَ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لِي أَرَى أَبَا بَكْرٍ عَلَيْهِ عَبَاءَةٌ قَدْ جَلَّلَهَا عَلَى صَدْرِهِ بِجِلالٍ؟!؛ قَالَ: (( يَا جِبْرِيلُ، أَنْفَقَ مَالَهُ عَلَيَّ قَبْلَ الْفَتْحِ ))، قَالَ: فَأَقْرِئْهُ مِنَ اللَّهِ السَّلامَ، وَقُلْ لَهُ: يَقُولُ لَكَ رَبُّكَ: أَرَاضٍ أَنْتَ عَنِّي فِي فَقْرِكَ هَذَا أَمْ سَاخِطٌ؟ فَالْتَفَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: (( يَا أَبَا بَكْرٍ، هَذَا جِبْرِيلُ يُقْرِئُكَ السَّلامَ مِنَ اللَّهِ، وَيَقُولُ: أَرَاضٍ أَنْتَ عَنِّي فِي فَقْرِكَ هَذَا أَمْ سَاخِطٌ؟ ))؛ فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ: أَعْلَى رَبِّي أَغْضَبُ ؟! أَنَا عَنْ رَبِّي رَاضٍ، أَنَا عَنْ رَبِّي رَاضٍ )؛ رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" [ج7/ص: 105/ر:9970]؛ وفي "تاريخ بغداد" للخطيب [ج2/ص: 461/ر:387]؛ وابن عساكر في "تاريخ دمشق" [ج30/ص: 71/ر:29767]؛ وابن الجوزي في "المنتظم" [ج4/ص: 61/ر:465]؛ وذكره في "صفة الصفوة" [ج1/ص: 95]؛ وورد في "الإحياء" للغزالي [ج2/ص: 166]؛ وأخرجه العراقي في "تخريج الإحياء" [ج4/ص: 274/ر:1774]؛ ورواه الواحدي في "تفسير الوسيط" [ج4/ص: 246/ر:919]؛ ورواه ابن كثير في "تفسير القرآن" [ج8/ص: 14]؛ ورواه البغوي في تفسيره "معالم التنزيل" [ج8/ص: 34]؛ ووراه ابن المقرئ في "المعجم" [ج1/ص: 167/ر:166]؛ وابن سمعان في "الأمالي" [ج1/ص: 29/ر:132]؛ وابن شاهين في "شرح المذاهب" [ج1/ص: 179/ر:125]؛ وتفرد به الإمام الفقيه التابعي سفيان الثوري عن ابن عمر مفرداً ..

                              ==========================

                              تعليق

                              • حسام الدين رامي نقشبند
                                طالب علم
                                • Apr 2011
                                • 231

                                #90
                                الفصل التاسع: المرتبة الحقيقية لفضل رابطة المرشد:

                                يقول الناقد دمشقية في كتابه "الطريقة النقشبندية" [ص: 176 179]، ما نصه:
                                الرابطة بالشيخ أفضل من ذكر الله!

                                قال صاحب نور الهداية «رؤية الشيخ تثمر ما يثمره الذكر، بل هي أشد تأثيرا من الذكر، وقد كانت تربية النبي لأصحابه كذلك فكانوا يشتغلون برؤية طلعته السعيدة وينتفعون بها أكثر مما ينتفعون بالاذكار» (1).
                                - ومن الادب مع المشايخ تمريخ أبدانهم (تدليكها) قال في الرشحات «قال حضرة شيخنا: كنت أمرخ الشيخ بهاء الدين عمر كثيرا وأدلكه وما كان يقول يكفي. ولا أنا كنت أترك التمريخ. وكان الشيخ ينام وله غطيط. وكان كثيرا يقول لي: تعال يا شيخ زادة ومرخ كتفي. فكنت أمرخ كتفه وكنت أنزع خفيه من رجليه أحيانا فشممت شيئا أطيب من رائحة الخرقة التي كان يلف بها رجليه» (2).
                                - وهم يتوجهون بالدعاء الي حيث أماكن مشايخهم ولو من مكان بعيد ويستقبلون قبلتهم. فقد ذكر صاحب الرشحات أن واحدا من مريدي الشيخ قطب الدين حيدر كان جائعا فقلب وجهه نحو قرية شيخه وقال: شيء لله يا قطب الدين حيدر لا تحرمنا من بركاتك أصلا ولا تنسانا» (3).

                                بيوت المشايخ قبلة مقدسة

                                - وقد جعلوا التوجه الى قبلة الشيخ والاستمداد من باطن همته أفضل من التزام أعمال الخير بل أفضل من التزام الرجوع الى الله عز وجل (4).
                                - قال أحد مريدي الشيخ محمد بهاء الدين «أمرني الشيخ شادي أحد أجلاء أصحاب الشيخ بهاء الدين أن لا يمدّ أحدنا رجله الى جهة يكون فيها الشيخ قدس الله سره، فأتيت يوما الى قصر العارفان (مسكن الشيخ بهاء الدين) لزيارته فأويت الى ظل شجرة في الطريق واضطجعت فجاء حيوان فلدغني في رجلي مرتين فقمت وقد تألمت الما شديدا.
                                ثم اضطجعت فعاد مرة ثالثة كذلك، فجلست أتفكر في سبب ذلك مدة حتى تذكرت نصيحة الشيخ شادي ووجدت أني قد مددت رجلي الى ناحية قصر العارفان، فعلمت أن ذلك تأديب لي على ما فرط مني» (5).
                                --------------------------------
                                (1)ورد في "نور الهداية" لصاحب زاده [ج1/ص: 51] ..
                                (2)ورد في "الرشحات" للواعظ الهروي [ج1/ص: 183] ..
                                (3)ورد في "الرشحات" للواعظ الهروي [ج1/ص: 194] ..
                                (4)ورد في "الرشحات" للواعظ الهروي [ج1/ص: 210] ..
                                (5)ورد في "الحدائق الوردية" للحفيد الخاني [ج1/ص: 140] ..
                                ==================================
                                الجواب:
                                نقول:
                                رؤية الشيخ التي توازي لذكر الله، هي رؤية لمقام الوراث المرشد، عند الله، وهو ما يحدث الصلة أو الارتباط الموصل للحق، قياساً على قوله تعالى: { وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ } [البقرة : 125] ..
                                وخدمة المرشد الوارث سنة، بدأت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقد كان له صلى الله عليه وآله وسلم، موالي يخدمونه أكثرهم طوعاً، أمثال زيد وثوبان وأبو كبشة ..
                                وكان يخدمه من غير الموالي أمثال:
                                1-ربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله عنه ..
                                2-وعبد الله بن مسعود الهذلي رضي الله عنه ..
                                3-أنس بن مالك الأنصاري رضي الله عنه ..
                                فربيعة وعده النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أن يكون من رفيقه في الجنة لقاء حسن خدمته الشريفة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ وابن مسعود كان أحد أهم القراء لكتاب الله، وأحد العبادلة الأربعة فقهاء الصحابة، وفقيه العراق الأكبر فيما بعد، والمرجع الأعظم الذي بنا عليه الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان مذهبه ..
                                وأنس بن مالك رضي الله عنه، غني عن التعريف بزهده وإيمانه، وممن ينطبق عليه القول الشريف أنه طال عمره وحسن عمله ..
                                فخدمية الوريث المحمدي لها مردود سني وترياق مجرب للمريد ..
                                كما أن التوجه إلى الله من خلال المرشد أثوب من التوجه من خلال أحجار الكعبة، وجعل بيوت المرشدين قبلة سنة من سنن الأنبياء أذن بها الحق، بقوله عز من قائل: { وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ } [يونس : 87] ..
                                مع العلم أن الكعبة كانت موجودة!؛ في ذلك وكانت قبلة للناس ..
                                وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو قبلة أصحابه، قبل أن يوليه الله قبلة البيت الحرام، لقوله تعالى: { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ } [البقرة : 143] ..
                                فهكذا كانت قبلة أصحاب السبق من الصحابة الكرام؛ ثم مع تعاظم الإسلام وقوته جعل الله الكعبة هي للصلاة، لقوله تعالى: { قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ } [البقرة : 144] ..
                                فالكعبة هي قبلة الأجساد في الصلاة، والأبدال المهديين قبلة القلوب بالأوراد والأذكار ..
                                ونذكر هنا قصة جامعة:
                                وهي مسيرة سلوك العارف ذي الجناحين ضياء الدين خالد الشهرزوري النقشبندي؛ المعروف بخالد نقشبند العثماني المشرب الراشدي ..
                                حيث اتقن قبل سلوكه كل علوم الدين وفي مقدمتهم فقه الشريعة، وأصول العقيدة، حتى التقى بالعارف العلوي عبد الله الدهلوي ..
                                حيث وجده في وضع قبل أن يعرفه نقده عليه، حيث كان جالس وظهره للكعبة، فوصف هذا الفعل بنفسه بقلة تأدب مع الله ..
                                فبادره العارف الدهلوي على خاطره بالقول: ( يا هذا، أما عرفتَ أن حرمة المؤمن عند الله أعظم من حرمة الكعبة!، فلماذا تعترض على استدباري الكعبة وتوجّهي إليك؟، أما سمعتَ نصيحةَ مَنْ في المدينة وتأكيدَهُ عليك؟! )؛ (1) ..
                                عندها قال ذي الجناحين: ( فلم أشك أنّه من أكابر الأولياء، وقد تستّر بأمثال هذه الأطوار عن الخلق، فانكببتُ على يديه وسألتُهُ العفوَ، وأنْ يُرْشِدَنِي بدلالته إلى الحقّ؛ فقال لي: (( فُتُوحُكَ لا يكون في هذه الديار ))، وأشار إلى الديار الهنديّة، وقال: (( تأتيك إشارةٌ من هناك فيكون فُتُوحُكَ في تلك الأقطار )). فأيستُ من تحصيل شيخ في الحرمين يرشدني إلى المرام، ورجعتُ بعد قضاء النسك إلى الشام )؛ (2) ..
                                كان متشوّقًا بعد رجوعه من الشام إلى مرشدٍ من فحول الرجال حتّى جاء إلى السليمانية رجلٌ هنديٌّ يسمى "مِرْزَا رحيم الله بِكْ" المعروف بمحمد درويش العظيم آبادي؛ أحد خلفاء الشيخ الدهلويّ، فاجتمع به وعرض عليه مطلبه. فقال له: ( إنّ لي شيخًا كاملاً مرشدًا عالمًا عارفًا بمنازل السائرين إلى ملك الملوك، خبيرًا بدقائق الإرشاد والسلوك، نقشبنديّ الطريقة، محمديّ الأخلاق، علماً في علم الحقيقة. فَسِرْ معي حتّى نرحل إلى خدمته في جِهَانْ آبَادْ، وقد سمعتُ منه إشارةً بوصول مثلك ثم إلى المراد )؛ (3) ..
                                وكان ذي الجناحين يتوقع أن يستقبل بحفاوة وتكريم من شيخه الدهلوي، بعد أن أمضى بمسيره المضني إليه عاماً كاملاً، فقد كان خالد نقشبند، مكرماً عند ذويه، علي الشأن بالدين، مرجعاً بين قومه للفقه الشافعي، ومما أدخل إلى قلبه الظن بالحفاوة والتكريم، وصف الدهلوي له بالمؤمن وأن حرمته أعظم عند الله من حرمة الكعبة كما أتى بالحديث الشريف ..
                                إلا أن العارف الدهلوي لم يبالي لوجوده، عند وصوله ولم يعره انتباها، ليس من باب التحقير، وإنما اختباراً، لصدقه بطلب الحق، وإعداداً له للسلوك ..
                                ولم يكتفي شيخه الدهلوي، بل حوله إلى خدمة المريدين بدل أن يدخله بحلقة الإرشاد، فأمره أن ينقل بشكل يومي لدلاء الماء إلى العلاء حتى تصب بالمشارب والمواضىء وبيوت الخلاء، بل كان ينظف هذه الأخيرة حتى تصغر نفسه بعينه، ولا تلتفت إليه الأنظار ..
                                عَنْ عَابِسِ بْنِ رَبِيعَةَ، قَالَ : سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه، يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ تَوَاضَعُوا، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: ( (( مَنْ تَوَاضَع لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ ))، وَقَالَ [أي: الفاروق]: (( انْتَعِشْ رَفَعَكَ اللَّهُ، فَهُوَ فِي نَفْسِهِ صَغِيرٌ، وَفِي أَعْيُنِ النَّاسِ عَظِيمٌ، وَمَنْ تَكَبَّرَ خَفَضَهُ اللَّهُ )) وَقَالَ: ( اخْسَأْ خَفَضَكَ اللَّهُ، فَهُوَ فِي أَعْيُنِ النَّاسِ صَغِيرٌ، وَفِي نَفْسِهِ كَبِير، حَتَّى يَكُونَ أَهْوَنَ عَلَيْهِمْ مِنْ كَلْبٍ )) )؛ (4) ..
                                عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ [بريدة بن الحصيب الأسلمي] رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ َآَلِهِ وَسَلَّمَ، كَانَ يَقُولُ: ( اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي شَكُورًا، وَاجْعَلْنِي صَبُورًا، وَاجْعَلْنِي فِي عَيْنَيَّ صَغِيرًا، وَفِي أَعْيُنِ النَّاسِ كَبِيرًا )؛ (5) ..
                                الحكمة كانت أن ذي الجناحين لم ينقصه علم ديني تحصيلي، بل ينقصه علم سلوكي وهبي، يكون تربوي أخلاقي، عروته الوثقى تحقيق حقيقة الإيمان وبلوغ حق التقوى، وهذا علم كما أشرنا سابقاً بلا حفظ ولا درس، ولكن يأتي بالفهم العالي على الله نتيجة الهمة العلية، وصدق النية وعلو المقصد، والمجاهدة بالحق، والتفاعل الوجداني السلوكي ..
                                وقد حققه ذو الجناحين بالحدمة الشريفة لشيخه وأقرانه ..
                                وكانت المفاجأة الصاعقة لأقرانه، عندما أشار بالحلافة له من بعده، شيخه الدهلوي ..
                                وعندما أذن له بالإرشاد وصفه أنه: ( صَاّحْبُ الْهِمَةِ الْعَلِيِةِ فِيْ طَلَبِ الْحَقِ )؛ (6) ..
                                فقد حقق بصدق الطلب سلوكه وتعاظمت فتوحاته بعد خدمة شيخه بخمسة أشهر، وكانت هذه هي خطوته الأوثق للخلافة الصديقية ..
                                عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: ( عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا )؛ (7) ..
                                -----------------
                                (1)ورد في "دلائل الخيرات" للجزولي [ج1/ص: 299]؛ وفي "المواهب السرمدية" للزملكاني [ج1/ص: 226]؛ وفي "الكواكب الدرية" للخرسة [ج1/ص: 658]؛ وفي "الحدائق الوردية" للخاني [ج1/ص: 305] ..
                                (2)ورد في "دلائل الخيرات" للجزولي [ج1/ص: 300]؛ وفي "المواهب السرمدية" للزملكاني [ج1/ص: 226]؛ وفي "الكواكب الدرية" للخرسة [ج1/ص: 658]؛ وفي "الحدائق الوردية" للخاني [ج1/ص: 305] ..
                                (3)ورد في "دلائل الخيرات" للجزولي [ج1/ص: 300]؛ وفي "الحدائق الوردية" للخاني [ج1/ص: 226] ..
                                (4)رواه الخطيب في "تاريخ بغداد" [ج2/ص: 471/ر:392]؛ ورواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" [ج7/ص: 129ر:10085]؛ ويصح من قول عمر ..
                                (5)رواه البزار في مسنده "البحر الزخار" [ج10/ص: 102/ر:4439]؛ وحسنه ..
                                (6)ورد في "المواهب السرمدية" للزملكاني [ج1/ص: 232]؛ "الحدائق الوردي" للخاني [ج1/ص: 314]؛ وفي "الكواكب الدرية" للخرسة [ج1/ص: 668] ..
                                (7)رواه الشيخان، البخاري في "صحيحة" [ج5/ص: 2261/ر:5743]، وفي "الأدب المفرد" [ج1/ص: 117/ر:391]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الأدب المفرد" [ر:98]، ورواه مسلم في "صحيحة" [ج16/ص: 376/ر:6582]؛ ورواه أبو داود في "سننه" [ج2/ص: 715/ر:4989]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح أبي داود" [ر:4989]، ورواه الترمذي في "سننه" [ج4/ص: 306/ر:1971]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الترمذي" [1971]؛ ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج1/ص: 712/ر:4097]، بإسناد صحيح؛ وبتحقيق أحمد شاكر في "المسند" [ج6/ص: 73]، وصححه ابن حبان في "صحيحة" [ج1/ص: 508/ر:374]، وصححه السيوطي في "الجامع الصغير" [ر:2044]؛ ووافقه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:4071]، وخلاصة حكمه: [متفق عليه] ..
                                =================================

                                تعليق

                                يعمل...