الفصل الثالث: شبهات وحدة الوجود عند كبار النقشبندية:
يقول الناقد دمشقية في كتابه "الطريقة النقشبندية" [ص: 114 123]، ما نصه:
"السرهندي يقول: وجدت الله عين نفسي"
يقول أحمد السرهندي «وجدت الله عين الاشياء كما قاله أرباب التوحيد الوجودي من متأخري الصوفية ... ثم وجدت الله في الاشياء من غير حلول وسريان، ثم وجدته سبحانه معها بمعية ذاتية، ثم رأيته بعدها ثم قبلها ثم رأيته سبحانه وما رأيت شيئا وهو المعني بالتوحيد الشهودي وهو المعبر عنه بالفناء فوجدت الله عينها بل عين نفسي، ثم وجدته تعالى في الاشياء بل في نفسي ثم مع الاشياء بل مع نفسي» (1).
وسئل شاه نقشبند عن قول البعض «اذا تم الفقر فهو الله» فقال: هذا اشارة الى الفناء. وأنشد يقول (2):
من كـــــان لم تكن لم يــك الا الله
واذا فنيت من بقي لم يبق الا الله
وقد تركوا للحلاج تبيين معنى وحدة الشهود فقالوا: هو كقول الحلاج: أنا الحق وقول أبي يزيد: سبحاني (3).
ومقصودهم بالتوحيد الوجودي وحدة الوجود بين الله وخلقه. والدليل على ذلك قولهم إنه يجب على الشيخ أن يشغل المريد في ابتداء أمره بظواهر الشريعة ويغلق عليه باب الكلام في التوحيد المطلق. فان من فتح هذا الباب على مريديه ربما تزندقوا فخسروا الدارين (4).
ونحن نسال كيف يؤدي التوحيد وعبادة الله الى أقوال الزندقة الا أن يكون للتوحيد عندهم معنى آخر وهو وحدة الوجود
وبالطبع، الكلام عن التوحيد على منهج الانيياء لا يؤدي الى الزندقة وخسارة الدارين بل من حقق التوحيد دخل الجنة. وانما التوحيد عند النقشبندية عبارة عن وحدة الوجود ويسمونه توحيدا: تمويها وخوفا من التشنيع والتكفير (5).
وقال في تنوير القلوب « قال أبو سعيد الخراز: اذا أراد الله أن يوالي عبدا من عبيده فتح عليه باب ذكره. فاذا استلذ الذكر فتح عليه باب القرب. ثم رفعه الى مجالس الانس. ثم جعله على كرسي التوحيد (6). ثم رفع عنه الحجاب وأدخله دار الفردانية وكشف له حجاب الجلال والعظمة. واذا وقع بصره على الجلال والعظمة بقي بلا هو فحينئذ يصير العبد زمنا فانيا.
ثم أنشد صاحب التنوير يقول:
وبعد الفناء في الله كن كيفما تشاء
فعلمك لا جهل وفعلك لا وزر (7)
يقول شيخهم محمد بارسا «إن حقيقة الذكر عبارة عن تجليه سبحانه لذاته بذاته في عين العبد» (8). وهكذا يصبح الذاكر عندهم عين المذكور وبالعكس.
ويفسر عبيد الله أحرار قول الله تعالى {فأعرِض عمّن تولّى عن ذكرنا} أي أعرِض عمن استغرق واستهلك في ذات الله. واحتج بما قاله محي الدين بن عربي
الا بذكــــر الله تزداد الذنوب وتنطمس البصــائر والقــــلوب
وترك الذكر أحسن منه حالا فإن الشمس ليس لها غروب (9)
- حكى صاحب الرشحات أن السالكين يرون الحق سبحانه بالتجليات الصورية، حتى انه يتجلى في جميع صور الاشياء من معادن ونباتات وحيوانات وانسان... وغاية التجلي الصوري وأفضله أن يتجلى الله للسالك في صورة صاحب التجلي... ومنشأ هذا الظهور قول القائل: سبحاني وأنا الحق وما في الجبة الا الله وهل في الدارين غيري وأمثال ذلك من أدلة حصول التجلي (10).
وقد زعموا أن هذه الحالة هي حالة سكر وتوهم وخطأ يحصل عند الذاكر في سكرته فيحصل له ما يشبه الوحدة بالله ولهذا تصدر عنهم هذه الكلمات وتلك الاحوال. فاذا أفاقوا عرفوا أن ما حدث لهم يشبه الاتحاد. ويخرج على السنتهم كلام الشطح والكفر لحصول قمة الصلة بالله! وحينئذ يقول: أنا الحق وسبحاني (11).
هل تتسبب العبادة الصحيحة في التلفظ بالكفر؟!
وبالطبع فهذه النتيجة الخطأ دليل على أن العبادة خطأ وعلى أن الشيطان يستحوذ عليه. فلو كان هذا الذكر متوجها الى الله توجها صحيحا لما أثمر الكفر وانتهى بادعاء الذاكر للالوهية!!!
وحرم الله الاقتراب من الصلاة {وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون} . وهؤلاء يدعون أن العبادة هي سبب السكر وتعطل العقل!
وذكر صاحب كتاب الرشحات أن رجلا سال المولى بهاء الدين عمر عن قول القائل (الممكن عين الواجب) فرجع عن هذا الكلام وقال (بل الواجب عين الممكن) فقال: ما هناك فرق بين الكلامين. فلم يتجاسر أحد في الجواب ولم يقولوا شيئا» (12). وقد صرح صاحب السبع الاسرار أن حقيقة مقام الفناء هو فناء السالك هو « اتحاد وجود الممكن بوجود واجب الوجود وذلك نسبة لغلبة التوحيد وقوة ظهور الوحدة على بصيرته» (13).
- وذكر في قوله تعالى {لمن الملك اليوم} أن المراد من (الملك) قلب السالك حين يتجلى الله سبحانه للقلب بقهر الاحدية لا يترك فيه شيئا غيره فيلقي اليه صدى {لمن الملك اليوم} فاذا لم ير في تلك المملكة غيره يجيب تعالى بنفسه بالضرورة بقوله {لله الواحد القهار} ويسمع صدى (سبحاني ما أعظم شأني) و (أنا الحق) و (هل في الدارين غيري) (14).
- وصرح نقشبندي آخر بأن «وجود الحق مثل المرآة: ووجود الممكنات مثل الصور التي تنجلي في المرآة. فوجود المرآة حقيقي. ووجود الصور فيها وهمي وخيالي» (15).
-----------------------------
(1) ورد في "المواهب السرمدية" للزملكاني [ج1/ص: 182]؛ وفي "الأنوار القدسية" للسنهوتي [ج1/ص: 181]؛ وفي "البهجة السنية" للجد الخاني [ج1/ص: 78] ..
(2) ورد في "المواهب السرمدية" للزملكاني [ج1/ص: 124]؛ وفي "الأنوار القدسية" للسنهوتي [ج1/ص: 132] ..
(3) ورد في "البهجة السنية" للجد الخاني [ج1/ص: 81]؛ وفي "الحدائق الوردية" للحفيد الخاني [ج1/ص: 180] ..
(4) ورد في "البهجة السنية" للجد الخاني [ج1/ص: 34] ..
(5) ورد في "المكتوبات الشريفة" للسرهندي [ج1/ص: 213] ..
(6) لا يعرف المسلمون شيئا اسمه كرسي التوحيد ولكن المتخصصين في الصوفية يعرفون أن هذه اشارات يرمزون بها الى وحدة الوجود والفناء في الله، هذه عقيدة موروثة من الهندوس والبوذيين.
(7) ورد في "تنوير القلوب" للزملكاني [ج1/ص: 510]؛ وفي "الرسالة القشيرية" للقشيري [ج1/ص: 119] ..
(8) ورد في "الأنوار القدسية" للسنهوتي [ج1/ص: 167]؛ وفي "الحدائق الوردية" للخاني [ج1/ص: 162] ..
(9) ورد في "المواهب السرمدية" للزملكاني [ج1/ص: 161]؛ وفي "الحدائق الوردية" للحفيد الخاني [ج1/ص: 161] ..
(10) ورد في "الرشحات" للهروي [ج1/ص: 133] ..
(11) ورد في "مدارج الأخيار" للمعصوم [ج1/ص: 31] ..
(12) ورد في "الرشحات" للهروي [ج1/ص: 198] ..
(13) ورد في "مدارج الأخيار" للمعصوم [ج1/ص: 58] ..
(14) ورد في "الرشحات" للهروي [ج1/ص: 186] ..
(15) ورد في "مدارج الأخيار" للمعصوم [ج1/ص: 72] ..
==========================
الجواب:
نقول الغريب أن الناقد يتبع مدرسة وهي مدرسة التيمية المتقدمين أتباع من عرف بشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وهي مدرسة وقعت بشبهة وحدة التشبيه، حيث شبهوا المخلوق بخالقه، ثم حاول التيمية المعاصرين بالعودة إلى مؤلفات ابن تيمية المتضاربة والمتناقدة في كثير من الأحيان بالآراء العقدية، وواروا القول بالتشبيه، ولكن أثبتوا له تعالى التجسيم! ..
قول السرهندي: وجدت الله عين الأشياء، إن صح عنه فإن هذا كان في أوهام بدايته، لأنه في غير موضع معتمد وخاصة بمكتوباته الربانية الشريفة [ج1/ص: 490]؛ وفي المواهب السرمدية للزملكاني [ج1/ص: 182]؛ ينكر هذه الأوهام الحالية على الصوفية الوجودية ..
حتى أنه في قوله أعلاه متبعة بقوله: ثم وجدت غير مرة تبيان لترقيه وعلو تباينه وبيانه للحق الحقيق ..
يقول الأمام المجدد الفاروقي: ( اِعْلَمْ أَنَ كُلَ مَسْأّلَةِ، يَكُوّنُ فِيِهَاّ خِلَاّفُ بِيِنَ الْعُلَمَاّءِ [العارفين] والْصُوّفِيِةَ [الأولياء]، إِذَاّ تَأَمَلْتَ وَدَقْقَتَ الْنَظْرَ تَجْدُ الْحَقَ مَعَ الْعُلَمَاّءِ، وَسِرُ ذَلَكِ َأِنَ نَظَرَ الْعُلَمَاّءِ بِوَاّسِطَةِ مُتَاّبَعَةِ الْأّنْبِيِاَءِ عَلَيِهِمُ الْصَلَاّةِ وَالْسَلَاّمِ، نَاَفِذُ إِلَىَ كَمَاّلَاّتِ الْنُبْوَةِ وَعُلُوّمَهَاّ، وَنَظْرُ الْصُوّفِيِةِ مَقْصُوّرُ عَلَىَ كَمْاَلَاّتِ الْوِلَاّيَةِ وَمَعَاّرِفِهَاّ، فَتَكُوّنُ الْعُلُوّمُ الْمَأْخُوّذَةِ عَنْ مِشْكَاّةِ الْنُبْوّةِ، أّصْوّبُ قَطْعَاً، مِنْ الْعُلُوّمِ الْمَأْخُوّذَةِ عَنْ رِتْبَةِ الْوِلَاّيَةِ ) اهـ
وذلك وفق ما ورد في "المواهب السرمدية" للزملكاني [ج1/ص: 182]؛ وفي "المكتوبات الشريفة" للسرهندي [ج1/ص: 466] ..
وإن صح القول أعلاه عنه، كما نقل الناقد الكريم، فإنه يكون قد أخطئ في بداياته، ثم صوب الخطأ مع تقدم تقواه وفي نهايته، والأمور تقاس بالخواتيم، ولكل جواد كبوة لابد منها ..
عَنْ أَنَسٍ بن مالك رضي الله عنه، أَنّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ، قَالَ: ( كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الخطاءين التَّوَّابُونَ )؛ (1) ..
وسبب وهم هذا الخطأ، أنه يرى تجلي أسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى متجلية بكل شيء مخلوق أو محدث، فيتوهم أو يظن أن كل شيء واحد، الصواب أن أصل كل شيء واحد، ولكن لا يندمج الأصل القديم الباقي مع المحدث الفاني أبداً، ولكن لا وجود للمُحْدَثْ من غير الْمُحْدِثْ، فأصل والوجود وموجده الله، ولا وجود لغيره سبحانه إلا به، ولا وجود لذاته العلية القديمة في كنه غيره المحدث، تصديق ذلك ما وصفه النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، في صحيحي الشيخين: بأصدق الشعر، أي أصدق ما يهيمن على المشاعر الإيمانية، وهو أن كل موجود مُحْدَثْ، باطل من غير الموجد الْمُحْدٍثْ: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلٌ ..
لذلك لا ينبغي عند النقشبندي المتقدم بالسلوك، أن يُعَلَمُ المريد النقشبندي في بداية سلوكه التوحيد المطلق أو التوحيد الوجودي؛ حتى لا يقع في خطأ تصور وحدة الوجود الفاسدة، التي تساوي المخلوق بخالقه كوجود واحد ومادة وجود واحدة ..
والتوحيد الوجودي معناه كما أسلفنا هو أن كل موجود محدث غير الحق سبحانه القديم وهم باطل بحقيقة وجوده، لأنه فاني هالك، والباقي هو الله وحده، وهو مصدر كل موجود، فلا وجود بغيره، ولا وجود بالحقيقة لغيره، لأن الله كان ولا شيء كان، وهو على ما عليه اليوم وإلى الأزل كائن ..
وكرسي التوحيد الذي غمز الناقد إليه بالنقد، هو ليس الكرسي المقعد الذي يجلس عليه، كما هو معتقد شيوخ الناقد! ..
إنما من الكراس والتكريس، وهو ما يجتمع به معاني التوحيد وتنعكس من خلال تجليات الأسماء الحسنى والصفات الفضلى ..
فيصبح مرآة تعكس معاني كمال الحق، فإن عَلِمَ فبالحق، وإن تكلم فبالحق، وإن سمع فبالحق، وإن قام فبالحق إلى غير ذلك من منعكسات الفناء بالحق والبقاء بمعاني الحق سبحانه، ففي النهاية نجده غارق بأنوار تجليات الحق سبحانه، ومن هذا يفهم جانب من هذا الدعاء المحمدي:
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أن قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ( اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا، وَفِي بَصَرِي نُورًا، وَفِي سَمْعِي نُورًا، وَعَنْ يَمِينِي نُورًا، وَعَنْ يَسَارِي نُورًا، وَفَوْقِي نُورًا، وَتَحْتِي نُورًا، وَأَمَامِي نُورًا، وَخَلْفِي نُورًا، وَاجْعَلْ لِي نُورًا )؛ (2) ..
أما عن قول الناقد، أن صاحب الرشحات، قال: "السالكين يرون الحق سبحانه بالتجليات الصورية، حتى انه يتجلى في جميع صور الاشياء من معادن ونباتات وحيوانات وانسان" اهـ
فالمقصود رؤية تجليات معاني الحق في صور خلقه المتجسد بالحقيقة من روابط طاقة ذرية، فنرى مثلاً بذلك اسمي القوي والمتين سبحانه واسم المصور سبحانه، إلى غير ذلك من الرؤية المعنوية ..
يتبع ..
----------------------------------------------------
(1) رواه الترمذي في "سننه" [ج4/ص: 568/ر:2499]، بإسناد حسن؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:2499]، ورواه ابن ماجه في "سننه" [ج3/ص: 517/ر:4251]، بإسناد حسن؛ بتحقيق الألباني في "صحيح ابن ماجه" [ر:3447]؛ ورواه الدارمي في "سننه" [ج2/ص: 759/ر:2627]، ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج4/ص: 53/ر:12637]، وصححه الحاكم في "المستدرك" [ج4/ص: 272/ر:7617]، على شرط الشيخين، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب" [ر:3139]؛ وفي "تخريج المصابيح" [ر:2280]؛ وفي "صحيح الجامع" [ر:4515]؛ وخلاصة حكمه: [حسن] ..
(2) رواه الشيخان: البخاري في "صحيحة" [ج5/ص: 2327/ر:5957]، ومسلم في "صحيحة" [ج6/ص: 286/ر:1785]؛ ورواه أبو داود في "سننه" [ج1/ص: 430/ر:1353]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح أبي داود" [ر:1353]؛ ورواه النسائي في "سننه المجتبى" [ج2/ص: 567/ر:1120]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح النسائي" [ر:1120]؛ وحكمه: [متفق عليه] ..
يقول الناقد دمشقية في كتابه "الطريقة النقشبندية" [ص: 114 123]، ما نصه:
"السرهندي يقول: وجدت الله عين نفسي"
يقول أحمد السرهندي «وجدت الله عين الاشياء كما قاله أرباب التوحيد الوجودي من متأخري الصوفية ... ثم وجدت الله في الاشياء من غير حلول وسريان، ثم وجدته سبحانه معها بمعية ذاتية، ثم رأيته بعدها ثم قبلها ثم رأيته سبحانه وما رأيت شيئا وهو المعني بالتوحيد الشهودي وهو المعبر عنه بالفناء فوجدت الله عينها بل عين نفسي، ثم وجدته تعالى في الاشياء بل في نفسي ثم مع الاشياء بل مع نفسي» (1).
وسئل شاه نقشبند عن قول البعض «اذا تم الفقر فهو الله» فقال: هذا اشارة الى الفناء. وأنشد يقول (2):
من كـــــان لم تكن لم يــك الا الله
واذا فنيت من بقي لم يبق الا الله
وقد تركوا للحلاج تبيين معنى وحدة الشهود فقالوا: هو كقول الحلاج: أنا الحق وقول أبي يزيد: سبحاني (3).
ومقصودهم بالتوحيد الوجودي وحدة الوجود بين الله وخلقه. والدليل على ذلك قولهم إنه يجب على الشيخ أن يشغل المريد في ابتداء أمره بظواهر الشريعة ويغلق عليه باب الكلام في التوحيد المطلق. فان من فتح هذا الباب على مريديه ربما تزندقوا فخسروا الدارين (4).
ونحن نسال كيف يؤدي التوحيد وعبادة الله الى أقوال الزندقة الا أن يكون للتوحيد عندهم معنى آخر وهو وحدة الوجود
وبالطبع، الكلام عن التوحيد على منهج الانيياء لا يؤدي الى الزندقة وخسارة الدارين بل من حقق التوحيد دخل الجنة. وانما التوحيد عند النقشبندية عبارة عن وحدة الوجود ويسمونه توحيدا: تمويها وخوفا من التشنيع والتكفير (5).
وقال في تنوير القلوب « قال أبو سعيد الخراز: اذا أراد الله أن يوالي عبدا من عبيده فتح عليه باب ذكره. فاذا استلذ الذكر فتح عليه باب القرب. ثم رفعه الى مجالس الانس. ثم جعله على كرسي التوحيد (6). ثم رفع عنه الحجاب وأدخله دار الفردانية وكشف له حجاب الجلال والعظمة. واذا وقع بصره على الجلال والعظمة بقي بلا هو فحينئذ يصير العبد زمنا فانيا.
ثم أنشد صاحب التنوير يقول:
وبعد الفناء في الله كن كيفما تشاء
فعلمك لا جهل وفعلك لا وزر (7)
يقول شيخهم محمد بارسا «إن حقيقة الذكر عبارة عن تجليه سبحانه لذاته بذاته في عين العبد» (8). وهكذا يصبح الذاكر عندهم عين المذكور وبالعكس.
ويفسر عبيد الله أحرار قول الله تعالى {فأعرِض عمّن تولّى عن ذكرنا} أي أعرِض عمن استغرق واستهلك في ذات الله. واحتج بما قاله محي الدين بن عربي
الا بذكــــر الله تزداد الذنوب وتنطمس البصــائر والقــــلوب
وترك الذكر أحسن منه حالا فإن الشمس ليس لها غروب (9)
- حكى صاحب الرشحات أن السالكين يرون الحق سبحانه بالتجليات الصورية، حتى انه يتجلى في جميع صور الاشياء من معادن ونباتات وحيوانات وانسان... وغاية التجلي الصوري وأفضله أن يتجلى الله للسالك في صورة صاحب التجلي... ومنشأ هذا الظهور قول القائل: سبحاني وأنا الحق وما في الجبة الا الله وهل في الدارين غيري وأمثال ذلك من أدلة حصول التجلي (10).
وقد زعموا أن هذه الحالة هي حالة سكر وتوهم وخطأ يحصل عند الذاكر في سكرته فيحصل له ما يشبه الوحدة بالله ولهذا تصدر عنهم هذه الكلمات وتلك الاحوال. فاذا أفاقوا عرفوا أن ما حدث لهم يشبه الاتحاد. ويخرج على السنتهم كلام الشطح والكفر لحصول قمة الصلة بالله! وحينئذ يقول: أنا الحق وسبحاني (11).
هل تتسبب العبادة الصحيحة في التلفظ بالكفر؟!
وبالطبع فهذه النتيجة الخطأ دليل على أن العبادة خطأ وعلى أن الشيطان يستحوذ عليه. فلو كان هذا الذكر متوجها الى الله توجها صحيحا لما أثمر الكفر وانتهى بادعاء الذاكر للالوهية!!!
وحرم الله الاقتراب من الصلاة {وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون} . وهؤلاء يدعون أن العبادة هي سبب السكر وتعطل العقل!
وذكر صاحب كتاب الرشحات أن رجلا سال المولى بهاء الدين عمر عن قول القائل (الممكن عين الواجب) فرجع عن هذا الكلام وقال (بل الواجب عين الممكن) فقال: ما هناك فرق بين الكلامين. فلم يتجاسر أحد في الجواب ولم يقولوا شيئا» (12). وقد صرح صاحب السبع الاسرار أن حقيقة مقام الفناء هو فناء السالك هو « اتحاد وجود الممكن بوجود واجب الوجود وذلك نسبة لغلبة التوحيد وقوة ظهور الوحدة على بصيرته» (13).
- وذكر في قوله تعالى {لمن الملك اليوم} أن المراد من (الملك) قلب السالك حين يتجلى الله سبحانه للقلب بقهر الاحدية لا يترك فيه شيئا غيره فيلقي اليه صدى {لمن الملك اليوم} فاذا لم ير في تلك المملكة غيره يجيب تعالى بنفسه بالضرورة بقوله {لله الواحد القهار} ويسمع صدى (سبحاني ما أعظم شأني) و (أنا الحق) و (هل في الدارين غيري) (14).
- وصرح نقشبندي آخر بأن «وجود الحق مثل المرآة: ووجود الممكنات مثل الصور التي تنجلي في المرآة. فوجود المرآة حقيقي. ووجود الصور فيها وهمي وخيالي» (15).
-----------------------------
(1) ورد في "المواهب السرمدية" للزملكاني [ج1/ص: 182]؛ وفي "الأنوار القدسية" للسنهوتي [ج1/ص: 181]؛ وفي "البهجة السنية" للجد الخاني [ج1/ص: 78] ..
(2) ورد في "المواهب السرمدية" للزملكاني [ج1/ص: 124]؛ وفي "الأنوار القدسية" للسنهوتي [ج1/ص: 132] ..
(3) ورد في "البهجة السنية" للجد الخاني [ج1/ص: 81]؛ وفي "الحدائق الوردية" للحفيد الخاني [ج1/ص: 180] ..
(4) ورد في "البهجة السنية" للجد الخاني [ج1/ص: 34] ..
(5) ورد في "المكتوبات الشريفة" للسرهندي [ج1/ص: 213] ..
(6) لا يعرف المسلمون شيئا اسمه كرسي التوحيد ولكن المتخصصين في الصوفية يعرفون أن هذه اشارات يرمزون بها الى وحدة الوجود والفناء في الله، هذه عقيدة موروثة من الهندوس والبوذيين.
(7) ورد في "تنوير القلوب" للزملكاني [ج1/ص: 510]؛ وفي "الرسالة القشيرية" للقشيري [ج1/ص: 119] ..
(8) ورد في "الأنوار القدسية" للسنهوتي [ج1/ص: 167]؛ وفي "الحدائق الوردية" للخاني [ج1/ص: 162] ..
(9) ورد في "المواهب السرمدية" للزملكاني [ج1/ص: 161]؛ وفي "الحدائق الوردية" للحفيد الخاني [ج1/ص: 161] ..
(10) ورد في "الرشحات" للهروي [ج1/ص: 133] ..
(11) ورد في "مدارج الأخيار" للمعصوم [ج1/ص: 31] ..
(12) ورد في "الرشحات" للهروي [ج1/ص: 198] ..
(13) ورد في "مدارج الأخيار" للمعصوم [ج1/ص: 58] ..
(14) ورد في "الرشحات" للهروي [ج1/ص: 186] ..
(15) ورد في "مدارج الأخيار" للمعصوم [ج1/ص: 72] ..
==========================
الجواب:
نقول الغريب أن الناقد يتبع مدرسة وهي مدرسة التيمية المتقدمين أتباع من عرف بشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وهي مدرسة وقعت بشبهة وحدة التشبيه، حيث شبهوا المخلوق بخالقه، ثم حاول التيمية المعاصرين بالعودة إلى مؤلفات ابن تيمية المتضاربة والمتناقدة في كثير من الأحيان بالآراء العقدية، وواروا القول بالتشبيه، ولكن أثبتوا له تعالى التجسيم! ..
قول السرهندي: وجدت الله عين الأشياء، إن صح عنه فإن هذا كان في أوهام بدايته، لأنه في غير موضع معتمد وخاصة بمكتوباته الربانية الشريفة [ج1/ص: 490]؛ وفي المواهب السرمدية للزملكاني [ج1/ص: 182]؛ ينكر هذه الأوهام الحالية على الصوفية الوجودية ..
حتى أنه في قوله أعلاه متبعة بقوله: ثم وجدت غير مرة تبيان لترقيه وعلو تباينه وبيانه للحق الحقيق ..
يقول الأمام المجدد الفاروقي: ( اِعْلَمْ أَنَ كُلَ مَسْأّلَةِ، يَكُوّنُ فِيِهَاّ خِلَاّفُ بِيِنَ الْعُلَمَاّءِ [العارفين] والْصُوّفِيِةَ [الأولياء]، إِذَاّ تَأَمَلْتَ وَدَقْقَتَ الْنَظْرَ تَجْدُ الْحَقَ مَعَ الْعُلَمَاّءِ، وَسِرُ ذَلَكِ َأِنَ نَظَرَ الْعُلَمَاّءِ بِوَاّسِطَةِ مُتَاّبَعَةِ الْأّنْبِيِاَءِ عَلَيِهِمُ الْصَلَاّةِ وَالْسَلَاّمِ، نَاَفِذُ إِلَىَ كَمَاّلَاّتِ الْنُبْوَةِ وَعُلُوّمَهَاّ، وَنَظْرُ الْصُوّفِيِةِ مَقْصُوّرُ عَلَىَ كَمْاَلَاّتِ الْوِلَاّيَةِ وَمَعَاّرِفِهَاّ، فَتَكُوّنُ الْعُلُوّمُ الْمَأْخُوّذَةِ عَنْ مِشْكَاّةِ الْنُبْوّةِ، أّصْوّبُ قَطْعَاً، مِنْ الْعُلُوّمِ الْمَأْخُوّذَةِ عَنْ رِتْبَةِ الْوِلَاّيَةِ ) اهـ
وذلك وفق ما ورد في "المواهب السرمدية" للزملكاني [ج1/ص: 182]؛ وفي "المكتوبات الشريفة" للسرهندي [ج1/ص: 466] ..
وإن صح القول أعلاه عنه، كما نقل الناقد الكريم، فإنه يكون قد أخطئ في بداياته، ثم صوب الخطأ مع تقدم تقواه وفي نهايته، والأمور تقاس بالخواتيم، ولكل جواد كبوة لابد منها ..
عَنْ أَنَسٍ بن مالك رضي الله عنه، أَنّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ، قَالَ: ( كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الخطاءين التَّوَّابُونَ )؛ (1) ..
وسبب وهم هذا الخطأ، أنه يرى تجلي أسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى متجلية بكل شيء مخلوق أو محدث، فيتوهم أو يظن أن كل شيء واحد، الصواب أن أصل كل شيء واحد، ولكن لا يندمج الأصل القديم الباقي مع المحدث الفاني أبداً، ولكن لا وجود للمُحْدَثْ من غير الْمُحْدِثْ، فأصل والوجود وموجده الله، ولا وجود لغيره سبحانه إلا به، ولا وجود لذاته العلية القديمة في كنه غيره المحدث، تصديق ذلك ما وصفه النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، في صحيحي الشيخين: بأصدق الشعر، أي أصدق ما يهيمن على المشاعر الإيمانية، وهو أن كل موجود مُحْدَثْ، باطل من غير الموجد الْمُحْدٍثْ: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلٌ ..
لذلك لا ينبغي عند النقشبندي المتقدم بالسلوك، أن يُعَلَمُ المريد النقشبندي في بداية سلوكه التوحيد المطلق أو التوحيد الوجودي؛ حتى لا يقع في خطأ تصور وحدة الوجود الفاسدة، التي تساوي المخلوق بخالقه كوجود واحد ومادة وجود واحدة ..
والتوحيد الوجودي معناه كما أسلفنا هو أن كل موجود محدث غير الحق سبحانه القديم وهم باطل بحقيقة وجوده، لأنه فاني هالك، والباقي هو الله وحده، وهو مصدر كل موجود، فلا وجود بغيره، ولا وجود بالحقيقة لغيره، لأن الله كان ولا شيء كان، وهو على ما عليه اليوم وإلى الأزل كائن ..
وكرسي التوحيد الذي غمز الناقد إليه بالنقد، هو ليس الكرسي المقعد الذي يجلس عليه، كما هو معتقد شيوخ الناقد! ..
إنما من الكراس والتكريس، وهو ما يجتمع به معاني التوحيد وتنعكس من خلال تجليات الأسماء الحسنى والصفات الفضلى ..
فيصبح مرآة تعكس معاني كمال الحق، فإن عَلِمَ فبالحق، وإن تكلم فبالحق، وإن سمع فبالحق، وإن قام فبالحق إلى غير ذلك من منعكسات الفناء بالحق والبقاء بمعاني الحق سبحانه، ففي النهاية نجده غارق بأنوار تجليات الحق سبحانه، ومن هذا يفهم جانب من هذا الدعاء المحمدي:
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أن قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ( اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا، وَفِي بَصَرِي نُورًا، وَفِي سَمْعِي نُورًا، وَعَنْ يَمِينِي نُورًا، وَعَنْ يَسَارِي نُورًا، وَفَوْقِي نُورًا، وَتَحْتِي نُورًا، وَأَمَامِي نُورًا، وَخَلْفِي نُورًا، وَاجْعَلْ لِي نُورًا )؛ (2) ..
أما عن قول الناقد، أن صاحب الرشحات، قال: "السالكين يرون الحق سبحانه بالتجليات الصورية، حتى انه يتجلى في جميع صور الاشياء من معادن ونباتات وحيوانات وانسان" اهـ
فالمقصود رؤية تجليات معاني الحق في صور خلقه المتجسد بالحقيقة من روابط طاقة ذرية، فنرى مثلاً بذلك اسمي القوي والمتين سبحانه واسم المصور سبحانه، إلى غير ذلك من الرؤية المعنوية ..
يتبع ..
----------------------------------------------------
(1) رواه الترمذي في "سننه" [ج4/ص: 568/ر:2499]، بإسناد حسن؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:2499]، ورواه ابن ماجه في "سننه" [ج3/ص: 517/ر:4251]، بإسناد حسن؛ بتحقيق الألباني في "صحيح ابن ماجه" [ر:3447]؛ ورواه الدارمي في "سننه" [ج2/ص: 759/ر:2627]، ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج4/ص: 53/ر:12637]، وصححه الحاكم في "المستدرك" [ج4/ص: 272/ر:7617]، على شرط الشيخين، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب" [ر:3139]؛ وفي "تخريج المصابيح" [ر:2280]؛ وفي "صحيح الجامع" [ر:4515]؛ وخلاصة حكمه: [حسن] ..
(2) رواه الشيخان: البخاري في "صحيحة" [ج5/ص: 2327/ر:5957]، ومسلم في "صحيحة" [ج6/ص: 286/ر:1785]؛ ورواه أبو داود في "سننه" [ج1/ص: 430/ر:1353]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح أبي داود" [ر:1353]؛ ورواه النسائي في "سننه المجتبى" [ج2/ص: 567/ر:1120]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح النسائي" [ر:1120]؛ وحكمه: [متفق عليه] ..
تعليق