إرشاد النحرير لترجيحات الامام ابن جرير

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • اسامة محمد خيري
    Registered User
    • Dec 2008
    • 12975

    #106
    واختلف القراء فـي قراءة قوله: { فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مّنَ ظ±للَّهِ وَرَسُولِهِ } فقرأته عامة قرّاء أهل الـمدينة: { فَأْذَنُواْ } بقصر الألف من فأذنوا وفتـح ذالها، بـمعنًى وكونوا علـى علـم وإذْن. وقرأه آخرون وهي قراءة عامة قراء الكوفـيـين: «فَآذِنُوا» بـمدّ الألف من قوله: «فآذِنوا» وكسر ذالها، بـمعنى: فآذنوا غيركم، أعلـموهم وأخبروهم بأنكم علـى حربهم.

    وأولـى القراءتـين بـالصواب فـي ذلك، قراءة من قرأ: { فَأْذَنُواْ } بقصر ألفها وفتـح ذالها، بـمعنى: اعلـموا ذلك واستـيقنوه، وكونوا علـى إذن من الله عزّ وجل لكم بذلك. وإنـما اخترنا ذلك، لأن الله عزّ وجلّ أمر نبـيه صلى الله عليه وسلم أن ينبذ إلـى من أقام علـى شركه الذي لا يقرّ علـى الـمقام علـيه، وأن يقتل الـمرتدّ عن الإسلام منهم بكل حال إلا أن يراجع الإسلام، أذنه الـمشركون بأنهم علـى حربه أولـم يأذنوه، فإذ كان الـمأمور بذلك لا يخـلو من أحد أمرين، إما أن يكون كان مشركاً مقـيـماً علـى شركه الذي لا يقرّ علـيه، أو يكون كان مسلـماً فـارتدّ وأذن بحرب، فأيّ الأمرين كان، فإنـما نبذ إلـيه بحرب، لا أنه أمر بـالإيذان بها إن عزم علـى ذلك، لأن الأمر إن كان إلـيه فأقام علـى أكل الربـا مستـحلاً له، ولـم يؤذن الـمسلـمون بـالـحرب، لـم يـلزمهم حربه، ولـيس ذلك حكمه فـي واحدة من الـحالـين، فقد علـم أنه الـمأذون بـالـحرب لا الآذن بها. وعلـى هذا التأويـل تأوّله أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

    حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس فـي قوله:
    { يأَيُّهَا ظ±لَّذِينَ ءامَنُواْ ظ±تَّقُواْ ظ±للَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ ظ±لرّبَوظ°اْ }
    [البقرة: 278] إلـى قوله: { فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مّنَ ظ±للَّهِ وَرَسُولِهِ } فمن كان مقـيـماً علـى الربـا لا ينزع عنه، فحقّ علـى إمام الـمسلـمين أن يستتـيبه، فإن نزع، وإلا ضرب عنقه.

    تعليق

    • اسامة محمد خيري
      Registered User
      • Dec 2008
      • 12975

      #107
      والصواب من القول فـي قوله: { وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ } أنه معنـيّ به غرماء الذين كانوا أسلـموا علـى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهم علـيهم ديون قد أربوا فـيها فـي الـجاهلـية، فأدركهم الإسلام قبل أن يقبضوها منهم، فأمر الله بوضع ما بقـي من الربـا بعد ما أسلـموا، وبقبض رؤوس أموالهم، مـمن كان منهم من غرمائهم موسرا، وإنظار من كان منهم معسراً برؤوس أموالهم إلـى ميسرتهم. فذلك حكم كل من أسلـم وله ربـا قد أربى علـى غريـم له، فإن الإسلام يبطل عن غريـمه ما كان له علـيه من قِبَل الربـا، ويـلزمه أداء رأس ماله الذي كان أخذ منه، أو لزمه من قبل الإربـاء إلـيه إن كان موسراً، وإن كان معسراً كان منظرا برأس مال صاحبه إلـى ميسرته، وكان الفضل علـى رأس الـمال مبطلاً عنه. غير أن الآية وإن كانت نزلت فـيـمن ذكرنا وإياهم عنى بها، فإن الـحكم الذي حكم الله به من إنظاره الـمعسر برأس مال الـمربـي بعد بطول الرّبـا عنه حكم واجب لكل من كان علـيه دين لرجل قد حلّ علـيه، وهو بقضائه معسر فـي أنه منظر إلـى ميسرته، لأن دين كل ذي دين فـي مال غريـمه وعلـى غريـمه قضاؤه منه لا فـي رقبته، فإذا عدم ماله، فلا سبـيـل له علـى رقبته بحبس ولا بـيع، وذلك أن مال ربّ الدين لن يخـلو من أحد وجوه ثلاثة: إما أن يكون فـي رقبة غريـمه، أو فـي ذمته يقضيه من ماله، أو فـي مال له بعينه؛ فإن يكن فـي مال له بعينه، فمتـى بطل ذلك الـمال وعدم، فقد بطل دين ربّ الـمال، وذلك ما لا يقوله أحد ويكون فـي رقبته، فإن يكن كذلك فمتـى عدمت نفسه، فقد بطل دين ربّ الدين، وإن خـلف الغريـم وفـاء بحقه وأضعاف ذلك، وذلك أيضا لا يقوله أحد، فقد تبـين إذا كان ذلك كذلك أن دين ربّ الـمال فـي ذمة غريـمه يقضيه من ماله، فإذا عدم ماله فلا سبـيـل له علـى رقبته، لأنه قد عدم ما كان علـيه أن يؤدى منه حقّ صاحبه لو كان موجوداً، وإذا لـم يكن علـى رقبته سبـيـل لـم يكن إلـى حبسه بحقه وهو معدوم سبـيـل، لأنه غير مانعه حقا له إلـى قضائه سبـيـل، فـيعاقب بظلـمه إياه بـالـحبس....

      حدثنـي يحيـى بن أبـي طالب، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك: { فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ } والنظرة واجبة، وخير الله عزّ وجلّ الصدقة علـى النظرة، والصدقة لكل معسر؛ فأما الـموسر فلا.

      وأولـى التأويـلـين بـالصواب، تأويـل من قال معناه: وأن تصدّقوا علـى الـمعسر برؤوس أموالكم خير لكم؛ لأنه يـلـي ذكر حكمه فـي الـمعنـيـين، وإلـحاقه بـالذي يـلـيه أحبّ إلـيّ من إلـحاقه بـالذي بعد منه. وقد قـيـل: إن هذه الآيات فـي أحكام الربـا هن آخر آيات نزلت مِن القرآن. ذكر من قال ذلك:

      حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا ابن أبـي عديّ، عن سعيد، وحدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن علـية، عن سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن الـمسيب: أن عمر بن الـخطاب قال: كان آخر ما نزل من القرآن آية الربـا، وإن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم قُبِض قبل أن يفسرها، فدعوا الربا والريبة.

      تعليق

      • اسامة محمد خيري
        Registered User
        • Dec 2008
        • 12975

        #108
        حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن إسرائيـل، عن جابر، عن عامر وعطاء قوله: { وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ظ±للَّهُ } قالا: إذا لـم يجدوا كاتبـاً فدعيت فلا تأب أن تكتب لهم.

        ذكر من قال هي منسوخة. قد ذكرنا جماعة مـمن قال: كل ما فـي هذه الآية من الأمر بـالكتابة والإشهاد والرهن منسوخ بـالآية التـي فـي آخرها، وأذكر قول من تركنا ذكره هنالك ببعض الـمعانـي:

        حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك: { وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ } قال: كانت عزيـمة فنسختها: { وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ }.

        حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع: { وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُم كَاتِبٌ بِظ±لْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ظ±للَّهُ } فكان هذا واجبـاً علـى الكتَّاب.

        وقال آخرون: هو علـى الوجوب، ولكنه واجب علـى الكاتب فـي حال فراغه. ذكر من قال ذلك:

        حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي قوله: { وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُم كَاتِبٌ بِظ±لْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ظ±للَّهُ } يقول: لا يأب كاتب أن يكتب إن كان فـارغا.

        (والصواب من القول فـي ذلك عندنا، أن الله عزّ وجلّ أمر الـمتداينـين إلـى أجل مسمى بـاكتتاب كتب الدين بـينهم، وأمر الكاتب أن يكتب ذلك بـينهم بـالعدل، وأمر الله فرض لازم، إلا أن تقوم حجة بأنه إرشاد وندب. ولا دلالة تدلّ علـى أن أمره جل ثناؤه بـاكتتاب الكتب فـي ذلك، وأن تقدمه إلـى الكاتب أن لا يأبى كتابة ذلك ندب وإرشاد، فذلك فرض علـيهم لا يسعهم تضيـيعه، ومن ضيعه منهم كانَ حَرِجاً بتضيـيعه.

        ولا وجه لاعتلال من اعتلّ بأن الأمر بذلك منسوخ بقوله: { فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدّ ظ±لَّذِى ظ±ؤْتُمِنَ أَمَـظ°نَتَهُ } لأن ذلك إنـما أذن الله تعالـى ذكره به، حيث لا سبـيـل إلـى الكتاب، أو إلـى الكاتب فأما والكتاب والكاتب موجودان، فـالفرض إذا كان الدَّين إلـى أجل مسمى ما أمر الله تعالـى ذكره به فـي قوله: { فَظ±كْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُم كَاتِبٌ بِظ±لْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ظ±للَّهُ }.
        ...

        وقال آخرون: بل السفـيه فـي هذا الـموضع الذي عناه الله: الطفل الصغير. ذكر من قال ذلك:

        حدثنـي موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: { فَإن كَانَ ظ±لَّذِى عَلَيْهِ ظ±لْحَقُّ سَفِيهًا } أما السفـيه: فهو الصغير.

        حدثنـي يحيـى بن أبـي طالب، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك فـي قوله: { فَإن كَانَ ظ±لَّذِى عَلَيْهِ ظ±لْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا } قال: هو الصبـيّ الصغير، { فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِظ±لْعَدْلِ }.

        وأولـى التأويـلـين بـالآية، تأويـل من قال: السفـيه فـي هذا الـموضع: الـجاهل بـالإملاء وموضع صواب ذلك من خطئه، لـما قد بـينا قبل من أن معنى السفه فـي كلام العرب: الـجهل.

        وقد يدخـل فـي قوله: { فَإن كَانَ ظ±لَّذِى عَلَيْهِ ظ±لْحَقُّ سَفِيهًا } كل جاهل بصواب ما يـملّ من خطئه من صغير وكبـير، وذكر وأنثى

        غير أن الذي هو أولـى بظاهر الآية أن يكون مراداً بها كل جاهل بـموضع خطأ ما يـمل وصوابه من بـالغي الرجال الذين لا يولـى علـيهم، والنساء؛ لأنه جل ذكره ابتدأ الآية بقوله: { يأَيُّهَا ظ±لَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى } والصبـيّ ومن يولـى علـيه لا يجوز مداينته، وأن الله عزّ وجلّ قد استثنى من الذين أمرهم بإملال كتاب الدين مع السفـيه الضعيف ومن لا يستطيع إملاله، ففـي فصله جل ثناؤه الضعيف من السفـيه ومن لا يستطيع إملاء الكتاب فـي الصفة التـي وصف بها كل واحد منهم ما أنبأ عن أن كل واحد من الأصناف الثلاثة الذين بـين الله صفـاتهم غير الصنفـين الآخرين. وإذا كان ذلك كذلك، كان معلوماً أن الـموصوف بـالسفه منهم دون الضعف هو ذو القوّة علـى الإملال، غير أنه وضع عنه فرض الإملال بجهله بـموضع صواب ذلك من خطئه، وأن الـموصوف بـالضعف منهم هو العاجز عن إملاله وإن كان شديداً رشيداً إما لعيّ لسانه أو خرس به، وأن الـموصوف بأنه لا يستطيع أن يـمل هو الـمـمنوع من إملاله، إما بـالـحبس الذي لا يقدر معه علـى حضور الكاتب الذي يكتب الكتاب فـيـمل علـيه، وإما لغيبته عن موضع الإملال فهو غير قادر من أجل غيبته عن إملال الكتاب. فوضع الله عنهم فرض إملال ذلك للعلل التـي وصفنا إذا كانت بهم، وعذرهم بترك الإملال من أجلها، وأمر عند سقوط فرض ذلك علـيهم ولـي الـحقّ بإملاله فقال: { فَإن كَانَ ظ±لَّذِى عَلَيْهِ ظ±لْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِظ±لْعَدْلِ } يعنـي ولـيّ الـحقّ.

        ولا وجه لقول من زعم أن السفـيه فـي هذا الـموضع هو الصغير، وأن الضعيف هو الكبـير الأحمق؛ لأن ذلك إن كان كما قال يوجب أن يكون قوله: { أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ } هو العاجز من الرجال العقلاء الـجائزي الأمر فـي أموالهم وأنفسهم عن الإملال، إما لعلة بلسانه من خرس أو غيره من العلل، وإما لغيبته عن موضع الكتاب. وإذا كان ذلك كذلك معناه، بطل معنى قوله: { فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِظ±لْعَدْلِ } لأن العاقل الرشيد لا يولّـى علـيه فـي ماله وإن كان أخرس أو غائبـا، ولا يجوز حكم أحد فـي ماله إلا بأمره. وفـي صحة معنى ذلك ما يقضي علـى فساد قول من زعم أن السفـيه فـي هذا الـموضع هو الطفل الصغير أو الكبـير الأحمق. ذكر من قال ذلك:

        حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع: { فَإن كَانَ ظ±لَّذِى عَلَيْهِ ظ±لْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِظ±لْعَدْلِ } يقول: ولـيّ الـحق.....

        والصواب من القراءة عندنا فـي ذلك قراءة من قرأه بفتـح «أن» من قوله: { أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا } وبتشديد الكاف من قوله: { فَتُذَكّرَ إِحْدَاهُمَا ظ±لاْخْرَىظ° } ونصب الراء منه، بـمعنى: فإن لـم يكونا رجلـين فلـيشهد رجل وامرأتان كي إن ضلت إحداهما ذكرتها الأخرى. وأما نصب «فتذكر» فبـالعطف علـى «تضلّ»، وفتـحت «أن» بحلولها مـحل «كي»، وهي فـي موضع جزاء، والـجواب بعده اكتفـاءً بفتـحها، أعنـي بفتـح «أن» من «كي» ونسق الثانـي، أعنـي «فتذكر» علـى «تضلّ»، لـيعلـم أن الذي قام مقام ما كان يعمل فـيه وهو ظاهر قد دلّ علـيه وأدّى عن معناه وعمله، أي عن «كي». وإنـما اخترنا ذلك فـي القراءة لإجماع الـحجة من قدماء القراء والـمتأخرين علـى ذلك، وانفراد الأعمش ومن قرأ قراءته فـي ذلك بـما انفرد به عنهم، ولا يجوز ترك قراءة جاء بها الـمسلـمون مستفـيضة بـينهم إلـى غيرها. وأما اختـيارنا «فتذكِّر» بتشديد الكاف، فإنه بـمعنى تأدية الذكر من إحداهما علـى الأخرى وتعريفها بإنهاء ذلك لتذكر، فـالتشديد به أولـى من التـخفـيف.

        وأما ما حكي عن ابن عيـينة من التأويـل الذي ذكرناه، فتأويـل خطأ لا معنى له لوجوه شتـى: أحدها: أنه خلاف لقول جميع أهل التأويـل. والثانـي: أنه معلوم بأن ضلال إحدى الـمرأتـين فـي الشهادة التـي شهدت علـيها إنـما هو خطؤها عنها بنسيانها إياها كضلال الرجل فـي دينه إذا تـحير فـيه، فعدل عن الـحقّ، وإذا صارت إحداهما بهذه الصفة فكيف يجوز أن تصير الأخرى ذكراً معها مع نسيانها شهادتها وضلالها فـيها؟ فـالضالة منهما فـي شهادتها حينئذ لا شك أنها إلـى التذكير أحوج منها إلـى الإذكار، إلا إن أراد أن الذاكرة إذا ضعفت صاحبتها عن ذكر شهادتها ستـجرئها علـى ذكر ما ضعفت عن ذكره فنسيته، فقوّتها بـالذكر حتـى صيرتها كالرجل فـي قوّتها فـي ذكر ما ضعفت عن ذكره من ذلك، كما يقال للشيء القويّ فـي عمله: ذكر، وكما يقال للسيف الـماضي فـي ضربه: سيف ذكر، ورجل ذكر، يراد به ماض فـي عمله، قويّ البطش، صحيح العزم. فإن كان ابن عيـينة هذا أراد، فهو مذهب من مذاهب تأويـل ذلك؟ إلا أنه إذا تأوّل ذلك كذلك، صار تأويـله إلـى نـحو تأويـلنا الذي تأوّلناه فـيه، وإن خالفت القراءة بذلك الـمعنى القراءة التـي اخترناها بأن تغير القراءة حينئذ الصحيحة بـالذي اختار قراءته من تـخفـيف الكاف من قوله: فتذكر، ولا نعلـم أحدا تأوّل ذلك كذلك، ويستـحبّ قراءته كذلك بذلك الـمعنى....

        حدثنـي أبو العالـية العبدي إسماعيـل بن الهيثم، قال: ثنا أبو قتـيبة، عن فضيـل بن مرزوق، عن عطية العوفـي فـي قوله: { وَلاَ يَأْبَ ظ±لشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ } قال: أمرت أن تشهد، فإن شئت فـاشهد، وإن شئت فلا تشهد.

        حدثنـي أبو العالـية، قال: ثنا أبو قتـيبة، عن مـحمد بن ثابت العصري، عن عطاء، بـمثله.

        وأولـى هذه الأقوال بـالصواب قول من قال: معنى ذلك: ولا يأب الشهداء من الإجابة إذا دعوا لإقامة الشهادة وأدائها عند ذي سلطان أو حاكم يأخذ من الذي علـيه ما علـيه للذي هو له.

        وإنـما قلنا هذا القول بـالصواب أولـى فـي ذلك من سائر الأقوال غيره، لأن الله عزّ وجلّ قال: { وَلاَ يَأْبَ ظ±لشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ } فإنـما أمرهم بـالإجابة للدعاء للشهادة وقد ألزمهم اسم الشهداء، وغير جائز أن يـلزمهم اسم الشهداء إلا وقد استشهدوا قبل ذلك، فشهدوا علـى ما ألزمهم شهادتهم علـيه اسم الشهداء، فأما قبل أن يستشهدوا علـى شيء فغير جائز أن يقال لهم شهداء، لأن ذلك الاسم لو كان يـلزمهم ولـما يستشهدوا علـى شيء يستوجبون بشهادتهم علـيه هذا الاسم لـم يكن علـى الأرض أحد له عقل صحيح إلا وهو مستـحقّ أن يقال له شاهد، بـمعنى أنه سيشهد، أو أنه يصلـح لأن يشهد وإن كان خطأ أن يسمى بذلك الاسم إلا من عنده شهادة لغيره، أو من قد قام بشهادته، فلزمه لذلك هذا الاسم؛ كان معلوماً أن الـمعنـيّ بقوله: { وَلاَ يَأْبَ ظ±لشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ } من وصفنا صفته مـمن قد استرعى شهادة أو شهد، فدعي إلـى القـيام بها، لأن الذي لـم يستشهد ولـم يسترع شهادة قبل الإشهاد غير مستـحقّ اسم شهيد ولا شاهد، لـما قد وصفنا قبل. مع أن فـي دخول الألف واللام فـي «الشهداء» دلالة واضحة علـى أن الـمسمى بـالنهي عن ترك الإجابة للشهادة أشخاص معلومون قد عرفوا بـالشهادة، وأنهم الذين أمر الله عزّ وجل أهل الـحقوق بـاستشهادهم بقوله: { وَظ±سْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مّن رّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَظ±مْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ظ±لشُّهَدَاء }.
        ...

        وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب قول من قال: معنى ذلك: ولا يضارّ كاتب ولا شهيد، بـمعنى: ولا يضارّهما من استكتب هذا أو استشهد هذا بأن يأبى علـى هذا إلا أن يكتب له وهو مشغول بأمر نفسه، ويأبى علـى هذا إلا أن يجيب إلـى الشهادة وهو غير فـارغ، علـى ما قاله قائلو ذلك من القول الذي ذكرنا قبل.

        وإنـما قلنا هذا القول أولـى بـالصواب من غيره، لأن الـخطاب من الله عزّ وجلّ فـي هذه الآية من مبتدئها إلـى انقضائها علـى وجه افعلوا أو لا تفعلوا، إنـما هو خطاب لأهل الـحقوق والـمكتوب بـينهم الكتاب والـمشهود لهم أو علـيهم بـالذي تداينوه بـينهم من الديون. فأما ما كان من أمر أو نهي فـيها لغيرهم، فإنـما هو علـى وجه الأمر والنهي للغائب غير الـمخاطب كقوله: { وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُم كَاتِبٌ } وكقوله: { وَلاَ يَأْبَ ظ±لشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ } وما أشبه ذلك، فـالواجب إذا كان الـمأمورون فـيها مخاطبـين بقوله: { وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ } أشبه منه بأن يكون مردوداً علـى الكاتب والشهيد، ومع ذلك إن الكاتب والشهيد لو كانا هما الـمنهيـين عن الضرار لقـيـل: وإن يفعلا فإنه فسوق بهما، لأنهما اثنان، وإنـما غير مخاطبـيـين بقوله: { وَلاَ يُضَارَّ } بل النهي بقوله: { وَلاَ يُضَارَّ } نهي للغائب غير الـمخاطب. فتوجيه الكلام إلـى ما كان نظيراً لـما فِـي سياق الآية، أولـى من توجيهه إلـى ما كان منعدلاً عنه.

        تعليق

        • اسامة محمد خيري
          Registered User
          • Dec 2008
          • 12975

          #109
          وأولـى الأقوال التـي ذكرناها بتأويـل الآية قول من قال: إنها مـحكمة ولـيست بـمنسوخة، وذلك أن النسخ لا يكون فـي حكم إلا ينفـيه بآخر له ناف من كل وجوهه، ولـيس فـي قوله جلّ وعزّ:
          { لاَ يُكَلّفُ ظ±للَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ظ±كْتَسَبَتْ }
          [البقرة: 286] نفـي الـحكم الذي أعلـم عبـاده بقوله: { أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ ظ±للَّهُ } لأن الـمـحاسبة لـيست بـموجبة عقوبة، ولا مؤاخذة بـما حوسب علـيه العبد من ذنوبه، وقد أخبر الله عزّ وجلّ عن الـمـجرمين أنهم حين تُعرض علـيهم كتب أعمالهم يوم القـيامة، يقولون:
          { وَيَقُولُونَ يظ°وَيْلَتَنَا مَا لِهَـظ°ذَا ظ±لْكِتَـظ°بِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا }
          [الكهف: 49] فأخبر أن كتبهم مـحصية علـيهم صغائر أعمالهم وكبـائرها، فلـم تكن الكتب وإن أحصت صغائر الذنوب وكبـائرها بـموجب إحصاؤها علـى أهل الإيـمان بـالله ورسوله وأهل الطاعة له، أن يكونوا بكل ما أحصته الكتب من الذنوب معاقبـين، لأن الله عزّ وجلّ وعدهم العفو عن الصغائر بـاجتنابهم الكبـائر، فقال فـي تنزيـله:
          { إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ نُكَفّرْ عَنْكُمْ سَيّئَـظ°تِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلاً كَرِيماً }
          [النساء: 31] فدلّ أن مـحاسبة الله عبـاده الـمؤمنـين بـما هو مـحاسبهم به من الأمور التـي أخفتها أنفسهم غير موجبة لهم منه عقوبة، بل مـحاسبته إياهم إن شاء الله علـيها لـيعرّفهم تفضله علـيهم بعفوه لهم عنها كما بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فـي الـخبر الذي:

          حدثنـي به أحمد بن الـمقدام، قال: ثنا الـمعتـمر بن سلـيـمان، قال: سمعت أبـي، عن قتادة، عن صفوان بن مـحرز، عن ابن عمر، عن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم قال: " يُدْنِـي اللَّهُ عَبْدَهُ الـمُؤمِنُ يَوْمَ القِـيَامَةِ حَتَّـى يَضَعَ عَلَـيْهِ كَنَفَهُ فَـيُقَرّرُهُ بِسَيِّئَاتِهِ يَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُ؟ فَـيَقُولُ نَعَمْ، فَـيَقُولُ: سَتَرْتُها فِـي الدُّنْـيَا وأغْفِرُها الـيَوْمَ. ثُمَّ يُظْهِرُ لَهُ حَسَنَاتِهِ، فَـيَقُولُ: هاؤمُ اقْرَؤا كِتابِـيَهْ " أو كما قال: " وأمَّا الكَافِرُ، فَـإِنَّهُ يُنَادَى بِهِ عَلـى رُؤوسِ الأشْهادِ "

          " يَدْنُو الـمُؤمِنُ مِنْ رَبِّهِ حتَّـى يَضَعَ عَلَـيْهِ كَنَفَهُ فَـيُقَرّرُهُ بِذُنُوبِهِ، فَـيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُ كَذَا؟ فَـيَقُولُ: رَبّ اغْفِرْ مَرَّتَـيْنِ، حتـى إذَا بَلَغَ بِهِ مَا شَاءَ اللَّهُ أنْ يَبْلُغَ قَالَ: فَـإِنّـي قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَـيْكَ فِـي الدُّنْـيا، وأنا أغْفِرُها لَكَ الـيَوْمَ " ، قال: " فَـيُعْطَى صَحِيفَةَ حَسَنَاتِهِ أوْ كِتابَهُ بِـيَـمِينِهِ. وأمَّا الكُفَّـارُ وَالـمُنَافِقُونَ، فَـيُنَادَى بِهِمْ علـى رُؤوسِ الأشْهادِ: هَؤلاَءِ الَّذِينَ كَذَبُوا علـى رَبِهِمْ، ألا لَعْنَةُ اللَّهِ علـى الظَّالِـمِينَ "

          إن الله يفعل بعبده الـمؤمن من تعريفه إياه سيئات أعماله حتـى يعرّفه تفضله علـيه بعفوه له عنها، فكذلك فعله تعالـى ذكره فـي مـحاسبته إياه بـما أبداه من نفسه، وبـما أخفـاه من ذلك، ثم يغفر له كل ذلك بعد تعريفه تفضله وتكرّمه علـيه، فـيستره علـيه، وذلك هو الـمغفرة التـي وعد الله عبـاده الـمؤمنـين، فقال: يغفر لـمن يشاء.

          فإن قال قائل: فإن قوله:
          { لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ظ±كْتَسَبَتْ }
          [البقرة: 286] ينبىء عن أن جميع الـخـلق غير مؤاخذين إلا بـما كسبته أنفسهم من ذنب، ولا مثابـين إلا بـما كسبته من خير. قـيـل: إن ذلك كذلك، وغير مؤاخذ العبد بشيء من ذلك إلا بفعل ما نهي عن فعله، أو ترك ما أمر بفعله.

          فإن قال: فإذا كان ذلك كذلك، فما معنى وعيد الله عزّ وجلّ إيانا علـى ما أخفته أنفسنا بقوله: { وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء } إن كان
          { لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ظ±كْتَسَبَتْ }
          [البقرة: 286] وما أضمرته قلوبنا وأخفته أنفسنا، من همّ بذنب، أو إرادة لـمعصية، لـم تكتسبه جوارحنا؟ قـيـل له: إن الله جلّ ثناؤه قد وعد الـمؤمنـين أن يعفو لهم عما هو أعظم مـما همّ به أحدهم من الـمعاصي فلـم يفعله، وهو ما ذكرنا من وعده إياهم العفو عن صغائر ذنوبهم إذا هم اجتنبوا كبـائرها، وإنـما الوعيد من الله عزّ وجلّ بقوله: { وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء } علـى ما أخفته نفوس الذين كانت أنفسهم تـخفـي الشكّ فـي الله، والـمرية فـي وحدانـيته، أو فـي نبوّة نبـيه صلى الله عليه وسلم، وما جاء به من عند الله، أو فـي الـمعاد والبعث من الـمنافقـين، علـى نـحو ما قال ابن عبـاس ومـجاهد، ومن قال بـمثل قولهما أن تأويـل قوله: { أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ ظ±للَّهُ } علـى الشكّ والـيقـين. غير أنا نقول إن الـمتوعد بقوله: { وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء } هو من كان إخفـاء نفسه ما تـخفـيه الشكَّ والـمرية فـي الله، وفـيـما يكون الشك فـيه بـالله كفراً، والـموعود الغفران بقوله: { فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء } هو الذي أخفـى، وما يخفـيه الهمة بـالتقدّم علـى بعض ما نهاه الله عنه من الأمور التـي كان جائزاً ابتداء تـحلـيـله وإبـاحته، فحرّمه علـى خـلقه جلّ ثناؤه، أو علـى ترك بعض ما أمر الله بفعله مـما كان جائزاً ابتداء إبـاحة تركه، فأوجب فعله علـى خـلقه.

          فإن الذي يهمّ بذلك من الـمؤمنـين إذا هو لـم يصحح همه بـما يهمّ به، ويحقق ما أخفته نفسه من ذلك بـالتقدم علـيه لـم يكن مأخوذاً، كما رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَـمْ يَعْمَلْها كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَـمْ يَعْمَلْها لَـمْ تُكْتُبْ عَلَـيْهِ " ، فهذا الذي وصفنا، هو الذي يحاسب الله به مؤمنـي عبـاده ثم لا يعاقبهم علـيه.

          فأما من كان ما أخفته نفسه شكاً فـي الله وارتـيابـاً فـي نبوّة أنبـيائه، فذلك هو الهالك الـمخـلد فـي النار، الذي أوعده جل ثناؤه العذاب الألـيـم بقوله: { وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء }.

          فتأويـل الآية إذا: { وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ } أيها الناس، فتظهروه { أَوْ تُخْفُوهْ } فتنطوي علـيه نفوسكم، { يُحَاسِبْكُم بِهِ ظ±للَّهُ } فـيعرّف مؤمنكم تفضله بعفوه عنه، ومغفرته له، فـيغفره له، ويعذّب منافقكم علـى الشكّ الذي انطوت علـيه نفسه فـي وحدانـية خالقه ونبوّة أنبـيائه.

          تعليق

          • اسامة محمد خيري
            Registered User
            • Dec 2008
            • 12975

            #110
            سورة ال عمران

            حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع: { القَيُّوم } قـيـم علـى كل شيء يكلؤه ويحفظه ويرزقه.

            وقال آخرون: معنى ذلك القـيام علـى مكانه، ووجهوه إلـى القـيام الدائم الذي لا زوال معه ولا انتقال، وأن الله عز وجل إنـما نفـى عن نفسه بوصفها بذلك التغير والتنقل من مكان إلـى مكان وحدوث التبدل الذي يحدث فـي الآدميـين وسائر خـلقه غيرهم. ذكر من قال ذلك:

            حدثنـي ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن عمر بن إسحاق، عن مـحمد بن جعفر بن الزبـير: { القَيُّومُ } القائم علـى مكانه من سلطانه فـي خـلقه لا يزول، وقد زال عيسى فـي قولهم. يعنـي فـي قول الأحبـار الذين حاجوا النبـيّ صلى الله عليه وسلم من أهل نـجران فـي عيسى. عن مكانه الذي كان به وذهب عنه إلـى غيره.

            وأولـى التأويـلـين بـالصواب، ما قاله مـجاهد والربـيع، وأن ذلك وصف من الله تعالـى ذكره نفسه بأنه القائم بأمر كل شيء فـي رزقه والدفع عنه، وكلاءته وتدبـيره وصرفه فـي قدرته، من قول العرب: فلان قائم بأمر هذه البلدة، يُعنى بذلك: الـمتولـي تدبـير أمرها. فـالقـيُّوم إذ كان ذلك معناه «الفَـيعول» من قول القائل: الله يقول بأمر خـلقه، وأصله القـيووم، غير أن الواو الأولـى من القـيوم لـما سبقتها ياء ساكنة وهي متـحركة قلبت ياء، فجعلت هي والـياء التـي قبلها ياء مشددة، لأن العرب كذلك تفعل بـالواو الـمتـحركة إذا تقدمتها ياء ساكنة. وأما القـيّام، فإن أصله القـيوام، وهو الفَـيْعال، من قام يقوم، سبقت الواو الـمتـحركة من قـيوام ياء ساكنة، فجعلتا جميعا ياء مشددة. ولو أن القـيُّوم فعُّول، كان القوّوم، ولكنه الفـيعول، وكذلك القـيّام لو كان الفَعّال لكان القوّام، كما قـيـل: الصوّام والقوام، وكما قال جل ثناؤه: { كُونُواْ قَوَّامِين لِلَّهِ شُهَداء بِالقِسْطِ } ، ولكنه الفَـيْعال فقال: القـيَّام. وأما القـيّـم فهو الفَـيْعِل من قام يقوم، سبقت الواو الـمتـحركة ياء ساكنة فجعلتا ياء مشددة، كما قـيـل: فلان سيد قومه، من ساد يسود، وهذا طعام جيد من جاد يجود، وما أشبه ذلك. وإنـما جاء ذلك بهذه الألفـاظ لأنه قصد به قصد الـمبـالغة فـي الـمدح، فكان القـيُّوم والقـيَّام والقـيِّـم أبلغ فـي الـمدح من القائم. وإنـما كان عمر رضي الله عنه يختار قراءته إن شاء الله «القـيَّام»، لأن ذلك الغالب علـى منطق أهل الـحجاز فـي ذوات الثلاثة من الـياء والواو، فـيقولون للرجل الصوّاغ: الصيَّاغ، ويقولون للرجل الكثـير الدوران الديّار. وقد قـيـل إن قول الله جل ثناؤه: { لاَ تَذَرْ عَلَى الأرْضِ مِنَ الكَـافِرِينَ دَيَّاراً } إنـما هو «دوّاراً» «فعّالاً» من دار يدور، ولكنها نزلت بلغة أهل الـحجاز، وأقرّت كذلك فـي الـمصحف.

            تعليق

            • اسامة محمد خيري
              Registered User
              • Dec 2008
              • 12975

              #111
              حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع: { وَأَنْزَلَ الفُرْقَانَ } قال: الفرقان: القرآن فرق بـين الـحقّ والبـاطل.

              والتأويـل الذي ذكرناه عن مـحمد بن جعفر بن الزبـير فـي ذلك، أولـى بـالصحة من التأويـل الذي ذكرناه عن قتادة والربـيع، وأن يكون معنى الفرقان فـي هذا الـموضع: فصل الله بـين نبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم والذي حاجوه فـي أمر عيسى وفـي غير ذلك من أموره بـالـحجة البـالغة القاطعة عُذْرَهم وعُذْرَ نظرائهم من أهل الكفر بـالله.

              وإنـما قلنا هذا القول أولـى بـالصواب، لأن إخبـار الله عن تنزيـله القرآن قبل إخبـاره عن تنزيـله التوراة والإنـجيـل فـي هذه الآية قد مضى بقوله: { نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتَـابَ بالحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } ولا شك أن ذلك الكتاب هو القرآن لا غيره، فلا وجه لتكريره مرّة أخرى، إذ لا فـائدة فـي تكريره، لـيست فـي ذكره إياه وخبره عنه ابتداء.

              تعليق

              • اسامة محمد خيري
                Registered User
                • Dec 2008
                • 12975

                #112
                وأما قوله: { مُتَشَـابِهَـاتٌ } فإن معناه: متشابهات فـي التلاوة، مختلفـات فـي الـمعنى، كما قال جلّ ثناؤه: { وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَـابِهاً } يعنـي فـي الـمنظر: مختلفـا فـي الـمطعم، وكما قال مخبرا عمن أخبر عنه من بنـي إسرائيـل أنه قال:
                { إِنَّ ظ±لبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا }
                [البقرة: 70] يعنون بذلك: تشابه علـينا فـي الصفة، وإن اختلفت أنواعه.

                فتأويـل الكلام إذاً: إن الذي لا يخفـى علـيه شيء فـي الأرض ولا فـي السماء، هو الذي أنزل علـيك يا مـحمد القرآن، منه آيات مـحكمات بـالبـيان، هنّ أصل الكتاب الذي علـيه عمادك وعماد أمتك فـي الدين، وإلـيه مفزعك ومفزعهم فـيـما افترضت علـيك وعلـيهم من شرائع الإسلام، وآيات أخر هنّ متشابهات فـي التلاوة، مختلفـات فـي الـمعانـي.....

                وقال آخرون: بل الـمـحكم من آي القرآن: ما عرف العلـماء تأويـله، وفهموا معناه وتفسيره؛ والـمتشابه: ما لـم يكن لأحد إلـى علـمه سبـيـل مـما استأثر الله بعلـمه دون خـلقه، وذلك نـحو الـخبر عن وقت مخرج عيسى ابن مريـم، ووقت طلوع الشمس من مغربها، وقـيام الساعة، وفناء الدنـيا، وما أشبه ذلك، فإن ذلك لا يعلـمه أحد. وقالوا: إنـما سمى الله من آي الكتاب الـمتشابه الـحروف الـمقطعة التـي فـي أوائل بعض سور القرآن من نـحو الـم، والـمص، والـمر، والر، وما أشبه ذلك، لأنهن متشابهات فـي الألفـاظ، وموافقات حروف حساب الـجمل. وكان قوم من الـيهود علـى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم طمعوا أن يدركوا من قبلها معرفة مدة الإسلام وأهله، ويعلـموا نهاية أُكْلِ مـحمد وأمته، فأكذب الله أحدوثتهم بذلك، وأعلـمهم أن ما ابْتَغَوْا علـمه من ذلك من قبل هذه الـحروف الـمتشابهة لا يدركونه ولا من قبل غيرها، وأن ذلك لا يعلـمه إلا الله. وهذا قول ذكر عن جابر بن عبد الله بن رئاب أن هذه الآية نزلت فـيه، وقد ذكرنا الرواية بذلك عنه وعن غيره مـمن قال نـحو مقالته فـي تأويـل ذلك فـي تفسير قوله:
                { الغ¤ـمغ¤ * ذَلِكَ ظ±لْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ }
                [البقرة: 1-2]. وهذا القول الذي ذكرناه عن جابر بن عبد الله أشبه بتأويـل الآية، وذلك أن جميع ما أنزل الله عز وجل من آي القرآن علـى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنـما أنزله علـيه بـيانا له ولأمته وهدى للعالـمين، وغير جائز أن يكون فـيه ما لا حاجة بهم إلـيه، ولا أن يكون فـيه ما بهم إلـيه الـحاجة، ثم لا يكون لهم إلـى علـم تأويـله سبـيـل. فإذا كان ذلك كذلك، فكل ما فـيه لـخـلقه إلـيه الـحاجة، وإن كان فـي بعضه ما بهم عن بعض معانـيه الغنى، وإن اضطرته الـحاجة إلـيه فـي معان كثـيرة، وذلك كقول الله عز وجل:
                { يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِيغ¤ إِيمَظ°نِهَا خَيْراً }


                [الأنعام: 158] فأعلـم النبـيّ صلى الله عليه وسلم أمته أن تلك الآية التـي أخبر الله جل ثناؤه عبـاده أنها إذا جاءت لـم ينفع نفساً إيـمانها لـم تكن آمنت من قبل ذلك، هي طلوع الشمس من مغربها. فـالذي كانت بـالعبـاد إلـيه الـحاجة من علـم ذلك هو العلـم منهم بوقت نفع التوبة بصفته بغير تـحديده بعد بـالسنـين والشهور والأيام، فقد بـين الله ذلك لهم بدلالة الكتاب، وأوضحه لهم علـى لسان رسول صلى الله عليه وسلم مفسِّرا. والذي لا حاجة لهم إلـى علـمه منه هو العلـم بـمقدار الـمدة التـي بـين وقت نزول هذه الآية ووقت حدوث تلك الآية، فإن ذلك مـما لا حاجة بهم إلـى علـمه فـي دين ولا دنـيا، وذلك هو العلـم الذي استأثر الله جل ثناؤه به دون خـلقه، فحجبه عنهم، وذلك وما أشبهه هو الـمعنى الذي طلبت الـيهود معرفته فـي مدة مـحمد صلى الله عليه وسلم وأمته من قبل قوله: الـم، والـمص، والر، والـمر، ونـحو ذلك من الـحروف الـمقطعة الـمتشابهات، التـي أخبر الله جل ثناؤه أنهم لا يدركون تأويـل ذلك من قِبَله، وأنه لا يعلـم تأويـله إلا الله.

                فإذا كان الـمتشابه هو ما وصفنا، فكل ما عداه فمـحكم، لأنه لن يخـلو من أن يكون مـحكماً بأنه بـمعنى واحد لا تأويـل له غير تأويـل واحد، وقد استغنـي بسماعه عن بـيان يبـيّنه، أو يكون مـحكماً، وإن كان ذا وجوه وتأويلات وتصرف فـي معان كثـيرة، فـالدلالة علـى الـمعنى الـمراد منه إما من بـيان الله تعالـى ذكره عنه أو بـيان رسوله صلى الله عليه وسلم لأمته، ولن يذهب علـم ذلك عن علـماء الأمة لـما قد بـينا.....

                قال أبو جعفر: والذي يدلّ علـيه ظاهر هذه الآية أنها نزلت فـي الذين جادلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بـمتشابه ما أنزل إلـيه من كتاب الله إما فـي أمر عيسى، وإما فـي مدة أُكُله وأُكْل أمته، وهو بأن تكون فـي الذين جادلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بـمتشابهه فـي مدته ومدة أمته أشبه، لأن قوله: { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ } دالّ علـى أن ذلك إخبـار عن الـمدة التـي أرادوا علـمها من قبل الـمتشابه الذي لا يعلـمه إلا الله. فأما أمر عيسى وأسبـابه، فقد أعلـم الله ذلك نبـيه مـحمدا صلى الله عليه وسلم وأمته وبـينه لهم، فمعلوم أنه لـم يعن إلا ما كان خفـيا عن الآحاد...

                والقول الذي قاله ابن عبـاس من أن ابتغاء التأويـل الذي طلبه القوم من الـمتشابه هو معرفة انقضاء الـمدة، ووقت قـيام الساعة، والذي ذكرنا عن السدي من أنهم طلبوا وأرادوا معرفة وقت هُو جاءٍ قبل مـجيئه أولـى بـالصواب، وإن كان السدي قد أغفل معنى ذلك من وجه صرفه إلـى حصره علـى أن معناه: إن القوم طلبوا معرفة وقت مـجيء الناسخ لـما قد أحكم قبل ذلك.

                وإنـما قلنا: إن طلب القوم معرفة الوقت الذي هو جاء قبل مـجيئه الـمـحجوب علـمه عنهم وعن غيرهم بـمتشابه آي القرآن، أولـى بتأويـل قوله: { وابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ } لـما قد دللنا علـيه قبل من إخبـار الله جل ثناؤه أن ذلك التأويـل لا يعلـمه إلا الله، ولا شك أن معنى قوله: «قضينا» و«فعلنا»، قد علـم تأويـله كثـير من جهلة أهل الشرك، فضلاً عن أهل الإيـمان وأهل الرسوخ فـي العلـم منهم....

                والصواب عندنا فـي ذلك، أنهم مرفوعون بجملة خبرهم بعدهم وهو «يقولون»، لـما قد بـينا قبل من أنهم لا يعلـمون تأويـل الـمتشابه الذي ذكره الله عز وجل فـي هذه الآية، وهو فـيـما بلغنـي مع ذلك فـي قراءة أُبـيّ: «ويقول الرَّاسِخُونَ فِـي العِلْـمِ» كما ذكرناه عن ابن عبـاس أنه كان يقرؤه؛ وفـي قراءة عبد الله: «إن تأويـله إلا عند الله والراسخون فـي العلـم يقولون»....

                تعليق

                • اسامة محمد خيري
                  Registered User
                  • Dec 2008
                  • 12975

                  #113
                  اختلفت القراء في ذلك فقرأه بعضهم: { قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ } بالتاء على وجه الخطاب للذين كفروا بأنهم سيغلبون. واحتجوا لاختيارهم قراءة ذلك بالتاء بقوله: { قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ } قالوا: ففي ذلك دليل على أن قوله: { سَتُغْلَبُونَ } كذلك خطاب لهم. وذلك هو قراءة عامة قرّاء الـحجاز والبصرة وبعض الكوفـيـين. وقد يجوز لـمن كانت نـيته فـي هذه الآية أن الـموعودين بأن يغلبوا هم الذين أمر النبـيّ صلى الله عليه وسلم بأن يقول ذلك لهم أن يقرأه بـالـياء والتاء، لأن الـخطاب الوحي حين نزل لغيرهم، فـيكون نظير قول القائل فـي الكلام: قلت للقوم إنكم مغلوبون، وقلت لهم إنهم مغلوبون. وقد ذكر أن فـي قراءة عبد الله: { قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ تَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَكُمْ } وهي فـي قراءتنا: { إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ }. وقرأت ذلك جماعة من قراء أهل الكوفة: «سيغلبون ويحشرون» علـى معنى: قل للـيهود سيغلب مشركو العرب ويحشرون إلـى جهنـم. ومن قرأ ذلك كذلك علـى هذا التأويـل لـم يجز فـي قراءته غير الـياء.

                  والذي نـختار من القراءة فـي ذلك قراءة من قرأه بـالتاء، بـمعنى: قل يا مـحمد للذين كفروا من يهود بنـي إسرائيـل الذين يتبعون ما تشابه من آي الكتاب الذي أنزلته إلـيك ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويـله، ستغلبون وتـحشرون إلـى جهنـم وبئس الـمهاد.

                  وإنـما اخترنا قراءة ذلك كذلك علـى قراءته بـالـياء لدلالة قوله: { قَدْ كَانَ لَكُمْ ءايَةٌ فِي فِئَتَيْنِ } علـى أنهم بقوله ستغلبون مخاطبون خطابهم بقوله: قد كان لكم، فكان إلـحاق الـخطاب بـمثله من الـخطاب أولـى من الـخطاب بخلافه من الـخبر عن غائب. وأخرى أن:

                  أبـا كريب حدثنا، قال: ثنا يونس بن بكير، عن مـحمد بن إسحاق، قال: ثنـي مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد، عن سعيد بن جبـير أو عكرمة، عن ابن عبـاس، قال: لـما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا يوم بدر فقدم الـمدينة، جمع يهود فـي سوق بنـي قـينقاع فقال: " يا مَعْشَرَ يَهُودَ، أسْلِـمُوا قَبْلَ أنْ يُصِيبَكُمْ مِثْل ما أصَابَ قُرَيشا " ، فقالوا: يا مـحمد لا تغرّنك نفسك إنك قتلت نفراً من قريش كانوا أغماراً لا يعرفون القتال، إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نـحن الناس، وأنك لـم تأت مثلنا! فأنزل الله عزّ وجلّ فـي ذلك من قولهم: { قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ المِهَادُ } إلـى قوله: { لأُوْلِى الأبْصَـارِ ....

                  وأولـى هذه القراءات بـالصواب قراءة من قرأ: { يَرَوْنَهُمْ } بـالـياء، بـمعنى: وأخرى كافرة، يراهم الـمسلـمون مثلـيهم، يعنـي: مثلـي عدد الـمسلـمين، لتقلـيـل الله إياهم فـي أعينهم فـي حال، فكان حزرهم إياهم كذلك، ثم قللهم فـي أعينهم عن التقلـيـل الأول، فحزروهم مثل عدد الـمسلـمين، ثم تقلـيلاً ثالثاً، فحزروهم أقل من عدد الـمسلـمين. كما:

                  حدثنـي أبو سعيد البغدادي، قال: ثنا إسحاق بن منصور، عن إسرائيـل، عن أبـي إسحاق، عن أبـي عبـيدة، عن عبد الله، قال: لقد قللوا فـي أعيننا يوم بدر حتـى قلت لرجل إلـى جنبـي: تراهم سبعين؟ قال: أراهم مائة. قال: فأسرنا رجلاً منهم، فقلنا كم كنتـم؟ قال: ألفـاً.

                  وقد رُوي عن قتادة أنه كان يقول: لو كانت «تُرونهم»، لكانت «مثلـيكم».

                  حدثنـي الـمثنى، قال: ثنـي عبد الرحمن بن أبـي حماد، عن ابن الـمعرك، عن معمر، عن قتادة بذلك.

                  ففـي الـخبرين اللذين روينا عن عبد الله بن مسعود ما أبـان عن اختلاف حزر الـمسلـمين يومئذٍ عدد الـمشركين فـي الأوقات الـمختلفة، فأخبر الله عز وجل ـ عما كان من اختلاف أحوال عددهم عند الـمسلـمين ـ الـيهود علـى ما كان به عندهم، مع علـم الـيهود بـمبلغ عدد الفئتـين، إعلاماً منه لهم أنه مؤيد الـمؤمنـين بنصره، لئلا يغتروا بعددهم وبأسهم، ولـيحذروا منه أن يحل بهم من العقوبة علـى أيدي الـمؤمنـين، مثل الذي أحل بأهل الشرك به من قريش علـى أيديهم ببدرهم

                  تعليق

                  • اسامة محمد خيري
                    Registered User
                    • Dec 2008
                    • 12975

                    #114
                    وقال آخرون: هو الـمال الكثـير. ذكر من قال ذلك:

                    حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع بن أنس، قال: { القَنَـاطِيرِ المُقَنطَرَةِ }: الـمال الكثـير بعضه علـى بعض.

                    وقد ذكر بعض أهل العلـم بكلام العرب أن العرب لا تـحدّ القنطار بـمقدار معلوم من الوزن، ولكنها تقول: هو قدر ووزن. وقد ينبغي أن يكون ذلك كذلك، لأن ذلك لو كان مـحدودا قدره عندها لـم يكن بـين متقدمي أهل التأويـل فـيه كل هذا الاختلاف.

                    فـالصواب فـي ذلك أن يقال: هو الـمال الكثـير، كما قال الربـيع بن أنس، ولا يحدّ قدر وزنه بحدّ علـى تعنف، وقد قـيـل ما قـيـل مـما روينا. وأما الـمقنطرة: فهي الـمضعفة، وكأن القناطير ثلاثة والـمقنطرة تسعة، وهو كما قال الربـيع بن أنس: الـمال الكثـير بعضه علـى بعض. كما:

                    حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: القناطير الـمقنطرة من الذهب والفضة: والـمقنطرة الـمال الكثـير بعضه علـى بعض.

                    حدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ، قال: أخبرنا عبـيد بن سلـمان، قال: سمعت الضحاك فـي قوله: { القَنَـاطِيرِ المُقَنطَرَةِ }: يعنـي الـمال الكثـير من الذهب والفضة.

                    وقال آخرون: معنى الـمقنطرة: الـمضروبة دراهم أو دنانـير. ذكر من قال ذلك:

                    حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: أما قوله: { المُقَنطَرَةِ } فـيقول: الـمضروبة حتـى صارت دنانـير أو دراهم.

                    وقد رُوي عن النبـي صلى الله عليه وسلم فـي قوله:
                    { وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً }
                    [النساء: 20] خبر لو صح سنده لـم نعده إلـى غيره، وذلك ما:

                    حدثنا به ابن عبد الرحمن البرقـي، قال: ثنـي عمرو بن أبـي سلـمة، قال: ثنا زهير بن مـحمد، قال: ثنـي أبـان بن أبـي عياش وحميد الطويـل، عن أنس بن مالك، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:
                    { وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً }
                    [النساء: 20] قال: " ألْفَـا مِئِين " يعنـي ألفـين....

                    قال أبو جعفر: أولـى هذه الأقوال بـالصواب فـي تأويـل قوله: { وَالخَيْلِ المُسَوَّمَةِ } الـمعلـمة بـالشيات الـحسان الرائعة حسناً من رآها، لأن التسويـم فـي كلام العرب: هو الإعلام، فـالـخيـل الـحسان معلـمة بإعلام الله إياها بـالـحسن من ألوانها وشياتها وهيئاتها، وهي الـمطهمة أيضاً، ومن ذلك قول نابغة بنـي ذبـيان فـي صفة الـخيـل:

                    بِسُمْرٍ كالْقِدَاحٍ مُسَوَّماتٍ علـيها مَعْشَرٌ أشبـاهُ جِنِّ
                    يعنـي بـالـمسوّمات: الـمعلـمات؛ وقول لبـيد:
                    وَغَدَاةَ قَاعِ القُرْنَتَـيْنِ أتَـيْنَهُمْ زُجَلاً يَلُوحُ خِلالَها التَّسْويـمُ
                    فمعنى تأويـل من تأول ذلك: الـمطهمة، والـمعلـمة، والرائعة واحد. وأما قول من تأوّله بـمعنى الراعية فإنه ذهب إلـى قول القائل: أسَمْتُ الـماشية فأنا أُسيـمها إسامة: إذا رعيتها الكلأ والعشب، كما قال الله عزّ وجلّ:
                    { وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ }
                    [النحل: 10] بـمعنى ترعون، ومنه قول الأخطل:
                    مثلِ ابن بَزْعَةَ أو كآخَرَ مِثْلِهِ أوْلى لكَ ابنَ مُسِيمَةِ الأجْمالِ
                    يعني بذلك راعية الأجمال، فإذا أريد أن الماشية هي التي رعت، قيل: سامت الماشية تسوم سوماً، ولذلك قيل: إبل سائمة، بـمعنى راعية، غير أنه مستفيض فـي كلامهم سوّمت الـماشية، بـمعنى أرعيتها، وإنـما يقال إذا أريد ذلك: أسمتها. فإذا كان ذلك كذلك، فتوجيه تأويـل الـمسوّمة إلـى أنها الـمعلـمة بـما وصفنا من الـمعانـي التـي تقدم ذكرها أصحّ. وأما الذي قاله ابن زيد من أنها الـمعدّة فـي سبـيـل الله، فتأويـل من معنى الـمسوّمة بـمعزل.....

                    تعليق

                    • اسامة محمد خيري
                      Registered User
                      • Dec 2008
                      • 12975

                      #115
                      وأولـي هذه الأقوال عندي بـالصواب قول من جعل الاستفهام متناهياً عند قوله: { بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ } والـخبر بعده مبتدأ عمن له الجنات بقوله: { لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهنْ جَنَّـاتٌ } فـيكون مخرج ذلك مخرج الـخبر، وهو إبـانة عن معنى الـخير الذي قال: أنبئكم به؟ فلا يكون بـالكلام حينئذ حاجة إلـى ضمير....

                      وأولـى هذه الأقوال بتأويـل قوله: { والمُسْتَغْفِرِينَ بالأسْحارِ } قول من قال: هم السائلون ربهم أن يستر علـيهم فضيحتهم بها بـالأسحار، وهي جمع سَحَر. وأظهر معانـي ذلك أن تكون مسألتهم إياه بـالدعاء، وقد يحتـمل أن يكون معناه: تعرضهم لـمغفرته بـالعمل والصلاة، غير أن أظهر معانـيه ما ذكرنا من الدعاء.....

                      وكان بعض البصريـين يتأول قوله شهد الله: قضى الله، ويرفع «الـملائكة»، بـمعنى: والـملائكة شهود وأولو العلـم. وهكذا قرأت قراء أهل الإسلام بفتـح الألف من أنه علـى ما ذكرت من إعمال «شهد» فـي «أنه» الأولـى وكسر الألف من «إنّ» الثانـية وابتدائها، سوى أن بعض الـمتأخرين من أهل العربـية كان يقرأ ذلك جميعا بفتـح ألفـيهما، بـمعنى: شهد الله أنه لا إلظ°ه إلا هو، وأن الدين عند الله الإسلام، فعطف بأنّ الدين علـى «أنه» الأولـى، ثم حذف واو العطف وهي مرادة فـي الكلام. واحتـج فـي ذلك بأن ابن عبـاس قرأ ذلك: «شَهِدَ اللَّهُ إنَّهُ لا إلظ°هَ إلاَّ هُوَ»... الآية، ثم قال:
                      { إِنَّ ظ±لدِّينَ }
                      [آل عمران: 19] بكسر «إن» الأولـى وفتـح «أنّ» الثانـية بإعمال «شهد» فـيها، وجعل «أن» الأولـى اعتراضا فـي الكلام غير عامل فـيها «شهد»؛ وأن ابن مسعود قرأ: { شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَـظ°هَ إِلاَّ هُوَ } بفتـح «أنّ»، وكسر «إنّ» من:
                      { إِنَّ ظ±لدِّينَ عِندَ ظ±للَّهِ ظ±لإِسْلاَمُ }
                      [آل عمران: 19] علـى معنى إعمال الشهادة فـي «أن» الأولـى و«أنَّ» الثانـية مبتدأة، فزعم أنه أراد بقراءته إياهما بـالفتـح جمع قراءة ابن عبـاس وابن مسعود. فخالف بقراءته ما قرأ من ذلك علـى ما وصفت جميع قراء أهل الإسلام الـمتقدمين منهم والـمتأخرين، بدعوى تأويـل علـى ابن عبـاس وابن مسعود زعم أنهما قالاه وقرآ به، وغير معلوم ما ادعى علـيهما برواية صحيحة، ولا سقـيـمة. وكفـى شاهدا علـى خطإ قراءته خروجها من قراءة أهل الإسلام. فـالصواب إذ كان الأمر علـى ما وصفنا من قراءة ذلك فتـح الألف من «أنه» الأولـى، وكسر الألف من «إنَّ» الثانـية، أعنـي من قوله:
                      { إِنَّ ظ±لدِّينَ عِندَ ظ±للَّهِ ظ±لإِسْلاَمُ }
                      [آل عمران: 19] ابتداء.


                      وقد رُوي عن السدي فـي تأويـل ذلك قول كالدّال علـى تصحيح ما قرأ به فـي ذلك من ذكرنا قوله من أهل العربـية فـي فتـح «أن» من قوله:
                      { إِنَّ ظ±لدِّينَ }
                      [آل عمران: 19] وهو ما:

                      حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط عن السدي: { شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَـظ°هَ إِلاَّ هُوَ وَالملائِكَةُ } إلـى: { لا إِلَـظ°هَ إِلاَّ هُوَ ظ±لْعَزِيزُ ظ±لْحَكِيمُ } فإن الله يشهد هو والـملائكة والعلـماء من الناس أن الدين عند الله الإسلام.

                      فهذا التأويـل يدل علـى أن الشهادة إنـما هي عامة فـي «أن» الثانـية التـي فـي قوله: { إِنَّ الدّينَ عِندَ اللَّهِ الإسْلام } فعلـى هذا التأويـل جائز فـي «أن» الأولـى وجهان من التأويـل: أحدهما أن تكون الأولـى منصوبة علـى وجه الشرط، بـمعنى: شهد الله بأنه واحد، فتكون مفتوحة بـمعنى الـخفض فـي مذهب بعض أهل العربـية، وبـمعنى النصب فـي مذهب بعضهم، والشهادة عاملة فـي «أنّ» الثانـية، كأنك قلت: شهد الله أن الدين عند الله الإسلام، لأنه واحد، ثم تقدم «لأنه واحد» فتفتـحها علـى ذلك التأويـل.

                      والوجه الثانـي: أن تكون «إن» الأولـى مكسورة بـمعنى الابتداء لأنها معترض بها، والشهادة واقعة علـى «أن» الثانـية، فـيكون معنى الكلام: شهد الله فإنه لا إلظ°ه إلا هو والـملائكة، أن الدين عند الله الإسلام، كقول القائل: أشهد ـ فإنـي مـحق ـ أنك مـما تعاب به بريء، فـ«إنّ» الأولـى مكسورة لأنها معترضة، والشهادة واقعة علـى «أن» الثانـية.

                      وأما قوله: { قَائِمَاً بالقِسْطِ } فإنه بـمعنى أنه الذي يـلـي العدل بـين خـلقه. والقسط: هو العدل، من قولهم: هو مقسط، وقد أقسط، إذا عدل، ونصب «قائما» علـى القطع.

                      وكان بعض نـحويـي أهل البصرة يزعم أنه حال من «هو» التـي فـي «لا إلظ°ه إلا هو».

                      وكان بعض نـحويـي الكوفة يزعم أنه حال من اسم الله الذي مع قوله: { شَهِدَ اللَّهُ } فكان معناه: شهد الله القائم بـالقسط أنه لا إلظ°ه إلا هو. وقد ذكر أنها فـي قراءة ابن مسعود كذلك: «وأولُو العِلْـمِ القَائِمُ بـالقِسْطِ»، ثم حذفت الألف واللام من القائم فصار نكرة وهو نعت لـمعرفة، فنصب.

                      وأولـى القولـين بـالصواب فـي ذلك عندي قول من جعله قطعا علـى أنه من نعت الله جل ثناؤه، لأن الـملائكة وأولـي العلـم معطوفون علـيه، فكذلك الصحيح أن يكون قوله «قائماً» حالاً منه.

                      تعليق

                      • اسامة محمد خيري
                        Registered User
                        • Dec 2008
                        • 12975

                        #116
                        والصواب من القراءة فـي ذلك عندنا، قراءة من قرأه: { وَيَقْتُلُونَ } لإجماع الـحجة من القراء علـيه به، مع مـجيء التأويـل من أهل التأويـل بأن ذلك تأويـله. ذكر من قال ذلك:

                        حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن معقل بن أبـي مسكين فـي قول الله صلى الله عليه وسلم: { وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ } قال: كان الوحي يأتـي إلـى بنـي إسرائيـل فـيذكِّرون، ولـم يكن يأتـيهم كتاب، فـيُقتَلون، فـيقوم رجال مـمن اتبعهم وصدّقهم، فـيذكِّرون قومهم فـيقتلون، فهم الذين يأمرون بـالقسط من الناس.

                        حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن قتادة فـي قوله: { وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ } قال: هؤلاء أهل الكتاب، كان أتبـاع الأنبـياء ينهونهم ويذكرونهم فـيقتلونهم.

                        حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: قال ابن جريج فـي قوله: { إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ } قال: كان ناس من بنـي إسرائيـل مـمن لـم يقرأ الكتاب كان الوحي يأتـي إلـيهم، فـيذكِّرون قومهم فـيقتلون علـى ذلك، فهم الذين يأمرون بـالقسط من الناس.

                        حدثنـي أبو عبـيد الرصافـي مـحمد بن جعفر، قال: ثنا ابن حميد، قال: ثنا أبو الـحسن مولـى بنـي أسد، عن مكحول، عن قبـيصة بن ذؤيب الـخزاعي، عن أبـي عبـيدة بن الـجرّاح، قال: قلت يا رسول الله، أيّ الناس أشدّ عذابـا يوم القـيامة؟ قال:

                        رَجُلٌ قَتَلَ نَبِـيًّا، أوْ رَجُلٌ أمَرَ بـالـمُنْكَرِ وَنَهَى عَنِ الـمَعْرُوفِ " ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الَّذِينَ يَقْتُلُونَ النَّبِـيِّـينَ بِغَيْرِ حَقّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِـالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ» إلـى أن انتهى إلـى: { وَمَا لَهُم مّن نَّـاصِرِينَ }. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا أبـا عُبَـيْدَةَ قَتَلَتْ بَنُو إسْرَائِيـلَ ثَلاَثَةً وَأرْبَعِينَ نَبِـيًّا مِنْ أَوَّلِ النَّهارِ فِـي سَاعَةٍ وَاحِدَةً، فَقَامَ مِائَةُ رَجُلٍ وَاثْنَا عَشَرَ رَجُلاً مِنْ عُبَّـادِ بَنِـي إسْرَائِيـلَ، فأمَرُوا مَنْ قَتَلَهُمْ بِـالـمَعْرُوفِ وَنَهَوْهُمْ عَنِ الـمُنْكَرِ فَقُتِلُوا جَمِيعاً مِنْ آخِرِ النَّهَارِ فِـي ذَلِكَ الـيَوْمِ، وَهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ "

                        تعليق

                        • اسامة محمد خيري
                          Registered User
                          • Dec 2008
                          • 12975

                          #117
                          حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج قوله: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِنَ الْكِتَـابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَـابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ } قال: كان أهل الكتاب يدعون إلـى كتاب الله لـيحكم بـينهم بـالـحقّ يكون وفـي الـحدود، وكان النبـيّ صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلـى الإسلام، فـيتولون عن ذلك.

                          وأولـى الأقوال فـي تأويـل ذلك عندي بـالصواب أن يقال: إن الله جل ثناؤه أخبر عن طائفة من الـيهود الذين كانوا بـين ظهرانـي مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم فـي عهده، مـمن قد أوتـي علـماً بـالتوراة أنهم دعوا إلـى كتاب الله الذي كانوا يقرّون أنه من عند الله وهو فـي التوراة فـي بعض ما تنازعوا فـيه هم ورسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد يجوز أن يكون تنازعهم الذي كانوا تنازعوا فـيه ثم دعوا إلـى حكم التوراة فـيه، فـامتنعوا من الإجابة إلـيه، كان أمر مـحمد صلى الله عليه وسلم وأمر نبوّته. ويجوز أن يكون ذلك كان أمر إبراهيـم خـلـيـل الرحمن ودينه. ويجوز أن يكون ذلك ما دعوا إلـيه من أمر الإسلام، والإقرار به. ويجوز أن يكون ذلك كان فـي حدّ، فإن كل ذلك مـما قد كانوا نازعوا فـيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعاهم فـيه إلـى حكم التوراة، فأبى الإجابة فـيه، وكتـمه بعضهم. ولا دلالة فـي الآية علـى أن ذلك كان مـمن أبى، فـيجوز أن يقال: هو هذا دون هذا. ولا حاجة بنا إلـى معرفة ذلك، لأن الـمعنى الذي دعوا إلـيه جملته هو مـما كان فرضاً علـيهم الإجابة إلـيه فـي دينهم، فـامتنعوا منه. فأخبر الله جل ثناؤه عنهم بردّتهم وتكذيبهم بـما فـي كتابهم وجحودهم، ما قد أخذ علـيهم عهودهم ومواثـيقهم بإقامته والعمل به، فلن يعدوا أن يكونوا فـي تكذيبهم مـحمداً وما جاء به من الـحقّ مثلُهم فـي تكذيبهم موسى وما جاء به، وهم يتولونه ويقرّون به.....

                          وأولـى التأويلات التـي ذكرناها فـي هذه الآية بـالصواب تأويـل من قال: يخرج الإنسان الـحيّ والأنعام والبهائم الأحياء من النطف الـميتة، وذلك إخراج الـحيّ من الـميت، ويخرج النطفة الـميتة من الإنسان الـحيّ والأنعام والبهائم الأحياء، وذلك إخراج الـميت من الـحيّ، وذلك أن كل حيّ فـارقه شيء من جسده، فذلك الذي فـارقه منه ميت، فـالنطفة ميتة لـمفـارقتها جسد من خرجت منه، ثم ينشىء الله منها إنساناً حياً وبهائم وأنعاماً أحياء، وكذلك حكم كل شيء حيّ زايـله شيء منه، فـالذي زايـله منه ميت، وذلك هو نظير قوله:
                          { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِظ±للَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَظ°تاً فَأَحْيَظ°كُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ }
                          [البقرة: 28].

                          وأما تأويـل من تأوّله بـمعنى الـحبة من السنبلة، والسنبلة من الـحبة، والبـيضة من الدجاجة، والدجاجة من البـيضة، والـمؤمن من الكافر، والكافر من الـمؤمن، فإن ذلك وإن كان له وجه مفهوم، فلـيس ذلك الأغلب الظاهر فـي استعمال الناس فـي الكلام، وتوجيه معانـي كتاب الله عزّ وجلّ إلـى الظاهر الـمستعمل فـي الناس، أولـى من توجيهها إلـى الـخفـيّ القلـيـل فـي الاستعمال.

                          واختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته جماعة منهم: { تُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الْحَيّ } بـالتشديد وتثقـيـل الـياء من الـميت، بـمعنى أنه يخرج الشيء الـحيّ من الشيء الذي قد مات، ومـما لـم يـمت. وقرأت جماعة أخرى منهم: «تُـخْرِجُ الـحَيَّ مِنَ الـمَيْتِ وَتُـخْرِجُ الْـمَيْتَ مِنَ الـحَيّ» بتـخفـيف الـياء من الـميت. بـمعنى أنه يخرج الشيء الـحيّ من الشيء الذي قد مات دون الشيء الذي لـم يـمت، وتـخرج الشيء الـميت دون الشيء الذي لـم يـمت من الشيء الـحيّ، وذلك أن الـميت مثقل الـياء عند العرب ما لـم يـمت وسيـموت وما قد مات. وأما الـميْت مخففـاً: فهو الذي قد مات، فإذا أرادوا النعت قالوا: إنك مائت غداً وإنهم مائتون، وكذلك كل ما لـم يكن بعد، فإنه يخرج علـى هذا الـمثال الاسم منه، يقال: هو الـجائد بنفسه والطائبة نفسه بذلك، وإذا أريد معنى الاسم قـيـل: هو الـجواد بنفسه والطيبة نفسه. فإذا كان ذلك كذلك، فأولـى القراءتـين فـي هذه الآية بـالصواب قراءة من شّدد الـياء من الـميِّت، لأن الله جلّ ثناؤه يخرج الـحيّ من النطفة التـي قد فـارقت الرجل، فصارت ميتة، وسيخرجه منها بعد أن تفـارقه وهي فـي صلب الرجل، ويخرج الـميت من الـحيّ، النطفة التـي تصير بخروجها من الرجل الـحيّ ميتاً، وهي قبل خروجها منه حية، فـالتشديد أبلغ فـي الـمدح أكمل فـي الثناء.

                          تعليق

                          • اسامة محمد خيري
                            Registered User
                            • Dec 2008
                            • 12975

                            #118
                            فـالأغلب من معانـي هذا الكلام: إلا أن تـخافوا منهم مخافة. فـالتقـية التـي ذكرها الله فـي هذه الآية إنـما هي تقـية من الكفـار، لا من غيرهم، ووجهه قتادة إلـى أن تأويـله: إلا أن تتقوا الله من أجل القرابة التـي بـينكم وبينهم تقاة، فتصلون رحمها. ولـيس ذلك الغالب علـى معنى الكلام والتأويـل فـي القرآن علـى الأغلب الظاهر من معروف كلام العرب الـمستعمل فيهم.

                            وقد اختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: { إِلا أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَـظ°ةً } فقرأ ذلك عامة قراء الأمصار: { إِلا أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَـظ°ةً } علـى تقدير فعلة مثل تـخمة وتؤدة وتكأة من اتقـيت، وقرأ ذلك آخرون: «إلاَّ أنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تَقِـيَّةً» علـى مثال فعيـلة.

                            والقراءة التـي هي القراءة عندنا، قراءة من قرأها: { إِلا أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَـظ°ةً } لثبوت حجة ذلك بأنه القراءة الصحيحة، بـالنقل الـمستفـيض الذي يـمتنع منه الـخطأ.

                            تعليق

                            • اسامة محمد خيري
                              Registered User
                              • Dec 2008
                              • 12975

                              #119
                              قال أبو جعفر: وأولـى القولـين بتأويـل الآية، قول مـحمد بن جعفر بن الزبـير، لأنه لـم يجز لغير وفد نـجران فـي هذه السورة، ولا قبل هذه الآية ذكر قوم ادّعوا أنهم يحبون الله، ولا أنهم يعظمونه، فـيكون قوله: { إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ظ±للَّهَ فَظ±تَّبِعُونِى } جوابـاً لقولهم علـى ما قاله الـحسن.

                              وأما ما روى الـحسن فـي ذلك مـما قد ذكرناه، فلا خبر به عندنا يصحّ، فـيجوز أن يقال: إن ذلك كذلك، وإن لـم يكن فـي السورة دلالة علـى أنه كما قال إلا أن يكون الـحسن أراد بـالقوم الذين ذكر أنهم قالوا ذلك علـى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد نـجران من النصارى، فـيكون ذلك من قوله نظير إخبـارنا، فإذا لـم يكن بذلك خبر علـى ما قلنا، ولا فـي الآية دلـيـل علـى ما وصفنا، فأولـى الأمور بنا أن نلـحق تأويـله بـالذي علـيه الدلالة من آي السورة، وذلك هو ما وصفنا، لأن ما قبل هذه الآية من مبتدإ هذه السورة وما بعدها خبر عنهم، واحتـجاج من الله لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم، ودلـيـل علـى بطول قولهم فـي الـمسيح، فـالواجب أن تكون هي أيضا مصروفة الـمعنى إلـى نـحو ما قبلها، ومعنى ما بعدها.

                              فإذ كان الأمر علـى ما وصفنا، فتأويـل الآية: قل يا مـحمد للوفد من نصارى نـجران: إن كنتـم تزعمون أنكم تـحبون الله، وأنكم تعظمون الـمسيح وتقولون فـيه ما تقولون، حبـاً منكم ربكم، فحققوا قولكم الذي تقولونه، إن كنتـم صادقـين بـاتبـاعكم إياي، فإنكم تعلـمون أنـي لله رسول إلـيكم، كما كان عيسى رسولاً إلـى من أرسل إلـيه، فإنه إن اتبعتـمونـي وصدقتـمونـي علـى ما أتـيتكم به من عند الله، يغفر لكم ذنوبكم، فـيصفح لكم عن العقوبة علـيها ويعفو لكم عما مضى منها، فإنه غفور لذنوب عبـاده الـمؤمنـين رحيـم بهم وبغيرهم من خـلقه.

                              تعليق

                              • اسامة محمد خيري
                                Registered User
                                • Dec 2008
                                • 12975

                                #120
                                واختلف القراء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة القراء: { وَضَعَتْ } خبراً من الله عزّ وجلّ عن نفسه أنه العالـم بـما وضعت من غير قـيـلها: { رَبِّ إِنِّى وَضَعْتُهَا أُنثَىظ° }. وقرأ ذلك بعض الـمتقدمين: «وَاللَّهُ أعْلَـمُ بِـمَا وَضَعْتُ» علـى وجه الـخبر بذلك عن أمّ مريـم أنها هي القائلة، والله أعلـم بـما ولدتُ منـي.

                                وأولـى القراءتـين بـالصواب ما نقلته الـحجة مستفـيضة فـيها قراءته بـينها لا يتدافعون صحتها، وذلك قراءة من قرأ: { وَظ±للَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ } ولا يعترض بـالشاذ عنها علـيها.

                                فتأويـل الكلام إذاً: والله أعلـم من كل خـلقه بـما وضعت. ثم رجع جلّ ذكره إلـى الـخبر عن قولها، وأنها قالت اعتذارا إلـى ربها مـما كانت نذرت فـي حملها فحرّرته لـخدمة ربها: { وَلَيْسَ ظ±لذَّكَرُ كَظ±لأُنثَىظ° } لأن الذكر أقوى علـى الـخدمة وأقوم بها، وأن الأنثى لا تصلـح فـي بعض الأحوال لدخول القدْس والقـيام بخدمة الكنـيسة لـما يعتريها من الـحيض والنفـاس { وَإِنّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ }. كما:

                                حدثنـي ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن مـحمد بن جعفر بن الزبـير: { فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبّ إِنّى وَضَعْتُهَا أُنثَىظ° وَظ±للَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ ظ±لذَّكَرُ كَظ±لأُنثَىظ° } أي لـما جعلتها له مـحرّرة نذيرة

                                حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: أن امرأة عمران ظنت أن ما فـي بطنها غلام، فوهبته لله، فلـما وضعت إذا هي جارية، فقالت تعتذر إلـى الله: { رَبِّ إِنِّى وَضَعْتُهَا أُنثَىظ° وَلَيْسَ ظ±لذَّكَرُ كَظ±لأُنثَىظ° } تقول: إنـما يحرّر الغلـمان. يقول الله: { وَظ±للَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ } ، فقالت: { إِنِّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ }.

                                تعليق

                                يعمل...