إرشاد النحرير لترجيحات الامام ابن جرير

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • اسامة محمد خيري
    Registered User
    • Dec 2008
    • 12975

    #616
    حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: { ثانِـيَ عِطْفِهِ عَنْ سَبِـيـلِ الله } قال: لاوياً رأسه، معرضاً مولـياً، لا يريد أن يسمع ما قـيـل له. وقرأ:
    { وَإذَا قِـيـلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ ورأيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ وَإذَا تُتْلَـى عَلَـيْهِ آياتُنا وَلَّـى مُسْتَكْبِراً }
    حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، قوله: { ثانِـيَ عِطْفِهِ } قال: يعرض عن الـحقّ.

    قال أبو جعفر: وهذه الأقوال الثلاثة متقاربـات الـمعنى وذلك أن من كان ذا استكبـار فمن شأنه الإعراضُ عما هو مستكبر عنه ولَـيُّ عنقه عنه والإعراض.

    والصواب من القول فـي ذلك أن يقال: إن الله وصف هذا الـمخاصم فـي الله بغير علـم أنه من كبره إذا دُعي إلـى الله أعرض عن داعيه لوى عنقه عنه ولـم يسمع ما يقال له استكبـاراً....

    تعليق

    • اسامة محمد خيري
      Registered User
      • Dec 2008
      • 12975

      #617
      يقول تعالى ذكره: يدعو هذا الـمنقلب علـى وجهه من إن أصابته فتنة آلهة لضرّها فـي الآخرة له، أقرب وأسرع إلـيه من نفعها. وذكر أن ابن مسعود كان يقرؤه: «يدعو مَنْ ضَرّه أقرب من نفعه».

      واختلف أهل العربـية فـي موضع «مَنْ»، فكان بعض نـحوِّيـي البصرة يقول: موضعه نصب بـ «يدعو»، ويقول: معناه: يدعو لآلهة ضرّها أقرب من نفعها، ويقول: هو شاذّ لأنه لـم يوجد فـي الكلام: يدعو لزيداً. وكان بعض نـحويِّـي الكوفة يقول: اللام من صلة «ما» بعد «مَنْ» كأن معنى الكلام عنده: يدعو من لَضَرّه أقرب من نفعه وحُكي عن العرب سماعاً منها: عندي لَـمَا غيرُه خير منه، بـمعنى: عندي ما لغيره خير منه وأعطيتك لـما غيرُه خير منه، بـمعنى: ما لغيره خير منه. وقال: جائز فـي كلّ ما لـم يتبـين فـيه الإعراب الاعتراض بـاللام دون الاسم.

      وقال آخرون منهم: جائز أن يكون معنى ذلك: هو الضلال البعيد يدعو فـيكون «يدعو» صلة «الضلال البعيد»، وتضمر فـي «يدعو» الهاء ثم تستأنف الكلام بـاللام، فتقول لـمن ضرّه أقرب من نفعه: لبئس الـمولـى كقولك فـي الكلام فـي مذهب الـجزاء: لَـمَا فَعَلْتَ لَهُو خَيْر لك. فعلـى هذا القول «من» فـي موضع رفع بـالهاء فـي قوله «ضَرُّه»، لأن «مَنْ» إذا كانت جزاء فإنـما يعربها ما بعدها، واللام الثانـية فـي «لبئس الـمولـى» جواب اللام الأولـى. وهذا القول الآخر علـى مذهب العربـية أصحّ، والأوّل إلـى مذهب أهل التأويـل أقرب.

      تعليق

      • اسامة محمد خيري
        Registered User
        • Dec 2008
        • 12975

        #618
        حدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن علـية، قال: أخبرنا أبو رجاء، قال: سُئل عكرِمة عن قوله: { فَلْـيَـمْدُدْ بِسَبَبٍ إلـى السَّماءِ } قال: سماء البـيت. { ثُمَّ لْـيَثقْطَعْ } قال: يختنق..

        وأولـى ذلك بـالصواب عندي فـي تأويـل ذلك قول من قال: الهاء من ذكر نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم ودينه وذلك أن الله تعالـى ذكره ذكر قوماً يعبدونه علـى حرف وأنهم يطمئنون بـالدين إن أصابوا خيرا فـي عبـادتهم إياه وأنهم يرتدّون عن دينهم لشدّة تصيبهم فـيها، ثم أتبع ذلك هذه الآية فمعلوم أنه إنـما أتبعه إياها توبـيخاً لهم علـى ارتدادهم عن الدين أو علـى شكهم فـيه نفـاقهم، استبطاء منهم السعة فـي العيش أو السبوغ فـي الرزق. وإذا كان الواجب أن يكون ذلك عقـيب الـخبر عن نفـاقهم، فمعنى الكلام إذن إذ كان ذلك كذلك: من كان يحسب أن لن يرزق الله مـحمداً صلى الله عليه وسلم وأمته فـي الدنـيا فـيوسع علـيهم من فضله فـيها، ويرزقهم فـي الآخرة من سَنـيّ عطاياه وكرامته، استبطاء منه فعل الله ذلك به وبهم، فلـيـمدد بحبل إلـى سماء فوقه: إما سقـف بـيت، أو غيره مـما يعلق به السبب من فوقه، ثم يختنق إذا اغتاظ من بعض ما قضى الله فـاستعجل انكشاف ذلك عنه، فلـينظر هل يذهبنّ كيده اختناقه كذلك ما يغيظ؟ فإن لـم يذهب ذلك غيظه، حتـى يأتـي الله بـالفرج من عنده فـيذهبه، فكذلك استعجاله نصر الله مـحمداً ودينه لن يُؤَخِّر ما قضى الله له من ذلك عن ميقاته ولا يعجَّل قبل حينه. وقد ذكر أن هذه الآية نزلت فـي أسد وغطفـان، تبـاطئوا عن الإسلام، وقالوا: نـخاف أن لا يُنصر مـحمد صلى الله عليه وسلم فـينقطع الذي بـيننا وبـين حلفـائنا من الـيهود فلا يـميروننا ولا يُرَوُّوننا فقال الله تبـارك وتعالـى لهم: من استعجل من الله نصر مـحمد، فلـيـمدد بسبب إلـى السماء فلـيختنق فلـينظر استعجاله بذلك فـي نفسه هل هو مُذْهِبٌ غيظه؟ فكذلك استعجاله من الله نصر مـحمد غير مقدّم نصره قبل حينه....

        تعليق

        • اسامة محمد خيري
          Registered User
          • Dec 2008
          • 12975

          #619
          حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد: { وكَثِـيرٌ حَقَّ عَلَـيْهِ العَذَابُ } وهو يسجد مع ظله.

          فعلـى هذا التأويـل الذي ذكرناه عن مـجاهد، وقع قوله: { وكَثِـيرٌ حَقَّ عَلَـيْهِ العَذَابُ } بـالعطف علـى قوله: { وكَثِـيرٌ مِنَ النَّاسِ } ويكون داخلاً فـي عداد من وصفه الله بـالسجود له، ويكون قوله: { حَقَّ عَلَـيْهِ العَذَابُ } من صلة «كثـير»، ولو كان «الكثـير» الثانـي مـمن لـم يدخـل فـي عداد من وصفه بـالسجود كان مرفوعا بـالعائد من ذكره فـي قوله: حَقَّ عَلَـيْهِ العَذَابُ وكان معنى الكلام حينئذٍ: وكثـير أبى السجود، لأن قوله: { حَقَّ عَلَـيْهِ العَذَابُ } يدلّ علـى معصية الله وإبـائه السجود، فـاستـحقّ بذلك العذاب.

          تعليق

          • اسامة محمد خيري
            Registered User
            • Dec 2008
            • 12975

            #620
            وقال آخرون: الـخصمان اللذان ذكرهما الله في هذه الآية: الـجنة والنار. ذكر من قال ذلك:

            حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا أبو تـميـلة، عن أبـي حمزة، عن جابر، عن عكرِمة: { هَذَانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِـي رَبِّهِمْ } قال: هما الـجنة والنار اختصمتا، فقالت النار: خـلقنـي الله لعقوبته وقالت الـجنة: خـلقنـي الله لرحمته فقد قصّ الله علـيك من خبرهما ما تسمع.

            وأولـى هذه الأقوال عندي بـالصواب وأشبهها بتأويـل الآية، قول من قال: عُنـي بـالـخصمين جميع الكفـار من أيّ أصناف الكفر كانوا وجميع الـمؤمنـين. وإنـما قلت ذلك أولـى بـالصواب، لأنه تعالـى ذكره ذكر قبل ذلك صنفـين من خـلقه: أحدهما أهل طاعة له بـالسجود له، والآخر: أهل معصية له، قد حقّ علـيه العذاب، فقال:
            { ألَـمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِـي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِـي الأرْضِ والشَّمْسُ والقَمَرُ }
            ثم قال:
            { وكَثِـيرٌ مِنَ النَّاسِ وكَثِـيرٌ حَقَّ عَلَـيْهِ العَذَابُ }
            ثم أتبع ذلك صفة الصنفين كليهما وما هو فـاعل بهما، فقال: { فالذين كَفرُوا قُطِّعتْ لهُمْ ثـيابٌ منْ نارٍ } وقال الله:
            { إنَّ اللَّهَ يُدْخِـلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعمِلُوا الصَّالِـحاتِ جَنَّاتٍ تَـجْرِي مِنْ تَـحْتِها الأنهارُ }
            فكان بـيِّناً بذلك أن ما بـين ذلك خبر عنهما.

            فإن قال قائل: فما أنت قائل فـيـما رُوي عن أبـي ذرّ فـي قوله: إنَّ ذَلكَ نزل فـي الذين بـارزوا يوم بدر؟ قـيـل: ذلك إن شاء الله كما رُوي عنه ولكن الآية قد تنزل بسبب من الأسبـاب، ثم تكون عامة فـي كل ما كان نظير ذلك السبب.


            وهذه من تلك، وذلك أن الذين تبـارزوا إنـما كان أحد الفريقـين أهل شرك وكفر بـالله، والآخر أهل إيـمان بـالله وطاعة له، فكل كافر فـي حكم فريق الشرك منهما فـي أنه لأهل الإيـمان خصم، وكذلك كل مؤمن فـي حكم فريق الإيـمان منهما فـي أنه لأهل الشرك خصم.

            فتأويـل الكلام: هذان خصمان اختصموا فـي دين ربهم، واختصامهم فـي ذلك معاداة كل فريق منهما الفريق الآخر ومـحاربته إياه علـى دينه...


            وكان بعضهم يزعم أن قوله: { ولَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ } من الـمؤخَّر الذي معناه التقديـم، ويقول: وجه الكلام: فـالذين كفروا قطعت لهم ثـياب من نار ولهم مقامع من حديد يصبّ من فوق رؤسهم الـحميـم ويقول: إنـما وجب أن يكون ذلك كذلك، لأن الـملك يضربه بـالـمقمع من الـحديد حتـى يثقب رأسه، ثم يصبّ فـيه الـحميـم الذي انتهى حرّه فـيقطع بطنه. والـخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ذكرنا، يدلّ علـى خلاف ما قال هذا القائل وذلك أنه صلى الله عليه وسلم أخبر أن الـحميـم إذا صبّ علـى رؤسهم نفذ الـجمـجمة حتـى يخـلص إلـى أجوافهم، وبذلك جاء تأويـل أهل التأويـل، ولو كانت الـمقامع قد تثقب رؤوسهم قبل صبّ الـحميـم علـيها، لـم يكن لقوله صلى الله عليه وسلم:


            " إنَّ الـحَميـمَ يَنْفُذُ الـجُمْـجُمَةَ " معنى ولكن الأمر فـي ذلك بخلاف ما قال هذا القائل..

            تعليق

            • اسامة محمد خيري
              Registered User
              • Dec 2008
              • 12975

              #621
              سَوَاءً العاكِفُ فِـيهِ والبـادِ } يقول: معتدل فـي الواجب علـيه من تعظيـم حرمة الـمسجد الـحرام، وقضاء نسكه به، والنزول فـيه حيث شاء العاكف فـيه، وهو الـمقـيـم به والبـاد: وهو الـمنتاب إلـيه من غيره....

              وإنـما اخترنا القول الذي اخترنا فـي ذلك لأن الله تعالـى ذكره ذكر فـي أوّل الآية صدّ من كفر به من أراد من الـمؤمنـين قضاء نسكه فـي الـحرم عن الـمسجد الـحرام، فقال: { إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِـيـلِ اللَّهِ وَالـمَسْجِدِ الـحَرَامِ } ثم ذكر جلّ ثناؤه صفة الـمسجد الـحرام، فقال: { الَّذِي جَعَلْناهُ للنَّاسِ } فأخبر جلّ ثناؤه أنه جعله للناس كلهم، فـالكافرون به يـمنعون من أراده من الـمؤمنـين به عنه. ثم قال: { سَوَاءً العاكِفُ فِـيهِ وَالبْـادِ } فكان معلوماً أن خبره عن استواء العاكف فـيه والبـاد، إنـما هو فـي الـمعنى الذي ابتدأ الله الـخبر عن الكفـار أنهم صدّوا عنه الـمؤمنـين به وذلك لا شكّ طوافهم وقضاء مناسكهم به والـمقام، لا الـخبر عن ملكهم إياه وغير ملكهم. وقـيـل: { إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِـيـلِ اللَّهِ } فعطف ب «يصدّون» وهو مستقبل علـى «كفروا» وهو ماض، لأن الصدّ بـمعنى الصفة لهم والدوام. وإذا كان ذلك معنى الكلام، لـم يكن إلا بلفظ الاسم أو الاستقبـال، ولا يكون بلفظ الـماضي. وإذا كان ذلك كذلك، فمعنى الكلام: إن الذين كفروا من صفتهم الصدّ عن سبـيـل الله، وذلك نظير قول الله: { الَّذِين آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوُبهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ }. وأما قوله: { سَوَاءٌ العاكِفُ فِـيهِ } فإن قرّاء الأمصار علـى رفع «سواءٌ» ب «العاكف، و«العاكف» به، وإعمال «جعلناه» فـي الهاء الـمتصلة به، واللام التـي فـي قوله «للناس»، ثم استأنف الكلام ب «سواءٌ» وكذلك تفعل العرب ب «سواء» إذا جاءت بعد حرف قد تـمّ الكلام به، فتقول: مررت برجل سواء عنده الـخير والشرّ، وقد يجوز فـي ذلك الـخفض. وإنـما يختار الرفع فـي ذلك لأن «سواء» فـي مذهب واحد عندهم، فكأنهم قالوا: مررت برجل واحدٍ عنده الـخير والشرّ. وأما من خفضه فإنه يوجهه إلـى معتدل عنده الـخير والشرّ، ومن قال ذلك فـي سواء فـاستأنف به ورفع لـم يقله فـي «معتدل»، لأن «معتدل» فعل مصرّح، وسواء مصدر فـاخراجهم إياه إلـى الفعل كاخراجهم حسب فـي قولهم: مررت برجل حسبك من رجل إلـى الفعل. وقد ذُكر عن بعض القرّاء أنه قرأه: { سواءً } نصبـا علـى إعمال «جعلناه» فـيه، وذلك وإن كان له وجه فـي العربـية، فقراءة لا أستـجيز القراءة بها لإجماع الـحجة من القرّاء علـى خلافه.

              ...

              قال أبو جعفر: وأولـى الأقوال التـي ذكرناها فـي تأويـل ذلك بـالصواب القول الذي ذكرناه عن ابن مسعود وابن عبـاس، من أنه معنـيّ بـالظلـم فـي هذا الـموضع كلّ معصية لله وذلك أن الله عمّ بقوله: { وَمَنْ يُرِدْ فِـيهِ بإلـحْادٍ بِظُلْـمٍ } ولـم يخصص به ظلـم دون ظلـم فـي خبر ولا عقل، فهو علـى عمومه. فإذا كان ذلك كذلك، فتأويـل الكلام: ومن يرد فـي الـمسجد الـحرام بأن يـميـل بظلـم، فـيعصى الله فـيه، نذقه يوم القـيامة من عذاب موجع له. وقد ذُكر عن بعض القرّاء أنه كان يقرأ ذلك: «وَمَنْ يَرِدْ فِـيهِ» بفتـح الـياء، بـمعنى: ومن يَرِدْه بإلـحاد من وَرَدْت الـمكان أَرِدْه. وذلك قراءة لا تـجوز القراءة عندي بها لـخلافها ما علـيه الـحجة من القرّاء مـجمعة مع بعدها من فصيح كلام العرب. وذلك أنَّ «يَرِدْ» فعل واقع، يقال منه: هو يَرِد مكان كذا أو بلدة كذا غداً، ولا يقال: يَرِدُ فـي مكان كذا. وقد زعم بعض أهل الـمعرفة بكلام العرب أن طَيِّئا تقول: رغبت فـيك، تريد: رغبت بك، وذكر أن بعضهم أنشده بـيتاً:
              وأرْغَبُ فِـيها عَنْ لَقِـيطٍ وَرَهْطِهِ وَلَكِنَّنِـي عَنْ سِنْبِسٍ لَسْتُ أرْغَبُ
              بـمعنى: وأرغب بها. فإن كان ذلك صحيحاً كما ذكرنا، فإنه يجوز فـي الكلام، فأما القراءة به غير جائزة لِـما وصفت.

              تعليق

              • اسامة محمد خيري
                Registered User
                • Dec 2008
                • 12975

                #622
                حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يـمان، عن سفـيان، عن جابر، عن أبـي جعفر: { لِـيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ } قال: العفو.

                حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي أبو تُـمَيـلة، عن أبـي حمزة، عن جابر، قال: قال مـحمد بن علـيّ: مغفرة.

                وأولـى الأقوال بـالصواب قول من قال: عنـي بذلك: لـيشهدوا منافع لهم من العمل الذي يرضي الله والتـجارة وذلك أن الله عمّ منافع لهم جميع ما يَشْهَد له الـموسم ويأتـي له مكة أيام الـموسم من منافع الدنـيا والآخرة، ولـم يخصص من ذلك شيئاً من منافعهم بخبر ولا عقل، فذلك علـى العموم فـي الـمنافع التـي وصفت...

                قال أبو جعفر: ولكا هذه الأقوال التـي ذكرناها عمن ذكرناها عنه فـي قوله: البَـيْتِ العَتِـيقِ وجه صحيح، غير أن الذي قاله ابن زيد أغلب معانـيه علـيه فـي الظاهر. غير أن الذي رُوي عن ابن الزبـير أولـى بـالصحة، إن كان ما:

                حدثنـي به مـحمد بن سهل البخاري، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: أخبرنـي اللـيث، عن عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، عن الزهريّ، عن مـحمد بن عروة، عن عبد الله بن الزبـير، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنَّمَا سُمّيَ البَيْتُ العَتِيقُ لأنَّ اللَّهَ أعْتَقَهُ مِنَ الـجَبـابِرَةِ فَلَـمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ قَطُّ صحيحاً "

                حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، قال الزهريّ: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إنَّـمَا سُمّيَ البَـيْتُ العَتِـيقُ لأَنَّ اللَّهَ أعْتَقَهُ " ثم ذكر مثله....

                تعليق

                • اسامة محمد خيري
                  Registered User
                  • Dec 2008
                  • 12975

                  #623
                  فإن قال قائل: وهل من الأوثان ما لـيس برجس حتـى قـيـل: فـاجتنبوا الرجس منها؟ قيل: كلها رجس. ولـيس الـمعنى ما ذهبت إليه فـي ذلك، وإنـما معنى الكلام: فـاجتنبوا الرجس الذي يكون من الأوثان أي عبـادتها، فـالذي أمر جلّ ثناؤه بقوله: { فاجْتَنِبُوا الرّجْسَ } منها اتقاء عبادتها، وتلك العبادة هي الرجس علـى ما قاله ابن عبـاس ومن ذكرنا قوله قبل.

                  قال السمين

                  قوله: { مِنَ ظ±لأَوْثَانِ } في " مِنْ " ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: أنها لبيانِ الجنسِ، وهو مشهورُ قول المُعْرِبين، ويَتَقَدَّرُ بقولك: الرِّجْسُ الذي هو الأوثان. وقد تقدَّم أنَّ شرطَ كونِها بيانيةً ذلك. وتجيءُ مواضعُ كثيرةٌ لا يتأتَّىظ° فيها ذلك ولا بعضُه. والثاني: أنَّها لابتداءِ الغايةِ. وقد خَلَط أبو البقاء القولين فجَعَلَهما قولاً واحداً فقال: " ومِنْ لبيانِ الجنسٍ أي: اجْتَنِبوا الرجسَ من هذا القبيل، وهو بمعنى ابتداء الغاية ههنا " يعني أنه في المعنى يَؤُول إلى ذلِك، ولا يَؤُول إليه البتةَ. الثالث: أنها للتبعيض. وقد غَلَّط ابنُ عطية القائلَ بكونِها للتبعيضِ، فقال: " ومَنْ قال: إن " مِنْ " للتبعيض قَلَبَ معنى الآيةِ فأفسده " وقد يُمْكِنُ التبعيضُ فيها: بأَنْ يَعْني بالرِّجْسِ عبادة الأوثانِ. وبه قال ابنُ عباس وابنُ جريج، فكأنه قال: فاجْتَنِبوا من الأوثانِ الرِّجسَ وهو العبادةُ؛ لأنَّ المُحَرَّمَ من الأوثان إنما هو العبادةُ, ألا ترىظ° أنه قد يُتَصَوَّرُ استعمالُ الوثَنِ في بناءٍ وغيرِه ممَّا لم يُحَرِِّمِ الشرعُ استعمالَه، وللوَثَنِ جهاتٌ منها عبادتُها، وهي بعض جهاتِها. قاله الشيخ. وهو تأويلٌ بعيدٌ.

                  تعليق

                  • اسامة محمد خيري
                    Registered User
                    • Dec 2008
                    • 12975

                    #624
                    حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: { وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ } قال: الشعائر: الـجمار، والصفـا والـمروة من شعائر الله، والـمَشْعَر الـحرام والـمزدلفة، قال: والشعائر تدخـل فـي الـحرم، هي شعائر، وهي حرم.

                    وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب: أن يقال: إن الله تعالـى ذكره أخبر أن تعظيـم شعائره، وهي ما جعله أعلاماً لـخـلقه فـيـما تعبّدهم به من مناسك حجهم، من الأماكن التـي أمرهم بأداء ما افترض علـيهم منها عندها والأعمال التـي ألزمهم عملها فـي حجهم: من تقوى قلوبهم لـم يخصص من ذلك شيئا، فتعظيـم كلّ ذلك من تقوى القلوب، كما قال جلّ ثناؤه وحقّ علـى عبـاده الـمؤمنـين به تعظيـم جميع ذلك. وقال: { إنَّها مِنْ تَقْوَى القُلُوبِ } وأنَّث ولم يقل: «فإنه»، لأنه أريد بذلك. فإن تلك التعظيـمة مع اجتناب الرجس من الأوثان من تقوى القلوب، كما قال جلّ ثناؤه:
                    { إنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيـمٌ }
                    وعنـي بقوله: { فإنَّها مِنْ تَقْوَى القُلوبِ } فإنها من وجل القلوب من خشية الله، وحقـيقة معرفتها بعظمته وإخلاص توحيده....

                    قال أبو جعفر: وقد دللنا قبل علـى أن قول الله تعالـى ذكره: { وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ } معنـيٌّ به: كلّ ما كان من عمل أو مكان جعله الله علـماً لـمناسك حجّ خـلقه، إذ لـم يخصص من ذلك جلّ ثناؤه شيئاً فـي خبر ولا عقل. وإذ كان ذلك كذلك فمعلوم أن معنى قوله: { لَكُمْ فِـيها مَنافِعُ إلـى أجَلٍ مُسَمًّى } فـي هذه الشعائر منافع إلـى أجل مسمى، فما كان من هذه الشعائر بدناً وهدياً، فمنافعها لكم من حين تـملكون إلـى أن أوجبتـموها هدايا وبدناً، وما كان منها أماكن ينسك لله عندها، فمنافعها التـجارة لله عندها والعمل بـما أمر به إلـى الشخوص عنها، وما كان منها أوقاتاً بأن يُطاع الله فـيها بعمل أعمال الـحجّ وبطلب الـمعاش فـيها بـالتـجارة، إلـى أن يطاف بـالبـيت فـي بعض، أو يوافـى الـحرم فـي بعض ويخرج عن الـحرم فـي بعض.

                    وقال اختلف الذين ذكرنا اختلافهم فـي تأويـل قوله: { لَكُمْ فِـيها مَنافِعُ إلـى أجَلٍ مُسَمًّى } فـي تأويـل قوله: { ثُمَّ مَـحِلُّها إلـى البَـيْتِ العَتِـيقِ } فقال الذين قالوا عنـي بـالشعائر فـي هذا الـموضع البُدْن: معنى ذلك ثم مـحل البدن إلـى أن تبلغ مكة، وهي التـي بها البـيت العتـيق. ذكر من قال ذلك:

                    حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: أخبرنا هشيـم، قال: أخبرنا حجاج، عن عطاء: { ثُمَّ مَـحِلُّها إلـى البَـيْتِ العَتِـيقِ } إلـى مكة.

                    حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: { ثُمَّ مَـحِلُّها إلـى البَـيْتِ العَتِـيقِ } يعنـي مـحل البدن حين تسمى إلـى البـيت العتـيق.

                    حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جرَيج، عن مـجاهد، قال: { ثُمَّ مَـحِلُّها } حين تسمى هدياً { إلـى البـيت العتـيق } ، قال: الكعبة أعتقها من الـجبـابرة.

                    فوجه هؤلاء تأويـل ذلك إلـى ثَمَّ منـحر البدن والهدايا التـي أوجبتـموها إلـى أرض الـحرم.

                    وقالوا: عنـي بـالبـيت العتـيق أرض الـحرم كلها. وقالوا: وذلك نظير قوله: { فَلا يَقْرَبُوا الـمَسْجِدَ الـحَرَامَ } والـمراد: الـحرم كله.

                    وقال آخرون: معنى ذلك: ثم مـحلكم أيها الناس من مناسك حجكم إلـى البـيت العتـيق أن تطوفوا به يوم النـحر بعد قضائكم ما أوجبه الله علـيكم فـي حجكم. ذكر من قال ذلك:

                    حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا داود بن أبـي هند، عن مـحمد بن أبـي موسى: { ثُمَّ مَـحِلُّها إلـى البَـيْتِ العَتِـيقِ } قال: مـحلّ هذه الشعائر كلها الطواف بـالبـيت.

                    وقال آخرون: معنى ذلك: ثم مـحلّ منافع أيام الـحجّ إلـى البـيت العتـيق بـانقضائها. ذكر من قال ذلك:

                    حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: { ثُمَّ مَـحِلُّها إلـى البَـيْتِ العَتِـيقِ } حين تنقضي تلك الأيام، أيام الـحجّ إلـى البـيت العتـيق.

                    وأولـى هذه الأقوال عندي بـالصواب قول من قال: معنى ذلك: ثم مـحلّ الشعائر التـي لكم فـيها منافع إلـى أجل مسمى إلـى البـيت العتـيق، فما كان من ذلك هدياً أو بدناً فبـموافـاته الـحرم فـي الـحرم، وما كان من نُسُك فـالطواف بـالبـيت.

                    تعليق

                    • اسامة محمد خيري
                      Registered User
                      • Dec 2008
                      • 12975

                      #625
                      واختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الأمصار: { فـاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَـيْها صَوَافَّ } بمعنى مصطفة، واحدها: صافة، وقد صفت بـين أيديها. ورُوي عن الـحسن ومـجاهد وزيد بن أسلـم وجماعة أُخر معهم، أنهم قرءوا ذلك: «صَوَافِـيَ» بـالـياء منصوبة، بـمعنى: خالصة لله لا شريك له فـيها صافـية له. وقرأ بعضهم ذلك: «صَوَافٍ» بإسقاط الـياء وتنوين الـحرف، علـى مثال: عوارٍ وعوادٍ. ورُوي عن ابن مسعود أنه قرأه: «صَوَافِنٌ» بـمعنى: مُعْقلة.

                      والصواب من القراءة فـي ذلك عندي قراءة من قرأه بتشديد الفـاء ونصبها، لإجماع الـحجة من القرّاء علـيه بـالـمعنى الذي ذكرناه لـمن قرأه كذلك....

                      وأولـى هذه الأقوال بـالصواب قول من قال: عنـي بـالقانع: السائل لأنه لو كان الـمعنـيّ بـالقانع فـي هذا الـموضع الـمكتفـي بـما عنده والـمستغنـي به، لقـيـل: وأطعموا القانع والسائل، ولـم يقل: وأطعموا القانع والـمعترّ. وفـي إتبـاع ذلك قوله: والـمعترّ الدلـيـل الواضح علـى أن القانع معنـيّ به السائل، من قولهم: قنع فلان إلـى فلان، بـمعنى سأله وخضع إلـيه، فهو يقنع قنوعاً ومنه قول لبـيد:
                      وأعْطانِي المَوْلى عَلى حِينَ فَقْرِهِ إذَا قالَ أبْـصِرْ خَـلَّتِـي وَقُنُوعـي
                      وأما القانع الذي هو بـمعنى الـمكتفـي، فإنه من قَنِعْت به بكسر النون أقنع قناعة وقنعاً وقنعاناً. وأما الـمعترّ: فإنه الذي يأتـيك معترّاً بك لتعطيه وتطعمه.

                      تعليق

                      • اسامة محمد خيري
                        Registered User
                        • Dec 2008
                        • 12975

                        #626
                        وأولى الأقوال فـي ذلك بـالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أنه لولا دفـاعه الناس بعضهم ببعض، لهُدم ما ذكر، من دفعه تعالـى ذكره بعضَهم ببعض، كفِّه الـمشركين بـالـمسلـمين عن ذلك ومنه كفه ببعضهم التظالـم، كالسلطان الذي كفّ به رعيته عن التظالم بينهم ومنه كفُّه لـمن أجاز شهادته بـينهم ببعضهم عن الذهاب بحقّ من له قِبله حق، ونـحو ذلك. وكلّ ذلك دفع منه الناس بعضهم عن بعض، لولا ذلك لتظالـموا، فهدم القاهرون صوامع الـمقهورين وبـيَعهم وما سمّى جلّ ثناؤه. ولـم يضع الله تعالـى دلالة فـي عقل علـى أنه عنـي من ذلك بعضاً دون بعض، ولا جاء بأن ذلك كذلك خبر يجب التسلـيـم له، فذلك علـى الظاهر والعموم علـى ما قد بـيَّنته قبل لعموم ظاهر ذلك جميع ما ذكرنا...

                        واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: { لَهُدّمَتْ }. فقرأ ذلك عامة قرّاء الـمدينة: «لَهُدِمَتْ» خفـيفة. وقرأته عامة قرّاء أهل الكوفة والبصرة: { لَهُدّمَتْ } بـالتشديد بـمعنى تكرير الهدم فـيها مرّة بعد مرّة. والتشديد فـي ذلك أعجب القراءتـين إلـيّ. لأن ذلك من أفعال أهل الكفر بذلك...

                        وأولـى هذه الأقوال فـي ذلك بـالصواب قول من قال: معنى ذلك: لهدمت صوامع الرهبـان وبِـيعَ النصارى، وصلوات الـيهود، وهي كنائسهم، ومساجد الـمسلـمين التـي يذكر فـيها اسم الله كثـيراً.

                        وإنـما قلنا هذا القول أولـى بتأويـل ذلك لأن ذلك هو الـمعروف فـي كلام العرب الـمستفـيض فـيهم، وما خالفه من القول وإن كان له وجه فغير مستعمل فـيـما وجهه إلـيه مَنْ وجهه إلـيه.

                        تعليق

                        • اسامة محمد خيري
                          Registered User
                          • Dec 2008
                          • 12975

                          #627
                          حدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عُبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول، فـي قوله: { وَقَصْرٍ مَشِيدٍ } يقول: طويـل.

                          وأولـى القولـين فـي ذلك بـالصواب: قول من قال: عنـي بـالـمشيد الـمـجصَّص، وذلك أن الشيِّد فـي كلام العرب هو الـجصّ بعينه ومنه قول الراجز:
                          كحَبَّةِ الـمَاءِ بـينَ الطيّ والشِّيدِ
                          فـالـمشيد: إنـما هو مفعول من الشِّيد ومنه قول امرىء القـيس:
                          وتَـيْـماءَ لَـمْ يَتْرُكْ بِها جِذْعَ نَـخْـلَةٍ وَلا أُطُما إلاَّ مَشِيدا بِجَنْدَلِ
                          يعنـي بذلك: إلا بـالبناء بـالشيد والـجندل. وقد يجوز أن يكون معنـيًّا بـالـمشيد: الـمرفوع بناؤه بـالشِّيدِ، فـيكون الذين قالوا: عنـي بـالـمشيد الطويـل نَـحَوْا بذلك إلـى هذا التأويـل ومنه قول عديّ بن زيد:
                          شادَهُ مَرْمَرا وَجَلَّلَهُ كِلْ ساً فللطَّيْرِ فِـي ذُرَاهُ وُكُورُ
                          وقد تأوّله بعض أهل العلـم بلغات العرب بـمعنى الـمزين بـالشيد من شدته أشيده: إذا زيَّنته به، وذلك شبـيه بـمعنى من قال مُـجَصَّص.

                          تعليق

                          • اسامة محمد خيري
                            Registered User
                            • Dec 2008
                            • 12975

                            #628
                            وقال آخرون: معنى ذلك: وإن يوماً من الثقل وما يخاف كألف سنة.

                            والقول الثانـي عندي أشبه بـالـحقّ فـي ذلك وذلك أن الله تعالـى ذكره أخبر عن استعجال الـمشركين رسول الله صلى الله عليه وسلم بـالعذاب، ثم أخبر عن مبلغ قدر الـيوم عنده، ثم أتبع ذلك قوله:
                            { وكأيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أمْلَـيْتُ لَهَا وَهِيَ ظالِـمَةٌ }
                            فأخبر عن إملائه أهل القرية الظالـمة وتركه معاجلتهم بـالعذاب، فبـين بذلك أنه عنى بقوله: { وَإنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كألْفِ سَنَةٍ مِـمَّا تَعُدُّونَ } نفـي العجلة عن نفسه ووصفها بـالأناة والانتظار. وإذ كان ذلك كذلك، كان تأويـل الكلام: وإن يوما من الآيام التـي عند الله يوم القـيامة، يوم واحد كألف سنة من عددكم، ولـيس ذلك عنده ببعيد وهو عندكم بعيد فلذلك لا يعجل بعقوبة من أراد عقوبته حتـى يبلغ غاية مدّته....

                            والصواب من القول فـي ذلك أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان، قد قرأ بكل واحدة منهما علـماء من القرّاء، متقاربتا الـمعنى وذلك أن من عجز عن آيات الله فقد عاجز الله، ومن معاجزة الله التعجيز عن آيات الله والعمل بـمعاصيه وخلاف أمره. وكان من صفة القوم الذين أنزل الله هذه الآيات فـيهم أنهم كانوا يبطئون الناس عن الإيـمان بـالله واتبـاع رسوله ويغالبون رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحسبون أنهم يُعْجزونه ويغلبونه، وقد ضمن الله له نصره علـيهم، فكان ذلك معاجزتهم الله. فإذ كان ذلك كذلك، فبأيّ القراءتـين قرأ القارىء فمصيب الصواب فـي ذلك.

                            وأما الـمعاجزة فإنها الـمفـاعلة من العجز، ومعناه: مغالبة اثنـين أحدهما صاحبه أيهما يعجزه فـيغلبه الآخر ويقهره.

                            تعليق

                            • اسامة محمد خيري
                              Registered User
                              • Dec 2008
                              • 12975

                              #629
                              حُدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: { إلاَّ إذَا تَـمَنَّى } يعنـي بـالتـمنـي: التلاوة والقراءة.

                              وهذا القول أشبه بتأويـل الكلام، بدلالة قوله: { فَـيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُـلْقـي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ } علـى ذلك لأن الآيات التـي أخبر الله جلّ ثناؤه أنه يحكمها، لا شك أنها آيات تنزيـله، فمعلوم أن الذي ألقـي فـيه الشيطان هو ما أخبر الله تعالـى ذكره أنه نسخ ذلك منه وأبطله ثم أحكمه بنسخه ذلك منه.

                              فتأويـل الكلام إذن: وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبـيّ إلا إذا تلا كتاب الله، وقرأ، أو حدّث وتكلـم، وألقـى الشيطان فـي كتاب الله الذي تلاه وقرأه أو فـي حديثه الذي حدث وتكلـم. { فَـيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُـلْقِـي الشَّيْطانُ } يقول: تعالـى فـيذهب الله ما يـلقـي الشيطان من ذلك علـى لسان نبـيه ويبطله. كما:

                              حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس: { فَـيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُـلْقِـي الشَّيْطانُ } فـيبطل الله ما ألقـى الشيطان.

                              تعليق

                              • اسامة محمد خيري
                                Registered User
                                • Dec 2008
                                • 12975

                                #630
                                يقول تعالـى ذكره: ولا يزال الذين كفرا بـالله فـي شكّ.

                                ثم اختلف أهل التأويـل فـي الهاء التـي فـي قوله: «منه» من ذكر ما هي؟ فقال بعضهم: هي من ذكر قول النبـيّ صلى الله عليه وسلم: " تلك الغرانـيق العُلَـى، وإن شفـاعتهن لترتـجى " ذكر من قال ذلك:

                                حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مـحمد، قال: ثنا شعبة، عن أبـي بشر، عن سعيد بن جُبـير: { وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِـي مِرْيَةٍ مِنْهُ } من قوله: " تلك الغرانـيق العلـى، وإن شفـاعتهن ترتـجى "

                                حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: { وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِـي مِرْيَةٍ مِنْهُ } قال: مـما جاءك به إبلـيس لا يخرج من قلوبهم زادهم ضلالة.

                                وقال آخرون: بل هي من ذكر سجود النبـيّ صلى الله عليه وسلم فـي النـجم. ذكر من قال ذلك:

                                حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا عبد الصمد، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا أبو بشر، عن سعيد بن جُبـير: { وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِـي مِرْيَةٍ مِنْهُ } قال: فـي مِرْية من سجودك.

                                وقال آخرون: بل هي من ذكر القرآن. ذكر من قال ذلك:

                                حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج: { وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِـي مِرْيَةٍ مِنْهُ } قال: من القرآن.

                                وأولـى هذه الأقوال فـي ذلك بـالصواب، قول من قال: هي كناية من ذكر القرآن الذي أحكم الله آياته وذلك أن ذلك من ذكر قوله:
                                { وَلِـيَعْلَـمَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْـمَ أنَّهُ الْـحَقُّ مِنْ رَبِّكَ }
                                أقرب منه من ذكر قوله:
                                { فَـيَنُسَخُ اللَّهُ ما يُـلْقـي الشَّيْطانُ }
                                والهاء من قوله «أنه» من ذكر القرآن، فإلـحاق الهاء فـي قوله: { فِـي مِرْيَةٍ مِنْهُ } بـالهاء من قوله: { أنَّهُ الـحَقُّ مِنْ رَبِّكَ } أولـى من إلـحاقها ب «ما» التـي فـي قوله: { ما يُـلْقِـي الشَّيْطانُ } مع بُعد ما بـينهما....

                                حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، فـي قوله: { عَذَابُ يَوْمٍ عَقِـيـمٍ } قال: هو يوم بدر. عن أبـيّ بن كعب.

                                وهذا القول الثانـي أولـى بتأويـل الآية لأنه لا وجه لأن يقال: لا يزالون فـي مرية منه حتـى تأتـيهم الساعة بغتة، أو تأتـيهم الساعة وذلك أن الساعة هي يوم القـيامة، فإن كان الـيوم العقـيـم أيضا هو يوم القـيامة فإنـما معناه ما قلنا من تكرير ذكر الساعة مرّتـين بـاختلاف الألفـاظ، وذلك ما لا معنى له. فإذ كان ذلك كذلك، فأولـى التأويـلـين به أصحهما معنى وأشبههما بـالـمعروف فـي الـخطاب، وهو ما ذكرناه من معناه.

                                فتأويـل الكلام إذن: ولا يزال الذين كفروا فـي مرية منه، حتـى تأتـيهم الساعة بغتة فـيصيروا إلـى العذاب الدائم، أو يأتـيهم عذاب يوم عقـيـم له فلا ينظروا فـيه إلـى اللـيـل ولا يؤخروا فـيه إلـى الـمساء، لكنهم يقتلون قبل الـمساء.

                                تعليق

                                يعمل...