إرشاد النحرير لترجيحات الامام ابن جرير

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • اسامة محمد خيري
    Registered User
    • Dec 2008
    • 12975

    #661
    يعنـي تعالـى ذكره بقوله: { اللّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ والأرْضِ } هادي من فـي السموات والأرض، فهم بنوره إلـى الـحقّ يهتدون وبهداه من حيرة الضلالة يعتصمون.

    واختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك، فقال بعضهم فـيه نـحو الذي قلنا.

    ذكر من قال ذلك:

    حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: { اللّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ والأرْضِ } يقول: الله سبحانه هادي أهل السموات والأرض.

    حدثنـي سلـيـمان بن عمر بن خَـلْدة الرَّقـي، قال: ثنا وهب بن راشد، عن فرقد، عن أنس بن مالك، قال: إن إلهي يقول: نوري هُداي.

    وقال آخرون: بل معنى ذلك: الله مدبِّر السموات والأرض.

    ذكر من قال ذلك:

    حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قال مـجاهد وابن عبـاس فـي قوله: { اللّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ والأرْضِ } يدبِّر الأمر فـيهما: نـجومَهما وشمسَهما وقمرَهما.

    وقال آخرون: بل عنى بذلك النور الضياء. وقالوا: معنى ذلك: ضياء السموات والأرض.

    ذكر من قال ذلك:

    حدثنـي عبد الأعلـى بن واصل، قال: ثنا عبـيد الله بن موسى، قال: ثنا أبو جعفر الرازيّ، عن الربـيع ابن أَنَس، عن أبـي العالـية، عن أُبـيّ بن كعب، فـي قول الله: { اللّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ والأرْضِ } قال: فبدأ بنور نفسه، فذكره، ثم ذكر نور الـمؤمن.

    وإنـما اخترنا القول الذي اخترناه فـي ذلك لأنه عَقِـيب قوله:
    { وَلَقَدْ أنْزَلْنا إلَـيْكُمْ آياتٍ مُبَـيِّناتٍ، وَمَثَلاً مِنَ الَّذِينَ خَـلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً للْـمُتَّقِـينَ }
    فكان ذلك بأن يكون خبراً عن موقع يقع تنزيـله من خـلقه ومن مدح ما ابتدأ بذكر مدحه، أولـى وأشبه، ما لـم يأت ما يدلّ علـى انقضاء الـخبر عنه من غيره. فإذا كان ذلك كذلك، فتأويـل الكلام: ولقد أنزلنا إلـيكم أَيُّها الناس آيات مبـينات الـحق من البـاطل
    { وَمَثَلاً مِنَ الَّذِينَ خَـلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً للْـمُتَّقِـينَ }
    فهديناكم بها، وبـيَّنا لكم معالـم دينكم بها، لأنـي هادي أهل السموات وأهل الأرض. وترك وصل الكلام بـاللام، وابتدأ الـخبر عن هداية خـلقه ابتداء، وفـيه الـمعنى الذي ذكَرْتُ، استغناء بدلالة الكلام علـيه من ذكره. ثم ابتدأ فـي الـخبر عن مثل هدايته خـلقه بـالآيات الـمبـينات التـي أنزلها إلـيهم، فقال: { مَثَلُ نُورِهِ كمِشْكاةٍ فِـيها مِصْبـاحٌ } يقول: مثل ما أنار من الـحقّ بهذا التنزيـل فـي بـيانه كمشكاة.
    ...

    وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب قول من قال: ذلك مثل ضربه الله للقرآن فـي قلب أهل الإيـمان به، فقال: مَثَلُ نور الله الذي أنار به لعبـاده سبـيـل الرشاد، الذي أنزله إلـيهم فآمنوا به وصدّقوا بـما فـيه، فـي قلوب الـمؤمنـين، مثل مِشكاة، وهي عمود القنديـل الذي فـيه الفتـيـلة وذلك هو نظير الكَوّة التـي تكون فـي الـحيطان التـي لا منفذ لها.

    وإنـما جعل ذلك العمود مِشكاة، لأنه غير نافذ، وهو أجوف مفتوح الأعلـى، فهو كالكَوّة التـي فـي الـحائط التـي لا تنفذ. ثم قال: { فِـيها مِصْبـاحٌ } وهو السراج، وجعل السراج وهو الـمصبـاح مثلاً لـما فـي قلب الـمؤمن من القرآن والآيات الـمبـينات. ثم قال: { الـمِصْبـاحُ فِـي زُجاجَةٍ } يعنـي أن السراج الذي فـي الـمِشكاة فـي القنديـل، وهو الزجاجة، وذلك مثل للقرآن، يقول: القرآن الذي فـي قلب الـمؤمن الذي أنار الله قلبه فـي صدره. ثم مثل الصدر فـي خـلوصه من الكفر بـالله والشكّ فـيه واستنارته بنور القرآن واستضاءته بآيات ربه الـمبـينات ومواعظه فـيها، بـالكوكب الدرّيّ، فقال: { الزُّجَاجَةُ } وذلك صدر الـمؤمن الذي فـيه قلبه { كأنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيّ }....

    والذي هو أولـى القراءات عندي فـي ذلك بـالصواب قراءة من قرأ: { دُرّىّ } بضمّ داله وترك همزه، علـى النسبة إلـى الدرّ، لأن أهل التأويـل بتأويـل ذلك جاءوا. وقد ذكرنا أقوالهم فـي ذلك قبل، ففـي ذلك مُكْتفًـى عن الاستشهاد علـى صحتها بغيره. فتأويـل الكلام: الزجاجة: وهي صدر الـمؤمن، { كأنها }: يعنـي كأن الزجاجة، وذلك مثل لصدر الـمؤمن، { كَوْكَب }: يقول: فـي صفـائها وضيائها وحسنها. وإنـما يصف صدره بـالنقاء من كلّ ريب وشكّ فـي أسبـاب الإيـمان بـالله وبعده من دنس الـمعاصي، كالكوكب الذي يُشبه الدرّ فـي الصفـاء والضياء والـحسن...

    وقرأه بعض عامة قرّاء الـمدنـيـين: { يُوقَدُ } بـالـياء، وتـخفـيف القاف، ورفع الدال بـمعنى: يُوقِدُ الـمصبـاح مُوْقِدُه من شجرة، ثم لـم يُسَمّ فـاعله. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة: «تُوقَدُ» بضم التاء وتـخفـيف القاف ورفع الدال، بـمعنى: يُوقِدُ الزجاجةُ مُوقِدُها من شجرة مبـاركة لـما لـم يسمّ فـاعله، فقـيـل تُوقَد. وقرأه بعض أهل مكة: «تَوَقَّدُ» بفتـح التاء، وتشديد القاف، وضم الدال بـمعنى: تَتَوَقَّد الزجاجة من شجرة، ثم أسقطت إحدى التاءين اكتفـاء بـالبـاقـية من الذاهبة.

    وهذه القراءات متقاربـات الـمعانـي وإن اختلفت الألفـاظ بها وذلك أن الزجاجة إذا وُصِفت بـالتوقد أو بأنها تَوَقَّد، فمعلوم معنى ذلك، فإن الـمراد به تَوَقَّدَ فـيها الـمصبـاح أو يُوقَد فـيها الـمصبـاح، ولكن وجَّهوا الـخبر إلـى أن وصفها بذلك أقرب فـي الكلام منها وفهم السامعين معناه والـمراد منه. فإذا كان ذلك كذلك فبأيّ القراءات قرأ القارئ فمصيب، غير أن أعجب القراءات إلـيّ أن أقرأ بها فـي ذلك: «تَوَقَّدَ» بفتـح التاء، وتشديد القاف، وفتـح الدال، بـمعنى: وصف الـمصبـاح بـالتوقد لأن التوقد والاتقاد لا شكّ أنهما من صفته، دون الزجاجة. فمعنى الكلام إذن: كمشكاة فـيها مصبـاح، الـمصبـاح من دهن شجرة مبـاركة، زيتونة، لا شرقـية ولا غربـية....

    وأولـى هذه الأقوال بتأويـل ذلك قول من قال: إنها شرقـية غربـية وقال: ومعنى الكلام: لـيست شرقـية تطلع علـيها الشمس بـالعشيّ دون الغداة، ولكن الشمس تشرق علـيها وتغرب، فهي شرقـية غربـية.

    وإنـما قلنا ذلك أولـى بـمعنى الكلام، لأن الله إنـما وصف الزيت الذي يُوقَد علـى هذا الـمصبـاح بـالصفـاء والـجودة، فإذا كان شجره شرقـيًّا غربـيًّا كان زيته لا شكّ أجود وأصفـى وأضوأ....

    تعليق

    • اسامة محمد خيري
      Registered User
      • Dec 2008
      • 12975

      #662
      وإنـما اخترنا القول الذي اخترناه فـي ذلك، لدلالة قوله: { يُسَبِّحُ لَهُ فِـيها بـالغُدُوّ والآصَالِ رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِـجارَةٌ وَلا بَـيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ } علـى أنها بـيوت بنـيت للصلاة فلذلك قلنا هي الـمساجد....

      وأولى القولين فـي ذلك عندي بـالصواب القول الذي قاله مـجاهد، وهو أن معناه: أذن الله أن ترفع بناء، كما قال جلّ ثناؤهِ:
      { وَإذْ يَرْفَعُ إبْرَاهِيـمُ القَوَاعِدَ مِنَ البَـيْتِ }
      وذلك أن ذلك هو الأغلب من معنى الرفع فـي البـيوت والأبنـية....

      تعليق

      • اسامة محمد خيري
        Registered User
        • Dec 2008
        • 12975

        #663
        فإن قال لنا قائل: وكيف قـيـل: لـم يكد يراها، مع شدّة هذه الظلـمة التـي وصف، وقد علـمت أن قول القائل: لـم أكد أرى فلانا، إنـما هو إثبـات منه لنفسه رؤيته بعد جهد وشدّة، ومن دون الظلـمات التـي وصف فـي هذه الآية ما لا يرى الناظر يده إذا أخرجها فـيه، فكيف فـيها؟ قـيـل: فـي ذلك أقوال نذكرها، ثم نـخبر بـالصواب من ذلك. أحدها: أن يكون معنى الكلام: إذا أخرج يده رائياً لها لـم يكد يراها أي لـم يعرف من أين يراها فيكون من المقدم الذي معناه التأخير ويكون تأويل الكلام على ذلك إذ خرج يده لم يقرب إن يراها. والثانـي: أن يكون معناه: إذا أخرج يده لـم يرها، ويكون قوله: { لَـمْ يَكَدْ } فـي دخوله فـي الكلام، نظير دخول الظنّ فـيـما هو يقـين من الكلام، كقوله:
        { وَظَنُّوا ما لَهُمْ مِنْ مَـحِيصٍ }
        ونـحو ذلك. والثالث: أن يكون قد رآها بعد بطء وجهد، كما يقول القائل لآخر: ما كدت أراك من الظلـمة، وقد رآه، ولكن بعد إياس وشدة. وهذا القول الثالث أظهر معانـي الكلـمة من جهة ما تستعمل العرب «أكاد» فـي كلامها. والقول الآخر الذي قلنا إنه يتوجه إلـى أنه بـمعنى لـم يرها، قول أوضح من جهة التفسير، وهو أخفـى معانـيه. وإنـما حسُنَ ذلك فـي هذا الـموضع، أعني أن يقول: لـم يكد يراها مع شدة الظلمة التي ذكر لأن ذلك مَثَل لا خبر عن كائن كان. { وَمَنْ لَـمْ يَجْعَلِ اللّهُ لَهُ نُوراً } يقول: من من لـم يرزقه الله إيـماناً وهدى من الضلالة ومعرفة بكتابه، { فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ } يقول: فما له من إيـمان وهدى ومعرفة بكتابه.

        تعليق

        • اسامة محمد خيري
          Registered User
          • Dec 2008
          • 12975

          #664
          ويتوجه قوله: { كُلٌّ قَدْ عَلِـمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِـيحَهُ } لوجوه: أحدها: أن تكون الهاء التـي فـي قوله: { صَلاتَهُ وَتَسْبِـيحَهُ } من ذكر «كلّ»، فـيكون تأويـل الكلام: كل مصلّ ومسبح منهم قد علـم الله صلاته وتسبـيحه، ويكون «الكلّ» حينئذٍ مرتفعاً بـالعائد من ذكره فـي قوله: { كُلٌّ قَدْ عَلِـمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِـيحَهُ } ، وهو الهاء التـي فـي الصلاة.

          والوجه الآخر: أن تكون الهاء فـي الصلاة والتسبـيح أيضاً ل«الكلّ»، ويكون «الكلّ» مرتفعاً بـالعائد من ذكره علـيه فـي: { عَلِـمَ } ، ويكون: { عَلِـمَ } فعلاً ل«الكلّ»، فـيكون تأويـل الكلام حينئذٍ: قد علـم كلّ مصلّ ومسبح منهم صلاة نفسه وتسبـيحه الذي كُلِّفه وأُلْزمه.

          والوجه الآخر: أن تكون الهاء فـي الصلاة والتسبـيح من ذكر الله، والعلـم ل«الكل»، فـيكون تأويـل الكلام حينئذٍ: قد علـم كلّ مسبِّح ومُصَلّ صلاة الله التـي كلّفه إياها، وتسبـيحه. وأظهر هذه الـمعانـي الثلاثة علـى هذا الكلام الـمعنى الأوّل، وهو أن يكون الـمعنى: كلّ مصلّ منهم ومسبِّح، قد علـم الله صلاته وتسبـيحه.

          تعليق

          • اسامة محمد خيري
            Registered User
            • Dec 2008
            • 12975

            #665
            واختلفوا أيضا فـي قراءة قوله: { وَلَـيُبَدِّلَنَّهُمْ } فقرأ ذلك عامة قرّاء الأمصار سوى عاصم: { وَلَـيُبْدّلنَّهُمْ } بتشديد الدال، بـمعنى: ولـيغِّيرَنّ حالهم عما هي علـيه من الـخوف إلـى الأمن، والعرب تقول: قد بُدِّل فلان: إذا غيرت حاله ولـم يأت مكان فلان غيره، وكذلك كلّ مغير عن حاله فهو عندهم مبدَّل بـالتشديد. وربـما قـيـل بـالتـخفـيف، ولـيس بـالفصيح. فأما إذا جعل مكان الشيء الـمبدل غيره، فذلك بـالتـخفـيف: أَبْدلته فهو مُبْدَل. وذلك كقولهم: أُبدل هذا الثوب: أي جُعِل مكانه آخر غيره، وقد يقال بـالتشديد غير أن الفصيح من الكلام ما وصفت. وكان عاصم يقرؤه: «وَلَـيُبْدِلَنَّهُمْ» بتـخفـيف الدال.

            والصواب من القراءة فـي ذلك: التشديد، علـى الـمعنى الذي وصفت قبلُ، لإجماع الـحجة من قرّاء الأمصار علـيه، وأن ذاك تغيـير حال الـخوف إلـى الأمن. وأرى عاصماً ذهب إلـى أن الأمن لـما كان خلاف الـخوف وجَّه الـمعنى إلـى أنه ذهب بحال الـخوف وجاء بحال الأمن، فخفَّف ذلك.

            ومن الدلـيـل علـى ما قلنا من أن التـخفـيف إنـما هو ما كان فـي إبدال شيء مكان آخر، قول أبـي النـجم:
            عَزْلُ الأمِيرِ للأَمَيرِ الـمُبْدَلِ..

            واختلف أهل التأويـل فـي معنى الكفر الذي ذكره الله فـي قوله: { فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلكَ } فقال أبو العالـية ما ذكرنا عنه من أنه كفر بـالنعمة لا كفر بـالله. ورُوى عن حُذيفة فـي ذلك ما:

            حدثنا به ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن حبـيب بن أبـي الشعثاء، قال: كنت جالساً مع حُذيفة وعبد الله بن مسعود، فقال حُذيفة: ذهب النفـاق، وإنـما كان النفـاق علـى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنـما هو الكفر بعد الإيـمان قال: فضحك عبد الله، فقال: لـم تقول ذلك؟ قال: علـمت ذلك، قال: { وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِـحاتِ لَـيَسْتَـخْـلِفَنَّهُمْ فِـي الأرْضِ }... حتـى بلغ آخرها.

            حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا ابن أبـي عديّ، قال: ثنا شعبة، عن أبـي الشَّعْثاء، قال: قعدت إلـى ابن مسعود وحُذيفة، فقال حذيفة: ذهب النِّفـاق فلا نفـاق، وإنـما هو الكفر بعد الإيـمان فقال عبد الله: تعلـم ما تقول؟ قال: فتلا هذه الآية: { إنَّـمَا كانَ قَوْلَ الـمُؤْمِنِـينَ }... حتـى بلغ: { فَأُولَئِكَ هُمُ الفـاسقُونَ } قال: فضحك عبد الله. قال: فلقـيت أبـا الشعثاء بعد ذلك بأيام، فقلت: من أيّ شيء ضحك عبد الله؟ قال: لا أدري، إن الرجل ربـما ضحك من الشيء الذي يُعْجبه وربـما ضحك من الشيء الذي لا يعجبه، فمن أيّ شيء ضحك؟ لا أدري.

            والذي قاله أبو العالـية من التأويـل أشبه بتأويـل الآية، وذلك أن الله وعد الإنعام علـى هذه الأمة بـما أخبر فـي هذه الآية أنه منعم به علـيهم ثم قال عقـيب ذلك: فمن كفر هذه النعمة بعد ذلك { فَأُولَئِكَ هُمُ الفـاسِقُونَ }.

            تعليق

            • اسامة محمد خيري
              Registered User
              • Dec 2008
              • 12975

              #666
              وقوله: { لا تَـحْسَبنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجزِينَ فِـي الأرْضِ } يقول تعالـى ذكره: لا تـحسبنّ يا مـحمد الذين كفروا بـالله معجزيه فـي الأرض إذا أراد إهلاكهم. { ومأْوَاهُم } بعد هلاكهم { النَّارُ وَلَبِئْسَ الـمَصِيرُ } الذي يصيرون إلـيه ذلك الـمأوى. وقد كان بعضهم يقول: «لا يحسبنّ الذين كفروا» بـالـياء. وهو مذهب ضعيف عند أهل العربـية وذلك أن «تـحسب» مـحتاج إلـى منصوبـين. وإذا قرىء «يَحْسَبنَّ» لـم يكن واقعاً إلاَّ علـى منصوب واحد، غير أنـي أحسب أن قائله بـالـياء ظنّ أنه قد عمل فـي «معجزين»، وأن منصوبه الثانـي فـي «الأرض»، وذلك لا معنى له إن كان ذلك قصد.

              تعليق

              • اسامة محمد خيري
                Registered User
                • Dec 2008
                • 12975

                #667
                وأولـى القولـين فـي ذلك عندي بـالصواب قول من قال: عُنـي به الذكور والإناث لأن الله عمّ بقوله: { الَّذِينَ مَلَكَتْ أيـمانُكُمْ } جميع أملاك أيـماننا، ولـم يخصص منهم ذكراً ولا أنثى فذلك علـى جميع من عمه ظاهر التنزيـل.

                فتأويـل الكلام: يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله، لـيستأذنكم فـي الدخول علـيكم عبـيدُكم وإماؤكم، فلا يدخـلوا علـيكم إلاَّ بإذن منكم لهم....

                تعليق

                • اسامة محمد خيري
                  Registered User
                  • Dec 2008
                  • 12975

                  #668
                  وأشبه الأقوال التـي ذكرنا فـي تأويـل قوله: { لَـيْسَ عَلـى الأعْمَى حَرَجٌ }... إلـى قوله: { أوْ صَدِيقكُمْ } القول الذي ذكرنا عن الزهريّ عن عبـيد الله بن عبد الله، وذلك أن أظهر معانـي قوله: { لَـيْسَ عَلـى الأعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلـى الأعْرَجِ حَرَجٌ }: أنه لا حرج علـى هؤلاء الذين سُمُّوا فـي هذه الآية أن يأكلوا من بـيوت من ذكره الله فـيها، علـى ما أبـاح لهم من الأكل منها. فإذ كان ذلك أظهر معانـيه، فتوجيه معناه إلـى الأغلب الأعرف من معانـيه أولـى من توجيهه إلـى الأنكر منها. فإذ كان ذلك كذلك، كان ما خالف من التأويـل قول من قال: معناه: لـيس فـي الأعمى والأعرج حرج، أولـى بـالصواب. وكذلك أيضا الأغلب من تأويـل قوله: { وَلا عَلـى أنْفُسِكُمْ أنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُـيُوتكُمْ } أنه بـمعنى: ولا علـيكم أيها الناس. ثم جمع هؤلاء والزَّمْنَى الذين ذكرهم قبل فـي الـخطاب، فقال: أن تأكلوا من بـيوت أنفسكم. وكذلك تفعل العرب إذا جمعت بـين خبر الغائب والـمخاطب، غلَّبت الـمخاطب فقالت: أنت وأخوك قمتـما، وأنت وزيد جلستـما، ولا تقول: أنت وأخوك جلسا، وكذلك قوله: { وَلا عَلـى أنْفُسِكُمْ } والـخبر عن الأعمى والأعرج والـمريض، غلَّب الـمخاطب، فقال: أن تأكلوا، ولـم يقل: أن يأكلوا.

                  فإن قال قائل: فهذا الأكل من بـيوتهم قد علـمناه كان لهم حلالاً إذ كان ملكاً لهم، أَوَ كانَ أيضاً حلالاً لهم الأكل من مال غيرهم؟ قـيـل له: لـيس الأمر فـي ذلك علـى ما توهمَّتَ ولكنه كما ذكرناه عن عبـيد الله بن عبد الله، أنهم كانوا إذا غابوا فـي مغازيهم وتـخـلف أهل الزمانة منهم، دفع الغازي مفتاح مسكنه إلـى الـمتـخـلف منهم، فأطلق له فـي الأكل مـما يخـلف فـي منزله من الطعام، فكان الـمتـخـلفون يتـخوّفون الأكل من ذلك وربه غائب، فأعلـمه الله أنه لا حرج علـيه فـي الأكل منه وأذِن لهم فـي أكله....

                  فإذ كان ذلك كذلك تبـين أن لا معنى لقول من قال: إنـما أنزلت هذه الآية من أجل كراهة الـمستتبع أكل طعام غير الـمستتبع لأن ذلك لو كان كما قال من قال ذلك: لقـيـل: لـيس علـيكم حرج أن تأكلوا من طعام غير من أضافكم، أو من طعام آبـاء من دعاكم، ولـم يقل: أن تأكلوا من بـيوتكم أو بـيوت آبـائكم. وكذلك لا وجه لقول من قال: معنى ذلك: لـيس علـى الأعمى حرج فـي التـخـلف عن الـجهاد فـي سبـيـل الله، لأن قوله: { أنْ تأْكُلوا } خبر «لـيس»، و«أنْ» فـي موضع نصب علـى أنها خبر لها، فهي متعلقة ب«لـيس»، فمعلوم بذلك أن معنى الكلام: لـيس علـى الأعمى حرج أن يأكل من بـيته، لا ما قاله الذين ذكرنا من أنه لا حرج علـيه فـي التـخـلف عن الـجهاد. فإذ كان الأمر فـي ذلك علـى ما وصفنا، تبـين أن معنى الكلام: لا ضِيقَ علـى الأعمى، ولا علـى الأعرج، ولا علـى الـمريض، ولا علـيكم أيها الناس، أن تأكلوا من بـيوت أنفسكم أو من بـيوت آبـائكم أو من بـيوت أمهاتكم أو من بـيوت إخوانكم أو من بـيوت أخواتكم أو من بـيوت أعمامكم أو من بـيوت عماتكم أو من بـيوت أخوالكم أو من بـيوت خالاتكم أو من البـيوت التـي ملكتـم مَفـاتـحها أو من بـيوت صديقكم، إذا أذنوا لكم فـي ذلك، عند مغيبهم ومشهدهم. ...

                  وقال آخرون: بل عُنِـي بذلك قوم كانوا لا يأكلون إذا نزل بهم ضيف إلا مع ضيفهم، فرخَّصَ لهم فـي أن يأكلوا كيف شاءوا.

                  ذكر من قال ذلك:

                  حدثنـي أبو السائب، قال: ثنا حفص، عن عمران بن سلـيـمان، عن أبـي صالـح وعكرمة، قالا: كانت الأنصار إذا نزل بهم الضيف لا يأكلون حتـى يأكل الضيف معهم، فرُخِّص لهم، قال الله: { لا جُناحَ عَلَـيْكُمْ أنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أوْ أشْتاتاً }.

                  وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب أن يقال: إن الله وضع الـحَرَج عن الـمسلـمين أن يأكلوا جميعاً معاً إذا شاءوا، أو أشتاتاً متفرّقـين إذا أرادوا. وجائز أن يكون ذلك نزل بسبب من كان يتـخوّف من الأغنـياء الأكل مع الفقـير، وجائز أن يكون نزل بسبب القوم الذين ذكر أنهم كانوا لا يَطْعَمون وُحْداناً، وبسبب غير ذلك ولا خبر بشيء من ذلك يقطع العذر، ولا دلالة فـي ظاهر التنزيـل علـى حقـيقة شيء منه. والصواب التسلـيـم لـما دلّ علـيه ظاهر التنزيـل، والتوقـف فـيـما لـم يكن علـى صحته دلـيـل...

                  وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب قول من قال معناه: فإذا دخـلتـم بـيوتاً من بـيوت الـمسلـمين، فلـيسلـم بعضكم علـى بعض.

                  وإنـما قلنا ذلك أولـى بـالصواب لأن الله جلّ ثناؤه قال: { فإذَا دَخَـلْتُـمْ بُـيُوتاً } ولـم يخصُصْ من ذلك بـيتاً دون بـيت، وقال: { فَسَلِّـمُوا عَلـى أنْفُسِكُمْ } يعنـي: بعضكم علـى بعض. فكان معلوماً إذ لـم يخصص ذلك علـى بعض البـيوت دون بعض، أنه معنىّ به جميعها، مساجدها وغير مساجدها. ومعنى قوله: { فَسَلِّـموا عَلـى أنْفُسِكُمْ } نظير قوله:
                  { وَلا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ }
                  وقوله: { تَـحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللّهِ } ونصب تـحية، بـمعنى: تُـحيُّون أنفسكم تـحية من عند الله السلام تـحية، فكأنه قال: فلـيحيّ بعضكم بعضاً تـحية من عند الله. وقد كان بعض أهل العربـية يقول: إنـما نصبت بـمعنى: أَمَرَكم بها تفعلونها تَـحيّة منه، ووصف جلّ ثناؤه هذه التـحية الـمبـاركة الطيبة لـما فـيها من الأجر الـجزيـل والثواب العظيـم....

                  تعليق

                  • اسامة محمد خيري
                    Registered User
                    • Dec 2008
                    • 12975

                    #669
                    وأولـى التأويـلـين فـي ذلك بـالصواب عندي التأويـل الذي قاله ابن عبـاس، وذلك أن الذي قَبْل قوله: { لا تَـجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَـيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً } نهيٌ من الله الـمؤمنـين أن يأتوا من الانصراف عنه فـي الأمر الذي يجمع جميعهم ما يكرهه، والذي بعده وعيد للـمُنْصرفـين بغير إذنه عنه، فـالذي بـينهما بأن يكون تـحذيراً لهم سُخْطة أن يضطّره إلـى الدعاء علـيهم أشبه من أن يكون أمراً لهم بـما لـم يجر له ذكر من تعظيـمه وتوقـيره بـالقول والدعاء....

                    تعليق

                    • اسامة محمد خيري
                      Registered User
                      • Dec 2008
                      • 12975

                      #670
                      سورة الفرقان

                      واختلف القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الـمدينة والبصرة وبعض الكوفـيـين: { يَأْكُلُ } بـالـياء، بـمعنى: يأكل منها الرسول. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفـيـين: «نَأْكُلُ مِنْها» بـالنون، بـمعنى: نأكل من الـجنة.

                      وأولـى القراءتـين فـي ذلك عندي بـالصواب قراءة من قرأه بـالـياء وذلك للـخبر الذي ذكرنا قبل بأن مسألة من سأل من الـمشركين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسأل ربه هذه الـخلال لنفسه لا لهم فإذ كانت مسألتهم إياه ذلك كذلك، فغير جائز أن يقولوا له: سلْ لنفسك ذلك لنأكل نـحن.

                      وبعدُ، فإن فـي قوله تعالـى ذكره:
                      { تَبَـارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَـجْرِي مِنْ تَـحْتِهَا الأنْهَارُ }
                      ، دلـيلاً بـيِّناً علـى أنهم إنـما قالوا له: اطلب ذلك لنفسك، لتأكل أنت منه، لا نـحن....

                      قال أبو جعفر: والقول الذي ذكرناه عن مـجاهد فـي ذلك أشبه بتأويـل الآية، لأن الـمشركين إنـما استعظموا أن لا تكون له جنة يأكل منها وأن لا يُـلْقـى إلـيه كنز، واستنكروا أن يـمشي فـي الأسواق وهو لله رسول. فـالذي هو أولـى بوعد الله إياه أن يكون وعداً بـما هو خير ما كان عند الـمشركين عظيـماً، لا مـما كان منكراً عندهم. وعُنِـي بقوله: { جَنَّاتٍ تَـجْرِي مِنْ تَـحْتِها الأنهَارُ } بساتـين تـجري فـي أصول أشجارها الأنهار. كما:

                      حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: { جَنَّاتٍ تَـجْرِي مِنْ تَـحْتِها الأنهَارُ } قال: حوائط.

                      تعليق

                      • اسامة محمد خيري
                        Registered User
                        • Dec 2008
                        • 12975

                        #671
                        واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: { ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَتَّـخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أوْلِـياءَ } فقرأ ذلك عامة قرّاء الأمصار: { نَتَّـخِذَ } بفتـح النون سوى الـحسن ويزيد بن القَعقاع، فإنهما قرآه: «أنْ نُتَّـخَذَ» بضمّ النون. فذهب الذين فتـحوها إلـى الـمعنى الذي بـيَّنَّاه فـي تأويـله، من أن الـملائكة وعيسى ومن عُبد من دون الله من الـمؤمنـين هم الذين تبرّءوا أن يكون كان لهم ولـيّ غير الله تعالـى ذكره. وأما الذين قرءوا ذلك بضمّ النون، فإنهم وجهوا معنى الكلام إلـى أن الـمعبودين فـي الدنـيا إنـما تبرّءوا إلـى الله أن يكون كان لهم أن يُعْبدوا من دون الله جلّ ثناؤه، كما أخبر الله عن عيسى أنه قال إذا قـيـل
                        { أأنْتَ قُلْتَ للنَّاسِ اتَّـخِذُونِـي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللّهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لـي أنْ أقُولَ ما لَـيْسَ لـي بِحَقَ ما قُلْتُ لَهُمْ إلاَّ ما أمَرْتَنِـي بِهِ أنِ اعْبُدُوا اللّهَ رَبّـي وَرَبَّكُمْ }


                        قال أبو جعفر: وأولـى القراءتـين فـي ذلك عندي بـالصواب قراءة من قرأه بفتـح النون، لعلل ثلاث: إحداهنّ إجماع من القرّاء علـيها. والثانـية: أن الله جلّ ثناؤه ذكر نظير هذه القصة فـي سورة سَبَأ، فقال:

                        { وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً }
                        ثم يقولُ للـملائكة أهؤلاءِ إياكُم كانُوا يَعْبُدون قالوا سُبْحَانك أنتَ وَلِـيُّنا من دُونِهِمْ، فأخبر عن الـملائكة أنهم إذا سُئلوا عن عبـادة من عبدهم تبرّءُوا إلـى الله من ولايتهم، فقالوا لربهم: أنت ولـيُّنا من دونهم، فذلك يوضّح عن صحة قراءة من قرأ ذلك: { ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَتَّـخِذ مِنْ دُونِكَ مِنْ أوْلِـياء } بـمعنى: ما كان ينبغي لنا أن نتـخذهم من دونك أولـياء. والثالثة: أن العرب لا تدخـل «مِنْ» هذه التـي تدخـل فـي الـجحد إلاَّ فـي الأسماء، ولا تدخـلها فـي الأخبـار، لا يقولون: ما رأيت أخاك من رجل، وإنـما يقولون: ما رأيت من أحد، وما عندي من رجل وقد دخـلت هاهنا فـي الأولـياء وهي فـي موضع الـخبر، ولو لـم تكن فـيها «مِنْ»، كان وجها حسناً...

                        يقول تعالـى ذكره مخبراً عما هو قائل للـمشركين عند تبرّي من كانوا يعبدونه فـي الدنـيا من دون الله منهم: قد كذّبوكم أيها الكافرون من زعمتـم أنهم أضلوكم ودعوكم إلـى عبـادتهم { بـما تَقُولُونَ } يعنـي بقولكم، يقول: كذّبوكم بكذبكم.

                        وبنـحو الذي قلنا فـي تأويـل ذلك قال أهل التأويـل.

                        ذكر من قال ذلك: حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: { فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِـمَا تَقُولُونَ } يقول الله للذين كانوا يعبدون عيسى وعُزيزا والـملائكة، يكذّبون الـمشركين.

                        حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد: { فَقَدْ كَذَّبوكُمْ بِـمَا تَقُولُونَ } قال: عيسى وعُزير والـملائكة، يكذّبون الـمشركين بقولهم.

                        وكان ابن زيد يقول فـي تأويـل ذلك، ما:

                        حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: { فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِـمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعونَ صَرْفـاً وَلا نَصْراً } قال: كذّبوكم بـما تقولون بـما جاء من عند الله جاءت به الأنبـياء والـمؤمنون آمنوا به وكذب هؤلاء.

                        فوجه ابن زيد تأويـل قوله: { فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ } إلـى: فقد كذّبوكم أيها الـمؤمنون الـمكذّبون بـما جاءهم به مـحمد من عند الله بـما تقولون من الـحقّ، وهو أن يكون خبراً عن الذين كذّبوا الكافرين فـي زعمهم أنهم دعَوْهم إلـى الضلالة وأمروهم بها، علـى ما قاله مـجاهد من القول الذي ذكرنا عنه، أشبه وأولـى لأنه فـي سياق الـخبر عنهم....

                        قال ابن جُرَيج: لا يستطيعون صرف العذاب عنهم، ولا نصر أنفسهم.

                        حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: { فَمَا يَسْتَطِيعُونَ صَرْفـاً وَلا نَصْراً } قال: لا يستطيعون يصرفون عنهم العذاب الذي نزل بهم حين كُذّبوا، ولا أن ينتصروا. قال: وينادي منادٍ يوم القـيامة حين يجتـمع الـخلائق: ما لكم لا تناصرون؟ قال: من عبد من دون الله لا ينصر الـيوم من عبده، وقال العابدون من دون الله لا ينصره الـيوم إلهه الذي يعبد من دون الله، فقال الله تبـارك وتعالـى:
                        { بَلْ هُمُ الـيَوْمَ مُسْتَسْلِـمُونَ }
                        وقرأ قول الله جلّ ثناؤه:
                        { فإنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ }


                        ورُوي عن ابن مسعود فـي ذلك ما:

                        حدثنا به أحمد بن يونس، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا حجاج، عن هارون، قال: هي فـي حرف عبد الله بن مسعود: «فَمَا يَسْتَطِيعُونَ لَكَ صَرْفـا.

                        « فإن تكن هذه الرواية عنه صحيحة، صحّ التأويـل الذي تأوّله ابن زيد فـي قوله: { فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِـمَا تَقُولُونَ } ، ويصير قوله: { فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ } خبراً عن الـمشركين أنهم كذّبوا الـمؤمنـين، ويكون تأويـل قوله حينئذٍ: { فَمَا يَسْتَطِيعُونَ صَرْفـاً وَلا نَصْراً } فما يستطيع يا مـحمد هؤلاء الكفـار لك صرفـاً عن الـحقّ الذي هداك الله له، ولا نصر أنفسهم، مـما بهم من البلاء الذي همّ فـيه، بتكذيبهم إياك.

                        تعليق

                        • اسامة محمد خيري
                          Registered User
                          • Dec 2008
                          • 12975

                          #672
                          وقال آخرون: ذلك خبر من الله عن قـيـل الـمشركين إذا عاينوا الـملائكة. ذكر من قال ذلك:

                          حدثنا القاسم، قال: ثنـي الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج { يَوْمَ يَرَوْنَ الـمَلائِكَةَ لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ للْـمُـجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَـحْجُوراً } قال ابن جُرَيج: كانت العرب إذا كرهوا شيئاً قالوا: حجراً، فقالوا حين عاينوا الـملائكة. قال ابن جُرَيج: قال مـجاهد: { حِجْراً }: عوذاً، يستعيذون من الـملائكة.

                          قال أبو جعفر: وإنـما اخترنا القول الذي اخترنا فـي تأويـل ذلك من أجل أن الـحِجْر هو الـحرام، فمعلوم أن الـملائكة هي التـي تـخبر أهل الكفر أن البُشرى علـيهم حرام. وأما الاستعاذة فإنها الاستـجارة، ولـيست بتـحريـم. ومعلوم أن الكفـار لا يقولون للـملائكة حرام علـيكم، فـيوجه الكلام إلـى أن ذلك خبر عن قـيـل الـمـجرمين للـملائكة.

                          تعليق

                          • اسامة محمد خيري
                            Registered User
                            • Dec 2008
                            • 12975

                            #673
                            وقال آخرون: بل معنى ذلك: الـخبر عن الـمشركين أنهم هجروا القرآن وأعرضوا عنه ولـم يسمعوا له. ذكر من قال ذلك:

                            حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قول الله: { وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبّ إنَّ قَوْمي اتَّـخَذُوا هَذَا القُرآنَ مَهْجُوراً لا يريدون أن يسمعوه، وإن دعوا إلـى الله قالوا لا. وقرأ: وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنأَوْنَ عَنْهُ قال: ينهون عنه، ويبعدون عنه.

                            قال أبو جعفر: وهذا القول أولـى بتأويـل ذلك، وذلك أن الله أخبر عنهم قالوا: لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فـيه، وذلك هجرهم إياه.

                            تعليق

                            • اسامة محمد خيري
                              Registered User
                              • Dec 2008
                              • 12975

                              #674
                              حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، { وأصحَابَ الرَّسّ } قال: هي بئر كانت تسمى الرَّسّ.

                              حدثنـي مـحمد بن عمارة، قال: ثنا عبـيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيـل، عن أبـي يحيى عن مـجاهد فـي قوله: «وأصحَابَ الرُّسّ» قال: الرّسّ بئر كان علـيها قوم.

                              قال أبو جعفر: والصواب من القول فـي ذلك، قول من قال: هم قوم كانوا علـى بئر، وذلك أن الرّسّ فـي كلام العرب كلّ مـحفور مثل البئر والقبر ونـحو ذلك ومنه قول الشاعر:
                              سَبَقْتَ إلـى فَرَطٍ بـاهِلٍ تَنابِلَةً يَحْفُرُونَ الرِّساسا
                              يريد أنهم يحفرون الـمعادن، ولا أعلـم قوماً كانت لهم قصة بسبب حفرة، ذكرهم الله فـي كتابه إلا أصحاب الأخدود، فإن يكونوا هم الـمعنـيـين بقوله { وأصحَابَ الرَّسّ } فإنا سنذكر خبرهم إن شاء الله إذا انتهينا إلـى سورة البروج، وإن يكونوا غيرهم فلا نعرف لهم خبراً، إلا ما جاء من جملة الـخبر عنهم أنهم قوم رَسّوا نبـيهم فـي حفرة. إلا ما:

                              حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن مـحمد بن كعب القرظي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنَّ أوَّلَ النَّاسِ يَدخـلُ الـجَنَّةَ يَوْمَ القِـيامَةِ العَبْدُ الأَسْوَدُ " ....

                              تعليق

                              • اسامة محمد خيري
                                Registered User
                                • Dec 2008
                                • 12975

                                #675
                                حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: { وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً } قال: ينشر فـيه.

                                حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، مثله.

                                وإنـما اخترنا القول الذي اخترنا فـي تأويـل ذلك، لأنه عقـيب قوله { والنَّوْمَ سُبـاتاً } فـي اللـيـل. فإذ كان ذلك كذلك، فوصف النهار بأن فـيه الـيقظة والنشور من النوم أشبه إذ كان النوم أخا الـموت. والذي قاله مـجاهد غير بعيد من الصواب لأن الله أخبر أنه جعل النهار معاشاً، وفـيه الانتشار للـمعاش، ولكن النشور مصدر من قول القائل: نشر، فهو بـالنشر من الـموت والنوم أشبه، كما صحّت الرواية عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول إذا أصبح وقام من نومه: " الـحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أحْيانا بَعْدَما أماتَنا، وَإلَـيْهِ النُّشُورُ "....

                                حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: { وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَـيْنَهُمْ لِـيَذَّكَّرُوا } قال: الـمطر مرّة ههنا، ومرّة ههنا.

                                تعليق

                                يعمل...