إرشاد النحرير لترجيحات الامام ابن جرير

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • اسامة محمد خيري
    Registered User
    • Dec 2008
    • 12975

    #886
    وقال آخرون: بل عنى بذلك الصلح الذي كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش. ذكر من قال ذلك:

    حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس { فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ } قال: الصلح.

    وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب ما قاله مجاهد، وهو أن الذي أثابهم الله من مسيرهم ذلك مع الفتح القريب المغانم الكثيرة من مغانم خيبر، وذلك أن المسلمين لم يغنموا بعد الحديبية غنيمة، ولم يفتحوا فتحاً أقرب من بيعتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية إليها من فتح خيبر وغنائمها.

    وأما قوله: { وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً } فهي سائر المغانم التي غنمهموها الله بعد خيبر، كغنائم هوازن، وغطفان، وفارس، والروم.

    وإنما قلنا ذلك كذلك دون غنائم خيبر، لأن الله أخبر أنه عجَّل لهم هذه التي أثابهم من مسيرهم الذي ساروه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة، ولما علم من صحة نيتهم في قتال أهلها، إذ بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، على أن لا يفرّوا عنه، ولا شكّ أن التي عجَّلت لهم غير التي لم تُعجَّل لهم...

    وقوله: { وكَفَّ أيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ } يقول تعالى ذكره لأهل بيعة الرضوان: وكفّ الله أيدي المشركين عنكم.

    ثم اختلف أهل التأويل في الذين كفَّت أيديهم عنهم من هم؟ فقال بعضهم: هم اليهود كفّ الله أيديهم عن عيال الذين ساروا من المدينة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { وكَفَّ أيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ }: عن بيوتهم، وعن عيالهم بالمدينة حين ساروا إلى الحديبية وإلى خيبر، وكانت خيبر في ذلك الوجه.

    حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: { وكَفَّ أيْدِي النَّاس عَنْكُمْ } قال: كفّ أيدي الناس عن عيالهم بالمدينة.

    وقال آخرون: بل عنى بذلك أيدي قريش إذ حبسهم الله عنهم، فلم يقدروا له على مكروه.

    والذي قاله قتادة في ذلك عندي أشبه بتأويل الآية، وذلك أن كفّ الله أيدي المشركين من أهل مكة عن أهل الحُديبية قد ذكره الله بعد هذه الآية في قوله:
    { وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وأيْدِيَكُم عَنْهُمْ بِبَطْن مَكَّةَ }
    فعلم بذلك أن الكفّ الذي ذكره الله تعالى في قوله: { وكَفَّ أيْدِيِ النَّاسِ عَنْكُمْ } غير الكفّ الذي ذكر الله بعد هذه الآية في قوله:
    { وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أيْدِيَهُم عَنْكُمْ وأيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْن مَكَّةَ }...

    حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة { وأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها } قال: بلغنا أنها مكة.

    وهذا القول الذي قاله قتادة أشبه بما دلّ عليه ظاهر التنزيل، وذلك أن الله أخبر هؤلاء الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة، أنه محيط بقرية لم يقدروا عليها، ومعقولٌ أنه لا يقال لقوم لم يقدروا على هذه المدينة، إلا أن يكونوا قد راموها فتعذّرت عليهم، فأما وهم لم يروموها فتتعذّر عليهم فلا يقال: إنهم لم يقدروا عليها.

    فإذ كان ذلك كذلك، وكان معلوماً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقصد قبل نزول هذه الآية عليه خيبر لحرب، ولا وجه إليها لقتال أهلها جيشاً ولا سرية، علم أن المعنيَّ بقوله: { وأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها } غيرها، وأنها هي التي قد عالجها ورامها، فتعذّرت فكانت مكة وأهلها كذلك، وأخبر الله تعالى ذكره نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أنه أحاط بها وبأهلها، وأنه فاتحها عليهم، وكان الله على كلّ ما يشاء من الأشياء ذا قُدرة، لا يتعذّر عليه شيء شاءه.

    تعليق

    • اسامة محمد خيري
      Registered User
      • Dec 2008
      • 12975

      #887
      واختلف أهل التأويل في المعرة التي عناها الله في هذا الموضع، فقال بعضهم: عنى بها الإثم.

      ذكر من قال ذلك:

      حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أنْ تَطَئوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بغَيرِ عِلْمٍ } قال: إثم بغير علم.

      وقال آخرون: عنى بها غرم الدية. ذكر من قال ذلك:

      حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق { فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بغَيرِ عِلْمٍ } فتخرجوا ديته، فأما إثم فلم يحسبه عليهم. والمعرّة: هي المفعلة من العرّ، وهو الجرب. وإنما المعنى: فتصيبكم من قبلهم معرّة تعرّون بها، يلزمكم من أجلها كفَّارة قتل الخطأ، وذلك عتق رقبة مؤمنة، من أطاق ذلك، ومن لم يطق فصيام شهرين.

      وإنما اخترت هذا القول دون القول الذي قاله ابن إسحاق، لأن الله إنما أوجب على قاتل المؤمن في دار الحرب إذا لم يكن هاجر منها، ولم يكن قاتله علم إيمانه الكفارة دون الدية، فقال:
      { وإنْ كانَ مِنْ قَوْم عَدُوَ لَكُمْ وهُوَ مُؤْمِنٌ، فَتَحْرِيرُ رقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ }
      لم يوجب على قاتله خطأ ديته، فلذلك قلنا: عنى بالمعرّة في هذا الموضع الكفارة،

      تعليق

      • اسامة محمد خيري
        Registered User
        • Dec 2008
        • 12975

        #888
        حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق { فجعَلَ مِنْ دُونِ ذلكَ فَتْحاً قَرِيباً } قال: صلح الحُديبية.

        وقال آخرون: عنى بالفتح القريب في هذا الموضع: فتح خيبر. ذكر من قال ذلك:

        حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلكَ فَتْحاً قَرِيباً } قال: خيبر حين رجعوا من الحُديبية، فتحها الله عليهم، فقسمها على أهل الحديبية كلهم إلا رجلاً واحداً من الأنصار، يقال له: أبو دجانة سماك بن خرشة، كان قد شهد الحُديبية وغاب عن خَيبر.

        وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبر أنه جعل لرسوله والذين كانوا معه من أهل بيعة الرضوان فتحاً قريباً من دون دخولهم المسجد الحرام، ودون تصديقه رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان صلح الحُديبية وفتح خيبر دون ذلك، ولم يخصص الله تعالى ذكره خبره ذلك عن فتح من ذلك دون فتح، بل عمّ ذلك، وذلك كله فتح جعله الله من دون ذلك.

        والصواب أن يعمه كما عمه، فيقال: جعل الله من دون تصديقه رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم بدخوله وأصحابه المسجد الحرام محلِّقين رؤوسهم ومقصِّرين، لا يخافون المشركين صلح الحُديبية وفتح خيبر.

        تعليق

        • اسامة محمد خيري
          Registered User
          • Dec 2008
          • 12975

          #889
          حدثنا ابن سنان القزّاز، قال: ثنا هارون بن إسماعيل، قال: ثنا عليّ بن المبارك، قال: ثنا مالك بن دينار، قال: سمعت عكرِمة يقول: { سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أثَرِ السُّجُودِ } قال: هو أثر التراب.

          وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبرنا أن سيما هؤلاء القوم الذين وصف صفتهم في وجوههم من أثر السجود، ولم يخصّ ذلك على وقت دون وقت. وإذ كان ذلك كذلك، فذلك على كلّ الأوقات، فكان سيماهم الذي كانوا يعرفون به في الدنيا أثر الإسلام، وذلك خشوعه وهديه وزهده وسمته، وآثار أداء فرائضه وتطوّعه، وفي الآخرة ما أخبر أنهم يعرفون به، وذلك الغرّة في الوجه والتحجيل في الأيدي والأرجل من أثر الوضوء، وبياض الوجوه من أثر السجود. وبنحو الذي قلنا في معنى السيما قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

          حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أثَرِ السُّجُودِ } يقول: علامتهم أو أعلمتهم الصلاة....

          وقال آخرون: هذان المَثَلان في التوراة والإنجيل مثلهم. ذكر من قال ذلك:

          حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: { ذلكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ } والإنجيل واحد.

          وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: مثلهم في التوراة، غير مثَلهم في الإنجيل، وإن الخبر عن مَثلهم في التوراة متناهٍ عند قوله: { ذلكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ } وذلك أن القول لو كان كما قال مجاهد من أن مثلهم في التوراة والإنجيل واحد، لكان التنزيل: ومثلهم في الإنجيل، وكزرع أخرج شطأه، فكان تمثيلهم بالزرع معطوفاً على قوله: { سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أثَرِ السُّجُودِ } حتى يكون ذلك خبراً عن أن ذلك مَثلهم في التوراة والإنجيل، وفي مجيء الكلام بغير واو في قوله: { كَزَرْعٍ } دليل بَيِّن على صحة ما قُلنا، وأن قولهم { وَمَثَلُهُمْ فِي الإنجِيلِ } خبر مبتدأ عن صفتهم التي هي في الإنجيل دون ما في التوراة منها...

          وقوله: { مِنْهُمْ } يعني: من الشطء الذي أخرجه الزرع، وهم الداخلون فِي الإسلام بعد الزرع الذي وصف ربنا تبارك وتعالى صفته. والهاء والميم في قوله { مِنْهُمْ } عائدة على معنى الشطء لا على لفظه، ولذلك جمع فقيل: «منهم»، ولم يقل «منه». وإنما جمع الشطء لأنه أريد به من يدخل في دين محمد صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة بعد الجماعة الذين وصف الله صفتهم بقوله: { وَالَّذِين مَعَهُ أشِدَّاءُ عَلى الكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُم رُكَّعاً سُجَّداً }.

          تعليق

          • اسامة محمد خيري
            Registered User
            • Dec 2008
            • 12975

            #890
            سورة الحجرات

            والذي هو أولى الأقوال في تأويل ذلك عندي بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره نهى المؤمنين أن يتنابزوا بالألقاب والتنابز بالألقاب: هو دعاء المرء صاحبه بما يكرهه من اسم أو صفة، وعمّ الله بنهيه ذلك، ولم يخصص به بعض الألقاب دون بعض، فغير جائز لأحد من المسلمين أن ينبز أخاه باسم يكرهه، أو صفة يكرهها.

            وقوله: { بِئْسَ الاِسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ } يقول تعالى ذكره: ومن فعل ما نهينا عنه، وتقدّم على معصيتنا بعد إيمانه، فسخر من المؤمنين، ولمز أخاه المؤمن، ونبزه بالألقاب، فهو فاسق { بِئْسَ الاِسْمْ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ } يقول: فلا تفعلوا فتستحقوا إن فعلتموه أن تسموا فساقاً، بئس الاسم الفسوق، وترك ذكر ما وصفنا من الكلام، اكتفاء بدلالة قوله: { بِئْسَ الاِسْمُ الفُسُوقُ } عليه.

            وكان ابن زيد يقول في ذلك ما:

            حدثنا به يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، وقرأ { بِئْسَ الاِسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ } قال: بئس الاسم الفسوق حين تسميه بالفسق بعد الإسلام، وهو على الإسلام. قال: وأهل هذا الرأي هم المعتزلة، قالوا: لا نكفره كما كفره أهل الأهواء، ولا نقول له مؤمن، كما قالت الجماعة، ولكنا نسميه باسمه إن كان سارقاً فهو سارق، وإن كان خائناً سموه خائناً وإن كان زانياً سموه زانياً قال: فاعتزلوا الفريقين أهل الأهواء وأهل الجماعة، فلا بقول هؤلاء قالوا، ولا بقول هؤلاء، فسموا بذلك المعتزلة.

            فوجه ابن زيد تأويل قوله: { بِئْسَ الاِسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ } إلى من دعي فاسقاً، وهو تائب من فسقه، فبئس الاسم ذلك له من أسمائه.. وغير ذلك من التأويل أولى بالكلام، وذلك أن الله تقدّم بالنهي عما تقدّم بالنهي عنه في أوّل هذه الآية، فالذي هو أولى أن يختمها بالوعيد لمن تقدّم على بغيه، أو بقبيح ركوبه ما ركب مما نهي عنه، لا أن يخبر عن قُبح ما كان التائب أتاه قبل توبته، إذ كانت الآية لم تفتتح بالخبر عن ركوبه ما كان ركب قبل التوبة من القبيح، فيختم آخرها بالوعيد عليه أو بالقبيح.

            تعليق

            • اسامة محمد خيري
              Registered User
              • Dec 2008
              • 12975

              #891
              حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن رجل، عن مجاهد { قُولُوا أسْلَمْنا } قال: استسلمنا.

              حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، وقرأ قول الله { قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا } استسلمنا: دخلنا في السلم، وتركنا المحاربة والقتال بقولهم: لا إله إلاَّ الله، وقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النَّاسَ حتى يَقُولُوا لا إلَهَ إلاَّ اللَّهُ، فإذا قالُوا لا إلَهَ إلاَّ اللَّهُ، عَصَمُوا مِنِّي دِماءَهُمْ وأمْوَالَهُمْ إلاَّ بِحَقِّها وَحِسابُهُمْ على اللَّهِ "

              وأولى الأقوال بالصواب في تأويل ذلك القول الذي ذكرناه عن الزهريّ وهو أن الله تقدّم إلى هؤلاء الأعراب الذين دخلوا في الملة إقراراً منهم بالقول، ولم يحققوا قولهم بعملهم أن يقولوا بالإطلاق آمنا دون تقييد قولهم بذلك بأن يقولوا آمنا بالله ورسوله، ولكن أمرهم أن يقولوا القول الذي لا يشكل على سامعيه والذي قائله فيه محقّ، وهو أن يقولوا أسلمنا، بمعنى: دخلنا في الملة والأموال، والشهادة الحقّ....

              والصواب من القراءة عندنا في ذلك، ما عليه قرّاء المدينة والكوفة { لا يَلِتْكُمْ } بغير ألف ولا همز، على لغة من قال: لات يليت، لعلتين: إحداهما: إجماع الحجة من القرّاء عليها. والثانية أنها في المصحف بغير ألف، ولا تسقط الهمزة في مثل هذا الموضع، لأنها ساكنة، والهمزة إذا سكنت ثبتت، كما يقال: تأمرون وتأكلون، وإنما تسقط إذا سكن ما قبلها، ولا يحمل حرف في القرآن إذا أتى بلغة على آخر جاء بلغة خلافها إذا كانت اللغتان معروفتين في كلام العرب. وقد ذكرنا أن ألت ولات لغتان معروفتان من كلامهم.

              تعليق

              • اسامة محمد خيري
                Registered User
                • Dec 2008
                • 12975

                #892
                سورة ق

                واختلف أهل العربية في موضع جواب هذا القسم، فقال بعض نحوِّيي البصرة { ق والقُرآنِ المَجِيدِ } قسم على قوله:
                { قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنْهُمْ }
                وقال بعض نحوِّيي أهل الكوفة: فيها المعنى الذي أقسم به، وقال: ذكر أنها قضى والله، وقال: يقال: إن قاف جبل محيط بالأرض، فإن يكن كذلك فكأنه في موضع رفع: أي هو قاف والله قال: وكان ينبغي لرفعه أن يظهر لأنه اسم وليس بهجاء قال: ولعلّ القاف وحدها ذكرت من اسمه، كما قال الشاعر:
                قُلْت لهَا قِفِي لَنَا قالَتْ قافْ
                ذُكرت القاف إرادة القاف من الوقف: أي إني واقفة.

                وهذا القول الثاني عندنا أولى القولين بالصواب، لأنه لا يعرف في أجوبة الإيمان قد، وإنما تجاب الأيمان إذا أجيبت بأحد الحروف الأربعة: اللام، وإن، وما، ولا، أو بترك جوابها فيكون ساقطاً.

                تعليق

                • اسامة محمد خيري
                  Registered User
                  • Dec 2008
                  • 12975

                  #893
                  { أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ } * { قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ظ±لأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ }

                  يقول القائل: لم يجر للبعث ذكر، فيخبر عن هؤلاء القوم بكفرهم ما دعوا إليه من ذلك، فما وجه الخبر عنهم بإنكارهم ما لم يدعوا إليه، وجوابهم عما لم يُسألوا عنه. قيل: قد اختلف أهل العربية في ذلك، فنذكر ما قالوا في ذلك، ثم نتبعه البيان إن شاء الله تعالى، فقال في ذلك بعض نحوِّيي البصرة قال: { أئذا مِتْنا وكُنَّا تُرَاباً ذَلكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ } ، لم يذكر أنه راجع، وذلك والله أعلم لأنه كان على جواب، كأنه قيل لهم: إنكم ترجعون، فقالوا: { أئِذَا متنا وكُنَّا تُرَاباً ذَلكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ } وقال بعض نحوِّيي الكوفة قوله: { أئِذَا متْنا وكُنَّا تُرَاباً } كلام لم يظهر قبله، ما يكون هذا جواباً له، ولكن معناه مضمر، إنما كان والله أعلم:
                  { ق والقرآن المجيد }
                  لَتُبْعثنّ بعد الموت، فقالوا: أئذَا كنا تراباً بُعثنا؟ جحدوا البعث، ثم قالوا: { ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ } جحدوه أصلاً، قوله: { بَعِيدٌ } كما تقول للرجل يخطىء في المسألة، لقد ذهبت مذهباً بعيداً من الصواب: أي أخطأت. والصواب من القول في ذلك عندنا، أن في هذا الكلام متروكاً استغني بدلالة ما ذُكر عليه من ذكره، وذلك أن الله دلّ بخبره عن تكذيب هؤلاء المشركين الذين ابتدأ هذه السورة بالخبر عن تكذيبهم رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم بقوله:
                  { بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقالَ الكافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ }
                  على وعيده إياهم على تكذيبهم محمداً صلى الله عليه وسلم، فكأنه قال لهم: إذ قالوا منكرين رسالة الله رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم
                  { هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ }
                  ستعلمون أيها القوم إذا أنتم بُعثتم يوم القيامة ما يكون حالكم في تكذيبكم محمداً صلى الله عليه وسلم، وإنكاركم نبوّته، فقالوا مجيبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أئِذَا مِتْنا وكُنَّا تُراباً نعلم ذلك، ونرى ما تعدنا على تكذيبك { ذلكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ }: أي أن ذلك غير كائن، ولسنا راجعين أحياء بعد مماتنا، فاستغني بدلالة قوله:
                  { بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فقال الكافرون هَذَا شَيْءٌ عَجيبٌ }
                  من ذكر ما ذكرت من الخبر عن وعيدهم. وفيما:

                  حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول قي قوله: { أئِذَا متْنا وكُنَّا تُرَاباً ذلكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ } قالوا: كيف يحيينا الله، وقد صرنا عظاماً ورفاتاً، وضللنا في الأرض، دلالة على صحة ما قلنا من أنهم أنكروا البعث إذا توعَّدوا به...

                  تعليق

                  • اسامة محمد خيري
                    Registered User
                    • Dec 2008
                    • 12975

                    #894
                    وقد ذُكر عن أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه أنه كان يقرأ «وَجاءَتْ سَكْرَةُ الحَقّ بالمَوْتِ». ذكر الرواية بذلك:

                    حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن واصل، عن أبي وائل، قال: لما كان أبو بكر رضي الله عنه يقضي، قالت عائشة رضي الله عنها هذا، كما قال الشاعر:
                    إذَا حَشْرَجَتْ يَوْماً وَضَاقَ بِها الصَّدْرُ
                    فقال أبو بكر رضي الله عنه: لا تقولي ذلك، ولكنه كما قال الله عزّ وجلّ: { وَجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بالحَقّ ذلكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ }. وقد ذُكر أن ذلك كذلك في قراءة ابن مسعود. ولقراءة من قرأ ذلك كذلك من التأويل وجهان:

                    أحدهما: وجاءت سكرة الله بالموت، فيكون الحقّ هو الله تعالى ذكره. والثاني: أن تكون السكرة هي الموت أُضيفت إلى نفسها، كما قيل: { إنَّ هذَا لهُوَ حَقُّ اليَقِينِ }. ويكون تأويل الكلام: وجاءت السكرةُ الحقُّ بالموت.

                    تعليق

                    • اسامة محمد خيري
                      Registered User
                      • Dec 2008
                      • 12975

                      #895
                      حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: { وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ } يعني المشركين.

                      وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال: عنى بها البرّ والفاجر، لأن الله أتبع هذه الآيات قوله:
                      { وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُه }
                      والإنسان في هذا الموضع بمعنى: الناس كلهم، غير مخصوص منهم بعض دون بعض. فمعلوم إذا كان ذلك كذلك أن معنى قوله:
                      { وَجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بالحَقّ }
                      وجاءتك أيها الإنسان سكرة الموت بالحقّ { ذلكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدٌ } وإذا كان ذلك كذلك كانت بينةٌ صحة ما قلنا...

                      حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا } قال: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: لقد كنت في غفلة من هذا الأمر يا محمد، كنت مع القوم في جاهليتهم { فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ }.

                      وعلى هذا التأويل الذي قاله ابن زيد يجب أن يكون هذا الكلام خطاباً من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم أنه كان في غفلة في الجاهلية من هذا الدين الذي بعثه به، فكشف عنه غطاءه الذي كان عليه في الجاهلية، فنفذ بصره بالإيمان وتبيَّنه حتى تقررّ ذلك عنده، فصار حادّ البصر به. ذكر من قال: هو جميع الخلق من الجنّ والإنس.

                      حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني يعقوب بن عبد الرحمن الزهريّ، قال: سألت عن ذلك الحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، فقال: يريد به البرّ والفاجر، { فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكُ اليَوْمَ حَدِيدٌ } قال: وكُشِف الغطاء عن البرّ والفاجر، فرأى كلّ ما يصير إليه. وبنحو الذي قلنا في معنى قوله: { فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ } قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

                      حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: { فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ } قال: الحياة بعد الموت.

                      تعليق

                      • اسامة محمد خيري
                        Registered User
                        • Dec 2008
                        • 12975

                        #896
                        يقول تعالى ذكره: وقال قرين هذا الإنسان الذي جاء به يوم القيامة معه سائق وشهيد. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

                        حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { وَقالَ قَرِينُهُ هَذَا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ } الملك.

                        حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { وقَالَ قَرِينُهُ هَذَا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ... } إلى آخر الآية، قال: هذا سائقه الذي وُكِّل به، وقرأ { وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهيدٌ }.

                        وقوله: { هَذَا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ } يقول تعالى ذكره مخبراً عن قِيل قَرينِ هذا الإنسان عند موافاته ربه به، ربّ هذا ما لديّ عتيد: يقول: هذا الذي هو عندي معدّ محفوظ. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

                        حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { هَذَا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ } قال: والعتيد: الذي قد أخذه، وجاء به السائق والحافظ معه جميعاً....

                        وقوله: { أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ } فيه متروك استغنى بدلالة الظاهر عليه منه، وهو: يقال ألقيا في جهنم، أو قال تعالى: ألقيا، فأخرج الأمر للقرين، وهو بلفظ واحد مخرج خطاب الاثنين. وفي ذلك وجهان من التأويل: أحدهما: أن يكون القرين بمعنى الاثنين، كالرسول، والاسم الذي يكون بلفظ الواحد في الواحد، والتثنية والجمع، فردّ قوله: { أَلْقِيا في جَهَنَّمَ } إلى المعنى. والثاني: أن يكون كما كان بعض أهل العربية يقول، وهو أن العرب تأمر الواحد والجماعة بما تأمر به الاثنين، فتقول للرجل ويلك أرحلاها وازجراها، وذكر أنه سَمِعها من العرب قال: وأنشدني بعضهم:
                        فَقُلْتُ لصَاحِبي لا تَحْبسانا بنزْعِ أُصُولهِ واجْتَزَّ شيحا
                        وقال: وأنشدني أبو ثروان:
                        فإنْ تَزْجُرانِي يا بْنَ عَفَّانَ أنْزَجِرْ وَإنْ تَدَعانِي أحْمِ عِرْضاً مُمَنَّعا
                        قال: فيروي أن ذلك منهم أن الرجل أدنى أعوانه في إبله وغنمه اثنان، وكذلك الرفقة أدنى ما تكون ثلاثة، فجرى كلام الواحد على صاحبيه، وقال: ألا ترى الشعراء أكثر شيئاً قيلاً يا صاحبيّ يا خليليّ، وقال امرؤ القَيس:
                        خَلِيلَيَّ مُرَّا بِي على أُمّ جُنْدَبِ نُقَضِّ لُباناتِ الفُؤَادِ المُعَذَّبِ
                        ثم قال:
                        ألَمْ تَرَ أنّي كُلَّما جِئْتُ طارِفاً وَجَدْتُ بِها طِيْباً وَإنْ لَّمْ تَطَيَّبِ
                        فرجع إلى الواحد، وأوّل الكلام اثنان؛ قال: وأنشدني بعضهم:
                        خَلِيلَيَّ قُوما في عَطالَةَ فانْظُرَا: أنارٌ تُرَى مِنْ ذِي أبانَيْنِ أَمْ بَرْقا
                        وبعضهم يروي: أناراً نرى....

                        تعليق

                        • اسامة محمد خيري
                          Registered User
                          • Dec 2008
                          • 12975

                          #897
                          أما قوله ( هل من مزيد ) فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله ، فقال بعضهم : معناه : ما من مزيد . قالوا : وإنما يقول الله لها : هل امتلأت بعد أن يضع قدمه فيها ، فينزوي بعضها إلى بعض ، وتقول : قط قط ، من تضايقها ، [ ص: 360 ] فإذا قال لها وقد صارت كذلك : هل امتلأت ؟ قالت حينئذ : هل من مزيد : أي ما من مزيد ، لشدة امتلائها ، وتضايق بعضها إلى بعض .

                          ذكر من قال ذلك :

                          حدثني محمد بن سعد قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله ( يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد ) قال ابن عباس : " إن الله الملك تبارك وتعالى قد سبقت كلمته ( لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ) فلما بعث الناس وأحضروا ، وسيق أعداء الله إلى النار زمرا ، جعلوا يقتحمون في جهنم فوجا فوجا ، لا يلقى في جهنم شيء إلا ذهب فيها ، ولا يملؤها شيء ، قالت : ألست قد أقسمت لتملأني من الجنة والناس أجمعين؟ فوضع قدمه ، فقالت حين وضع قدمه فيها : قد قد ، ‌ فإني قد امتلأت ، فليس لي مزيد ، ولم يكن يملؤها شيء ، حتى وجدت مس ما وضع عليها ، فتضايقت حين جعل عليها ما جعل ، فامتلأت فما فيها موضع إبرة " .

                          حدثني محمد بن عمرو قال : ثنا أبو عاصم قال : ثنا عيسى ، وحدثني الحارث قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله ( وتقول هل من مزيد ) قال : وعدها الله ليملأنها ، فقال : هلا وفيتك؟ قالت : وهل من مسلك .

                          حدثت عن الحسين قال : سمعت أبا معاذ ، يقول : أخبرنا عبيد قال : سمعت الضحاك يقول في قوله ( يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد ) كان ابن عباس يقول : " إن الله الملك ، قد سبقت منه كلمة ( لأملأن جهنم ) لا يلقى فيها شيء إلا ذهب فيها ، لا يملؤها شيء ، حتى إذا لم يبق من أهلها أحد إلا دخلها ، وهي لا يملؤها شيء ، أتاها الرب فوضع قدمه عليها ، ثم قال لها : هل امتلأت يا جهنم؟ فتقول : قط قط ; قد امتلأت ، ملأتني من الجن والإنس فليس في مزيد ; قال ابن عباس : ولم يكن يملؤها شيء حتى وجدت [ ص: 361 ] مس قدم الله - تعالى ذكره - ، فتضايقت ، فما فيها موضع إبرة " .

                          وقال آخرون : بل معنى ذلك : زدني ، إنما هو هل من مزيد ، بمعنى الاستزادة .

                          ذكر من قال ذلك :

                          حدثنا ابن حميد قال : ثنا يحيى بن واضح قال : ثنا الحسين بن ثابت ، عن أنس قال : " يلقى في جهنم وتقول : هل من مزيد ثلاثا ، حتى يضع قدمه فيها ، فينزوي بعضها إلى بعض ، فتقول : قط قط ، ثلاثا " .

                          حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله ( يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد ) لأنها قد امتلأت ، وهل من مزيد : هل بقي أحد؟ قال : هذان الوجهان في هذا ، والله أعلم ، قال : قالوا هذا وهذا .

                          وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال : هو بمعنى الاستزادة ، هل من شيء أزداده؟

                          وإنما قلنا ذلك أولى القولين بالصواب لصحة الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما حدثني أحمد بن المقدام العجلي قال : ثنا محمد بن عبد الرحمن الطفاوي قال : ثنا أيوب ، عن محمد ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إذا كان يوم القيامة ، لم يظلم الله أحدا من خلقه شيئا ، ويلقي في النار ، تقول هل من مزيد ، حتى يضع عليها قدمه ، فهنالك يملؤها ، ويزوى بعضها إلى بعض وتقول : قط قط " .

                          حدثنا أحمد بن المقدام قال : ثنا المعتمر بن سليمان قال : سمعت أبي يحدث عن قتادة ، عن أنس قال : " ما تزال جهنم تقول : هل من مزيد؟ حتى يضع الله عليها قدمه ، فتقول : قد قد ، وما يزال في الجنة فضل حتى ينشئ الله خلقا ، فيسكنه فضول الجنة " . [ ص: 362 ]

                          حدثني يعقوب بن إبراهيم قال : ثنا ابن علية قال : أخبرنا أيوب وهشام بن حسان ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة قال : " اختصمت الجنة والنار ، فقالت الجنة : ما لي إنما يدخلني فقراء الناس وسقطهم; وقالت النار : ما لي إنما يدخلني الجبارون والمتكبرون ، فقال : أنت رحمتي أصيب بك من أشاء ، وأنت عذابي أصيب بك من أشاء ، ولكل واحدة منكما ملؤها . فأما الجنة فإن الله ينشئ لها من خلقه ما شاء . وأما النار فيلقون فيها وتقول : هل من مزيد ؟ ويلقون فيها وتقول هل من مزيد؟ ، حتى يضع فيها قدمه ، فهناك تملأ ويزوى بعضها إلى بعض ، وتقول : قط ، قط " .

                          حدثنا ابن عبد الأعلى قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن ثور ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " احتجت الجنة والنار ، فقالت الجنة : مالي لا يدخلني إلا فقراء الناس؟ وقالت النار : مالي لا يدخلني إلا الجبارون والمتكبرون؟ فقال للنار : أنت عذابي أصيب بك من أشاء ; وقال للجنة : أنت رحمتي أصيب بك من أشاء ، ولكل واحدة منكما ملؤها; فأما الجنة فإن الله عز وجل ينشئ لها ما شاء ; وأما النار فيلقون فيها وتقول : هل من مزيد ، حتى يضع قدمه فيها ، هنالك تمتلئ ، وينزوي بعضها إلى بعض ، وتقول : قط ، قط " .

                          حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، عن أنس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول : هل من مزيد حتى يضع رب العالمين قدمه ، فينزوي بعضها إلى بعض وتقول : قد ، قد ، بعزتك وكرمك ، ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشئ الله لها خلقا فيسكنهم فضل الجنة " .

                          حدثنا ابن المثنى قال : ثنا عبد الصمد قال : ثنا أبان العطار قال : ثنا قتادة ، عن أنس ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قال : " لا تزال جهنم [ ص: 363 ] تقول : هل من مزيد حتى يضع رب العالمين فيها قدمه ، فينزوي بعضها إلى بعض ، فتقول : بعزتك قط ، قط; وما يزال في الجنة فضل حتى ينشئ الله خلقا فيسكنه في فضل الجنة " .

                          قال : ثنا عمرو بن عاصم الكلابي قال : ثنا المعتمر ، عن أبيه ، قال : ثنا قتادة ، عن أنس قال : ما تزال جهنم تقول : هل من مزيد فذكر نحوه " غير أنه قال : أو كما قال .

                          حدثنا زياد بن أيوب قال : ثنا عبد الوهاب بن عطاء الخفاف ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن أنس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : " احتجت الجنة والنار ، فقالت النار : يدخلني الجبارون والمتكبرون; وقالت الجنة : يدخلني الفقراء والمساكين; فأوحى الله عز وجل إلى الجنة : أنت رحمتي أصيب بك من أشاء ، وأوحى إلى النار : أنت عذابي أصيب بك من أشاء ، ولكل واحدة منكما ملؤها; فأما النار فتقول : هل من مزيد؟ حتى يضع قدمه فيها ، فتقول : قط قط " . ففي قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : " لا تزال جهنم تقول هل من مزيد " دليل واضح على أن ذلك بمعنى الاستزادة لا بمعنى النفي ، لأن قوله : " لا تزال " دليل على اتصال قول بعد قول .

                          تعليق

                          • اسامة محمد خيري
                            Registered User
                            • Dec 2008
                            • 12975

                            #898
                            وقوله ( ولدينا مزيد ) يقول : وعندنا لهم على ما أعطيناهم من هذه [ ص: 367 ] الكرامة التي وصف جل ثناؤه صفتها مزيد يزيدهم إياه . وقيل : إن ذلك المزيد : النظر إلى الله جل ثناؤه .

                            ذكر من قال ذلك :

                            حدثني أحمد بن سهيل الواسطي قال : ثنا قرة بن عيسى قال : ثنا النضر بن عربي عن جده ، عن أنس ، " إن الله عز وجل إذا أسكن أهل الجنة الجنة ، وأهل النار النار ، هبط إلى مرج من الجنة أفيح ، فمد بينه وبين خلقه حجبا من لؤلؤ ، وحجبا من نور ثم وضعت منابر النور وسرر النور وكراسي النور ، ثم أذن لرجل على الله عز وجل بين يديه أمثال الجبال من النور يسمع دوي تسبيح الملائكة معه ، وصفق أجنحتهم فمد أهل الجنة أعناقهم ، فقيل : من هذا الذي قد أذن له على الله؟ فقيل : هذا المجعول بيده ، والمعلم الأسماء ، والذي أمرت الملائكة فسجدت له ، والذي له أبيحت الجنة ، آدم عليه السلام ، قد أذن له على الله تعالى; قال : ثم يؤذن لرجل آخر بين يديه أمثال الجبال من النور ، يسمع دوي تسبيح الملائكة معه ، وصفق أجنحتهم; فمد أهل الجنة أعناقهم ، فقيل : من هذا الذي قد أذن له على الله؟ فقيل : هذا الذي اتخذه الله خليلا وجعل عليه النار بردا وسلاما ، إبراهيم قد أذن له على الله . قال : ثم أذن لرجل آخر على الله ، بين يديه أمثال الجبال من النور يسمع دوي تسبيح الملائكة معه ، وصفق أجنحتهم; فمد أهل الجنة أعناقهم ، فقيل : من هذا الذي قد أذن له على الله؟ فقيل : هذا الذي اصطفاه الله برسالته وقربه نجيا ، وكلمه [ كلاما ] موسى عليه السلام ، قد أذن له على الله . قال : ثم يؤذن لرجل آخر معه مثل جميع مواكب النبيين قبله ، بين يديه أمثال الجبال ، [ من النور ] يسمع دوي تسبيح الملائكة معه ، وصفق أجنحتهم; فمد أهل الجنة أعناقهم ، فقيل : من هذا الذي قد أذن له على الله؟ فقيل : هذا أول شافع ، وأول مشفع ، وأكثر [ ص: 368 ] الناس واردة ، وسيد ولد آدم ; وأول من تنشق عن ذؤابتيه الأرض ، وصاحب لواء الحمد ، أحمد - صلى الله عليه وسلم - ، قد أذن له على الله . قال : فجلس النبيون على منابر النور ، [ والصديقون على سرر النور ; والشهداء على كراسي النور ] وجلس سائر الناس على كثبان المسك الأذفر الأبيض ، ثم ناداهم الرب تعالى من وراء الحجب : مرحبا بعبادي وزواري وجيراني ووفدي . يا ملائكتي ، انهضوا إلى عبادي ، فأطعموهم . قال : فقربت إليهم من لحوم طير ، كأنها البخت لا ريش لها ولا عظم ، فأكلوا ، قال : ثم ناداهم الرب من وراء الحجاب : مرحبا بعبادي وزواري وجيراني ووفدي ، أكلوا اسقوهم . قال : فنهض إليهم غلمان كأنهم اللؤلؤ المكنون بأباريق الذهب والفضة بأشربة مختلفة لذيذة ، لذة آخرها كلذة أولها ، لا يصدعون عنها ولا ينزفون; ثم ناداهم الرب من وراء الحجب : مرحبا بعبادي وزواري وجيراني ووفدي ، أكلوا وشربوا ، فكهوهم . قال : فيقرب إليهم على أطباق مكللة بالياقوت والمرجان; ومن الرطب الذي سمى الله ، أشد بياضا من اللبن ، وأطيب عذوبة من العسل . قال : فأكلوا ثم ناداهم الرب من وراء الحجب : مرحبا بعبادي وزواري وجيراني ووفدي ، أكلوا وشربوا ، وفكهوا; اكسوهم; قال ففتحت لهم ثمار الجنة بحلل مصقولة بنور الرحمن فألبسوها . قال : ثم ناداهم الرب تبارك وتعالى من وراء الحجب : مرحبا بعبادي وزواري وجيراني ووفدي; أكلوا ، وشربوا ، وفكهوا ، وكسوا؛ طيبوهم . قال : فهاجت عليهم ريح يقال لها المثيرة ، بأباريق المسك [ الأبيض ] الأذفر ، فنفحت على وجوههم من غير غبار ولا قتام . قال : ثم ناداهم الرب عز وجل من وراء الحجب : مرحبا بعبادي وزواري وجيراني ووفدي ، أكلوا وشربوا وفكهوا ، وكسوا وطيبوا ، وعزتي لأتجلين لهم حتى ينظروا إلي قال : فذلك انتهاء العطاء وفضل المزيد; قال : فتجلى لهم الرب عز [ ص: 369 ] وجل ، ثم قال : السلام عليكم عبادي ، انظروا إلي فقد رضيت عنكم . قال : فتداعت قصور الجنة وشجرها : سبحانك أربع مرات ، وخر القوم سجدا; قال : فناداهم الرب تبارك وتعالى : عبادي ، ارفعوا رءوسكم فإنها ليست بدار عمل ، ولا دار نصب؛ إنما هي دار جزاء وثواب ، وعزتي وجلالي ما خلقتها إلا من أجلكم ، وما من ساعة ذكرتموني فيها في دار الدنيا ، إلا ذكرتكم فوق عرشي " .

                            حدثنا علي بن الحسين بن أبجر قال : ثنا عمر بن يونس اليمامي قال : ثنا جهضم بن عبد الله بن أبي الطفيل قال : ثني أبو طيبة ، عن معاوية العبسي ، عن عثمان بن عمير ، عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أتاني جبريل عليه السلام في كفه مرآة بيضاء ، فيها نكتة سوداء فقلت : يا جبريل ما هذه؟ قال : هذه الجمعة ، قلت : فما هذه النكتة السوداء فيها؟ قال : هي الساعة تقوم يوم الجمعة وهو سيد الأيام عندنا ، ونحن ندعوه في الآخرة يوم المزيد; قلت : ولم تدعون يوم المزيد قال : إن ربك تبارك وتعالى اتخذ في الجنة واديا أفيح من مسك أبيض ، فإذا كان يوم الجمعة نزل من عليين على كرسيه ، ثم حف الكرسي بمنابر من نور ، ثم جاء النبيون حتى يجلسوا عليها ثم تجيء أهل الجنة حتى يجلسوا على الكثب فيتجلى لهم ربهم عز وجل حتى ينظروا إلى وجهه وهو يقول : أنا الذي صدقتكم عدتي ، وأتممت عليكم نعمتي ، فهذا محل كرامتي ، فسلوني ، فيسألونه الرضا ، فيقول : رضاي أحلكم داري وأنالكم كرامتي ، فسلوني ، فيسألونه حتى تنتهي رغبتهم ، فيفتح لهم عند ذلك ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، إلى مقدار منصرف الناس من الجمعة حتى يصعد على كرسيه فيصعد معه الصديقون والشهداء ، وترجع أهل الجنة إلى غرفهم درة بيضاء ، لا نظم فيها ولا فصم ، أو ياقوتة حمراء ، أو زبرجدة خضراء ، منها غرفها وأبوابها ، فليسوا إلى شيء أحوج منهم إلى يوم الجمعة ، ليزدادوا منه كرامة ، وليزدادوا نظرا إلى وجهه ، ولذلك دعي يوم المزيد " . [ ص: 370 ]

                            حدثنا ابن حميد قال : ثنا جرير ، عن ليث بن أبي سليم ، عن عثمان بن عمير ، عن أنس بن مالك ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، نحو حديث علي بن الحسين .

                            حدثنا الربيع بن سليمان قال : ثنا أسد بن موسى قال : ثنا يعقوب بن إبراهيم ، عن صالح بن حيان ، عن أبي بريدة ، عن أنس بن مالك ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بنحوه .

                            حدثني يعقوب بن إبراهيم قال : ثنا ابن علية قال : أخبرنا ابن عون ، عن محمد قال : حدثنا ، أو قال : " قالوا : إن أدنى أهل الجنة منزلة ، الذي يقال له تمن ، ويذكره أصحابه فيتمنى ، ويذكره أصحابه فيقال له ذلك ومثله معه . قال : قال ابن عمر : ذلك لك وعشرة أمثاله ، وعند الله مزيد " .

                            حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : أخبرنا عمرو بن الحارث أن دراجا أبا السمح ، حدثه عن أبي الهيثم ، عن أبي سعيد الخدري ، أنه قال عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن الرجل في الجنة ليتكئ سبعين سنة قبل أن يتحول ثم تأتيه امرأته فتضرب على منكبيه ، فينطر وجهه في خدها أصفى من المرآة ، وإن أدنى لؤلؤة عليها لتضيء ما بين المشرق والمغرب ، فتسلم عليه ، فيرد السلام ، ويسألها من أنت؟ فتقول : أنا من المزيد وإنه ليكون عليها سبعون ثوبا أدناها مثل النعمان من طوبى فينفذها بصره حتى يرى مخ ساقها من وراء ذلك ، وإن عليها من التيجان ، وإن أدنى لؤلؤة فيها لتضيء ما بين المشرق والمغرب " .

                            تعليق

                            • اسامة محمد خيري
                              Registered User
                              • Dec 2008
                              • 12975

                              #899
                              وقال آخرون: هي الصلاة بالليل في أيّ وقت صلى. ذكر من قال ذلك:

                              حدثني محمد بن عمارة الأسدي، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد { وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ } قال: من الليل كله.

                              والقول الذي قاله مجاهد في ذلك أقرب إلى الصواب، وذلك أن الله جلّ ثناؤه قال: { وَمَنِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ } فلم يَحُدّ وقتاً من الليل دون وقت. وإذا كان ذلك كذلك كان على جميع ساعات الليل. وإذا كان الأمر في ذلك على ما وصفنا، فهو بأن يكون أمراً بصلاة المغرب والعشاء، أشبه منه بأن يكون أمراً بصلاة العَتَمة، لأنهما يصلَّيان ليلاً....

                              وقال آخرون: هي النوافل في أدبار المكتوبات. ذكر من قال ذلك:

                              حدثنا بشر، قال: ثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { وأدْبارَ السُّجُودِ }: النوافل.

                              وأولى الأقوال في ذلك بالصحة، قول من قال: هما الركعتان بعد المغرب، لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك، ولولا ما ذكرت من إجماعها عليه، لرأيت أن القول في ذلك ما قاله ابن زيد، لأن الله جلّ ثناؤه لم يخصص بذلك صلاة دون صلاة، بل عمّ أدبار الصلوات كلها، فقال: وأدبار السجود، ولم تقم بأنه معنيّ به: دبر صلاة دون صلاة، حجة يجب التسليم لها من خبر ولا عقل.

                              تعليق

                              • اسامة محمد خيري
                                Registered User
                                • Dec 2008
                                • 12975

                                #900
                                سورة الذاريات

                                حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: { وَالذَّارِياتِ } قال: الرياح...

                                وقوله: { فالجارِياتِ يُسْراً } يقول: فالسفن التي تجري في البحار سهلاً يسيراً { فالمُقَسِّماتِ أمْراً } يقول: فالملائكة التي تقسم أمر الله في خلقه....

                                حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد { فالْحامِلاتِ وِقْراً } قال: السحاب تحمل المطر، { فالجارِياتِ يُسْراً } قال: السفن { فالمُقَسّماتِ أمْراً } قال: الملائكة ينزلها بأمره على من يشاء....

                                تعليق

                                يعمل...