القسم الثاني
[ALIGN=RIGHT]بسم الله الرحمن الرحيم
تتمّة...
على قولي: (فاعلم أنّك تقول إنّ اللطف واجب على الله تعالى، ولا يصحّ جعل الناس فاعلين لما وجب على الله تعالى فعله. إذ لا يجوز اجتماع فاعلين على الفعل في مذهبك. فعلى مذهبك لا يكون أحد من الخلق قد فعل اللطف، لأن كلّ لطف واجب على الله، وما وجب على الله فهو فاعله، فيكون ادعاؤك أنّ العقلاء فعلوا اللطف باطل. وإذا كان ادعاؤك ذلك باطلاً وهو أصل قياسك، فما تفرّع عليه باطل. فتنبّه )
علق هادي: (فيه إشكال. ولا بد لك أن تميز أن الإمام لطف من الألطاف وهناك العديد منها. وكل أفعال الله ألطاف. والعقل يدرك اللطف. ومشكلتك انك تخلق إشكالا لم نقله وتتهمنا به. ويرد ذلك بان للطف أقسام بعض يخص الله وبعضها الناس وبعضها. وهذا اللطف الذي نتكلم عنه بالنسبة للعقلاء يدركه كل عاقل وهو أمر فطري. فكل إنسان في أي مجتمع يدرك أن الظلم قبيح والعدل حسن وكذلك يدرك أن الإمام لطف لأنه يدفع الظلم ويرد الامانه وغيرها مما
يدركه العقل دون حاجه لشيء خارجي. الإنسان مصمم علي ذلك. ولا أحد من البشر يختلف فيها. فالإنسان يدرك هذه الألطاف وهذه القيم والحسن والقبيح، لانه مخلوق ومصمم علي نظام ينسجم مع الكون والتشريع. وما دام الإنسان يدرك القبيح والحسن . فلا محال أن يعرف إن نصب الإمام لطف. لانه حسن عقلا ووجدانا. وهذا الإشكال الذي سقته هو اعتمادا علي مبناك. ولو شئت لقلبته عليك. ولكني لا أريد أن اخرج من الموضوع لتشعبه.)
أقول: أنا يا هادي لم أكن أتكلّم في هذا يا صغيري. فليه بتضرب لخمة كلّ ما بسألك، أنا أتكلّم في لطف واحد هو نصب الإمام، أنت أوجبته على الله تعالى وقلت إن الناس فعلوه. فقلت كيف حصل ذلك؟! ولا يجتمع فاعلان على فعل. وإنني أتمنّى أن تقلب عليّ هذا الإشكال البسيط الذي خطر لي وأنا أقرأ كلامك. ولا أدري لماذا حين يكون مطلوباً منك أن تجيب تضيق بك العبارة، فتلجأ للإشارة، وتخشى أن تطيل أو تخرج عن الموضوع! ثمّ من قال لك إن إدراك اللطف أمر فطري يا هادي! كم تقول كلاماً فارغاً لا معنى له يا هادي. إنك لتحفظ أشياء حفظاً ولا تحققها، وتضع جملاً هكذا صفاً ربّما لمجرّد أن يقال إنك رددت علي. ولكن القرّاء أحذق من ذلك يا هادي فانتبه وحقق ما تكتب.
قولك: (واما أن كل لطف واجب علي الله فقد تكلمنا عنه فيما سبق وليس بالمعني الذي تسوقه هنا. لان اللطف هو باختصار تهيئه المقدمات والداعي لفعل الطاعة دون إلجاء وتمكين. فاللطف الواجب علي الله ليس كل لطف كما تصورت. فتأمل ولا تخلط الأمور ولا أريد أن أسوق لك أقوال المتكلمين في اللطف الواجب عليه عقلا؟)
أقول: اسمع يا هادي، دع عنك هذا الأسلوب المتعالي فحالك صارت معلومة لدي.
فأنتم قلتم إنّ نصب الإمام لطف. وقلتم إنّ هذا اللطف واجب على الله تعالى. فهذا الفعل الذي هو نصب الإمام ما هو الواجب على الله تعالى فيه بالضبط، أريد أن تحدد ذلك بالضبط (أي قل: يجب على الله تعالى منه كذا وكذا، وعلى البشر منه كذا وكذا) وسأريك ما وقعت فيه من أغلاط؟
قولك: (إن علماء الاشاعرة اعتقدوا أن الغرض يعود إليه سبحانه ولم يفرقوا بين غاية الفعل وغاية الفاعل. فخلطوا الحابل بالنابل. واما ما قلناه من اللطف الذي يفعله العقلاء وبين اللطف الذي يفعله الله فليس من باب المقايسة بين الفعلين. وإنما من حيث حسن هذا الفعل عقلا بذاته. فلا مقايسة كما يزعم أخينا بلال. وماذا يمكننا ان نسمي فعلا كهذا الذي تتحدث عنه ؟!!!!!)
أقول: نحن لم نخلط الحابل بالنابل يا هادي. ولو حاولت أن تجيب على الإشكال هـ، وسمحت بمناقشته بالمنطق، لعرفت قوته. وأنا لم أتطرّق إلى المقايسة بين الفعلين إلا لأنّه مبنى كلامك، كأني بك حين تريد تلخيص كلام علمائكم تأتي بأشياء غير دقيقة توقعك في الغلط. فيكون كلامك ركيكاً غير ملخّص. ولو أجبتني عن [أ]، وتفاعلت مع السؤال لرأيت أين غلطك. وعلى أيّ حال، أنا في انتظار أن تبيّن لي ما هو الجزء الواجب على الله تعالى من نصب الإمام، وسأعود إلى تقرير الكلام على نحو آخر يسهل عليك هضمه.
على قولي: (كلّ فعل من حيث هو ممكن، يتصوّر أن تتعلّق به الإرادة القديمة، فإذا كان الكلام عقلاً وهو كذلك بادعائكم، فلا مزية لفعل على ضدّ له في أن يترجح أحدهما على الآخر إلاّ نفس ..الخ)
علق هادي: (ان إرادته سبحانه ليست من نوع الرغبات والشوق وغيرها)
أقول: ومن الجاهل الذي ادعى ذلك. أنت تعلم أنّنا لا نقول هذا القول، فلم تأت به. أليس هذا تعريضاً لا يليق بموضع تحقيق.
وقال: (وإنما هي الداعي للإيجاد. وهذا الداعي هو نفس علمه بالخير والنظام الأحسن المقتضي للفعل والإيجاد. فلا يكون حادثا ولا قديما!!!)
أقول: الإرادة غير العلم عند العقل. وجعل الإرادة نفس العلم بالنظام الأحسن نفي لها قطعاً. وقولك لا يكون قديماً ولا حادثاً متهافت. لأنّ ارتفاعهما عن أمر محال. وحتى الاعتبارات فهي بالنسبة إلى المعتبر إما قديمة أو حادثة.
قولك: (والداعي هو ما أطلقوا عليه الإرادة لانه مقيد بالعلم. وليس كما ذهبت أخي من الإشكاليات دون معرفة مصطلحهم)
أقول: أنا أعرف مفهوم الإرادة عند الشيعة، فلا تتعب نفسك في شرحه. والإشكال قائم، لأنّ مذهبكم في الحقيقة هو كمذهب الفلاسفة النافين للإرادة، المثبتين لسلسلة العلل والمعلولات. فمعنى كلام الشيعة وكلام الفلاسفة واحد في أنّ الله تعالى لا إرادة له، بل هو فاعل بالاضطرار، مرّة بالعليّة، ومرّة وفق العلم بالنظام الأحسن. لأنّ إثبات الإرادة والاختيار ينافي إثبات كونه يجب عليه فعل النظام الأحسن. ولا يخفى عليك كم من الإشكالات على قولكم هذا. وإني أود أن نتباحث في هذا الموضوع باستفاضة وتفصيل. فأرجو أن تبدي فيه التفاعل المطلوب، لا كما تعاملت مع أسئلتي السابقة.
قولك: (أما الاشعريه فعندهم الإرادة صفة ثالثة غير العلم والقدرة وهي صفة قديمة وزائدة. فيتعدد القدماء عندكم، ويلزم من الذي قلته عدة محاذير، يلزمكم التسلسل لمنع تخصيص أحد الطرفين. بطلان قاعدة الترجيح لتساوي نسبه الفعل والترك والاستواء في الأوقات وهو يحتاج إلى مرجح يرجح التعلق ..... وتتسلسل الإرادات، وإيجاب الفاعل المختار وسلبه من إرادته)
أقول: لا شيء من ذلك يلزمنا. فبيّن لنا كيف يلزمنا لنردّ عليك. ونجيب إجمالاً أنّ الذات القديم واحد موصوف بالصفات، فلا تعدّد للقدماء. سلّمنا تعدّدهم لكن تعدّد الذوات القديمة هو المحال لا الصفات والأحوال القديمة. ولا تسلسل لأنّ التخصيص لعين الإرادة. ولا بطلان لأنّ المرجّح نفس الإرادة. بل لزوم التسلسل عند إثبات الداعي أحرى. أما أنّ إثبات الإرادة عندنا يلزم عنه إثبات الفاعل المختار وسلبه من إرادته، فلعمري إن استطعت أن تلزمني به لأعتزلنّ النقاش معك منهزماً. فما رأيك بهذه الفرصة الذهبيّة؟
قولك: (أما ما ورد في الآية (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) فلم نقل إن له سبحانه غرضا كما تزعم)
أقول: بل قلت ذلك بعظمة لسانك: [فالله الحكيم عندما خلق العالم كان لهدف وغاية [وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)]
قولك: (وإنما لا بد من التفريق بين غاية الفعل وغاية الفاعل، وإنما النفع يعود للإنسان. وفي كلامك تناقض فمره تقول ليس لله غرضا ومره تعود فتقول الغرض للإنسان فكلاهما فعل الله وفعله لغرض)
أقول: هذا كان كلامي: [إنه لو كان له غرض من فعله، فلا يخلو إما أن يكون تحصيل ذلك الغرض بالنسبة إليه تعالى أولى من عدم تحصيله أو أنّ تحصيله وعدمه متساويان بالنسبة إليه. والأول يلزم منه أنّ الله تعالى استفاد من ذلك الفعل تحصيل تلك الأولويّة، فيكون ناقصاً بذاته مستكملاً بغيره. وهو على الله تعالى محال. وعلى الثاني: لا يحصل الرجحان، فيمتنع الترجيح، فيرتفع الوجوب.
لا يقال: (حصولها وعدم حصولها بالنسبة إليه وإن كانت على التساوي، إلا أنّ حصولها أولى للعبد من عدم حصولها له، فلأجل الأولويّة العائدة إلى العبد ترجح الوجود على العدم)
لأنّا نقول: يصير الكلام عندئذ في فعله لتحصيل مصلحة العبد وعدم تحصيلها، فإما أن يكون تحصيلها وعدم تحصيلها بالنسبة إليه متساويين أو غير متساويين. وحينئذ يعود التقسيم السابق]
أقول: أنا أفرّق بين غاية الفعل وغاية الفاعل. ولكنّك أنت من لم يفهم أنّ غاية الفعل لا بدّ وأن تعود إلى غاية للفاعل. لأنّ التقسيم المذكور في استدلالي يعود إليه. وأما أنّي قلت الغرض للإنسان، فأنا لم أقل ذلك يا محترم، بل قلت: لا يقال.... كما هو مثبت، وأجبت عنه بقولي: لأنا نقول. فكلامي بلأنا نقول، جواباً على دخل مقدّر مقرّر بلا يقال. وفيه تناولت الغرض من الفعل أنها كما صرّحت به بقولك: (وإنما النفع يعود للإنسان). وجوابه أنّ كلّ ما يمكن أن يقدّر ههنا للإنسان إنما يعود فيه التقسيم المذكور آنفاً، كما هو مبيّن أعلاه. وأنت تتجاهل ذلك أو أنك لم تفهمه.
قولك: (وقلنا سابقا إن اللطف لا يبلغ حد الالجاء وانت تعود وتقول ان المشاهد ان الجن والانس ليسوا عبادا لله)
أقول: هذا أحسن جواب أجبت به يا هادي. ولكنك بيّنت أنّ الغرض من تعبيد الله الناس لربّهم هو منفعة الناس. فيكون لي ههنا اعتراض أنك اعتبرت تعبيد الناس لربّهم لطفاً واجباً على الله تعالى كما هو الظاهر من كلامك، لذلك لم تشترط فيه الإلجاء، فكيف تفسّر الاستدراج الثابت بنصّ الكتاب حال إيجاب اللطف عليه في هذا الباب.
قولك: (ومعظم كلامك مغروس قسرا)
أقول: هكذا يحس به فقط من لا يحسن تذوّقه. وإنك يا هادي لو تركت الهوى والسعي للغلبة البعيدة عن محطّ ناظريك وتجرّدت في تحقيق المسائل لإظهار الحقّ لوجدت أخاً قلّما جادت به الأزمان، ولا فخر.
فهذا ما تيسّر الآن، والله الموفّق [/ALIGN]
[ALIGN=RIGHT]بسم الله الرحمن الرحيم
تتمّة...
على قولي: (فاعلم أنّك تقول إنّ اللطف واجب على الله تعالى، ولا يصحّ جعل الناس فاعلين لما وجب على الله تعالى فعله. إذ لا يجوز اجتماع فاعلين على الفعل في مذهبك. فعلى مذهبك لا يكون أحد من الخلق قد فعل اللطف، لأن كلّ لطف واجب على الله، وما وجب على الله فهو فاعله، فيكون ادعاؤك أنّ العقلاء فعلوا اللطف باطل. وإذا كان ادعاؤك ذلك باطلاً وهو أصل قياسك، فما تفرّع عليه باطل. فتنبّه )
علق هادي: (فيه إشكال. ولا بد لك أن تميز أن الإمام لطف من الألطاف وهناك العديد منها. وكل أفعال الله ألطاف. والعقل يدرك اللطف. ومشكلتك انك تخلق إشكالا لم نقله وتتهمنا به. ويرد ذلك بان للطف أقسام بعض يخص الله وبعضها الناس وبعضها. وهذا اللطف الذي نتكلم عنه بالنسبة للعقلاء يدركه كل عاقل وهو أمر فطري. فكل إنسان في أي مجتمع يدرك أن الظلم قبيح والعدل حسن وكذلك يدرك أن الإمام لطف لأنه يدفع الظلم ويرد الامانه وغيرها مما
يدركه العقل دون حاجه لشيء خارجي. الإنسان مصمم علي ذلك. ولا أحد من البشر يختلف فيها. فالإنسان يدرك هذه الألطاف وهذه القيم والحسن والقبيح، لانه مخلوق ومصمم علي نظام ينسجم مع الكون والتشريع. وما دام الإنسان يدرك القبيح والحسن . فلا محال أن يعرف إن نصب الإمام لطف. لانه حسن عقلا ووجدانا. وهذا الإشكال الذي سقته هو اعتمادا علي مبناك. ولو شئت لقلبته عليك. ولكني لا أريد أن اخرج من الموضوع لتشعبه.)
أقول: أنا يا هادي لم أكن أتكلّم في هذا يا صغيري. فليه بتضرب لخمة كلّ ما بسألك، أنا أتكلّم في لطف واحد هو نصب الإمام، أنت أوجبته على الله تعالى وقلت إن الناس فعلوه. فقلت كيف حصل ذلك؟! ولا يجتمع فاعلان على فعل. وإنني أتمنّى أن تقلب عليّ هذا الإشكال البسيط الذي خطر لي وأنا أقرأ كلامك. ولا أدري لماذا حين يكون مطلوباً منك أن تجيب تضيق بك العبارة، فتلجأ للإشارة، وتخشى أن تطيل أو تخرج عن الموضوع! ثمّ من قال لك إن إدراك اللطف أمر فطري يا هادي! كم تقول كلاماً فارغاً لا معنى له يا هادي. إنك لتحفظ أشياء حفظاً ولا تحققها، وتضع جملاً هكذا صفاً ربّما لمجرّد أن يقال إنك رددت علي. ولكن القرّاء أحذق من ذلك يا هادي فانتبه وحقق ما تكتب.
قولك: (واما أن كل لطف واجب علي الله فقد تكلمنا عنه فيما سبق وليس بالمعني الذي تسوقه هنا. لان اللطف هو باختصار تهيئه المقدمات والداعي لفعل الطاعة دون إلجاء وتمكين. فاللطف الواجب علي الله ليس كل لطف كما تصورت. فتأمل ولا تخلط الأمور ولا أريد أن أسوق لك أقوال المتكلمين في اللطف الواجب عليه عقلا؟)
أقول: اسمع يا هادي، دع عنك هذا الأسلوب المتعالي فحالك صارت معلومة لدي.
فأنتم قلتم إنّ نصب الإمام لطف. وقلتم إنّ هذا اللطف واجب على الله تعالى. فهذا الفعل الذي هو نصب الإمام ما هو الواجب على الله تعالى فيه بالضبط، أريد أن تحدد ذلك بالضبط (أي قل: يجب على الله تعالى منه كذا وكذا، وعلى البشر منه كذا وكذا) وسأريك ما وقعت فيه من أغلاط؟
قولك: (إن علماء الاشاعرة اعتقدوا أن الغرض يعود إليه سبحانه ولم يفرقوا بين غاية الفعل وغاية الفاعل. فخلطوا الحابل بالنابل. واما ما قلناه من اللطف الذي يفعله العقلاء وبين اللطف الذي يفعله الله فليس من باب المقايسة بين الفعلين. وإنما من حيث حسن هذا الفعل عقلا بذاته. فلا مقايسة كما يزعم أخينا بلال. وماذا يمكننا ان نسمي فعلا كهذا الذي تتحدث عنه ؟!!!!!)
أقول: نحن لم نخلط الحابل بالنابل يا هادي. ولو حاولت أن تجيب على الإشكال هـ، وسمحت بمناقشته بالمنطق، لعرفت قوته. وأنا لم أتطرّق إلى المقايسة بين الفعلين إلا لأنّه مبنى كلامك، كأني بك حين تريد تلخيص كلام علمائكم تأتي بأشياء غير دقيقة توقعك في الغلط. فيكون كلامك ركيكاً غير ملخّص. ولو أجبتني عن [أ]، وتفاعلت مع السؤال لرأيت أين غلطك. وعلى أيّ حال، أنا في انتظار أن تبيّن لي ما هو الجزء الواجب على الله تعالى من نصب الإمام، وسأعود إلى تقرير الكلام على نحو آخر يسهل عليك هضمه.
على قولي: (كلّ فعل من حيث هو ممكن، يتصوّر أن تتعلّق به الإرادة القديمة، فإذا كان الكلام عقلاً وهو كذلك بادعائكم، فلا مزية لفعل على ضدّ له في أن يترجح أحدهما على الآخر إلاّ نفس ..الخ)
علق هادي: (ان إرادته سبحانه ليست من نوع الرغبات والشوق وغيرها)
أقول: ومن الجاهل الذي ادعى ذلك. أنت تعلم أنّنا لا نقول هذا القول، فلم تأت به. أليس هذا تعريضاً لا يليق بموضع تحقيق.
وقال: (وإنما هي الداعي للإيجاد. وهذا الداعي هو نفس علمه بالخير والنظام الأحسن المقتضي للفعل والإيجاد. فلا يكون حادثا ولا قديما!!!)
أقول: الإرادة غير العلم عند العقل. وجعل الإرادة نفس العلم بالنظام الأحسن نفي لها قطعاً. وقولك لا يكون قديماً ولا حادثاً متهافت. لأنّ ارتفاعهما عن أمر محال. وحتى الاعتبارات فهي بالنسبة إلى المعتبر إما قديمة أو حادثة.
قولك: (والداعي هو ما أطلقوا عليه الإرادة لانه مقيد بالعلم. وليس كما ذهبت أخي من الإشكاليات دون معرفة مصطلحهم)
أقول: أنا أعرف مفهوم الإرادة عند الشيعة، فلا تتعب نفسك في شرحه. والإشكال قائم، لأنّ مذهبكم في الحقيقة هو كمذهب الفلاسفة النافين للإرادة، المثبتين لسلسلة العلل والمعلولات. فمعنى كلام الشيعة وكلام الفلاسفة واحد في أنّ الله تعالى لا إرادة له، بل هو فاعل بالاضطرار، مرّة بالعليّة، ومرّة وفق العلم بالنظام الأحسن. لأنّ إثبات الإرادة والاختيار ينافي إثبات كونه يجب عليه فعل النظام الأحسن. ولا يخفى عليك كم من الإشكالات على قولكم هذا. وإني أود أن نتباحث في هذا الموضوع باستفاضة وتفصيل. فأرجو أن تبدي فيه التفاعل المطلوب، لا كما تعاملت مع أسئلتي السابقة.
قولك: (أما الاشعريه فعندهم الإرادة صفة ثالثة غير العلم والقدرة وهي صفة قديمة وزائدة. فيتعدد القدماء عندكم، ويلزم من الذي قلته عدة محاذير، يلزمكم التسلسل لمنع تخصيص أحد الطرفين. بطلان قاعدة الترجيح لتساوي نسبه الفعل والترك والاستواء في الأوقات وهو يحتاج إلى مرجح يرجح التعلق ..... وتتسلسل الإرادات، وإيجاب الفاعل المختار وسلبه من إرادته)
أقول: لا شيء من ذلك يلزمنا. فبيّن لنا كيف يلزمنا لنردّ عليك. ونجيب إجمالاً أنّ الذات القديم واحد موصوف بالصفات، فلا تعدّد للقدماء. سلّمنا تعدّدهم لكن تعدّد الذوات القديمة هو المحال لا الصفات والأحوال القديمة. ولا تسلسل لأنّ التخصيص لعين الإرادة. ولا بطلان لأنّ المرجّح نفس الإرادة. بل لزوم التسلسل عند إثبات الداعي أحرى. أما أنّ إثبات الإرادة عندنا يلزم عنه إثبات الفاعل المختار وسلبه من إرادته، فلعمري إن استطعت أن تلزمني به لأعتزلنّ النقاش معك منهزماً. فما رأيك بهذه الفرصة الذهبيّة؟
قولك: (أما ما ورد في الآية (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) فلم نقل إن له سبحانه غرضا كما تزعم)
أقول: بل قلت ذلك بعظمة لسانك: [فالله الحكيم عندما خلق العالم كان لهدف وغاية [وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)]
قولك: (وإنما لا بد من التفريق بين غاية الفعل وغاية الفاعل، وإنما النفع يعود للإنسان. وفي كلامك تناقض فمره تقول ليس لله غرضا ومره تعود فتقول الغرض للإنسان فكلاهما فعل الله وفعله لغرض)
أقول: هذا كان كلامي: [إنه لو كان له غرض من فعله، فلا يخلو إما أن يكون تحصيل ذلك الغرض بالنسبة إليه تعالى أولى من عدم تحصيله أو أنّ تحصيله وعدمه متساويان بالنسبة إليه. والأول يلزم منه أنّ الله تعالى استفاد من ذلك الفعل تحصيل تلك الأولويّة، فيكون ناقصاً بذاته مستكملاً بغيره. وهو على الله تعالى محال. وعلى الثاني: لا يحصل الرجحان، فيمتنع الترجيح، فيرتفع الوجوب.
لا يقال: (حصولها وعدم حصولها بالنسبة إليه وإن كانت على التساوي، إلا أنّ حصولها أولى للعبد من عدم حصولها له، فلأجل الأولويّة العائدة إلى العبد ترجح الوجود على العدم)
لأنّا نقول: يصير الكلام عندئذ في فعله لتحصيل مصلحة العبد وعدم تحصيلها، فإما أن يكون تحصيلها وعدم تحصيلها بالنسبة إليه متساويين أو غير متساويين. وحينئذ يعود التقسيم السابق]
أقول: أنا أفرّق بين غاية الفعل وغاية الفاعل. ولكنّك أنت من لم يفهم أنّ غاية الفعل لا بدّ وأن تعود إلى غاية للفاعل. لأنّ التقسيم المذكور في استدلالي يعود إليه. وأما أنّي قلت الغرض للإنسان، فأنا لم أقل ذلك يا محترم، بل قلت: لا يقال.... كما هو مثبت، وأجبت عنه بقولي: لأنا نقول. فكلامي بلأنا نقول، جواباً على دخل مقدّر مقرّر بلا يقال. وفيه تناولت الغرض من الفعل أنها كما صرّحت به بقولك: (وإنما النفع يعود للإنسان). وجوابه أنّ كلّ ما يمكن أن يقدّر ههنا للإنسان إنما يعود فيه التقسيم المذكور آنفاً، كما هو مبيّن أعلاه. وأنت تتجاهل ذلك أو أنك لم تفهمه.
قولك: (وقلنا سابقا إن اللطف لا يبلغ حد الالجاء وانت تعود وتقول ان المشاهد ان الجن والانس ليسوا عبادا لله)
أقول: هذا أحسن جواب أجبت به يا هادي. ولكنك بيّنت أنّ الغرض من تعبيد الله الناس لربّهم هو منفعة الناس. فيكون لي ههنا اعتراض أنك اعتبرت تعبيد الناس لربّهم لطفاً واجباً على الله تعالى كما هو الظاهر من كلامك، لذلك لم تشترط فيه الإلجاء، فكيف تفسّر الاستدراج الثابت بنصّ الكتاب حال إيجاب اللطف عليه في هذا الباب.
قولك: (ومعظم كلامك مغروس قسرا)
أقول: هكذا يحس به فقط من لا يحسن تذوّقه. وإنك يا هادي لو تركت الهوى والسعي للغلبة البعيدة عن محطّ ناظريك وتجرّدت في تحقيق المسائل لإظهار الحقّ لوجدت أخاً قلّما جادت به الأزمان، ولا فخر.
فهذا ما تيسّر الآن، والله الموفّق [/ALIGN]

تعليق