************************************************** **********
أما كلامُ السلف في منع اتصاف الله تعالى بالصفات الحادثة أيًّا كانت، فأذكر منه تمثيلا لا حصرًا:
1- إجماعُ الصحّابة
رواهُ ابن الجوزيّ في تفسيره بسنده فقال:
" أخبرنا عبد الوهاب الحافظ قال : أخبرنا عاصم قال : أخبرنا ابن بشران قال : أخبرنا ابن صفوان قال : حدثنا ابن أبي الدنيا قال : حدثني هارون قال : حدثني عفان عن مبارك بن فضاله قال : سمعت الحسن يقول : كانوا يقولون ، يعني : أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم :
الحمد لله الرفيق، الذي لو جعل هذا الخلق خلقاً دائماً لا يتصرف، لقال الشاك في الله: لو كان لهذا الخلق ربٌ لحادثه ، وإن الله تعالى قد حادث بما ترون من الآيات ، إنه جاء بضوء طبَّق ما بين الخافقين، وجعل فيها معاشاً، وسراجاً وهاجاً ، ثم إذا شاء ذهب بذلك الخلق ، وجاء بظلمة طبَّقت ما بين الخافقين، وجعل فيه سكناً ونجوماً، وقمراً منيراً ، و إذا شاء ، بنى بناء ، جعل فيه المطر ، والبرق ، والرعد ، والصواعق ، ما شاء ، وإذا شاء صرف ذلك ، و إذا شاء جاء ببرد يقرقف الناس ، وإذا شاء ذهب بذلك ، وجاء بحرّ يأخذ أنفاس الناس ، ليعلم الناس أن لهذا الخلق رباً يحادثه بما ترون من الآيات ، كذلك إذا شاء ذهب بالدنيا وجاء بالآخرة"اهــ.
طبعا المجسمة لن يفهموا هذا الكلام، لأنهم ألغوا عقولهم.
ومعنى كلامهم رضوان الله عليهم: أنّ الله تعالى جعَلَ المخلوقات متغيّرة بالحدوث لكي تكون أدلةً عليه، وعدَمُ الحدوث والتغيّر (التصرُّف) في الشيء دليلٌ على أنه غيرُ مخلوق، ولكن لمّا كان الخلْقُ حادثا مُتغيرًا عُلم من ذلك أن له ربًّا حادَثَه وغيَّره، ولولا أنه متغيّرٌ حادثٌ (لقال الشاك في الله: لو كان لهذا الخلق ربٌ لحادثه).
وهذه هي طريقة متكلمي أهل السنة في إثبات وجود الله وقِدم صفاته وبقائها.
والمجسمة (كمناظري) يخالفون الصحابة والقرآن ويزعمون بأن صفات الله متصرّفة حادثة، والصحابة يقولون: (المخلوقات هي المتغيرة الحادثة، وكل ما هو حادثٌ فهو مخلوقٌ مربوب).
2-إجماعُ السلف من التابعين وتابعيهم على أنّ القرآن غير مخلوق
أجمَعَ السلَفُ على تكفير القائل بخلق كلام الله لأنه قولٌ بحدوث صفاته تعالى، فالقولُ بحدوث صفاته تعالى عندهم مُحال.
فعن وَكِيعٌ: ( مَنْ قَالَ أَنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ فَقَدْ زَعَمَ أَنَّ الْقُرْآنَ مُحْدَثٌ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْقُرْآنَ مُحْدَثٌ فَقَدْ كَفَرَ الخلف ) رواه البيهقي في الأسماء والصفات واللالكائي والخلال وغيرهم بأسانيد صحيحة. فهم لا يرون معنى المُحدَث (الحادث) إلا بمعنى المخلوق المنفصل.
3-فوكيع (179هــ) -وهو واحدٌ من قدماء السلف- منع وصف الله تعالى بالحدوث وجعل الخلق من لوازم الحدوث، فلذلك جعل القول بخلق الكلام هو نفس القول بحدوث الكلام، وعلى هذا مذهبُ الأشاعرة وأهل السنة.
والمجسمة يزعمون بأن القرآن والعلوّ والنزول وغيرها من الصفات الحوادث.
ولكن السلف يمنعون من اتصاف الله بالحوادث، فلم يفهموا هذه الصفات على أنها أحداث، لأن المحدَث والحادث عندهم هو المخلوق لا غير.
-وفي تذكرة الحفّاظ: (قلت: منع الإمامُ أحمدُ أن يدخل إليه داوود وبدّعه لكونه قال: القرآن مُحدَث)اهـ.
-وفي السِّيَر: (وقال أبو إسماعيل الترمذيّ، سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: من قال القرآن محدثٌ فهو كافر ) اهــ.
-وفيه عن محمد بن يحيى الذهليّ (258هـ) أنه قال: (ومن زعم أنّ القرآن محدثٌ فهو عندنا جهميّ لا يُشَكُّ فيه ولا يُمترى) اهـــ.
-وفيه عن هشام بن عبيد الله الرازي (221هـ) أنه قال: (القرآن كلام الله غير مخلوق، فقال له رجل أليس الله يقول: "ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث" فقال: محدث إلينا وليس عند الله بمحدث)اهــ
4-(أبو حنيفة النعمان 150هـ)
في الفقه الأكبر: (فصِفَاته فِي الْأَزَل غير محدثة وَلَا مخلوقة وَمن قَالَ إِنَّهَا مخلوقة أَو محدثة اَوْ وقف اَوْ شكّ فيهمَا فَهُوَ كَافِر بِاللَّه تَعَالَى... وَلَكِن التَّغَيُّر وَالِاخْتِلَاف يحدث عِنْد المخلوقين) اهـ.
5-(عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون 164هــ)
رواى عنه أبو الشيخ في العظمة: (أَخْبَرَنَا أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ، حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ مَالِكٍ الْخُوَارَزْمِيُّ، قَالَ: قَرَأَ عَلَيْنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوَّلٌ، لَمْ يَزَلْ أَوَّلًا، وَلَيْسَ بِالْأَوَّلِ الَّذِي كَانَ أَوَّلَ مَا كَانَ مِنَ الْأَشْيَاءِ، وَقَدْ كَانَ هُوَ الْآخِرَ الَّذِي لَمْ يَزَلْ لَيْسَ بِالْآخِرِ الَّذِي يَكُونُ آخِرًا، ثُمَّ لَا يَكُونُ، وَهُوَ الْآخِرُ الَّذِي لَا يَفْنَى، وَالْأَوَّلُ الَّذِي لَا يَبِيدُ، الْقَدِيمُ الَّذِي لَا بِدَايَةَ لَهُ لَمْ يَحْدُثْ كَمَا حَدَثَتِ الْأَشْيَاءُ لَمْ يَكُنْ صَغِيرًا فَكَبِرَ، وَلَا ضَعِيفًا فَقَوِيَ، وَلَا نَاقِصًا فَتَمَّ، وَلَا جَاهِلًا فَعَلِمَ، لَمْ يَزَلْ قَوِيًّا عَالِيًا كَبِيرًا مُتَعَالِيًا لَمْ تَأْتِ طَرْفَةُ عَيْنٍ قَطُّ إِلَّا وَهُوَ اللَّهُ، لَمْ يَزَلْ رَبًّا، وَلَا يَزَالُ أَبَدًا كَذَلِكَ فِيمَا كَانَ، وَكَذَلِكَ فِيمَا بَقِيَ يَكُونُ، وَكَذَلِكَ هُوَ الْآنَ لَمْ يَسْتَحْدِثْ عِلْمًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ، وَلَا قُوَّةً بَعْدَ قُوَّةٍ لَمْ تَكُنْ فِيهِ، وَلَمْ يَتَغَيَّرْ عَنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ بِزِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ، لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنَ الْمُلْكِ وَالْعَظَمَةِ شَيْءٌ إِلَّا وَهُوَ فِيهِ، وَلَنْ يَزِيدَ أَبَدًا عَنْ شَيْءٍ كَانَ عَلَيْهِ، إِنَّمَا يَزِيدُ مَنْ سَيَنْقُصُ بَعْدَ زِيَادَةٍ كَمَا كَانَ قَبْلَ زِيَادَتِهِ نَاقِصًا، وَإِنَّمَا يَزْدَادُ قُوَّةً مَنْ سَيَضْعُفُ بَعْدَ قُوَّتِهِ كَمَا كَانَ قَبْلَ زِيَادَتِهِ نَاقِصًا، وَإِنَّمَا يَزْدَادُ عِلْمًا مَنْ سَيَجْهَلُ بَعْدَ عِلْمِهِ كَمَا كَانَ قَبْلَ عِلْمِهِ جَاهِلًا، فَأَمَّا الدَّائِمُ الَّذِي لَا نَفَادَ لَهُ الْحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ خَالِقُ مَا يُرَى، وَمَا لَا يُرَى عَالِمُ كُلِّ شَيْءٍ بِغَيْرِ تَعْلِيمٍ فَإِنَّ ذَلِكَ هُوَ الْوَاحِدُ فِي كُلِّ شَيْءٍ الْمُتَوَحِّدُ بِكُلِّ شَيْءٍ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وَكُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهَ، وَرَاجِعٌ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ بَدْءُ أَمْرِهِ، وَلَمْ يَكُنْ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مِنْ شَيْءٍ، فَيَرْجِعَ إِلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ شَيْءٌ فَيَقْضِيَ عَلَيْهِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِنْ صِفَتِهِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَرَّةً ثُمَّ كَانَ، إِنَّمَا تِلْكَ صِفَةُ الْمَخْلُوقِينَ، وَلَيْسَت بِصِفَةِ الْخَالِقِ لِأَنَّهُ خَلَقَ وَلَمْ يَكُنْ *يُخْلَقُ، وَبَدَأَ وَلَمْ *يُبْدَأْ، فَكَمَا لَمْ *يُبْدَأْ فَكَذَلِكَ لَا يَفْنَى، وَكَمَا لَا يَفْنَى وَلَا يَبْلَى، فَكَذَلِكَ -وَعِزَّةِ وَجْهِهِ- لَمْ يَزَلْ رَبًّا، وَإِنَّمَا يَبْلَى وَيَمُوتُ مَنْ كَانَ قَبْلَ حَيَاتِهِ مَيِّتًا... )اهـ. *بصيغة المبنيّ للمجهول.
قال محققه الوهّابيّ (رضا المباركفوري): إسناده صحيح، وهو موافق للكتاب والسنة!
من النصّ: أن كلّ حادث مخلوق، والله لا يتصفُ بالحوادث، وكل ما قامت به الصفات الحادثة فهو حادثٌ مثلها، والذي تكون صفاته حادثة فهو ناقص ومفتقر...إلخ، وطريقته هي طريقة الأشاعرة وأهل السنة في الاحتجاج على المجسمة في استحالة حدوث صفات الله تعالى.
6-(الحسين بن منصور السلمي233هـ)
روى عنه ابن عساكر في مجالسه أنه قال: (ألزم الكُلَّ الحدَثَ لأنّ القدمَ وصفُه)اهــ. من مجالسه في تنزيه الله ص80.
وقال: (كيف يحلُّ به ما منه بدأ، أو يعود إليه ما هو أنشأه؟)اهـ.
أي أنّ الله لا تحلُّ به الحوادث التي لوجودها بداية، وأنّ الأشياء التي أوجدها وأنشأها لا تعود عليه أحكامُها... فتأمل دقة تعبيره رضي الله عنه.
6-(عبد العزيز الكناني 240هـ)
قال في كتاب الحيدة: (لأن الله تبارك وتعالى لا يكون مكانا للحوادث ولا يكون فيه شيء مخلوق ولا يكون ناقصا فيزيد في شيء إذا خلقه) اهــ.
الكلام واضح، وهو مناقض تمام المناقضة لمعتقد ابن تيمية في حدوث صفات الله، بل إن الجرأة في ابن تيمية تصلُ إلى أن ينقل هذا الكلام في فتاويه ودرء تعارضه ثم يزعمُ بأن السلف يقولون بأن الله محل للحوادث!
7-(أحمدُ بن حنبل 241هــ)
قال: (من قال إنّ الله عز وجل لم يكن موصوفا حتى وصفه الواصفون فهو بذلك خارجٌ عن الدين)اهــ. ط.ح.
يعني أنّ صفاته تعالى قديمة لم تحدث بعد أن لم تكن، فالله متصفٌ بها قبل وجود المخلوقات، وذلك لأنّ: (الله تعالى لم يلحقه تغيرٌ ولا تبدُّل، ولا تلحقه الحدودُ قبل خلق العرش ولا بعد خلق العرش)اهـ. ط.ح.
وبما أنّ الصفات لا تنفكّ عن الذات، وأنّ الخلق والحدوث عنده بمعنى واحد، فقد روي عنه أنه سُئل: (ما تقول فيمن قال إن أسماء الله عز وجل محدثه؟ فقال: كافر. ثم قال لي (الله) من أسمائه فمن قال أنها محدثة فقد زعم أن الله تبارك تعالى مخلوق)اهـ، من السنة المنسوب لعبد الله بن أحمد.
فعلى مذهب أحمد، الذي يقول بأن صفات الله حادثة يلزمه أنّ الله مخلوق، وأنّ الذي يتصف بصفات حادثة فهو متصفٌ بصفات مخلوقة.
وفي كلامه عن الصفات قال: (ليست أعراضا ولا أجساما، لأنه قد ثبت أن الموصوف ليس بعرض ولا جسم)اهــ.
أي إنّ الذي يتصفُ بالصفة يأخذ حكمها، فإن كانت حادثة فهو حادثٌ بها، وكل حادث مخلوق.
والدليلُ على أنّ الذات حكمها حكم صفاتها ما رواه البيهقي في الاعتقاد عن النبي (ص) أنه قال: (" وَفَضْلُ كَلَامِ اللَّهِ عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ "
قَالَ الْأُسْتَاذُ رَحِمَهُ اللَّهُ: قَالَ أَصْحَابُنَا: لَمَّا كَانَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ أَنَّهُ قَدِيمٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، كَانَ مِنْ فَضْلِ كَلَامِهِ عَلَى كَلَامِ خَلْقِهِ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ غَيْرُ مَخْلُوقٍ)اهــ.
وعندما احتجّ المعتزلة على أحمد بن حنبل بهذه الآية {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ} يقصدون بالمحدث المخلوق، قال: (قَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَنْزِيلُهُ إِلَيْنَا هُوَ الْمُحْدَثُ لَا الذِّكْرُ نَفْسُهُ هُوَ الْمُحْدَثُ) رواه البيهقي في الأسماء والصفات وفي الاعتقاد تحت عنوان: (بَابُ الْقَوْلِ فِي الْقُرْآنِ الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَكلَامُ اللَّهِ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ مَخْلُوقًا وَلَا مُحْدَثًا وَلَا حَادِثًا)اهــ
فإذا كان المعتزلة يقولون له: (القرآنُ محدَثٌ مخلوق) وهو يقول لهم (المُحدث المخلوق هو النزول وليس هو)، فكلامُ الله عنده ليس بمُحدَثٍ، فلذلك قال ليس القرآن مخلوقا وإنما المخلوق هو النزول.
وفي مناظرة المعتزلة لأحمد التزمَ فيها أحمدُ بن حنبل بأنّ المحدَثَ هو المخلوق، فقد جاء في ذكر محنته لحنبل بن إسحاق، أنّ عبد الرحمن بن إسحاق سأله: ( "ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدثٍ" أفيكونُ مُحدَثٌ إلا مخلوقا؟ فقلتُ له: قال الله عز وجلّ: "ص والقرآن ذي الذكر" فالذكرُ هو القرآن، وتلك ليس فيها ألفٌ ولام)اهــ ص46، وكذلك رواها بنحوها عن حنبل عن عمه هكذا.
فإلزامُ المعتزلة هكذا: النقل يقول القرآن محدث، وكلّ محدَثٍ مخلوق.
أما أحمدُ: فلمّا سألوه (أفيكونُ مُحدَثٌ إلا مخلوقا؟)، لو كان مذهبه كما يزعمُ ابن تيمية أن المحدَثَ ليس مخلوقا لقالَ: لا ليس كلّ مُحدَثٍ مخلوق، ولكنه لم يقل ذلك لأنه ليس من مذهبه أن المحدَث ليسَ مخلوقا بل المُحدَثُ مخلوقٌ عنده، وإنما كان اعتراضه على: (النقل يقول القرآن محدث)، فالنقلُ لم يقل القرآن هوَ المُحدَث بل الإتيانُ به (عمليَّةُ تنزيله) هو المُحدث، قَالَ البيهقيُّ: (وَهَذَا الَّذِي أَجَابَ بِهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ ظَاهِرٌ فِي الْآيَةِ، وَإِتْيَانُهُ: (تَنْزِيلُهُ عَلَى لِسَانِ الْمَلَكِ الَّذِي أَتَى بِهِ)، وَالتَّنْزيلُ مُحْدَثٌ، وَقَدْ أَجَابَ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ بِالْجَوَابِ الْأَوَّلِ)اهــ.
إذن، فمذهبُ أحمد هو أنّ كلّ مُحدَث مخلوق.
8-(الحارث بن أسد المحاسبي 243هــ)
قال في كتابه فهم القرآن ومعانيه: (والله جلّ ذكره لا تحدُثُ فيه الحوادث) اهـ ص340، دار الفكر.
وقال فيه: (وجلّ الله أن يكون شيءٌ حدث لغير إرادة منه)اهـ
وقال: (جلّ الله عن الحوادث في نفسه) اهــ
وقال: (فكيف بالإله الواحد القهّار الذي يعلم عواقب الأمور كلها ولا تبدو له البداوات ولا تحلُّ به الحوادث ولا يعقبه الزيادة والنقصان )اهـ ص 363.
فالمحاسبي يمنع قيام الحوادث بالله، وكذلك يقول بأن الحوادث متعلقة بإرادة الله، وهذا مذهب أهل السنة الأشاعرة
9-(البخاري256هـ)
وقد أكّد أبو عبد الله البخاري هذا المعنى فقال في خلق الأفعال: "وَأَمَّا الْفِعْلُ مِنَ الْمَفْعولِ، فَالْفِعْلُ إِنَّمَا هُوَ إِحْدَاثُ الشَّيْءِ، وَالْمَفْعولُ هُوَ الْحَدَثُ"اهـ
والمفعول عنده هو المخلوق، ولذلك قال بعدها مباشرة: (فَالسَّموَاتُ وَالْأَرْضُ مَفْعولُهُ) اهـ. لأنها مُحدَثة وحادثة.
ثم فرّق بين كل ما هو مفعول وكلّ ما هو غيرُ مفعول فقال: (وَكُلُّ شَيْءٍ سِوَى اللَّهِ *بِصفاته* فَهُوَ مَفْعولٌ) *[هكذا بطبعة المجسّم فهد الفهيد، دار أطلس، وفي طبعة دار الكتب العلمية: *بقضائه* وهي مليئة بالسقط والتصحيفات]
إذن فصفاتُ الله وذاته ليست من المفعولات، وبما أنّ المفعول عنده هو الذي يوصف بالحدَث، وصفاتُ الله غيرُ مفعولة فهي إذن غيرُ موصوفة بالحدَث.
أما الفعل فهو عنده قديمٌ حتى وإن لم يُحدِث به مخلوقا، وهوما يدُلُّ عليه قوله: (فَفِعْلُهُ مِنْ رُبُوبِيَّتِهِ، حَيْثُ يَقُولُ: {كُنْ فَيَكُونُ}، وَالـ(كُنْ) مِنْ صِفَتِهِ وَهُوَ الْمَوْصُوفُ بِهِ كَذَلِكَ) اهــــ.
وبما أن الفعلَ صفتُه، وأنّ كلَّ شيءٍ سوى صفاته مفعولٌ مُحدَث، ففعله غيرُ مُحدَثٍ ولا مفعول لأن الله لا يتّصفُ بالحوادث.
ثم ذكر ما يؤكّد به هذا المعنى فقال: (فَالْفِعْلُ صِفَته، وَالْمَفْعولُ غَيْرُهُ)
ففعلُ الله لا يوصَفُ بالحدَثِ عنده.
وإنما قلتُ: (قديمٌ حتى وإن لم يُحدِث به مخلوقا) لأنه بعد أن قال بأن الفعل صفته وصفته غيرُ محدثة ولا مفعولة عبر عن هذا المعنى بقوله: (وَإِنَّمَا تُنْسَبُ السَّمَاءُ إِلَيْهِ لِحَالِ فِعْلِهِ) أي تُنسَبُ لفعله -أي للخلْق الذي هو بمعنى المفعول لا بالمعنى المصدريّ- عندَ إيجاده للمخلوق المفعول، لأنّ السماءَ مخلوقَةٌ لا خلْق، أي ليست فعلَ الله بل مفعولةٌ عن فعله الذي هو صفته.
وقد زاد الطحاويُّ هذا المعنى وضوحًا وإجمالا فقال: (له معنى الخالق ولا مخلوق) أي الله خالقٌ ومستحِقٌ لاسمِ (الخالق) قبلَ أن يخلقَ مخلوقًا، وكذلك بقية صفاته تعالى.
فقد ميّز أبو عبد الله بين معنيين للخلْق:
الأول: صفةٌ لله قديمةٌ غيرُ مخلوقة ولا حادثة يوجِدُ بها المفعولات.
والثاني: بمعنى المخلوق وهو الذي يوصَفُ بالحَدَث.
فهل يصيرُ كلام أبي عبد الله فلسفة وهو مذهب أهل السنة الماتريديّة؟
وإذا ربطْتَ طريقة أبي عبد الله بالآية رقم (5) في الأدلة السابقة سوف ترى بكل وضوح مدى معارضة مذهب ابن تيمية للقرآن ولمذهب السلف.
وقد رأيتُ الكثيرَ من الوهّابية ككاملة الكواري وسَفَر الحوالي- يتخبّطون في كلام البخاريّ هذا ويفهمونه على غير ما أراد، حيثُ وقعوا في تناقضات عند تفسيرهم لكلامه وناقضوه ببعضه كي يلووه إلى ما يؤيّد مذهبهم في حدوث صفات الله، فأتوا بالعجائب.
10-(محمد بن جرير الطبري 310هــ)
قال في مقدمة تاريخه: (وكان ما لم يخل من الحدث لا شك أنه محدث)اهـ.
وقال فيه: (فلم يزده خلقه إياهم- إذ خلقهم- في سلطانه على ما لم يزل قبل خلقه إياهم مثقال ذرة، ولا هو إن أفناهم واعدمهم ينقصه افناؤه إياهم ميزان شعره، لأنه لا تغيره الأحوال، ولا يدخله الملال، ولا ينقص سلطانه الأيام والليال)اهـــ.
وفي تفسيره: (وَأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِنَّمَا نَفَى عَنْ نَفْسِهِ بِوَصْفِهَا بِذَلِكَ التَّغَيُّرِ وَالتَّنَقُّلِ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ، وَحُدُوثِ التَّبَدُّلِ الَّذِي يَحْدُثُ فِي الْآدَمِيِّينَ وَسَائِرِ خَلْقِهِ غَيْرَهُمْ) اهـ.
فالتبدل في الصفات من خواص المخلوقات عند الطبري، ولذلك نحن نقول إنّ العلوّ الذي يقتضي تبدُّلا في الصفة إنما هو علو المخلوق على المخلوق.
11-(أبو إسحاق الزّجّاج 311هـ)
قال في معاني القرآن: ((قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ)
أي لا أحب من كانت حالته أن يطلع وَيسِير على هيئةٍ يُتبين معها أنه محدَث منتقل من مكان إلى مكان، كما يَفْعَلُ سائرُ الأشياءِ التي أجمعتم معي على أنها ليست بآلهة )اهـ.
فهذا اللغويّ السلفيّ يفهم من الآية أنها تدلّ على امتناع الألوهية لا تصح لمن هو متغير متصف بالحوادث.
12-(أبو جعفر الطحاوي 321هـ)
(أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري 182هـ)
(أبو عبدالله محمد بن الحسن الشيباني 189هـ)
(أبو حنيفة النعمان150هــ)
قال الطحاويُّ في عقيدته: (قديم بلا ابتداء، دائم بلا انتهاء... ما زال بصفاته قديما قبل خلقه، لم يزدد بكونهم شيئا لم يكن قبلهم من صفته، وكما كان بصفاته أزليا كذلك لا يزال عليها أبديا، ليس بعد خلق الخلق استفاد اسم الخالق، ولا بإحداث البرية استفاد اسم البارئ، له معنى الربوبية ولا مربوب، ومعنى الخالق ولا مخلوق، وكما أنه محيي الموتى بعدما أحياهم استحق هذا الاسم قبل إحيائهم، كذلك استحق اسم الخالق قبل إنشائهم)اهــ.
وأنا أتحدّاك أن تأتي لي بنصّ عن واحد من السلف يقول فيه أنّ صفات الله مُحدَثةٌ أو حادثة.
أما كلامُ السلف في منع اتصاف الله تعالى بالصفات الحادثة أيًّا كانت، فأذكر منه تمثيلا لا حصرًا:
1- إجماعُ الصحّابة
رواهُ ابن الجوزيّ في تفسيره بسنده فقال:
" أخبرنا عبد الوهاب الحافظ قال : أخبرنا عاصم قال : أخبرنا ابن بشران قال : أخبرنا ابن صفوان قال : حدثنا ابن أبي الدنيا قال : حدثني هارون قال : حدثني عفان عن مبارك بن فضاله قال : سمعت الحسن يقول : كانوا يقولون ، يعني : أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم :
الحمد لله الرفيق، الذي لو جعل هذا الخلق خلقاً دائماً لا يتصرف، لقال الشاك في الله: لو كان لهذا الخلق ربٌ لحادثه ، وإن الله تعالى قد حادث بما ترون من الآيات ، إنه جاء بضوء طبَّق ما بين الخافقين، وجعل فيها معاشاً، وسراجاً وهاجاً ، ثم إذا شاء ذهب بذلك الخلق ، وجاء بظلمة طبَّقت ما بين الخافقين، وجعل فيه سكناً ونجوماً، وقمراً منيراً ، و إذا شاء ، بنى بناء ، جعل فيه المطر ، والبرق ، والرعد ، والصواعق ، ما شاء ، وإذا شاء صرف ذلك ، و إذا شاء جاء ببرد يقرقف الناس ، وإذا شاء ذهب بذلك ، وجاء بحرّ يأخذ أنفاس الناس ، ليعلم الناس أن لهذا الخلق رباً يحادثه بما ترون من الآيات ، كذلك إذا شاء ذهب بالدنيا وجاء بالآخرة"اهــ.
طبعا المجسمة لن يفهموا هذا الكلام، لأنهم ألغوا عقولهم.
ومعنى كلامهم رضوان الله عليهم: أنّ الله تعالى جعَلَ المخلوقات متغيّرة بالحدوث لكي تكون أدلةً عليه، وعدَمُ الحدوث والتغيّر (التصرُّف) في الشيء دليلٌ على أنه غيرُ مخلوق، ولكن لمّا كان الخلْقُ حادثا مُتغيرًا عُلم من ذلك أن له ربًّا حادَثَه وغيَّره، ولولا أنه متغيّرٌ حادثٌ (لقال الشاك في الله: لو كان لهذا الخلق ربٌ لحادثه).
وهذه هي طريقة متكلمي أهل السنة في إثبات وجود الله وقِدم صفاته وبقائها.
والمجسمة (كمناظري) يخالفون الصحابة والقرآن ويزعمون بأن صفات الله متصرّفة حادثة، والصحابة يقولون: (المخلوقات هي المتغيرة الحادثة، وكل ما هو حادثٌ فهو مخلوقٌ مربوب).
2-إجماعُ السلف من التابعين وتابعيهم على أنّ القرآن غير مخلوق
أجمَعَ السلَفُ على تكفير القائل بخلق كلام الله لأنه قولٌ بحدوث صفاته تعالى، فالقولُ بحدوث صفاته تعالى عندهم مُحال.
فعن وَكِيعٌ: ( مَنْ قَالَ أَنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ فَقَدْ زَعَمَ أَنَّ الْقُرْآنَ مُحْدَثٌ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْقُرْآنَ مُحْدَثٌ فَقَدْ كَفَرَ الخلف ) رواه البيهقي في الأسماء والصفات واللالكائي والخلال وغيرهم بأسانيد صحيحة. فهم لا يرون معنى المُحدَث (الحادث) إلا بمعنى المخلوق المنفصل.
3-فوكيع (179هــ) -وهو واحدٌ من قدماء السلف- منع وصف الله تعالى بالحدوث وجعل الخلق من لوازم الحدوث، فلذلك جعل القول بخلق الكلام هو نفس القول بحدوث الكلام، وعلى هذا مذهبُ الأشاعرة وأهل السنة.
والمجسمة يزعمون بأن القرآن والعلوّ والنزول وغيرها من الصفات الحوادث.
ولكن السلف يمنعون من اتصاف الله بالحوادث، فلم يفهموا هذه الصفات على أنها أحداث، لأن المحدَث والحادث عندهم هو المخلوق لا غير.
-وفي تذكرة الحفّاظ: (قلت: منع الإمامُ أحمدُ أن يدخل إليه داوود وبدّعه لكونه قال: القرآن مُحدَث)اهـ.
-وفي السِّيَر: (وقال أبو إسماعيل الترمذيّ، سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: من قال القرآن محدثٌ فهو كافر ) اهــ.
-وفيه عن محمد بن يحيى الذهليّ (258هـ) أنه قال: (ومن زعم أنّ القرآن محدثٌ فهو عندنا جهميّ لا يُشَكُّ فيه ولا يُمترى) اهـــ.
-وفيه عن هشام بن عبيد الله الرازي (221هـ) أنه قال: (القرآن كلام الله غير مخلوق، فقال له رجل أليس الله يقول: "ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث" فقال: محدث إلينا وليس عند الله بمحدث)اهــ
4-(أبو حنيفة النعمان 150هـ)
في الفقه الأكبر: (فصِفَاته فِي الْأَزَل غير محدثة وَلَا مخلوقة وَمن قَالَ إِنَّهَا مخلوقة أَو محدثة اَوْ وقف اَوْ شكّ فيهمَا فَهُوَ كَافِر بِاللَّه تَعَالَى... وَلَكِن التَّغَيُّر وَالِاخْتِلَاف يحدث عِنْد المخلوقين) اهـ.
5-(عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون 164هــ)
رواى عنه أبو الشيخ في العظمة: (أَخْبَرَنَا أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ، حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ مَالِكٍ الْخُوَارَزْمِيُّ، قَالَ: قَرَأَ عَلَيْنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوَّلٌ، لَمْ يَزَلْ أَوَّلًا، وَلَيْسَ بِالْأَوَّلِ الَّذِي كَانَ أَوَّلَ مَا كَانَ مِنَ الْأَشْيَاءِ، وَقَدْ كَانَ هُوَ الْآخِرَ الَّذِي لَمْ يَزَلْ لَيْسَ بِالْآخِرِ الَّذِي يَكُونُ آخِرًا، ثُمَّ لَا يَكُونُ، وَهُوَ الْآخِرُ الَّذِي لَا يَفْنَى، وَالْأَوَّلُ الَّذِي لَا يَبِيدُ، الْقَدِيمُ الَّذِي لَا بِدَايَةَ لَهُ لَمْ يَحْدُثْ كَمَا حَدَثَتِ الْأَشْيَاءُ لَمْ يَكُنْ صَغِيرًا فَكَبِرَ، وَلَا ضَعِيفًا فَقَوِيَ، وَلَا نَاقِصًا فَتَمَّ، وَلَا جَاهِلًا فَعَلِمَ، لَمْ يَزَلْ قَوِيًّا عَالِيًا كَبِيرًا مُتَعَالِيًا لَمْ تَأْتِ طَرْفَةُ عَيْنٍ قَطُّ إِلَّا وَهُوَ اللَّهُ، لَمْ يَزَلْ رَبًّا، وَلَا يَزَالُ أَبَدًا كَذَلِكَ فِيمَا كَانَ، وَكَذَلِكَ فِيمَا بَقِيَ يَكُونُ، وَكَذَلِكَ هُوَ الْآنَ لَمْ يَسْتَحْدِثْ عِلْمًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ، وَلَا قُوَّةً بَعْدَ قُوَّةٍ لَمْ تَكُنْ فِيهِ، وَلَمْ يَتَغَيَّرْ عَنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ بِزِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ، لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنَ الْمُلْكِ وَالْعَظَمَةِ شَيْءٌ إِلَّا وَهُوَ فِيهِ، وَلَنْ يَزِيدَ أَبَدًا عَنْ شَيْءٍ كَانَ عَلَيْهِ، إِنَّمَا يَزِيدُ مَنْ سَيَنْقُصُ بَعْدَ زِيَادَةٍ كَمَا كَانَ قَبْلَ زِيَادَتِهِ نَاقِصًا، وَإِنَّمَا يَزْدَادُ قُوَّةً مَنْ سَيَضْعُفُ بَعْدَ قُوَّتِهِ كَمَا كَانَ قَبْلَ زِيَادَتِهِ نَاقِصًا، وَإِنَّمَا يَزْدَادُ عِلْمًا مَنْ سَيَجْهَلُ بَعْدَ عِلْمِهِ كَمَا كَانَ قَبْلَ عِلْمِهِ جَاهِلًا، فَأَمَّا الدَّائِمُ الَّذِي لَا نَفَادَ لَهُ الْحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ خَالِقُ مَا يُرَى، وَمَا لَا يُرَى عَالِمُ كُلِّ شَيْءٍ بِغَيْرِ تَعْلِيمٍ فَإِنَّ ذَلِكَ هُوَ الْوَاحِدُ فِي كُلِّ شَيْءٍ الْمُتَوَحِّدُ بِكُلِّ شَيْءٍ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وَكُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهَ، وَرَاجِعٌ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ بَدْءُ أَمْرِهِ، وَلَمْ يَكُنْ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مِنْ شَيْءٍ، فَيَرْجِعَ إِلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ شَيْءٌ فَيَقْضِيَ عَلَيْهِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِنْ صِفَتِهِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَرَّةً ثُمَّ كَانَ، إِنَّمَا تِلْكَ صِفَةُ الْمَخْلُوقِينَ، وَلَيْسَت بِصِفَةِ الْخَالِقِ لِأَنَّهُ خَلَقَ وَلَمْ يَكُنْ *يُخْلَقُ، وَبَدَأَ وَلَمْ *يُبْدَأْ، فَكَمَا لَمْ *يُبْدَأْ فَكَذَلِكَ لَا يَفْنَى، وَكَمَا لَا يَفْنَى وَلَا يَبْلَى، فَكَذَلِكَ -وَعِزَّةِ وَجْهِهِ- لَمْ يَزَلْ رَبًّا، وَإِنَّمَا يَبْلَى وَيَمُوتُ مَنْ كَانَ قَبْلَ حَيَاتِهِ مَيِّتًا... )اهـ. *بصيغة المبنيّ للمجهول.
قال محققه الوهّابيّ (رضا المباركفوري): إسناده صحيح، وهو موافق للكتاب والسنة!
من النصّ: أن كلّ حادث مخلوق، والله لا يتصفُ بالحوادث، وكل ما قامت به الصفات الحادثة فهو حادثٌ مثلها، والذي تكون صفاته حادثة فهو ناقص ومفتقر...إلخ، وطريقته هي طريقة الأشاعرة وأهل السنة في الاحتجاج على المجسمة في استحالة حدوث صفات الله تعالى.
6-(الحسين بن منصور السلمي233هـ)
روى عنه ابن عساكر في مجالسه أنه قال: (ألزم الكُلَّ الحدَثَ لأنّ القدمَ وصفُه)اهــ. من مجالسه في تنزيه الله ص80.
وقال: (كيف يحلُّ به ما منه بدأ، أو يعود إليه ما هو أنشأه؟)اهـ.
أي أنّ الله لا تحلُّ به الحوادث التي لوجودها بداية، وأنّ الأشياء التي أوجدها وأنشأها لا تعود عليه أحكامُها... فتأمل دقة تعبيره رضي الله عنه.
6-(عبد العزيز الكناني 240هـ)
قال في كتاب الحيدة: (لأن الله تبارك وتعالى لا يكون مكانا للحوادث ولا يكون فيه شيء مخلوق ولا يكون ناقصا فيزيد في شيء إذا خلقه) اهــ.
الكلام واضح، وهو مناقض تمام المناقضة لمعتقد ابن تيمية في حدوث صفات الله، بل إن الجرأة في ابن تيمية تصلُ إلى أن ينقل هذا الكلام في فتاويه ودرء تعارضه ثم يزعمُ بأن السلف يقولون بأن الله محل للحوادث!
7-(أحمدُ بن حنبل 241هــ)
قال: (من قال إنّ الله عز وجل لم يكن موصوفا حتى وصفه الواصفون فهو بذلك خارجٌ عن الدين)اهــ. ط.ح.
يعني أنّ صفاته تعالى قديمة لم تحدث بعد أن لم تكن، فالله متصفٌ بها قبل وجود المخلوقات، وذلك لأنّ: (الله تعالى لم يلحقه تغيرٌ ولا تبدُّل، ولا تلحقه الحدودُ قبل خلق العرش ولا بعد خلق العرش)اهـ. ط.ح.
وبما أنّ الصفات لا تنفكّ عن الذات، وأنّ الخلق والحدوث عنده بمعنى واحد، فقد روي عنه أنه سُئل: (ما تقول فيمن قال إن أسماء الله عز وجل محدثه؟ فقال: كافر. ثم قال لي (الله) من أسمائه فمن قال أنها محدثة فقد زعم أن الله تبارك تعالى مخلوق)اهـ، من السنة المنسوب لعبد الله بن أحمد.
فعلى مذهب أحمد، الذي يقول بأن صفات الله حادثة يلزمه أنّ الله مخلوق، وأنّ الذي يتصف بصفات حادثة فهو متصفٌ بصفات مخلوقة.
وفي كلامه عن الصفات قال: (ليست أعراضا ولا أجساما، لأنه قد ثبت أن الموصوف ليس بعرض ولا جسم)اهــ.
أي إنّ الذي يتصفُ بالصفة يأخذ حكمها، فإن كانت حادثة فهو حادثٌ بها، وكل حادث مخلوق.
والدليلُ على أنّ الذات حكمها حكم صفاتها ما رواه البيهقي في الاعتقاد عن النبي (ص) أنه قال: (" وَفَضْلُ كَلَامِ اللَّهِ عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ "
قَالَ الْأُسْتَاذُ رَحِمَهُ اللَّهُ: قَالَ أَصْحَابُنَا: لَمَّا كَانَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ أَنَّهُ قَدِيمٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، كَانَ مِنْ فَضْلِ كَلَامِهِ عَلَى كَلَامِ خَلْقِهِ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ غَيْرُ مَخْلُوقٍ)اهــ.
وعندما احتجّ المعتزلة على أحمد بن حنبل بهذه الآية {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ} يقصدون بالمحدث المخلوق، قال: (قَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَنْزِيلُهُ إِلَيْنَا هُوَ الْمُحْدَثُ لَا الذِّكْرُ نَفْسُهُ هُوَ الْمُحْدَثُ) رواه البيهقي في الأسماء والصفات وفي الاعتقاد تحت عنوان: (بَابُ الْقَوْلِ فِي الْقُرْآنِ الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَكلَامُ اللَّهِ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ مَخْلُوقًا وَلَا مُحْدَثًا وَلَا حَادِثًا)اهــ
فإذا كان المعتزلة يقولون له: (القرآنُ محدَثٌ مخلوق) وهو يقول لهم (المُحدث المخلوق هو النزول وليس هو)، فكلامُ الله عنده ليس بمُحدَثٍ، فلذلك قال ليس القرآن مخلوقا وإنما المخلوق هو النزول.
وفي مناظرة المعتزلة لأحمد التزمَ فيها أحمدُ بن حنبل بأنّ المحدَثَ هو المخلوق، فقد جاء في ذكر محنته لحنبل بن إسحاق، أنّ عبد الرحمن بن إسحاق سأله: ( "ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدثٍ" أفيكونُ مُحدَثٌ إلا مخلوقا؟ فقلتُ له: قال الله عز وجلّ: "ص والقرآن ذي الذكر" فالذكرُ هو القرآن، وتلك ليس فيها ألفٌ ولام)اهــ ص46، وكذلك رواها بنحوها عن حنبل عن عمه هكذا.
فإلزامُ المعتزلة هكذا: النقل يقول القرآن محدث، وكلّ محدَثٍ مخلوق.
أما أحمدُ: فلمّا سألوه (أفيكونُ مُحدَثٌ إلا مخلوقا؟)، لو كان مذهبه كما يزعمُ ابن تيمية أن المحدَثَ ليس مخلوقا لقالَ: لا ليس كلّ مُحدَثٍ مخلوق، ولكنه لم يقل ذلك لأنه ليس من مذهبه أن المحدَث ليسَ مخلوقا بل المُحدَثُ مخلوقٌ عنده، وإنما كان اعتراضه على: (النقل يقول القرآن محدث)، فالنقلُ لم يقل القرآن هوَ المُحدَث بل الإتيانُ به (عمليَّةُ تنزيله) هو المُحدث، قَالَ البيهقيُّ: (وَهَذَا الَّذِي أَجَابَ بِهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ ظَاهِرٌ فِي الْآيَةِ، وَإِتْيَانُهُ: (تَنْزِيلُهُ عَلَى لِسَانِ الْمَلَكِ الَّذِي أَتَى بِهِ)، وَالتَّنْزيلُ مُحْدَثٌ، وَقَدْ أَجَابَ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ بِالْجَوَابِ الْأَوَّلِ)اهــ.
إذن، فمذهبُ أحمد هو أنّ كلّ مُحدَث مخلوق.
8-(الحارث بن أسد المحاسبي 243هــ)
قال في كتابه فهم القرآن ومعانيه: (والله جلّ ذكره لا تحدُثُ فيه الحوادث) اهـ ص340، دار الفكر.
وقال فيه: (وجلّ الله أن يكون شيءٌ حدث لغير إرادة منه)اهـ
وقال: (جلّ الله عن الحوادث في نفسه) اهــ
وقال: (فكيف بالإله الواحد القهّار الذي يعلم عواقب الأمور كلها ولا تبدو له البداوات ولا تحلُّ به الحوادث ولا يعقبه الزيادة والنقصان )اهـ ص 363.
فالمحاسبي يمنع قيام الحوادث بالله، وكذلك يقول بأن الحوادث متعلقة بإرادة الله، وهذا مذهب أهل السنة الأشاعرة
9-(البخاري256هـ)
وقد أكّد أبو عبد الله البخاري هذا المعنى فقال في خلق الأفعال: "وَأَمَّا الْفِعْلُ مِنَ الْمَفْعولِ، فَالْفِعْلُ إِنَّمَا هُوَ إِحْدَاثُ الشَّيْءِ، وَالْمَفْعولُ هُوَ الْحَدَثُ"اهـ
والمفعول عنده هو المخلوق، ولذلك قال بعدها مباشرة: (فَالسَّموَاتُ وَالْأَرْضُ مَفْعولُهُ) اهـ. لأنها مُحدَثة وحادثة.
ثم فرّق بين كل ما هو مفعول وكلّ ما هو غيرُ مفعول فقال: (وَكُلُّ شَيْءٍ سِوَى اللَّهِ *بِصفاته* فَهُوَ مَفْعولٌ) *[هكذا بطبعة المجسّم فهد الفهيد، دار أطلس، وفي طبعة دار الكتب العلمية: *بقضائه* وهي مليئة بالسقط والتصحيفات]
إذن فصفاتُ الله وذاته ليست من المفعولات، وبما أنّ المفعول عنده هو الذي يوصف بالحدَث، وصفاتُ الله غيرُ مفعولة فهي إذن غيرُ موصوفة بالحدَث.
أما الفعل فهو عنده قديمٌ حتى وإن لم يُحدِث به مخلوقا، وهوما يدُلُّ عليه قوله: (فَفِعْلُهُ مِنْ رُبُوبِيَّتِهِ، حَيْثُ يَقُولُ: {كُنْ فَيَكُونُ}، وَالـ(كُنْ) مِنْ صِفَتِهِ وَهُوَ الْمَوْصُوفُ بِهِ كَذَلِكَ) اهــــ.
وبما أن الفعلَ صفتُه، وأنّ كلَّ شيءٍ سوى صفاته مفعولٌ مُحدَث، ففعله غيرُ مُحدَثٍ ولا مفعول لأن الله لا يتّصفُ بالحوادث.
ثم ذكر ما يؤكّد به هذا المعنى فقال: (فَالْفِعْلُ صِفَته، وَالْمَفْعولُ غَيْرُهُ)
ففعلُ الله لا يوصَفُ بالحدَثِ عنده.
وإنما قلتُ: (قديمٌ حتى وإن لم يُحدِث به مخلوقا) لأنه بعد أن قال بأن الفعل صفته وصفته غيرُ محدثة ولا مفعولة عبر عن هذا المعنى بقوله: (وَإِنَّمَا تُنْسَبُ السَّمَاءُ إِلَيْهِ لِحَالِ فِعْلِهِ) أي تُنسَبُ لفعله -أي للخلْق الذي هو بمعنى المفعول لا بالمعنى المصدريّ- عندَ إيجاده للمخلوق المفعول، لأنّ السماءَ مخلوقَةٌ لا خلْق، أي ليست فعلَ الله بل مفعولةٌ عن فعله الذي هو صفته.
وقد زاد الطحاويُّ هذا المعنى وضوحًا وإجمالا فقال: (له معنى الخالق ولا مخلوق) أي الله خالقٌ ومستحِقٌ لاسمِ (الخالق) قبلَ أن يخلقَ مخلوقًا، وكذلك بقية صفاته تعالى.
فقد ميّز أبو عبد الله بين معنيين للخلْق:
الأول: صفةٌ لله قديمةٌ غيرُ مخلوقة ولا حادثة يوجِدُ بها المفعولات.
والثاني: بمعنى المخلوق وهو الذي يوصَفُ بالحَدَث.
فهل يصيرُ كلام أبي عبد الله فلسفة وهو مذهب أهل السنة الماتريديّة؟
وإذا ربطْتَ طريقة أبي عبد الله بالآية رقم (5) في الأدلة السابقة سوف ترى بكل وضوح مدى معارضة مذهب ابن تيمية للقرآن ولمذهب السلف.
وقد رأيتُ الكثيرَ من الوهّابية ككاملة الكواري وسَفَر الحوالي- يتخبّطون في كلام البخاريّ هذا ويفهمونه على غير ما أراد، حيثُ وقعوا في تناقضات عند تفسيرهم لكلامه وناقضوه ببعضه كي يلووه إلى ما يؤيّد مذهبهم في حدوث صفات الله، فأتوا بالعجائب.
10-(محمد بن جرير الطبري 310هــ)
قال في مقدمة تاريخه: (وكان ما لم يخل من الحدث لا شك أنه محدث)اهـ.
وقال فيه: (فلم يزده خلقه إياهم- إذ خلقهم- في سلطانه على ما لم يزل قبل خلقه إياهم مثقال ذرة، ولا هو إن أفناهم واعدمهم ينقصه افناؤه إياهم ميزان شعره، لأنه لا تغيره الأحوال، ولا يدخله الملال، ولا ينقص سلطانه الأيام والليال)اهـــ.
وفي تفسيره: (وَأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِنَّمَا نَفَى عَنْ نَفْسِهِ بِوَصْفِهَا بِذَلِكَ التَّغَيُّرِ وَالتَّنَقُّلِ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ، وَحُدُوثِ التَّبَدُّلِ الَّذِي يَحْدُثُ فِي الْآدَمِيِّينَ وَسَائِرِ خَلْقِهِ غَيْرَهُمْ) اهـ.
فالتبدل في الصفات من خواص المخلوقات عند الطبري، ولذلك نحن نقول إنّ العلوّ الذي يقتضي تبدُّلا في الصفة إنما هو علو المخلوق على المخلوق.
11-(أبو إسحاق الزّجّاج 311هـ)
قال في معاني القرآن: ((قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ)
أي لا أحب من كانت حالته أن يطلع وَيسِير على هيئةٍ يُتبين معها أنه محدَث منتقل من مكان إلى مكان، كما يَفْعَلُ سائرُ الأشياءِ التي أجمعتم معي على أنها ليست بآلهة )اهـ.
فهذا اللغويّ السلفيّ يفهم من الآية أنها تدلّ على امتناع الألوهية لا تصح لمن هو متغير متصف بالحوادث.
12-(أبو جعفر الطحاوي 321هـ)
(أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري 182هـ)
(أبو عبدالله محمد بن الحسن الشيباني 189هـ)
(أبو حنيفة النعمان150هــ)
قال الطحاويُّ في عقيدته: (قديم بلا ابتداء، دائم بلا انتهاء... ما زال بصفاته قديما قبل خلقه، لم يزدد بكونهم شيئا لم يكن قبلهم من صفته، وكما كان بصفاته أزليا كذلك لا يزال عليها أبديا، ليس بعد خلق الخلق استفاد اسم الخالق، ولا بإحداث البرية استفاد اسم البارئ، له معنى الربوبية ولا مربوب، ومعنى الخالق ولا مخلوق، وكما أنه محيي الموتى بعدما أحياهم استحق هذا الاسم قبل إحيائهم، كذلك استحق اسم الخالق قبل إنشائهم)اهــ.
وأنا أتحدّاك أن تأتي لي بنصّ عن واحد من السلف يقول فيه أنّ صفات الله مُحدَثةٌ أو حادثة.
تعليق