إرشاد النحرير لترجيحات الامام ابن جرير

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • اسامة محمد خيري
    Registered User
    • Dec 2008
    • 12975

    #211
    حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا الـحجاج بن الـمنهال، قال: ثنا حماد، عن حميد، قال: قال عكرمة: لا يـموت النصرانـيّ والـيهوديّ حتـى يؤمن بـمـحمد صلى الله عليه وسلم يعنـي فـي قوله: { وَإنْ مِنْ أهْلِ الكِتابِ إلاَّ لَـيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ }.

    قال أبو جعفر: وأولـى الأقوال بـالصحة والصواب قول من قال: تأويـل ذلك: وإن من أهل الكتاب إلا لـيؤمننّ بعيسى قبل موت عيسى.

    وإنـما قلنا ذلك أولـى بـالصواب من غيره من الأقوال، لأن الله جلّ ثناؤه حكم لكل مؤمن بـمـحمد صلى الله عليه وسلم بحكم أهل الإيـمان فـي الـموارثة والصلاة علـيه وإلـحاق صغار أولاده بحكمه فـي الـملة، فلو كان كلّ كتابـيّ يؤمن بعيسى قبل موته، لوجب أن لا يرث الكتابـيّ إذا مات علـى ملته إلا أولاده الصغار أو البـالغون منهم من أهل الإسلام، إن كان له ولد صغير أو بـالغ مسلـم، وإن لـم يكن له ولد صغير ولا بـالغ مسلـم، كان ميراثه مصروفـاً حيث يصرف مال الـمسلـم، يـموت ولا وارث له، وأن يكون حكمه حكم الـمسلـمين فـي الصلاة علـيه وغسله وتقبـيره، لأن من مات مؤمناً بعيسى فقد مات مؤمناً بـمـحمد وبجميع الرسل وذلك أن عيسى صلوات الله علـيه جاء بتصديق مـحمد وجميع الـمرسلـين، فـالـمصدّق بعيسى والـمؤمن به مصدّق بـمـحمد وبجميع أنبـياء الله ورسله، كما أن الـمؤمن بـمـحمد مؤمن بعيسى وبجميع أنبـياء الله ورسله، فغير جائز أن يكون مؤمناً بعيسى من كان بـمـحمد مكذّبـاً.

    ...

    وأما الذي قال: عنـي بقوله: { لَـيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ } لـيؤمننّ بـمـحمد صلى الله عليه وسلم قبل موت الكتابـي، فمـما لا وجه له مفهوم لأنه مع فساده من الوجه الذي دللَّنا علـى فساد قول من قال: عنى به: لـيؤمننّ بعيسى قبل موت الكتابـيّ، يزيده فساداً أنه لـم يجر لـمـحمد علـيه الصلاة والسلام فـي الآيات التـي قبل ذلك ذكر، فـيجوز صرف الهاء التـي فـي قوله: { لَـيُؤْمِنَنَّ بِهِ } إلـى أنها من ذكره، وإنـما قوله: { لَـيُؤْمِنَنّ بِهِ } فـي سياق ذكر عيسى وأمه والـيهود، فغير جائز صرف الكلام عما هو فـي سياقه إلـى غيره إلا بحجة يجب التسلـيـم لها من دلالة ظاهر التنزيـل أو خبر عن الرسول تقوم به حجة فأما الدعاوي فلا تتعذّر علـى أحد....

    تعليق

    • اسامة محمد خيري
      Registered User
      • Dec 2008
      • 12975

      #212
      وأولـى الأقوال عندي بـالصواب، أن يكون الـمقـيـمين فـي موضع خفض نسقاً علـى «ما» التـي فـي قوله: { بِـمَا أُنْزِلَ إلَـيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ } وأن يوجه معنى الـمقـيـمين الصلاة إلـى الـملائكة، فـيكون تأويـل الكلام: والـمؤمنون منهم يؤمنون بـما أنزل إلـيك يا مـحمد من الكتاب وبـما أنزل من قبلك من كتبـي وبـالـملائكة الذين يقـيـمون الصلاة ثم يرجع إلـى صفة الراسخين فـي العلـم فـيقول: لكن الراسخون فـي العلـم منهم، والـمؤمنون بـالكتب، والـمؤتون الزكاة، والـمؤمنون بـالله والـيوم الآخر. وإنـما اخترنا هذا علـى غيره، لأنه قد ذكر أن ذلك فـي قراءة أبـيّ بن كعب: «والـمقـيـمين»، وكذلك هو فـي مصحفه فـيـما ذكروا، فلو كان ذلك خطأ من الكاتب لكان الواجب أن يكون فـي كل الـمصاحف غير مصحفنا الذي كتبه لنا الكاتب الذي أخطأ فـي كتابه بخلاف ما هو فـي مصحفنا. وفـي اتفـاق مصحفنا ومصحف أبـيّ فـي ذلك، ما يدلّ علـى أن الذي فـي مـصحفنا من ذلك صواب غير خطأ، مع أن ذلك لو كان خطأ من جهة الـخط، لـم يكن الذين أخذ عنهم القرآن من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلـمون من علـموا ذلك من الـمسلـمين علـى وجه اللـحن، ولأصلـحوه بألسنتهم، ولقنوه للأمة تعلـيـماً علـى وجه الصواب. وفـي نقل الـمسلـمين جميعاً ذلك قراءة علـى ما هو به فـي الـخطّ مرسوماً أدلّ الدلـيـل علـى صحة ذلك وصوابه، وأن لا صنع فـي ذلك للكاتب.

      وأما من وجه ذلك إلـى النصب علـى وجه الـمدح للراسخين فـي العلـم وإن كان ذلك قد يحتـمل علـى بعد من كلام العرب لـما قد ذكرنا قبل من العلة، وهو أن العرب لا تعدل عن إعراب الاسم الـمنعوت بنعت فـي نعته إلا بعد تـمام خبره، وكلام الله جلّ ثناؤه أفصح الكلام، فغير جائز توجيهه إلا إلـى الذي هو به من الفصاحة.

      وأما توجيه من وجه ذلك إلـى العطف به علـى الهاء والـميـم فـي قوله: { لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِـي العِلْـمِ مِنْهُمْ } أو إلـى العطف به علـى الكاف من قوله: { بِـمَا أُنْزِلَ إلَـيْكَ } أو إلـى الكاف من قوله: { وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ } فإنه أبعد من الفصاحة من نصبه علـى الـمدح لـما قد ذكرت قبل من قبح ردّ الظاهر علـى الـمكنـي فـي الـخفض.

      وأما توجيه من وجه الـمقـيـمين إلـى الإقامة، فإنه دعوى لا برهان علـيها من دلالة ظاهر التنزيـل ولا خبر تثبت حجته، وغير جائز نقل ظاهر التنزيـل إلـى بـاطن بغير برهان.

      وأما قوله: { وَالـمُؤْتُونَ الزَّكاةَ } فإنه معطوف به علـى قوله: { وَالـمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ } وهو من صفتهم. وتأويـله: والذين يعطون زكاة أموالهم من جعلها الله له وصرفها إلـيه { والُـمؤْمِنُونَ بـاللَّهِ وَالـيَوْمِ الآخِرِ } يعنـي: والـمصدّقون بوحدانـية الله وألوهيته، والبعث بعد الـمـمات، والثواب والعقاب { أولئك سَنُؤْتِـيهمْ أجْرا عَظِيـماً } يقول: هؤلاء الذين هذه صفتهم سنؤتـيهم، يقول: سنعطيهم أجراً عظيـماً، يعنـي: جزاء علـى ما كان منهم من طاعة الله، واتبـاع أمره، وثواباً عظيـماً، وذلك الـجنة.

      تعليق

      • اسامة محمد خيري
        Registered User
        • Dec 2008
        • 12975

        #213
        سورة المائدة

        حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج: { أوْفُوا بـالعُقُودِ } قال: العهود التـي أخذها الله علـى أهل الكتاب أن يعملوا بـما جاءهم.

        حدثنا الـمثنى، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي اللـيث، قال: ثنـي يونس، قال: قال مـحمد بن مسلـم. قرأت كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كتب لعمرو بن حزم حين بعثه إلـى نـجران، فكان الكتاب عند أبـي بكر بن حزم، فـيه: هذا بـيان من الله ورسوله { يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بـالعُقُودِ }. فكتب الآيات منها، حتـى بلغ:
        { إِنَّ ظ±للَّهَ سَرِيعُ ظ±لْحِسَابِ }
        [المائدة: 4]. وأولـى الأقوال فـي ذلك عندنا بـالصواب ما قاله ابن عبـاس، وأن معناه: أوفوا يا أيها الذين آمنوا بعقود الله التـي أوجبها علـيكم وعقدها، فـيـما أحلّ لكم وحرّم علـيكم، وألزمكم فرضه، وبـين لكم حدوده.

        وأنـما قلنا ذلك أولـى بـالصواب من غيره من الأقوال، لأن الله جلّ وعزّ أتبع ذلك البـيان عما أحلّ لعبـاده وحرّم علـيهم وما أوجب علـيهم من فرائضه، فكان معلوماً بذلك أن قوله: { أوْفُوا بـالعُقُودِ } أمر منه عبـاده بـالعمل بـما ألزمهم من فرائضه وعقوده عقـيب ذلك، ونهي منه لهم عن نقض ما عقده علـيهم منه، مع أن قوله: { أوْفُوا بـالعُقُودِ } أمر منه بـالوفـاء بكلّ عقد أذن فـيه، فغير جائز أن يخصّ منه شيء حتـى تقوم حجة بخصوص شيء منه يجب التسلـيـم لها. فإذ كان الأمر فـي ذلك كما وصفنا، فلا معنى لقول من وجَّه ذلك إلـى معنى الأمر بـالوفـاء ببعض العقود التـي أمر الله بـالوفـاء بها دون بعض.

        وأما قوله: { أوْفُوا } فإن للعرب فـيه لغتـين: إحداهما: «أوفوا» من قول القائل: أوفـيت لفلان بعهده أو فـى له به والأخرى من قولهم: وَفَـيْتُ له بعهده أفـي. والإيفـاء بـالعهد: إتـمامه علـى ما عُقد علـيه من شروطه الـجائزة...

        وأولـى القولـين بـالصواب فـي ذلك قول من قال: عَنَى بقوله: { أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيـمَةُ الأنْعامِ }: الأنعام كلها، أجِنَتّها وسِخالها وكبـارها، لأن العرب لا تـمتنع من تسمية جميع ذلك بهيـمة وبهائم، ولـم يخصص الله منها شيئاً دون شيء، فذلك علـى عمومه وظاهره حتـى تأتـي حجة بخصوصه يجب التسلـيـم لها. وأما النعم فإنها عند العرب: أسم للإبل والبقر والغنـم خاصة، كما قال جلّ ثناؤه:
        { وَظ±لأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ }
        [النحل: 5] ثم قال:
        { وَظ±لْخَيْلَ وَظ±لْبِغَالَ وَظ±لْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً }
        [النحل: 8] ففصل جنس النعم من غيرها من أجناس الـحيوان. وأما بهائمها فإنها أولادها. وإنـما قلنا: يـلزم الكبـار منها اسم بهيـمة كما يـلزم الصغار، لأن معنى قول القائل: بهيـمة الأنعام، نظير قوله: ولد الأنعام فلـما كان لا يسقط معنى الولادة عنه بعد الكبر، فكذلك لا يسقط عنه اسم البهيـمة بعد الكبر.

        وقد قال قوم: بهيـمة الأنعام: وحشيها كالظبـاء وبقر الوحش والـحمر....

        حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: { إلاَّ ما يُتْلَـى عَلَـيْكُمْ } يعنـي: الـخنزير.

        وأولـى التأويـلـين فـي ذلك بـالصواب تأويـل من قال: عنـي بذلك: إلا ما يتلـى علـيكم من تـحريـم الله ما حرّم علـيكم بقوله:
        { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ظ±لْمَيْتَةُ... }
        [المائدة: 3] الآية، لأن الله عزّ وجلّ استثنى مـما أبـاح لعبـاده من بهيـمة الأنعام ما حرّم علـيهم منها، والذي حرّم علـيهم منها ما بـينه فـي قوله:
        { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ظ±لْمَيْتَةُ وَظ±لْدَّمُ وَلَحْمُ ظ±لْخِنْزِيرِ }
        [المائدة: 3] وإن كان حرّمه الله علـينا فلـيس من بهيـمة الأنعام فـيستثنى منها، فـاستثناء ما حرِّم علـينا مـما دخـل فـي جملة ما قبل الاستثناء أشبه من استثناء ما حرّم مـما لـم يدخـل فـي جملة ما قبل الاستثناء....

        وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب علـى ما تظاهر به تأويـل أهل التأويـل فـي قوله: { أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيـمَةُ الأنْعامِ } من أنها الأنعام وأجنتها وسخالها، وعلـى دلالة ظاهر التنزيـل قول من قال: معنى ذلك: أوفوا بـالعقود غير مـحلـي الصيد وأنتـم حرم، فقد أحلت لكم بهيـمة الأنعام فـي حال إحرامكم أو غيرها من أحوالكم، إلا ما يتلـى علـيكم تـحريـمه من الـميتة منها والدم وما أهلّ لغير الله به. وذلك أن قوله: { إلاَّ ما يُتْلَـى عَلَـيْكُمْ } لو كان معناه: إلا الصيد، لقـيـل: إلا ما يتلـى علـيكم من الصيد غير مـحلـيه، وفـي ترك الله وصْل قوله: { إلاَّ ما يُتْلَـى عَلَـيْكُمْ } بـما ذكرت، وإظهار ذكر الصيد فـي قوله: { غيرَ مُـحِلِّـي الصَّيْدِ } أوضح الدلـيـل علـى أن قوله: { إلاَّ ما يُتْلَـى عَلَـيْكُمْ } خبر متناهيةٌ قصته، وأن معنى قوله: { غيرَ مُـحِلِّـي الصَّيْدِ } منفصل منه.

        وكذلك لو كان قوله: { أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيـمَةُ الأنْعامِ } مقصوداً به قصد الوحش، لـم يكن أيضاً لإعادة ذكر الصيد فـي قوله: { غيرَ مُـحِلِّـي الصَّيْدِ } وجه وقد مضى ذكره قبل، ولقـيـل: أحلت لكم بهيـمة الأنعام، إلا ما يتلـى علـيكم، غير مـحلـيه وأنتـم حرم. وفـي أظهاره ذكر الصيد فـي قوله: { غيرَ مُـحِلِّـي الصَّيْدِ } أبـين الدلالة علـى صحة ما قلنا فـي معنى ذلك.

        فإن قال قائل: فإن العرب ربـما أظهرت ذكر الشيء بـاسمه وقد جرى ذكره بـاسمه؟ قـيـل: ذلك من فعلها ضرورة شعر، ولـيس ذلك بـالفصيح الـمستعمل من كلامهم، وتوجيه كلام الله إلـى الأفصح من لغات من نزل كلامه بلغته أولـى ما وجد إلـى ذلك سبـيـل من صرفه إلـى غير ذلك.

        فمعنى الكلام إذن: يا أيها الذين آمنوا أوفوا بعقود الله التـي عقد علـيكم، مـما حرّم وأحلّ، لا مـحلـين الصيد فـي حَرمكم، ففـيـما أحلّ لكم من بهيـمة الأنعام الـمذكَّاة دون ميتتها متسع لكم ومستغنى عن الصيد فـي حال إحرامكم.

        تعليق

        • اسامة محمد خيري
          Registered User
          • Dec 2008
          • 12975

          #214
          وأولـى التأويلات بقوله: { لا تُـحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ } قول عطاء الذي ذكرناه من توجيهه معنى ذلك إلـى: لا تـحلوا حُرُمات الله، ولا تضيعوا فرائضه، لأن الشعائر جمع شعيرة، والشعيرة: فعيـلة من قول القائل: قد شعر فلان بهذا الأمر: إذا علـم به، فـالشعائر: الـمعالـم من ذلك.

          وإذا كان ذلك كذلك، كان معنى الكلام: لا تستـحلوا أيها الذين آمنوا معالـم الله، فـيدخـل فـي ذلك معالـم الله كلها فـي مناسك الـحجّ، من تـحريـم ما حرم الله إصابته فـيها علـى الـمـحرم، وتضيـيع ما نهى عن تضيـيعه فـيها، وفـيـما حرم من استـحلال حرمات حرمه، وغير ذلك من حدوده وفرائضه وحلاله وحرامه، لأن كل ذلك من معالـمه وشعائره التـي جعلها أمارات بـين الـحقّ والبـاطل، يُعلـم بها حلاله وحرامه وأمره ونهيه.

          وإنـما قلنا ذلك القول أولـى بتأويـل قوله تعالـى: { لا تُـحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ } لأن الله نهى عن استـحلال شعائره ومعالـم حدوده، وإحلالها نهياً عامًّا من غير اختصاص شيء من ذلك دون شيء، فلـم يجز لأحد أن يوجه معنى ذلك إلـى الـخصوص إلا بحجة يجب التسلـيـم لها، ولا حجة بذلك كذلك....

          والذي هو أولـى بتأويـل قوله: { وَلا القَلائِدَ } إذ كانت معطوفة علـى أوّل الكلام، ولـم يكن فـي الكلام ما يدلّ علـى انقطاعها عن أوله، ولا أنه عنى بها النهى عن التقلد أو اتـخاذ القلائد من شيء أن يكون معناه: ولا تـحلوا القلائد. فإذ كان ذلك بتأويـله أولـى، فمعلوم أنه نهي من الله جلّ ذكره عن استـحلال حرمة الـمقلد هديا كان ذلك أو إنساناً، دون حرمة القلادة وأن الله عزّ ذكره إنـما دلّ بتـحريـمه حرمة القلادة علـى ما ذكرنا من حرمة الـمقلد، فـاجتزأ بذكره القلائد من ذكر الـمقلد، إذ كان مفهوماً عند الـمخاطبـين بذلك معنى ما أريد به.

          فمعنى الآية إذ كان الأمر علـى ما وصفنا: يا أيها الذين آمنوا لا تـحلوا شعائر الله، ولا الشهر الـحرام، ولا الهدي، ولا الـمقلد بقسميه بقلائد الـحرم.

          وقد ذكر بعض الشعراء فـي شعره، ما ذكرنا عمن تأوّل القلائد أنها قلائد لـحاء شجر الـحرم الذي كان أهل الـجاهلـية يتقلدونه، فقال وهو يعيب رجلـين قتلا رجلـين كانا تقلدا ذلك:
          أَلـمْ تَقْتُلا الـحِرْجَيْنِ إذْ أعْوَرَاكما يُـمِرَّانِ بـالأيْدِي اللِّـحاءَ الـمُضَفَّرَا
          والـحِرجان: الـمقتولان كذلك. ومعنى قوله: أعوراكما: أمكناكما من عورتهما...

          وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصحة، قول من قال: نسخ الله من هذه الآية قوله: { وَلا الشَّهْرَ الـحَرَامَ وَلا الهَدْيَ وَلا القَلائِدَ وَلا آميِّنَ البَـيْتَ الـحَرَامَ } لإجماع الـجميع علـى أن الله قد أحلّ قتال أهل الشرك فـي الأشهر الـحُرم وغيرها من شهور السنة كلها، وكذلك أجمعوا علـى أن الـمشرك لو قلد عنقه أو ذراعيه لـحاء جميع أشجار الـحرم لـم يكن ذلك له أماناً من القتل إذا لـم يكن تقدم له عَقْد ذمة من الـمسلـمين أو أمان. وقد بـينا فـيـما مضى معنى القلائد فـي غير هذا الـموضع.

          وأما قوله: { وَلا أمِّينَ البَـيْتَ الـحَرَامَ } فإنه مـحتـمل ظاهره: ولا تُـحِلُّوا حرمة آمين البـيت الـحرام من أهل الشرك والإسلام، لعموم جميع من أمّ البـيت. وإذا احتـمل ذلك، فكان أهل الشرك داخـلـين فـي جملتهم، فلا شكّ أن قوله:
          { فَظ±قْتُلُواْ ظ±لْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ }
          [التوبة: 5] ناسخ له، لأنه غير جائز اجتـماع الأمر بقتلهم وترك قتلهم وترك قتلهم فـي حال واحدة ووقت واحد. وفـي إجماع الـجميع علـى أن حكم الله فـي أهل الـحرب من الـمشركين قتلهم، أمُّوا البـيت الـحرام أو البـيت الـمقدس فـي أشهر الـحرم وغيرها، ما يعلـم أن الـمنع من قتلهم إذا أمُّوا البـيت الـحرام منسوخ، ومـحتـمل أيضاً: ولا آمين البـيت الـحرام من أهل الشرك، وأكثر أهل التأويـل علـى ذلك. وإن كان عُنِي بذلك الـمشركون من أهل الـحرب، فهو أيضاً لا شكّ منسوخ. وإذ كان ذلك كذلك وكان لا اختلاف فـي ذلك بـينهم ظاهر، وكان ما كان مستفـيضاً فـيهم ظاهر الحجة، فـالواجب وإن احتـمل ذلك معنى غير الذي قالوا، التسلـيـم لـما استفـاض بصحته نقلهم....

          اختلفت القراء فـي قراءة ذلك، فقرأه بعض أهل الـمدينة وعامة قرّاء الكوفـيـين: { أَنْ صَدُّوكُمْ } بفتـح الألف من «أَن» بـمعنى: لا يجرمنكم بغض قوم بصدّهم إياكم عن الـمسجد الـحرام أن تعتدوا. وكان بعض قرّاء الـحجاز والبصرة يقرأ ذلك: { وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ إنْ يَصُدُّوئكُمْ } بكسر الألف من «إن» بـمعنى: ولا يجرمنكم شنآن قوم إن هم أحدثوا لكم صدًّا عن الـمسجد الـحرام، أن تعتدوا. فزعموا أنها فـي قراءة ابن مسعود: { إنْ يَصُدُّوكُمْ } فقرءوا ذلك كذلك اعتبـاراً بقراءته.

          والصواب من القول فـي ذلك عندي، أنهما قراءتان معروفتان مشهورتان فـي قراءة الأمصار، صحيح معنى كلّ واحدة منهما. وذلك أن النبـيّ صلى الله عليه وسلم صدّ عن البـيت هو وأصحابه يوم الـحديبـية، وأنزلت علـيه سورة الـمائدة بعد ذلك. فمن قرأ: { أنْ صَدُّوكُمْ } بفتـح الألف من «أن» فمعناه: لا يحملنكم بغض قوم أنها الناس من أجل أن صدوكم يوم الـحديبـية عن الـمسجد الـحرام، أن تعتدوا علـيهم. ومن قرأ: { إنْ صَدُّوكُمْ } بكسر الألف، فمعناه: لا يجرمنكم شنآن قوم إن صَدوكم عن الـمسجد الـحرام إذا أردتـم دخوله، لأن الذين حاربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من قريش يوم فتـح مكة قد حاولوا صَدّهم عن الـمسجد الـحرام فتقدم اللّه إلى المؤمنين في قول من قرأ ذلك بكسرإن بالنهي عن الإعتداءعليهم إن هم صَدّوهم عن المسجد الحرام، قبل أن يكون ذلك من الصَّادّين

          غير أن الأمر وإن كان كما وصفت، فإن قراءة ذلك بفتـح الألف أبـين معنى، لأن هذه السورة لا تَدَافُع بـين أهل العلـم فـي أنها نزلت بعد يوم الـحُدَيْبِـيَة. وإذ كان ذلك كذلك، فـالصدّ قد كان تقدّم من الـمشركين، فنهى الله الـمؤمنـين عن الاعتداء علـى الصادين من أجل صدّهم إياهم عن الـمسجد الـحرام

          ...

          تعليق

          • اسامة محمد خيري
            Registered User
            • Dec 2008
            • 12975

            #215
            حدثنا أنس قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { وَالـمُنْـخَنِقَةُ }: كان أهل الـجاهلـية يخنقون الشاة، حتـى إذا ماتت أكلوها.

            وأولـى هذه الأقوال بـالصواب، قول من قال: هي التـي تـختنق، إما فـي وِثاقها، وإما بإدخال رأسها فـي الـموضع الذي لا تقدر علـى التـخـلص منه فتـختنق حتـى تـموت.

            وإنـما قلنا ذلك أولـى بـالصواب فـي تأويـل ذلك من غيره، لأن الـمنـخنقة: هي الـموصوفة بـالانـخناق دون خنق غيرها لها، ولو كان معنـياً بذلك أنها مفعول بها لقـيـل: والـمخنوقة، حتـى يكون معنى الكلام ما قالوا....

            وعلـى هذا القول يجب أن يكون قوله: { إلاَّ ما ذَكَّيْتُـمْ } استثناءً منقطعاً، فـيكون تأويـل الآية: حرّمت علـيكم الـميتة والدم، وسائر ما ذكرنا، ولكن ما ذكَّيتـم من الـحيوانات التـي أحللتها لكم بـالتذكية حلال.

            وأولـى القولـين فـي ذلك عندنا بـالصواب القول الأوّل، وهو أن قوله: { إلاَّ ما ذكيَّتـم } اسثناء من قوله: { وَما أهِلَّ لغيرِ الله بِهِ والـمُنْـخَنِقَةُ وَالـمَوقُوذَةُ وَالـمُترَدّيَةُ والنَّطِيحَةُ وَما أكَلَ السَّبُعُ } لأن كلّ ذلك مستـحقّ الصفة التـي هو بها قبل حال موته، فـيقال: لـما قرّب الـمشركون لآلهتهم فسموه لهم: هو { ما أهِلَّ لغيرِ اللّهِ بِهِ } بـمعنى: سمي قربـاناً لغير الله. وكذلك الـمنـخنقة: إذا انـخنقت، وإن لـم تـمت فهي منـخنقة، وكذلك سائر ما حرّمه الله جلّ وعزّ بعد قوله: { وَما أُهِلَّ لغيرِ اللّهِ بِهِ } إلا بـالتذكية فإنه يوصف بـالصفة التـي هو بها قبل موته، فحرّمه الله علـى عبـاده إلا بـالتذكية الـمـحللة دون الـموت بـالسبب الذي كان به موصوفـاً. فإذ كان ذلك كذلك، فتأويـل الآية: وحرّم علـيكم ما أهل لغير الله به، والـمنـخنقة، وكذا وكذا وكذا، إلا ما ذكيَّتـم من ذلك ف«ما» إذ كان ذلك تأويـله فـي موضع نصب بـالاستثناء مـما قبلها، وقد يجوز فـيه الرفع. وإذ كان الأمر علـى ما وصفنا، فكلّ ما أدركت ذكاته من طائر أو بهيـمة قبل خروج نفسه ومفـارقة روحه جسده، فحلال أكله إذا كان مـما أحله الله لعبـاده.

            فإن قال لنا قائل: فإذ كان ذلك معناه عندك، فما وجه تكريره ما كرّر بقوله: { وما أُهِلَّ لغيرِ اللّهِ بِهِ وَالـمُنْـخَنِقَةُ والـمَوْقُوذَةُ وَالـمُتَرَدِّيَةُ } وسائر ما عدّد تـحريـمه فـي هذه الآية، وقد افتتـح الآية بقوله: { حُرّمَتْ عَلَـيْكُمُ الـمَيْتَةُ }؟ وقد علـمت أن قوله: { حُرّمَتْ عَلَـيْكُمُ الـمَيْتَةُ } شامل كل ميتة كان موته حتف أنفه، من علة به من غير جناية أحد علـيه، أو كان موته من ضرب ضارب إياه، أو انـخناق منه أو انتطاح أو فرس سبع؟ وهلاَّ كان قوله إن كان الأمر علـى ما وصفت فـي ذلك من أنه معنيّ بـالتـحريـم فـي كلّ ذلك الـميتة بـالانـخناق والنطاح والوقذ وأكل السبع أو غير ذلك، دون أن يكون معنـياً به تـحريـمه إذا تردّى أو انـخنق، أو فَرَسه السبع، فبلغ ذلك منه ما يعلـم أنه لا يعيش مـما أصابه منه إلا بـالـيسير من الـحياة حُرمَتْ عَلَـيْكُمُ الـمَيْتَةُ مغنـياً من تكرير ما كرّر بقوله { وَما أهِلَّ لغيرِ اللّهِ بِهِ والـمُنْـخَنِقَةُ } وسائر ما ذكر مع ذلك وتعداده ما عدد؟ قيل: وجه تكراره ذلك وإن كان تـحريـم ذلك إذا مات من الأسبـاب التـي هو بها موصوف، وقد تقدم بقوله { حُرّمَتْ عَلَـيْكُمْ الـمَيْتَةُ } أن الذين خوطبوا بهذه الآية لا يعدّون الـميتة من الـحيوان، إلا ما مات من علة عارضة به، غير الانـخناق والتردّي والانتطاح، وفرّس السبع،فإعلمهم اللّه أن حكم ما مات من العلل العارضة وإن العلة الموجبة تحريم الميتة ليست موتها من علة مرض أو أذى كان بها قبل هلاكها، ولكن العلة فـي ذلك أنها لـم يذبحها من أحلَّ ذبـيحته بـالـمعنى الذي أحلها به...

            حدثنا أحمد بن حازم، قال: ثنا أبو نعيـم، قال: ثنا قـيس، عن أبـي حصين، عن سعيد بن جبـير: { الـيَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } قال: تـمام الـحجّ، ونفـي الـمشركين عن البـيت.

            وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب أن يقال: إن الله عزّ وجلّ أخبر نبـيه صلى الله عليه وسلم والـمؤمنـين به، أنه أكمل لهم يوم أنزل هذه الآية علـى نبـيه دينهم، بإفرادهم بـالبلد الـحرام، وإجلائه عنه الـمشركين، حتـى حجه الـمسلـمون دونهم، لا يخالطونهم الـمشركون. فأما الفرائض والأحكام، فإنه قد اختلف فـيها، هل كانت أكملت ذلك الـيوم أم لا؟ فرُوي عن ابن عبـاس والسديّ ما ذكرنا عنهما قبل. ورُوِي عن البراء بن عازب أن آخر آية نزلت من القرآن:
            { يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ظ±للَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي ظ±لْكَلاَلَةِ }
            [النساء: 186]. ولا يدفع ذو علـم أن الوحي لـم ينقطع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلـى أن قبض، بل كان الوحي قبل وفـاته أكثر ما كان تتابعا. فإذ كان ذلك كذلك، وكان قوله:
            { يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ظ±للَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي ظ±لْكَلاَلَةِ }
            [النساء: 186] آخرها نزولاً وكان ذلك من الأحكام والفرائض، كان معلوماً أن معنى قوله: { الـيَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } علـى خلاف الوجه الذي تأوّله مَن تأوّله، أعنـي: كمال العبـادات والأحكام والفرائض.

            فإن قال قائل: فما جعل قول من قال: قد نزل بعد ذلك فرض أولـى من قول من قال: لـم ينزل؟ قـيـل لأن الذي قال لـم ينزل، مخبر أنه لا يعلـم نزول فرض، والنفـي لا يكون شهادة، والشهادة قول من قال: نزل، وغير جائز دفع خبر الصادق فـيـما أمكن أن يكون فـيه صادقاً....

            حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: { الـيَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } يقول: لـيس بـيوم معلوم يعلـمه الناس.

            وأولـى الأقوال فـي وقت نزول الآية، القول الذي رُوي عن عمر بن الـخطاب أنها نزلت يوم عرفة يوم جمعة، لصحة سنده ووَهْي أسانـيد غيره....

            تعليق

            • اسامة محمد خيري
              Registered User
              • Dec 2008
              • 12975

              #216
              وأولـى القولـين بتأويـل الآية، قول من قال: كلّ ما صاد من الطير والسبـاع فمن الـجوارح، وإن صيد جميع ذلك حلال إذا صاد بعد التعلـيـم، لأن الله جلّ ثناؤه عمّ بقوله: { وَما عَلَّـمْتُـمْ مِنَ الـجَوَارِحِ مُكَلِّبِـينَ }: كلّ جارحة، ولـم يخصص منها شيئاً، فكل جارحة كانت بـالصفة التـي وصف الله من كل طائر وسبع فحلال أكل صيدها. وقد روِيَ عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم، بنـحو ما قلنا فـي ذلك خبر، مع ما فـي الآية من الدلالة التـي ذكرنا علـى صحة ما قلنا فـي ذلك، وهو ما:

              حدثنا به هناد، قال: ثنا عيسى بن يونس، عن مـجالد، عن الشعبـيّ عن عديّ بن حاتـم، قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيد البـازيّ، فـقال: " ما أَمْسَكَ عَلَـيْكَ فَكُلْ "

              فأبـاح صلى الله عليه وسلم صيد البـازي وجعله من الـجوارح، ففـي ذلك دلالة بـينة علـى فساد قول من قال: عنى الله بقوله: { وَما عَلَّـمْتُـمْ مِنَ الـجَوَارِحِ }: ما علـمنا من الكلاب خاصة دون غيرها من سائر الـجوارح.

              فإن ظنّ ظانّ أن فـي قوله { مُكَلِّبِـينَ } دلالة علـى أن الـجوارح التـي ذكرت فـي قوله: { وَما عَلَّـمْتُـمْ مِنَ الـجَوَارِحِ }: هي الكلاب خاصة، فقد ظنّ غير الصواب، وذلك أن معنى الآية: قل أحلّ لكم أيها الناس فـي حال مصيركم أصحاب كلاب الطيبـات وصيد ما علَّـمتـموه الصيد من كواسب السبـاع والطير. فقوله: { مُكَلِّبِـينَ } صفة للقانص، وإن صاد بغير الكلاب فـي بعض أحيانه، وهو نظير قول القائل يخاطب قوماً: أحلّ لكم الطيبـات، وما علـمتـم من الـجوارح مكلبـين مؤمنـين فمعلوم أنه إنـما عنى قائل ذلك إخبـار القوم أن الله جلّ ذكره أحلّ لهم فـي حال كونهم أهل إيـمان الطيبـات، وصيد الـجوارح التـي أعلـمهم أنه لا يحلّ لهم منه إلا ما صادوه بها، فكذلك قوله: { أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبـاتُ وَما عَلَّـمْتُـمْ مِنَ الـجَوَارِحِ مكَلِّبِـينَ } لذلك نظيره فـي أن التكلـيب للقانص بـالكلاب كان صيده أو بغيرها، لا أنه إعلام من الله عزّ ذكره أنه لا يحلّ من الصيد إلا ما صادته الكلاب....

              وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب عندنا فـي تأويـل قوله: { تُعَلِّـمُونَهُنَّ مِـمَّا عَلَّـمَكُمُ اللّهُ } أن التعلـيـم الذي ذكره الله فـي هذه الآية للـجوارح، إنـما هو أن يعلـم الرجل جارحه الاستشلاء إذا أُشلـي علـى الصيد، وطلبه إياه أغري، أو إمساكه علـيه إذا أَخذه من غير أن يأكل منه شيئاً، وألا يفرّ منه إذا أراده، وأن يجيبه إذا دعاه، فذلك هو تعلـيـم جميع الـجوارح طيرها وبهائمها. وإن أكل من الصيد جارحة صائد، فجارحه حينئذٍ غير معلـم. فإن أدرك صاحبه حيًّا فذكّاه حلّ له أكله، وإن أدركه ميتاً لـم يحلّ له، لأنه مـما أكله السبع الذي حرّمه الله تعالـى بقوله: { وَما أكَلَ السَّبُع } ولـم يدرك ذكاته.

              وإنـما قلنا ذلك أولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب لتظاهر الأخبـار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بـما:

              حدثنا به ابن حميد، قال: ثنا ابن الـمبـارك، عن عاصم بن سلـيـمان الأحول، عن الشعبـيّ، عن عديّ بن حاتـم، أنه سأل النبـيّ صلى الله عليه وسلم عن الصيد، فقال: " إذا أرْسَلْتَ كَلْبَكَ فـاذْكُرِ اسْمَ اللّه عَلَـيْهِ، فإنْ أدْرَكْتَهُ وقد قَتَلَ وأَكَلَ مِنْهُ، فلا تَأْكُلْ مِنْهُ شَيْئاً، فإنَّـما أمْسَكَ علـى نَفْسِهِ "

              فإن قال قائل: فما أنت قائل فـيـما:

              حدثك به عمران بن بكار الكلاعي، قال: ثنا عبد العزيز بن موسى، قال: ثنا مـحمد بن دينار، عن أبـي إياس، عن سعيد بن الـمسيب، عن سلـمان الفـارسي، عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم، قال: " إذَا أرْسَلَ الرَّجُلُ كَلْبَهُ علـى الصَّيْدِ فَأدْرَكَهُ وَقَدْ أكَلَ مِنْهُ، فَلـيْأكُلْ ما بَقِـيَ "

              قـيـل: هذا خبر فـي إسناده نظر، فإن سعيداً غير معلوم له سماع من سلـمان، والثقات من أهل الآثار يقـفون هذا الكلام علـى سلـمان ويروونه عنه من قِبَله غير مرفوع إلـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم.

              ...

              والصواب من القول فـي ذلك، أن «مِنْ» لا تدخـل فـي الكلام إلا لـمعنى مفهوم، وقد يجوز حذفها فـي بعض الكلام وبـالكلام إلـيها حاجة لدلالة ما يظهر من الكلام علـيها، فأما أن تكون فـي الكلام لغير معنى أفـادته بدخولها، فذلك قد بـينا فـيـما مضى أنه غير جائز أن يكون فـيـما صحّ من الكلام. ومعنى دخولها فـي قوله: { فَكُلُوا مـمَّا أمْسَكْنَ عَلَـيْكُمْ } للتبعيض إذ كانت الـجوارح تـمسك علـى أصحابها ما أحلّ الله لهم لـحومه وحرم علـيهم فرثه ودمه، فقال جلّ ثناؤه: { فَكُلُوا مِـمَّا أمْسَكْنَ عَلَـيْكُمْ } جوارحكم الطيبـات التـي أحللت لكم من لـحومها دون ما حرّمت علـيكم من خبـائثه من الفَرْث والدم وما أشبه ذلك مـما لـم أطيبه لكم، فذلك معنى دخول «من» فـي ذلك.

              وأما قوله:
              { وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ }
              [البقرة: 271] فقد بـينا وجه دخولها فـيه فـيـما مضى بـما أغنى عن إعادته. وأما دخولها فـي قوله:
              { وَيُنَزِّلُ مِنَ ظ±لسَّمَآءِ مِن جِبَالٍ }
              [النور: 43] فسنبـينه إذا أتـينا علـيه إن شاء الله تعالـى:

              تعليق

              • اسامة محمد خيري
                Registered User
                • Dec 2008
                • 12975

                #217
                وأولـى الأقوال فـي ذلك عندنا بـالصواب قول من قال: عنـي بقوله: { والـمُـحْصَناتُ مِنَ الـمُؤْمِناتِ والـمُـحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ } حرائر الـمؤمنـين وأهل الكتاب، لأن الله جلّ ثناؤه لـم يأذن بنكاح الإماء الأحرار فـي الـحال التـي أبـاحهنّ لهم إلاَّ أن يكنّ مؤمنات، فقال عزّ ذكره:
                { وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ ظ±لْمُحْصَنَظ°تِ ظ±لْمُؤْمِنَظ°تِ فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَظ°نُكُم مِّن فَتَيَظ°تِكُمُ ظ±لْمُؤْمِنَظ°تِ }
                [النساء: 25] فلـم يبح منهنّ إلاَّ الـمؤمنات، فلو كان مراداً بقوله: { والـمُـحْصَناتُ مِنَ الـمُؤْمِناتِ والـمُـحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ }: العفـائف، لدخـل العفـائف من إمائهم فـي الإبـاحة، وخرج منها غير العفـائف من حرائرهم وحرائر أهل الإيـمان. وقد أحل الله لنا حرائر الـمؤمنات، وإن كنّ قد أتـين بفـاحشة بقوله:
                { وَأَنْكِحُواْ ظ±لأَيَامَىظ° مِنْكُمْ وَظ±لصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ }
                [النور: 32]، وقد دللنا علـى فساد قول من قال: لا يحلّ نكاح من أتـى الفـاحشة من نساء الـمؤمنـين وأهل الكتاب للـمؤمنـين فـي موضع غير هذا بـما أغنـى عن إعادته فـي هذا الـموضع، فنكاح حرائر الـمسلـمين وأهل الكتاب حلال للـمؤمنـين، كنّ قد أتـين بفـاحشة أو لـم يأتـين بفـاحشة، ذمية كانت أو حربـية، بعد أن تكون بـموضع لا يخاف الناكح فـيه علـى ولده أن يجبر علـى الكفر، بظاهر قول الله جلّ وعزّ: { والـمُـحْصَنَاتُ مِنَ الـمُؤْمِناتِ والـمُـحْصَناتُ مِنَ الذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ }. فأما قول الذي قال: عنى بذلك نساء بنـي إسرائيـل الكتابـيات منهن خاصة، فقول لا يوجب التشاغل بـالبـيان عنه لشذوذه والـخروح عما علـيه علـماء الأمة من تـحلـيـل نساء جميع الـيهود والنصارى. وقد دللنا علـى فساد قول قائل هذه الـمقالة من جهة القـياس فـي غير هذا الـموضع بـما فـيه الكفـاية فكرهنا إعادته.

                تعليق

                • اسامة محمد خيري
                  Registered User
                  • Dec 2008
                  • 12975

                  #218
                  وأولى الاقوال في ذلك عندنا بالصواب قول من قال ان اللّه عنى بقوله: اذا قمتم الى الصلاة فاغلسوا جميع أحوال قيام القائم الى الصلاة، غيرأنه أمر فرض بغسل ما أمر اللّه بغسله القائم الى صلاته بعد حدث كان منه ناقص طهارته، وقبل احداث الوضوء منه، وأمر ندب لمن كان على طهر قد تقدم منه، ولم يكن منه بعده حدث ينقض طهارته ولذلك كان عليه الصلاة والسلام يتوضأ لكل صلاة قبل فتح مكة ثم صلى يومئذ الصلوات كلها بوضوء واحد ليعلم أمته أن ما كان يفعل عليه السلام من تجديد الطهر لكل صلاة انما كان منه أخذا بالفضل، وايثارا منه لأحب الأمرين الى اللّه ومسارعة منه الى ما ندبه اليه ربه لا على أن ذلك كان عليه فرضاً واجباً.

                  ...

                  وأولـى الأقوال بـالصواب فـي ذلك عندنا قول من قال: الوجه الذي أمر الله جلّ ذكره بغسله القائم إلـى صلاته: كلّ ما انـحدر عن منابت شعر الرأس إلـى منقطع الذقن طولاً، وما بـين الأذنـين عرضاً مـما هو ظاهر لعين الناظر، دون ما بطن من الفم والأنف والعين، ودون ما غطاه شعر اللـحية والعارضين والشاربـين فستره عن أبصار الناظرين، ودون الأذنـين.

                  وإنـما قلنا ذلك أولـى بـالصواب وإن كان ما تـحت شعر اللـحية والشاربـين قد كان وجهاً يجب غسله قبل نبـات الشعر الساتر عن أعين الناظرين علـى القائم إلـى صلاته، لإجماع جميعهم علـى أن العينـين من الوجه، ثم هم مع إجماعهم علـى ذلك مـجمعون علـى أن غسل ما علاهما من أجفـانهما دون إيصال الـماء إلـى ما تـحت الأجفـان منهما مـجزىء فإذا كان ذلك منهم إجماعاً بتوقـيف الرسول صلى الله عليه وسلم أمته علـى ذلك، فنظير ذلك كلّ ما علاه شيء من مواضع الوضوء من جسد ابن آدم من نفس خـلقة ساتره لا يصل الـماء إلـيه إلاَّ بكلفة ومؤونة وعلاج، قـياساً لـما ذكرنا من حكم العينـين فـي ذلك. فإذا كان ذلك كذلك، فلا شكّ أن مثل العينـين فـي مؤنة إيصال الـماء إلـيهما عند الوضوء ما بطن من الأنف والفم وشعر اللـحية والصدغين والشاربـين، لأن كل ذلك لا يصل الـماء إلـيه إلاَّ بعلاج لإيصال الـماء إلـيه نـحو كلفة علاج الـحدقتـين لإيصال الـماء إلـيهما أو أشدّ. وإذا كان ذلك كذلك، كان بـيِّناً أن غسل من غسل من الصحابة والتابعين ما تـحت منابت شعر اللـحية والعارضين والشاربـين وما بطن من الأنف والفم، إنـما كان إيثاراً منه لأشقّ الأمرين علـيه من غسل ذلك وترك غسله، كما آثر ابن عمر غسل ما تـحت أجفـان العينـين بـالـماء بصبه الـماء فـي ذلك، لا علـى أن ذلك كان علـيه عنده فرضاً واجبـاً. فأما من ظنّ أن ذلك من فعلهم كان علـى وجه الإيجاب والفرض، فإنه خالف فـي ذلك بقوله منهاجهم وأغفل سبـيـل القـياس، لأن القـياس هو ما وصفنا من تـمثـيـل الـمختلف فـيه من ذلك بـالأصل الـمـجمع علـيه من حكم العينـين، وأن لا خبر عن واحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أوجب علـى تارك إيصال الـماء فـي وضوئه إلـى أصول شعر لـحيته وعارضيه، وتارك الـمضمضة والاستنشاق إعادة صلاته إذا صلَّـى بطهره ذلك، ففـي ذلك أوضح الدلـيـل علـى صحة ما قلنا من أن فعلهم ما فعلوا من ذلك كان إيثاراً منهم لأفضل الفعلـين من الترك والغسل.

                  فإن ظنّ ظانّ أن فـي الأخبـار التـي رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: " إذَا تَوَضَّأ أحَدُكُمْ فَلْـيَسْتَنْثِرْ " دلـيلاً علـى وجوب الاستنثار، فإن فـي إجماع الـحجة علـى أن ذلك غير فرض يجب علـى من تركه إعادة الصلاة التـي صلاها قبل غسله، ما يغنـي عن إكثار القول فـيه. وأما الأذنان فإن فـي إجماع جميعهم علـى أن ترك غسلهما أو غسل ما أقبل منهما علـى الوجه، غير مفسد صلاة من صلَّـى بطهره الذي ترك فـيه غسلهما، مع إجماعهم جميعاً علـى أنه لو ترك غسل شيء مـما يجب علـيه غسله من وجهه فـي وضوئه أن صلاته لا تـجزئه بطهوره ذلك، ما ينبىء عن القول فـي ذلك مـما قاله أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ذكرنا قولهم إنهما لـيسا من الوجه دون ما قاله الشعبـي....

                  اختلف أهل التأويـل فـي الـمرافق، هل هي من الـيد الواجب غسلها أم لا؟ بعد إجماع جميعهم علـى أن غسل الـيد إلـيها واجب. فقال مالك بن أنس وسئل عن قول الله: { فـاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وأيْدِيَكُمْ إلـى الـمَرَافِقِ }: أترى أن يخـلف الـمرفقـين فـي الوضوء؟ قال: الذي أمر به أن يُبلغ «الـمرفقـين»، قال تبـارك وتعالـى: { فـاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ } مذهب هذا يغسل خـلفه فقـيـل له: فإنـما يغسل إلـى الـمرفقـين والكعبـين لا يجاوزهما؟ فقال: لا أدري ما لا يجاوزهما أما الذي أمر به أن يبلغ به فهذا: إلـى الـمرفقـين والكعبـين. حدثنا يونس، عن أشهب عنه. وقال الشافعي: لـم أعلـم مخالفـاً فـي أن الـمرافق فـيـما يغسل كأنه يذهب إلـى أن معناها: { فـاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وأيْدِيَكُمْ إلـى } أن تغسل { الـمَرَافِقِ }. حدثنا بذلك عنه الربـيع.

                  وقال آخرون: إنـما أوجب الله بقوله: { وأيْدِيَكُمْ إلـى الـمَرَافِقِ } غسل الـيدين إلـى الـمرافق، فـالـمرفقان غاية لـما أوجب الله غسله من آخر الـيد، والغاية غير داخـلة فـي الـحدّ، كما غير داخـل اللـيـل فـيـما أوجب الله تعالـى علـى عبـاده من الصوم بقوله: { ثُمَّ أتِـمُّوا الصّيامَ إلـى اللَّـيْـلِ } لأن اللـيـل غاية لصوم الصائم، إذا بلغه فقد قضى ما علـيه. قالوا: فكذلك الـمرافق فـي قوله: { فـاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وأيْدِيَكُمْ إلـى الـمَرَافِقِ } غاية لـما أوجب الله غسله من الـيد. وهذا قول زفر بن الهذيـل.

                  والصواب من القول فـي ذلك عندنا: أن غسل الـيدين إلـى الـمرفقـين من الفرض الذي إن تركه أو شيئاً منه تارك، لـم تَـجزه الصلاة مع تركه غسله. فأما الـمرفقان وما وراءهما، فإن غسل ذلك من الندب الذي ندب إلـيه صلى الله عليه وسلم أمته بقوله: " أُمَّتـي الغُرُّ الـمُـحَجَّلُونَ مِنْ آثارِ الوُضُوءِ، فَمَنِ اسْتَطاعَ مِنْكُمْ أنْ يُطِيـلَ غُرَّتَهُ فَلْـيَفْعَلْ "

                  فلا تفسد صلاة تارك غسلهما وغسل ما وراءهما، لـما قد بـينا قبل فـيـما مضى من أن كل غاية حدت بـ «إلـى» فقد تـحتـمل فـي كلام العرب دخول الغاية فـي الـحدّ وخروجها منه. وإذا احتـمل الكلام ذلك لـم يجز لأحد القضاء بأنها داخـلة فـيه، إلاَّ لـمن لا يجوّز خلافه فـيـما بـين وحكم، ولا حكم بأن الـمرافق داخـلة فـيـما يجب غسله عندنا مـمن يجب التسلـيـم بحكمه....

                  وقال آخرون: لا يجزىء مسح الرأس بأقلّ من ثلاث أصابع، وهذا قول أبـي حنـيفة وأبـي يوسف ومـحمد.

                  والصواب من القول فـي ذلك عندنا، أن الله جلّ ثناؤه أمر بـالـمسح برأسه القائم إلـى صلاته مع سائر ما أمره بغسله معه أو مسحه، ولـم يحدّ ذلك بحدّ لا يجوز التقصير عنه ولا يجاوزه. وإذ كان ذلك كذلك، فما مسح به الـمتوضىء من رأسه فـاستـحقّ بـمسحه ذلك أن يقال: مسح برأسه، فقد أدّى ما فرض الله علـيه من مسح ذلك لدخوله فـيـما لزمه اسم ما مسح برأسه إذا قام إلـى صلاته.

                  فإن قال لنا قائل: فإن الله قد قال فـي التـيـمـم: { فـامْسَحُوا بوُجُوهِكُمْ وأيْدِيكُمْ } أفـيجزىء الـمسح ببعض الوجه والـيدين فـي التـيـمـم؟ قـيـل له: كلّ ما مسح من ذلك بـالتراب فـيـما تنازعت فـيه العلـماء، فقال بعضهم: يجزيه ذلك من التـيـمـم، وقال بعضهم: لا يجزئه، فهو مـجزئه، لدخوله فـي إسم الـماسحين به. وما كان من ذلك مـجمعاً علـى أنه غير مـجزئه، فمسلـم لـما جاءت به الـحجة نقلا عن نبـيها صلى الله عليه وسلم، ولا حجة لأحد علـينا فـي ذلك إذ كان من قولنا: إن ما جاء فـي آي الكتاب عاماً فـي معنى فـالواجب الـحكم به علـى عمومه حتـى يخصه ما يجب التسلـيـم له، فإذا خصّ منه منه شيء كان ما خصّ منه خارجاً من ظاهره، وحكم سائره علـى العموم. وقد بـينا العلة الـموجبة صحة القول بذلك فـي غير هذا الـموضع بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع. والرأس الذي أمر الله جلّ وعزّ بـالـمسح به بقوله: { وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وأرْجُلَكُمْ إلـى الكَعْبَـيْنِ } هو منابت شعر الرأس دون ما جاوز ذلك إلـى القـفـا مـما استدبر، ودون ما انـحدر عن ذلك مـما استقبل من قِبَل وجهه إلـى الـجبهة....

                  والصواب من القول عندنا فـي ذلك، أن الله أمر بعموم مسح الرجلـين بـالـماء فـي الوضوء، كما أمر بعموم مسح الوجه بـالتراب فـي التـيـمـم، وإذا فعل ذلك بهما الـمتوضيء كان مستـحقاً اسم ماسح غاسل، لأن غسلهما إمرار الـماء علـيهما أو إصابتهما بـالـماء. ومسحهما: إمرار الـيد أو ما قام مقام الـيد علـيهما. فإذا فعل ذلك بهما فـاعل فهو غاسل ماسح، ولذلك من احتـمال الـمسح الـمعنـيـين اللذين وصفت من العموم والـخصوص اللذين أحدهما مسح ببعض والآخر مسح بـالـجميع اختلفت قراءة القرّاء فـي قوله: { وأرْجُلَكُمْ } فنصبها بعضهم توجيهاً منه ذلك إلـى أن الفرض فـيهما الغسل وإنكاراً منه الـمسح علـيهما مع تظاهر الأخبـار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعموم مسحهما بـالـماء، وخفضها بعضهم توجيهاً منه ذلك إلـى أن الفرض فـيهما الـمسح. ولـما قلنا فـي تأويـل ذلك إنه معنـيّ به عموم مسح الرجلـين بـالـماء كره من كره للـمتوضىء الاجتزاء بإدخال رجلـيه فـي الـماء دون مسحهما بـيده، أو بـما قام مقام الـيد توجيهاً منه قوله: «وَامْسَحُوا برُءُوسِكُمْ وأرْجُلِكُمْ إلـى الكَعْبَـيْنِ» إلـى مسح جميعهما عاماً بـالـيد، أو بـما قام مقام الـيد دون بعضهما مع غسلهما بـالـماء.

                  كما:

                  حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، قال: ثنا نافع، عن ابن عمر. وعن الأحول، عن طاووس: أنه سئل عن الرجل يتوضأ ويدخـل رجلـيه فـي الـماء، قال: ما أعدّ ذلك طائلاً.

                  وأجاز ذلك من أجاز توجيهه منه إلـى أنه معنـيّ به الغسل. كما:

                  حدثنـي أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت هشاماً يذكر عن الـحسن فـي الرجل يتوضأ فـي السفـينة، قال: لا بأس أن يغمس رجلـيه غمساً.

                  حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنـي أبو حمزة، عن الـحسن فـي الرجل إذا توضأ علـى حرف السفـينة، قال: يخضخض قدميه فـي الـماء.

                  فإذا كان فـي الـمسح الـمعنـيان اللذان وصفنا من عموم الرجلـين بـالـماء، وخصوص بعضهما به، وكان صحيحاً بـالأدلة الدالة التـي سنذكرها بعد أن مراد الله من مسحهما العموم، وكان لعمومهما بذلك معنى الغسل والـمسح فبـين صواب القراءتـين جميعاً، أعنـي النصب فـي الأرجل والـخفض، لأن فـي عموم الرجلـين بـمسحهما بـالـماء غسلهما، وفـي إمرار الـيد وما قام مقام الـيد علـيهما مسحهما، فوجه صواب قراءة من قرأ ذلك نصبـاً لـما فـي ذلك من معنى عمومهما بإمرار الـماء علـيهما. ووجه صواب قراءة من قرأه خفضاً لـما فـي ذلك من إمرار الـيد علـيهما، أو ما قام مقام الـيد مسحاً بهما. غير أن ذلك وإن كان كذلك وكانت القراءتان كلتاهما حسناً صوابـاً، فأعجب القراءتـين إلـيّ أن أقرأها قراءة من قرأ ذلك خفضاً لـما وصفت من جمع الـمسح الـمعنـيـين اللذين وصفت، ولأنه بعد قوله: { وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ } فـالعطف به علـى الرؤوس مع قربه منه أولـى من العطف به علـى الأيدي، وقد حيـل بـينه وبـينها بقوله: { وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ }.

                  فإن قال قائل: وما الدلـيـل علـى أن الـمراد بـالـمسح فـي الرجلـين العموم دون أن يكون خصوصاً نظير قولك فـي الـمسح بـالرأس؟ قـيـل: الدلـيـل علـى ذلك تظاهر الأخبـار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " وَيْـلٌ للأَعْقابِ وَبُطُونِ الأقْدَامِ منَ النارِ " ، ولو كان مسح بعض القدم مـجزياً عن عمومها بذلك لـما كان لها الويـل بترك ما ترك مسحه منها بـالـماء بعد أن يـمسح بعضها، لأن من أدّى فرض الله علـيه فـيـما لزمه غسله منها لـم يستـحقّ الويـل، بل يجب أن يكون له الثواب الـجزيـل، فوجوب الويـل لعقب تارك غسل عقبه فـي وضوئه، أوضح الدلـيـل علـى وجوب فرض العموم بـمسح جميع القدم بـالـماء، وصحة ما قلنا فـي ذلك وفساد ما خالفه...

                  ...

                  والصواب من القول فـي ذلك أن الكعبـين هما العظمان اللذان فـي مفصل الساق والقدم تسميهما العرب الـمِنْـجَمين. وكان بعض أهل العلـم بكلام العرب يقول: هما عظما الساق فـي طرفها.

                  واختلف أهل العلـم فـي وجوب غسلهما فـي الوضوء وفـي الـحدّ الذي ينبغي أن يبلغ بـالغسل إلـيه من الرجلـين نـحو اختلافهم فـي وجوب غسل الـمرفقـين، وفـي الـحدّ الذي ينبغي أن يبلغ بـالغسل إلـيه من الـيدين. وقد ذكرنا ذلك ودللنا علـى الصحيح من القول فـيه بعلله فـيـما مضى قبل بـما أغنى عن إعادته....

                  ...

                  فإن قال قائل: وما وجه تكرير قوله: { أوْ لامَسْتُـمُ النِّساءَ } إن كان معنى اللـمس الـجماع، وقد مضى ذكر الواجب علـيه بقوله: { وإنْ كُنْتُـمْ جُنُبـاً فـاطَّهَرُوا }؟ قـيـل: وجه تكرير ذلك أن الـمعنى الذي ذكره تعالـى من فرضه بقوله: { وإنْ كُنْتُـمْ جُنُبـاً فـاطَّهَرُوا } غير الـمعنى الذي ألزمه بقوله: { أوْ لامَسْتُـمُ النِّساءَ } وذلك أنه بـين حكمه فـي قوله: { وإنْ كُنْتُـمْ جُنُبـا فـاطَّهَرُوا } إذا كان له السبـيـل إلـى الـماء الذي يطهره فرض علـيه الاغتسال به ثم بـين حكمه إذا أعوزه الـماء فلـم يجد إلـيه السبـيـل وهو مسافر غير مريض مقـيـم، فأعلـمه أن التـيـمـم بـالصعيد له حينئذ الطهور....

                  تعليق

                  • اسامة محمد خيري
                    Registered User
                    • Dec 2008
                    • 12975

                    #219
                    حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قوله: { وَمِيثاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ } قال: الذي واثق به بنـي آدم فـي ظهر آدم.

                    حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، نـحوه.

                    وأولـى الأقوال بـالصواب فـي تأويـل ذلك: قول ابن عبـاس، وهو أن معناه: واذكروا أيها الـمؤمنون نعمة الله علـيكم التـي أنعمها علـيكم بهدايته إياكم للإسلام وميثاقه الذي واثقكم به، يعنـي: وعهده الذي عاهدكم به حين بـايعتـم رسوله مـحمداً صلى الله عليه وسلم علـى السمع والطاعة له فـي الـمنشط والـمكره، والعسر والـيسر، إذ قلتـم سمعنا ما قلت لنا، وأخذت علـينا من الـمواثـيق وأطعناك فـيـما أمرتنا به ونهيتنا عنه، وأنعم علـيكم أيضاً بتوفـيقكم لقبول ذلك منه بقولكم له سمعنا وأطعنا، يقول: ففوا لله أيها الـمؤمنون بـميثاقه الذي واثقكم به، ونعمته التـي أنعم علـيكم فـي ذلك بإقراركم علـى أنفسكم بـالسمع له والطاعة فـيـما أمركم به، وفـيـما نهاكم عنه، يف لكم بـما ضمن لكم الوفـاء به إذا أنتـم وفـيتـم له بـميثاقه من إتـمام نعمته علـيكم، وبـادخالكم جنته وبـانعامكم بـالـخـلود فـي دار كرامته، وإنقاذكم من عقابه وألـيـم عذابه.

                    وإنـما قلنا ذلك أولـى بـالصواب من قول من قال: عنـي به الـميثاق الذي أخذ علـيهم فـي صلب آدم صلوات الله علـيه، لأن الله جلّ ثناؤه ذكر بعقب تذكرة الـمؤمنـين ميثاقه الذي واثق به أهل التوراة بعد ما أنزل كتابه علـى نبـيه موسى صلى الله عليه وسلم فـيـما أمرهم به ونهاهم فـيها، فقال:
                    { وَلَقَدْ أَخَذَ ظ±للَّهُ مِيثَاقَ بَنِيغ¤ إِسْرَآئِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ ظ±ثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً }
                    [المائدة: 12]... الآيات بعدها، منبهاً بذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مـحمد علـى مواضع حظوظهم من الوفـاء لله بـما عدهدهم علـيه، ومعرِّفهم سوء عاقبة أهل الكتاب فـي تضيـيعهم ما ضيعوا من ميثاقه الذي واثقهم به فـي أمره ونهيه، وتعزير أنبـيائه ورسله، زاجراً لهم عن نكث عهودهم، فـيحلّ بهم ما أحلّ بـالناكثـين عهوده من أهل الكتاب قبلهم، فكان إذا كان الذي ذكِّرهم فوعظهم به، ونهاهم عن أن يركبوا من الفعل مثله ميثاق قوم أخذ ميثاقهم بعد إرسال الرسول إلـيهم، وإنزال الكتاب علـيهم واجبـاً، أن يكون الـحال التـي أخذ فـيها الـميثاق والـموعوظين نظير حال الذين وعظوا بهم. وإذا كان ذلك كذلك، كان بـيِّناً صحة ما قلنا فـي ذلك وفساد خلافه.

                    تعليق

                    • اسامة محمد خيري
                      Registered User
                      • Dec 2008
                      • 12975

                      #220
                      وأولـى الأقوال بـالصحة فـي تأويـل ذلك، قول من قال: عنى الله بـالنعمة التـي ذكر فـي هذه الآية نعمته علـى الـمؤمنـين به وبرسوله، التـي أنعم بها علـيهم فـي استنقاذه نبـيهم مـحمداً صلى الله عليه وسلم، مـما كانت يهود بنـي النضير همت به من قتله وقتل من معه يوم سار إلـيهم نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم فـي الدية التـي كان يـحملها عن قتـيـلـي عمرو بن أمية.

                      وإنـما قلنا ذلك أولـى بـالصحة فـي تأويـل ذلك، لأن الله عقب ذكر ذلك برمي الـيهود بصنائعها وقبـيح أفعالها وخيانتها ربها وأنبـياءها. ثم أمر نبـيه صلى الله عليه وسلم بـالعفو عنهم والصفح عن عظيـم جهلهم، فكان معلوماً بذلك أنه صلى الله عليه وسلم لـم يؤمر بـالعفو عنهم والصفح عقـيب قوله: { إذْ هَمَّ قَوْمٌ أنْ يَبْسُطُوا إلَـيْكُمْ أيْدِيَهُمْ } ومن غيره كان يبسط الأيدي إلـيهم، لأنه لو كان الذين هموا ببسط الأيدي إلـيهم غيرهم لكان حريًّا أن يكون الأمر بـالعفو والصفح عنهم لا عمن لـم يجر لهم بذلك ذكر، ولكان الوصف بـالـخيانة فـي وصفهم فـي هذا الـموضع لا فـي وصف من لـم يَجْر لـخيانته ذكر، ففـي ذلك ما ينبـيء عن صحة ما قضينا له بـالصحة من التأويلات فـي ذلك دون ما خالفه....

                      حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سمعت عبد الرحمن بن زيد يقول فـي قوله: { وَعَزَّرْتـموهُم } قال: التعزير والتوقـير: الطاعة والنصرة.

                      واختلف أهل العربـية فـي تأويـله، فذكر عن يونس الـحِرمزي أنه كان يقول: تأويـل ذلك: أثنـيتـم علـيهم.

                      حُدثت بذلك عن أبـي عبـيدة معمر بن الـمثنى عنه.

                      وكان أبو عبـيدة يقول: معنى ذلك نصرتـموهم وأعنتـموهم ووقرتـموهم وعظمتـموهم وأيدتـموهم، وأنشد فـي ذلك:
                      وكَمْ مِنْ ماجِدٍ لَهُمُ كَرِيـمٍ ومِنْ لَـيْثٍ يُعَزَّزُ فـي النَّدِيِّ
                      وكان الفرّاء يقول: العزر الردّ عزرته رددته: إذا رأيته يظلـم، فقلت: اتق الله أو نهيته، فذلك العزر.

                      وأولـى هذه الأقوال عندي فـي ذلك بـالصواب قول من قال: معنى ذلك: نصرتـموهم، وذلك أن الله جلّ ثناؤه قال فـي سورة الفتـح:
                      { إِنَّآ أَرْسَلْنَٰكَ شَٰهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * لِّتُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ }
                      [الفتح: 8-9]. فـالتوقـير: هو التعظيـم. وإذا كان ذلك كذلك، كان القول فـي ذلك إنـما هو بعض ما ذكرنا من الأقوال التـي حكيناها عمن حكينا عنه. وإذا فسد أن يكون معناه التعظيـم، وكان النصر قد يكون بـالـيد واللسان فأما بـالـيد فـالذبّ بها عنه بـالسيف وغيره، وأما بـاللسان فحسن الثناء، والذبّ عن العرض، صحّ أنه النصر إذ كان النصر يحوي معنى كلّ قائل قال فـيه قولاً مـما حكينا عنه.

                      تعليق

                      • اسامة محمد خيري
                        Registered User
                        • Dec 2008
                        • 12975

                        #221
                        وأعجب القراءتـين إلـيّ فـي ذلك قراءة من قرأ: «وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قَسِيَّةً» علـى فعـيلة، لأنها أبلغ فـي ذمّ القوم من قاسية.

                        وأولـى التأويـلـين فـي ذلك بـالصواب تأويـل من تأوّله فعيـلة من القسوة، كما قـيـل: نفس زكية وزاكية، وامرأة شاهدة وشهيدة لأن الله جلّ ثناؤه وصف القوم بنقضهم ميثاقهم وكفرهم به، ولـم يصفهم بشيء من الإيـمان، فتكون قلوبهم موصوفة بأن إيـمانها يخالطه كفر كالدراهم القسية التـي يخالط فضتها غشّ....

                        حدثنا القاسم، ثنا الـحسين، قال:ثني حجاج قال: ابن جريج، قال مـجاهد وعكرمة: قوله: { وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ علـى خائِنَةٍ مِنْهُمْ } من يهود مثل الذي همُّوا بـالنبـيّ صلى الله عليه وسلم يوم دخـل علـيهم.

                        وقال بعض القائلـين: معنى ذلك: ولا تزال تطلع علـى خائن منهم، قال: والعرب تزيد الهاء فـي آخر الـمذكر كقولهم: هو راوية للشعر، ورجل علامة، وأنشد:
                        حَدَّثْتَ نفسَكَ بـالوَفـاءِ ولـم تكُنْ للغدْرِ خائنةً مُغِلَّ الإصْبَعِ
                        فقال خائنة، وهو يخاطب رجلاً.

                        والصواب من التأويـل فـي ذلك القول الذي رويناه عن أهل التأويـل، لأن الله عنى بهذه الآية القوم من يهود بنـي النضير الذين هموا بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، إذ أتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعينهم فـي دية العامريـين، فأطلعه الله عزّ ذكره علـى ما قد همُّوا به. ثم قال جلّ ثناؤه بعد تعريفه أخبـار أوائلهم وإعلامه منهج أسلافهم وأن آخرهم علـى منهاج أوّلهم فـي الغدر والـخيانة، لئلا يكبر فعلهم ذلك علـى نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم، فقال جلّ ثناؤه: ولا تزال تطلع من الـيهود علـى خيانة وغدر ونقض عهد. ولـم يرد أنه لا يزال يطلَّع علـى رجل منهم خائن، وذلك أن الـخبر ابتدىء به عن جماعتهم، فقـيـل:
                        { يَا أَيُّهَآ ظ±لَّذِينَ آمَنُواْ ظ±ذْكُرُواْ نِعْمَتَ ظ±للَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ }
                        [المائدة: 11]، ثم قـيـل: { وَلا تَزَالَ تَطَّلِعُ علـى خائِنَةٍ مِنْهُمْ } ، فإذ كان الابتداء عن الـجماعة فلتـختـم بـالـجماعة أولـى....

                        حدثنـي القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا أبو سفـيان، عن معمر، عن قتادة، قال: هم الـيهود والنصارى، أغرى الله بـينهم العداوة والبغضاء إلـى يوم القـيامة.

                        وقال آخرون: بل عنى الله بذلك: النصارى وحدها. وقالوا: معنى ذلك: فأغرينا بـين النصارى عقوبة لها بنـيسانها حظاً مـما ذكرت به. قالوا: وعلـيها عادت الهاء والـميـم فـي بـينهم دون الـيهود. ذكر من قال ذلك:

                        حدثنـي الـمثنى بن إبراهيـم، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع قال: إن الله عزّ ذكره تقدّم إلـى بنـي إسرائيـل أن لا تشتروا بآيات الله ثمناً قلـيلاً، وعلِّـموا الـحكمة ولا تأخذوا علـيها أجراً. فلـم يفعل ذلك إلا قلـيـل منهم، فأخذوا الرشوة فـي الـحكم وجاوزوا الـحدود، فقال فـي الـيهود حيث حكموا بغير ما أمر الله: وألْقَـيْنا بَـيْنَهُمُ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ إلـى يَوْمه القِـيامَةِ وقال فـي النصارى: { فَنَسُوا حَظًّا مِـمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فأغْرَيْنا بَـيْنَهُمْ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ إلـى يَوْمَ القِـيامةِ }.

                        وأولـى التأويـلـين بـالآية عندي ما قاله الربـيع بن أنس، وهو أن الـمعنىّ بـالإغراء بـينهم: النصارى فـي هذه الآية خاصة، وأن الهاء والـميـم عائدتان علـى النصارى دون الـيهود، لأن ذكر الإغراء فـي خبر الله عن النصارى بعد تقضي خبره عن الـيهود، وبعد ابتدائه خبره عن النصارى، فأن لا يكون ذلك معنـياً به إلا النصارى خاصة أولـى من أن يكون معنـياً به الـحزبـان جميعاً لـما ذكرنا.

                        فإن قال قائل: وما العداوة التـي بـين النصارى، فتكون مخصوصة بـمعنى ذلك؟ قـيـل: ذلك عداوة النَّسطورية والـيعقوبـية والـملكية النسطورية والـيعقوبـية، ولـيس الذي قاله من قال معنى بذلك: إغراء الله بـين الـيهود والنصارى ببعيد، غير أن هذا أقرب عندي وأشبه بتأويـل الآية لـما ذكرنا.

                        تعليق

                        • اسامة محمد خيري
                          Registered User
                          • Dec 2008
                          • 12975

                          #222
                          وأولـى التأويـلـين فـي ذلك عندي بـالصواب، قول من قال: وآتاكم ما لـم يؤت أحداً من العالـمين، خطاب لبنـي إسرائيـل، حيث جاء فـي سياق قوله: { اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّهِ عَلَـيْكُمْ } ومعطوفـاً علـيه. ولا دلالة فـي الكلام تدلّ علـى أن قوله: { وآتاكُمْ ما لَـمْ يُؤْتِ أحَداً مِنَ العالَـمِينَ مصروف عن خطاب الذين ابتدىء بخطابهم فـي أوّل الآية. فإن كان ذلك كذلك، فأن يكون خطابـاً لهم أولـى من أن يقال: هو مصروف عنهم إلـى غيرهم. فإن ظنّ ظانّ أن قوله: { وآتاكُمْ ما لَـمْ يُؤْتِ أحَداً مِنَ العالَـمِينَ } لا يجوز أن يكون خطابـاً لبنـي إسرائيـل، إذ كانت أمة مـحمد قد أوتـيت من كرامة الله نبـيها علـيه الصلاة والسلام مـحمداً، ما لـم يؤت أحداً غيرهم، وهم من العالـمين فقد ظنّ غير الصواب، وذلك أن قوله: { وآتاكُمْ ما لَـمْ يُؤْتِ أحَداً مِنَ العالَـمِينَ } خطاب من موسى صلى الله عليه وسلم لقومه يومئذٍ، وعنى بذلك عالـمي زمانه لا عالـمي كلّ زمان، ولـم يكن أُوتـي فـي ذلك الزمان من نعم الله وكرامته ما أُوتـي قومه صلى الله عليه وسلم أحد من العالـمين، فخرج الكلام منه صلى الله عليه وسلم علـى ذلك لا علـى جميع كلّ زمان...

                          وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب، أن يقال: هي الأرض الـمقدسة، كما قال نبـيّ الله موسى صلى الله عليه وسلم. لأن القول فـي ذلك بأنها أرض دون أرض، لا تدرك حقـيقة صحته إلاَّ بـالـخبر، ولا خبر بذلك يجوز قطع الشهادة به، غير أنها لن تـخرج من أن تكون من الأرض التـي بـين الفرات وعريش مصر لإجماع جميع أهل التأويـل والسير والعلـماء بـالأخبـار علـى ذلك. ويعنـي بقوله: { التـي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ }: التـي أثبت فـي اللوح الـمـحفوظ أنها لكم مساكن، ومنازل دون الـجبـابرة التـي فـيها.

                          فإن قال قائل: فكيف قال: { التـي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ } ، وقد علـمت أنهم لـم يدخـلوها بقوله: { فإنَّها مُـحَرَّمَةٌ عَلَـيْهِمْ }؟ فكيف يكون مثبتاً فـي اللوح الـمـحفوظ أنها مساكن لهم، ومـحرّماً علـيهم سكناها؟ قـيـل: إنها كتبت لبنـي إسرائيـل داراً ومساكن، وقد سكنوها ونزلوها، وصارت لهم كما قال الله جلّ وعزّ.

                          وإنـما قال لهم موسى: { ادْخُـلُوا الأرْضَ الـمُقَدَّسَة التـي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ } يعنـي بها: كتبها الله لبنـي إسرائيـل وكان الذين أمرهم موسى بدخولها من بنـي إسرائيـل ولـم يعن صلى الله عليه وسلم أن الله تعالـى ذكره كتبها للذين أمرهم بدخولها بأعيانهم، ولو قال قائل: قد كانت مكتوبة لبعضهم، ولـخاصّ منهم، فأخرج الكلام علـى العموم والـمراد منه الـخاص، إذ كان يُوشَع وكالب قد دخلا، وكانا مـمن خوطب بهذا القول، كان أيضاً وجهاً صحيحاً.

                          وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال ابن إسحاق.

                          حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة عن مـحمد بن إسحاق: { التـي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ }: التـي وهب الله لكم.

                          تعليق

                          • اسامة محمد خيري
                            Registered User
                            • Dec 2008
                            • 12975

                            #223
                            فعلـى هذه القراءة وهذا التأويـل لـم يكتـم من الاثنى عشر نقـيبـاً أحداً ما أمرهم موسى بكتـمانه بنـي إسرائيـل مـما رأوا وعاينوا من عظم أجسام الـجبـابرة وشدّة بطشهم وعجيب أمورهم، بل أفشوا ذلك كله. وإنـما القائل للقوم ولـموسى: ادخـلوا علـيهم البـاب، رجلان من أولاد الذين كان بنو إسرائيـل يخافونهم ويرهبون الدخول علـيهم من الـجبـابرة، كانا أسلـما وتبعا نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم.

                            وأولـى القراءتـين بـالصواب عندنا، قراءة من قرأ { مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْعَمَ اللّهُ عَلَـيْهِما } لإجماع قرّاء الأمصار عليها وأن ما استفاضت به القراءة عنهم فحجة لايجوز خلافها وما انفرد به الواحد فجائز فـيه الـخطأ والسهو. ثم فـي إجماع الـحجة فـي تأويـلها علـى أنهما رجلان من أصحاب موسى من بنـي إسرائيـل وأنهما يوشع وكلاب، ما أغنى عن الاستشهاد علـى صحة القراءة بفتـح الـياء فـي ذلك وفساد غيره، وهو التأويـل الصحيح عندنا لـما ذكرنا من أجماعها علـيه.

                            تعليق

                            • اسامة محمد خيري
                              Registered User
                              • Dec 2008
                              • 12975

                              #224
                              { فـاذْهَبْ أنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إنَّا هَهُنا قاعِدُونَ } لا نـجيء معك يا موسى إن ذهبت إلـيهم لقتالهم، ولكن نتركك تذهب أنت وحدك وربك فتقاتلانهم.

                              وكان بعضهم يقول فـي ذلك: لـيس معنى الكلام: اذهب أنت ولـيذهب معك ربك فقاتلا، ولكن معناه: اذهب أنت يا موسى، ولـيُعِنْك ربك، وذلك أن الله لا يجوز علـيه الذهاب. وهذا إنـما كان يحتاج إلـى طلب الـمخرج له لو كان الـخبر عن قوم مؤمنـين، فأما قوم أهل خلاف علـى الله عزّ ذكره ورسوله، فلا وجه لطلب الـمخرج لكلامهم فـيـما قالوا فـي الله عزّ وجلّ وافترَوا علـيه إلا بـما يشبه كفرهم وضلالتهم. وقد ذكر عن الـمقداد أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم خلاف ما قال قوم موسى لـموسى.....

                              وأولـى القولـين فـي ذلك عندي بـالصواب، قول من قال: إن الأربعين منصوبة بـالتـحريـم، وإن قوله: { مُـحَرَّمَةٌ عَلَـيْهِمْ أرْبَعِينَ سَنَةً } معنـيّ به جميع قوم موسى لا بعض دون بعض منهم لأن الله عزّ ذكره عمّ بذلك القوم، ولـم يخصص منهم بعضاً دون بعض. وقد وفـى الله بـما وعدهم به من العقوبة، فتـيههم أربعين سنة، وحرّم علـى جميعهم فـي الأربعين سنة التـي مكثوا فـيها تائهين دخول الأرض الـمقدسة، فلـم يدخـلها منهم أحد، لا صغير ولا كبـير ولا صالـح ولا طالـح، حتـى انقضت السنون التـي حرّم الله عزّ وجلّ علـيهم فـيها دخولها. ثم أذن لـمن بقـي منهم وذراريهم بدخولها مع نبـيّ الله موسى، والرجلـين اللذين أنعم الله علـيهما. وافتتـح قرية الـجبـارين إن شاء الله نبـيّ الله موسى صلى الله عليه وسلم وعلـى مقدمته يوشع، وذلك لإجماع أهل العلـم بأخبـار الأوّلـين أن عوج بن عنق قتله موسى صلى الله عليه وسلم، فلو كان قتله إياه قبل مصيره فـي التـيه وهو من أعظم الـجبـارين خـلقاً لـم تكن بنو إسرائيـل تـجزع من الـجبـارين الـجزع الذي ظهر منها، ولكن ذلك كان إن شاء الله بعد فناء الأمة التـي جزعت وعصت ربها وأبت الدخول علـى الـجبـارين مدينتهم. وبعد: فإن أهل العلـم بأخبـار الأوّلـين مـجمعون علـى أن بعـلم بن بـاعوراء كان مـمن أعان الـجبـارين بـالدعاء علـى موسى ومـحال أن يكون ذلك كان وقوم موسى مـمتنعون من حربهم وجهادهم، لأن الـمعونة إنـما يحتاج إلـيها من كان مطلوبـاً، فأما ولا طالب فلا وجه للـحاجة إلـيها.

                              قال ابن الجوزى

                              قوله تعالى: { فإنها محرّمة عليهم } الإِشارة إِلى الأرض المقدَّسة. ومعنى تحريمها عليهم: منعهم منها. فأمّا نصب «الأربعين»، فقال الفراء: هو منصوب بالتحريم، وجائز أن يكون منصوباً بـ «يتيهون». وقال الزجاج: لا يجوز أن ينتصب بالتحريم، لأن التفسير جاء أنها محرَّمة عليهم أبداً. قلت: وقد اختلف المفسرون في ذلك، فذهب الأكثرون، منهم عكرمة، وقتادة، إِلى ما قال الزجاج، وأنها حرّمت عليهم أبداً. قال عكرمة: فإنها محرّمة عليهم أبداً يتيهون في الأرض أربعين سنة، وذهب قومٌ، منهم الربيع بن أنس، إِلى أنها حُرِّمَت عليهم أربعين سنة، ثم أمروا بالسير إِليها،

                              وهذا اختيار ابن جرير. قال: إِنما نصبت بالتحريم، والتحريم كان عاماً في حق الكلِّ، ولم يدخلها في هذه المدة منهم أحد، فلما انقضت، أُذن لمن بقي منهم بالدخول مع ذراريهم.

                              تعليق

                              • اسامة محمد خيري
                                Registered User
                                • Dec 2008
                                • 12975

                                #225
                                حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا سهل بن يوسف، عن عمرو، عن الـحسن، قال: كان الرجلان اللذان فـي القرآن، اللذان قال الله: { وَاتْلُ عَلَـيْهِمْ نَبَأ ابْنَـيْ آدَم بِـالَـحِّق } من بـني إسرائيـل، ولـم يكونا ابنـي آدم لصلبه، وإنـما كان القربـان فـي بنـي إسرائيـل، وكان آدم أوّل من مات.

                                وأولـى القولـين فـي ذلك عندي بـالصواب، أن اللذين قرّبـا القربـان كان ابنـي آدم لصلبه، لا من ذريته من بنـي إسرائيـل. وذلك أن الله عزّ وجلّ يتعالـى عن أن يخاطب عبـاده بـما لا يفـيدهم به فـائدة، والـمخاطبون بهذه الآية كانوا عالـمين أن تقريب القربـان لله لـم يكن إلا فـي ولد آدم دون الـملائكة والشياطين وسائر الـخـلق غيرهم. فإذا كان معلوماً ذلك عندهم، فمعقول أنه لو لـم يكن معنـياً بـابنـي آدم اللذين ذكرهما الله فـي كتابه ابناه لصلبه، لـم يفدْهم بذكره جلّ جلاله إياهما فـائدة لـم تكن عندهم. وإذا كان غير جائز أن يخاطبهم خطابـاً لا يفـيدهم به معنى، فمعلوم أنه عنى ابنـي آدم لصلبه، لا ابنـي بنـيه الذين بَعُد منه نسبهم مع إجماع أهل الأخبـار والسير والعلـم بـالتأويـل علـى أنهما كانا ابنـي آدم لصلبه وفـي عهد آدم وزمانه، وكفـى بذلك شاهداً....

                                حدثنـي الـحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا رجل، سمع مـجاهداً يقول فـي قوله: { لَئِنْ بَسَطْتَ إلـيّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِـي ما أنا بِبـاسِطٍ يَدِيَ إلَـيْكَ لأقُتُلَكَ } قال مـجاهد: كان كتب الله علـيهم: إذا أراد الرجل أن يقتل رجلاً تركه ولا يـمتنع منه.

                                وأولـى القولـين فـي ذلك بـالصواب أن يقال: إن الله عزّ ذكره قد كان حرّم علـيهم قتل نفس بغير نفس ظلـماً، وأن الـمقتول قال لأخيه: ما أنا ببـاسط يدي إلـيك إن بسطت إلـيّ يدك لأنه كان حراماً علـيه من قتل أخيه مثل الذي كان حراماً علـى أخيه القاتل من قتله. فأما الامتناع من قتله حين أراد قتله، فلا دلالة علـى أن القاتل حين أراد قتله وعزم علـيه كان الـمقتول عالـماً بـما هو علـيه عازم منه ومـحاولٌ من قتله، فتَرَك دَفْعَه عن نفسه بل قد ذكر جماعة من أهل العلـم أنه قتله غيـلة، اغتاله وهو نائم، فشدخ رأسه بصخرة. فإذا كان ذلك مـمكناً، ولـم يكن فـي الآية دلالة علـى أنه كان مأموراً بترك منع أخيه من قتله، لـم يكن جائزاً ادّعاء ما لـيس فـي الآية إلا ببرهان يجب تسلـيـمه.....

                                والصواب من القول فـي ذلك أن يقال: إن تأويـله: إنـي أريد أن تنصرف بخطيئتك فـي قتلك إياي، وذلك هو معنى قوله: { إنّـي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بإثْمِي }. وأما معنى { وإثْمِكَ }: فهو إثمه بغير قتله، وذلك معصية الله جلّ ثناؤه فـي أعمال سواه.

                                وإنـما قلنا ذلك هو الصواب لإجماع أهل التأويـل علـيه، لأن الله عزّ ذكره قد أخبرنا أن كلّ عامل فجزاء عمله له أو علـيه، وإذا كان ذلك حكمه فـي خـلقه فغير جائز أن يكون آثام الـمقتول مأخوذاً بها القاتل وإنـما يؤخذ القاتل بإثمه بـالقتل الـمـحرّم وسائر آثام معاصيه التـي ارتكبها بنفسه دون ما ركبه قتـيـله.

                                فإن قال قائل: أو لـيس قتل الـمقتول من بـين آدم كان معصية لله من القاتل؟ قـيـل: بلـى، وأعْظِمْ بها معصية

                                فإن قال: فإذا كان لله جلّ وعزّ معصية، فكيف جاز أن يريد ذلك منه الـمقتول ويقول: { إنّـي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بإثْمِي } وقد ذكرت أن تأويـل ذلك: إنـي أريد أن تبوء بإثم قتلـي؟ فمعناه: إنـي أريد أن تبوء بإثم قتلـي إن قتلتنـي لأنـي لا أقتلك، فإن أنت قتلتنـي فإنـي مريد أن تبوء بإثم معصيتك الله فـي قتلك إياي. وهو إذا قتله، فهو لا مـحالة بـاء به فـي حكم الله، فإرادته ذلك غير موجبة له الدخول فـي الـخطأ.

                                حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، وحدثنا سفـيان، قال: ثنا جرير وأبو معاوية (ح)، وحدثنا هناد، قال: ثنا أبو معاوية، ووكيع جميعاً، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرّة، عن مسروق، عن عبد الله، قال: قال النبـيّ صلى الله عليه وسلم: " ما مِنْ نَفْسٍ تُقْتَلُ ظُلْـماً إلاَّ كانَ علـى ابْنِ آدَمَ الأوَّلِ كِفْلٌ مِنْها، ذَلِكَ بأنه أَوَّل مَنْ سَنَّ القَتْلَ "

                                وبهذا الـخبر الذي ذكرنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تبـين أن القول الذي قاله الـحسن فـي ابنـي آدم اللذَين ذكرهما الله فـي هذا الـموضع أنهما لـيسا بـابنـي آدم لصلبه، ولكنهما رجلان من بنـي إسرائيـل، وأن القول الذي حكي عنه، أن أوّل من مات آدم، وأن القربـان الذي كانت النار تأكله لـم يكن إلا فـي بنـي إسرائيـل خطأ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخبر عن هذا القاتل الذي قتل أخاه أنه أوّل من سنّ القتل، وقد كان لا شكّ القتل قبل إسرائيـل، فكيف قبل ذرّيته وخطأ من القول أن يقال: أوّل من سنّ القتل رجل من بنـي إسرائيـل. وإذ كان ذلك كذلك، فمعلوم أن الصحيح من القول هو قول من قال: هو ابن آدم لصلبه، لأنه أوّل من سنّ القتل، فأوجب الله له من العقوبة ما روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

                                تعليق

                                يعمل...