إرشاد النحرير لترجيحات الامام ابن جرير

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • اسامة محمد خيري
    Registered User
    • Dec 2008
    • 12975

    #226
    ثم اختلفوا فـي صيغة قتله إياه كيف كانت، والسبب الذي من أجله قتله. فقال بعضهم: وجده نائماً فشَدَخ رأسه بصخرة. ذكر من قال ذلك:

    حدثنـي موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ فـيـما ذكر عن أبـي مالك، وعن أبـي صالـح، عن ابن عبـاس. وعن مرّة، عن عبد الله. وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: { فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلُ أخيهِ } فطلبه لـيقتله، فراغ الغلام منه فـي رؤوس الـجبـال. وأتاه يوماً من الأيام وهو يرعى غنـماً له فـي جبل وهو نائم، فرفع صخرة فشدخ بها رأسه، فمات، فتركه بـالعراء.

    وقال بعضهم، ما:

    حدثنـي مـحمد بن عمر بن علـيّ، قال: سمعت أشعث السجِستانـي يقول: سمعت ابن جريج قال: ابن آدم الذي قتل صاحبه لـم يدر كيف يقتله، فتـمثل إبلـيس له فـي هيئة طير، فأخذ طيراً فقصع رأسه، ثم وضعه بـين حجرين فشدَخَ رأسه، فعلَّـمه القتل.

    حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قتله حين يرعى الغنـم، فأتـى فجعل لا يدري كيف يقتله، فَلَوى برقبته وأخذ برأسه. فنزل إبلـيس، وأخذ دابة أو طيراً، فوضع رأسه علـى حجر، ثم أخذ حجراً آخر فرضخ به رأسه، وابن آدم القاتل ينظر، فأخذ أخاه، فوضع رأسه علـى حجر وأخذ حجراً آخر فرضخ به رأسه.

    حدثنـي الـحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا رجل سمع مـجاهداً يقول، فذكر نـحوه.

    حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس قال: لـما أكلت النار قربـان ابن آدم الذي تقبِّل قربـانه، قال الآخر لأخيه: أتـمشي فـي الناس وقد علـموا أنك قرّبت قربـاناً فتقبل منك وردّ علـيّ؟ والله لا تنظر الناس إلـيّ وإلـيك وأنت خير منـي فقال: لأقتلنك فقال له أخوه: ما ذنبـي


    { إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ظ±للَّهُ مِنَ ظ±لْمُتَّقِينَ }
    [المائدة: 27]؟ فخوّفه بـالنار، فلـم ينته ولـم ينزجر، فطوّعت له نفسه قتل أخيه، فقتله فأصبح من الـخاسرين.

    حدثنـي القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرنـي عبد الله بن عثمان بن خثـيـم، قال: أقبلت مع سعيد بن جبـير أرمي الـجمرة وهو متقنع متوكىء علـى يديّ، حتـى إذا وازينا بـمنزل سمرة الصرّاف، وقـف يحدثنـي عن ابن عبـاس، قال: نُهي أن ينكح الـمرأة أخوها توأمها وينكحها غيره من إخوتها، وكان يولد فـي كلّ بطن رجل وامرأة، فولدت امرأة وسيـمة، وولدت امرأة دميـمة قبـيحة، فقال أخو الدميـمة: أنكحنـي أختك وأنكحك أختـي قال: لا، أنا أحقّ بأختـي. فقرّبـا قربـاناً فتقبل من صاحب الكبش، ولـم يتقبل من صاحب الزرع، فقتله. فلـم يزل ذلك الكبش مـحبوساً عند الله حتـى أخرجه فـي فداء إسحاق، فذبحه علـى هذا الصفـا فـي ثَبِـيِر عند منزل سَمُرة الصراف، وهو علـى يـمينك حين ترمي الـجمار. قال ابن جريج: وقال آخرون بـمثل هذه القصة. قال: فلـم يزل بنو آدم علـى ذلك حتـى مضى أربعة آبـاء، فنكح ابنة عمه، وذهب نكاح الأخوات.

    وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب أن يقال: إن الله عزّ ذكره قد أخبر عن القاتل أنه قتل أخاه، ولا خبر عندنا يقطع العذر بصفته قتله إياه. وجائز أن يكون علـى نـحو ما قد ذكر السديّ فـي خبره، وجائز أن يكون كان علـى ما ذكره مـجاهد، والله أعلـم أيّ ذلك كان، غير أن القتل قد كان لا شكّ فـيه.

    تعليق

    • اسامة محمد خيري
      Registered User
      • Dec 2008
      • 12975

      #227
      فتأويـل الكلام: فأثار الله للقاتل إذ لـم يدر ما يصنع بأخيه الـمقتول غرابـاً يبحث فـي الأرض، يقول: يحفر فـي الأرض، فـيثـير ترابها لـيريه كيف يواري سوءة أخيه، يقول: لـيريه كيف يواري جيفة أخيه. وقد يحتـمل أن يكون عنى بـالسوءة الفَرْج، غير أن الأغلب من معناه ما ذكرت من الـجِيفة، وبذلك جاء تأويـل أهل التأويـل. وفـي ذلك مـحذوف ترك ذكره، استغناء بدلالة ما ذكر منه، وهو: فأراه بأن بحث فـي الأرض لغراب آخر ميت، فواراه فـيها، فقال القاتل أخاه حينئذٍ: { يا وَيْـلَتا أعَجَزْتُ أنْ أكُونَ مِثْلَ هَذَا الغُرَابِ } الذي وارى الغرابَ الآخر الـميت { فَأُوارِيَ سَوأةَ أخِي }؟ فواراه حينئذٍ { فأصْبَحَ منَ النَّادِمينَ } علـى ما فَرَط منه من معصية الله عزّ ذكره فـي قتله أخاه. وكلّ ما ذكر الله عزّ وجلّ فـي هذه الآيات، مَثَل ضَرَبَهُ الله لبنـي آدم، وحرّض به الـمؤمنـين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم علـى استعمال العفو والصفح عن الـيهود، الذين كانوا هَمُّوا بقتل النبـيّ صلى الله عليه وسلم، وقتلهم من بنـي النضير، إذ أتوهم يستعينونهم فـي دية قتـيـلـي عمرو بن أمية الضَّمْرِي، وعرَّفهم جلّ وعزّ رداءة سجية أوائلهم وسوء استقامتهم علـى منهج الـحقّ مع كثرة أياديه وآلائه عندهم، وضرب مثلهم فـي عدوّهم ومثل الـمؤمنـين فـي الوفـاء لهم والعفو عنهم بـابَنْـي آدم الـمقرِّبَـين قرابـينهما اللذين ذكرهما الله فـي هذه الآيات

      ثم ذلك مَثَل لهم علـى التأسِّي بـالفـاضل منهما دون الطالـح، وبذلك جاء الـخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

      حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا الـمعتـمر بن سلـيـمان، عن أبـيه، قال: قلت لبكر بن عبد الله: أما بلغك أن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم قال: " إنّ الله جلّ وَعَزَّ ضَرَبَ لَكُمُ ابْنَـيْ آدَمَ مَثَلاً، فخُذُوا خَيْرَهُما وَدَعُوا شَرَّهُما؟ " قال: بلـى.

      تعليق

      • اسامة محمد خيري
        Registered User
        • Dec 2008
        • 12975

        #228
        وأولـى هذه الأقوال عندي بـالصواب قول من قال: تأويـل ذلك أنه من قتل نفساً مؤمنة بغير نفس قتلتها فـاستـحقت القود بها والقتل قصاصاً، أو بغير فساد فـي الأرض، بحرب الله ورسوله وحرب الـمؤمنـين فـيها، فكأنـما قتل الناس جميعاً فـيـما استوجب من عظيـم العقوبة من الله جلّ ثناؤه، كما أوعده ذلك من فعله ربُّه بقوله:
        { وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَٰلِداً فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً }
        [النساء: 93].

        وأما قوله: { وَمَنْ أحيْاها فَكأنـمَا أحيْا النَّاسَ جَمِيعاً } فأولـى التأويلات به قول من قال: من حرّم قتل من حرّم الله عزّ ذكره قتَله علـى نفسه، فلـم يتقدم علـى قتله، فقد حِيـيَ الناس منه بسلامتهم منه، وذلك إحياؤه إياها. وذلك نظير خبر الله عزّ ذكره عمن حاجّ إبراهيـم فـي ربه، إذ قال له إبراهيـم:
        { رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ }
        [البقرة: 258]. فكان معنى الكافر فـي قـيـله: أنا أحيي وأميت: أنا أترك من قدرت علـى قتله وفـي قوله: وأميت: قَتْلُه من قتله. فكذلك معن الإحياء فـي قوله: { وَمَنْ أحْياها }: من سلـم الناس من قتله إياهم، إلا فـيـما أذن الله فـي قتله منهم { فَكأنـمَا أحْيا النَّاسَ جَمِيعاً }.

        وإنـما قلنا ذلك أولـى التأويلات بتأويـل الآية، لأنه لا نفس يقوم قتلها فـي عاجل الضرّ مقام قتل جميع النفوس، ولا إحياؤها مقام إحياء جميع النفوس فـي عاجل النفع، فكان معلوماً بذلك أن معنى الإحياء: سلامة جميع النفوس منه، لأنه من لـم يتقدم علـى نفس واحدة، فقد سلـم منه جميع النفوس، وأن الواحدة منها التـي يقوم قتلها مقام جميعها إنـما هو فـي الوزر، لأنه لا نفس من نفوس بنـي آدم يقوم فقدها مقام فقد جميعها وإن كان فقد بعضها أعمّ ضرراً من فقد بعض.

        تعليق

        • اسامة محمد خيري
          Registered User
          • Dec 2008
          • 12975

          #229
          وأولـى الأقوال فـي ذلك عندي أن يقال: أنزل الله هذه الآية علـى نبـيه صلى الله عليه وسلم معرّفة حكمه علـى من حارب الله ورسوله وسعى فـي الأرض فساداً، بعد الذي كان من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بـالعرنـيـين ما فعل.

          وإنـما قلنا ذلك أولـى الأقوال بـالصواب فـي ذلك، لأن القصص التـي قصها الله جلّ وعزّ قبل هذه الآية وبعدها من قصص بنـي إسرائيـل وأنبائهم، فأن يكون ذلك متوسطاً منه يعرف الـحكم فـيهم وفـي نظرائهم، أولـى وأحقّ. وقلنا: كان نزول ذلك بعد الذي كان من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بـالعرنـيـين ما فعل لتظاهر الأخبـار عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك. وإذ كان ذلك أولـى بـالآية لـما وصفنا، فتأويـلها: من أجل ذلك كتبنا علـى بنـي إسرائيـل أنه من قتل نفساً بغير نفس أو سَعَى بفساد فـي الأرض فكأنـما قتل الناس جميعاً، ومن أحياها فكأنـما أحيا الناس جميعاً، ولقد جاءتهم رسلنا بـالبـينات، ثم إن كثـيراً منهم بعد ذلك فـي الأرض لـمسرفون، يقول: لساعون فـي الأرض بـالفساد، وقاتلو النفوس بغير نفس وغير سعي فـي الأرض بـالفساد حربـاً لله ولرسوله، فمن فعل ذلك منهم يا مـحمد، فإنـما جزاؤه أن يقتلوا أو يصلّبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض.

          فإن قال لنا قائل: وكيف يجوز أن تكون الآية نزلت فـي الـحال التـي ذكرت من حال نقض كافر من بنـي إسرائيـل عهده، ومن قولك إن حكم هذه الآية حكم من الله فـي أهل الإسلام دون أهل الـحرب من الـمشركين؟ قـيـل: جاز أن يكون ذلك كذلك، لأن حكم من حارب الله ورسوله وسَعَى فـي الأرض فساداً من أهل ذمتنا وملتنا واحد، والذين عُنُوا بـالآية كانوا أهل عهد وذمة، وإن كان داخلاً فـي حكمها كل ذمي وملـيَ، ولـيس يبطل بدخول من دخـل فـي حكم الآية من الناس أن يكون صحيحاً نزولها فـيـمن نزلت فـيه.

          وقد اختلف أهل العلـم فـي نسخ حكم النبـيّ صلى الله عليه وسلم فـي العُرَنـيـين، فقال بعضهم: ذلك حكم منسوخ، نسخه نهيه عن الـمثلة بهذه الآية، أعنـي بقوله: { إنَّـمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعُوْنَ فـي الأرْضِ فَساداً }... الآية، وقالوا: أنزلت هذه الآية عتابـاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم فـيـما فعل بـالعرنـيـين....

          حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن مـحمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبـي بَزَّة، عن مـجاهد: { وَيَسْعَوْنَ فِـي الأرْضِ فَساداً } قال: الفساد: القتل، والزنا، والسرقة. وأولـى هذه الأقوال عندي بـالصواب، قول من قال: الـمـحارب لله ورسوله من حارب فـي سابلة الـمسلـمين وذمتهم، والـمغير علـيهم فـي أمصارهم وقراهم حَرَابة.

          وإنـما قلنا ذلك أولـى الأقوال بـالصواب، لأنه لا خلاف بـين الـحجة أن من نصب حربـاَ للـمسلـمين علـى الظلـم منه لهم أنه لهم مـحارب، ولا خلاف فـيه. فـالذي وصفنا صفته، لا شك فـيه أنه لهم مناصب حربـاً ظلـماً. وإذ كان ذلك كذلك، فسواء كان نصبه الـحرب لهم فـي مصرهم وقراهم أو فـي سبلهم وطرقهم فـي أنه لله ولرسوله مـحارب بحربه من نهاه الله ورسوله عن حربه....

          وأولـى التأويـلـين بـالصواب فـي ذلك عندنا تأويـل من أوجب علـى الـمـحارب من العقوبة علـى قدر استـحقاقه وجعل الـحكم علـى الـمـحاربـين مختلفـاً بـاختلاف أفعالهم، فأوجب علـى مخيف السبـيـل منهم إذا قُدِر علـيه قبل التوبة وقبل أخذ مال أو قتل: النفـي من الأرض وإذا قُدِر علـيه بعد أخذ الـمال وقتل النفس الـمـحرّم قتلها: الصلب لـما ذكرت من العلة قبل لقائلي هذه الـمقالة. فأما ما اعتلّ به القائلون: إن الإمام فـيه بـالـخيار من أن «أو» فـي العطف تأتـي بـمعنى التـخيـير فـي الفرض، فنقول: لا معنى له، لأن «أو» فـي كلام العرب قد تأتـي بضروب من الـمعانـي لولا كراهة إطالة الكتاب بذكرها لذكرتها، وقد بـينت كثـيراً من معانـيها فـيـما مضى وسنأتـي علـى بـاقـيها فـيـما يستقبل فـي أماكنها إن شاء الله

          فأما فـي هذا الـموضع فإن معناها: التعقـيب، وذلك نظير قول القائل: إن جزاء الـمؤمنـين عند الله يوم القـيامة أن يدخـلهم الـجنة، أو يرفع منازلهم فـي علـيـين، أو يسكنهم مع الأنبـياء والصدّيقـين. فمعلوم أن قائل ذلك غير قاصد بقـيـله إلـى أن جزاء كلّ مؤمن آمن بـالله ورسوله، فهو فـي مرتبة واحدة من هذه الـمراتب ومنزلة واحدة من هذه الـمنازل بإيـمانه، بل الـمعقول عنه أن معناه: أن جزاء الـمؤمن لـم يخـلُ عند الله من بعض هذه الـمنازل، فـالـمقتصد منزلته دون منزلة السابق بـالـخيرات، والسابق بـالـخيرات أعلـى منه منزلة، والظالـم لنفسه دونهما، وكلّ فـي الـجنة كما قال جلّ ثناؤه:
          { جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا }
          [الرعد: 23]. فكذلك معنى الـمعطوف بـ(أو) فـي قوله: { إنَّـما جَزَاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ }... الآية، إنـما هو التعقـيب. فتأويـله: إن الذي يحارب الله ورسوله، ويسعى فـي الأرض فساداً، لن يخـلو من أن يستـحقّ الـجزاء بإحدى هذه الـخلال الأربع التـي ذكرها الله عزّ ذكره، لا أن الإمام مـحكَّم فـيه، ومخير فـي أمره كائنة ما كانت حالته، عظمت جريرته أو خَفَّت لأن ذلك لو كان كذلك لكان للإمام قتل من شَهَر السلاح مخيفـاً السبـيـل وصلبه، وإن لـم يأخذ مالاً ولا قتل أحداً، وكان له نفـي من قَتل وأخذ الـمال وأخاف السبـيـل. وذلك قول إن قاله قائل خلاف ما صحت به الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله: " لا يَحلُّ دَمُ امْرِىءٍ مُسْلـمٍ إلاَّ بإحْدَى ثَلاثٍ: رَجُلٍ قَتَلَ رَجُلاً فَقُتِلَ به، أوْ زَنى بَعْدَ إحْصَانٍ فرُجِمَ، أوِ ارْتَدَّ عَنْ دِينِهِ " وخلاف قوله: " القَطْعُ فِـي رُبْعِ دِينار فَصَاعِداً " وغير الـمعروف من أحكامه.

          فإن قال قائل: فإن هذه الأحكام التـي ذكرت كانت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فـي غير الـمـحارب، وللـمـحارب حكم غير ذلك منفرد به؟ قـيـل له: فما الـحكم الذي انفرد به الـمـحارب فـي سننه، فإن ادّعى عنه صلى الله عليه وسلم حكماً خلاف الذي ذكرنا، أكذبه جميع أهل العلـم، لأن ذلك غير موجود بنقل واحد ولا جماعة، وإن زعم أن ذلك الـحكم هو ما فـي ظاهر الكتاب. قـيـل له: فإن أحسن حالاتك أن يُسلَّـم لك أن ظاهر الآية قد يحتـمل ما قلت، وما قاله من خالفك فما برهانك علـى أن تأويـلك أولـى بتأويـل الآية من تأويـله. وبعد: فإذا كان الإمام مخيراً فـي الـحكم علـى الـمـحارب من أجل أنَّ «أو» بـمعنى التـخيـير فـي هذا الـموضع عندك، أفله أن يصلبه حياً ويتركه علـى الـخشبة مصلوبـاً حتـى يـموت من غير قتله؟ فإن قال: ذلك له، خالف فـي ذلك الأمة.


          وإن زعم أن ذلك لـيس له، وإنـما له قتله ثم صلبه أو صلبه ثم قتله، ترك علته من أن الإمام إنـما كان له الـخيار فـي الـحكم علـى الـمـحارب من أجل أن «أو» تأتـي بـمعنى التـخيـير، وقـيـل له: فكيف كان له الـخيار فـي القتل أو النفـي أو القطع ولـم يكن له الـخيار فـي الصلب وحده، حتـى تـجمع إلـيه عقوبة أخرى؟ وقـيـل له: هل بـينك وبـين من جعل الـخيار حيث أبـيت وأبى ذلك حيث جعلته حيث جعلته له، فرقٌ من أصل أو قـياس؟ فلن يقول فـي أحدهما قولاً إلاَّ ألزم فـي الآخر مثله. وقد رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتصحيح ما قلنا فـي ذلك بـما فـي إسناده نظر. وذلك ما:

          حدثنا به علـيّ بن سهل، قال: ثنا الولـيد بن مسلـم، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبـي حبـيب: أن عبد الـملك بن مروان كتب إلـى أنس بن مالك يسأله عن هذه الآية، فكتب إلـيه أنس يخبره أن هذه الآية نزلت فـي أولئك النفر العرنـيـين، وهم من بجيـلة. قال أنس: فـارتدوا عن الإسلام، وقتلوا الراعي، وساقوا الإبل، وأخافوا السبـيـل، وأصابوا الفرْج الـحرام. قال أنس: فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريـل علـيه السلام عن القضاء فـيـمن حارب، فقال: «من سرق وأخاف السبـيـل فـاقطع يده بسرقته ورِجْلَه بإخافته. ومن قتل فـاقتله. ومن قتل وأخاف السبـيـل واستـحلّ الفرج الـحرام فـاصلبه»....

          وقال آخرون: معنى النفـي من الأرض فـي هذا الـموضع: الـحبس، وهو قول أبـي حنـيفة وأصحابه.

          وأولـى الأقوال فـي ذلك عندي بـالصواب فـي قول من قال: معنى النفـي من الأرض فـي هذا الـموضع: هو نفـيه من بلد إلـى بلد غيره وحبسه فـي السجن فـي البلد الذي نفـي إلـيه، حتـى تظهر توبته من فسوقه ونزوعه عن معصيته ربه.

          وإنـما قلت ذلك أولـى الأقوال بـالصحة، لأن أهل التأويـل اختلفوا فـي معنى ذلك علـى أحد الأوجه الثلاثة التـي ذكرت. وإذ كان ذلك كذلك، وكان معلوماً أن الله جلّ ثناؤه إنـما جعل جزاء الـمـحارب: القتل أو الصلب، أو قطع الـيد والرجل من خلاف، بعد القدرة علـيه لا فـي حال امتناعه كان معلوماً أن النفـي أيضاً إنـما هو جزاؤه بعد القدرة علـيه لا قبلها، ولو كان هروبه من الطلب نفـياً له من الأرض، كان قطع يده ورجله من خلاف فـي حال امتناعه وحربه علـى وجه القتال بـمعنى إقامة الـحدّ علـيه بعد القدرة علـيه

          وفـي إجماع الـجميع أن ذلك لا يقوم مقام نفـيه الذي جعله الله عزّ وجلّ حدًّا له بعد القدرة علـيه. وإذ كان ذلك كذلك، فمعلوم أنه لـم يبق إلاَّ الوجهان الآخران، وهو النفـي من بلدة إلـى أخرى غيرها أو السجن. فإذ كان كذلك، فلا شكّ أنه إذا نفـي من بلدة إلـى أخرى غيرها فلـم ينف من الأرض، بل إنـما نفـي من أرض دون أرض. وإذ كان ذلك كذلك، وكان الله جلّ ثناؤه إنـما أمر بنفـيه من الأرض، كان معلوماً أنه لا سبـيـل إلـى نفـيه من الأرض إلاَّ بحبسه فـي بقعة منها عن سائرها، فـيكون منفـياً حينئذٍ عن جميعها، إلاَّ مـما لا سبـيـل إلـى نفـيه منه. وأما معنى النفـي فـي كلام العرب: فهو الطرد، ومن ذلك قول أوس بن حجر:
          يُنْفَوْنَ عَنْ طُرُقِ الكِرَامِ كمَا يَنْفِـي الـمُطارِقُ ما يَـلـي الفرَدا
          ومنه قـيـل للدراهم الرديئة وغيرها من كلّ شيء: النُّفـاية. وأما الـمصدر من نفـيت، فإنه النفـي والنِّفـاية، ويقال: الدلو ينفـي الـماء. ويقال لـما تطاير من الـماء من الدلو النفـيّ، ومنه قول الراجز:
          كأنَّ مَتْنَـيْهِ مِنَ النَّفـيّ مَوَاقِعُ الطَّيْرِ علـى الصُّفِـيّ
          ومنه قـيـل: نَفَـى شَعَرُه: إذا سقط، يقال: حال لونك ونَفَـى شعرك.

          تعليق

          • اسامة محمد خيري
            Registered User
            • Dec 2008
            • 12975

            #230
            وأولـى هذه الأقوال فـي ذلك بـالصواب عندي قول من قال: توبة الـمـحارب الـمـمتنع بنفسه أو بجماعة معه قبل القدرة علـيه، تضع عنه تبعات الدنـيا التـي كانت لزمته فـي أيام حربه وحِرابته من حدود الله، وغرم لازم وقَوَد وقِصاص، إلاَّ ما كان قائماً فـي يده من أموال الـمسلـمين والـمعاهدين بعينه، فـيردّ علـى أهله لإجماع الـجميع علـى أن ذلك حكم الـجماعة الـمـمتنعة الـمـحاربة لله ولرسوله الساعية فـي الأرض فساداً علـى وجه الردّة عن الإسلام، فكذلك حكم كلّ مـمتنع سعى فـي الأرض فساداً، جماعة كانوا أو واحداً، فأما الـمستـخفـي بسرقته والـمتلصص علـى وجه إغفـال من سرقه، والشاهر السلاح فـي خلاء علـى بعض السابلة، وهو عند الطلب غير قادر علـى الامتناع، فإن حكم الله علـيه تاب أو لـم يتب ماضٍ، وبحقوق من أخذ ماله أو أصاب ولـيه بدم أو خَتْل مأخوذ، وتوبته فـيـما بـينه وبـين الله قـياساً علـى إجماع الـجميع علـى أنه لو أصاب شيئاً من ذلك وهو للـمسلـمين سِلْـم ثم صار لهم حربـاً، أن حربه إياهم لن يضع عنه حقاً لله عزّ ذكره ولا لآدميّ، فكذلك حكمه إذا أصاب ذلك فـي خلاء أو بـاستـخفـاء وهو غير مـمتنع من السلطان بنفسه إن أراده ولا له فئة يلجأ إليها مانعة منه وفي قوله { إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم } دليل واضح لمن وفق لفهمه أن الحكم الذي ذكره الله في المحاربين يجري في المسلمين والمعاهدين دون المشركين الذين قد نصبوا للمسلمين حرباً وذلك أن ذلك لو كان حكماً فـي أهل الـحرب من الـمشركين دون الـمسلـمين ودون ذمتهم لوجب أن لا يسقط إسلامهم عنهم إذا أسلـموا أو تابوا بعد قدرتنا علـيهم ما كان لهم قبل إسلامهم وتوبتهم من القتل وما للـمسلـمين فـي أهل الـحرب من الـمشركين.

            وفـي إجماع الـمسلـمين أن إسلام المشرك الـحربـي يضع عنه بعد قدرة الـمسلـمين علـيه ما كان واضعه عنه إسلامه قبل القدرة علـيه، ما يدلّ علـى أن الصحيح من القول فـي ذلك قول من قال: عنـي بآية الـمـحاربـين فـي هذا الـموضع: حُرَّاب أهل الإسلام أو الذمة دون من سواهم من مشركي أهل الـحرب.

            تعليق

            • اسامة محمد خيري
              Registered User
              • Dec 2008
              • 12975

              #231
              حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبد الـمؤمن، عن نـجدة الـحنفـي، قال: سألت ابن عبـاس عن قوله: { وَالسَّارِقُ والسَّارِقَةُ } أخاصّ أم عامّ؟ فقال: بل عامّ.

              والصواب من القول فـي ذلك عندنا قول من قال: الآية معنـيّ بها خاصّ من السراق، وهو سراق ربع دينار فصاعداً أو قـيـمته، لصحة الـخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " القَطْعُ فـي رُبعِ دِينَارٍ فصَاعِداً " وقد استقصيت ذكر أقوال الـمختلفـين فـي ذلك مع عللهم التـي اعتلوا بها لأقوالهم، والتلـميح عن أوْلاها بـالصواب بشواهده فـي كتابنا كتاب السرقة، فكرهنا إطالة الكتاب بإعادة ذلك فـي هذا الـموضع. وقوله: { جَزَاءً بِـمَا كَسَبـا نَكالاً مِنَ اللّهِ } يقول: مكافأة لهما علـى سرقتهما وعملهما فـي التلصص بـمعصية الله.

              تعليق

              • اسامة محمد خيري
                Registered User
                • Dec 2008
                • 12975

                #232
                وأولـى الأقوال فـي ذلك عندي بـالصواب أن يقال: عُنِـي بذلك: { لا يحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِـي الكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بأفْوَاهِهِم ولَـمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ }: قوم من الـمنافقـين. وجائز أن يكون كان مـمن دخـل فـي هذه الآية ابن صُوريا، وجائز أن يكون أبو لُبـابة، وجائز أن يكون غيرهما. غير أن أثبت شيء رُوي فـي ذلك ما ذكرناه من الرواية قبل عن أبـي هريرة والبراء بن عازب، لأن ذلك عن رجلـين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

                وإذا كان ذلك كذلك، كان الصحيح من القول فـيه أن يقال: عُنـي به عبد الله بن صُورِيا. وإذا صحّ ذلك كان تأويـل الآية: يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون فـي جحود نبوّتك والتكذيب بأنك لـي نبـيّ من الذين قالوا: صدّقنا بك يا مـحمد أنك لله رسول مبعوث، وعلـمنا بذلك يقـيناً بوجودنا صفتك فـي كتابنا وذلك أن فـي حديث أبـي هريرة الذي رواه ابن إسحاق، عن الزهري، أن ابن صوريا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أما والله يا أبـا القاسم إنهم لـيعلـمون أنك نبـيّ مرسل، ولكنهم يحسدونك. فذلك كان علـى هذا الـخبر من ابن صوريا إيـماناً برسول الله صلى الله عليه وسلم بفـيه، ولـم يكن مصدّقاً لذلك بقلبه، فقال الله لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم مطلعه علـى ضمير ابن صوريا وأنه لـم يؤمن بقلبه، يقول: ولـم يصدّق قلبه بأنك لله رسول مرسل....

                وأولـى الأقوال فـي ذلك عندي بـالصواب، قول من قال: إن السماعين للكذب، هم السماعون لقوم آخرين. وقد يجوز أن يكون أولئك كانوا من يهود الـمدينة والـمسموع لهم من يهود فدك، ويجوز أن يكونوا كانوا من غيرهم. غير أنه أيّ ذلك كان، فهو من صفة قوم من يهود سمعوا الكذب علـى الله فـي حكم الـمرأة التـي كانت بغت فـيهم وهي مـحصنة، وأن حكمها فـي التوراة التـحميـم والـجلد، وسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الـحكم اللازم لها، وسمعوا ما يقول فـيها قوم الـمرأة الفـاجرة قبل أن يأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مـحتكمين إلـيه فـيها. وإنـما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك لهم لـيعلـموا أهل الـمرأة الفـاجرة ما يكون من جوابه لهم، فإن لـم يكن من حكمه الرجم رضوا به حكماً فـيهم، وإن كان من حكمه الرجم حذروه وتركوا الرضا به وبحكمه. وبنـحو الذي قلنا كان ابن زيد يقول.

                حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: { سَّماعُونَ للكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ } قال: لقوم آخرين لـم يأتوك من أهل الكتاب، هؤلاء سماعون لأولئك القوم الآخرين الذين لـم يأتوه، يقولون لهم الكذب: مـحمد كاذب، ولـيس هذا فـي التوراة، فلا تؤمنوا به....

                تعليق

                • اسامة محمد خيري
                  Registered User
                  • Dec 2008
                  • 12975

                  #233
                  حدثنا مـحمد بن عمار، قال: ثنا سعيد بن سلـيـمان، قال: ثنا عبـاد بن العوّام، عن سفـيان بن حسين، عن الـحكم، عن مـجاهد، قال: آيتان نسختا من هذه السورة، يعنـي الـمائدة، آية القلائد، وقوله: { فـاحْكُمْ بَـيْنَهُمْ أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ } ، فكان النبـيّ صلى الله عليه وسلم مخيراً، إن شاء حكم، وإن شاء أعرض عنهم، فردّهم إلـى أن يحكم بـينهم بـما فـي كتابنا.

                  وأولـى القولـين فـي ذلك عندي بـالصواب قول من قال: إن حكم هذه الآية ثابت لـم ينسخ، وإن للـحكام من الـخيار فـي الـحكم بـين أهل العهد إذا ارتفعوا إلـيهم فـاحتكموا وترك الـحكم بـينهم والنظر مثل الذي جعله الله لرسوله صلى الله عليه وسلم من ذلك فـي هذه الآية.

                  وإنـما قلنا: ذلك أولاهما بـالصواب، لأن القائلـين أن حكم هذه الآية منسوخ زعموا أنه نسخ بقوله:
                  { وَأَنِ ظ±حْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ظ±للَّهُ }
                  [المائدة: 49]، وقد دللنا فـي كتابنا: «كتاب البـيان عن أصول الأحكام» أن النسخ لا يكون نسخاً إلا ما كان نفـياً لـحكم غيره بكلّ معانـيه، حتـى لا يجوز اجتـماع الـحكم بـالأمرين جميعاً علـى صحته بوجه من الوجوه، بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع. وإذ كان ذلك كذلك، وكان غير مستـحيـل فـي الكلام أن يقال: وأن احكم بـينهم بـما أنزل الله، ومعناه: وأن احكم بـينهم بـما أنزل الله إذا حكمت بـينهم بـاختيارك الـحكم بـينهم إذا اخترت ذلك ولـم تـختر الإعراض عنهم، إذ كان قد تقدم إعلام الـمقول له ذلك من قائله أن له الـخيار فـي الـحكم وترك الـحكم كان معلوماً بذلك أن لا دلالة فـي قوله:
                  { وَأَنِ ظ±حْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ظ±للَّهُ }
                  [المائدة: 49] أنه ناسخ قوله: { فإنْ جاءُوكَ فـاحْكُمْ بَـيْنَهُمْ أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ وَإنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإنْ حَكَمْتَ فـاحْكُمْ بَـيْنَهُمْ بـالقِسْطِ } لـما وصفنا من احتـمال ذلك ما بـينا، بل هو دلـيـل علـى مثل الذي دلّ علـيه قوله: { وَإنْ حَكَمْتَ فـاحْكُمْ بَـيْنَهُمْ بـالقِسْطِ }. وإذا لـم يكن فـي ظاهر التنزيـل دلـيـل علـى نسخ إحدى الآيتـين الأخرى، ولا نفـي أحد الأمرين حكمَ الآخر، ولـم يكن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر يصحّ بأن أحدهما ناسخ صاحبه، ولا من الـمسلـمين علـى ذلك إجماع صحّ ما قلنا من أن كلا الأمرين يؤيد أحدهما صاحبه ويوافق حكمه حكمه ولا نسخ فـي أحدهما للآخر.

                  تعليق

                  • اسامة محمد خيري
                    Registered User
                    • Dec 2008
                    • 12975

                    #234
                    حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية بن صالـح، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس، قوله: { وَمَنْ لَـمْ يَحْكُمْ بِـمَا أنْزَلَ اللّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ } قال: من جحد ما أنزل الله فقد كفر، ومن أقرّ به ولـم يحكم فهو ظالـم فـاسق.

                    وأولـى هذه الأقوال عندي بـالصواب، قول من قال: نزلت هذه الآيات فـي كفار أهل الكتاب، لأن ما قبلها وما بعدها من الآيات ففـيهم نزلت وهم الـمعِنـيون بها، وهذه الآيات سياق الـخبر عنهم، فكونها خبراً عنهم أولـى.

                    تعليق

                    • اسامة محمد خيري
                      Registered User
                      • Dec 2008
                      • 12975

                      #235
                      وأولـى القولـين فـي ذلك عندي بـالصواب قول من قال: عنـي به: فمن تصدّق به فهو كفـارة له الـمـجروح، فلأن تكون الهاء فـي قوله «له» عائدة علـى من أولـى من أن تكون من ذكر من لـم يجر له ذكر إلا بـالـمعنى دون التصريح وأحرى، إذ الصدقة هي الـمكفرة ذنب صاحبها دون الـمتصدّق علـيه فـي سائر الصدقات غير هذه، فـالواجب أن يكون سبـيـل هذه سبـيـل غيرها من الصدقات.

                      فإن ظنّ ظانّ أن القصاص إذ كان يكفر ذنب صاحبه الـمقتصّ منه الذي أتاه فـي قتل من قتله ظلـماً، كقول النبـيّ صلى الله عليه وسلم إذا أخذ البـيعة علـى أصحابه: " أنْ لا تَقْتُلُوا وَلا تَزْنُوا وَلا تَسْرِقوا " ثم قال: " فَمَنْ فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئاً فَأُقِـيـمَ عَلَـيْهِ حَدُّهُ، فَهُوَ كَفَّـارَتُه " فـالواجب أن يكون عفو العافـي الـمـجنـي علـيه أو ولـيّ الـمقتول عنه نظيره فى أن ذلك له كفارة فان ذلك لو وجب أن يكون كذلك لوجب أن يكون عفو المقذوف عن قاذفه بالزنا وتركه أخذه بالواجب له من الحد وقد قذفه قاذفه وهو عفيف مسلم محصن كفـارة للقاذف من ذنبه الذي ركبه، ومعصيته التـي أتاها، وذلك ما لا نعلـم قائلاً من أهل العلـم يقوله.

                      تعليق

                      • اسامة محمد خيري
                        Registered User
                        • Dec 2008
                        • 12975

                        #236
                        وقرأ ذلك جماعة من أهل الكوفة: «وَلِـيَحْكُمَ أهْلُ الإنْـجيـلِ» بكسر اللام من «لـيحكم»، بـمعنى: كي يحكم أهل الإنـجيـل. وكأن معنى من قرأ ذلك كذلك: وآتـيناه الإنـجيـل فـيه هدى ونور، ومصدّقاً لـما بـين يديه من التوراة، وكي يحكم أهله بـما فـيه من حكم الله. والذي يتراءى فـي ذلك أنهما قراءتان مشهورتان متقاربتا الـمعنى، فبأيّ ذلك قرأ قارىء فمصيب فـيه الصواب وذلك أن الله تعالـى لـم ينزل كتابـاً علـى نبـيّ من أنبـيائه إلا لـيعمل بـما فـيه أهله الذين أمروا بـالعمل بـما فـيه، ولـم ينزله علـيهم إلا وقد أمرهم بـالعمل بـما فـيه، فللعمل بـما فـيه أنزله، وأمر بـالعمل بـما فـيه أهله. فكذلك الإنـجيـل، إذ كان من كتب الله التـي أنزلها علـى أنبـيائه، فللعمل بـما فـيه أنزله علـى عيسى، وأمر بـالعمل به أهله. فسواء قرىء علـى وجه الأمر بتسكين اللام أو قرىء علـى وجه الـخبر بكسرها لاتفـاق معنـيـيهما. وأما ما ذكر عن أبـيّ بن كعب من قراءته ذلك: «وأن احْكُمْ» علـى وجه الأمر، فذلك مـما لـم يصحّ به النقل عنه، ولو صحّ أيضاً لـم يكن فـي ذلك ما يوجب أن تكون القراءة بخلافه مـحظورة، إذ كان معناها صحيحاً، وكان الـمتقدمون من أئمة القرّاء قد قرءوا بها. وإذ كان الأمر فـي ذلك ما بـينا، فتأويـل الكلام إذا قرىء بكسر اللام من «لِـيحكم»: وآتـينا عيسى ابن مريـم الإنـجيـل، فـيه هدى ونور، ومصدّقاً لـما بـين يديه من التوراة وهدىً وموعظة للمتقين، وكي يحكم أهل الإنجيل بما أنزلنا فيه فبدلوا حكمه، وخالفوا، فضلوا بخلافهم إياه، إذ لم يحكموا بما أنزل الله فيه وخالفوا { فأولئك هم الفاسقون

                        تعليق

                        • اسامة محمد خيري
                          Registered User
                          • Dec 2008
                          • 12975

                          #237
                          وقال آخرون: عنى بقوله: { مُصَدّقاً لِـمَا بـينَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتابِ وَمُهَيْـمِناً عَلَـيْهِ } نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك:

                          حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: { وَمُهَيْـمِناً عَلَـيْهِ } مـحمد صلى الله عليه وسلم، مؤتـمن علـى القرآن.

                          حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: { وَمُهَيْـمِناً عَلَـيْهِ } قال: مـحمد صلى الله عليه وسلم، مؤتـمن علـى القرآن.

                          فتأويـل الكلام علـى ما تأوله مـجاهد: وأنزلنا الكتاب مصدّقاً الكتب قبله إلـيك، مهيـمناً علـيه. فـيكون قوله «مصدّقاً» حالاً من الكتاب وبعضاً منه، ويكون التصديق من صفة الكتاب، والـمهيـمن حالاً من الكاف التـي فـي «إلـيك»، وهي كناية عن ذكر اسم النبـيّ صلى الله عليه وسلم، والهاء فـي قوله: { عَلَـيْهِ } عائدة علـى الكتاب.

                          وهذا التأويـل بعيد من الـمفهوم فـي كلام العرب، بل هو خطأ، وذلك أن الـمهيـمن عطف علـى الـمصدّق، فلا يكون إلا من صفة ما كان الـمصدّق صفة له، ولو كان معنى الكلام ما رُوي عن مـجاهد لقـيـل: وأنزلنا إلـيك الكتاب مصدّقاً لـما بـين يديه من الكتاب ومهيـمناً علـيه لأنه متقدّم من صفة الكاف التـي فـي «إلـيك»، ولـيس بعدها شيء يكون مهيـمناً علـيه عطفـاً علـيه، وإنـما عطف به علـى الـمصدّق، لأنه من صفة «الكتاب» الذي من صفته «الـمصدّق».

                          فإن ظنّ ظانّ أن الـمصدّق علـى قول مـجاهد وتأويـله هذا من صفة الكاف التـي فـي «إلـيك»، فإن قوله: { لِـمَا بـينَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتابِ } يبطل أن يكون تأويـل ذلك كذلك، وأن يكون الـمصدّق من صفة الكاف التـي فـي «إلـيك»، لأن الهاء فـي قوله: { بـينَ يَدَيْهِ } كناية اسم غير الـمخاطب، وهو النبـيّ صلى الله عليه وسلم فـي قوله «إلـيك»، ولو كان الـمصدّق من صفة الكاف لكان الكلام: وأنزلنا إلـيك الكتاب مصدقاً لـما بـين يديك من الكتاب ومهيـمناً علـيه، فـيكون معنى الكلام حينئذٍ كذلك....

                          ملحوظة

                          قال ابن عطية


                          وقال مجاهد قوله تعالى: { ومهيمناً عليه } يعني محمداً صلى الله عليه وسلم هو مؤتمن على القرآن.

                          قال القاضي أبو محمد: وغلط الطبري رحمه الله في هذه الألفاظ على مجاهد فإنه فسر تأويله على قراءة الناس " مهيمِناً " بكسر الميم الثانية فبعد التأويل ومجاهد رحمه الله إنما يقرأ هو وابن محيصن " ومهيمَناً " عليه بفتح الميم الثانية فهو بناء اسم المفعول. وهو حال من الكتاب معطوفة على قوله: { مصدقاً } وعلى هذا يتجه أن المؤتمن عليه هو محمد صلى الله عليه وسلم و { عليه } في موضع رفع على تقدير أنها مفعول لم يسم فاعله. هذا على قراءة مجاهد وكذلك مشى مكي رحمه الله، وتوغل في طريق الطبري في هذا الموضع قال أبو العباس محمد بن يزيد المبرد رحمه الله: " مهيمن " أصله " مويمن " بني من أمين، وأبدلت همزته هاء كما قالوا أرقت الماء وهرقته، قال الزجاج: وهذا حسن على طريق العربية، وهو موافق لما جاء في التفسير من أن معنى " مهيمن " مؤتمن، وحكى ابن قتيبة هذا الذي قال المبرد في بعض كتبه، فحكى النقاش أن ذلك بلغ ثعلباً فقال: إن ما قال ابن قتيبة رديء، وقال هذا باطل، والوثوب على القرآن شديد وهو ما سمع الحديث من قوي ولا ضعيف وإنما جمع الكتب، انتهى كلام ثعلب.

                          قال القاضي أبو محمد: ويقال من مهيمن هيمن الرجل على الشيء إذا حفظه وحاطه وصار قائماً عليه أميناً، ويحتمل أن يكون { مصدقاً ومهيمناً } حالين من الكاف في { إليك }. ولا يخص ذلك قراءة مجاهد وحده كما زعم مكي


                          نرجع للطبري

                          وأولـى القولـين فـي ذلك عندي بـالصواب قول من قال: معناه: لكلّ أهل ملة منكم أيها الأمـم جعلنا شرعة ومنهاجاً.

                          وإنـما قلنا ذلك أولـى بـالصواب لقوله: { وَلَوْ شاءَ اللّهُ لَـجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً } ولو كان عنـي بقوله: { لِكُلَ جَعَلْنا مِنْكُمْ } أمة مـحمد وهم أمة واحدة، لـم يكن لقوله: { وَلَوْ شاءَ اللّهُ لَـجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً } وقد فعل ذلك فجعلهم أمة واحدة معنى مفهوم، ولكن معنى ذلك علـى ما جرى به الـخطاب من الله لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم أنه ذكر ما كتب علـى بنـي إسرائيـل فـي التوراة، وتقدّم إلـيهم بـالعمل بـما فـيها. ثم ذكر أنه قـفـى بعيسى ابن مريـم علـى آثار الأنبـياء قبله، وأنزل علـيه الإنـجيـل، وأمر من بعثه إلـيه بـالعمل بـما فـيه. ثم ذكر نبـينا مـحمداً صلى الله عليه وسلم، وأخبره أنه أنزل إلـيه الكتاب مصدّقاً لـما بـين يديه من الكتاب، وأمره بـالعمل بـما فـيه والـحكم بـما أنزل إلـيه فـيه دون ما فـي سائر الكتب غيره وأعلـمه أنه قد جعل له ولأمته شريعة غير شرائع الأنبـياء والأمـم قبله الذين قصّ علـيه قصصهم، وإن كان دينه ودينهم فـي توحيد الله والإقرار بـما جاءهم به من عنده والانتهاء إلـى أمره ونهيه واحداً، فهم مختلفو الأحوال فـيـما شرع لكلّ واحد منهم، ولأمته فـيـما أحلّ لهم وحرم علـيهم.

                          وبنـحو الذي قلنا فـي الشرعة والـمنهاج من التأويـل قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

                          حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا مسعر، عن أبـي إسحاق، عن التـميـمّي، عن ابن عبـاس: { لِكُلَ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً } قال: سنة وسبـيلاً....

                          تعليق

                          • اسامة محمد خيري
                            Registered User
                            • Dec 2008
                            • 12975

                            #238
                            اختلف القرّاء فـي قراءة قوله: { وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا } فقرأتها قرّاء أهل الـمدينة: «فَـيُصْبِحُوا علـى ما أسَرُّوا فـي أنْفُسِهِمْ نادِمِينَ يَقُول الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الذينَ أقْسَمُوا بـاللّهِ» بغير واو.

                            وتأويـل الكلام علـى هذه القراءة: فـيصبح الـمنافقون إذا أتـى الله بـالفتـح أو أمر من عنده، علـى ما أسرّوا فـي أنفسهم نادمين، يقول الـمؤمنـين تعجبـاً منهم ومن نفـاقهم وكذبهم واجترائهم علـى الله فـي أيـمانهم الكاذبة بـالله: أهؤلاء الذين أقسموا لنا بـالله إنهم لـمعنا وهم كاذبون فـي أيـمانهم لنا وهذا الـمعنى قصد مـجاهد فـي تأويـله ذلك الذي:

                            حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد:
                            { فَعَسَى اللّهُ أنْ يَأتِـيَ بـالفَتْـحِ أوْ أمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ }
                            حينئذٍ، يقول الذين آمنوا: أهؤلاء الذين أفسموا بـالله جهد إيـمانهم، إنهم لـمعكم، حبطت أعمالهم فأصحوا خاسرين.

                            وكذلك ذلك فـي مصاحف أهل الـمدينة بغير واو. وقرأ ذلك بعض البصريـين: { وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا } بـالواو، ونصب «يقول» عطفـاً به علـى «فعسى الله أن يأتـي بـالفتـح». وذكر قارىء ذلك أنه كان يقول: إنـما أريد بذلك: فعسى الله أن يأتـي بـالفتـح، وعسى يقول الذين آمنوا. ومـحال غير ذلك، لأنه لا يجوز أن يقال: وعسى الله أن يقول الذين آمنوا، وكان يقول: ذلك نـحو قولهم: أكلت خبزاً ولبناً، وكقول الشاعر:
                            ورأيْتِ زَوْجَكِ فـي الوَغَى مُتَقَلِّداً سَيْفـاً وَرُمـحَا
                            فتأويـل الكلام علـى هذه القراءة: فعسى الله أن يأتـي بـالفتـح الـمؤمنـين، أو أمر من عنده يديـلهم به علـى أهل الكفر من أعدائهم، فـيصبح الـمنافقون علـى ما أسرّوا فـي أنفسهم نادمين، وعسى أن يقول الذين آمنوا حينئذٍ: هؤلاء الذين أقسموا بـالله كذبـاً جهد أيـمانهم إنهم لـمعكم. وهي فـي مصاحف أهل العراق بـالواو: { وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا }. وقرأ ذلك قرّاء الكوفـيـين: { وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا } بـالواو ورفع يقول بـالاستقبـال والسلامة من الـجوازم والنواصب.

                            وتأويـل من قرأ ذلك كذلك: فـيصبحوا علـى ما أسرّوا فـي أنفسهم يندمون، ويقول الذين آمنوا فـيبتدىء «يقول» فـيرفعها. وقراءتنا التـي نـحن علـيها: { وَيَقُولُ } بإثبـات الواو فـي: «ويقول»، لأنها كذلك هي فـي مصاحفنا مصاحف أهل الشرق بـالواو، وبرفع «يقول» علـى الابتداء.

                            فتأويـل الكلام إذ كان القراءة عندنا علـى ما وصفنا: فـيصبحوا علـى ما أسرّوا فـي أنفسهم نادمين، ويقول الـمؤمنون: أهؤلاء الذين حلفوا لنا بـالله جهد أيـمانهم كذبـاً إنهم لـمعنا. يقول الله تعالـى ذكره مخبراً عن حالهم عنده بنفـاقهم وخبث أعمالهم: { حَبِطَتْ أعمالُهُمْ } يقول: ذهبت أعمالهم التـي عملوها فـي الدنـيا بـاطلاً لا ثواب لها ولا أجر، لأنهم عملوها علـى غير يقـين منهم بأنها علـيهم لله فرض واجب ولا علـى صحة إيـمان بـالله ورسوله، وإنـما كانوا يعملونها لـيدفعوا الـمؤمنـين بها عن أنفسهم وأموالهم وذراريهم، فأحبط الله أجرها إذ لـم تكن له { فأصْبَحُوا خَاسِرينَ } يقول: فأصبح هؤلاء الـمنافقون عند مـجيء أمر الله بإدالة الـمؤمنـين علـى أهل الكفر قد وكسوا فـي شرائهم الدنـيا بـالآخرة، وخابت صفقتهم وهلكوا.

                            تعليق

                            • اسامة محمد خيري
                              Registered User
                              • Dec 2008
                              • 12975

                              #239
                              حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية بن صالـح، عن علـيّ بن أبـي طلـحية، عن ابن عبـاس: { يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ... } الآية وعيد من الله أنه من ارتدّ منكم أنه سيستبدل خيراً منهم.

                              وأما علـى قول من قال: عنـي بذلك الأنصار، فإن تأويـله فـي ذلك نظير تأويـل من تأوله أنه عنـي به أبو بكر وأصحابه.

                              وأولـى الأقوال فـي ذلك عندنا بـالصواب، ما رُوي به الـخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم أهل الـيـمن قوم أبـي موسى الأشعري. ولولا الـخبر الذي رُوي فـي ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بـالـخبر الذي روي عنه ما كان القول عندي فـي ذلك إلاَّ قول من قال: هم أبو بكر وأصحابه وذلك أنه لـم يقاتل قوماً كانوا أظهروا الإسلام علـى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ارتدّوا علـى أعقابهم كفـاراً، غير أبـي بكر ومن كان معه مـمن قاتل أهل الردة معه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنا تركنا القول فـي ذلك للـخبر الذي رُوي فـيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن كان صلى الله عليه وسلم معدن البـيان عن تأويـل ما أنزل الله من وحيه وآي كتابه.

                              تعليق

                              • اسامة محمد خيري
                                Registered User
                                • Dec 2008
                                • 12975

                                #240
                                وأما قراءة القرّاء فبأحد الوجهين اللذين بدأت بذكرهما، وهو: «وَعَبدَ الطَّاغُوتَ» بنصب الطاغوت وإعمال «عَبَدَ» فـيه، وتوجيه «عبد» إلـى أنه فعل ماض من العبـادة. والآخر: «وعَبُدَ الطَّاغُوتِ» علـى مثال فَعُل، وخفض «الطاغوت» بإضافة «عبُد» إلـيه. فإذا كانت قراءة القرّاء بأحد هذين الوجهين دون غيرهما من الأوجه التـي هي أصحّ مخرجاً فـي العربـية منهما، فأولاهما بـالصواب من القراءة قراءة من قرأ ذلك: { وعَبَدَ الطَّاغُوتَ } بـمعنى: وجعل منهم القردة والـخنازير، ومن عبد الطاغوت لأنه ذكر أن ذلك فـي قراءة أبـيّ بن كعب وابن مسعود: «وَجَعَلَ مِنْهُمْ القِردَةَ والـخنازيرَ وَعَبَدُ والطَّاغُوتَ» بـمعنى: والذين عبدوا الطاغوت. ففـي ذلك دلـيـل واضح علـى صحة الـمعنى الذي ذكرنا من أنه مراد به: ومن عبد الطاغوت، وأن النصب بـالطاغوت أولـى علـى ما وصفت فـي القراءة لإعمال «عبد» فـيه، إذ كان الوجه الآخر غير مستفـيض فـي العرب ولا معروف فـي كلامها علـى أن أهل العربـية يستنكرون إعمال شيء فـي «مَنْ» و«الذي الـمضمرين مع «مِنْ» و«فـي» إذا كفت «مِنْ» أو «فـي» منهما، ويستقبحونه، حتـى كان بعضهم يحيـل ذلك ولا يجيزه. وكان الذي يحيـل ذلك يقرؤه: «وعَبُدَ الطاغوتِ»، فهو علـى قوله خطأ ولـحن غير جائز. وكان آخرون منهم يستـجيزونه علـى قبح، فـالواجب علـى قولهم أن تكون القراءة بذلك قبـيحة وهم مع استقبـاحهم ذلك فـي الكلام قد اختاروا القراءة بها، وإعمال وجعل فـي «مَنْ» وهي مـحذوفة مع «مِن» ولو كنا نستـجيز مخالفة الـجماعة فـي شيء مـما جاءت به مـجمعة علـيه، لاخترنا القراءة بغير هاتـين القراءتـين، غير أن ما جاء به الـمسلـمون مستفـيضاً، فهم لا يتناكرونه، فلا نستـجيز الـخروج منه إلـى غيره فلذلك لـم نستـجز القراءة بخلاف إحدى القراءتـين اللتـين ذكرنا أنهم لـم يعدوهما.

                                وإذ كانت القراءة عندنا ما ذكرنا، فتأويـل الآية: قل هل أنبئكم بشرّ من ذلك مثوبة عند الله: من لعنه، وغضب علـيه، وجعل منهم القردة والـخنازير، ومن عبد الطاغوت. وقد بـينا معنى الطاغوت فـيـما مضى بشواهده من الروايات وغيرها، فأغنى ذلك عن إعادته ههنا.

                                تعليق

                                يعمل...