إرشاد النحرير لترجيحات الامام ابن جرير

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • اسامة محمد خيري
    Registered User
    • Dec 2008
    • 12975

    #241
    وإنْ لـم يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ } يقول: إن لـم ينتهوا قائلوا هذه الـمقالة عما يقولون من قولهم: الله ثالث ثلاثة، { لَـيَـمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ ألِـيـمٌ } يقول: لـيـمسنّ الذين يقولون هذه الـمقالة، والذين يقولون الـمقالة الأخرى هو الـمسيح ابن مريـم لأن الفريقـين كلاهما كفرة مشركون، فلذلك رجع فـي الوعيد بـالعذاب إلـى العموم. ولـم يقل: «لـيـمسنهم عذاب ألـيـم»، لأن ذلك لو قـيـل كذلك صار الوعيد من الله تعالـى ذكره خاصًّا لقائل القول الثانـي، وهم القائلون: الله ثالث ثلاثة، ولـم يدخـل فـيهم القائلون: الـمسيح هو الله. فعمّ بـالوعيد تعالـى ذكره كل كافر، لـيعلـم الـمخاطبون بهذه الآيات أن وعيد الله وقد شمل كلا الفريقـين من بـين إسرائيـل ومن كان من الكفـار علـى مثل الذي هم علـيه.

    فإن قال قائل: وإن كان الأمر علـى ما وصفت فعلـى من عادت الهاء والـميـم اللتان فـي قوله: «مِنْهُمْ»؟ قـيـل: علـى بنـي إسرائيـل.

    فتأويـل الكلام إذ ان الأمر علـى ما وصفنا: وإن لـم ينته هؤلاء الإسرائيـلـيون عما يقولون فـي الله من عظيـم القول، لـيـمسنَّ الذين يقولون منهم إن الـمسيح هو الله والذين يقولون إن الله ثالث ثلاثة وكلّ كافر سلك سبـيـلهم عذابٌ ألـيـم بكفرهم بـالله.

    تعليق

    • اسامة محمد خيري
      Registered User
      • Dec 2008
      • 12975

      #242
      وقال آخرون: بل هذه صفة قوم كانوا علـى شريعة عيسى من أهل الإيـمان فلـما بعث الله تعالـى ذكره نبـيه مـحمداً صلى الله عليه وسلم آمنوا به. ذكر من قال ذلك:

      حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { وَلَتَـجِدَنَّ أقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً للَّذِينَ آمَنُوا } ، فقرأ حتـى بلغ:
      { فـاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ }
      أناس من أهل الكتاب كانوا علـى شريعة من الـحقّ مـما جاء به عيسى، ويؤمنون به وينتهون إلـيه فلـما بعث الله نبـيه مـحمداً صلى الله عليه وسلم صدّقوا به وآمنوا، وعرفوا الذي جاء به أنه الـحقّ، فأثنى علـيهم ما تسمعون.

      والصواب فـي ذلك من القول عندي أن الله تعالـى وصف صفة قوم قالوا: إنا نصارى، أن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم يجدهم أقرب الناس وداداً لأهل الإيـمان بـالله ورسوله، ولـم يسمّ لنا أسماءهم.

      وقد يجوز أن يكون أريد بذلك أصحاب النـجاشيّ، ويجوز أن يكون أريد به قوم كانوا علـى شريعة عيسى فأدركهم الإسلام فأسلـموا لـما سمعوا القرآن وعرفوا أنه الـحقّ، ولـم يستكبروا عنه.

      ....

      والصواب فـي ذلك من القول عندنا أن يقال: إن الله تعالـى ذكره أخبر عن النفر الذين أثنى علـيهم من النصارى بقرب مودتهم لأهل الإيـمان بـالله ورسوله، أن ذلك إنـما كان منهم لأن منهم أهل اجتهاد فـي العبـادة وترهيب فـي الديارات والصوامع، وأن منهم علـماء بكتبهم وأهل تلاوة لها، فهم لا يبعدون من الـمؤمنـين لتواضعهم للـحقّ إذا عرفوه، ولا يستكبرون عن قبوله إذا تبـينوه لأنهم أهل دين واجتهاد فـيه ونصيحة لأنفسهم فـي ذات الله، ولـيسوا كالـيهود الذين قد دَرِبُوا بقتل الأنبـياء والرسل ومعاندة الله فـي أمره ونهيه وتـحريف تنزيـله الذي أنزله فـي كتبه.

      تعليق

      • اسامة محمد خيري
        Registered User
        • Dec 2008
        • 12975

        #243
        واختلفت القراء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الـحجاز وبعض البصريـين: { وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِـمَا عَقَّدْتُـمُ الأَيْـمَانَ } بتشديد القاف، بـمعنى: وكدتـم الأيـمان وردّدتـموها وقرّاء الكوفـيـين: «بِـمَا عَقَدْتُـمُ الأَيـمَانَ» بتـخفـيف القاف، بـمعنى: أوجبتـموها علـى أنفسكم، وعزمت علـيها قلوبكم.

        وأولـى القراءتـين بـالصواب فـي ذلك قراءة من قرأ بتـخفـيف القاف، وذلك أن العرب لا تكاد تستعمل فعلت فـي الكلام، إلا فـيـما يكون فـيه تردّد مرّة بعد مرّة، مثل قولهم: شدّدت علـى فلان فـي كذا إذا كرّر علـيه الشدّ مرّة بعد أخرى، فإذا أرادوا الـخبر عن فعل مرّة واحدة قـيـل: شَدَّدت علـيه بـالتـخفـيف. وقد أجمع الـجميع لا خلاف بـينهم أن الـيـمين التـي تـجب بـالـحنث فـيها الكفـارة تلزم بـالـحنث فـي حلف مرّة واحدة وإن لـم يكرّرها الـحالف مرّات، وكان معلوماً بذلك أن الله مؤاخذ الـحالف العاقد قلبه علـى حلفه وإن لـم يكرّره ولـم يردّده وإذا كان ذلك كذلك لـم يكن لتشديد القاف من عقَّدتـم وجه مفهوم. فتأويـل الكلام إذن: لا يؤاخذكم الله أيها الـمؤمنون من أيـمانكم بـما لغوتـم فـيه، ولكن يؤاخذكم بـما أوجبتـموه علـى أنفسكم منها وعقدت علـيه قلوبكم. وقد بـينا الـيـمين التـي هي لغو والتـي الله مؤاخذ العبد بها، والتـي فـيها الـحنث والتـي لا حنث فـيها، فـيـما مضى من كتابنا هذا فكرهنا إعادة ذلك فـي هذا الـموضع....

        والذي هو أولـى عندي بـالصواب فـي ذلك، أن تكون الهاء فـي قوله: { فَكَفَّـارَتُهُ } عائدة علـى «ما» التـي فـي قوله: { بِـمَا عَقّدْتُـمُ الأَيـمَانَ } لـما قدّمنا فـيـما مضى قبل أن من لزمته فـي يـمينه كفـارة وأوخذ بها، غير جائز أن يقال لـمن قد أوخذ: لا يؤاخذه الله بـاللغو وفـي قوله تعالـى: { لا يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بـاللَّغْوِ فِـي أيـمانِكُمْ } دلـيـل واضح أنه لا يكون مؤاخذ بوجه من الوجوه من أخبرنا تعالـى ذكره أنه غير مؤاخذ....

        وأولـى الأقوال فـي تأويـل قوله: { مِنْ أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِـيكُمْ } عندنا قول من قال: من أوسط ما تطعمون أهلـيكم فـي القلة والكثرة. وذلك أن أحكام رسول الله صلى الله عليه وسلم فـي الكفَّـارات كلها بذلك وردت، وذلك كحكمه صلى الله عليه وسلم فـي كفَّـارة الحلق من الأذى بفرق من طعام بين ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع كحكمه صلى الله عليه وسلم في كفارة الوطء فـي شهر رمضان بخمسة عشر صاعاً بـين ستـين مسكيناً لكلّ مسكين ربع صاع. ولا يعرف له صلى الله عليه وسلم شيء من الكفـارات أمر بإطعام خبز وإدام ولا بغَداء وعَشاء.

        فإذا كان ذلك كذلك، وكانت كفـارة الـيـمين إحدى الكفـارات التـي تلزم من لزمته، كان سبـيـلها سبـيـل ما تولـى الـحكم فـيه صلى الله عليه وسلم من أن الواجب علـى مكفِّرها من الطعام مقدار للـمساكين العشرة، مـحدود بكيـل دون جمعهم علـى غداء أو عشاء مخبوز مأدوم، إذ كانت سنته صلى الله عليه وسلم فـي سائر الكفـارات كذلك. فإذ كان صحيحاً ما قلنا مـما به استشهدنا، فبـيِّن أن تأويـل الكلام: ولكن يؤاخذكم بـما عقدتـم الأيـمان، فكفـارته إطعام عشرة مساكين من أعدل إطعامكم أهلـيكم، وأن «ما» التـي فـي قوله: { مِنْ أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِـيكُمْ } بـمعنى الـمصدر، لا بـمعنى الأسماء. وإذا كان ذلك كذلك، فأعدل أقوات الـموسع علـى أهله مدّان، وذلك نصف صاع فـي ربعه إدامه، وذلك أعلـى ما حكم به النبـيّ صلى الله عليه وسلم فـي كفـارة فـي إطعام مساكين، وأعدل أقوات الـمقتر علـى أهله مدّ وذلك ربع صاع، وهو أدنى ما حكم به فـي كفـارة فـي إطعام مساكين. وأما الذين رأوا إطعام الـمساكين فـي كفـارة الـيـمين الـخبز واللـحم وما ذكرنا عنهم قبل، والذين رأوا أن يغدّوا أو يعشوا، فإنهم ذهبوا إلـى تأويـل قوله: { مِنْ أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِـيكُمْ }: من أوسط الطعام الذي تطعمونه أهلـيكم، فجعلوا «ما» التـي فـي قوله: { مِنْ أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِـيكُمْ } اسماً لا مصدراً، فأوجبوا علـى المكفِّر إطعام الـمساكين من أعدل ما يطعم أهله من الأغذية. وذلك مذهب لولا ما ذكرنا من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم فـي الكفـارات غيرها التـي يجب إلـحاق أشكالها بها، وإن كفـارة الـيـمين لها نظيرة وشبـيهة يجب إلـحاقها بها.

        ..

        وأولـى الأقوال فـي ذلك عندنا بـالصحة وأشبهها بتأويـل القرآن قول من قال: عنى بقوله: { أوْ كِسْوَتُهُمْ }: ما وقع علـيه إسم كسوة مـما يكون ثوبـاً فصاعداً، لأن ما دون الثوب لا خلاف بـين جميع الـحجة أنه لـيس مـما دخـل فـي حكم الآية، فكان ما دون قدر ذلك خارجاً من أن يكون الله تعالـى عناه بـالنقل الـمستفـيض، والثوب وما فوقه داخـل فـي حكم الآية، إذ لـم يأت من الله تعالـى وحي ولا من رسوله صلى الله عليه وسلم خبر ولـم يكن من الأمة إجماع بأنه غير داخـل فـي حكمها، وغير جائز إخراج ما كان ظاهر الآية مـحتـمله من حكم الآية إلاَّ بحجة يجب التسلـيـم لها، ولا حجة بذلك...

        والصواب من القول فـي ذلك عندنا أن يقال: إن الله تعالـى عمّ بذكر الرقبة كلّ رقبة، فأيّ رقبة حرّرها الـمكفر يـمينه فـي كفَّـارته فقد أدّى ما كلف، إلاَّ ما ذكرنا أن الـحجة مـجمعة علـى أن الله تعالـى لـم يعنه بـالتـحرير، فذلك خارج من حكم الآية، وما عدا ذلك فجائز تـحريره فـي الكفـارة بظاهر التنزيـل. والـمكفِّر مخير فـي تكفـير يـمينه التـي حنث فـيها بإحدى هذه الـحالات الثلاث التـي سماها الله فـي كتابه، وذلك: إطعام عشرة مساكين من أوسط ما يطعم أهله، أو كسوتهم، أو تـحرير رقبة، بإجماع من الـجميع لا خلاف بـينهم فـي ذلك...

        والصواب من القول فـي ذلك عندنا، أن من لـم يكن عنده فـي حال حنثه فـي يـمينه إلاَّ قدر قوته وقوت عياله يومه ولـيـلته لا فضل له عن ذلك، يصوم ثلاثة أيام، وهو مـمن دخـل فـي جملة من لا يجد ما يطعم أو يكسو أو يعتق. وإن كان عنده فـي ذلك الوقت من الفضل عن قوته وقوت عياله يومه ولـيـلته ما يطعم أو يكسو عشرة مساكين أو يُعتق رقبة، فلا يجزيه حينئذٍ الصوم لأن إحدى الـحالات الثلاث حينئذٍ من إطعام أو كسوة أو عتق حقّ قد أوجبه الله تعالـى فـي ماله وجوب الدين، وقد قامت الـحجة بأن الـمفلس إذا فرقّ ماله بـين غرمائه أنه لا يترك ذلك الـيوم إلاَّ ما لا بدّ له من قوته وقوت عياله يومه ولـيـلته، فكذلك حكم الـمعدم بـالدين الذي أوجبه الله تعالـى فـي ماله بسبب الكفَّـارة التـي لزمت ماله...

        والصواب من القول فـي ذلك عندنا أن يقال: إن الله تعالـى أوجب علـى من لزمته كفـارة يـمين إذا لـم يجد إلـى تكفـيرها بـالإطعام أو الكسوة أو العتق سبـيلاً، أن يكفِّرها بصيام ثلاثة أيام، ولـم يشرط فـي ذلك متتابعة، فكيفما صامهنّ الـمكفِّر مفرّقة ومتتابعة أجزأه لأن الله تعالـى إنـما أوجب علـيه صيام ثلاثة أيام، فكيفما أتـى بصومهنّ أجزأ...

        تعليق

        • اسامة محمد خيري
          Registered User
          • Dec 2008
          • 12975

          #244
          يقول تعالـى ذكره للقوم الذين قالوا إذ أنزل الله تـحريـم الـخمر بقوله:
          { إنَّـمَا الـخَمْرُ وَالـمَيْسِر والأنْصَابُ والأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فـاجْتَنِبُوهُ }
          كيف بـمن هلك من إخواننا وهمُ يشربونها وبنا وقد كنا نشربها: { لَـيْسَ علـى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِـحاتِ } منكم حرج فـيـما شربوا من ذلك فـي الـحال التـي لـم يكن الله تعالـى حرّمه علـيهم، { إذَا ما اتَّقَوْا وآمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِـحاتِ } يقول: إذا ما اتقـى الله الأحياء منهم، فخافوه وراقبوه فـي اجتنابهم ما حرّم علـيهم منه وصدّقوا الله ورسوله فـيـما أمراهم ونهاهم، فأطاعوهما فـي ذلك كله. { وعَمِلُوا الصَّالِـحَاتِ } يقول: واكتسبوا من الأعمال ما يرضاه الله فـي ذلك مـما كلفهم بذلك ربهم. { ثُمَّ اتَّقَوْا وآمَنُوا } يقول: ثم خافوا الله وراقبوه بـاجتنابهم مـحارمه بعد ذلك التكلـيف أيضاً، فثبتوا علـى اتقاء الله فـي ذلك والإيـمان به، ولـم يغيروا ولـم يبدّلو. { ثُمَّ اتَّقَوْا وأحْسَنُوا } يقول: ثم خافوا الله، فدعاهم خوفهم الله إلـى الإحسان. وذلك الإحسان هو العمل بـما لـم يفرضه علـيهم من الأعمال، ولكنه نوافل تقرّبوا بها إلـى ربهم طلب رضاه وهربـاً من عقابه. { وَاللّهُ يُحِبُّ الـمُـحْسِنِـينَ } يقول: والله يحبّ الـمتقرّبـين إلـيه بنوافل الأعمال التـي يرضاها. فـالاتقاء الأوّل: هو الاتقاء بتلقـي أمر الله بـالقبول والتصديق والدينونة به والعمل والاتقاء الثانـي: الاتقاء بـالثبـات علـى التصديق وترك التبديـل والتغيـير والاتقاء الثالث: هو الاتقاء بـالإحسان والتقرب بنوافل الأعمال.

          فإن قال قائل: ما الدلـيـل علـى أن الاتقاء الثالث هو الاتقاء بـالنوافل دون أن يكون ذلك بـالفرائض؟ قـيـل: إنه تعالـى ذكره قد أخبر عن وضعه الـجناح عن شاربـي الـخمر التـي شربوها قبل تـحريـمه إياها إذا هم اتقوا الله فـي شربها بعد تـحريـمها وصدّقوا الله ورسوله فـي تـحريـمها وعملوا الصالـحات من الفرائض. ولا وجه لتكرير ذلك، وقد مضى ذكره فـي آية واحدة.

          تعليق

          • اسامة محمد خيري
            Registered User
            • Dec 2008
            • 12975

            #245
            والصواب من القول فـي ذلك عندنا، أن يقال: إن الله تعالـى حرّم قتل صيد البرّ علـى كل مـحرم فـي حال إحرامه ما دام حراماً، بقوله: { يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ } ثم بـين حكم من قتل ما قتل من ذلك فـي حال إحرامه متعمداً لقتله، ولـم يخصص به الـمتعمد قتله فـي حال نسيانه إحرامه، ولا الـمخطىء فـي قتله فـي حال ذكره إحرامه، بل عمّ فـي التنزيـل بإيجاب الجزاء كلّ قاتل صيد فـي حال إحرامه متعمداً. وغير جائز إحالة ظاهر التنزيـل إلـى بـاطن من التأويـل لا دلالة علـيه من نصّ كتاب ولا خبر لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا إجماع من الأمة ولا دلالة من بعض هذه الوجوه. فإذ كان ذلك كذلك، فسواء كان قاتل الصيد من الـمـحرمين عامداً قتله ذاكراً لإحرامه، أو عامداً قتله ناسياً لإحرامه، أو قاصداً غيره فقتله ذاكراً لإحرامه، فـي أنَّ علـى جميعهم من الـجزاء ما قال ربنا تعالـى وهو: { مثل ما قتل من النَّعَم يحكم بِهِ ذوا عدل } من الـمسلـمين { أو كفَّـارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياماً } وهذا قول عطاء والزهري الذي ذكرناه عنهما، دون القول الذي قاله مـجاهد....

            وقد اختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الـمدينة وبعض البصريـين: " فَجَزَاءُ مِثْلِ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَم " بإضافة الـجزاء إلـى الـمثل وخفض الـمثل. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفـيـين: { فَجَزَاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ } بتنوين «الـجزاء» ورفع «الـمثل» بتأويـل: فعلـيه جزاء مثل ما قتل.

            وأولـى القراءتـين فـي ذلك بـالصواب قراءة من قرأ: { فَجَزَاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ } بتنوين «الـجزاء» ورفع «الـمثل»، لأن الـجزاء هو الـمثل، فلا وجه لإضافة الشيء إلـى نفسه. وأحسب أن الذين قرءوا ذلك بـالإضافة، رأوا أن الواجب علـى قاتل الصيد أن يجزى مثله من الصيد بـمثل من النعم ولـيس كذلك كالذي ذهبوا إلـيه، بل الواجب علـى قاتله أن يجزى الـمقتول نظيره من النعم. وإذ كان ذلك كذلك، فـالـمثل هو الـجزاء الذي أوجبه الله تعالـى علـى قاتل الصيد، ولن يضاف الشيء إلـى نفسه، ولذلك لـم يقرأ ذلك قارىء علـمناه بـالتنوين ونصب الـمثل. ولو كان الـمثل غير الـجزاء لـجاز فـي الـمثل النصب إذا نون الـجزاء، كما نصب الـيتـيـم إذ كان غير الإطعام فـي قوله:
            { أوْ إطْعامٌ فِـي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِـيـماً ذَا مَقْرَبَةٍ }
            وكما نصب الأموات والأحياء ونون الكفـات فـي قوله: { ألَـمْ نَـجْعَلِ الأرْضَ كِفـاتاً أحْياءً وأمْوَاتاً } إذ كان الكفـات غير الأحياء والأموات. وكذلك الـجزاء، لو كان غير الـمثل لاتسعت القراءة فـي الـمثل بـالنصب إذا نوّن الـجزاء، ولكن ذلك ضاق فلـم يقرأه أحد بتنوين الـجزاء ونصب الـمثل، إذ كان الـمثل هو الـجزاء، وكان معنى الكلام: ومن قتله منكم متعمداً، فعلـيه جزاء هو مثل ما قتل من النعم....

            واختلف القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء أهل الـمدينة: { أوْ كَفَّـارَةٌ طعَامِ مسَاكِينَ } بـالإضافة.

            وأما قرّاء أهل العراق، فإن عامتهم قرءوا ذلك بتنوين الكفَّـارة ورفع الطعام: { أوْ كَفَّـارةٌ طعَامُ مسَاكِينَ }.

            وأولـى القراءتـين فـي ذلك عندنا بـالصواب، قراءة من قرأ بتنوين الكفـارة ورفع الطعام، للعلة التـي ذكرناها فـي قوله: { فَجَزَاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ }....

            وأولـى الأقوال بـالصواب عندي فـي قوله الله تعالـى: { فَجَزَاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ } أن يكون مراداً به: فعلـى قاتله متعمداً مثل الذي قتل من النعم، لا القـيـمة إن اختار أن يجزيه بـالـمثل من النعم وذلك أن القـيـمة إنـما هي من الدنانـير أو الدراهم أو الدنانـير لـيست للصيد بـمثل، والله تعالـى إنـما أوجب الـجزاء مثلاً من النعم.

            وأولـى الأقوال بـالصواب عندي فـي قوله: { أوْ كَفَّـارَةٌ طعَامُ مسَاكِينَ أوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِياماً }: أن يكون تـخيـيراً، وأن يكون للقاتل الـخيار فـي تكفـيره بقتله الصيد وهو مـحرم بأيّ هذه الكفـارات الثلاث شاء، لأن الله تعالـى جعل ما أوجب فـي قتل الصيد من الـجزاء والكفـارة عقوبة لفعله، وتكفـيراً لذنبه فـي إتلافه ما أتلف من الصيد الذي كان حراماً علـيه إتلافه فـي حال إحرامه، وقد كان حلالاً له قبل حال إحرامه، كما جعل الفدية من صيام أو صدقة أو نسك فـي حلق الشعر الذي حلقه الـمـحرم فـي حال إحرامه، وقد كان له حلقه قبل حال إحرامه، ثم منع من حلقه فـي حال إحرامه نظير الصيد، ثم جعل علـيه إن حلقه جزاء من حلقه إياه، فأجمع الـجميع علـى أنه فـي حلقه إياه إذا حلقه من إيذائه مخير فـي تكفـيره، فعلـيه ذلك بأيّ الكفـارات الثلاث شاء، فمثله إن شاء الله قاتل الصيد من الـمـحرمين، وأنه مخير فـي تكفـيره قتله الصيد بأيّ الكفـارات الثلاث شاء، لا فرق بـين ذلك.
            ...

            وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب عندنا، قول من قال: معناه: ومن عاد فـي الإسلام لقتله بعد نهي الله تعالـى عنه، فـينتقم الله منه، وعلـيه مع ذلك الكفَّـارة، لأن الله عز وجلٍ إذ أخبر أنه ينتقم منه لـم يخبرنا، وقد أوجب علـيه فـي قتله الصيد عمداً ما أوجب من الـجزاء أو الكفَّـارة بقوله: { وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ } أنه قد أزال عنه الكفَّـارة فـي الـمرّة الثانـية والثالثة، بل أعلـم عبـاده ما أوجب من الـحكم علـى قاتل الصيد من الـمـحرمين عمداً، ثم أخبر أنه منتقم مـمن عاد، ولـم يقل: ولا كفَّـارة علـيه فـي الدنـيا.

            فإن ظنّ ظانّ أن الكفَّـارة مزيـلة للعقاب، ولو كانت الكفَّـارة لازمة له فـي الدنـيا لبطل العقاب فـي الآخرة، فقد ظنّ خطأ. وذلك أن الله عزّ وجلّ أن يخالف بـين عقوبـات معاصيه بـما شاء، وأحبّ فـيزيد فـي عقوبته علـى بعض معاصيه مـما ينقص من بعض، وينقص من بعض مـما يزيد فـي بعض، كالذي فعل من ذلك فـي مخالفته بـين عقوبته الزانـي البكر والزانـي الثـيب الـمـحصن، وبـين سارق ربع دينار وبـين سارق أقلّ من ذلك فكذلك خالف بـين عقوبته قاتل الصيد من الـمـحرمين عمداً ابتداء وبـين عقوبته عوداً بعد بدء، فأوجب علـى البـاديء الـمثل من النعم، أو الكفَّـارة بـالإطعام، أو العدل من الصيام، وجعل ذلك عقوبة جرمه بقوله: { لِـيذُوقَ وَبـالَ أمْرِهِ } وجعل علـى العائد بعد البدء، وزاده من عقوبته ما أخبر عبـاده أنه فـاعل من الانتقام تغلـيظاً منه للعود بعد البدء. ولو كانت عقوبـاته علـى الأشياء متفقة، لوجب أن لا يكون حدّ فـي شيء مخالفـاً حدّاً فـي غيره، ولا عقاب فـي الآخرة أغلظ من عقاب، وذلك خلاف ما جاء به مـحكم الفرقان. وقد زعم بعض الزاعمين أن معنى ذلك: ومن عاد فـي الإسلام بعد نهي الله عن قتله لقتله بـالـمعنى الذي كان القوم يقتلونه فـي جاهلـيتهم، فعفـا لهم عنه عند تـحريـم قتله علـيهم، وذلك قتله علـى استـحلال قتله.

            قال: فأما إذا قتله علـى غير ذلك الوجه، وذلك أن يقتله علـى وجه الفسوق لا علـى وجه الإستـحلال، فعلـيه الـجزاء والكفَّـارة كلـما عاد. وهذا قول لا نعلـم قائلاً قاله من أهل التأويـل، وكفـي خطأ بقوله خروجه عن أقوال أهل العلـم لو لـم يكن علـى خطئه دلالة سواه، فكيف وظاهر التنزيـل ينبىء عن فساده؟ وذلك أن الله عمّ بقوله: { وَمَنْ عادَ فَـيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ } كل عائد لقتل الصيد بـالـمعنى الذي تقدم النهي منه به فـي أوّل الآية، ولـم يخصّ به عائداً منهم دون عائد، فمن ادّعى فـي التنزيـل ما لـيس فـي ظاهره كلف البرهان علـى دعواه من الوجه الذي يجب التسلـيـم له.

            وأما من زعم أن معنى ذلك: ومن عاد فـي قتله متعمداً بعد بدء لقتل تقدّم منه فـي حال إحرامه فـينتقم الله منه، فإن معنى قوله: { عَفـا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ } إنـما هو: عفـا عما سلف من ذنبه بقتله الصيد بدءاً، فإن فـي قول الله تعالـى: { لِـيَذُوقَ وَبـالَ أمْرِهِ } دلـيلاً واضحاً علـى أن القول فـي ذلك غير ما قال لأن العفو عن الـجرم ترك الـمؤاخذة به، ومن أذيق وبـال جرمه فقد عوقب به، وغير جائز أن يقال لـمن عوقب قد عفـي عنه، وخبر الله أصدق من أن يقع فـيه تناقض.

            فإن قال قائل: وما ينكر أن يكون قاتل الصيد من الـمـحرمين فـي أوّل مرّة قد أذيق وبـال أمره بـما ألزم من الـجزاء والكفَّـارة، وعفـى له من العقوبة بأكثر من ذلك مـما كان لله عزّ وجلّ أن يعاقبه به؟ قـيـل له: فإن كان ذلك جائزاً أن يكون تأويـل الآية عندك وإن كان مخالفـاً لقول أهل التأويـل، فما ينكر أن يكون الانتقام الذي أوعده الله علـى العود بعد البدء، هو تلك الزيادة التـي عفـاها عنه فـي أوّل مرّة مـما كان له فعله به مع الذي أذاقه من وبـال أمره، فـيذيقه فـي عوده بعد البدء وبـال أمره الذي أذاقه الـمرّة الأولـى، ويترك عفوه عما عفـا عنه فـي البدء، فـيؤاخذه به؟ فلـم يقل فـي ذلك شيئاً إلا ألزم فـي الآخر مثله.

            تعليق

            • اسامة محمد خيري
              Registered User
              • Dec 2008
              • 12975

              #246
              حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن حريث، عن عكرمة: { وَطَعامُهُ مَتاعا لَكُمْ } قال: ما جاء به البحر بوجه.

              حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حميد بن عبد الرحمن، عن حسن بن صالـح، عن لـيث، عن مـجاهد، قال: طعامه: كلّ ما صيد منه.

              وأولـى هذه الأقوال بـالصواب عندنا، قول من قال: طعامه: ما قذفه البحر أو حسر عنه فوجد ميتاً علـى ساحله. وذلك أن الله تعالـى ذكر قبله صيد الذي يصاد، فقال: { أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البَحْرِ } فـالذي يجب أن يعطف علـيه فـي الـمفهوم ما لـم يصد منه، فقال: أحلّ لكم صيدُ ما صدتـموه من البحر وما لـم تصيدوه منه. وأما الـملـيح، فإنه ما كان منه ملِّـح بعد الاصطياد، فقد دخـل فـي جملة قوله: { أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البَحْرِ } فلا وجه لتكريره، إذ لا فـائدة فـيه.

              وقد أعلـم عبـاده تعالـى إحلاله ما صيد من البحر بقوله { أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البَحْرِ } فلا فـائدة أن يقال لهم بعد ذلك: وملـيحه الذي صيد حلال لكم، لأن ما صيد منه فقد بـين تـحلـيـله طرياً كان أو ملـيحاً بقوله: { أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البَحْرِ } والله يتعالـى عن أن يخاطب عبـاده بـما لا يفـيدهم به فـائدة.

              وقد رُوِي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنـحو الذي قلنا خبر، وإن كان بعض نقلته يقـف به علـى ناقله عنه من الصحابة، وذلك ما:

              حدثنا به هناد بن السريّ، قال: ثنا عبدة بن سلـيـمان، عن مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو سلـمة، عن أبـي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: { أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ } قال: " طَعَامُهُ: ما لَفَظَهُ مَيْتاً فَهُوَ طَعَامُهُ ". وقد وقـف هذا الـحديث بعضهم علـى أبـي هريرة...

              والصواب فـي ذلك من القول عندنا أن يقال: إن الله تعالـى عمّ تـحريـم كلّ معانـي صيد البرّ علـى الـمـحرم فـي حال إحرامه من غير أن يخصّ من ذلك شيئاً دون شيء، فكل معانـي الصيد حرام علـى الـمـحرم ما دام حراماً بـيعه وشراؤه واصطياده وقتله وغير ذلك من معانـيه، إلاَّ أن يجده مذبوحاً قد ذبحه حلال لـحلال، فـيحلّ له حينئذٍ أكله، للثابت من الـخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي:

              حدثناه يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج. وحدثنـي عبد الله بن أبـي زياد، قال: ثنا مكي بن إبراهيـم، قال: ثنا عبد الـملك بن جريج، قال: أخبرنـي مـحمد بن الـمنكدر، عن معاذ بن عبد الرحمن بن عثمان، عن أبـيه عبد الرحمن بن عثمان، قال: كنا مع طلـحة بن عبـيد الله ونـحن حُرُم، فأهدي لنا طائر، فمنا من أكل ومنا من تورّع فلـم يأكل.

              فلـما استـيقظ طلـحة وافق من أكل، وقال: أكلناه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

              فإن قال قائل: فما أنت قائل فـيـما رُوي عن الصعب بن جثامة: أنه أَهْدَى إلـى رسول الله صلى الله عليه وسلم رِجْلَ حمار وحش يقطر دماً، فردّه فقال: " إنَّا حُرُمٌ ". وفـيـما رُوِي عن عائشة: " أن وشيقة ظبـي أهديت إلـى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مـحرم، فردّها " وما أشبه ذلك من الأخبـار؟ قـيـل: إنه لـيس فـي واحد من هذه الأخبـار التـي جاءت بهذا الـمعنى بـيان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ردّ من ذلك ما ردّ وقد ذبحه الذابح إذ ذبحه، وهو حلال لـحلال، ثم أهداه إلـى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو حرام فردّه وقال: إنه لا يحلّ لنا لأنا حرم وإنـما ذكر فـيه أنه أهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم لـحم صيد فردّه، وقد يجوز أن يكون ردّه ذلك من أجل أن ذابحه ذبحه أو صائده صاده من أجله صلى الله عليه وسلم وهو مـحرم، وقد بـين خبر جابر عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم بقوله: " لَـحْمُ صَيْدِ البَرِّ للـمُـحْرِمِ حَلاَلٌ، إلاَّ ما صَادَهُ أوْ صِيدَ لَهُ ". معنى ذلك كله. فإذْ كان كلا الـخبرين صحيحاً مخرجهما، فواجب التصديق بهما وتوجيه كل واحد منهما إلـى الصحيح من وجه، وأن يقال ردّه ما ردّ من ذلك من أجل أنه كان صيد من أجله، وإذنه فـي كل ما أذن فـي أكله منه من أجل أنه لـم يكن صيد لـمـحرم ولا صاده مـحرم، فـيصحّ معنى الـخبرين كلـيهما....

              تعليق

              • اسامة محمد خيري
                Registered User
                • Dec 2008
                • 12975

                #247
                { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهَا وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ }

                حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يزيد بن هارون، عن ابن عون، عن عكرمة عن الأعمش، قال: هو الذي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أبـي؟. وقال سعيد بن جبـير: هم الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البحيرة والسائبة.

                وأولـى الأقوال بـالصواب فـي ذلك قول من قال: نزلت هذه الآية من أجل إكثار السائلـين رسول الله صلى الله عليه وسلم الـمسائل، كمسئلة ابن حذافة إياه من أبوه، ومسئلة سائله إذ قال: " إنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَـيْكُمْ الـحَجَّ " أفـي كلّ عام؟ وما أشبه ذلك من الـمسائل، لتظاهر الأخبـار بذلك عن الصحابة والتابعين وعامة أهل التأويـل، وأما القول الذي رواه مـجاهد عن ابن عبـاس، فقول غير بعيد من الصواب، ولكن الأخبـار الـمتظاهرة عن الصحابة والتابعين بخلافه، وكرهنا القول به من أجل ذلك. علـى أنه غير مستنكر أن تكون الـمسألة عن البحيرة والسائبة والوصيـلة والـحام كانت فـيـما سألوا النبـي صلى الله عليه وسلم عنه من الـمسائل التـي كره الله لهم السؤال عنها، كما كره الله لهم الـمسألة عن الـحجّ، أكلّ عام هو أم عاماً واحداً؟ وكما كره لعبد الله بن حذافة مسألته عن أبـيه، فنزلت الآية بـالنهي عن الـمسائل كلّها، فأخبر كلّ مخبر منهم ببعض ما نزلت الآية من أجله وأجل غيره. وهذا القول أولـى الأقوال فـي ذلك عندي بـالصحة، لأن مخارج الأخبـار بجميع الـمعانـي التـي ذُكرت صحاح، فتوجيهها إلـى الصواب من وجودها أوْلـى.
                ...

                وأما قوله: { عَفـا اللَّهُ عَنْها } فإنه يعنـي به: عفـا الله لكم عن مسألتكم عن الأشياء التـي سألتـم عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كره الله لكم مسألتكم إياه عنها، أن يؤاخذكم بها، أو يعاقبكم علـيها، إن عرف منها توبتكم وإنابتكم. { وَاللَّهُ غَفُورٌ } يقول: والله ساتر ذنوب من تاب منها، فتارك أن يفضحه فـي الآخرة { حَلِـيـمٌ } أن يعاقبه بها لتغمده التائب منها برحمته وعفوه، عن عقوبته علـيها.

                تعليق

                • اسامة محمد خيري
                  Registered User
                  • Dec 2008
                  • 12975

                  #248
                  وأولـى الأقوال فـي ذلك عندنا بـالصواب أن يقال: إن الـمعنـيـين بقوله: { وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ علـى اللَّهِ الكَذِبَ } الذين بحروا البحائر، وسيبوا السوائب، ووصلوا الوصائل، وحموا الـحوامي مثل عمرو بن لـحي وأشكاله، مـمن سنوا لأهل الشرك السنن الرديئة وغيروا دين الله دين الـحقّ وأضافوا إلـى الله تعالـى أنه هو الذي حرّم ما حرّموا وأحلّ ما أحلوا، افتراء علـى الله الكذب وهم يعلـمون، واختلافاً علـيه الإفك وهم يعمهون. فكذّبهم الله تعالـى فـي قـيـلهم ذلك، وإضافتهم إلـيه ما أضافوا من تـحلـيـل ما أحلوا وتـحريـم ما حرموا، فقال تعالـى ذكره: ما جعلت من بحيرة ولا سائبة، ولكن الكفـار هم الذين يفعلون ذلك ويفترون علـى الله الكذب. وأن يقال: إن الـمعنـيـين بقوله { وأكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ } هم أتبـاع من سنّ لهم هذه السنن من جهلة الـمشركين، فهم لا شكّ أنهم أكثر من الذين سنوا ذلك لهم فوصفهم الله تعالـى بأنهم لا يعقلون، لأنهم لـم يكونوا يعقلون أن الذين سنوا لهم تلك السنن، وأخبروهم أنها من عند الله كذبة فـي إخبـارهم أفكة، بل ظنوا أنهم فـيـما يقولون مـحقون فـي إخبـارهم صادقون. وإنـما معنى الكلام: وأكثرهم لا يعقلون أن ذلك التـحريـم الذي حرّمه هؤلاء الـمشركون وأضافوه إلـى الله تعالـى كذب وبـاطل. وهذا القول الذي قلنا فـي ذلك نظير قول الشعبـيّ الذي ذكرناه، ولا معنى لقول من قال: عنـى بـالذين كفروا: أهل الكتاب، وذلك أن النكير فـي ابتداء الآية من الله تعالـى علـى مشركي العرب، فـالـختـم بهم أولـى من غيرهم، إذ لـم يكن عرض فـي الكلام ما يصرف من أجله عنهم إلـى غيرهم. وبنـحو ذلك كان يقول قتادة.

                  تعليق

                  • اسامة محمد خيري
                    Registered User
                    • Dec 2008
                    • 12975

                    #249
                    وأولـى هذه الأقوال، وأصحّ التأويلات عندنا بتأويـل هذه الآية ما رُوي عن أبـي بكر الصدّيق فـيها، وهو: { يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَـيْكُمْ أنْفُسَكُمْ }: الزموا العمل بطاعة الله، وبـما أمركم به، وانتهوا عما نهاكم الله عنه. { لاَ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إذَا اهْتَدَيْتُـمْ } يقول: فإنه لا يضرّكم ضلال من ضلّ إذا أنتـم رمتـم العمل بطاعة الله، وأدّيتـم فـيـمن ضلّ من الناس ما ألزمكم الله به فـيه من فرض الأمر بـالـمعروف والنهي عن الـمنكر، الذي يركبه أو يحاول ركوبه، والأخذ علـى يديه إذا رام ظلـماً لـمسلـم أو معاهد ومنعه منه فأبى النزوع عن ذلك، ولا ضير علـيكم فـي تـماديه فـي غيه وضلاله إذا أنتـم اهتديتـم وأدّيتـم حقّ الله تعالـى فـيه.

                    وإنـما قلنا ذلك أولـى التأويلات فـي ذلك بـالصواب، لأن الله تعالـى أمر الـمؤمنـين أن يقوموا بـالقسط ويتعاونوا علـى البرّ والتقوى ومن القـيام بـالقسط: الأخذ علـى يد الظالـم ومن التعاون علـى البرّ والتقوى: الأمر بـالـمعروف.

                    وهذا مع ما تظاهرت به الأخبـار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمره بـالأمر بـالـمعروف والنهي عن الـمنكر ولو كان للناس تَرْك ذلك، لـم يكن للأمر به معنى إلا فـي الـحال التـي رخص فـيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك ذلك، وهي حال العجز عن القـيام به بـالـجوارح الظاهرة فـيكون مرخصاً له تركه إذا قام حينئذ بأداء فرض الله علـيه فـي ذلك بقلبه. وإذا كان ما وصفنا من التأويـل بـالآية أولـى، فبـيِّن أنه قد دخـل فـي معنى قوله: { إذا اهْتَدَيْتُـمْ } ما قاله حذيفة وسعيد بن الـمسيب، من أن ذلك: أذا أمرتـم بـالـمعروف ونهيتـم عن الـمنكر، ومعنى ما رواه أبو ثعلبة الـخشنـي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

                    تعليق

                    • اسامة محمد خيري
                      Registered User
                      • Dec 2008
                      • 12975

                      #250
                      واختلفوا فـي صفة الاثنـين اللذين ذكرهما الله فـي هذه الآية ما هي، وما هما؟ فقال بعضهم: هما شاهدان يشهدان علـى وصية الـموصي. وقال آخرون: هما وصيان.

                      وتأويـل الذين زعموا أنهما شاهدان، قوله: { شَهادَةُ بَـيْنِكُمْ } لـيشهد شاهدان ذوا عدل منكم علـى وصيتكم. وتأويـل الذين قالوا: هما وصيان لا شاهدان، قوله: { شَهادَةُ بَـيْنِكُمْ } بـمعنى الـحضور والشهود لـما يوصيهما به الـمريض، من قولك: شهدت وصية فلان، بـمعنى حضرته.

                      وأولـى التأويـلـين بقوله: { اثْنانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ } تأويـل من تأوّله بـمعنى: أنهما من أهل الـملة دون من تأوّله أنهما من حيّ الـموصي.

                      وإنـما قلنا ذلك أولـى التأويـلـين بـالآية، لأن الله تعالـى عم الـمؤمنـين بخطابهم بذلك فـي قوله: { يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَـيْنِكُمْ إذَا حَضَرَ أحَدَكُمُ الـمَوْتُ حِينَ الوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ } فغير جائز أن يُصرف ما عمه الله تعالـى إلـى الـخصوص إلا بحجة يجب التسلـيـم لها. وإذ كان ذلك كذلك، فـالواجب أن يكون العائد من ذكرهم علـى العموم، كما كان ذكرهم ابتداء علـى العموم.

                      وأَوْلَـى الـمعنـيـين بقوله: { شَهادَةُ بَـيْنِكُمْ } الـيـمين، لا الشهادة التـي يقوم بها من عنده شهادة لغيره لـمن هي عنده علـى من هي علـيه عند الـحكام لأنَّا لا نعلـم لله تعالـى حكماً يجب فـيه علـى الشاهد الـيـمين، فـيكون جائزاً صرف الشهادة فـي هذا الـموضع إلـى الشهادة التـي يقوم بها بعض الناس عند الـحكام والأئمة. وفـي حكم الآية فـي هذه الـيـمين علـى ذوي العدل، وعلـى من قام مقامهم فـي الـيـمين بقوله: { تَـحْبِسُوَنهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَـيُقْسمِانِ بـاللَّهِ } أوضح الدلـيـل علـى صحة ما قلنا فـي ذلك من أن الشهادة فـيه الأيـمان دون الشهادة التـي يقضي بها للـمشهود له علـى الـمشهود علـيه، وفساد ما خالفه. فإن قال قائل: فهل وجدت في حكم الله تعالى يميناً تجب على المدّعي فتوجه قولك في الشهادة في هذا الموضع إلى الصحة؟ فإن قلت: لا، تبين فساد تأويلك ذلك على ما تأوّلت، لأنه يجب على هذا التأويل أن يكون المقسمان في قوله:
                      { فإنْ عُثرَا على أنَّهُما اسْتَحَقَّا إثْماً فآخَرَانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيانِ فَيُقْسِمانِ باللَّهِ لشَهادَتُنا أحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما }
                      هما المدعيين. وإن قلت بلى، قيل لك: وفي أيّ حكم الله تعالى وجدت ذلك؟ قيل: وجدنا ذلك في أكثر المعاني، وذلك في حكم الرجل يدَّعي قِبَل رجل مالاً، فيقرّ به المدّعي عليه قبله ذلك ويدعي قضاءه، فيكون القول قول ربّ الدين، والرجل يعترف في يد الرجل السلعة، فيزعم المعترَفة في يده أنه اشتراها من المدّعي أو أن المدّعي وهبها له، وما أشبه ذلك مما يكثر إحصاؤه. وعلى هذا الوجه أوجب الله تعالى في هذا الموضع اليمين على المدّعيين اللذين عثرا على الجانيين فيما جنيا فيه....

                      وأولى هذه الأقوال في ذلك عندي بالصواب، قول من قال: الشهادة مرفوعة بقوله: { إذَا حَضَرَ } لأن قوله: { إذا حَضَرَ } بمعنى: عند حضور أحدكم الموت، والاثنان مرفوع بالمعنى المتوهم، وهو أن يشهد اثنان، فاكتفي من قيل أن يشهد بما قد جري من ذكر الشهادة في قوله: { شَهادَةُ بَيْنِكُمْ }.

                      وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن الشهادة مصدر في هذا الموضع، والاثنان اسم، والاسم لا يكون مصدراً، غير أن العرب قد تضع الأسماء مواضع الأفعال. فالأمر وإن كان كذلك، فصرف كل ذلك إلى أصحّ وجوهه ما وجدنا إليه سبيلاً أولى بنا من صرفه إلى أضعفها....

                      وأولى التأويلين في ذلك عندنا بالصواب تأويل من تأوّله: أو آخران من غير أهل الإسلام وذلك أن الله تعالى عرّف عباده المؤمنين عند الوصية شهادة اثنين من عدول المؤمنين أو اثنين من غير المؤمنين، ولا وجه لأن يقال في الكلام صفة شهادة مؤمنين منكم أو رجلين من غير عشيرتكم، وإنما يقال: صفة شهادة رجلين من عشيرتكم أو من غير عشيرتكم، أو رجلين من المؤمنين أو من غير المؤمنين. فإذ كان لا وجه لذلك في الكلام، فغير جائز صرف مغلق كلام الله تعالى إلا إلى أحسن وجوهه. وقد دللنا قبل على أن قوله تعالى: { ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ } إنما هو من أهل دينكم وملتكم بما فيه كفاية لمن وفق لفهمه. وإذا صحّ ذلك بما دللنا عليه، فمعلوم أن معنى قوله: { أوْ آخَرَانِ مِنْ غيرِكُمْ } إنما هو: أو آخران من غير أهل دينكم وملتكم. وإذ كان ذلك كذلك، فسواء كان الآخران اللذان من غير أهل ديننا يهوديين كانا أو نصرانيين أو مجوسيين أو عابدي وثن أو على أيّ دين كانا، لأن الله تعالى لم يخصص آخرين من أهل ملة بعينها دون ملة بعد ألاّ يكونا من (غير) أهل الإسلام....

                      وأولى القولين في ذلك بالصواب عندنا، قول من قال: تحبسونهما من بعد صلاة العصر لأن الله تعالى عرّف الصلاة في هذا الموضع بإدخال الألف واللام فيها، ولا تدخلهما العرب إلاَّ في معروف، إما في جنس، أو في واحد معهود معروف عند المتخاطبين. فإذا كان كذلك، وكانت الصلاة في هذا الموضع مجمعاً على أنه لم يعن بها جميع الصلوات، لم يجز أن يكون مراداً بها صلاة المستحلف من اليهود والنصارى، لأن لهم صلوات ليست واحدة، فيكون معلوماً أنها المعنية بذلك. فإذ كان ذلك كذلك، صحّ أنها صلاة بعينها من صلوات المسلمين. وإذ كان ذلك كذلك، وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم صحيحاً عنه أنه إذ لاعن بين العجلانيين لاعن بينهما بعد العصر دون غيرها من الصلوات، كان معلوماً أن التي عنيت بقوله: { تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ } هي الصلاة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخيرها لاستحلاف من أراد تغليظ اليمين عليه. هذا مع ما عند أهل الكفر بالله من تعظيم ذلك الوقت، وذلك لقربه من غروب الشمس. ..

                      وأولى القراءات في ذلك عندنا بالصواب، قراءة من قرأ: { وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللّهِ } بإضافة الشهادة إلى اسم «الله» وخفض اسم «الله»، لأنها القراءة المستفيضة في قراءة الأمصار التي لا يتناكر صحتها الأمة. وكان ابن زيد يقول في معنى ذلك: ولا نكتم شهادة الله وإن كان صاحبها بعيداً.

                      تعليق

                      • اسامة محمد خيري
                        Registered User
                        • Dec 2008
                        • 12975

                        #251
                        والصواب من القول في ذلك عندنا، أن الشاهدين ألزما اليمين في ذلك باتهام ورثة الميت إياهما فيما دفع إليهما الميت من ماله، ودعواهم قبلها خيانة مال معلوم المبلغ، ونقلت بعد إلى الورثة عند ظهور الريبة التي كانت من الورثة فيهما، وصحة التهمة عليهما بشهادة شاهد عليهما أو على أحدهما، فيحلف الوارث حينئذٍ مع شهادة الشاهد عليهما أو على أحدهما إنما صحح دعواه إذا حقق حقه، أو الإقرار يكون من الشهود ببعض ما ادّعى عليهما الوارث أو بجميعه، ثم دعواهما في الذي أقرّا به من مال الميت ما لا يقبل فيه دعواهما إلاَّ ببينة، ثم لا يكون لهما على دعواهما تلك بينة، فينقل حينئذٍ اليمين إلى أولياء الميت.

                        وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال في ذلك بالصحة، لأنا لا نعلم من أحكام الإسلام حكماً يجب فيه اليمين على الشهود ارتيب بشهادتهما أو لم يرتب بها، فيكون الحكم في هذه الشهادة نظيراً لذلك. ولم نجد ذلك كذلك صحّ بخبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم ولا بإجماع من الأمة، لأن استحلاف الشهود في هذا الموضع من حكم الله تعالى، فيكون أصلاً مسلماً. والمقول إذا خرج من أن يكون أصلاً أو نظيراً لأصل فيما تنازعت فيه الأمة، كان واضحاً فساده. وإذا فسد هذا القول بما ذكرناه، فالقول بأن الشاهدين استحلفا من أجل أنهما ادّعيا على الميت وصية لهما بمال من ماله أفسد من أجل أن أهل العلم لا خلاف بينهم في أن من حكم الله تعالى أن مدّعياً لو ادّعى في مال ميت وصية أن القول قول ورثة المدّعي في ماله الوصية مع أيمانهم، دون قول مدّعي ذلك مع يمينه، وذلك إذا لم يكن للمدّعي بينة. وقد جعل الله تعالى اليمين في هذه الآية على الشهود إذا ارتيب بهما، وإنما نقل الإيمان عنهم إلى أولياء الميت، إذا عُثِر على أن الشهود استحقوا إثماً في أيمانهم فمعلوم بذلك فساد قول من قال: ألزم اليمين الشهود لدعواهم لأنفسهم وصية أوصى بها لهم الميت في ماله، ...

                        واختلفت القرّاء في قراءة قوله: { مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ } فقرأ ذلك قرّاء الحجاز والعراق والشام: «مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ» بضم التاء. ورُوِي عن عليّ وأبي بن كعب والحسن البصري أنهم قرءوا ذلك: { مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ } بفتح التاء.

                        واختلفت أيضاً في قراءة قوله: { الأوْلَيانِ } فقرأته عامَّة قرّاء أهل المدينة والشام والبصرة: { الأوْلَيانِ } ، وقرأ ذلك عامة قرّاء أهل الكوفة: «الأولين». وذكر عن الحسن البصري أنه كان يقرأ ذلك: «مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوَّلانِ».

                        وأولى القراءتين بالصواب في قوله: «مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِم» قراءة من قرأ بضمّ التاء، لإجماع الحجة من القرّاء عليه، مع مساعدة عامَّة أهل التأويل على صحة تأويله، وذلك إجماع عامتهم على أن تأويله: فآخران من أهل الميت الذين استحقّ المؤتمنان على مال الميت الإثم فيهم، يقومان مقام المستحقّ الإثم فيهما بخيانتهما ما خانا من مال الميت....

                        وأحسب أن الذين قرءوا ذلك بفتح التاء، أرادوا أن يوجهوا تأويله إلى: فَآخران يقومان مقامهما مقام المؤتمنين اللذين عثر على خيانتهما في القسم والاستحقاق به عليهما دعواهما قبلهما من الذين استحقّ على المؤتمنين على المال على خيانتهما القيام مقامهما في القسم والاستحقاق في الأوليان بالميت. وكذلك كانت قراءة من رُوِيت هذه القراءة عنه، فقرأ ذلك: { مِنَ الَّذِينَ استَحَقَّ } بفتح التاء على معنى: الأوليان بالميت وماله. وذلك مذهب صحيح وقراءة غير مدفوعة صحتها، غير أنا نختار الأخرى لإجماع الحجة من القرّاء عليها مع موافقتها التأويل الذي ذكرنا عن الصحابة والتابعين....

                        وأما أولى القراءات بالصواب في قوله: { الأَوْلَيانِ } عندي، فقراءة من قرأ: { الأوْلَيانِ } بصحة معناها وذلك لأن معنى: فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق فيهم الإثم، ثم حذف «الإثم» وأقيم مقامه «الأوليان»، لأنهما هما اللذان ظلما وأثما فيهما بما كان من خيانة اللذين استحقا الإثم وعثر عليهما بالخيانة منهما فيما كان ائتمنهما عليه الميت، كما قد بينا فيما مضى من فعل العرب مثل ذلك من حذفهم الفعل اجتزاء بالاسم، وحذفهم الاسم اجتزاء بالفعل. ومن ذلك ما قد ذكرنا في تأويل هذه القصة، وهو قوله:
                        { شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إذَا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ حِينَ الوَصِيَّةِ اثْنانِ }
                        ومعناه: أن يشهد اثنان، وكما قال:
                        { فَيُقْسِمان باللّهِ إنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي به ثَمَناً }
                        فقال «به»، فعاد بالهاء على اسم «الله» وإنما المعنى: لا نشتري بقسمنا بالله، فاجتزىء بالعود على اسم الله بالذكر، والمراد به: لا نشتري بالقسم بالله استغناء بفهم السامع بمعناه عن ذكر اسم القسم. وكذلك اجتزىء بذكر الأوليين من ذكر الإثم الذي استحقه الخائنان لخيانتهما إياها، إذ كان قد جرى ذكر ذلك بما أغنى السامع عند سماعه إياه عن إعادته، وذلك قوله: { فإنْ عُثِرَ على أنَّهُما اسْتَحَقَّا إثْماً }. وأما الذين قرءوا ذلك «الأوّلين» فإنهم قصدوا في معناه إلى الترجمة به عن «الذين»، فأخرجوا ذلك على وجه الجمع، إذ كان «الذين» جمعاً وخفضاً، إذ كان «الذين» مخفوضاً. وذلك وجه من التأويل، غير أنه إنما يقال للشيء أوّل إذا كان له آخر هو له أوّل، وليس للذين استحقّ عليهم الإثم آخرهم له أوّل، بل كانت أيمان الذين عثر على أنهما استحقا إثماً قبل أيمانهم، فهم إلى أن يكونوا إذ كانت أيمانهم آخراً أولى أن يكونوا آخرين من أن يكونوا أوّلين وأيمانهم آخرة لأولى قبلها....

                        والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: «الأوليان» مرفوعان بما لم يسمّ فاعله، وهو قوله: «اسْتُحِقَّ عَلَيْهِم» وأنهما موضع الخبر عنهما، فعمل فيهما ما كان عاملاً في الخبر عنهما وذلك أن معنى الكلام: فآخران يقومان مقامهما من الذين استحقّ عليهم الإثم بالخيانة، فوضع «الأوليان» موضع «الإثم» كما قال تعالى في موضع آخر: أجَعَلْتُمْ سقايَةَ الحاجّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرَام كمَنْ آمَنَ باللّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ومعناه: أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كإيمان من آمن بالله واليوم الآخر؟ وكما قال: وأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ العِجْلَ بِكُفْرِهِمْ، وكما قال بعض الهذليين:
                        يُمَشِّي بَيْنَنا حانُوتُ خَمْرٍ مِنَ الخُرْسِ الصَّرَاصِرَةِ القِطاطِ
                        وهو يعني صاحب حانوت خمر، فأقام الحانوت مقامه لأنه معلوم أن الحانوت لا يمشي، ولكن لما كان معلوماً عنده أنه لا يخفى على سامعه ما قصد إليه من معناه حذف الصاحب، واجتزأ بذكر الحانوت منه، فكذلك قوله: «مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيانِ» إنما هو من الذين استحقّ فيهم خيانتهما، فحذفت «الخيانة» وأقيم «المختانان» مقامها، فعمل فيهما ما كان يعمل في المحذوف ولو ظهر. وأما قوله: «عليهم» في هذا الموضع، فإن معناها: فيهم، كما قال تعالى:
                        { وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ على مُلْكِ سُلَيْمانَ }
                        يعني: في ملك سليمان، وكما قال: ولأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ ف «في» توضع موضع «على»، و «على» في موضع «في» كل واحدة منهما تعاقب صاحبتها في الكلام..

                        قال الإمام أبو جعفر: فذهب ابن عباس فيما أرى إلى نحو القول الذي حكيت عن شريح وقتادة، من أن ذلك رجلان آخران من المسلمين يقومان مقام النصرانِييَّن، أو عَدْلان من المسلمين هما أعدل وأجوز شهادة من الشاهدين الأوّلين أو المُقسِمَين. وفي إجماع جميع أهل العلم على أن لا حكم لله تعالى يجب فيه على شاهد يمين فيما قام به من الشهادة، دليل واضح على أن غير هذا التأويل الذي قاله الحسن ومن قال بقوله في قول الله تعالى: { فَآخَرَانِ يَقُومانِ مَقامَهُما } أولى به.

                        وأما قوله { الأوْلَيانِ } فإن معناه عندنا: الأولى بالميت من المقسمين الأوّلين فالأولى، وقد يحتمل أن يكون معناه: الأولى باليمين منهما فالأولى، ثم حذف «فيهما» والعرب تفعل ذلك فتقول: فلان أفضل، وهي تريد أفضل منك، وذلك إذا وضع أفعل موضع الخبر. وإن وقع موقع الاسم وأدخلت فيه الألف واللام، فعلوا ذلك أيضاً إذا كان جواباً لكلام قد مضى، فقالوا: هذا الأفضل، وهذا الأشرف يريدون هو الأشرف منك. وقال ابن زيد: معنى ذلك: الأوليان بالميت....

                        تعليق

                        • اسامة محمد خيري
                          Registered User
                          • Dec 2008
                          • 12975

                          #252
                          حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: هي منسوخة. يعني هذه الآية:
                          { يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ }
                          الآية.

                          وقال جماعة: هي محكمة وليست بمنسوخة. وقد ذكرنا قول أكثرهم فيما مضى.

                          والصواب من القول في ذلك أن حكم الآية منسوخ، وذلك أن من حكم الله تعالى ذكره الذي عليه أهل الإسلام، من لدن بعث الله تعالى ذكره نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم، إلى يومنا هذا، أن من ادُّعِيَ عليه دعوى مما يملكه بنو آدم أن المدَّعى عليه لا يبرئه مما ادُّعِيَ عليه إلاَّ اليمين إذا لم يكن للمدّعي بينة تصحح دعواه، وأنه إن اعترف وفي يدي المدّعى سلعة له، فادّعى أنها له دون الذي في يده، فقال الذي هي في يده: بل هي لي اشتريتها من هذا المدّعي، أن القول قول من زعم الذي هي في يده أنه اشتراها منه دون من هي في يده مع يمينه إذا لم يكن للذي هي في يده بينة تحقق به دعواه الشراء منه. فإذ كان ذلك حكم الله الذي لا خلاف فيه بين أهل العلم، وكانت الآيتان اللتان ذكر الله تعالى ذكره فيهما أمر وصية الموصي إلى عدلين من المسلمين أو إلى آخرَيْن من غيرهم، إنما ألزَم النبيّ صلى الله عليه وسلم فيما ذكر عنه الوصيين اليمين حين ادّعى عليهما الورثة ما ادّعوا ثم لم يُلزم المدّعى عليهما شيئاً إذ حلفا، حتى اعترفت الورثة في أيديهما ما اعترفوا من الجام أو الإبريق أو غير ذلك من أموالهم فزعما أنهما اشترياه من ميتهم، فحينئذٍ ألزم النبيّ صلى الله عليه وسلم ورثة الميت اليمين، لأن الوصيين تحوّلا مدّعِيَين بدعواهما ما وجدا في أيديهما من مال الميت أنه لهما اشتريا ذلك منه فصارا مقرّين بالمال للميت مدّعيين منه الشراء، فاحتاجا حينئذٍ إلى بينة تصحح دعواهما وورثة الميت ربّ السلعة أولى باليمين منهما، فذلك قوله تعالى:

                          { فإنْ عُثرَ على أنَّهُما اسْتَحَقَّا إثْماً فآخَرَانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ فَيُقْسِمانِ باللّهِ لَشَهادَتُنا أحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما }
                          الآية. فإذا كان تأويل ذلك كذلك فلا وجه لدعوى مدّع أن هذه الآية منسوخة، لأنه غير جائز أن يقضى على حكم من أحكام الله تعالى ذكره أنه منسوخ إلاَّ بخبر يقطع العذر إما من عند الله أو من عند رسوله صلى الله عليه وسلم، أو بورود النقل المستفيض بذلك، فأما ولا خبر بذلك، ولا يدفع صحته عقل، فغير جائز أن يقضى عليه بأنه منسوخ

                          تعليق

                          • اسامة محمد خيري
                            Registered User
                            • Dec 2008
                            • 12975

                            #253
                            وأولى الأقوال بالصواب قول من قال: معناه: لا علم لنا إلا علم أنت أعلم به منا، لأنه تعالى ذكره أخبر عنهم أنهم قالوا: { لا عِلْمَ لَنا إلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إنَّكَ أنْتَ عَلاَّمُ الغُيُوبِ }: أي أنك لا يخفى عليك ما عندنا من علم ذلك ولا غيره من خفي العلوم وجليها. فإنما نفي القوم أن يكون لهم بما سئلوا عنه من ذلك علم لا يعلمه هو تعالى ذكره، لا أنهم نفوا أن يكونوا علموا ما شاهدوا، كيف يجوز أن يكون ذلك كذلك وهو تعالى ذكره يخبر عنهم أنهم يخبرون بما أجابتهم به الأمم وأنهم سيشهدون على تبليغهم الرسالة شهداء، فقال تعالى ذكره:
                            { وكَذَلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ على النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً }
                            وأما الذي قاله ابن جريج من أن معناه: ماذا عملت الأمم بعدكم؟ وماذا أحدثوا؟ فتأويل لا معنى له، لأن الأنبياء لم يكن عندها من العلم بما يحدث بعدها إلا ما أعلمها الله من ذلك، وإذا سئلت عما عملت الأمم بعدها والأمر كذلك فإنما يقال لها: ماذا عرّفناك أنه كائن منهم بعدك؟ وظاهر خبر الله تعالى ذكره عن مسألته إياهم يدلّ على غير ذلك

                            تعليق

                            • اسامة محمد خيري
                              Registered User
                              • Dec 2008
                              • 12975

                              #254
                              وأولى القراءتين عندي بالصواب قراءة من قرأ ذلك: { هَلْ يَسْتَطِيعُ } بالياء { رَبُّكَ } برفع الربّ، بمعنى: هل يستجيب لك إن سألته ذلك ويطيعك فيه؟

                              وإنما قلنا ذلك أولى القراءتين بالصواب لما بينا قبل من أن قوله: { إذْ قالَ الحَوَارِيُّونَ } من صلة «إذ أوحيت»، وأن معنى الكلام: وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي { إذْ قالَ الحَوَارِيُّونَ يا عيِسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ }. فبين إذ كان ذلك كذلك، أن الله تعالى ذكره قد كره منهم ما قالوا من ذلك واستعظمه، وأمرهم بالتوبة ومراجعة الإيمان من قيلهم ذلك، والإقرار لله بالقدرة على كلّ شيء، وتصديق رسوله فيما أخبرهم عن ربهم من الأخبار. وقد قال عيسى لهم عند قيلهم ذلك له استعظاماً منه لما قالوا: { اتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } ففي استتابة الله إياهم، ودعائه لهم إلى الإيمان به وبرسوله صلى الله عليه وسلم عند قيلهم ما قالوا من ذلك، واستعظام نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كلمتهم، الدلالة الكافية من غيرها على صحة القراءة في ذلك بالياء ورفع الربّ إذ كان لا معنى في قولهم لعيسى لو كانوا قالوا له: هل تستطيع أن تسأل ربك أن ينزّل علينا مائدة من السماء؟ أن تستكبر هذا الاستكبار.

                              فإن ظنّ ظانّ أن قولهم ذلك له إنما هو استعظام منهم، لأن ذلك منهم كان مسألة آية، فإن الآية إنما يسألها الأنبياء من كان بها مكذّباً، ليتقرّر عنده حقيقة ثبوتها وصحة أمرها، كما كانت مسألة قريش نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم أن يحوّل لهم الصفا ذهباً ويفجِّر فجاج مكة أنهاراً من سأله من مشركي قومه، وكما كانت مسألة صالح الناقة من مكذّبي قومه، ومسألة شعيب أن يسقط كِسْفاً من السماء من كفار من أرسل إليهم. وكان الذين سألوا عيسى أن يسأل ربه أن ينزّل عليهم مائدة من السماء، على هذا الوجه كانت مسألتهم، فقد أحلهم الذين قرءوا ذلك بالتاء ونصب الربّ محلاًّ أعظم من المحلّ الذي ظنوا أنهم نزّهوا ربهم عنه، أو يكونوا سألوا ذلك عيسى وهم موقنون بأنه لله نبيّ مبعوث ورسول مرسل، وأن الله تعالى على ما سألوا من ذلك قادر. فإن كانوا سألوا ذلك وهم كذلك، وإنما كانت مسألتهم إياه ذلك على نحو ما يسأل أحدهم نبيه، إذا كان فقيراً أن يسأل له ربه أن يغنيه، وإن عرضت به حاجة أن يسأل له ربه أن يقضيها، فأنَّى ذلك من مسألة الآية في شيء؟ بل ذلك سؤال ذي حاجة عرضت له إلى ربه، فسأل نبيه مسألة ربه أن يقضيها له. وخبر الله تعالى عن القوم ينبىء بخلاف ذلك، وذلك أنهم قالوا لعيسى، إذ قال لهم:
                              { اتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قَالُوا نُرِيدُ أنْ نَأكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أنْ قَدْ صَدَقْتَنا }
                              فقد أنبأ هذا من قيلهم أنهم لم يكونوا يعلمون أن عيسى قد صدقهم، ولا اطمأنت قلوبهم إلى حقيقة نبوّته، فلا بيان أبين من هذا الكلام في أن القوم كانوا قد خالط قلوبهم مرض وشكّ في دينهم وتصديق رسولهم، وأنهم سألوا ما سألوا من ذلك اختباراً.

                              تعليق

                              • اسامة محمد خيري
                                Registered User
                                • Dec 2008
                                • 12975

                                #255
                                وقال آخرون: معنى قوله { عِيداً } عائدة من الله تعالى علينا حجة وبرهاناً.

                                وأولى الأقوال بالصواب قول من قال: معناه: تكون لنا عيداً، نعبد ربنا في اليوم الذي تنزل فيه ونصلي له فيه، كما يعيِّد الناس في أعيادهم. لأن المعروف من كلام الناس المستعمل بينهم في العيد ما ذكرنا دون القول الذي قاله من قال معناه: عائدة من الله علينا وتوجيه معاني كلام الله إلى المعروف من كلام من خوطب به أولى من توجيهه إلى المجهول منه ما وجد إليه السبيل.

                                وأما قوله: { لأَوَّلِنا وآخِرِنا } فإن الأولى من تأويله بالصواب قول من قال: تأويله للأحياء منا اليوم ومن يجيء بعدنا منا للعلة التي ذكرناها في قوله: { تَكُونُ لَنا عِيداً } لأن ذلك هو الأغلب من معناه...

                                والصواب من القول عندنا في ذلك أن يقال: إن الله تعالى أنزل المائدة على الذين سألوا عيسى مسألته ذلك ربه. وإنما قلنا ذلك للخبر الذي روينا بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأهل التأويل من بعدهم غير من انفرد بما ذكرنا عنه. وبعد، فإن الله تعالى لا يخلف وعده ولا يقع في خبره الخلف، وقد قال تعالى مخبراً في كتابه عن إجابة نبيه عيسى صلى الله عليه وسلم حين سأله ما سأله من ذلك: { إنّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ } ، وغير جائز أن يقول تعالى ذكره إني منزلها عليكم، ثم لا ينزلها لأن ذلك منه تعالى خبر، ولا يكون منه خلاف ما يخبر. ولو جاز أن يقول: إني منزلها عليكم، ثم لا ينزلها عليهم، جاز أن يقول:
                                { فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فإنّي أُعَذّبُهُ عَذَاباً لا أُعَذّبُهُ أحَداً مِن العالَمِينَ }
                                ثم يكفر منهم بعد ذلك فلا يعذّبه، فلا يكون لوعده ولا لوعيده حقيقة ولا صحة، وغير جائز أن يوصف ربنا تعالى بذلك.

                                وأما الصواب من القول فيما كان على المائدة، فأن يقال: كان عليها مأكول، وجائز أن يكون كان سمكاً وخبزاً، وجائز أن يكون كان ثمراً من ثمر الجنة وغير نافع العلم به ولا ضارّ الجهل به إذا أقرّ تالي الآية بظاهر ما احتمله التنزيل.

                                تعليق

                                يعمل...