إرشاد النحرير لترجيحات الامام ابن جرير

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • اسامة محمد خيري
    Registered User
    • Dec 2008
    • 12975

    #376
    واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأ عامة أهل المدينة والكوفة: { عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ } بفتح السين، بمعنى النعت للدائرة، وإن كانت الدائرة مضافة إليه، كقولهم: هو رجل السوء، وامرؤ الصدق، كأنه إذا فتح مصدر من قولهم: سؤته أسوءة سَوْءا ومساءة ومَسَائِيةً. وقرأ ذلك بعض أهل الحجاز وبعض البصريين: «عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السُّوء» بضمّ السين كأنه جعله اسما، كما يقال عليه دائرة البلاء والعذاب. ومن قال: { عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السُّوءِ } فضمّ، لم يقل هذا رجل السُّوء بالضمّ، والرجل السُّوء، وقال الشاعر:
    وكُنْتَ كَذِئْبَ السَّوْءِ لَمَّا رأى دَماً بِصَاحِبِه يَوْماً أحالَ عَلى الدَّم
    والصواب من القراءة في ذلك عندنا بفتح السين، بمعنى: عليهم الدائرة التي تسوءهم سَوْءاً كما يقال هو رجلٌ صِدْقٌ على وجه النعت.

    تعليق

    • اسامة محمد خيري
      Registered User
      • Dec 2008
      • 12975

      #377
      والقراءة على خفض «الأنصار» عطفا بهم على «المهاجرين». وقد ذكر عن الحسن البصري أنه كان يقرأ: «الأنصارُ» بالرفع عطفا بهم على «السابقين».

      والقراءة التي لا أستجيز غيرها الخفض في «الأنصار»، لإجماع الحجة من القرّاء عليه، وأن السابق كان من الفريقين جميعاً من المهاجرين والأنصار. وإنما قصد الخبر عن السابق من الفريقين دون الخبر عن الجميع، وإلحاق الواو في «الذين اتبعوهم بإحسان»، لأن ذلك كذلك في مصاحف المسلمين جميعاً، على أن التابعين بإحسان غير المهاجرين والأنصار. وأما السابقون فإنهم مرفوعون بالعائد من ذكرهم في قوله: { رَضِي اللَّهُ عَنْهُمْ ورضُوا عَنْهُ } ومعنى الكلام: رضي الله عن جميعهم لما أطاعوه وأجابوا نبيه إلى ما دعاهم إليه من أمره ونهيه، ورضي عنه السابقون الأوّلون من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان لما أجزل لهم من الثواب على طاعتهم إياه وإيمانهم به وبنبيه عليه الصلاة والسلام، وأعدّ لهم جنات تجري تحتها الأنهار يدخلونها خالدين فيها لابثين فيها أبداً لا يموتون فيها ولا يخرجون منها، { ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ }.

      تعليق

      • اسامة محمد خيري
        Registered User
        • Dec 2008
        • 12975

        #378
        وقال آخرون: بل إحدى المرّتين: أخذ الزكاة من أموالهم، والأخرى: عذاب القبر. ذُكر ذلك عن سليمان بن أرقم، عن الحسن.

        وقال آخرون: بل إحدى المرّتين عذابهم بما يدخل عليهم من الغيظ في أمر الإسلام. ذكر من قال ذلك:

        حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: { سَنُعَذّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ } قال: العذاب الذي وعدهم مرّتين فيما بلغني عنهم ما هم فيه من أمر الإسلام وما يدخل عليهم من غيظ ذلك على غير حسبة، ثم عذابهم في القبر إذ صاروا إليه، ثم العذاب العظيم الذي يردّونَ إليه عذاب الآخرة ويخلدون فيه.

        قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي أن يقال: إن الله أخبر أنه يعذب هؤلاء الذين مردوا على النفاق مرّتين، ولم يضع لنا دليلاً نتوصل به إلى علم صفة ذينك العذابين وجائز أن يكون بعض ما ذكرنا عن القائلين ما أنبئنا عنهم، وليس عندنا علم بأيّ ذلك من بأيّ. على أن في قوله جلّ ثناؤه: { ثُمَّ يِرَدُّونَ إلى عَذَابٍ عَظِيمٍ } دلالة على أن العذاب في المرّتين كلتيهما قبل دخولهم النار، والأغلب من إحدى المرّتين أنها في القبر. وقوله: { ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذَابٍ عَظِيمٍ } يقول: ثم يردّ هؤلاء المنافقون بعد تعذيب الله إياهم مرّتين إلى عذاب عظيم، وذلك عذاب جهنم.

        تعليق

        • اسامة محمد خيري
          Registered User
          • Dec 2008
          • 12975

          #379
          فإن قال قائل: وكيف قيل: خلطوا عملاً صالحا وآخر سيئا، وإنما الكلام: خلطوا عملاً صالحا بآخر سيىء؟ قيل: قد اختلف أهل العربية في ذلك، فكان بعض نحويي البصرة يقول: قيل ذلك كذلك، وجائز في العربية أن يكون بآخر كما تقول: استوى الماء والخشبة أي بالخشبة، وخلطت الماء واللبن. وأنكر آخرون أن يكون نظير قولهم: استوى الماء والخشبة. واعتلّ في ذلك بأن الفعل في الخلط عامل في الأول والثاني، وجائز تقديم كلّ واحد منهما على صاحبه، وأن تقديم الخشبة على الماء غير جائز في قولهم: استوى الماء والخشبة، وكان ذلك عندهم دليلاً على مخالفة ذلك الخلط. قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أنه بمعنى قولهم: خلطت الماء واللبن، بمعنى خلطته باللبن....


          قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك قول من قال: نزلت هذه الآية في المعترفين بخطأ فعلهم في تخلفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركهم الجهاد معه والخروج لغزو الروم حين شخص إلى تبوك، وأن الذين نزل فيهم جماعة أحدهم أبو لبابة/

          وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب في ذلك، لأن الله جلّ ثناؤه قال: وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ فأخبر عن اعتراف جماعة بذنوبهم، ولم يكن المعترف بذنبه الموثق نفسه بالسارية في حصار قريظة غير أبي لبابة وحده. فإذا كان ذلك، وكان الله تبارك وتعالى قد وصف في قوله: { وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ } بالاعتراف بذنوبهم جماعة، علم أن الجماعة الذين وصفهم بذلك السبب غير الواحد، فقد تبين بذلك أن هذه الصفة إذا لم تكن إلا لجماعة، وكان لا جماعة فعلت ذلك فيما نقله أهل السير والأخبار وأجمع عليه أهل التأويل إلا جماعة من المتخلفين عن غزوة تبوك صحّ ما قلنا في ذلك، وقلنا: كان منهم أبو لبابة لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك.

          تعليق

          • اسامة محمد خيري
            Registered User
            • Dec 2008
            • 12975

            #380
            واختلف أهل العربية في وجه رفع «تزكيهم»، فقال بعض نحويي البصرة: رفع «تزكيهم بها» في الابتداء وإن شئت جعلته من صفة الصدقة، ثم جئت بها توكيداً، وكذلك «تطهرهم». وقال بعض نحويي الكوفة: إن كان قوله: { تُطَهِّرُهُمْ } للنبيّ عليه الصلاة والسلام فالاختيار أن تجزم بأنه لم يعد على الصدقة عائد، { وَتُزَكِّيهِمْ } مستأنف، وإن كانت الصدقة تطهرهم وأنت تزكيهم بها جاز أن تجزم الفعلين وترفعهما.

            قال أبو جعفر: والصواب في ذلك من القول أن قوله: { تُطَهِّرُهُمْ } من صلة «الصدقة»، لأن القرّاء مجمعة على رفعها، وذلك دليل على أنه من صلة الصدقة. وأما قوله: { وَتُزَكِّيهِم بها } فخبر مستأنف، بمعنى: وأنت تزكيهم بها، فلذلك رفع.

            تعليق

            • اسامة محمد خيري
              Registered User
              • Dec 2008
              • 12975

              #381
              حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: المسجد الذي أسس على التقوى: مسجد قباء.

              حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عروة بن الزبير: الذين بني فيهم المسجد الذي أسس على التقوى، بنو عمرو بن عوف.

              قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قالّ: هو مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم لصحة الخبر بذلك عن رسول الله. ذكر من قال ذلك:

              حدثنا أبو كريب وابن وكيع، قال أبو كريب: ثنا وكيع، وقال ابن وكيع: ثنا أبي، عن ربيعة بن عثمان التيمي، عن عمران بن أبي أنس رجل من الأنصار، عن سهل بن سعد، قال: اختلف رجلان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد الذي أسس في التقوى، فقال أحدهما: هو مسجد النبيّ وقال الآخر: هو مسجد قباء. فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألاه، فقال: " هُوَ مَسْجِدِي ". هذا اللفظ لحديث أبي كريب، وحديث سفيان نحوه....

              تعليق

              • اسامة محمد خيري
                Registered User
                • Dec 2008
                • 12975

                #382
                واختلفت القرّاء في قراءة قوله: { إلاَّ أنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ } فقرأ ذلك بعض قرّاء الحجاز والمدينة والبصرة والكوفة: « إلاَّ أنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ » بضمّ التاء من «تقطع»، على أنه لم يسمّ فاعله، وبمعنى: إلا أن يقطع الله قلوبهم. وقرأ ذلك بعض قرّاء المدينة والكوفة: { إلاَّ أنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ } بفتح التاء من تقطَّع على أن الفعل للقلوب. بمعنى: إلا أن تنقطع قلوبهم، ثم حذفت إحدى التاءين. وذكر أن الحسن كان يقرأ: « إلاَّ أنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ » بمعنى: حتى تتقطع قلوبهم. وذكر أنها في قراءة عبد الله: «وَلَوْ قُطِّعَتْ قُلُوبهُمْ» وعلى الاعتبار بذلك قرأ من ذلك: «إلاَّ أنْ تُقَطَّعَ» بضم التاء.

                والقول عندي في ذلك أن الفتح في التاء والضم متقارباً المعنى، لأن القلوب لا تتقطع إذا تقطعت إلا بتقطيع الله إياها، ولا يقطعها الله إلا وهي متقطعة. وهما قراءتان معروفتان قد قرأ بكل واحدة منهما جماعة من القرّاء، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب الصواب في قراءته. وأما قراءة من قرأ ذلك: «إلى أن تُقْطَّعَ»، فقراءة لمصاحف المسلمين مخالفة، ولا أرى القراءة بخلاف ما في مصاحفهم جائزة.

                تعليق

                • اسامة محمد خيري
                  Registered User
                  • Dec 2008
                  • 12975

                  #383
                  وقال آخرون: معناه تبين له في الآخرة وذلك أن أباه يتعلق به إذا أراد أن يجوز الصراط فيمرّ به عليه، حتى إذا كاد يجاوزه حانت من إبراهيم التفاتة فإذا هو بأبيه في صورة قرد أو ضبع، فخَلَّى عنه وتبرأ منه حينئذ. ذكر من قال ذلك:

                  حدثنا عمرو بن عليّ، قال: ثنا حفص بن غياث، قال: ثنا عبد الله بن سليمان، قال: سمعت سعيد ابن جبير يقول: إن إبراهيم يقول يوم القيامة: ربّ والدي ربّ والدي فإذا كان الثالثة أخذ بيده، فيلتفت إليه وهو ضبعان فيتبرأ منه.

                  حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن عبيدة بن عمير، قال: إنكم مجموعون يوم القيامة في صعيد واحد يسمعكم الداعي وينفذكم البصر، قال: فتزفر جهنم زفرة لا يبقى ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل إلا وقع لركبتيه ترعد فرائصه. قال: فحسبته يقول: نفسي نفسي قال: ويضرب الصراط على جسر جهنم كحدّ السيف، وحضر من له وفي جانبيه ملائكة معهم خطاطيف كشوك السعدان. قال: فيمضون كالبرق وكالريح وكالطير، وكأجاويد الركاب، وكأجاويد الرجال، والملائكة يقولون: ربّ سلّم سلّم فناج سالم، ومخدوش ناج، ومكدوس في النار. يقول إبراهيم لأبيه: إني آمرك في الدنيا فتعصيني ولست تاركك اليوم، فخذ بحقويّ فيأخذ بضبعيه، فيمسخ ضبعاً، فإذا رآه قد مسخ تبرأ منه.

                  وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول الله، وهو خبره عن إبراهيم أنه لما تبين له أن أباه لله عدوُ تبرأ منه، وذلك حال علمه ويقينه أنه لله عدوّ وهو به مشرك، وهو حال موته على شركه....

                  وقال آخرون: هو المتضرّع الخاشع. ذكر من قال ذلك:

                  حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج بن المنهال، قال: ثنا عبد الحميد بن بهرام، قال: ثنا شهر بن حوشب، عن عبد الله بن شدّاد بن الهاد، قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس، قال رجل: يا رسول الله ما الأوّاه؟ قال: " المتضرّع ". قالَ: " إنَّ إبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ ". حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن مغراء، عن عبد الحميد، عن شهر، عن عبد الله بن شداد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الأوَّاه: الخاشِعُ المُتَضَرّعُ ". وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب القول الذي قاله عبد الله بن مسعود الذي رواه عنه زرّ أنه الدَّعّاء.

                  وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن الله ذكر ذلك ووصف به إبراهيم خليله صلوات الله عليه بعد وصفه إياه بالدعاء والاستغفار لأبيه، فقال: { وَما كانَ اسْتِغْفَارُ إبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إلاَّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدْوّ للَّهِ تَبَرأَ مِنْهُ } وترك الدعاء والاستغفار له، ثم قال: أن إبراهيم لدّعاء لربه شاكٍ له حليم عمن سبه وناله بالمكروه وذلك أنه صلوات الله عليه وعد أباه بالاستغفار له، ودعاء الله له بالمغفرة عند وعيد أبيه إياه، وتهدده له بالشتم بعد ما ردّ عليه نصيحته في الله، وقوله:
                  { أرَاغِبٌ أنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأَرْجُمَّنَكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا }
                  فقال له صلوات الله عليه:
                  { سَلامٌ عَلَيْكَ سأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبي إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا وأعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وأدْعُو رَبّي عَسَى أنْ لا أكُونَ بِدُعاءِ رَبّي شَقِيًّا }
                  فوفى لأبيه بالاستغفار له حتى تبين له أنه عدوّ لله، فوصفه الله بأنه دعاء لربه حليم عمن سفه عليه.

                  تعليق

                  • اسامة محمد خيري
                    Registered User
                    • Dec 2008
                    • 12975

                    #384
                    وقال آخرون: هذه الآية نزلت وفي أهل الإسلام قلة، فلما كثروا نسخها الله وأباح التخلف لمن شاء، فقال:
                    { وَما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً }
                    ذكر من قال ذلك:

                    حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { ما كانَ لأَهْلِ المَدِينَةِ وَمَن حَوْلَهُمْ مِنَ الأعْرَابِ أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ } فقرأ حتى بلغ: { ليَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أحْسَنَ ما كانُوا يعْمَلُونَ } قال: هذا حين كان الإسلام قليلاً، فلما كثر الإسلام بعد قال:
                    { وَما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلّ فِرْقَة مِنْهُمْ طائِفَةٌ... }
                    إلى آخر الآية.

                    والصواب من القول في ذلك عندي، أَن الله عني بها الذين وصفهم بقوله:
                    { وجاءَ المُعَذِّرُونَ مِنَ الأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ... }
                    الآية، ثم قال جلّ ثناؤه: ما كان لأهل المدينة الذين تخلفوا عن رسول الله ولا لمن حولهم من الأعراب الذين قعدوا عن الجهاد معه أن يتخلفوا خلافه ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه. وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ندب في غزوته تلك كلّ من أطاق النهوض معه إلى الشخوص إلا من أذن له أو أمره بالمقام بعده، فلم يكن لمن قدر على الشخوص التخلف، فعدّد جلّ ثناؤه من تخلف منهم، فأظهر نفاق من كان تخلفه منهم نفاقاً وعذر من كان تخلفه لعذر، وتاب على من كان تخلفه تفريطاً من غير شكّ ولا ارتياب في أمر الله إذ تاب من خطأ ما كان منه من الفعل. فأما التخلف عنه في حال استغنائه فلم يكن محظوراً إذا لم يكن عن كراهته منه صلى الله عليه وسلم ذلك، وكذلك حكم المسلمين اليوم إزاء إمامهم، فليس بفرض على جميعهم النهوض معه إلا في حال حاجته إليهم لما لا بدّ للإسلام وأهله من حضورهم واجتماعهم واستنهاضه إياهم فيلزمهم حينئذ طاعته. وإذا كان ذلك معنى الآية لم تكن إحدى الآيتين اللتين ذكرنا ناسخة للأخرى، إذ لم تكن إحداهما نافية حكم الأخرى من كلّ وجوهه، ولا جاء خبر يوجه الحجة بأن إحداهما ناسخة للأخرى.

                    تعليق

                    • اسامة محمد خيري
                      Registered User
                      • Dec 2008
                      • 12975

                      #385
                      وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب أن يقال: تأويله: وما كان المؤمنون لينفروا جميعاً ويتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده، وأن الله نهى بهذه الآية المؤمنين به أن يخرجوا في غزو وجهاد وغير ذلك من أمورهم ويدعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحيدا ولكن عليهم إذا سرى رسول الله سرية أن ينفر معها من كلّ قبيلة من قبائل العرب وهي الفرقة. طائفة وذلك من الواحد إلى ما بلغ من العدد، كما قال الله جلّ ثناؤه: { فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ } يقول: فهلاّ نفر من كلّ فرقة منهم طائفة وهذا إلى هاهنا على أحد الأقوال التي رُويت عن ابن عباس، وهو قول الضحاك وقتادة.

                      وإنما قلنا هذا القول أولى الأقوال في ذلك بالصواب، لأن الله تعالى ذكره حظر التخلف خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم على المؤمنين به من أهل المدينة، مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن الأعراب لغير عذر يعذرون به إذا خرج رسول الله لغزو وجهاد عدوّ قبل هذه الآية بقوله: { ما كانَ لأَهْلِ المَدِينَةِ وَمَن حَوْلَهُمْ مِنَ الأعْرَابِ أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ } ، ثم عقب ذلك جلّ ثناؤه بقوله: { وَما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً } فكان معلوماً بذلك إذ كان قد عرّفهم في الآية التي قبلها اللازم لهم من فرض النفر والمباح لهم من تركه في حال غزو رسول الله صلى الله عليه وسلم وشخوصه عن مدينته لجهاد عدوّ، وأعلمهم أنه لا يسعهم التخلف خلافه إلا لعذر بعد استنهاضه بعضهم وتخليفه بعضهم أن يكون عقيب تعريفهم ذلك تعريفهم الواجب عليهم عند مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمدينته وإشخاص غيره عنها، كما كان الابتداء بتعريفهم الواجب عند شخوصه وتخليفه بعضهم.

                      وأما قوله: { لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدّينِ وَلِيُنْذِرُوا قوْمَهُمْ إذَا رَجَعُوا إلَيْهِمْ }. فإن أولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: ليتفقه الطائفة النافرة بما تعاين من نصر الله أهل دينه وأصحاب رسوله على أهل عداوته والكفر به، فيفقه بذلك من معاينته حقيقة علم أمر الإسلام وظهوره على الأديان من لم يكن فقهه، ولينذروا قومهم فيحذروهم أن ينزل بهم من بأس الله مثل الذي نزل بمن شاهدوا وعاينوا ممن ظفر بهم المسلمون من أهل الشرك إذا هم رجعوا إليهم من غزوهم. لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ يقول: لعلّ قومهم إذا هم حذّروهم ما عاينوا من ذلك يحذرون، فيؤمنون بالله ورسوله، حذرا أن ينزل بهم ما نزل بالذين أخبروا خبرهم.

                      وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال بالصواب، وهو قول الحسن البصري الذي رويناه عنه لأن النفر قد بيَّنا فيما مضى أنه إذا كان مطلقاً بغير صلة بشيء أن الأغلب من استعمال العرب إياه في الجهاد والغزو فإذا كان ذلك هو الأغلب من المعاني فيه، وكان جلّ ثناؤه قال: { فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا في الدّينِ } علم أن قوله: «ليتفقهوا» إنما هو شرط للنفر لا لغيره، إذ كان يليه دون غيره من الكلام.

                      فإن قال قائل: وما تنكر أن يكون معناه: ليتفقه المتخلفون في الدين؟ قيل: ننكر ذلك لاستحالته وذلك أن نفر الطائفة النافرة لو كان سبباً لتفقه المتخلفة، وجب أن يكون مقامها معهم سبباً لجهلهم وترك التفقه وقد علمنا أن مقامهم لو أقاموا ولم ينفروا لم يكن سببا لمنعهم من التفقه. وبعد، فإنه قال جلّ ثناؤه: { وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إذا رَجَعُوا إلَيْهِمْ } عطفاً به على قوله: { لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدّينِ } ولا شكّ أن الطائفة النافرة لم ينفروا إلا والإنذار قد تقدم من الله إليها، وللإنذار وخوف الوعيد نفرت، فما وجه إنذرا الطائفة المتخلفة الطائفة النافرة وقد تساوتا في المعرفة بإنذار الله إياهما؟ ولو كانت إحداهما جائز أن توصف بإنذار الأخرى، لكان أحقهما بأن يوصف به الطائفة النافرة، لأنها قد عاينت من قدرة الله ونصرة المؤمنين على أهل الكفر به ما لم تعاين المقيمة، ولكن ذلك إن شاء الله كما قلنا من أنها تنذر من حيها وقبيلتها ومن لم يؤمن بالله إذا رجعت إليه أن ينزل به ما أنزل بمن عاينته ممن أظفر الله به المؤمنين من نظرائه من أهل الشرك.

                      تعليق

                      • اسامة محمد خيري
                        Registered User
                        • Dec 2008
                        • 12975

                        #386
                        اختلفت القرّاء في قراءة قوله: { أوَ لا يَرَوْنَ } فقرأته عامة قرّاء الأمصار: { أوَ لا يَرَوْنَ } بالياء، بمعنى أو لا يرى هؤلاء الذين في قلوبهم مرض النفاق. وقرأ ذلك حمزة: «أوَ لا تَرَوْنَ» بالتاء، بمعنى أو لا ترون أنتم أيها المؤمنون أنهم يفتنون؟

                        والصواب عندنا من القراءة في ذلك: الياء، على وجه التوبيخ من الله لهم، لإجماع الحجة من قرّاء الأمصار عليه وصحة معناه: فتأويل الكلام إذا: أوَ لا يرى هؤلاء المنافقون أن الله يختبرهم في كلّ عام مرّة أو مرّتين، بمعنى أنه يختبرهم في بعض الأعوام مرّة، وفي بعضها مرّتين. { ثم لا يَتُوبُونَ } يقول: ثم هم مع البلاء الذي يحلّ بهم من الله والاختبار الذي يعرض لهم لا ينيبون من نفاقهم، ولا يتوبون من كفرهم، ولا هم يتذكرون بما يرون من حجج الله ويعاينون من آياته، فيعظوا بها ولكنهم مصرّون على نفاقهم....

                        وأولى الأقوال في ذلك بالصحة أن يقال: إن الله عجّب عباده المؤمنين من هؤلاء المنافقين، ووبخ المنافقين في أنفسهم بقلة تذكرهم وسوء تنبههم لمواعظ الله التي يعظهم بها. وجائز أن تكون تلك المواعظ الشدائد التي يُنزلها بهم من الجوع والقحط، وجائز أن تكون ما يريهم من نصرة رسوله على أهل الكفر به ويرزقه من إظهار كلمته على كلمتهم، وجائز أن تكون ما يظهر للمسلمين من نفاقهم وخبث سرائرهم بركونهم إلى ما يسمعون من أراجيف المشركين برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه. ولا خبر يوجب صحة بعض ذلك، دون بعض من الوجه الذي يجب التسليم له، ولا قول في ذلك أولى بالصواب من التسليم لظاهر قول الله، وهو: أو لا يرون أنهم يختبرون في كلّ عام مرّة أو مرّتين بما يكون زاجراً لهم ثم لا ينزجرون ولا يتعظون.

                        تعليق

                        • اسامة محمد خيري
                          Registered User
                          • Dec 2008
                          • 12975

                          #387
                          حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ } عزيز عليه عنت مؤمنهم.

                          وأولى القولين في ذلك بالصواب قول ابن عباس وذلك أن الله عمّ بالخبر عن نبيّ الله أنه عزيز عليه ما عنت قومه، ولم يخصص أهل الإيمان به، فكان صلى الله عليه وسلم كما وصفه الله به عزيزا عليه عنت جميعهم.

                          فإن قال قائل: وكيف يجوز أن يوصف صلى الله عليه وسلم بأنه كان عزيزا عليه عنت جميعهم وهو يقتل كفارهم ويسبي ذراريهم ويسلبهم أموالهم؟ قيل: إن إسلامهم لو كانوا أسلموا كان أحبّ إليه من إقامتهم على كفرهم وتكذيبهم إياه حتى يستحقوا ذلك من الله، وإنما وصفه الله جلّ ثناؤه بأنه عزيز عليه عنتهم، لأنه كان عزيزاً عليه أن يأتوا ما يعنتهم وذلك أن يضلوا فيستوجبوا العنت من الله بالقتل والسبي.

                          تعليق

                          • اسامة محمد خيري
                            Registered User
                            • Dec 2008
                            • 12975

                            #388
                            سورة يونس

                            القول في تأويل قوله تعالى: { تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ }.

                            واختلف في تأويل ذلك، فقال بعضهم: تلك آيات التوراة. ذكر من قال ذلك:

                            حدثني المثنى، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن مجاهد: { تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ } قال: التوراة والإنجيل.

                            قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا هشام، عن عمرو، عن سعيد، عن قتادة: { تِلْكَ آياتُ الكِتابِ } قال: الكتب التي كانت قبل القرآن.

                            وقال آخرون: معنى ذلك: هذه آيات القرآن.

                            وأولى التأويلين في ذلك بالصواب تأويل من تأوّله: هذه آيات القرآن، ووجه معنى «تلك» إلى معنى «هذه»، وقد بيَّنا وجه توجيه تلك إلى هذا المعنى في سورة البقرة بما أغنى عن إعادته.....

                            حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن فضيل بن عمرو بن الجون، عن قتادة أو الحسن: { أنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ } قال: محمد شفيع لهم.

                            حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ }: أي سلف صدق عند ربهم.

                            حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن الزبير، عن ابن عيينة، عن زيد بن أسلم، في قوله: { أنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ } قال: محمد صلى الله عليه وسلم.

                            قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب، قول من قال: معناه أن لهم أعمالاً صالحة عند الله يستوجبون بها منه الثواب وذلك أنه محكيّ عن العرب: هؤلاء أهل القدم في الإسلام أي هؤلاء الذين قدموا فيه خيراً، فكان لهم فيه تقديم، ويقال: له عندي قدم صدق وقدم سوء، وذلك ما قدم إليه من خير أو شرّ، ومنه قول حسان بن ثابت رضي الله عنه:
                            لَنا القَدَمُ الأُولى إلَيْكَ وخَلْفُنا لأوَّلِنا في طاعَةِ اللَّهِ تابِعُ
                            وقول ذي الرمَّة:
                            لَكُمْ قَدَمٌ لا يُنْكِرُ النَّاسُ أنَّها مَعَ الحَسَبِ العادِيّ طَمَّتْ على البَحْرِ
                            فتأويل الكلام إذا: وبشر الذين آمنوا أن لهم تقدمة خير من الأعمال الصالحة عند ربهم....

                            تعليق

                            • اسامة محمد خيري
                              Registered User
                              • Dec 2008
                              • 12975

                              #389
                              وقوله: { تَجْرِي مِنْ تَحْتَهِمُ الأنهارُ } يقول: تجري من تحت هؤلاء المؤمنين الذين وصف جلّ ثناؤه صفتهم أنهار الجنة. { في جَنَّاتِ النَّعِيمِ } يقول: في بساتين النعيم الذي نعمَّ الله به أهل طاعته والإيمان به.

                              فإن قال قائل: وكيف قيل تجري من تحتهم الأنهار، وإنما وصف جلّ ثناؤه أنهار الجنة في سائر القرآن أنها تجري تحت الجنات؟ وكيف يمكن الأنهار أن تجري من تحتهم إلا أن يكونوا فوق أرضها والأنهار تجري من تحت أرضها، وليس ذلك من صفة أنهار الجنة، لأن صفتها أنها تجري على وجه الأرض في غير أخاديد؟ قيل: إن معنى ذلك بخلاف ما إليه ذهبتَ، وإنما معنى ذلك: تجري من دونهم الأنهار إلى ما بين أيديهم في بساتين النعيم، وذلك نظير قول الله: { قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا } ومعلوم أنه لم يجعل السريّ تحتها وهي عليه قاعدة، إذ كان السريّ هو الجدول، وإنما عني به جعل دونها: بين يديها، وكما قال جلّ ثناؤه مخبرا عن قيل فرعون: { ألَيْسَ لي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأنهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي } بمعنى: من دوني بين يدي.

                              تعليق

                              • اسامة محمد خيري
                                Registered User
                                • Dec 2008
                                • 12975

                                #390
                                والقراءة التي لا أستجيز أن تعدوها هي القراءة التي عليها قرّاء الأمصار: { لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أدْرَاكُمْ بِهِ } بمعنى: ولا أعلمكم به، ولا أشعركم به.

                                تعليق

                                يعمل...