إرشاد النحرير لترجيحات الامام ابن جرير

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • اسامة محمد خيري
    Registered User
    • Dec 2008
    • 12975

    #361
    يعني جلّ ثناؤه بقوله: { فإذَا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ } فإذا انقضى ومضى وخرج، يقال منه: سلخنا شهر كذا نسلخه سَلْخاً وسُلُوخاً، بمعنى: خرجنا منه، ومنه قولهم: شاة مسلوخة، بمعنى: المنزوعة من جلدها المخرجة منه ويعني بالأشهر الحرم: ذا القعدة، وذا الحجة، والمحرّم، أو إنما أريد في هذا الموضع انسلاخ المحرّم وحده، لأن الأذان كان ببراءة يوم الحجّ الأكبر، فمعلوم أنهم لم يكونوا أجلوا الأشهر الحرم كلها وقد دللنا على صحة ذلك فيما مضى. ولكنه لما كان متصلاً بالشهرين الآخرين قبله الحرامين وكان هولهما ثالثا وهي كلها متصل بعضها ببعض، قيل: فإذا انسلخ الأشهر الحرم.

    ومعنى الكلام: فإذا انقضت الأشهر الحرم الثلاثة عن الذين لا عهد لهم، أو عن الذين كان لهم عهد، فنقضوا عهدهم بمظاهرتهم الأعداء على رسول الله وعلى أصحابه، أو كان عهدهم إلى أجل غيره معلوم { فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ } يقول: فاقتلوهم ..

    تعليق

    • اسامة محمد خيري
      Registered User
      • Dec 2008
      • 12975

      #362
      حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا ابن عيينة، عن ابن جريج، عن مجاهد: { إلاَّ الَّذِينَ عاهدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرَامِ } قال: أهل العهد من خزاعة.

      قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب عندي قول من قال: هم بعض بني بكر من كنانة، ممن كان أقام على عهده ولم يكن دخل في نقض ما كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش يوم الحديبية من العهد مع قريش حين نقضوه بمعونتهم حلفاءهم من بني الديل على حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم من خزاعة.

      وإنما قلت هذا القول أولى الأقوال في ذلك بالصواب لأن الله أمر نبيه والمؤمنين بإتمام العهد لمن كانوا عاهدوه عند المسجد الحرام، ما استقاموا على عهدهم. وقد بينا أن هذه الآيات إنما نادى بها عليّ في سنة تسع من الهجرة، وذلك بعد فتح مكة بسنة، فلم يكن بمكة من قريش ولا خزاعة كافر يومئذ بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فيؤمر بالوفاء له بعهده ما استقام على عهده، لأن من كان منهم من ساكني مكة كان قد نقض العهد وحورب قبل نزول هذه الآيات.

      تعليق

      • اسامة محمد خيري
        Registered User
        • Dec 2008
        • 12975

        #363
        قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر عن هؤلاء المشركين الذين أمر نبيه والمؤمنين بقتلهم بعد انسلاخ الأشهر الحرم وحصرهم والقعود لهم على كلّ موصد أنهم لو ظهروا على المؤمنين لم يرقبوا فيهم إلاًّ، والإلّ: اسم يشتمل على معان ثلاثة: وهي العهد والعقد، والحلف، والقرابة، وهو أيضا بمعنى الله. فإذ كانت الكلمة تشمل هذه المعاني الثلاثة، ولم يكن الله خص من ذلك معنى دون معنى، فالصواب أن يعمّ ذلك كما عمّ بها جلّ ثناؤه معانيها الثلاثة، فيقال: لا يرقبون في مؤمن الله، ولا قرابة، ولا عهداً، ولا ميثاقاً. ومن الدلالة على أنه يكون بمعنى القرابة قول ابن مقبل:
        أفْسَدَ النَّاسَ خُلُوفٌ خَلَفُوا قَطَعُوا الإلّ وأعْرَاقَ الرَّحِمْ
        بمعنى: قطعوا القرابة وقول حسان بن ثابت:
        لَعَمْرُكَ إنَّ إلَّكَ مِنْ قُرَيْشٍ كإلّ السَّقْبِ مِنْ رَألِ النَّعامِ
        وأما معناه: إذا كان بمعنى العهد. فقول القائل:
        وَجَدْنَاهُمُ كاذِباً إلُّهُمْ وذُو الإلّ والعَهْدِ لا يَكْذِبُ
        وقد زعم بعض من ينسب إلى معرفة كلام العرب من البصريين، أن الإلّ والعهد والميثاق واليمين واحد، وأن الذمة في هذا الموضع: التذمم ممن لا عهد له، والجمع: ذمم. وكان ابن إسحاق يقول: عنى بهذه الآية: أهل العهد العام.

        تعليق

        • اسامة محمد خيري
          Registered User
          • Dec 2008
          • 12975

          #364
          واختلفت القرّاء في قراءة قوله: { إنَّهُمْ لا أيمَانَ لَهُمْ } فقرأه قرّاء الحجاز والعراق وغيرهم: { إنَّهُمْ لا أيمَانَ لَهُمْ } بفتح الألف من «أيمان» بمعنى: لا عهود لهم على ما قد ذكرنا من قول أهل التأويل فيه. وذُكر عن الحسن البصريّ أنه كان يقرأ ذلك: «إنَّهُمْ لا إيمَانَ لَهُمْ» بكسر الألف، بمعنى: لا إسلام لهم. وقد يتوجه لقراءته كذلك وجه غير هذا، وذلك أن يكون أراد بقراءته ذلك كذلك: أنهم لا أمان لهم: أي لا تؤمنوهم، ولكن اقتلوهم حيث وجدتموهم، كأنه أراد المصدر من قول القائل: آمنته، فأنا أومنه إيماناً.

          قال أبو جعفر: والصواب من القراءات في ذلك الذي لا أستجيز القراءة بغيره، قراءة من قرأ بفتح الألف دون كسرها، لإجماع الحجة من القراء على القراءة به ورفض خلافه، ولإجماع أهل التأويل على ما ذكرت من أن تأويله لا عهد لهم. والأيمان التي هي بمعنى العهد، لا تكون إلا بفتح الألف، لأنها جمع «يمين» كانت على عقدٍ كان بين المتوادعين.

          تعليق

          • اسامة محمد خيري
            Registered User
            • Dec 2008
            • 12975

            #365
            قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصحة: القول الذي ذُكِر عن ابن عمر من أن كلّ مال أديت زكاته فليس بكنز يحرم على صاحبه اكتنازه وإن كثر، وأن كلّ مال لم تؤدّ زكاته فصاحبه معاقب مستحقّ وعيد الله إلا أن يتفضل الله عليه بعفوه وإن قل إذا كان مما يجب فيه الزكاة. وذلك أن الله أوجب في خمس أواق من الوَرِق على لسان رسوله ربع عشرها، وفي عشرين مثقالاً من الذهب مثل ذلك ربع عشرها. فإذ كان ذلك فرض الله في الذهب والفضة على لسان رسوله، فمعلوم أن الكثير من المال وإن بلغ في الكثرة ألوف ألوف لو كان، وإن أدّيت زكاته من الكنوز التي أوعد الله أهلها عليها العقاب، لم يكن فيه الزكاة التي ذكرنا من ربع العشر، لأن ما كان فرضاً إخراج جميعه من المال وحرام اتخاذه فزكاته الخروج من جميعه إلى أهله لا ربع عشره، وذلك مثل المال المغصوب الذي هو حرام على الغاصب إمساكه وفرض عليه إخراجه من يده إلى يده، فالتطهر منه ردّه إلى صاحبه.

            فلو كان ما زاد من المال على أربعة آلاف درهم، أو ما فضل عن حاجة ربه التي لا بد منها مما يستحق صاحبه باقتنائه إذا أدّى إلى أهل السهمان حقوقهم منها من الصدقة وعيد الله لم يكن اللازم ربه فيه ربع عشره، بل كان اللازم له الخروج من جميعه إلى أهله وصرفه فيما يجب عليه صرفه، كالذي ذكرنا من أن الواجب على غاصب رجل ماله ردّه على ربه. وبعد، فإن فيما:

            حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، قال: قال معمر: أخبرني سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: " ما مِنْ رَجُلٍ لا يُؤَدّي زَكَاةَ مالِهِ إلاَّ جُعِلَ يَوْمَ القِيَامَةِ صفَائِحَ مِنْ نارٍ يُكْوَى بِها جَنْبُهُ وجَبْهَتُهُ وظَهْرُهُ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ ألُفَ سَنَةٍ حتى يُقْضَى بينَ النَّاسِ ثُمَّ يَرَى سَبِيلَه وَإنْ كانَتْ إبِلاً إلاَّ بُطِحَ لَهَا بِقاعٍ قَرْقَرٍ تَطَؤُهُ بأخْفَافِها " حسبته قال: " وَتَعَضّهُ بأفْوَاهِها، يَرِدُ أُولاها على أُخْرَاها، حتى يُقْضَى بينَ النَّاسِ ثُمَّ يَرَى سَبِيلَهُ. وَإنْ كانَتْ غَنَماً فَمِثْلُ ذلكَ، إلا أنَّها تَنْطَحُهُ بقُرُونِها، وَتَطَؤُهُ بأظْلاَفِها "

            وفي نظائر ذلك من الأخبار التي كرهنا الإطالة بذكرها الدلالة الواضحة على أن الوعيد إنما هو من الله على الأموال التي لم تؤدّ الوظائف المفروضة فيها لأهلها من الصدقة، لا على اقتنائها واكتنازها.

            وفيما بينا من ذلك البيان الواضح على أن الآية لخاصّ كما قال ابن عباس، وذلك ما:

            حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: { وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفضَّةَ ولاَ يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ ألِيمٍ } يقول: هم أهل الكتاب، وقال: هي خاصة وعامة....

            تعليق

            • اسامة محمد خيري
              Registered User
              • Dec 2008
              • 12975

              #366
              قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب، قول من قال: فلا تظلموا في الأشهر الأربعة أنفسكم باستحلال حرامها، فإن الله عظمها وعظَّم حرمتها.

              وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب في تأويله لقوله: { فلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ } فأخرج الكناية عنه مخرج الكناية عن جمع ما بين الثلاثة إلى العشرة، وذلك أن العرب تقول فيما بين الثلاثة إلى العشرة إذا كَنَتْ عنه: فعلنا ذلك لثلاث ليال خلون، ولأربعة أيام بقين، وإذا أخبرت عما فوق العشرة إلى العشرين، قالت: فعلنا ذلك لثلاث عشرة خلت، ولأربع عشرة مضت.

              فكان في قوله حلّ ثناؤه: { فلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أنْفُسَكُمْ } وإخراجه كناية عدد الشهور التي نهى المؤمنين عن ظلم أنفسهم فِيهن مخرج عدد الجمع القليل من الثلاثة إلى العشرة الدليل الواضح على أن الهاء والنون من ذكر الأشهر الأربعة دون الاثني العشر لأن ذلك لو كان كناية عن الاثني عشر شهراً لكان: فلا تظلموا فيها أنفسكم.

              فإن قال قائل: فما أنكرت أن يكون ذلك كناية عن الاثني عشر، وإن كان الذي ذكرت هو المعروف في كلام العرب، فقد علمت أن المعروف من كلامها إخراج كناية ما بين الثلاث إلى العشر بالهاء دون النون، وقد قال الشاعر:
              أصْبَحْنَ فِي قُرْحَ وفي دَارَاتِها سَبْعَ لَيالٍ غَيْرَ مَعْلُوفاتِها
              ولم يقل: معلوفاتهن، وذلك كناية عن السبع؟ قيل: إن ذلك وإن كان جائزاً فليس الأفصح الأعرف في كلامها، وتوجيه كلام الله إلى الأفصح الأعرف أولى من توجيهه إلى الأنكر.

              فإن قال قائل: فإن كان الأمر على ما وصفت، فقد يجب أن يكون مباحاً لنا ظلم أنفسنا في غيرهنّ من سائر شهور السنة؟ قيل: ليس ذلك كذلك، بل ذلك حرام علينا في كل وقت وزمان، ولكن الله عظم حرمة هؤلاء الأشهر وشرفهن على سائر شهور السنة، فخصّ الذنب فيهنّ بالتعظيم كما خصهنّ بالتشريف، وذلك نظير قوله:
              { حافِظُوا على الصَّلَوَاتِ والصَّلاةِ الوُسْطَى }
              ولا شكّ أن الله قد أمرنا بالمحافظة على الصلوات المفروضات كلها بقوله:
              { حافِظُوا على الصَّلَوَاتِ }
              ولم يبح ترك المحافظة عليهن بأمره بالمحافظة على الصلاة الوسطى، ولكنه تعالى ذكره زادها تعظيماً وعلى المحافظة عليها توكيداً وفي تضييعها تشديداً، فكذلك ذلك في قوله: { مِنْها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلكَ الدّينُ القَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أنْفُسَكُمْ }.

              تعليق

              • اسامة محمد خيري
                Registered User
                • Dec 2008
                • 12975

                #367
                قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أمر المؤمنين بالنفر لجهاد أعدائه في سبيله خفافاً وثقالاً وقد يدخل في الخفاف كلّ من كان سهلاً عليه النفر لقوّة بدنه على ذلك وصحة جسمه وشبابه، ومن كان ذا تيسر بمال وفراغ من الاشتغال وقادراً على الظهر والركاب. ويدخل في الثقال كلّ من كان بخلاف ذلك من ضعيف الجسم وعليله وسقيمه، ومن معسر من المال ومشتغل بضيغة ومعاش، ومن كان لا ظهر له ولا ركاب، والشيخ وذو السنّ والعيال. فإذ كان قد يدخل في الخفاف والثقال من وصفنا من أهل الصفات التي ذكرنا ولم يكن الله جلّ ثناؤه خصّ من ذلك صنفاً دون صنف في الكتاب، ولا على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا نصب على خصوصه دليلاً، وجب أن يقال: إن الله جلّ ثناؤه أمر المؤمنين من أصحاب رسوله بالنفر للجهاد في سبيله خفافاً وثقالاً مع رسوله صلى الله عليه وسلم على كلّ حال من أحوال الخفة والثقل.

                تعليق

                • اسامة محمد خيري
                  Registered User
                  • Dec 2008
                  • 12975

                  #368
                  حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: كان الذين استأذنوا فيما بلغني من ذوي الشرف منهم: عبد الله بن أبيّ ابن سلولَ والجدّ بن قيس، وكانوا أشرافا في قومهم، فثبطهم الله لعلمه بهم أن يخرجوا معهم فيفسدوا عليه جنده، وكان في جنده قوم أهل محبة لهم وطاعة فيما يدعونهم إليه لشرفهم فيهم، فقال: { وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ } فعلى هذا التأويل: وفيكم أهل سمع وطاعة منكم لو صحبوكم أفسدوهم عليكم بتثبيطهم إياهم عن السير معكم.

                  وأما على التأويل الأوّل، فإن معناه: وفيكم منهم سماعون يسمعون حديثكم لهم، فيبلغونهم ويؤدونه إليهم عيون لهم عليكم.

                  قال أبو جعفر: وأولى التأويلين عندي في ذلك بالصواب تأويل من قال: معناه: وفيكم سماعون لحديثكم لهم يبلغونه عنكم عيون لهم، لأن الأغلب من كلام العرب في قولهم: سماع، وصف من وصف به أنه سماع للكلام، كما قال الله جلّ ثناؤه في غير موضع من كتابه: سمَّاعُونَ للْكَذِبِ واصفاً بذلك قوماً بسماع الكذب من الحديث. وأما إذا وصفوا الرجل بسماع كلام الرجل وأمره ونهيه وقبوله منه، وانتهائه إليه فإنما تصفه بأنه له سامع ومطيع، ولا تكاد تقول: هو له سماع مطيع.

                  تعليق

                  • اسامة محمد خيري
                    Registered User
                    • Dec 2008
                    • 12975

                    #369
                    اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معناه: فلا تعجبك يا محمد أموال هؤلاء المنافقين ولا أولادهم في الحياة الدنيا، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة. وقال: معنى ذلك: التقديم وهو مؤخر. ذكر من قال ذلك:

                    حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { فَلا تُعْجِبْكَ أمْوَالُهُمْ وَلا أوْلادُهُمْ } قال: هذه من تقاديم الكلام، يقول: لا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة.

                    حدثنا المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: { إنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذّبَهُمْ بِها } فِي الآخِرَةِ.

                    وقال آخرون: بل معنى ذلك: إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا، بما ألزمهم فيها من فرائضه. ذكر من قال ذلك:

                    حُدثت عن المسيب بن شريك، عن سلمان الأقصري، عن الحسن: { إنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذّبَهُمْ بِها فِي الحَياةِ الدُّنْيا } قال: بأخذ الزكاة والنفقة في سبيل الله تعالى.

                    حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { إنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذّبَهُمْ بِها فِي الحَياةِ الدُّنْيا } بالمصائب فيها، هي لهم عذاب وهي للمؤمنين أجر.

                    قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بالصواب في ذلك عندنا، التأويل الذي ذكرنا عن الحسن، لأن ذلك هو الظاهر من التنزيل، فصرف تأويله إلى ما دلّ عليه ظاهره أولى من صرفه إلى باطن لا دلالة على صحته، وإنما وجه من وجه ذلك إلى التقديم وهو مؤخر، لأنه لم يعرف لتعذيب الله المنافقين بأموالهم وأولادهم في الحياة الدنيا وجهاً يوجهه إليه، وقال: كيف يعذّبهم بذلك في الدنيا، وهي لهم فيها سرور، وذهب عنه توجيهه إلى أنه من عظيم العذاب عليه إلزامه ما أوجب الله عليه فيها من حقوقه وفرائضه، إذ كان يلزمه ويؤخذ منه وهو غير طيب النفس. ولا راج من الله جزاء ولا من الآخذ منه حمداً ولا شكراً على ضجر منه وكره.

                    تعليق

                    • اسامة محمد خيري
                      Registered User
                      • Dec 2008
                      • 12975

                      #370
                      قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب، قول من قال: الفقير: هو ذو الفقر أو الحاجة ومع حاجته يتعفف عن مسألة الناس والتذلل لهم في هذا الموضع، والمسكين: هو المحتاج المتذلل للناس بمسألتهم. وإنما قلنا إن ذلك كذلك وإن كان الفريقان لم يعطيا إلا بالفقر والحاجة دون الذلة والمسكنة، لإجماع الجميع من أهل العلم أن المسكين إنما يعطى من الصدقة المفروضة بالفقر، وأن معنى المسكنة عند العرب: الذلة، كما قال الله جلّ ثناؤه:
                      { وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذّلَّةُ وَالمَسْكَنَةُ }
                      يعني بذلك الهون، والذلة لا الفقر. فإذا كان الله جلّ ثناؤه قد صنف من قسم له من الصدقة المفروضة قسماً بالفقر فجعلهم صنفين، كان معلوماً أن كل صنف منهم غير الآخر. وإذ كان ذلك كذلك كان لا شكّ أن المقسوم له باسم الفقير غير المقسوم له باسم الفقر والمسكنة، والفقير المعطى ذلك باسم الفقير المطلق هو الذي لا مسكنة فيه، والمعطى باسم المسكنة والفقر هو الجامع إلى فقره المسكنة، وهي الذلّ بالطلب والمسألة.

                      فتأويل الكلام إذ كان ذلك معناه: إنما الصدقات للفقراء المتعفف منهم الذي لا يسأل، والمتذلل منهم الذي يسأل، وقد رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو الذي قلنا في ذلك خبر.

                      حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا إسماعيل بن جعفر، عن شريك بن أبي نمر، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

                      " لَيْسَ المِسْكِينُ بالَّذِي تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتانِ والتَّمْرَةُ والتَّمْرَتانِ، إنَّمَا المسْكِينُ المُتَعَفِّفُ اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ لا يَسْألونُ النَّاسَ إلْحافاً ".

                      ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: " إنَّمَا المِسْكِينُ المُتَعَفَّفُ " على نحو ما قد جرى به استعمال الناس من تسميتهم أهل الفقر مساكين، لا على تفصيل المسكين من الفقير. ومما ينبىء عن أن ذلك كذلك، انتزاعه صلى الله عليه وسلم لقول الله: اقرءوا إن شِئتم { لا يَسأَلُونَ النَّاسَ إلْحافاً } وذلك في صفة من ابتدأ الله ذكره ووصفه بالفقر، فقال
                      { للْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأرْضِ يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسأَلُونَ النَّاسَ إلْحافاً }...

                      قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: يعطى العامل عليها على قدر عمالته أجر مثله.

                      وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن الله جلّ ثناؤه لم يقسم صدقة الأموال بين الأصناف الثمانية على ثمانية أسهم وإنما عرَّف خلقه أنّ الصدقات لن تجاوز هؤلاء الأصناف الثمانية إلى غيرهم. وإذ كان كذلك بما سنوضح بعد وبما قد أوضحناه في موضع آخر، كان معلوماً أن من أُعطي منها حقا، فإنما يعطى على قدر اجتهاد المعطي فيه. وإذا كان ذلك كذلك، وكان العامل عليها إنما يعطى على عمله لا على الحاجة التي تزول بالعطية، كان معلوماً أن الذي أعطاه من ذلك إنما هو عوض من سعيه وعمله، وأن ذلك إنما هو قدر يستحقه عوضا من عمله الذي لا يزول بالعطية وإنما يزول بالعزل....

                      وقال آخرون: المؤلفة قلوبهم في كلّ زمان، وحقهم في الصدقات. ذكر من قال ذلك:

                      حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسرائيل، عن جابر، عن أبي جعفر، قال: في الناس اليوم المؤلفة قلوبهم.

                      حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن إسرائيل، عن جابر، عن أبي جعفر، مثله.

                      قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي: أن الله جعل الصدقة في معنيين: أحدهما سدّ خلة المسلمين، والآخر معونة الإسلام وتقويته فما كان في معونة الإسلام وتقوية أسبابه فإنه يعطاه الغنيّ والفقير، لأنه لا يعطاه من يعطاه بالحاجة منه إليه وإنما يعطاه معونة للدين، وذلك كما يعطي الذي يعطاه بالجهاد في سبيل الله، فإنه يعطي ذلك غنياً كان أو فقيراً للغزو لا لسدّ خلته.

                      وكذلك المؤلفة قلوبهم يعطون ذلك وإن كانوا أغنياء، استصلاحاً بإعطائهموه أمر الإسلام وطلب تقويته وتأييده. وقد أعطى النبيّ صلى الله عليه وسلم من أعطى من المؤلفة قلوبهم، بعد أن فتح الله عليه الفتوح وفشا الإسلام وعزّ أهله، فلا حجة لمحتجّ بأن يقول: لا يتألف اليوم على الإسلام أحد لامتناع أهله بكثرة العدد ممن أرادهم وقد أعطى النبيّ صلى الله عليه وسلم من أعطى منهم في الحال التي وصفت...

                      حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { وفِي الرّقابِ } قال: المكاتَبُ.

                      حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا سهل بن يوسف، عن عمرو، عن الحسن: { وَفِي الرّقابِ } قال: هم المكاتبون.

                      ورُوي عن ابن عباس أنه قال: لا بأس أن تعتق الرقبة من الزكاة.

                      قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي قول من قال: عنى بالرقاب في هذا الموضع المكاتبون، لإجماع الحجة على ذلك فإن الله جعل الزكاة حقاً واجباً على من أوجبها عليه في ماله يخرجها منه، لا يرجع إليه منها نفع من عرض الدنيا ولا عوض، والمعتق رقبة منها راجع إليه ولاء من أعتقه، وذلك نفع يعود إليه منها...

                      تعليق

                      • اسامة محمد خيري
                        Registered User
                        • Dec 2008
                        • 12975

                        #371
                        واختلف القرّاء في قراءة قوله: { قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ } فقرأ ذلك عامة قرّاء الأمصار: { قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ } بإضافة الأذن إلى الخير، يعني: قل لهم يا محمد: هو أذن خير لا أذن شرّ. وذُكر عن الحسن البصري أنه قرأ ذلك: «قُلْ أُذُنٌ خَيْرٌ لَكُمْ» بتنوين «أذن»، ويصير «خير» خبراً له، بمعنى: قل من يسمع منكم أيها المنافقون ما تقولون ويصدّقكم إن كان محمد كما وصفتموه من أنكر إذا آذيتموه فأنكرتم ما ذكر له عنكم من أذاكم إياه وعيبكم له سمع منكم وصدّقكم، خير لكم من أن يكذبكم ولا يقبل منكم ما تقولون. ثم كذّبهم فقال: بل لا يقبل إلا من المؤمنين، { يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلمُؤْمِنِينَ }.

                        قال أبو جعفر: والصواب من القراءة عندي في ذلك، قراءة من قرأ: { قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ } بإضافة «الأذن» إلى «الخير»، وخفض «الخير»، يعني: قل هو أذن خير لكم، لا أذن شرّ....

                        وأما قوله: { وَرَحْمَةٌ للَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ } فإنّ القرّاء اختلفت في قراءته، فقرأ ذلك عامة الأمصار: { وَرَحْمَةٌ للَّذِينَ آمَنُوا } بمعنى: قل هو أذن خير لكم، وهو رحمة للذين آمنوا منكم. فرفع «الرحمة» عطفا بها على «الأذن». وقرأه بعض الكوفيين: «وَرَحْمَةٍ» عطفاً بها على «الخير»، بتأويل: قل أذن خير لكم، وأذن رحمة.

                        قال أبو جعفر: وأولى القراءتين بالصواب في ذلك عندي قراءة من قرأ { وَرَحْمَةٌ } بالرفع عطفاً بها على «الأذن»، بمعنى: وهو رحمة للذين آمنوا منكم، وجعله الله رحمة لمن اتبعه واهتدى بهداه وصدّق بما جاء به من عند ربه، لأن الله استنقذهم به من الضلالة وأورثهم باتباعه جناته.

                        تعليق

                        • اسامة محمد خيري
                          Registered User
                          • Dec 2008
                          • 12975

                          #372
                          حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { يا أيُّها النَّبِي جاهِدِ الكُفَّارَ وَالمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ } قال: أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يجاهد الكفار بالسيف، ويغلظ على المنافقين في الحدود.

                          قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في تأويل ذلك عندي بالصواب ما قال ابن مسعود، من أن الله أمر نبيه صلى الله عليه وسلم من جهاد المنافقين، بنحو الذي أمره به من جهاد المشركين.

                          فإن قال قائل: فكيف تركهم صلى الله عليه وسلم مقيمين بين أظهر أصحابه مع علمه بهم؟ قيل: إن الله تعالى ذكره إنما أمر بقتال من أظهر منهم كلمة الكفر، ثم أقام على إظهاره ما أظهر من ذلك. وأما من إذا اطلع عليه منهم أنه تكلم بكلمة الكفر وأخذ بها، أنكرها ورجع عنها وقال: إني مسلم، فإن حكم الله في كل من أظهر الإسلام بلسانه، أن يحقن بذلك له دمه وماله وإن كان معتقدا غير ذلك، وتوكل هو جلّ ثناؤه بسرائرهم، ولم يجعل للخلق البحث عن السرائر فلذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم مع علمه بهم وإطلاع الله إياه على ضمائرهم واعتقاد صدورهم، كان يقرّهم بين أظهر الصحابة، ولا يسلك بجهادهم مسلك جهاد من قد ناصبه الحرب على الشرك بالله لأن أحدهم كان إذا اطلع عليه أنه قد قال قولاً كفر فيه بالله ثم أخذ به أنكره، وأظهر الإسلام بلسانه، فلم يكن صلى الله عليه وسلم يأخذه إلا بما أظهر له من قوله عند حضوره إياه وعزمه على إمضاء الحكم فيه، دون ما سلف من قول كان نطق به قبل ذلك، ودون اعتقاد ضميره الذي لم يبح الله لأحد الأخذ به في الحكم وتولَّى الأخذ به هو دون خلقه.

                          تعليق

                          • اسامة محمد خيري
                            Registered User
                            • Dec 2008
                            • 12975

                            #373
                            وقوله: { خِلاف } مصدر من قول القائل: خالف فلان فلاناً فهو يخالفه خلافاً فلذلك جاء مصدره على تقدير فعال، كما يقال: قاتله فهو يقاتله قتالاً، ولو كان مصدراً من خلَفه، لكانت القراءة: «بمقعدهم خلف رسول الله»، لأن مصدر خلفه خلفٌ، لا خِلاف، ولكنه على ما بينت من أنه مصدر خالف، فقرىء: { خِلافَ رَسُولِ الله } وهي القراءة التي عليها قراءة الأمصار، وهي الصواب عندنا. وقد تأوّل بعضهم ذلك، بمعنى: بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستشهد على ذلك بقول الشاعر:
                            عَقَبَ الرَّبِيعُ خِلافَهُمْ فَكأنمَا بَسَطَ الشَّوَاطِبُ بَيْنَهُنَّ حَصِيرَا
                            وذلك قريب لمعنى ما قلنا، لأنهم قعدوا بعده على الخلاف له.

                            تعليق

                            • اسامة محمد خيري
                              Registered User
                              • Dec 2008
                              • 12975

                              #374
                              حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس: { فاقْعُدُوا مَعَ الخالِفِينَ } والخالفون: الرجال.

                              قال أبو جعفر: والصواب من التأويل في قوله { الخالِفِينَ } ما قال ابن عباس. فأما ما قال قتادة من أن ذلك النساء، فقول لا معنى له لأن العرب لا تجمع النساء إذا لم يكن معهنّ رجال بالياء والنون، ولا بالواو والنون. ولو كان معنياً بذلك النساء، لقيل: «فاقعدوا مع الخوالف»، أو «مع الخالفات»، ولكن معناه ما قلنا من أنه أريد به: فاقعدوا مع مرضى الرجال وأهل زمانتهم والضعفاء منهم والنساء. وإذا اجتمع الرجال والنساء في الخبر، فإن العرب تغلِّب الذكور على الإناث، ولذلك قيل: { فاقْعُدُوا مَعَ الخالِفِينَ } والمعنى ما ذكرنا. ولو وجِّه معنى ذلك إلى: فاقعدوا مع أهل الفساد، من قولهم: خلف الرجال عن أهله يخلف خلوفاً، إذا فسد، ومن قولهم: هو خلف سوء كان مذهباً. وأصله إذا أريد به هذا المعنى من قولهم خَلَف اللبن يخَلُف خلوفاً إذا خَبُث من طول وضعه في السقاء حتى يفسد، ومن قولهم: خَلَف فَمُ الصائم: إذا تغيرت ريحه.

                              تعليق

                              • اسامة محمد خيري
                                Registered User
                                • Dec 2008
                                • 12975

                                #375
                                فإن قال قائل: فكيف قيل: { وَجَاءَ المُعَذّرُونَ } وقد علمت أن المعذِّر في كلام العرب إنما هو الذي يُعَذِّر في الأمر، فلا يبالغ فيه ولا يُحكمه، وليست هذه صفة هؤلاء، وإنما صفتهم أنهم كانوا قد اجتهدوا في طلب ما ينهضون به مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عدوّهم، وحرصوا على ذلك، فلم يجدوا إليه السبيل، فهم بأن يوصفوا بأنهم قد أعذروا أولى وأحقّ منهم بأن يوصفوا بأنهم عذروا. إذا وصفوا بذلك.

                                فالصواب في ذلك من القراءة ما قرأه ابن عباس، وذلك ما:

                                حدثنا المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي حماد، قال: ثنا بشر بن عمار، عن أبي روق عن الضحاك، قال: كان ابن عباس يقرأ: { وّجاء المُعْذِرُونَ } مخففة، ويقول: هم أهل العذر.

                                مع موافقة مجاهد إياه وغيره عليه؟ قيل: إن معنى ذلك على غير ما ذهبت إليه، وإن معناه: وجاء المعتذرون من الأعراب ولكن التاء لما جاورت الذال أدغمت فيها، فصُيرتا ذالاً مشددة لتقارب مخرج إحداهما من الأخرى، كما قيل: يَذَّكَّرون في يتذكرون، ويذَّكر في يتذكر. وخرجت العين من المعذرين إلى الفتح، لأن حركة التاء من المعتذرين وهي الفتحة نقلت إليها فحركت بما كانت به محركة، والعرب قد توجه في معنى الاعتذار إلى الإعذار، فتقول: قد اعتذر فلان في كذا، يعني: أعذر، ومن ذلك قول لبيد:
                                إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما وَمَنْ يَبْكِ حَوْلاً كامِلاً فقدِ اعْتَذَرْ
                                فقال: فقد اعتذر، بمعنى: فقد أعذر....

                                وبعد، فإن الذي عليه من القراءة قرّاء الأمصار التشديد في الذال، أعني من قوله: { المُعَذّرُونَ } ففي ذلك دليل على صحة تأويل من تأوّله بمعنى الاعتذار لأن القوم الذين وصفوا بذلك لم يكلفوا أمراً عذروا فيه، وإنما كانوا فرقتين إما مجتهد طائع وإما منافق فاسق لأمر الله مخالف، فليس في الفريقين موصوف بالتعذير في الشخوص مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما هو معذر مبالغ، أو معتذر. فإذا كان ذلك كذلك، وكانت الحجة من القرّاء مجمعة على تشديد الذال من «المعذرين»، علم أن معناه ما وصفناه من التأويل. وقد ذكر عن مجاهد في ذلك موافقة ابن عباس

                                تعليق

                                يعمل...