إرشاد النحرير لترجيحات الامام ابن جرير

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • اسامة محمد خيري
    Registered User
    • Dec 2008
    • 12975

    #451
    حدثنا أحمد بن يحيى الصوفـيّ، قال: ثنا الـحسن بن الـحسين الأنصاري، قال: ثنا معاذ بن مسلـم، ثنا الهروي، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، قال: لـما نزلت { إنَّـمَا أنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلّ قَومٍ هادٍ } وضع صلى الله عليه وسلم يده علـى صدره، فقال: " أنَا الـمُنْذِرُ وَلِكُلّ قَوْمٍ هادٍ " وأومأ بـيده إلـى منكب علـيّ، فقال: " أنْتَ الهادِي يا عَلـيّ، بك يَهْتَدِي الـمُهْتَدُون بَعْدِي ".

    وقال آخرون: معناه: لكلّ قوم داع. ذكر من قال ذلك:

    حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: { وَلِكُلّ قَوْمٍ هادٍ } قال: داع.

    وقد بـيَّنت معنى الهداية، وأنه الإمام الـمتبع الذي يقدمُ القوم. فإذا كان ذلك كذلك، فجائز أن يكون ذلك هو الله الذي يهدي خـلقه وَيَتْبِعُ خـلقه هداه ويأتـمون بأمره ونهيه، وجائز أن يكون نبـيّ الله الذي تأتـمّ به أمته، وجائز أن يكون إماماً من الأئمة يؤتـمّ به ويتبع مِنهاجَه وطريقته أصحابه، وجائز أن يكون داعياً من الدُّعاة إلـى خير أو شرّ.

    وإذا كان ذلك كذلك، فلا قول أولـى فـي ذلك بـالصواب من أن يقال كما قال جلّ ثناؤه: إن مـحمداً هو الـمنذر مَن أُرْسِل إلـيه بـالإنذار، وإن لكلّ قوم هادياً يهديهم فـيتبعونه ويأتـمون به.

    تعليق

    • اسامة محمد خيري
      Registered User
      • Dec 2008
      • 12975

      #452
      وأولـى التأويـلـين فـي ذلك بـالصواب، قول من قال: الهاء فـي قوله: { لَهُ مُعَقِّبـاتٌ } من ذكر «من» التـي فـي قوله:
      { وَمَنْ هُوَ مُسْتَـخْفٍ بـاللَّـيْـلِ }
      وأن الـمعقبـات من بـين يديه ومن خـلفه، هي حَرَسه وجَلاَوِزته كما قال ذلك مَن ذكرنا قوله.

      وإنـما قلنا: ذلك أولـى التأويـلـين بـالصواب لأن قوله: { لَهُ مُعَقِّبـاتٌ } أقرب إلـى قوله:
      { وَمَنْ هُوَ مُسْتَـخْفٍ بـاللَّـيْـلِ }
      منه إلـى عالـم الغيب، فهي لقربها منه أولـى بأن تكون من ذكره، وأن يكون الـمعنىّ بذلك هذا، مع دلالة قول الله: { وَإذَا أرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ } علـى أنهم الـمعِنـيُّون بذلك. وذلك أنه جلّ ثناؤه ذكر قوماً أهل معصية له وأهل ريبة، يستـخفون بـاللـيـل ويظهرون بـالنهار، ويـمتنعون عند أنفسهم بحرس يحرسهم، ومَنَعَة تـمنعهم من أهل طاعته أن يحولوا بـينهم وبـين ما يأتون من معصية الله، ثم أخبر أن الله تعالـى ذكره إذا أراد بهم سوءاً لـم ينفعهم حرسهم، ولا يدفع عنهم حفظهم...

      قال أبو جعفر: وهذا القول الذي قاله ابن زيد فـي تأويـل هذه الآية قول بعيد من تأويـل الآية مع خلافه أقوال من ذكرنا قوله من أهل التأويـل، وذلك أنه جعل الهاء فـي قوله: { لَهُ مُعَقِّبـاتٌ } من ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولـم يجر له فـي الآية التـي قبلها ولا فـي التـي قبل الأخرى ذكر، إلا أن يكون أراد أن يردّها علـى قوله:
      { إنَّـمَا أنْتَ مُنْذِرٌ وَلكُلّ قَوْمٍ هادٍ لَهُ مُعَقِّبـاتٌ }
      فإن كان أراد ذلك، فذلك بعيد لـما بـينهما من الآيات بغير ذكر الـخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإذا كان كذلك، فكونها عائدة علـى «مَن» التـي فـي قوله:
      { وَمَنْ هُوَ مُسْتَـخْفٍ بـاللَّـيْـلِ }
      أقرب، لأنه قبلها والـخبر بعدها عنه. فإذا كان ذلك كذلك، فتأويـل الكلام: سواء منكم أيها الناس من أسرّ القول ومن جهر به عند ربكم، ومن هو مستـخف بفسقه وريبته فـي ظلـمة اللـيـل، وسارب: يذهب ويجيء فـي ضوء النهار مـمتنعاً بجنده وحرسه الذين يتعقبونه من أهل طاعة الله أن يحولوا بـينه وبـين ما يأتـي من ذلك، وأن يقـيـموا حدّ الله علـيه، وذلك قوله: { يَحْفَظُونَهُ مِنْ أمْرِ اللّهِ }....

      وأما قوله: { يَحْفَظُونَهُ مِنْ أمْرِ اللّهِ } فإن أهل العربـية اختلفوا فـي معناه، فقال بعض نـحويـي الكوفة معناه: له معقبـات من أمر الله يحفظونه، ولـيس من أمره إنـما هو تقديـم وتأخير. قال: ويكون يحفظونه ذلك الـحفظ من أمر الله وبإذنه، كما تقول للرجل: أجبتك من دعائك إياي، وبدعائك إياي. وقال بعض نـحويـي البصريـين: معنى ذلك: يحفظونه عن أمر الله، كما قالوا: أطعمنـي من جوع وعن جوع، وكسانـي عن عُرْي ومن عُرْي.

      وقد دللنا فـيـما مضى علـى أن أولـى القول بتأويـل ذلك أن يكون قوله: { يَحْفَظُونَهُ مِنْ أمْرِ اللّهِ } من صفة حرس هذا الـمستـخفـي بـاللـيـل وهي تـحرسه ظنًّا منها أنها تدفع عنه أمر الله، فأخبر تعالـى ذكره أن حرسه ذلك لا يغنـي عنه شيئاً إذا جاء أمره، فقال: { وَإذَا أرَادَ اللّهُ بَقَوْمٍ سُوءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ }.

      تعليق

      • اسامة محمد خيري
        Registered User
        • Dec 2008
        • 12975

        #453
        والقول الذي ذكرناه عن قتادة فـي تأويـل الـمـحال أنه الـحيـلة، والقول الذي ذكره ابن جريج عن ابن عبـاس يدلان علـى أنهما كانا يقرآن: «وَهُوَ شَدِيدُ الـمَـحَال» بفتـح الـميـم، لأن الـحيـلة لا يأتـي مصدرها مِـحَالاً بكسر الـميـم، ولكن قد يأتـي علـى تقدير الـمَفْعلة منها، فـيكون مَـحَالة، ومن ذلك قولهم: «الـمرء يعجز لا مَـحالة»، والـمـحالة فـي هذا الـموضع: الـمفعلة من الـحيـلة. فأما بكسر الـميـم، فلا تكون إلا مصدراً، من ما حلت فلاناً أما حلهِ مـحالاً، والـمـماحلة بعيدة الـمعنى من الـحيـلة، ولا أعلـم أحداً قرأه بفتـح الـميـم. فإذا كان ذلك كذلك، فـالذي هو أولـى بتأويـل ذلك ما قلنا من القول.

        تعليق

        • اسامة محمد خيري
          Registered User
          • Dec 2008
          • 12975

          #454
          حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: { أفَلَـمْ يَـيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا } قال: ألـم يعلـم الذين آمنوا.

          والصواب من القول فـي ذلك ما قاله أهل التأويـل: إن تأويـل ذلك: أفلـم يتبـين ويعلـم لإجماع أهل التأويـل علـى ذلك والأبـيات التـي أنشدناها فـيه.

          فتأويل الكلام إذن: ولو أن قرآناً سوى هذا القرآن كان سيرت به الـجبـال لسير بهذا القرآن، أو قطِّعت به الأرض لقطِّعت بهذا، أو كلِّـم به الـموتـى لكلِّـم بهذا، ولو يفعل بقرآن قبل هذا القرآن لفُعل بهذا. { بَلْ لِلّهِ الأمْرُ جَمِيعاً } يقول: ذلك كله إلـيه وبـيده، يهدى من يشاء إلـى الإيـمان فـيوفقه له ويضلّ من يشاء فـيخذله، أفلـم يتبـين الذين آمنوا بـالله ورسوله إذ طمعوا فـي إجابتـي من سأل نبـيهم من تسيـير الـجبـال عنهم وتقريب أرض الشام علـيهم وإحياء موتاهم، أن لو يشاء الله لهدَى الناس جميعاً إلـى الإيـمان به من غير إيجاد آية ولا إحداث شيء مـما سألوا إحداثه. يقول تعالـى ذكره: فما معنى مـحبتهم ذلك مع علـمهم بأن الهداية والإهلاك إلـيّ وبـيدي أنزلت آية أو لـم أنزلها أهدي من أشاء بغير إنزال آية، وأضلّ من أردت مع إنزالها....

          تعليق

          • اسامة محمد خيري
            Registered User
            • Dec 2008
            • 12975

            #455
            وقال آخرون: معنى ذلك: ويغفر ما يشاء من ذنوب عبـاده، ويترك ما يشاء فلا يغفر. ذكر من قال ذلك:

            حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن عطاء، عن سعيد، فـي قوله { يَـمْـحُو اللّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ } قال: يثبت فـي البطن الشقاء والسعادة وكلّ شيء، فـيغفر منه ما يشاء ويؤخر ما يشاء.

            وأولـى الأقوال التـي ذكرت فـي ذلك بتأويـل الآية، وأشبهها بـالصواب، القول الذي ذكرناه عن الـحسن ومـجاهد وذلك أن الله تعالـى ذكره توعد الـمشركين الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الآيات بـالعقوبة وتهدّدهم بها وقال لهم:
            { وَما كانَ لرَسُولٍ أنْ يَأْتِـيَ بآيَةٍ إلاَّ بإذْنِ اللّهِ لكُلّ أجَلٍ كتابٌ }
            يعلـمهم بذلك أن لقضائه فـيهم أجلاً مثبتاً فـي كتاب هم مؤخرون إلـى وقت مـجيء ذلك الأجل، ثم قال لهم: فإذا جاء ذلك الأجل يجيء الله بـما شاء مـمن قد دنا أجله وانقطع رزقه أو حان هلاكه أو اتضاعه، من رفعة أو هلاك مال، فـيقضي ذلك فـي خـلقه، فذلك مـحوه. ويُثبت ما شاء مـمن بقـي أجله ورزقه وأُكْله، فـيتركه علـى ما هو علـيه فلا يـمـحوه. وبهذا الـمعنى جاء الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك ما:

            حدثنـي مـحمد بن سهل بن عسكر، قال: ثنا ابن أبـي مريـم، قال: ثنا اللـيث بن سعد، عن زيادة بن مـحمد، عن مـحمد بن كعب القرظي، عن فضالة بن عبـيد، عن أبـي الدرداء، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنَّ اللّهَ يَفْتَـحُ الذّكْرَ فِـي ثَلاثِ ساعاتٍ يَبْقـينَ منَ اللَّـيْـلِ، فِـي السَّاعَةِ الأُولـى منْهُنَّ يَنْظُرُ فِـي الكتابِ الَّذِي لا يَنْظُرُ فـيهِ أحَدٌ غيرُهُ، فَـيَـمْـحُو ما يَشاءُ ويُثْبتُ " ثم ذكر ما فـي الساعتـين الآخرتـين.

            حدثنا موسى بن سهل الرملـي، قال: ثنا آدم، قال: ثنا اللـيث، قال: ثنا زيادة بن مـحمد، عن مـحمد بن كعب القرظي، عن فضالة بن عبـيد، عن أبـي الدرداء، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنَّ اللّهَ يَنْزِلُ فِـي ثَلاثِ ساعاتٍ يَبْقـيْنَ منَ اللَّـيْـلِ، يَفْتَـحُ الذّكْرَ فِـي السَّاعَةِ الأُولـى الَّذِي لَـمْ يَرَهُ أحَدٌ غيرُهُ، يَـمْـحُو ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ ما يَشاءُ ". ...

            وقال آخرون: هو الذِّكْرُ. ذكر من قال ذلك:

            حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج قال أبو جعفر: لا أدري فـيه ابن جريج أم لا قال: قال ابن عبـاس: { وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ } قال: الذكر.

            وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب قول من قال: وعنده أصل الكتاب وجملته وذلك أنه تعالـى ذكره أخبر أنه يـمـحو ما يشاء ويثبت ما يشاء، ثم عقب ذلك بقوله: { وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ } فكان بـيِّناً أن معناه: وعنده أصل الـمثبَت منه والـمـمـحو، وجملته فـي كتاب لديه...

            واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: { وَيُثْبِتُ } فقرأ ذلك عامة قرّاء الـمدينة والكوفة: «ويُثَبِّتُ» بتشديد البـاء بـمعنى: ويتركه ويقره علـى حاله، فلا يـمـحوه. وقرأه بعض الـمكيـين وبعض البصريـين وبعض الكوفـيـين: { ويُثْبِتُ } بـالتـخفـيف، بـمعنى: يكتب، وقد بـيَّنا قبل أن معنى ذلك عندنا: إقراره مكتوبـاً وترك مـحوه علـى ما قد بـيَّنا، فإذا كان ذلك كذلك فـالتثبـيت به أولـى، والتشديد أصوب من التـخفـيف، وإن كان التـخفـيف قد يحتـمل توجيهه فـي الـمعنى إلـى التشديد والتشديد إلـى التـخفـيف، لتقارب معنـيـيهما.

            تعليق

            • اسامة محمد خيري
              Registered User
              • Dec 2008
              • 12975

              #456
              وأولـى الأقوال فـي تأويـل ذلك بـالصواب، قول من قال: { أو لَـمْ يَرَوْا أنَّا نَأْتِـي الأرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أطْرَافِها } بظهور الـمسلـمين من أصحاب مـحمد صلى الله عليه وسلم علـيها وقهرهم أهلها، أفلا يعتبرون بذلك فـيخافون ظهورهم علـى أرضهم وقهرهم إياهم؟ وذلك أن الله توعد الذين سألوا رسوله الآيات من مُشركي قومه بقوله:
              { وإمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِيَ نَعِدُهُمْ أوْ نَتَوَفَّـيَنَّكَ فإنَّـما عَلَـيْكَ البَلاغُ وَعَلَـيْنا الـحسابُ }

              ثم وبخهم تعالـى ذكره بسوء اعتبـارهم ما يعاينون من فعل الله بضربـائهم من الكفـار، وهم مع ذلك يسألون الآيات، فقال: { أو لَـمْ يَرَوْا أنَّا نَأْتِـي الأرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أطْرَافِها } بقهر أهلها، والغلبة علـيها من أطرافها وجوانبها، وهم لا يعتبرون بـما يرون من ذلك.

              تعليق

              • اسامة محمد خيري
                Registered User
                • Dec 2008
                • 12975

                #457
                وكان سعيد يقرؤها: «وَمِنْ عِنْدِهِ عُلِـمَ الكِتابُ».

                حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي عبـاد، عن عوف، عن الـحسن وجويبر، عن الضحاك بن مزاحم، قالا: «وَمِنْ عِنْدِهِ عُلِـمَ الكِتابُ» قال: من عند الله.

                وقد رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر بتصحيح هذه القراءة وهذا التأويـل، غير أن فـي إسناده نظراً، وذلك ما:

                حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي عبـاد بن العوّام، عن هارون الأعور، عن الزهريّ، عن سالـم بن عبد الله، عن أبـيه، عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم أنه قرأ: «وَمِنْ عِنْدِهِ عُلِـمَ الكِتابُ» عند الله علـم الكتاب.

                وهذا خبر لـيس له أصل عند الثقات من أصحاب الزهريّ.

                فإذا كان ذلك كذلك وكانت قرّاء الأمصار من أهل الـحجاز والشام والعراق علـى القراءة الأخرى، وهي: { وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْـمُ الكِتابِ } كان التأويـل الذي علـى الـمعنى الذي علـيه قرّاء الأمصار أولـى بـالصواب مـمن خالفه، إذ كانت القراءة بـما هم علـيه مـجمعون أحقّ بـالصواب.

                تعليق

                • اسامة محمد خيري
                  Registered User
                  • Dec 2008
                  • 12975

                  #458
                  وأشبه هذه الأقوال عندي بالصواب في تأويل هذه الآية القول الذي ذكرناه عن عبد الله بن مسعود أنهم ردّوا أيديهم في أفواههم، فعضوا عليها غيظاً على الرسل، كما وصف الله عزّ وجلّ به إخوانهم من المنافقين فقال
                  { وَإذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ }
                  فهذا هو الكلام المعروف والمعنى المفهوم من ردّ اليد إلى الفم

                  تعليق

                  • اسامة محمد خيري
                    Registered User
                    • Dec 2008
                    • 12975

                    #459
                    وقال آخرون: بل الحين في هذا الموضع: شهران. ذكر من قال ذلك

                    حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال ثنا محمد بن مسلم الطائفي، عن إبراهيم بن ميسرة، قال جاء رجل إلى سعيد بن المسيب، فقال: إني حلفت أن لا أكلم فلاناً حينا، فقال: قال الله تعالى: { تُؤْتِى أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بإذْنِ رَبَّها } قال: هي النخلة لا يكون منها أكلها الا شهرين: فالحين شهران.

                    وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال: عنى بالحين في هذا الموضع: غدوة وعشية، وكلّ ساعة، لأن الله تعالى ذكره ضرب ما تؤتى هذه الشجرة كلّ حين من الأكل لعمل المؤمن وكلامه مثلا، ولا شكّ أن المؤمن يرفع إلى الله في كل يوم صالح من العمل والقول، لا في كل سنة، أوفى كل ستة أشهر، أوفي كلّ شهرين

                    تعليق

                    • اسامة محمد خيري
                      Registered User
                      • Dec 2008
                      • 12975

                      #460
                      وقال آخرون: معنى ذلك: يثبت الله الذين آمنوا بـالإيـمان فـي الـحياة الدنـيا، وهو القول الثابت، وفـي الآخرة: الـمسألة فـي القبر. ذكر من قال ذلك:

                      حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن ابن طاووس، عن أبـيه: { يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بـالقَوْلِ الثَّابِتِ فِـي الـحَياةِ الدُّنْـيا } قال: لا إله إلاَّ الله. { وفِـي الآخِرةِ } الـمسألة فـي القبر.

                      حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بـالقَوْلِ الثَّابِتِ فِـي الـحَياةِ الدُّنْـيا } أما الـحياة الدنـيا، فـيثبتهم بـالـخير والعمل الصالـح. وقوله: { فِـي الآخِرَةِ } أي فـي القبر.

                      والصواب من القول فـي ذلك ما ثبت به الـخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فـي ذلك، وهو أن معناه: يثبت الله الذين آمنوا بـالقول الثابت فـي الـحياة الدنـيا، وذلك تثبـيته إياهم فـي الـحياة الدنـيا بـالإيـمان بـالله وبرسوله مـحمد صلى الله عليه وسلم، وفـي الآخرة بـمثل الذِي ثبتهم به فـي الـحياة الدنـيا، وذلك فـي قبورهم حين يُسألون عن الذي هم علـيه من التوحيد والإيـمان برسوله صلى الله عليه وسلم

                      تعليق

                      • اسامة محمد خيري
                        Registered User
                        • Dec 2008
                        • 12975

                        #461
                        حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: { وآتاكُمْ مِنْ كُلَ ما سألْتُـمُوهُ } قال: لـم تسألوه من كلّ الذي آتاكم.

                        والصواب من القول فـي ذلك عندنا، القراءة التـي علـيها قرّاء الأمصار، وذلك إضافة «كل» إلـى «ما» بـمعنى: وآتاكم من سؤلكم شيئاً، علـى ما قد بـيَّنا قبل، لإجماع الـحجة من القرّاء علـيها ورفضهم القراءة الأخرى.

                        تعليق

                        • اسامة محمد خيري
                          Registered User
                          • Dec 2008
                          • 12975

                          #462
                          حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { وأفْئدَتُهُمْ هَوَاءٌ } انتزعت حتـى صارت فـي حناجرهم لا تـخرج من أفواههم، ولا تعود إلـى أمكنتها.

                          وأولـى هذه الأقوال عندي بـالصواب فـي تأويـل ذلك قول من قال: معناه: أنها خالـية لـيس فـيها شيء من الـخير، ولا تعقل شيئاً وذلك أن العرب تسمي كلّ أجوف خاو: هواء ومنه قول حسَّان بن ثابت:

                          ألا أبْلِغْ أبـا سُفْـيانَ عَنّـي فأنْتَ مُـجَوَّفٌ نَـخِبٌ هَوَاءُ

                          تعليق

                          • اسامة محمد خيري
                            Registered User
                            • Dec 2008
                            • 12975

                            #463
                            واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: { لِتَزُولَ مِنْهُ الـجِبـالُ } فقرأ ذلك عامَّة قرّاء الـحجاز والـمدينة والعراق ما خلا الكسائي: { وَإنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الـجِبـالُ } بكسر اللام الأولـى وفتـح الثانـية، بـمعنى: وما كان مكرهم لتزول منه الـجبـال. وقرأه الكسائي: { وَإنْ كانَ مَكْرُهُمْ لتَزُولُ مِنْهُ الـجِبـالُ } بفتـح اللام الأولـى ورفع الثانـية علـى تأويـل قراءة من قرأ ذلك: { وَإنْ كادَ مَكْرُهُمْ لتَزُولُ مِنْهُ الـجِبـالُ } من الـمتقدمين الذين ذكرت أقوالهم، بـمعنى: اشتدّ مكرهم حتـى زالت منه الـجبـال، أو كادت تزول منه. وكان الكسائيّ يحدّث عن حمزة، عن شبل عن مـجاهد، أنه كان يقرأ ذلك علـى مثل قراءته: { وَإنْ كانَ مَكْرُهُمْ لتَزُولُ مِنْهُ الـجبـالُ } برفع تزول.

                            حدثنـي بذلك الـحارث عن القاسم عنه.

                            والصواب من القراءة عندنا، قراءة من قرأه: { وَإنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الـجِبـالُ } بكسر اللام الأولـى وفتـح الثانـية، بـمعنى: وما كان مكرههم لتزول منه الـجبـال.

                            وإنـما قلنا ذلك هو الصواب، لأن اللام الأولـى إذا فُتـحت، فمعنى الكلام: وقد كان مكرهم تزول منه الـجبـال، ولو كانت زالت لـم تكن ثابتة، وفـي ثبوتها علـى حالتها ما يبـين عن أنها لـم تزُل. وأخرى إجماع الـحجة من القرّاء علـى ذلك، وفـي ذلك كفـاية عن الاستشهاد علـى صحتها وفساد غيرها بغيره.

                            فإن ظنّ ظانّ أن ذلك لـيس بإجماع من الـحجة إذ كان من الصحابة والتابعين من قرأ ذلك كذلك، فإن الأمر بخلاف ما ظنّ فـي ذلك، وذلك أن الذين قرءوا ذلك بفتـح اللام الأولـى ورفع الثانـية قرءوا: { وَإنْ كادَ مَكْرُهُمْ } بـالدال، وهي إذا قرئت كذلك، فـالصحيح من القراءة مع: { وَإنْ كادَ } فتـح اللام الأولـى ورفع الثانـية علـى ما قرءوا، وغير جائز عندنا القراءة كذلك، لأن مصاحفنا بخلاف ذلك، وإنـما خطّ مصاحفنا وإن كان بـالنون لا بـالدال....

                            فـالأولـى من القول بـالصواب فـي تأويـل الآية، إذ كانت القراءة التـي ذكرت هي الصواب لـما بـيَّنا من الدلالة فـي قوله: { وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ الله مَكْرُهُمْ وَإنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الـجِبـالُ } وقد أشرك الذين ظلـموا أنفسهم بربهم وافتروا علـيه فريتهم علـيه، وعند الله علـم شركهم به وافترائهم علـيه، وهو معاقبهم علـى ذلك عقوبتهم التـي هم أهلها، وما كان شركهم وفريتهم علـى الله لتزول منه الـجبـال، بل ما ضرّوا بذلك إلاَّ أنفسهم، ولا عادت بغية مكروهة إلاَّ علـيهم.

                            تعليق

                            • اسامة محمد خيري
                              Registered User
                              • Dec 2008
                              • 12975

                              #464
                              وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب، قول من قال: معناه: يوم تبدّل الأرض التـي نـحن علـيها الـيوم يوم القـيامة غيرَها، وكذلك السموات الـيوم تبدّل غيرها، كما قال جلّ ثناؤه. وجائز أن تكون الـمبدلة أرضاً أخرى من فضة، وجائز أن تكون ناراً وجائز أن تكون خبزاً، وجائز أن تكون غير ذلك، ولا خبر فـي ذلك عندنا من الوجه الذي يجب التسلـيـم له أيّ ذلك يكون، فلا قول فـي ذلك يصحّ إلاَّ ما دلّ علـيه ظاهر التنزيـل

                              تعليق

                              • اسامة محمد خيري
                                Registered User
                                • Dec 2008
                                • 12975

                                #465
                                يقول تعالـى ذكره: كما سلكنا الكفر فـي قلوب شيع الأوّلـين. بـالاستهزاء بـالرسل، كذلك نفعل ذلك فـي قلوب مشركي قومك الذين أجرموا بـالكفر بـالله { لا يُوءْمِنُونَ بِهِ } يقول: لا يصدّقون: بـالذكر الذي أنزل إلـيك. والهاء فـي قوله: { نَسْلُكُهُ } من ذكر الاستهزاء بـالرسل والتكذيب بهم كما:

                                حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج: { كذلكَ نَسْلُكُهُ فِـي قُلُوبِ الـمُـجْرِمِينَ } قال: التكذيب.

                                تعليق

                                يعمل...