إرشاد النحرير لترجيحات الامام ابن جرير

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • اسامة محمد خيري
    Registered User
    • Dec 2008
    • 12975

    #496
    سورة الاسراء

    وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب، أن يقال: إن الله عزّ وجلّ أخبر أنه أسرى بعبده من الـمسجد الـحرام، والـمسجد الـحرام هو الذي يتعارفه الناس بـينهم إذا ذكروه، وقوله: { إلـى الـمَسْجِدِ الأقْصَى } يعنـي: مسجد بـيت الـمقدس، وقـيـل له: الأقصى، لأنه أبعد الـمساجد التـي تزار، ويُبتَغى فـي زيارته الفضل بعد الـمسجد الـحرام....

    والصواب من القول فـي ذلك عندنا أن يقال: إن الله أسرى بعبده مـحمد صلى الله عليه وسلم من الـمسجد الـحرام إلـى الـمسجد الأقصى، كما أخبر الله عبـاده، وكما تظاهرت به الأخبـار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن الله حمله علـى البراق حين أتاه به، وصلـى هنالك بـمن صلـى من الأنبـياء والرسل، فأراه ما أراه من الآيات ولا معنى لقول من قال: أسرى بروحه دون جسده، لأن ذلك لو كان كذلك لـم يكن فـي ذلك ما يوجب أن يكون ذلك دلـيلاً علـى نبوّته، ولا حجة له علـى رسالته، ولا كان الذين أنكروا حقـيقة ذلك من أهل الشرك، كانوا يدفعون به عن صدقه فـيه، إذ لـم يكن منكرا عندهم، ولا عند أحد من ذوي الفطرة الصحيحة من بنـي آدم أن يرى الرائي منهم فـي الـمنام ما علـى مسيرة سنة، فكيف ما هو علـى مسيرة شهر أو أقلّ؟ وبعد، فإن الله إنـما أخبر فـي كتابه أنه أسرى بعبده، ولـم يخبرنا أنه أسرى بروح عبده، ولـيس جائزا لأحد أن يتعدّى ما قال الله إلـى غيره. فإن ظنّ ظانّ أن ذلك جائز، إذ كانت العرب تفعل ذلك فـي كلامها، كما قال قائلهم:
    حَسِبْتُ بُغامَ رَاحِلَتِـي عَناقاً وَما هِيَ وَيْبَ غيرِكِ بـالْعَناقِ
    يعنـي: حسبت بغام راحلتـي صوت عناق، فحذف الصوت واكتفـى منه بـالعناق، فإن العرب تفعل ذلك فـيـما كان مفهوما مراد الـمتكلـم منهم به من الكلام. فأما فـيـما لا دلالة علـيه إلا بظهوره، ولا يوصل إلـى معرفة مراد الـمتكلِّـم إلا ببـيانه، فإنها لا تـحذف ذلك ولا دلالة تدلّ علـى أن مراد الله من قوله: { أسْرَى بِعَبْدِهِ } أسرى بروح عبده، بل الأدلة الواضحة، والأخبـار الـمتتابعة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله أسرى به علـى دابة يُقال لها البراق ولو كان الإسراء بروحه لـم تكن الروح مـحمولة علـى البراق، إذ كانت الدوابّ لا تـحمل إلا الأجسام. إلا أن يقول قائل: إن معنى قولنا: أسرى بروحه: رأى فـي الـمنام أنه أسرى بجسده علـى البراق، فـيكذب حينئذٍ بـمعنى الأخبـار التـي رُويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن جبرئيـل حمله علـى البراق، لأن ذلك إذا كان مناماً علـى قول قائل هذا القول، ولـم تكن الروح عنده مـما تركب الدوابّ، ولـم يحمل علـى البراق جسم النبـيّ صلى الله عليه وسلم، لـم يكن النبـيّ صلى الله عليه وسلم علـى قوله حُمل علـى البراق لا جسمه، ولا شيء منه، وصار الأمر عنده كبعض أحلام النائمين، وذلك دفع لظاهر التنزيـل، وما تتابعت به الأخبـار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاءت به الآثار عن الأئمة من الصحابة والتابعين.

    تعليق

    • اسامة محمد خيري
      Registered User
      • Dec 2008
      • 12975

      #497
      وقد بـيَّنا فـيـما مضى قبل أن معنى القضاء: الفراغ من الشيء، ثم يستعمل فـي كلّ مفروغ منه، فتأويـل الكلام فـي هذا الـموضع: وفرغ ربك إلـى بنـي إسرائيـل فـيـما أنزل من كتابه علـى موسى صلوات الله وسلامه علـيه بإعلامه إياهم، وإخبـاره لهم { لَتُفْسِدُنَّ فِـي الأرْضِ مَرَّتَـيْنِ } يقول: لتعصنّ الله يا معشر بنـي إسرائيـل ولتـخالفنّ أمره فـي بلاده مرّتـين { وَلَتَعْلُنَّ عَلُوًّا كَبِـيراً } يقول: ولتستكبرنّ علـى الله بـاجترائكم علـيه استكبـاراً شديداً. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

      حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قول الله: { وَقَضَيْنا إلـى بَنِـي إسْرَائيِـلَ } قال: أعلـمناهم.

      حدثنـي علـيّ بن داود، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، فـي قوله: { وَقَضَيْنا إلـى بَنِـي إسْرَائِيـلَ } يقُول: أعلـمناهم.

      وقال آخرون: معنى ذلك: وقضينا علـى بنـي إسرائيـل فـي أمّ الكتاب، وسابق علـمه. ذكر من قال ذلك:

      حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، { وَقَضَيْنا إلـى بَنِـي إسْرَائِيـلَ } قال: هو قضاء قضى علـيهم.

      حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سيعد، عن قتادة، قوله: { وَقَضَيْنا إلـى بَنِـي إسْرَائِيـلَ } قضاء قضاه علـى القوم كما تسمعون.

      وقال آخرون: معنى ذلك: أخبرنا. ذكر من قال ذلك:

      حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحرث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قوله: { وَقَضَيْنا إلـى بَنِـي إسْرَائِيـلَ فِـي الكِتابِ } قال: أخبرنا بنـي إسرائيـل.

      وكلّ هذه الأقوال تعود معانـيها إلـى ما قلت فـي معنى قوله: { وَقَضَيْنا } وإن كان الذي اخترنا من التأويـل فـيه أشبه بـالصواب لإجماع القرّاء علـى قراءة قوله { لَتُفْسِدُنَّ } بـالتاء دون الـياء، ولو كان معنى الكلام: وقضينا علـيهم فـي الكتاب، لكانت القراءة بـالـياء أولـى منها بـالتاء، ولكن معناه لـما كان أعلـمناهم وأخبرناهم، وقلنا لهم، كانت التاء أشبه وأولـى للـمخاطبة...

      تعليق

      • اسامة محمد خيري
        Registered User
        • Dec 2008
        • 12975

        #498
        وقد اختلفت القرّاء فـي قراءة قوله { لِـيْسُوءُوا وُجُوهَكُمْ } فقرأ ذلك عامَّة قرّاء أهل الـمدينة والبصرة { لِـيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ } بـمعنى: لـيسوء العبـاد أولو البأس الشديد الذين يبعثهم الله علـيكم وجوهكم، واستشهد قارئوا ذلك لصحة قراءتهم كذلك بقوله { وَلِـيَدْخُـلُوا الـمَسْجِدَ } وقالوا: ذلك خبر عن الـجميع فكذلك الواجب أن يكون قوله { لِـيَسُوءُوا }. وقرأ ذلك عامَّة قرّاء الكوفة: «لِـيَسُوءَ وُجُوهَكُمْ» علـى التوحيد وبـالـياء. وقد يحتـمل ذلك وجهين من التأويـل أحدهما ما قد ذكرت، والآخر منهما: لـيسوء الله وجوهكم. فمن وجَّه تأويـل ذلك إلـى لـيسوء مـجيء الوعد وجوهَكم، جعل جواب قوله «فإذا» مـحذوفـاً، وقد استغنـي بـما ظهر عنه، وذلك الـمـحذوف «جاء»، فـيكون الكلام تأويـله: فإذا جاء وعد الآخرة لـيسوء وجوهكم جاء. ومن وجَّهَ تأويـله إلـى: لـيسوء الله وجوهكم، كان أيضا فـي الكلام مـحذوف، قد استغنـي هنا عنه بـما قد ظهر منه، غير أن ذلك الـمـحذوف سوى «جاء»، فـيكون معنى الكلام حينئذٍ: فإذا جاء وعد الآخرة بعثناهم لـيسوء الله وجوهكم، فـيكون الـمضمر بعثناهم، وذلك جواب «إذا» حينئذٍ. وقرأ ذلك بعض أهل العربـية من الكوفـيـين: «لِنَسُوءَ وُجُوهَكُمْ» علـى وجه الـخبر من الله تبـارك وتعالـى اسمه عن نفسه....

        تعليق

        • اسامة محمد خيري
          Registered User
          • Dec 2008
          • 12975

          #499
          والصواب من القول فـي ذلك عندي أي يقال: معنى ذلك: { وَجَعَلْنا جَهَنَـمٍ للْكافرِينَ حَصِيراً } فراشاً ومهاداً لا يزايـله من الـحصير الذي بـمعنى البساط، لأن ذلك إذا كان كذلك كان جامعاً معنى الـحبس والامتهاد، مع أن الـحصير بـمعنى البساط فـي كلام العرب أشهر منه بـمعنى الـحبس، وأنها إذا أرادت أن تصف شيئاً بـمعنى حبس شيء، فإنـما تقول: هو له حاصر أو مـحصر فأما الـحصير فغير موجود فـي كلامهم، إلا إذا وصفته بأنه مفعول به، فـيكون فـي لفظ فعيـل، ومعناه مفعول به ألا ترى بـيت لبـيد: لدى بـاب الـحصير؟ فقال: لدى بـاب الـحصير، لأنه أراد: لدى بـاب الـمـحصور، فصرف مفعولاً إلـى فعيـل.

          تعليق

          • اسامة محمد خيري
            Registered User
            • Dec 2008
            • 12975

            #500
            وقرأ ذلك بعض أهل الـمدينة: «ويُخَرجُ لَهُ» بضم الـياء علـى مذهب ما لـم يسمّ فـاعله، وكأنه وجَّه معنى الكلام إلـى ويخرج له الطائر يوم القـيامة كتابـا، يريد: ويخرج الله ذلك الطائر قد صيره كتابـاً، إلا أنه نـحاه نـحو ما لـم يسمّ فـاعله.

            وأولـى القراءات فـي ذلك بـالصواب، قراءة من قرأه: { ونُـخْرِجُ } بـالنون وضمها { لَهُ يَوْمَ القـيامَةِ كِتابـاً يَـلقاهُ منْشُوراً } بفتـح الـياء وتـخفـيف القاف، لأن الـخبر جري قبل ذلك عن الله تعالـى أنه الذي ألزم خـلقه ما ألزم من ذلك فـالصواب أن يكون الذي يـلـيه خبراً عنه، أنه هو الذي يخرجه لهم يوم القـيامة، أن يكون بـالنون كما كان الـخبر الذي قبله بـالنون. وأما قوله: { يَـلقاهُ } فإنّ فـي إجماع الـحجة من القرّاء علـى تصويب ما اخترنا من القراءة فـي ذلك، وشذوذ ما خالفه الـحجة الكافـية لنا علـى تقارب معنى القراءتـين: أعنـي ضمّ الـياء وفتـحها فـي ذلك، وتشديد القاف وتـخفـيفها فـيه فإذا كان الصواب فـي القراءة هو ما اخترنا بـالذي علـيه دللنا، فتأويـل الكلام: وكلّ إنسان منكم يا معشر بنـي آدم، ألزمناه نـحسه وسعده، وشقاءه وسعادته، بـما سبق له فـي علـمنا أنه صائر إلـيه، وعامل من الـخير والشرّ فـي عنقه، فلا يجاوز فـي شيء من أعماله ما قضينا علـيه أنه عامله، وما كتبنا له أنه صائر إلـيه، ونـحن نـخرج له إذا وافـانا كتابـاً يصادفه منشوراً بأعماله التـي عملها فـي الدنـيا، وبطائره الذي كتبنا له، وألزمناه إياه فـي عنقه، قد أحصى علـيه ربه فـيه كلّ ما سلف فـي الدنـيا.

            تعليق

            • اسامة محمد خيري
              Registered User
              • Dec 2008
              • 12975

              #501
              وأولـى القراءات فـي ذلك عندي بـالصواب قراءة من قرأه { أمَرْنا مُتْرَفِـيها } بقصر الألف من أمرنا وتـخفـيف الـميـم منها، لإجماع الـحجة من القرّاء علـى تصويبها دون غيرها.

              وإذا كان ذلك هو الأولـى بـالصواب بـالقراءة، فأولـى التأويلات به تأويـل من تأوّله: أمرنا أهلها بـالطاعة فعصوا وفسقوا فـيها، فحقّ علـيهم القول: لأن الأغلب من معنى أمرنا: الأمر، الذي هو خلاف النهي دون غيره، وتوجيه معانـي كلام الله جلّ ثناؤه إلـى الأشهر الأعرف من معانـيه، أولـى ما وجد إلـيه سبـيـل من غيره.

              تعليق

              • اسامة محمد خيري
                Registered User
                • Dec 2008
                • 12975

                #502
                وأولـى القراءتـين بـالصواب عندي فـي ذلك، قراءة من قرأه { إما يَبْلُغَنَّ } علـى التوحيد علـى أنه خبر عن أحدهما، لأن الـخبر عن الأمر بـالإحسان فـي الوالدين، قد تناهى عند قوله { وَبـالوَالِدَيْنِ إحْساناً } ثم ابتدأ قوله { إمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ أحَدُهُما أوْ كِلاهُما }...

                والذي هو أولـى بـالصحة عندي فـي قراءة ذلك، قراءة من قرأه: «فلا تَقُلْ لَهُما أُفِّ» بكسر الفـاء بغير تنوين لعلَّتـين إحداهما: أنها أشهر اللغات فـيها وأفصحها عند العرب والثانـية: أن حظّ كلّ ما لـم يكن له معرَب من الكلام السكون فلـما كان ذلك كذلك. وكانت الفـاء فـي أفّ حظها الوقوف، ثم لـم يكن إلـى ذلك سبـيـل لاجتـماع الساكنـين فـيه، وكان حكم الساكن إذا حُرّك أن يحرّك إلـى الكسر حرّكت إلـى الكسر، كما قـيـل: مُدِّ وشُدِّ ورُدِّ البـاب...

                تعليق

                • اسامة محمد خيري
                  Registered User
                  • Dec 2008
                  • 12975

                  #503
                  وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب، قول من قال: الأوّاب: هو التائب من الذنب، الراجع من معصية الله إلـى طاعته، ومـما يكرهه إلـى ما يرضاه، لأن الأوّاب إنـما هو فعَّال، من قول القائل: آب فلان من كذا إما من سفره إلـى منزله، أو من حال إلـى حال، كما قال عبَـيد بن الأبرص:
                  وكُلُّ ذِي غَيْبَةٍ يَئُوبُ وغائِبُ الـمَوْتِ لا يَئُوبُ
                  فهو يئوب أوبـاً، وهو رجل آئب من سفره، وأوّاب من ذنوبه.

                  تعليق

                  • اسامة محمد خيري
                    Registered User
                    • Dec 2008
                    • 12975

                    #504
                    وقال آخرون: بل عنى به قرابه رسول الله صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك:

                    حدثنـي مـحمد بن عمارة الأسدي، قال: ثنا إسماعيـل بن أبـان، قال: ثنا الصبـاح بن يحيى الـمَزنـيّ، عن السُّديّ، عن أبـي الديـلـم، قال: قال علـيّ بن الـحسين علـيهما السلام لرجل من أهل الشام: أقرأت القرآن؟ قال: نعم، قال: أفما قرأت فـي بنـي إسرائيـل { وآتِ ذَا القُرْبى حَقَّهُ } قال: وإنكم للقْرابة التـي أمر الله جلّ ثناؤه أن يُؤتـي حقه؟ قال: نعم.

                    وأولـى التأويـلـين عندي بـالصواب، تأويـل من تأوّل ذلك أنها بـمعنى وصية الله عبـاده بصلة قرابـات أنفسهم وأرحامهم من قِبَل آبـائهم وأمهاتهم، وذلك أن الله عزّ وجلّ عَقَّب ذلك عقـيب حَضّه عبـاده علـى بر الآبـاء والأمَّهات، فـالواجب أن يكون ذلك حَضًّا علـى صلة أنسابهم دون أنساب غيرهم التـي لـم يجر لها ذكر. وإذا كان ذلك كذلك، فتأويـل الكلام: وأعط يا مـحمد ذا قرابتك حقه من صلتك إياه، وبرّك به، والعطف علـيه. وخرج ذلك مَخْرج الـخطاب لنبـيّ الله صلى الله عليه وسلم، والـمراد بحكمه جميع من لزمته فرائض الله، يدلّ علـى ذلك ابتداؤه الوصية بقوله جلّ ثناؤه:
                    { وَقَضَى رَبُّكَ ألاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ إيَّاهُ وَبـالوَالِدَيْنِ إحْساناً إمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ أحَدُهُما }
                    فوجَّه الـخطاب بقوله
                    { وَقَضَى رَبُّكَ }
                    إلـى نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال
                    { ألاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ إيَّاهُ }
                    فرجع بـالـخطاب به إلـى الـجميع، ثم صرف الـخطاب بقوله
                    { إمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ }
                    إلـى إفراده به. والـمعنـيّ بكل ذلك جميع من لزمته فرائض الله عزّ وجلّ، أفرد بـالـخطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده، أو عمّ به هو وجميع أمته....

                    وقوله { وَابْنَ السَّبِـيـلِ } يعنـي: الـمسافر الـمنقطع به، يقول تعالـى: وصِل قرابتك، فأعطه حقه من صلتك إياه، والـمسكين ذا الـحاجة، والـمـجتاز بك الـمنقطع به، فأعنه، وقوّه علـى قطع سفره. وقد قـيـل: إنـما عنى بـالأمر بإتـيان ابن السبـيـل حقه أن يضاف ثلاثة أيام.

                    والقول الأوّل عندي أولـى بـالصواب، لأن الله تعالـى لـم يخصُصْ من حقوقه شيئاً دون شيء فـي كتابه، ولا علـى لسان رسوله، فذلك عامّ فـي كلّ حقّ له أن يُعطاه من ضيافة أو حمولة أو مَعُونة علـى سفره...

                    تعليق

                    • اسامة محمد خيري
                      Registered User
                      • Dec 2008
                      • 12975

                      #505
                      وكان ابن زيد يقول فـي ذلك ما:

                      حدثنـي به يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: { وإمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُم } عن هؤلاء الذين أوصيناك بهم { ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجوها } إذا خشيت إن أعطيتهم، أن يتقوّوا بها علـى معاصي الله عزّ وجلّ، ويستعينوا بها علـيها، فرأيت أن تـمنعهم خيرا، فإذا سألوك { فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً } قولاً جميلاً: رزقك الله، بـارك الله فـيك.

                      وهذا القول الذي ذكرناه عن ابن زيد مع خلافه أقوال أهل التأويـل فـي تأويـل هذه الآية، بعيد الـمعنى، مـما يدلّ علـيه ظاهرها، وذلك أن الله تعالـى قال لنبـيه صلى الله عليه وسلم { وَإمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها } فأمره أن يقول إذا كان إعراضه عن القوم الذين ذكرهم انتظار رحمة منه يرجوها من ربه { قَوْلاً مَيْسُوراً } وذلك الإعراض ابتغاء الرحمة، لن يخـلو من أحد أمرين: إما أن يكون إعراضاً منه ابتغاء رحمة من الله يرجوها لنفسه، فـيكون معنى الكلام كما قلناه، وقاله أهل التأويـل الذين ذكرنا قولهم، وخلاف قوله أو يكون إعراضا منه ابتغاء رحمة من الله يرجوها للسائلـين الذين أُمِر نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم بزعمه أن يـمنعهم ما سألوه خشية علـيهم من أن ينفقوه فـي معاصي الله، فمعلوم أن سخط الله علـى من كان غير مأمون منه صَرْف ما أُعْطي من نفقة لـيتقوّى بها علـى طاعة الله فـي معاصيه، أخوف من رجاء رحمته له، وذلك أن رحمة الله إنـما ترجى لأهل طاعته، لا لأهل معاصيه، إلا أن يكون أراد توجيه ذلك إلـى أن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم أمر بـمنعهم ما سألوه، لـينـيبوا من معاصي الله، ويتوبوا بـمنعه إياهم ما سألوه، فـيكون ذلك وجهاً يحتـمله تأويـل الآية، وإن كان لقول أهل التأويـل مخالفـاً.

                      تعليق

                      • اسامة محمد خيري
                        Registered User
                        • Dec 2008
                        • 12975

                        #506
                        وأولـى القراءات فـي ذلك عندنا بـالصواب، القراءة التـي علـيها قراء أهل العراق، وعامة أهل الـحجاز، لإجماع الـحجة من القراء علـيها، وشذوذ ما عداها. وإن معنى ذلك كان إثما وخطيئة، لا خَطَأ من الفعل، لأنهم إنـما كانوا يقتلونهم عمداً لا خطأ، وعلـى عمدهم ذلك عاتبهم ربهم، وتقدم إلـيهم بـالنهي عنه

                        تعليق

                        • اسامة محمد خيري
                          Registered User
                          • Dec 2008
                          • 12975

                          #507
                          وقال آخرون: بل ذلك السلطان: هو القتل. ذكر من قال ذلك:

                          حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { وَمَنْ قُتِل مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِولِـيِّهِ سُلْطاناً } وهو القَوَد الذي جعله الله تعالـى.

                          وأولـى التأويـلـين بـالصواب فـي ذلك تأويـل من تأول ذلك: أن السلطان الذي ذكر الله تعالـى فـي هذا الـموضع ما قاله ابن عبـاس، من أن لولـيّ القتـيـل القتل إن شاء وإن شاء أخذ الدية، وإن شاء العفو، لصحة الـخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال يوم فتـح مكة: " ألا وَمن قُتِل لَهُ قَتِـيـلٌ فَهُو بِخَيْرِ النَّظَريْنِ بـينِ أنْ يَقْتُل أوْ يأْخُذ الدّيَة " وقد بـيَّنت الـحكم فـي ذلك فـي كتابنا: كتاب الـجراح...

                          وقوله: { فَلا يُسْرِفْ فـي القَتْلِ } اختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامَّة قرّاء الكوفة: «فلا تُسْرِفْ» بـمعنى الـخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والـمراد به هو والأئمة من بعده، يقول: فلا تقتل بـالـمقتول ظُلْـما غير قاتله، وذلك أن أهل الـجاهلـية كانوا يفعلون ذلك إذا قتل رجل رجلاً عمد ولـيّ القتـيـل إلـى الشريف من قبـيـلة القاتل، فقتله بولـيه، وترك القاتل، فنهى الله عزّ وجلّ عن ذلك عبـاده، وقال لرسوله علـيه الصلاة والسلام: قتل غير القاتل بـالـمقتول معصية وسرف، فلا تقتل به غير قاتله، وإن قتلت القاتل بـالـمقتول فلا تـمثِّل به. وقرأ ذلك عامة قرّاء أهل الـمدينة والبصرة: { فَلا يُسْرِفْ } بـالـياء، بـمعنى فلا يسرف ولـيّ الـمقتول، فـيقتل غير قاتل ولـيه. وقد قـيـل: عنى به: فلا يسرف القاتل الأول لأولـي الـمقتول.

                          والصواب من

                          القول فـي ذلك عندي، أن يقال: إنهما قراءتان متقاربتا الـمعنى، وذلك أن خطاب الله تبـارك وتعالـى نبـيه صلى الله عليه وسلم بأمر أو نهى فـي أحكام الدين، قضاء منه بذلك علـى جميع عبـاده، وكذلك أمره ونهيه بعضهم، أمر منه ونهى جميعهم، إلا فـيـما دلّ فـيه علـى أنه مخصوص به بعض دون بعض، فإذا كان ذلك كذلك بـما قد بـيَّنا فـي كتابنا (كتاب البـيان، عن أصول الأحكام) فمعلوم أن خطابه تعالـى بقوله { فَلا تُسْرِفْ فـي القَتْلِ } نبـيه صلى الله عليه وسلم، وإن كان موجَّهاً إلـيه أنه معنّى به جميع عبـاده، فكذلك نهيه ولـيّ الـمقتول أو القاتل عن الإسراف فـي القتل، والتعدّي فـيه نهى لـجميعهم، فبأيّ ذلك قرأ القارىء فمصيب صواب القراءة فـي ذلك.

                          وأما قوله: { إنَّهُ كانَ مَنْصُوراً } فإن أهل التأويـل اختلفوا فـيـمن عُنِـي بـالهاء التـي فـي قوله { إنَّهُ } وعلـى ما هي عائدة، فقال بعضهم: هي عائدة علـى ولـيّ الـمقتول، وهو الـمعنـيّ بها، وهو الـمنصور علـى القاتل. ذكر من قال ذلك:

                          حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة { إنَّهُ كانَ مَنْصُوراً } قال: هو دفع الإمام إلـيه، يعنـي إلـى الولـيّ، فإن شاء قتل، وإن شاء عفـا.

                          وقال آخرون: بل عُنِـي بها الـمقتول، فعلـى هذا القول هي عائدة علـى «مَن» فـي قوله: { وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً }. ذكر من قال ذلك:

                          حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثـير، عن مـجاهد { إنَّهُ كانَ مَنْصُوراً } إن الـمقتول كان منصوراً.

                          وقال آخرون: عُنِـي بها دم الـمقتول، وقالوا: معنى الكلام: إن دم القتـيـل كان منصوراً علـى القاتل.

                          وأشبه ذلك بـالصواب عندي. قول من قال عُنِـي بها الولـيّ، وعلـيه عادت، لأنه هو الـمظلوم، وولـيه الـمقتول، وهي إلـى ذكره أقرب من ذكر الـمقتول، وهو الـمنصور أيضاً، لأن الله جلّ ثناؤه قضى فـي كتابه الـمنزل، أن سلَّطه علـى قاتل ولـيه، وحكَّمه فـيه، بأن جعل إلـيه قتله إن شاء، واستبقاءه علـى الدية إن أحبّ، والعفو عنه إن رأى، وكفـى بذلك نُصرة له من الله جلّ ثناؤه، فلذلك قلنا: هو الـمعنـيّ بـالهاء التـي فـي قوله: { إنَّهُ كانَ مَنْصُوراً }.

                          تعليق

                          • اسامة محمد خيري
                            Registered User
                            • Dec 2008
                            • 12975

                            #508
                            وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب قول من قال: معنى ذلك: لا تقل للناس وفـيهم ما لا علـم لك به، فترميهم بـالبـاطل، وتشهد علـيهم بغير الـحقّ، فذلك هو القـفو.

                            وإنـما قلنا ذلك أولـى الأقوال فـيه بـالصواب، لأن ذلك هو الغالب من استعمال العرب القـفو فـيه...

                            تعليق

                            • اسامة محمد خيري
                              Registered User
                              • Dec 2008
                              • 12975

                              #509
                              وقوله: { كُلُّ ذلكَ كانَ سَيِّئُهُ عنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً } فإن القرّاء اختلفت فـيه، فقرأه بعض قرّاء الـمدينة وعامة قرّاء الكوفة { كُلُّ ذلكَ كانَ سَيِّئُهُ عنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً } علـى الإضافة بـمعنى: كلّ هذا الذي ذكرنا من هذه الأمور التـي عددنا من مبتدإ قولنا
                              { وَقَضَى رَبُّكَ ألاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ إياهُ }
                              .. إلـى قولنا { وَلا تَـمْشِ فِـي الأرْضِ مَرَحاً كانَ سَيِّئُهُ } يقول: سيىء ما عددنا علـيك عند ربك مكروها. وقال قارئو هذه القراءة: إنـما قـيـل { كُلّ ذلكَ كانَ سَيِّئُهُ } بـالإضافة، لأن فـيـما عددنا من قوله
                              { وَقَضَى رَبُّكَ ألاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ إيَّاهُ }
                              أموراً، هي أمر بـالـجميـل، كقوله
                              { وَبـالوَالدَيْنِ إحْساناً }
                              ، وقوله وآتِ
                              { ذَا القُرْبَى حَقَّهُ }
                              وما أشبه ذلك، قالوا: فلـيس كلّ ما فـيه نهيا عن سيئة، بل فـيه نهى عن سيئة، وأمر بحسنات، فلذلك قرأنا { سَيِّئُهُ }. وقرأ عامة قرّاء أهل الـمدينة والبصرة وبعض قرّاء الكوفة: «كُلُّ ذلكَ كانَ سَيِّئَةً» وقالوا: إنـما عنى بذلك: كلّ ما عددنا من قولنا
                              { وَلا تَقْتُلُوا أوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إمْلاقٍ }
                              ولـم يدخـل فـيه ما قبل ذلك. قالوا: وكلّ ما عددنا من ذلك الـموضع إلـى هذا الـموضع سيئة لا حسنة فـيه، فـالصواب قراءته بـالتنوين. ومن قرأ هذه القراءة، فإنه ينبغي أن يكون من نـيته أن يكون الـمكروه مقدماً علـى السيئة، وأن يكون معنى الكلام عنده: كلّ ذلك كان مكروهاً سيئة لأنه إن جعل قوله: مكروهاً بعد السيئة من نعت السيئة، لزمه أن تكون القراءة: كلّ ذلك كان سيئة عند ربك مكروهة، وذلك خلاف ما فـي مصاحف الـمسلـمين.

                              وأولـى القراءتـين عندي فـي ذلك بـالصواب قراءة من قرأ { كُلُّ ذلكَ كانَ سيِّئُهُ } علـى إضافة السيىء إلـى الهاء، بـمعنى: كلّ ذلك الذي عددنا من
                              { وَقَضَى رَبُّكَ ألاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ إيَّاهُ }
                              .. كانَ سَيِّئُهُ لأن فـي ذلك أموراً منهياً عنها، وأموراً مأموراً بها، وابتداء الوصية والعهد من ذلك الـموضع دون قوله
                              { وَلا تَقْتُلُوا أوْلادَكُمْ }
                              إنـما هو عطف علـى ما تقدّم من قوله وَقَضَى رَبُّكَ ألاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ إيَّاهُ فإذا كان ذلك كذلك، فقرأته بإضافة السيىء إلـى الهاء أولـى وأحقّ من قراءته سيئةً بـالتنوين، بـمعنى السيئة الواحدة.

                              فتأويـل الكلام إذن: كلّ هذا الذي ذكرنا لك من الأمور التـي عددناها علـيك كان سيئه مكروهاً عند ربك يا مـحمد، يكرهه وينهى عنه ولا يرضاه، فـاتق مواقعته والعمل به.

                              تعليق

                              • اسامة محمد خيري
                                Registered User
                                • Dec 2008
                                • 12975

                                #510
                                حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كمَا يَقُولُونَ إذًا لابْتَغَوْا إلـى ذِي العَرْشِ سَبِـيلاً } يقول: لو كان معه آلهة إذن لعرفوا فضله ومرتبته ومنزلته علـيهم، فـابتغوا ما يقرّبهم إلـيه.

                                تعليق

                                يعمل...