إرشاد النحرير لترجيحات الامام ابن جرير

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • اسامة محمد خيري
    Registered User
    • Dec 2008
    • 12975

    #136
    يعنـي بقوله جلّ ثناؤه: { لَيْسُواْ سَوَاء } لـيس فريقا أهل الكتاب، أهل الإيـمان منهم والكفر سواء، يعنـي بذلك: أنهم غير متساوين، يقول: لـيسوا متعادلـين، ولكنهم متفـاوتون فـي الصلاح والفساد والـخير والشرّ. وإنـما قـيـل: لـيسوا سواء، لأن فـيه ذكر الفريقـين من أهل الكتاب اللذين ذكرهما الله فـي قوله:
    { وَلَوْ ءامَنَ أَهْلُ ظ±لْكِتَـظ°بِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ مِّنْهُمُ ظ±لْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ظ±لْفَـظ°سِقُونَ }
    [آل عمران: 110] ثم أخبر جلّ ثناؤه عن حال الفريقـين عنده، الـمؤمنة منهما والكافرة، فقال: { لَيْسُواْ سَوَاء }: أي لـيس هؤلاء سواء، الـمؤمنون منهم والكافرون. ثم ابتدأ الـخبر جلّ ثناؤه عن صفة الفرقة الـمؤمنة من أهل الكتاب ومدحهم، وأثنى علـيهم بعد ما وصف الفرقة الفـاسقة منهم بـما وصفها به من الهلع ونَـخْب الـجَنان، ومـحالفة الذلّ والصغار، وملازمة الفـاقة والـمسكنة، وتـحمل خزي الدنـيا وفضيحة الآخرة، فقال: { مِّنْ أَهْلِ ظ±لْكِتَـظ°بِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ ءايَـظ°تِ ظ±للَّهِ ءانَاء ظ±لَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ }... الآيات الثلاث، إلـى قوله:
    { وَظ±للَّهُ عَلِيمٌ بِظ±لْمُتَّقِينَ }
    [آل عمران: 115] فقوله: «أمة قائمة» مرفوعة بقوله: «من أهل الكتاب».

    وقد توهم جماعة من نـحويـي الكوفة والبصرة والـمقدّمين منهم فـي صناعتهم، أن ما بعد سواء فـي هذا الـموضع من قوله: { أُمَّةٌ قَائِمَةٌ } ترجمة عن سواء، وتفسير عنه بـمعنى: لا يستوي من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء اللـيـل، وأخرى كافرة، وزعموا أن ذكر الفرقة الأخرى ترك اكتفـاء بذكر إحدى الفرقتـين، وهي الأمة القائمة، ومثّلوه بقول أبـي ذؤيب:
    عَصَيْتُ إلَـيْها القَلْبَ إنـي لأمْرِها سَمِيعٌ فَما أدْرِي أرُشْدٌ طِلابُها
    ولـم يقل: «أم غير رشد» اكتفـاء بقوله: «أرشد» من ذكر «أم غير رشد». وبقول الآخر:
    أزَالُ فلا أدْري أهَمٌّ هَمَـمْتَهُ وذو الهَمّ قِدْماً خاشِعٌ مُتَضَائِلُ
    وهو مع ذلك عندهم خطأ قول القائل الـمريد أن يقول: سواء أقمت أم قعدت، سواء أقمت حتـى يقول أم قعدت، وإنـما يجيزون حذف الثانـي فـيـما كان من الكلام مكتفـياً بواحد دون ما كان ناقصاً عن ذلك، وذلك نـحو ما أبـالـي أو ما أدري، فأجازوا فـي ذلك ما أبـالـي أقمت، وهم يريدون: ما أبـالـي أقمت أم قعدت، لاكتفـاء ما أبـالـي بواحد، وكذلك فـي ما أدري، وأبوا الإجازة فـي سواء من أجل نقصانه، وأنه غير مكتف بواحد، فأغفلوا فـي توجيههم قوله: { لَيْسُواْ سَوَاءٌ مِّنْ أَهْلِ ظ±لْكِتَـظ°بِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ } علـى ما حكينا عنهم إلـى ما وجهوه إلـيه مذاهبهم فـي العربـية، إذ أجازوا فـيه من الـحذف ما هو غير جائز عندهم فـي الكلام مع سواء، وأخطأوا تأويـل الآية، فسواء فـي هذا الـموضع بـمعنى التـمام والاكتفـاء، لا بـالـمعنى الذي تأوله من حكينا قوله. وقد ذكر أن قوله: { مِّنْ أَهْلِ ظ±لْكِتَـظ°بِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ }.
    ....

    وقد بـينا أن أولـى القولـين بـالصواب فـي ذلك قول من قال: قد تـمت القصة عند قوله: { لَيْسُواْ سَوَاءً } عن إخبـار الله بأمر مؤمنـي أهل الكتاب، وأهل الكفر منهم، وأن قوله: { مِّنْ أَهْلِ ظ±لْكِتَـظ°بِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ }. خبر مبتدأ عن مدح مؤمنـيهم، ووصفهم بصفتهم، علـى ما قاله ابن عبـاس وقتادة وابن جريج. ويعنـي جلّ ثناؤه بقوله: { أُمَّةٌ قَائِمَةٌ }: جماعة ثابتة علـى الـحقّ. وقد دللنا علـى معنى الأمة فـيـما مضى بـما أغنى عن إعادته.....

    وأولـى هذه الأقوال بـالصواب فـي تأويـل ذلك ما قاله ابن عبـاس وقتادة، ومن قال بقولهما علـى ما روينا عنهم، وإن كان سائر الأقوال الأخر متقاربة الـمعنى من معنى ما قاله ابن عبـاس وقتادة فـي ذلك. وذلك أن معنى قوله: { قَائِمَةً } مستقـيـمة علـى الهدى، وكتاب الله وفرائضه، وشرائع دينه، بـالعدل والطاعة، وغير ذلك من أسبـاب الـخير من صفة أهل الاستقامة علـى كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ونظير ذلك الـخبر الذي رواه النعمان بن بشير، عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: " مَثَلُ القائِمِ علـى حُدُودِ اللّهِ وَالوَاقِعِ فِـيها، كَمَثَلِ قَوْمٍ رَكِبُوا سَفِـينَةً، ثُمَّ ضَرَبَ لهُمْ مَثَلاً " فـالقائمُ علـى حُدُودِ اللّهِ هُوَ الثَّابِت عَلـى التَّـمَسُّكِ بِـما أمَرَهُ اللّهُ بهِ وَاجْتِنابِ ما نَهاهُ اللّهُ عَنْهُ.

    فتأويـل الكلام: من أهل الكتاب جماعة معتصمة بكتاب الله، متـمسكة به، ثابتة علـى العمل بـما فـيه، وما سنّ له رسوله صلى الله عليه وسلم....

    ....

    وقال آخرون: بل عنـي بذلك قوم كانوا يصلون العشاء الأخيرة. ذكر من قال ذلك:

    حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن الـحسن بن يزيد العجلـي، عن عبد الله بن مسعود فـي قوله: { يَتْلُونَ ءايَـظ°تِ ظ±للَّهِ ءانَاء ظ±لَّيْلِ }: صلاة العتـمة، هم يصلونها، ومن سواهم من أهل الكتاب لا يصلـيها.

    حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثنـي يحيـى بن أيوب، عن عبـيد الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة كان عند بعض أهله ونسائه، فلـم يأتنا لصلاة العشاء حتـى ذهب ليلٌ، فجاء ومنا المصلي ومنا المضطجع، فبشرنا وقال: " إنه لا يُصَلّي هذه الصَّلاة أحَدٌ مِنْ أَهْلِ الكِتابِ " ، فأنزل الله: { لَيْسُواْ سَوَاءً مِّنْ أَهْلِ ظ±لْكِتَـظ°بِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ ءايَـظ°تِ ظ±للَّهِ ءانَاء ظ±لَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ }.

    حدثني يونس، قال: ثنا، عليّ بن معبد، عن أبي يحيى الخراساني، عن نصر بن طريف، عن عاصم، عن زر بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود، قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن ننتظر العشاء ـ يريد العتمة ـ فقال لنا: " ما علـى الأرْضِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأدْيَانِ يَنْتَظِرُ هذه الصَّلاةَ فـي هذا الوَقْتِ غَيْرُكُمْ " قال: فنزلت: { لَيْسُواْ سَوَاءً مِّنْ أَهْلِ ظ±لْكِتَـظ°بِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ ءايَـظ°تِ ظ±للَّهِ ءانَاء ظ±لَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ }.

    وقال آخرون: بل عنـي بذلك قوم كانوا يصلون فـيـما بـين الـمغرب والعشاء. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن منصور، قال: بلغنـي أنها نزلت: { لَيْسُواْ سَوَاءً مِّنْ أَهْلِ ظ±لْكِتَـظ°بِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ ءايَـظ°تِ ظ±للَّهِ ءانَاء ظ±لَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ } فـيـما بـين الـمغرب والعشاء.

    وهذه الأقوال التـي ذكرتها علـى اختلافها متقاربة الـمعانـي، وذلك أن الله تعالـى ذكره، وصف هؤلاء القوم، بأنهم يتلون آيات الله فـي ساعات اللـيـل، وهي آناؤه، وقد يكون تالـيها فـي صلاة العشاء تالـياً لها آناء اللـيـل، وكذلك من تلاها فـيـما بـين الـمغرب والعشاء، ومن تلاها جوف اللـيـل، فكلّ تال له ساعات اللـيـل.

    غير أن أولـى الأقوال بتأويـل الآية، قول من قال: عنـي بذلك: تلاوة القرآن فـي صلاة العشاء، لأنها صلاة لا يصلـيها أحد من أهل الكتاب، فوصف الله أمة مـحمد صلى الله عليه وسلم بأنهم يصلونها دون أهل الكتاب الذين كفروا بـالله ورسوله.

    تعليق

    • اسامة محمد خيري
      Registered User
      • Dec 2008
      • 12975

      #137
      اختلف القراء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء الكوفة: { وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَروهُ } جميعاً، ردًّا علـى صفة القوم الذين وصفهم جلّ ثناؤه بأنهم يأمرون بـالـمعروف وينهون عن الـمنكر. وقرأته عامة قراء الـمدينة والـحجاز وبعض قراء الكوفة بـالتاء فـي الـحرفـين جميعاً: { وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ تُكْفُرُوهُ } بـمعنى: وما تفعلوا أنتـم أيها الـمؤمنون من خير فلن يكفركموه ربكم. وكان بعض قراء البصرة يرى القراءتـين فـي ذلك جائزاً بـالـياء والتاء فـي الـحرفـين.

      والصواب من القراءة فـي ذلك عندنا: { وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَروهُ } بـالـياء فـي الـحرفـين كلـيهما، يعنـي بذلك الـخبر عن الأمة القائمة، التالـية آيات الله. وإنـما اخترنا ذلك، لأن ما قبل هذه الآية من الآيات خبر عنهم، فإلـحاق هذه الآية إذ كان لا دلالة فـيها تدلّ علـى الانصراف عن صفتهم بـمعانـي الآيات قبلها أولـى من صرفها عن معانـي ما قبلها. وبـالذي اخترنا من القراءة كان ابن عبـاس يقرأ.

      تعليق

      • اسامة محمد خيري
        Registered User
        • Dec 2008
        • 12975

        #138
        وقال آخرون: عَنَى بذلك يوم الأحزاب. ذكر من قال ذلك:

        حدثنـي مـحمد بن سنان القزاز، قال: ثنا أبو بكر الـحنفـي، قال: ثنا عبـاد، عن الـحسن فـي قوله: { وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوّىء ظ±لْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ } قال: يعنـي مـحمداً صلى الله عليه وسلم غداً يبوّىء الـمؤمنـين مقاعد للقتال يوم الأحزاب.

        وأولـى هذين القولـين بـالصواب، قول من قال: عنى بذلك: يوم أحد؛ لأن الله عزّ وجلّ يقول فـي الآية التـي بعدها:
        { إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ }
        [آل عمران: 122] ولا خلاف بـين أهل التأويـل أنه عنى بـالطائفتـين بنو سلـمة وبنو حارثة. ولا خلاف بـين أَهل السير والـمعرفة بـمغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن الذي ذكر الله من أمرهما إنـما كان يوم أحد دون يوم الأحزاب.

        فإن قال لنا قائل: وكيف يكون ذلك يوم أحد ورسول الله صلى الله عليه وسلم إنـما راح إلـى أحد من أهله للقتال يوم الـجمعة بعد ما صلـى الـجمعة فـي أهله بـالـمدينة بـالناس، كالذي:

        حدثكم ابن حميد، قال: حدثنا سلـمة، عن مـحمد بن إسحاق، قال: ثنـي مـحمد بن مسلـم بن عبـيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري ومـحمد بن يحيـى بن حبـان، وعاصم بن عمر بن قتادة والـحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ وغيرهم من علـمائنا: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم راح حين صلـى الـجمعة إلـى أحد، دخـل فلبس لأمَتَهُ، وذلك يوم الـجمعة حين فرغ من الصلاة، وقد مات فـي ذلك الـيوم رجل من الأنصار، فصلـى علـيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم خرج علـيهم وقال: " ما يَنْبَغِي لنبـيٍّ إذا لَبَسَ لأْمَتَهُ أنْ يَضَعَها حتـى يُقاتِلَ " ؟.

        قـيـل: إن النبـيّ صلى الله عليه وسلم وإن كان خروجه للقوم كان رَواحاً فلـم يكن تبوئته للـمؤمنـين مقاعدهم للقتال عند خروجه، بل كان ذلك قبل خروجه لقتال عدوه؛ وذلك أن الـمشركين نزلوا منزلهم من أحد فـيـما بلغنا يوم الأربعاء، فأقاموا به ذلك الـيوم ويوم الـخميس ويوم الـجمعة، حتـى راح رسول الله صلى الله عليه وسلم إلـيهم يوم الـجمعة بعد ما صلـى بأصحابه الـجمعة، فأصبح بـالشعب من أحد يوم السبت للنصف من شوّال.

        تعليق

        • اسامة محمد خيري
          Registered User
          • Dec 2008
          • 12975

          #139
          وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب أن يقال: إن الله أخبر عن نبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم أنه قال للـمؤمنـين: { َ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلـَظ°ثَةِ ءَالَـظ°فٍ مِّنَ ظ±لْمَلـَظ°ئِكَةِ }؟ فوعدهم الله بثلاثة آلاف من الـملائكة مدداً لهم، ثم وعدهم بعد الثلاثة الآلاف، خمسة آلاف إن صبروا لأعدائهم، واتقوا الله. ولا دلالة فـي الآية علـى أنهم أمدّوا بـالثلاثة آلاف، ولا بـالـخمسة آلاف، ولا علـى أنهم لـم يـمدّوا بهم.

          وقد يجوز أن يكون الله عزّ وجلّ أمدّهم علـى نـحو ما رواه الذين أثبتوا أنه أمدّهم. وقد يجوز أن يكون لـم يـمدّهم علـى نـحو الذي ذكره من أنكر ذلك، ولا خبر عندنا صحّ من الوجه الذي يثبت أنهم أمدّوا بـالثلاثة الآلاف ولا بـالـخمسة الآلاف.

          وغير جائز أن يقال فـي ذلك قول إلا بخبر تقوم الـحجة به، ولا خبر به كذلك فنسلـم لأحد الفريقـين قوله، غير أن فـي القرآن دلالة علـى أنهم قد أمدّوا يوم بدر بألف من الـملائكة وذلك قوله: { إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَظ±سْتَجَابَ لَكُمْ أَنّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مّنَ ظ±لْمَلَـئِكَةِ مُرْدِفِينَ } فأما فـي يوم أُحد، فـالدلالة علـى أنهم لـم يـمدّوا أبـين منها فـي أنهم أمدّوا، وذلك أنهم لو أمدّوا لـم يهزموا وينال منهم ما نـيـل منهم.

          فـالصواب فـيه من القول أن يقال كما قال تعالـى ذكره. وقد بـينا معنى الإمداد فـيـما مضى، والـمدد، ومعنى الصبر والتقوى....

          فـالذي قال فـي هذه الآية: معنى قوله: { مّن فَوْرِهِمْ هَـظ°ذَا }: من وجههم هذا، قصد إلـى أن تأويـله: ويأتـيكم كرز بن جابر وأصحابه يوم بدر، من ابتداء مخرجهم الذي خرجوا منه لنصرة أصحابهم من الـمشركين.

          وأما الذين قالوا: معنى ذلك: من غضبهم هذا، فإنـما عنوا أن تأويـل ذلك: ويأتـيكم كفـار قريش وتُبَّـاعهم يوم أُحد من ابتداء غضبهم الذي غضبوه لقتلاهم الذين قتلوا يوم بدر بها { يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ ءالافٍ }. كذلك من اختلاف تأويـلهم فـي معنى قوله { وَيَأْتُوكُمْ مّن فَوْرِهِمْ هَـظ°ذَا } اختلف أهل التأويـل فـي إمداد الله الـمؤمنـين بأحد بـملائكته، فقال بعضهم: لـم يـمدّوا بهم، لأن الـمؤمنـين لـم يصبروا لأعدائهم، ولـم يتقوا الله عزّ وجلّ بترك من ترك من الرماة طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم فـي ثبوته فـي الـموضع الذي أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بـالثبوت فـيه، ولكنهم أخـلوا به طلبـاً للغنائم، فقتل من الـمسلـمين، ونال الـمشركون منهم ما نالوا. وإنـما كان الله عزّ وجلّ وعد نبـيه صلى الله عليه وسلم إمدادهم بهم إن صبروا واتقوا الله.

          وأما الذين قالوا: كان ذلك يوم بدر بسبب كرز بن جابر، فإن بعضهم قالوا: لـم يأت كرز وأصحابه إخوانهم من الـمشركين مدداً لهم ببدر، ولـم يـمدّ الله الـمؤمنـين بـملائكته، لأن الله عزّ وجلّ إنـما وعدهم أن يـمدّهم بـملائكته إن أتاهم كرز ومدد الـمشركين من فورهم، ولـم يأتهم الـمدد.

          وأما الذين قالوا: إن الله تعالـى ذكره أمدّ الـمسلـمين بـالـملائكة يوم بدر، فإنهم اعتلوا بقول الله عزّ وجلّ: { إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَظ±سْتَجَابَ لَكُمْ أَنّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مّنَ ظ±لْمَلَـئِكَةِ مُرْدِفِينَ } ، قال: فـالألف منهم قد أتاهم مدداً، وإنـما الوعد الذي كانت فـيه الشروط فـيـما زاد علـى الألف، فأما الألف فقد كانوا أمدّوا به، لأن الله عزّ وجلّ كان قد وعدهم ذلك، ولن يخـلف الله وعده....

          وأولـى القراءتـين فـي ذلك بـالصواب قراءة من قرأ بكسر الواو، لتظاهر الأخبـار عن (أصحاب) رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل التأويـل منهم ومن التابعين بعدهم، بأن الـملائكة هي التـي سوّمت أنفسها من غير إضافة تسويـمها إلـى الله عزّ وجلّ أو إلـى غيره من خـلقه.

          ولا معنى لقول من قال: إنـما كان يختار الكسر فـي قوله: { مُسَوّمِينَ } لو كان فـي البشر، فأما الـملائكة فوصفهم غير ذلك ظناً منه بأن الـملائكة غير مـمكن فـيها تسويـم أنفسها إن كانوا ذلك فـي البشر وذلك أن غير مستـحيـل أن يكون الله عز وجل مكنها من تسويـم أنفسها بحقّ تـمكينه البشر من تسويـم أنفسهم، فسوموا أنفسهم بحقّ الذي سوّم البشر طلبـاً منها بذلك طاعة ربها، فأضيف تسويـمها أنفسها إلـيها، وإن كان ذلك عن تسبـيب الله لهم أسبـابه، وهي إذا كانت موصوفة بتسويـمها أنفسها تقرّبـاً منها إلـى ربها، كان أبلغ فـي مدحها لاختـيارها طاعة الله من أن تكون موصوفة بأن ذلك مفعول بها.

          ذكر الأخبـار بـما ذكرنا من إضافة من أضاف التسويـم إلـى الـملائكة دون إضافة ذلك إلـى غيرهم، علـى نـحو ما قلنا فـيه:

          حدثنـي يعقوب، قال: أخبرنا ابن علـية، قال: أخبرنا ابن عون، عن عمير بن إسحاق، قال: إن أوّل ما كان الصوف لـيومئذٍ، يعنـي يوم بدر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تَسَوَّمُوا فإنَّ الـمَلائِكَةَ قَدْ تَسَوَّمَتْ

          تعليق

          • اسامة محمد خيري
            Registered User
            • Dec 2008
            • 12975

            #140
            وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب عندنا قول من قال: الإصرار الإقامة علـى الذنب عامداً، أو ترك التوبة منه. ولا معنى لقول من قال: الإصرار علـى الذنب: هو مواقعته؛ لأن الله عزّ وجلّ مدح بترك الإصرار علـى الذنب مواقع الذنب، فقال: { وَظ±لَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَـظ°حِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ ظ±للَّهَ فَظ±سْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ ظ±لذُّنُوبَ إِلاَّ ظ±للَّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَىظ° ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ }؛ ولو كان الـمواقع الذنب مصراً بـمواقعته إياه، لـم يكن للاستغفـار وجه مفهوم، لأن الاستغفـار من الذنب إنـما هو التوبة منه والندم، ولا يعرف للاستغفـار من ذنب لـم يواقعه صاحبه وجه. وقد رُوي عن النبـي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ما أصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ وإنْ عادَ فِـي الـيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً "

            حدثنـي بذلك الـحسين بن يزيد السبـيعي، قال: ثنا عبد الـحميد الـحمانـي، عن عثمان بن واقد، عن أبـي نصيرة، عن مولـى لأبـي بكر، عن أبـي بكر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

            فلو كان مواقع الذنب مصرّا، لـم يكن لقوله " ما أصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ وإنْ عادَ فِـي الـيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً " معنى، لأن مواقعة الذنب، إذا كانت هي الإصرار، فلا يزيـل الاسم الذي لزمه معنى غيره، كما لا يزيـل عن الزانـي اسم زان، وعن القاتل اسم قاتل توبته منه، ولا معنى غيرها، وقد أبـان هذا الـخبر أن الـمستغفر من ذنبه غير مصرّ علـيه، فمعلوم بذلك أن الإصرار غير الـموقعة، وأنه الـمقام علـيه علـى ما قلنا قبل.

            تعليق

            • اسامة محمد خيري
              Registered User
              • Dec 2008
              • 12975

              #141
              حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا سويد، قال: ثنا ابن الـمبـارك، عن ابن جريج فـي قوله: { هَـظ°ذَا بَيَانٌ لّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لّلْمُتَّقِينَ } خاصة.

              وقال آخرون: إنـما أشير بقوله هذا إلـى قوله:
              { قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِى ظ±لأَرْضِ فَظ±نْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـظ°قِبَةُ ظ±لْمُكَذّبِينَ }
              [آل عمران: 137] ثم قال: هذا الذي عرفتكم يا معشر أصحاب مـحمد بـيان للناس. ذكر من قال ذلك:

              حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق بذلك.

              وأولـى القولـين فـي ذلك عندي بـالصواب، قول من قال: قوله هذا إشارة إلـى ما تقدّم هذه الآية من تذكير الله جلّ ثناؤه الـمؤمنـين، وتعريفهم حدوده، وحضهم علـى لزوم طاعته، والصبر علـى جهاد أعدائه وأعدائهم، لأن قوله هذا إشارة إلـى حاضر، إما مرئي، وإما مسموع، وهو فـي هذا الـموضع إلـى حاضر مسموع من الآيات الـمتقدمة. فمعنى الكلام: هذا الذي أوضحت لكم وعرّفتكموه، بـيان للناس؛ يعنـي بـالبـيان: الشرح والتفسير. كما

              حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: { هَـظ°ذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ } أي هذا تفسير للناس إن قبلوه.

              تعليق

              • اسامة محمد خيري
                Registered User
                • Dec 2008
                • 12975

                #142
                وأولـى القراءتين فـي ذلك عندنا بـالصواب، قراءة من قرأ بضمّ القاف: «قُتِل مَعَهُ رِبِّـيُون كَثِـيرٌ» لأن الله عزّ وجلّ إنـما عاتبَ بهذه الآية، والآيات التي قبلها من قوله: { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ظ±لْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ ظ±للَّهُ ظ±لَّذِينَ جَـظ°هَدُواْ مِنكُمْ } الذين انهزموا يوم أُحد، وتركوا القتال، أو سمعوا الصائح يصيح: إن مـحمداً قد قتل، فعذلهم الله عزّ وجلّ علـى فرارهم وتركهم القتال، فقال: أفَئِنْ مات مـحمد أو قتل أيها الـمؤمنون ارتددتـم عن دينكم، وانقلبتـم علـى أعقابكم؟ ثم أخبرهم عما كان من فعل كثـير من أتبـاع الأنبـياء قبلهم وقال لهم: هلا فعلتـم كما كان أهل الفضل والعلـم من أتبـاع الأنبـياء قبلكم يفعلونه إذا قتل نبـيهم من الـمضيّ علـى منهاج نبـيهم والقتال علـى دينه أعداء دين الله علـى نـحو ما كانوا يقاتلون مع نبـيهم، ولـم تهنوا ولـم تضعفوا كما لـم يضعف الذين كانوا قبلكم من أهل العلـم والبصائر من أتبـاع الأنبـياء إذا قتل نبـيهم، ولكنهم صبروا لأعدائهم حتـى حكم الله بـينهم وبـينهم! وبذلك من التأويـل جاء تأويـل الـمتأوّل.

                وأما «الرّبِّـيُّون»، فإنهم مرفوعون بقوله: «معه»، لا بقوله: «قتل».

                وإنـما تأويـل الكلام: وكائن من نبـيّ قتل ومعه ربـيون كثـير، فما وهنوا لـما أصابهم فـي سبـيـل الله. وفـي الكلام إضمار واو، لأنها واو تدلّ علـى معنى حال قتل النبـيّ صلى الله عليه وسلم، غير أنه اجتزأ بدلالة ما ذكر من الكلام علـيها من ذكرها، وذلك كقول القائل فـي الكلام: قتل الأمير معه جيش عظيـم، بـمعنى: قتل ومعه جيش عظيـم....

                تعليق

                • اسامة محمد خيري
                  Registered User
                  • Dec 2008
                  • 12975

                  #143
                  قال أبو جعفر: وقد ذكرنا أن أولـى القراءتـين بـالصواب قراءة من قرأ: { إِذْ تُصْعِدُونَ } بضم التاء وكسر العين، بـمعنى السبق والهرب فـي مستوى الأرض، أو فـي الـمهابط، لإجماع الـحجة علـى أن ذلك هو القراءة الصحيحة. ففـي إجماعها علـى ذلك الدلـيـل الواضح علـى أن أولـى التأويـلـين بـالآية تأويـل من قال: أصعدوا فـي الوادي، ومضوا فـيه، دون قول من قال: صعدوا علـى الـجبل....

                  وأولـى هذه الأقوال بتأويـل الآية قول من قال: معنى قوله: { فَأَثَـظ°بَكُمْ غَمّاً بِغَمٍّ } أيها الـمؤمنون بحرمان الله إياكم غنـيـمة الـمشركين، والظفر بهم، والنصر علـيهم، وما أصابكم من القتل والـجراح يومئذ بعد الذي كان قد أراكم فـي كل ذلك ما تـحبون بـمعصيتكم ربكم، وخلافكم أمر نبـيكم صلى الله عليه وسلم، غمّ ظنكم أن نبـيكم صلى الله عليه وسلم قد قتل، وميـل العدوّ علـيكم بعد فلولكم منهم.

                  والذي يدلّ علـى أن ذلك أولـى بتأويـل الآية مـما خالفه، قوله: { لّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَىظ° مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَا أَصَـظ°بَكُمْ } والفـائت لا شك أنه هو ما كانوا رجوا الوصول إلـيه من غيرهم، إما من ظهور علـيهم بغلبهم، وإما من غنـيـمة يحتازونها، وأن قوله: { وَلاَ مَا أَصَـظ°بَكُمْ } هو ما أصابهم إما فـي أبدانهم، وإما فـي إخوانهم. فإن كان ذلك كذلك، فمعلوم أن الغمّ الثانـي هو معنى غير هذين، لأن الله عزّ وجلّ أخبر عبـاده الـمؤمنـين به من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه أثابهم غماً بغمّ، لئلا يحزنهم ما نالهم من الغمّ الناشىء عما فـاتهم من غيرهم، ولا ما أصابهم قبل ذلك فـي أنفسهم، وهو الغمّ الأول علـى ما قد بـيناه قبل.

                  وأما قوله: لِكَيْلا تَـحْزَنُوا علـى ما فـاتَكُمْ وَلا ما أصَابَكُمْ } فإن تأويـله علـى ما قد بـينت من أنه لكيلا تـحزنوا علـى ما فـاتكم فلـم تدركوه مـما كنتـم ترجون إدراكه من عدوّكم بـالظفر علـيهم والظهور وحيازة غنائمهم، ولا ما أصابكم فـي أنفسكم من جرح من جُرح وقَتل من قُتل من إخوانكم.

                  تعليق

                  • اسامة محمد خيري
                    Registered User
                    • Dec 2008
                    • 12975

                    #144
                    حدثنا سوار بن عبد الله العنبري، قال: قال سفـيان بن عيـينة فـي قوله: { وَشَاوِرْهُمْ فِى ٱلأَمْرِ } قال: هي للـمؤمنـين أن يتشاوروا فـيـما لـم يأتهم عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم فـيه أثر.

                    قال أبو جعفر: وأولـى الأقوال بـالصواب فـي ذلك أن يقال: إن الله عزّ وجلّ أمر نبـيه صلى الله عليه وسلم وسلـم بـمشاورة أصحابه، فـيـما حزبه من أمر عدوّه ومكايد حربه، تألفـاً منه بذلك من لـم تكن بصيرته بـالإسلام البصيرة التـي يؤمن علـيه معها فتنة الشيطان، وتعريفـاً منه أمته ما فـي الأمور التـي تـحزبهم من بعده ومطلبها، لـيقتدوا به فـي ذلك عند النوازل التـي تنزل بهم، فـيتشاوروا فـيـما بـينهم، كما كانوا يرونه فـي حياته صلى الله عليه وسلم يفعله. فأما النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فإن الله كان يعرّفه مطالب وجوه ما حزبه من الأمور بوحيه أو إلهامه إياه صواب ذلك. وأما أمته، فإنهم إذا تشاوروا مستنـين بفعله فـي ذلك علـى تصادق وتأخّ للـحقّ وإرادة جميعهم للصواب، من غير ميـل إلـى هوى، ولا حيد عن هدى؛ فـالله مسدّدهم وموفقهم.

                    تعليق

                    • اسامة محمد خيري
                      Registered User
                      • Dec 2008
                      • 12975

                      #145
                      وأولـى القراءتـين بـالصواب فـي ذلك عندي قراءة من قرأ: { وَمَا كَانَ لِنَبِىّ أَنْ يَغُلَّ } بـمعنى: ما الغلول من صفـات الأنبـياء، ولا يكون نبـياً من غلّ. وإنـما اخترنا ذلك، لأن الله عزّ وجلّ أوعد عقـيب قوله: { وَمَا كَانَ لِنَبِىّ أَنْ يَغُلَّ } أهل الغلول، فقال: { وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ظ±لْقِيَـظ°مَةِ }... الآية، والتـي بعدها، فكان فـي وعيده عقـيب ذلك أهل الغلول، الدلـيـل الواضح علـى أنه إنـما نهى بذلك عن الغلول، وأخبر عبـاده أن الغلول لـيس من صفـات أنبـيائه بقوله: { وَمَا كَانَ لِنَبِىّ أَنْ يَغُلَّ } لأنه لو كان إنـما نهى بذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتهموا رسول الله صلى الله عليه وسلم بـالغلول، لعقب ذلك بـالوعيد علـى التهمة، وسوء الظنّ برسول الله صلى الله عليه وسلم، لا بـالوعيد علـى الغلول، وفـي تعقـيبه ذلك بـالوعيد علـى الغلول بـيان بـين، أنه إنـما عرف الـمؤمنـين وغيرهم من عبـاده أن الغلول منتف من صفة الأنبـياء وأخلاقهم، لأن ذلك جرم عظيـم، والأنبـياء لا تأتـي مثله.

                      فإن قال قائل مـمن قرأ ذلك كذلك: فأولـى منه: وَما كان لنبـيّ أن يخونه أصحابه إن ذلك كما ذكرت، ولـم يعقب الله قوله: { وَمَا كَانَ لِنَبِىّ أَنْ يَغُلَّ } إلا بـالوعيد علـى الغلول، ولكنه إنـما وجب الـحكم بـالصحة لقراءة من قرأ: «يُغَلَّ» بضم الـياء وفتـح الغين، لأن معنى ذلك: وما كان للنبـيّ أن يغله أصحابه، فـيخونوه فـي الغنائم؛ قـيـل له: أفكان لهم أن يغلوا غير النبـيّ صلى الله عليه وسلم فـيخونوه، حتـى خصوا بـالنهي عن خيانة النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فإن قالوا: نعم، خرجوا من قول أهل الإسلام، لأن الله لـم يبح خيانة أحد فـي قول أحد من أهل الإسلام قط.

                      وإن قال قائل: لـم يكن ذلك لهم فـي نبـيّ ولا غيره؟ قـيـل: فما وجه خصوصهم إذاً بـالنهي عن خيانة النبـيّ صلى الله عليه وسلم وغلوله وغلول بعض الـيهود، بـمنزلة فـيـما حرّم الله علـى الغالّ من أموالهما، وما يـلزم الـمؤتـمن من أداء الأمانة إلـيهما. وإذا كان ذلك كذلك، فمعلوم أن معنى ذلك هو ما قلنا من أن الله عزّ وجلّ نفـى بذلك أن يكون الغلول والـخيانة من صفـات أنبـيائه، ناهياً بذلك عبـاده عن الغلول، وآمراً لهم بـالاستنان بـمنهاج نبـيهم، كما قال ابن عبـاس فـي الرواية التـي ذكرناها من رواية عطية ثم عقب تعالـى ذكره نهيهم عن الغلول بـالوعيد علـيه، فقال: { وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ظ±لْقِيَـظ°مَةِ }.....

                      حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيـينة، عن طريف، عن الضحاك فـي قوله: { أَفَمَنِ ظ±تَّبَعَ رِضْوظ°نَ ظ±للَّهِ } قال: من لـم يغلّ. { كَمَن بَاء بِسَخْطٍ مّنَ ظ±للَّهِ }: كمن غلّ.

                      حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثني سفـيان بن عيـينة، عن مطرف بن مطرف، عن الضحاك قوله: { أَفَمَنِ ظ±تَّبَعَ رِضْوظ°نَ ظ±للَّهِ } قال: من أدّى الخمس. { كَمَن بَاء بِسَخْطٍ مّنَ ظ±للَّهِ }: فـاستوجب سخطاً من الله.

                      وقال آخرون فـي ذلك بـما:

                      حدثنـي به ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: { أَفَمَنِ ظ±تَّبَعَ رِضْوظ°نَ ظ±للَّهِ } علـى ما أحبّ الناس وسخطوا، { كَمَن بَاء بِسَخْطٍ مّنَ ظ±للَّهِ } لرضا الناس وسخطهم؟ يقول: أفمن كان علـى طاعتـي، فثوابه الـجنة ورضوان من ربه، كمن بـاء بسخط من الله، فـاستوجب غضبه، وكان مأواه جهنـم وبئس الـمصير؟ أسوأ الـمثلان؟ أي فـاعرفوا.

                      وأولـى التأولـين بتأويـل الآية عندي، قول الضحاك بن مزاحم؛ لأن ذلك عقـيب وعيد الله علـى الغلول ونهيه عبـاده عنه، ثم قال لهم بعد نهيه عن ذلك ووعيده، أسواء الـمطيع لله فـيـما أمره ونهاه، والعاصي له فـي ذلك: أي أنهما لا يستويان ولا تستوي حالتاهما عنده، لأن لـمن أطاع الله فـيـما أمره ونهاه: الـجنة، ولـمن عصاه فـيـما أمره ونهاه: النار. فمعنى قوله: { أَفَمَنِ ظ±تَّبَعَ رِضْوظ°نَ ظ±للَّهِ كَمَن بَاء بِسَخْطٍ مّنَ ظ±للَّهِ } إذاً: أفمن ترك الغلول وما نهاه الله عنه عن معاصيه وعمل بطاعة الله فـي تركه ذلك وفـي غيره مـما أمره به ونهاه من فرائضه، متبعاً فـي كل ذلك رضا الله، ومـجتنباً سخطه، { كَمَن بَاء بِسَخْطٍ مّنَ ظ±للَّهِ } يعنـي: كمن انصرف متـحملاً سخط الله وغضبه، فـاستـحقّ بذلك سكنى جهنـم، يقول: لـيسا سواء. وأما قوله: { وَبِئْسَ ظ±لْمَصِيرُ } فإنه يعنـي: وبئس الـمصير الذي يصير إلـيه ويؤوب إلـيه من بـاء بسخط من الله جهنـم.

                      تعليق

                      • اسامة محمد خيري
                        Registered User
                        • Dec 2008
                        • 12975

                        #146
                        واختلف القراء فـي قراءة قوله: { وَأَنَّ ظ±للَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ظ±لْمُؤْمِنِينَ } ، فقرأ ذلك بعضهم بفتـح الألف من «أنَّ» بـمعنى: يستبشرون بنعمة من الله وفضل، وبأن الله لا يضيع أجر الـمؤمنـين. وبكسر الألف علـى الاستئناف؛ واحتـج من قرأ ذلك كذلك بأنها فـي قراءة عبد الله: «وفَضْلٍ واللَّهُ لا يُضِيعُ أجْر الـمُؤْمِنِـينَ» قالوا: فذلك دلـيـل علـى أن قوله: «وإِنَّ الله» مستأنف غير متصل بـالأول.

                        ومعنى قوله: { لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ظ±لْمُؤْمِنِينَ }: لا يبطل جزاء أعمال من صدق رسوله واتبعه وعمل بـما جاءه من عند الله.

                        وأولـى القراءتـين بـالصواب قراءة من قرأ ذلك: { وَأَنَّ ظ±للَّهَ } بفتـح الألف، لإجماع الـحجة من القراء علـى ذلك.

                        تعليق

                        • اسامة محمد خيري
                          Registered User
                          • Dec 2008
                          • 12975

                          #147
                          وأولـى القولـين فـي ذلك بـالصواب قول من قال: إن الذي قـيـل لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من أن الناس قد جمعوا لكم فـاخشوهم، كان فـي حال خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخروج من خرج معه فـي أثر أبـي سفـيان، ومن كان معه من مشركي قريش منصرفهم عن أُحد إلـى حمراء الأسد؛ لأن الله تعالـى ذكره إنـما مدح الذين وصفهم بقـيـلهم: { حَسْبُنَا ظ±للَّهُ وَنِعْمَ ظ±لْوَكِيلُ } لـما قـيـل لهم: إن الناس قد جمعوا لكم فـاخشوهم، بعد الذي قد كان نالهم من القروح والكلوم، بقوله:
                          { ظ±لَّذِينَ ظ±سْتَجَابُواْ لِلَّهِ وَظ±لرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَـظ°بَهُمُ ظ±لْقَرْحُ }
                          [آل عمران: 172] ولـم تكن هذه الصفة إلا صفة من تبع رسول الله صلى الله عليه وسلم من جرحى أصحابه بأحد إلـى حمراء الأسد. وأما قول الذين خرجوا معه إلـى غزوة بدر الصغرى، فإنه لـم يكن فـيهم جريج، إلا جريح قد تقادم اندمال جرحه، وبرأ كلـمه، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنـما خرج إلـى بدر الـخرجة الثانـية إلـيها لـموعد أبـي سفـيان الذي كان واعده اللقاء بها بعد سنة من غزوة أُحد فـي شعبـان سنة أربع من الهجرة، وذلك أن وقعة أُحد كانت فـي النصف من شوّال من سنة ثلاث، وخروج النبـيّ صلى الله عليه وسلم لغزوة بدر الصغرى إلـيها فـي شعبـان من سنة أربع، ولـم يكن للنبـيّ صلى الله عليه وسلم بـين ذلك وقعة مع الـمشركين كانت بـينهم فـيها حرب جرح فـيها أصحابه، ولكن قد كان قتل فـي وقعة الرجيع من أصحابه جماعة لـم يشهد أحد منهم غزوة بدر الصغرى، وكانت وقعة الرجيع فـيـما بـين وقعة أُحد وغزوة النبـيّ صلى الله عليه وسلم بدر الصغرى.

                          تعليق

                          • اسامة محمد خيري
                            Registered User
                            • Dec 2008
                            • 12975

                            #148
                            والصواب من القراءة فـي ذلك عندنا قراءة من قرأ: { وَلاَ يَحْسَبَنَّ ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ } بـالـياء من «يحسبن»، وبفتـح الألف من «أنـما»، علـى معنى الـحسبـان للذين كفروا دون غيرهم، ثم يعمل فـي «أنـما» نصبـاً؛ لأن «يحسبن» حينئذ لـم يشغل بشيء عمل فـيه، وهي تطلب منصوبـين. وإنـما اخترنا ذلك لإجماع القراء علـى فتـح الألف من «أنـما» الأولـى، فدل ذلك علـى أن القراءة الصحيحة فـي «يحسبن» بـالـياء لـما وصفنا؛ وأما ألف «إنـما» الثانـية فـالكسر علـى الابتداء بـالإجماع من القراء علـيه.

                            تعليق

                            • اسامة محمد خيري
                              Registered User
                              • Dec 2008
                              • 12975

                              #149
                              وقال آخرون بـما:

                              حدثنا به ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: { وَمَا كَانَ ظ±للَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ظ±لْغَيْبِ } أي فـيـما يريد أن يبتلـيكم به، لتـحذروا ما يدخـل علـيكم فـيه: { وَلَكِنَّ ظ±للَّهَ يَجْتَبِى مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاء } يعلـمه.

                              وأولـى الأقوال فـي ذلك بتأويـله: وما كان الله لـيطلعكم علـى ضمائر قلوب عبـاده، فتعرفوا الـمؤمن منهم من الـمنافق والكافر، ولكنه يـميز بـينهم بـالـمـحن والابتلاء كما ميز بـينهم بـالبأساء يوم أُحد، وجهاد عدوّه، وما أشبه ذلك من صنوف الـمـحن، حتـى تعرفوا مؤمنهم وكافرهم ومنافقهم. غير أنه تعالـى ذكره يجتبـي من رسله من يشاء، فـيصطفـيه، فـيطلعه علـى بعض ما فـي ضمائر بعضهم بوحيه ذلك إلـيه ورسالته. كما:

                              حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قوله: { وَلَكِنَّ ظ±للَّهَ يَجْتَبِى مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاء } قال: يخـلصهم لنفسه.

                              وإنـما قلنا هذا التأويـل أولـى بتأويـل الآية، ابتداءَها خبر من الله تعالـى ذكره أنه غير تارك عبـاده، يعنـي بغير مـحن، حتـى يفرّق بـالابتلاء بـين مؤمنهم وكافرهم وأهل نفـاقهم. ثم عقب ذلك بقوله: { وَمَا كَانَ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ظ±لْغَيْبِ } ، فكان فـيـما افتتـح به من صفة إظهار الله نفـاق الـمنافق وكفر الكافر، دلالة واضحة علـى أن الذي ولـي ذلك هو الـخبر عن أنه لـم يكن لـيطلعهم علـى ما يخفـى عنهم من بـاطن سرائرهم إلا بـالذي ذكر أنه مـميز به نعتهم إلا من استثناه من رسله الذي خصه بعلـمه.

                              تعليق

                              • اسامة محمد خيري
                                Registered User
                                • Dec 2008
                                • 12975

                                #150
                                وأولـى القراءتـين بـالصواب فـي ذلك عندي، قراءة من قرأ: { وَلاَ تَحْسَبَنَّ ظ±لَّذِينَ يَبْخَلُونَ } بـالتاء بتأويـل: ولا تـحسبنّ أنت يا مـحمد بخـل الذين يبخـلون بـما أتاهم الله من فضله، هو خيراً لهم، ثم ترك ذكر البخـل، إذ كان فـي قوله هو خيراً لهم، دلالة علـى أنه مراد فـي الكلام، إذ كان قد تقدّمه قوله: { ظ±لَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا ءاتَـظ°هُمُ ظ±للَّهُ مِن فَضْلِهِ }.

                                وإنـما قلنا قراءة ذلك بـالتاء أولـى بـالصواب من قراءته بـالـياء، لأن الـمـحسبة من شأنها طلب اسم وخبر، فإذا قرىء قوله: { وَلاَ يَحْسَبَنَّ ظ±لَّذِينَ يَبْخَلُونَ } بـالـياء لـم يكن للـمـحسبة اسم يكون قوله: { هُوَ خَيْراً لَّهُمْ } خبراً عنه، وإذا قرىء ذلك بـالتاء كان قوله: { ظ±لَّذِينَ يَبْخَلُونَ } اسماً له، قد أدّى عن معنى البخـل الذي هو اسم الـمـحسبة الـمتروك، وكان قوله: { هُوَ خَيْراً لَّهُمْ } خبراً لها، فكان جارياً مـجرى الـمعروف من كلام العرب الفصيح.

                                فلذلك اخترنا القراءة بـالتاء فـي ذلك علـى ما بـيناه، وإن كانت القراءة بـالـياء غير خطأ، ولكنه لـيس بـالأفصح ولا الأشهر من كلام العرب.

                                وأما تأويـل الآية الذي هو تأويـلها علـى ما اخترنا من القراءة فـي ذلك: ولا تـحسبنّ يا مـحمد، بخـل الذين يبخـلون بـما أعطاهم الله فـي الدنـيا من الأموال، فلا يخرجون منه حقّ الله الذي فرضه علـيهم فـيه من الزكوات هو خيراً لهم عند الله يوم القـيامة، بل هو شرّ لهم عنده فـي الآخرة. كما:

                                حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: «وَلا تَـحْسَبنَّ الَّذِينَ يَبْخَـلُونَ بِـمَا آتاهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرا لَهُمْ بَلْ هُو شَرّ لَهُمْ»: هم الذين آتاهم الله من فضله، فبخـلوا أن ينفقوها فـي سبـيـل الله، ولـم يؤدّوا زكاتها.

                                وقال آخرون: بل عنى بذلك الـيهود الذين بخـلوا أن يبـينوا للناس ما أنزل الله فـي التوراة من أمر مـحمد صلى الله عليه وسلم ونعته. ذكر من قال ذلك:

                                حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي عمي، ثنـي أبـي، قال: قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: «وَلا تَـحْسَبنَّ الَّذِينَ يَبْخَـلُونَ بِـمَا آتاهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ»... إلـى { سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ ظ±لْقِيَـظ°مَةِ } يعنـي بذلك: أهل الكتاب أنهم بخـلوا بـالكتاب أن يبـينوه للناس.

                                حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد قوله: «وَلا تَـحْسَبنَّ الَّذِينَ يَبْخَـلُونَ بِـمَا آتاهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ» قال: هم يهود، إلـى قوله:
                                { وَظ±لْكِتَـظ°بِ ظ±لْمُنِيرِ }
                                [آل عمران: 184]

                                وأولـى التأويـلـين بتأويـل هذه الآية التأويـل الأوّل وهو أنه معنـيّ بـالبخـل فـي هذا الـموضع: منع الزكاة لتظاهر الأخبـار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه تأوّل قوله: { سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ ظ±لْقِيَـظ°مَةِ } قال: البخيـل الذي منع حقّ الله منه أنه يصير ثعبـاناً فـي عنقه، ولقول الله عقـيب هذه الآية:
                                { لَّقَدْ سَمِعَ ظ±للَّهُ قَوْلَ ظ±لَّذِينَ قَالُوغ¤اْ إِنَّ ظ±للَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ }
                                [آل عمران: 181] فوصف جلّ ثناؤه قول الـمشركين من الـيهود الذين زعموا عند أمر الله إياهم بـالزكاة أن الله فقـير.

                                تعليق

                                يعمل...