إرشاد النحرير لترجيحات الامام ابن جرير

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • اسامة محمد خيري
    Registered User
    • Dec 2008
    • 12975

    #466
    وقال آخرون: معنى ذلك: عميت. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن الكلبـي: { سُكِّرَتْ } قال: عميت.

    وأولـى هذه الأقوال بـالصواب عندي قول من قال: معنى ذلك: أخذت أبصارنا وسحرت، فلا تبصر الشيء علـى ما هو به، وذهب حدّ إبصارنا وانطفأ نوره كما يقال للشيء الـحارّ إذا ذهبت فورته وسكن حدّ حرّة: قد سكر يسكر. قال الـمثنى بن جندل الطُّهوي:

    جاءَ الشِّتاءُ واجْثَأَلَّ القُبَّرُ واستَـخْفَتِ الأفْعَى وكانت تَطبرُ
    وجَعَلَتْ عينُ الحَرُور تَسْكُرُ
    أي تسكن وتذهب وتنطفـىء. وقال ذو الرّمَّة:

    قَبْلَ انْصِداعِ الفَجْرِ والتَّهَجُّرِ وخَوْضُهُنَّ اللَّـيْـلَ حينَ يَسْكُرُ
    يعنـي: حين تسكن فورته. وذُكر عن قـيس أنها تقول: سكرت الريح تسكر سُكُوراً، بـمعنى: سكنت. وإن كان ذلك عنها صحيحاً، فإن معنى سُكِرَت وسُكِّرَتْ بـالتـخفـيف والتشديد متقاربـان، غير أن القراءة التـي لا أستـجيز غيرها فـي القرآن: { سُكِّرَتْ } بـالتشديد لإجماع الـحجة من القراءة علـيها، وغير جائز خلافها فـيـما جاءت به مـجمعة علـيه.

    تعليق

    • اسامة محمد خيري
      Registered User
      • Dec 2008
      • 12975

      #467
      حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: ثنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: { مِنْ كُلّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ } يقول: معلوم.

      وكان بعضهم يقول: معنى ذلك وأنبتنا فـي الـجبـال من كلّ شيء موزون يعنـي من الذهب والفضة والنـحاس والرصاص ونـحو ذلك من الأشياء التـي توزن. ذكر من قال ذلك:

      حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: { وأنْبَتْنا فِـيها مِنْ كُلّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ } قال: الأشياء التـي توزن.

      وأولـى القولـين عندنا بـالصواب القول الأوّل لإجماع الـحجة من أهل التأويـل علـيه.

      تعليق

      • اسامة محمد خيري
        Registered User
        • Dec 2008
        • 12975

        #468
        اختلف أهل التأويـل فـي الـمعنـي فـي قوله: { وَمَنْ لَسْتُـمْ لَهُ بِرَازِقـينَ } فقال: بعضهم: عُنـي به الدوّاب والأنعام. ذكر من قال ذلك:

        حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحرث، قال: ثنا الـحسين قال: ثنا ورقاء وحدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا شبـابة، قال: ثنا ورقاء وحدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح وحدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله جمعياً، عن ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: { وَمَنْ لَسْتُـمْ لَهُ بِرَازِقـينَ } الدوابّ والأنعام.

        حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

        وقال آخرون: عُنـي بذلك الوحشُ خاصة. ذكر من قال ذلك:

        حدثنـي مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن منصور فـي هذه الآية { وَمَنْ لَسْتُـمْ لَهُ بِرَازِقـينَ } قال: الوحش.

        فتأويـل «مَنْ» فـي: { وَمَنْ لَسْتُـمْ لَهُ بِرَازِقـينَ } علـى هذا التأويـل بـمعنى «ما»، وذلك قلـيـل فـي كلام العرب.

        وأولـى ذلك بـالصواب، وأحسن أن يقال: عُنـي بقوله: { وَمَنْ لَسْتُـمْ لَهُ بِرَازِقـينَ } من العبـيد والإماء والدوابّ والأنعام. فمعنى ذلك: وجعلنا لكم فـيها معايشَ والعبـيدَ والإماء والدوابّ والأنعام. وإذا كان ذلك كذلك، حسن أن توضع حينئذ مكان العبـيد والإماء والدوابّ «من»، وذلك أن العرب تفعل ذلك إذا أرادت الـخبر عن البهائم معها بنو آدم. وهذا التأويـل علـى ما قلناه وصرفنا إلـيه معنى الكلام إذا كانت «من» فـي موضع نصب عطفـاً به علـى «معايش» بـمعنى: جعلنا لكم فـيها معايش، وجعلنا لكم فـيها من لستـم له برازقـين. وقـيـل: إنّ «من» فـي موضع خفض عطفـاً به علـى الكاف والـميـم فـي قوله: { وَجَعلْنَا لَكُمْ } بـمعنى: وجعلنا لكم فـيها معايش { وَمَنْ لَسْتُـمْ لَهُ بِرَازِقـينَ }. وأحسب أن منصوراً فـي قوله: هو الوحش، قصد هذا الـمعنى وإياه أراد وذلك وإن كان له وجه كلام العرب فبعيد قلـيـل، لأنها لا تكاد تظاهر علـى معنى فـي حال الـخفض، وربـما جاء فـي شعر بعضهم فـي حال الضرورة، كما قال بعضهم:

        هَلاَّ سألْتَ بذِي الـجمَاجِمِ عنهُمُ وأبى نُعَيـمٍ ذي اللِّوَاءِ الـمُخْرَقِ
        فردّ أبـا نعيـم علـى الهاء والـميـم فـي «عنهم». وقد بـيَّنت قبح ذلك فـي كلامهم.

        تعليق

        • اسامة محمد خيري
          Registered User
          • Dec 2008
          • 12975

          #469
          قال أبو جعفر: وأولـى الأقوال عندي فـي ذلك بـالصحة قول من قال: معنى ذلك: ولقد علـمنا الأموات منكم يا بنـي آدم فتقدّم موته، ولقد علـمنا الـمستأخرين الذين استأخر موتهم مـمن هو حيّ ومن هو حادث منكم كم لـم يحدث بعدُ لدلالة ما قبله من الكلام، وهو قوله: { وَإنَّا لَنَـحْنُ نُـحْيِـي ونُـمِيتُ وَنَـحْنُ الْوَارِثُونَ } وما بعده وهو قوله: { وإنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ } علـى أن ذلك كذلك، إذ كان بـين هذين الـخبرين، ولـم يجر قبل ذلك من الكلام ما يدلّ علـى خلافه، ولا جاء بعد.

          وجائز أن تكون نزلت فـي شأن الـمستقدمين فـي الصفّ لشأن النساء والـمستأخرين فـيه لذلك، ثم يكون الله عزّ وجلّ عمّ بـالـمعنى الـمراد منه جميع الـخـلق، فقال جلّ ثناؤه لهم: قد علـمنا ما مضى من الـخـلق وأحصيناهم، وما كانوا يعملون، ومن هو حيّ منكم ومن هو حادث بعدكم أيها الناس، وأعمال جميعكم خيرها وشرّها، وأحصينا جميع ذلك ونـحن نـحشر جميعهم، فنـجازي كلاًّ بأعماله، إن خيراً فخيراً وإن شرّاً فشرّاً. فـيكون ذلك تهديداً ووعيداً للـمستأخرين فـي الصفوف لشأن النساء ولكلّ من تعدّى حدّ الله وعمل بغير ما أذن له به، ووعداً لـمن تقدّم فـي الصفوف لسبب النساء وسارع إلـى مـحبة الله ورضوانه فـي أفعاله كلها.

          تعليق

          • اسامة محمد خيري
            Registered User
            • Dec 2008
            • 12975

            #470
            والذي هو أولـى بتأويـل الآية أن يكون الصلصال فـي هذا الـموضع الذي له صوت من الصلصلة وذلك أن الله تعالـى وصفه فـي موضع آخر فقال: { خَـلَقَ الإنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كالفَخَّارِ } فشبهه تعالـى ذكره بأنه كان كالفخَّار فـي يُبسه. ولو كان معناه فـي ذلك الـمُنتِن لـم يشبه بـالفخار، لأن الفخار لـيس بـمنتن فـيشبَّه به فـي النتن غيره...

            تعليق

            • اسامة محمد خيري
              Registered User
              • Dec 2008
              • 12975

              #471
              اختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: { قالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلـيَّ مُسْتَقِـيـمٌ } فقرأه عامَّة قراء الـحجاز والـمدينة والكوفة والبصرة:
              { هَذَا صِرَاطٌ عَلـيَّ مُسْتَقِـيـمٌ }
              بـمعنى: هذا طريق إلـيَّ مستقـيـم.

              فكان معنى الكلام: هذا طريق مرجعه إلـيّ فأجازي كلاًّ بأعمالهم كما قال الله تعالـى ذكره: { إنَّ رَبَّكَ لَبـالـمرْصَاد }. وذلك نظير قول القائل لـمن يتوعده ويتهدده: طريقك علـيّ، وأنا علـى طريقك فكذلك قوله: { هَذَا صِرَاطٌ } معناه: هذا طريق علـيّ وهذا طريق إلـيّ. وكذلك تأوّل من قرأ ذلك كذلك. ذكر من قال ذلك:

              حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحرث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء وحدثنـي الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا شبـابة، قال: ثنا ورقاء وحدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل وحدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: { هَذَا صِرَاطٌ عَلـيَّ مُسْتَقِـيـمٌ } قال: الـحقّ يرجع إلـى الله وعلـيه طريقه، لا يعرِّج علـى شيء.

              حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، بنـحوه.

              حدثنا أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا مَرْوان بن شجاع، عن خَصِيف، عن زياد بن أبـي مريـم، وعبد الله بن كثـير أنهما قرآها: { هَذَا صِرَاطٌ عَلـيَّ مُسْتَقِـيـمٌ } وقالا: «علـيّ» هي «إلـيّ» وبـمنزلتها.

              حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن إسماعيـل بن مسلـم، عن الـحسن وسعيد عن قتادة، عن الـحسن: { هَذَا صِرَاطٌ عَلـيَّ مُسْتَقِـيـمٌ } يقول: إلـيّ مستقـيـم.

              وقرأ ذلك قـيس بن عبـاد وابن سيرين وقتادة فـيـما ذُكر عنهم «هَذَا صِرَاطٌ عَلـيٌّ مُسْتَقِـيـمٌ» برفع «علـيّ»علـى أنه نعت للصراط، بـمعنى رفـيع. ذكر من قال ذلك:

              حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي حماد، قال: ثنـي جعفر البصري، عن ابن سيرين أنه كان يقرأ: { هَذَا صِرَاطٌ عَلـيَّ مُسْتَقِـيـمٌ } يعنـي: رفـيع.

              حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { هَذَا صِرَاطٌ عَلـيَّ مُسْتَقِـيـمٌ } أي رفـيع مستقـيـم. قال بشر، قال يزيد، قال سعيد: هكذا نقرؤها نـحن وقتادة.

              حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا عبد الوهاب، عن هارون، عن أبـي العوّام، عن قتادة، عن قـيس بن عبـاد: { هَذَا صِرَاطٌ عَلـيَّ مُسْتَقِـيـمٌ } يقول: رفـيع.

              والصواب من القراءة فـي ذلك عندنا قراءة من قرأ: { هَذَا صِرَاطٌ عَلـيَّ مُسْتَقِـيـمٌ } علـى التأويـل الذي ذكرناه عن مـجاهد والـحسن البصري ومن وافقهما علـيه، لإجماع الـحجة من القرّاء علـيها وشذوذ ما خالفها.

              تعليق

              • اسامة محمد خيري
                Registered User
                • Dec 2008
                • 12975

                #472
                وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب، قول من قال: عُنـي بـالسبع الـمثانـي السبع اللواتـي هنّ آيات أم الكتاب، لصحة الـخبر بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي:

                حدّثنـيه يزيد بن مخـلد بن خِدَاش الواسطي، قال: ثنا خالد بن عبد الله، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن العلاء، عن أبـيه، عن أبـي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أمُّ القُرآنِ السَّبْعُ الـمَثانِـي الَّتِـي أُعْطِيتُها "
                ...

                فإذ كان الصحيح من التأويـل فـي ذلك ما قلنا للذي به استشهدنا، فـالواجب أن تكون الـمثانـي مراداً بها القرآن كله، فـيكون معنى الكلام: ولقد آتـيناك سبع آيات مـما يَثْنـيِ بعض آيه بعضاً. وإذا كان ذلك كذلك كانت الـمثانـي: جمع مَثْناة، وتكون آي القرآن موصوفة بذلك، لأن بعضها يَثْنِـي بعضاً وبعضها يتلو بعضاً بفصول تفصل بـينها، فـيعرف انقضاء الآية وابتداء التـي تلـيها كما وصفها به تعالـى ذكره فقال:
                { اللّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الـحَدِيثِ كِتَابـاً مُتَشابِها مَثانِـيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْن رَبَّهُمْ }
                وقد يجوز أن يكون معناها كما قال ابن عبـاس والضحاك ومن قال ذلك إن القرآن إنـما قـيـل له مَثَانى لأن القصص والأخبـار كرّرت فـيه مرّة بعد أخرى. وقد ذكرنا قول الـحسن البصريّ أنها إنـما سميت مَثاني لأنها تُثْنَى فـي كلّ قراءة، وقول ابن عبـاس إنها إنـما سميت مثاني، لأن الله تعالـى ذكره استثناها لـمـحمد صلى الله عليه وسلم دون سائر الأنبـياء غيره فـادّخرها له....

                تعليق

                • اسامة محمد خيري
                  Registered User
                  • Dec 2008
                  • 12975

                  #473
                  وقال آخرون: عُنِـيَ بذلك رهط من قوم صالـح الذين تقاسموا علـى تبـيـيت صالـح وأهله. ذكر من قال ذلك:

                  حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: { كمَا أنْزَلْنا علـى الـمُقْتَسِمِينَ } قال: الذين تقاسموا بصالـح. وقرأ قول الله تعالـى:
                  { وكانَ فِـي الـمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِـي الأرْضِ وَلا يُصْلِـحُونَ }
                  قال: تقاسموا بـالله حتـى بلغ الآية.

                  وقال بعضهم: هم قوم اقتسموا طرق مكة أيام قدوم الـحاجّ علـيهم، كان أهلها بعثوهم فـي عقابها، وتقدموا إلـى بعضهم أن يشيع فـي الناحية التـي توجه إلـيها لـمن سأله عن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم من القادمين علـيهم، أن يقول: هو مـجنون، وإلـى آخر: إنه شاعر، وإلـى بعضهم: إنه ساحر.

                  والصواب من القول فـي ذلك عندي أن يقال: إن الله تعالـى أمر نبـيه صلى الله عليه وسلم أن يُعلـم قومه الذين عضَّوا القرآن ففرقوه، أنه نذير لهم من سخط الله تعالـى وعقوبته أن يَحُلّ بهم علـى كفرهم ربهم وتكذيبهم نبـيهم ما حلّ بـالـمقتسمين من قبلهم ومنهم.

                  وجائز أن يكون عنـي بـالـمقتسمين: أهل الكتابـين التوراة والإنـجيـل، لأنهم اقتسموا كتاب الله، فأقرّت الـيهود ببعض التوراة وكذبت ببعضها وكذبت بـالإنـجيـل والفرقان، وأقرّت النصارى ببعض الإنـجيـل وكذّبت ببعضه وبـالفرقان. وجائز أن يكون عُنِـي بذلك: الـمشركون من قريش، لأنهم اقتسموا القرآن، فسماه بعضهم شعراً وبعض كهانة وبعض أساطير الأوّلـين. وجائز أن يكون عُنِـي به الفريقان. ومـمكن أن يكون عُنِـيَ به الـمقتسمون علـى صالـح من قومه.

                  فإذ لـم يكن فـي التنزيـل دلالة علـى أنه عُنـي به أحد الفرق الثلاثة دون الآخرين، ولا فـي خبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا فـي فطرة عقل، وكان ظاهر الآية مـحتـملاً ما وصفت، وجب أن يكون مقتضيّا بأن كلّ من اقتسم كتابـاً لله بتكذيب بعض وتصديق بعض، واقتسم علـى معصية الله مـمن حلّ به عاجل نقمة الله فـي الدار الدنـيا قبل نزول هذه الآية، فداخـل فـي ذلك لأنهم لأشكالهم من أهل الكفر بـالله كانوا عبرة وللـمتعظين بهم منهم عظَة....

                  والصواب من القول فـي ذلك أن يقال: إن الله تعالـى ذكره أمر نبـيه صلى الله عليه وسلم أن يُعْلِـم قوماً عَضَهُوا القرآن أنه لهم نذير من عقوبة تنزل بهم بِعْضِههمْ إياه مثل ما أنزل بـالـمقتسمين، وكان عَضْهُهُم إياه: قذفهموه بـالبـاطل، وقـيـلهم إنه شعر وسحر، وما أشبه ذلك.

                  وإنـما قلنا إن ذلك أولـى التأويلات به لدلالة ما قبله من ابتداء السورة وما بعده، وذلك قوله:
                  { إنَّا كَفَـيْناكَ الـمُسْتَهْزِئِينَ }
                  علـى صحة ما قلنا، وإنه إنـما عُنِـيَ بقوله: { الَّذِينَ جَعَلُوا القُرآنَ عِضِينَ } مشركي قومه. وإذ كان ذلك كذلك، فمعلوم أنه لـم يكن فـي مشركي قومه من يؤمن ببعض القرآن ويكفر ببعض، بل إنـما كان قومه فـي أمره علـى أحد معنـيـين: إما مؤمن بجميعه، وإما كافر بجميعه. وإذ كان ذلك كذلك، فـالصحيح من القول فـي معنى قوله: { الَّذِينَ جَعَلُوا القُرآنَ عِضِينَ } قول الذين زعموا أنهم عَضَهوه، فقال بعضهم: هو سحر، وقال بعضهم: هو شعر، وقال بعضهم: هو كهانة وأما أشبه ذلك من القول، أو عَضَّوْه ففرقوه، بنـحو ذلك من القول. وإذا كان ذلك معناه احتـمل قوله { عِضِين } ، أن يكون جمع: عِضة، واحتـمل أن يكون جمع عُضْو، لأن معنى التعضية: التفريق، كما تُعَضى الـجَزُرِ والشاة، فتفرق أعضاء. والعَضْه: البَهْت ورميه بـالبـاطل من القول فهما متقاربـان فـي الـمعنى.

                  تعليق

                  • اسامة محمد خيري
                    Registered User
                    • Dec 2008
                    • 12975

                    #474
                    سورة النحل

                    وأولـى القولـين فـي ذلك عندي بـالصواب، قول من قال: هو تهديد من أهل الكفر به وبرسوله، وإعلام منه لهم قرب العذاب منهم والهلاك وذلك أنه عقَّب ذلك بقوله سبحانه وتعالـى: { عَمَّا يُشْرِكُونَ } فدلّ بذلك علـى تقريعه الـمشركين ووعيده لهم. وبعد، فإنه لـم يبلغنا أن أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم استعجل فرائض قبل أن تُفرض علـيهم فـيقال لهم من أجل ذلك: قد جاءتكم فرائض الله فلا تستعجلوها. وأما مستعجلو العذاب من الـمشركين، فقد كانوا كثـيراً...

                    واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله تعالـى: { عَمَّا يُشْرِكُونَ } فقرأ ذلك أهل الـمدينة وبعض البصريـين والكوفـيـين: { عَمَّا يُشْرِكُونَ } بـالـياء علـى الـخبر عن أهل الكفر بـالله وتوجيه للـخطاب بـالاستعجال إلـى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك قرأوا الثانـية بـالـياء. وقرأ ذلك عامَّة قرّاء الكوفة بـالتاء علـى توجيه الـخطاب بقوله: { فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ } إلـى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبقوله تعالـى: «عَمَّا تُشْرِكُونَ» إلـى الـمشركين. والقراءة بـالتاء فـي الـحرفـين جميعاً علـى وجه الـخطاب للـمشركين أولـى بـالصواب لـما بـيَّنت من التأويـل أن ذلك إنـما هو وعيد من الله للـمشركين ابتدأ أوّل الآية بتهديدهم وختـم آخرها بنكير فعلهم واستعظام كفرهم علـى وجه الـخطاب لهم.

                    تعليق

                    • اسامة محمد خيري
                      Registered User
                      • Dec 2008
                      • 12975

                      #475
                      الـمثنى حدثنـي، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن أبـي حماد، قال: ثنـي أبو سعيد الرازي، عن أبـي جعفر قارىء الـمدينة، أنه كان يقرأ: «لَـمْ تَكُونُوا بـالِغيهِ إلاَّ بِشَقّ الأنْفُسِ» بفتـح الشين، وكان يقول: إنـما الشقّ: شقّ النفس. وقال ابن أبـي حماد: وكان معاذ الهرّاء يقول: هي لغة، تقول العرب بشقّ وبشِقّ، وبرَق وبرِق.

                      والصواب من القراءة فـي ذلك عندنا ما علـيه قرّاء الأمصار وهي كسر الشين، لإجماع الـحجة من القرّاء علـيه وشذوذ ما خالفه. وقد يُنشد هذا البـيت بكسر الشين وفتـحها، وذلك قول الشاعر:

                      وذِي إبِلِ يَسْعَى وَيحْسِبُها لَهُ أخِي نَصَبٍ مِنْ شَقِّها ودُؤُوبِ
                      و «من شِقِّـيها» أيضاً بـالكسر والفتـح وكذلك قول العجاج:
                      أصبحَ مَسْحُولٌ يُوَازِي شَقَّا
                      و «شِقًّا» بـالفتـح والكسر. ويعنـي بقوله: «يوازي شَقَّا»: يقاسي مشقة. وكان بعض أهل العربـية يذهب بـالفتـح إلـى الـمصدر من شققت علـيه أشقّ شقًّا، وبـالكسر إلـى الاسم. وقد يجوز أن يكون الذين قرأوا بـالكسر أرادوا إلا بنقص من القوّة وذهاب شيء منها حتـى لا يبلغه إلا بعد نقصها، فـيكون معناه عند ذلك: لـم تكونوا بـالغيه إلا بشقّ قوى أنفسكم وذهاب شقها الآخر. ويحكى عن العرب: خذ هذا الشِّقّ: لشقة الشاة بـالكسر، فأما فـي شقت علـيك شَقًّا فلـم يحك فـيه إلا النصب.

                      تعليق

                      • اسامة محمد خيري
                        Registered User
                        • Dec 2008
                        • 12975

                        #476
                        ذكر بعض من كان لا يرى بأسا بأكل لـحم الفرس:

                        حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن شعبة، عن مغيرة، عن إبراهيـم، عن الأسود: أنه أكل لـحم الفرس.

                        حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن شعبة، عن الـحكم، عن إبراهيـم، عن الأسود بنـحوه.

                        حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفـيان، عن منصور، عن إبراهيـم قال: نـحر أصحابنا فرساً فـي النـجع وأكلوا منه، ولـم يروا به بأساً.

                        والصواب من القول فـي ذلك عندنا ما قاله أهل القول الثانـي، وذلك أنه لو كان فـي قوله تعالـى ذكره: { لِتَرْكَبُوها } دلالة علـى أنها لا تصلـح إذ كانت للركوب للأكل لكان فـي قوله:
                        { فِـيها دِفْءٌ ومنَافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ }
                        دلالة علـى أنها لا تصلـح إذ كانت للأكل والدفء للركوب. وفـي إجماع الـجميع علـى أن ركوب ما قال تعالـى ذكره { وَمِنْها تَأْكُلُونَ } جائز حلال غير حرام، دلـيـل واضح علـى أن أكل ما قال: { لِتَرْكَبُوها } جائز حلال غير حرام، إلا بـما نصّ علـى تـحريـمه أو وضع علـى تـحريـمه دلالة من كتاب أو وحي إلـى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأما بهذ الآية فلا يحرم أكل شيء. وقد وضع الدلالة علـى تـحريـم لـحوم الـحمُر الأهلـية بوحيه إلـى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلـى البغال بـما قد بـيَّنا فـي كتابنا كتاب الأطعمة بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع، إذا لـم يكن هذا الـموضع من مواضع البـيان عن تـحريـم ذلك، وإنـما ذكرنا ما ذكرنا لـيدلّ علـى أنه لا وجه لقول من استدلّ بهذه الآية علـى تـحريـم لـحم الفرس.

                        تعليق

                        • اسامة محمد خيري
                          Registered User
                          • Dec 2008
                          • 12975

                          #477
                          وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب أن يقال: إن الله تعالـى ذكره عدّد علـى عبـاده من نعمه، إنعامَهُ علـيهم بـما جعل لهم من العلامات التـي يهتدون بها فـي مسالكهم وطرقهم التـي يسيرونها، ولـم يخصص بذلك بعض العلامات دون بعض، فكلّ علامة استدلّ بها الناس علـى طرقهم وفجاج سُبلهم فداخـل فـي قوله: { وَعَلاماتٍ }. والطرق الـمسبولة: الـموطوءة، علامة للناحية الـمقصودة، والـجبـال علامات يهتدي بهنّ إلـى قصد السبـيـل، وكذلك النـجوم بـاللـيـل. غير أن الذي هو أولـى بتأويـل الآية أن تكون العلامات من أدلة النهار، إذ كان الله قد فصل منها أدلة اللـيـل بقوله: { وبـالنَّـجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ }. وإذا كان ذلك أشبه وأولـى بتأويـل الآية، فـالواجب أن يكون القول فـي ذلك ما قاله ابن عبـاس فـي الـخبر الذي رويناه عن عطية عنه، وهو أن العلامات معالـم الطرق وأماراتها التـي يهتدى بها إلـى الـمستقـيـم منها نهاراً، وأن يكون النـجم الذي يهتدى به لـيلاً هو الـجدي والفرقدان، لأن بها اهتداء السفر دون غيرها من النـجوم. فتأويـل الكلام إذن: وجعل لكم أيها الناس علامات تستدلون بها نهاراً علـى طرقكم فـي أسفـاركم. ونـجوماً تهتدون بها لـيلاً فـي سُبلكم.

                          تعليق

                          • اسامة محمد خيري
                            Registered User
                            • Dec 2008
                            • 12975

                            #478
                            وقال آخرون: عنى بقوله: { فَخَرَّ عَلَـيْهِمُ السَّقْـفُ مِنْ فَوْقِهِمْ } أن العذاب أتاهم من السماء. ذكر من قال ذلك:

                            حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: { فَخَرَّ عَلَـيْهِمُ السَّقْـفُ مِنْ فَوْقِهِمْ } يقول: عذاب من السماء لَـما رأوه استسلـموا وذلوا.

                            وأولـى القولـين بتأويـل الآية، قول من قال: معنى ذلك: تساقطت علـيهم سقوف بـيوتهم، إذ أتـى أصولها وقواعدها أمر الله، فـائتفكت بهم منازلهم لأن ذلك هو الكلام الـمعروف من قواعد البنـيان وخرّ السقـف، وتوجيه معانـي كلام الله إلـى الأشهر الأعرف منها، أولـى من توجيهها إلـى غير ذلك ما وُجِد إلـيه سبـيـل

                            تعليق

                            • اسامة محمد خيري
                              Registered User
                              • Dec 2008
                              • 12975

                              #479
                              واختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامَّة قرّاء الكوفـيـين: { فإنَّ اللّهَ لا يَهْدِي مَنْ يَضِلُّ } بفتـح الـياء من «يهدي»، وضمها من «يضلّ». وقد اختلف فـي معنى ذلك قارئوه كذلك، فكان بعض نـحويـي الكوفة يزعم أن معناه: فإن الله من أضله لا يهتدي، وقال: العرب تقول: قد هُدي الرجل يريدون قد اهتدى، وهُدي واهتدى بـمعنى واحد. وكان آخرون منهم يزعمون أن معناه: فإن الله لا يهدي من أضله، بـمعنى: أن من أضله الله فإن الله لا يهديه. وقرأ ذلك عامَّة قرّاء الـمدينة والشام والبصرة: «فإنَّ اللّهَ لاَ يُهْدَى» بضم الـياء من «يُهدى» ومن «يُضل» وفتـح الدال من «يُهدَى» بـمعنى: من أضله الله فلا هادي له.

                              وهذه القراءة أولـى القراءتـين عندي بـالصواب، لأن يَهْدي بـمعنى يهتدى قلـيـل فـي كلام العرب غير مستفـيض، وأنه لا فـائدة فـي قول قائل: من أضله الله فلا يهديه، لأن ذلك مـما لا يجهله أحد. وإذ كان ذلك كذلك، فـالقراءة بـما كان مستفـيضاً فـي كلام العرب من اللغة بـما فـيه الفـائدة العظيـمة أولـى وأحرى.

                              فتأويـل الكلام لو كان الأمر علـى ما وصفنا: إن تـحرص يا مـحمد علـى هداهم، فإن من أضله الله فلا هادي له، فلا تـجهد نفسك فـي أمره وبلغه ما أرسلت به لتتـمّ علـيه الـحجة.

                              تعليق

                              • اسامة محمد خيري
                                Registered User
                                • Dec 2008
                                • 12975

                                #480
                                وأولـى القولـين فـي ذلك بـالصواب قول من قال: معنى { لَنُبَوّئَنَّهُمْ }: لنـحلنهم ولنسكننهم، لأن التبوأ فـي كلام العرب الـحلول بـالـمكان والنزول به. ومنه قول الله تعالـى:
                                { وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنـي إسْرَائيـلَ مُبَوَّأَ صدْقٍ }

                                تعليق

                                يعمل...