قال أبو جعفر: وأولـى التأويـلـين فـي ذلك بـالصواب تأويـل من قال: معناه: أقم الصلاة لتذكرنـي فـيها، لأن ذلك أظهر معنـيـيه ولو كان معناه: حين تذكرها، لكان التنزيـل: أقم الصلاة لذكركها. وفـي قوله: { لِذِكْرِي } دلالة بـينة علـى صحة ما قال مـجاهد فـي تأويـل ذلك ولو كانت القراءة التـي ذكرناها عن الزهري قراءة مستفـيضة فـي قَراءة الأمصار، كان صحيحاً تأويـل من تأوّله بـمعنى: أقم الصلاة حين تذكرها، وذلك أن الزهري وجَّه بقراءته أقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرَى بـالألف لا بـالإضافة، إلـى أقم لذكراها، لأن الهاء والألف حذفتا، وهما مرادتان فـي الكلام لـيوفق بـينها وبـين سائر رؤوس الآيات، إذ كانت بـالألف والفتـح.
إرشاد النحرير لترجيحات الامام ابن جرير
تقليص
X
-
-
قال أبو جعفر: والذي هو أولـى بتأويـل الآية من القول، قول من قال: معناه: أكاد أخفـيها من نفسي، لأن تأويـل أهل التأويـل بذلك جاء. والذي ذُكر عن سعيد بن جبـير من قراءة ذلك بفتـح الألف قراءة لا أستـجيز القراءة بها لـخلافها قراءة الـحجة التـي لا يجوز خلافها فـيـما جاءت به نقلاً مستفـيضاً.
فإن قال قائل: ولـم وجهت تأويـل قوله { أكادُ أُخْفِـيها } بضم الألف إلـى معنى: أكاد أخفـيها من نفسي، دون توجيهه إلـى معنى: أكاد أظهرها، وقد علـمت أن للإخفـاء فـي كلام العرب وجهين: أحدهما الإظهار، والآخر الكتـمان وأن الإظهار فـي هذا الـموضع أشبه بـمعنى الكلام، إذ كان الإخفـاء من نفسه يكاد عند السامعين أن يستـحيـل معناه، إذ كان مـحالاً أن يخفـي أحد عن نفسه شيئاً هو به عالـم، والله تعالـى ذكره لا يخفـى علـيه خافـية؟ قـيـل: الأمر فـي ذلك بخلاف ما ظننت، وإنـما وجَّهنا معنى { أُخْفِـيها } بضمّ الألف إلـى معنى: أسترها من نفسي، لأن الـمعروف من معنى الإخفـاء فـي كلام العرب: الستر. يقال: قد أخفـيت الشيء: إذا سترته. وأن الذين وجَّهوا معناه إلـى الإظهار، اعتـمدوا علـى بـيت لامرىء القـيس ابن عابس الكندي.
حُدثت عن معمر بن الـمثنى أنه قال: أنشدنـيه أبو الـخطاب، عن أهله فـي بلده:
فإنْ تُدْفِنُوا الدَّاءَ لا نُـخْفِهِ وإنْ تَبْعَثُوا الـحَرْبَ لا نَقْعُدُ
بضمّ النون من لا نـخفه، ومعناه: لا نظهره، فكان اعتـمادهم فـي توجيه الإخفـاء فـي هذا الـموضع إلـى الإظهار علـى ما ذكروا من سماعهم هذا البـيت، علـى ما وصفت من ضم النون من نـخفه. وقد أنشدنـي الثقة عن الفرّاء:
فإنْ تَدْفِنُوا الدَّاءَ لا نَـخْفِهِ
بفتـح النون من نـخفه، من خفـيته أخفـيه، وهو أولـى بـالصواب لأنه الـمعروف من كلام العرب. فإذا كان ذلك كذلك، وكان الفتـح فـي الألف من أَخفـيها غير جائز عندنا لـما ذكرنا، ثبت وصحّ الوجه الآخر، وهو أن معنى ذلك: أكاد استرها من نفسي.
وأما وجه صحة القول فـي ذلك، فهو أن الله تعالـى ذكره خاطب بـالقرآن العرب علـى ما يعرفونه من كلامهم وجرى به خطابهم بـينهم فلـما كان معروفـاً فـي كلامهم أن يقول أحدهم إذا أراد الـمبـالغة فـي الـخبر عن إخفـائه شيئاً هو له مسرّ: قد كدت أن أخفـي هذا الأمر عن نفسي من شدّة استسراري به، ولو قدرت أخفـيه عن نفسي أخفـيته، خاطبهم علـى حسب ما قد جرى به استعمالهم فـي ذلك من الكلام بـينهم، وما قد عرفوه فـي منطقهم. وقد قـيـل فـي ذلك أقوال غير ما قلنا، وإنـما اخترنا هذا القول علـى غيره من الأقوال لـموافقة أقوال أهل العلـم من الصحابة والتابعين، إذ كنا لا نستـجيز الـخلاف علـيهم، فـيـما استفـاض القول به منهم، وجاء عنهم مـجيئاً يقطع العذر.
..تعليق
-
وذُكر عن عبد الله بن أبـي إسحاق أنه كان يقرأ: «أَشْدُد بِهِ أزْرِي» بفتـح الألف من أشدد «وأُشْرِكْه فِـي أمْرِي» بضم الألف من أشركه، بـمعنى الـخبر من موسى عن نفسه، أنه يفعل ذلك، لا علـى وجه الدعاء. وإذا قرىء ذلك كذلك جزم أشدد وأشرك علـى الـجزاء، أو جواب الدعاء، وذلك قراءة لا أرى القراءة بها، وإن كان لها وجه مفهوم، لـخلافها قراءة الـحجة التـي لا يجوز خلافها.تعليق
-
قال أبو جعفر: والذي هو أولـى بـالصواب من القول فـي ذلك أن يقال: إن الله ألقـى مـحبته علـى موسى، كما قال جلّ ثناؤه { وألْقَـيْتَ عَلَـيْكَ مَـحَبَّةً مِنِّـي } فحببه إلـى آسية امرأة فرعون، حتـى تبنَّته وغذّته وربَّته، وإلـى فرعون، حتـى كفّ عنه عاديته وشرّه. وقد قـيـل: إنـما قـيـل: وألقـيت علـيك مـحبة منـي، لأنه حببه إلـى كل من رآه. ومعنى { ألْقَـيْتُ عَلَـيْكَ مَـحَبَّةً مِنِّـي } حببتك إلـيهم يقول الرجل لآخر إذا أحبه: ألقـيت علـيك رحمتـي: أي مـحبتـي.تعليق
-
وقرأ ابن نهيك: «وَلِتَصْنَعَ» بفتـح التاء. وتأوّله كما:
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبد الـمؤمن، قال: سمعت أبـا نهيك يقرأ «وَلِتَصْنَعَ عَلـى عَيْنِـي» فسألته عن ذلك، فقال: ولتعمل علـى عينـي.
قال أبو جعفر: والقراءة التـي لا أستـجيز القراءة بغيرها
{ وَلِتُصْنَعَ }
بضم التاء، لإجماع الـحجة من القرّاء علـيها. وإذا كان ذلك كذلك، فأولـى التأويـلـين به، التأويـل الذي تأوّله قَتادَة، وهو:
{ وَألْقَـيْتُ عَلَـيْكَ مَـحَبَّةً مِنِّـي }
ولتغذى علـى عينـي، ألقـيت علـيك الـمـحبة منـي. وعنى بقوله: عَلـى عَيْنِـي بـمرأى منـي ومـحبة وإرادة....تعليق
-
وقوله: { قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَـلْقَهُ ثُمَّ هَدَى } يقول تعالـى ذكره: قال موسى له مـجيبـاً: ربنا الذي أعطى كلّ شيء خـلقه، يعنـي: نظير خـلقه فـي الصورة والهيئة كالذكور من بنـي آدم، أعطاهم نظير خـلقهم من الإناث أزواجاً، وكالذكور من البهائم، أعطاها نظير خـلقها، وفـي صورتها وهيئتها من الإناث أزواجاً، فلـم يعط الإنسان خلاف خـلقه، فـيزوّجه بـالإناث من البهائم، ولا البهائم بـالإناث من الإنس، ثم هداهم للـمأتـي الذي منه النسل والنـماء كيف يأتـيه، ولسائر منافعه من الـمطاعم والـمشارب، وغير ذلك...
قال أبو جعفر: وإنـما اخترنا القول الذي اخترنا فـي تأويـل ذلك، لأنه جلّ ثناؤه أخبر أنه أعطى كلّ شيء خـلقه، ولا يعطي الـمعطي نفسه، بل إنـما يعطي ما هو غيره، لأن العطية تقتضي الـمعطي الـمُعطَى والعطية، ولا تكون العطية هي الـمعْطَى، وإذا لـم تكن هي هو، وكانت غيره، وكانت صورة كلّ خـلق بعض أجزائه، كان معلوماً أنه إذا قـيـل: أعطى الإنسان صورته، إنـما يعنـي أنه أعطى بعض الـمعانـي التـي به مع غيره دعي إنساناً، فكأن قائله قال: أعطى كلّ خـلق نفسه، ولـيس ذلك إذا وجه إلـيه الكلام بـالـمعروف من معانـي العطية، وإن كان قد يحتـمله الكلام. فإذا كان ذلك كذلك، فـالأصوب من معانـيه أن يكون موجهاً إلـى أن كلّ شيء أعطاه ربه مثل خـلقه، فزوّجه به، ثم هداه لـما بـيَّنا، ثم ترك ذكر مثل، وقـيـل { أعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَـلْقَه } كما يقال: عبد الله مثل الأسد، ثم يحذف مثل، فـيقول: عبد الله الأسد.تعليق
-
قال أبو جعفر: والصواب من القراءة فـي ذلك عندنا: { إنّ } بتشديد نونها، وهذان بـالألف لإجماع الـحجة من القرّاء علـيه، وأنه كذلك هو فـي خطّ الـمصحف. ووجهه إذا قرىء كذلك مشابهته الذين إذ زادوا علـى الذي النون، وأقرّ فـي جميع الأحوال الإعراب علـى حالة واحدة، فكذلك { إنَّ هَذَانِ } زيدت علـى هذا نون وأقرّ فـي جميع أحوال الإعراب علـى حال واحدة، وهي لغة بلـحرث بن كعب، وخثعم، وزبـيد، ومن ولـيهم من قبـائل الـيـمن...
وقوله: { وَيَذْهَبـا بطَرِيقَتِكُمْ الـمُثْلَـى } يقول: ويغلبـا علـى ساداتكم وأشرافكم، يقال: هو طريقة قومه ونظورة قومه، ونظيرتهم إذا كان سيدهم وشريفهم والـمنظور إلـيه، يقال ذلك للواحد والـجمع، وربـما جمعوا، فقالوا: هؤلاء طرائق قومهم ومنه قول الله تبـارك وتعالـى:
{ كُنَّا طَرَائقَ قِدَاداً }
وهؤلاء نظائر قومهم. وأما قوله: { الـمُثْلَـى } فإنها تأنـيث الأمثل، يقال للـمؤنث، خذ الـمثلـى منهما. وفـي الـمذكر: خذ الأمثل منهما، ووحدت الـمثلـى، وهي صفة ونعت للـجماعة، كما قـيـل:
{ لهُ الأسْماءُ الـحُسْنَى }
، وقد يحتـمل أن يكون الـمُثلـى أنثت لتأنـيث الطريقة.
وبنـحو ما قلنا فـي معنى قوله: { بِطَرِيقَتِكُمُ الـمُثْلَـى } قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:
حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: { وَيَذْهَبـا بِطَرِيقَتِكُمُ الـمُثلَـى } يقول: أمثلكم وهم بنو إسرائيـل.
حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: { وَيَذْهَبـا بِطَرِيقَتِكُمُ الـمُثْلَـى } قال: أولـي العقل والشرف والأنساب.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، فـي قوله { وَيَذْهَبـا بِطَرِيقَتِكُمُ الـمُثْلَـى } قال: أولـي العقول والأشراف والأنساب.
حدثنا أبو كريب وأبو السائب، قالا: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله: { وَيَذْهَبـا بِطَرِيقَتِكُمُ الـمُثْلَـى } وطريقتهم الـمُثلـى يومئذٍ كانت بنو إسرائيـل، وكانوا أكثر القوم عدداً وأموالاً وأولاداً. قال عدوّ الله: إنـما يريدان أن يذهبـا بهم لأنفسهما.
حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة فـي قوله { بِطَرِيقَتِكُمُ الـمُثْلَـى } قال: ببنـي إسرائيـل.
حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ { وَيَذْهَبَـا بِطَرِيقَتِكُمُ الـمُثْلَـى } يقول: يذهبـا بأشراف قومكم.
وقال آخرون: معنى ذلك: ويغيرا سنتكم ودينكم الذي أنتـم علـيه، من قولهم: فلان حسن الطريقة. ذكر من قال ذلك:
حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: { وَيَذْهَبـا بِطَرِيقَتِكُمُ الـمُثْلَـى } قال: يذهبـا بـالذي أنتـم علـيه، يغير ما أنتـم علـيه. وقرأ:
{ ذَرُونِـي أقْتُلْ مُوسَى وَلـيْدْعُ رَبَّهُ إنّـي أخافُ أنْ يُبَدّلَ دِينَكُمْ أوْ أنْ يُظْهِرَ فِـي الأرْضِ الفَسادَ }
قال: هذا قوله: { وَيَذْهَبـا بِطَرِيقَتِكُمُ الـمُثْلَـى } وقال: يقول طريقتكم الـيوم طريقة حسنة، فإذا غيرت ذهبت هذه الطريقة. ورُوي عن علـي فـي معنى قوله: { وَيَذْهَبـا بِطَرِيقَتِكُمُ الـمُثْلَـى } ما:
حدثنا به القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن إسحاق، عن القاسم، عن علـيّ بن أبـي طالب، قال: يصرفـان وجوه الناس إلـيهما.
قال أبو جعفر: وهذا القول الذي قاله ابن زيد فـي قوله: { ويَذْهَبـا بِطَرِيقَتِكُمُ الـمُثْلَـى } وإن كان قولاً له وجه يحتـمله الكلام، فإن تأويـل أهل التأويـل خلافه، فلا أستـجيز لذلك القول به.تعليق
-
اختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: { فأجْمِعُوا كَيْدَكُم } فقرأته عامة قرّاء الـمدينة والكوفة { فأجْمِعُوا كَيْدَكُمْ } بهمز الألف من { فأجْمِعُوا } ، ووجَّهوا معنى ذلك إلـى: فأحكموا كيدكم، واعزموا علـيه من قولهم: أجمع فلان الـخروج، وأجمع علـى الـخروج، كما يقال: أزمع علـيه ومنه قول الشاعر:
يا لَـيْت شعْرِي والـمُنى لا تَنْفَعُ هَلْ أغْدُوَنْ يَوْماً وأمْرِيَ مُـجْمَعُ
يعنـي بقوله: «مـجمع» قد أحكم وعزم علـيه ومنه قول النبـيّ صلى الله عليه وسلم: " مَنْ لَـمْ يُجْمِعْ عَلـى الصَّوْمِ مِن اللَّـيْـلِ فَلا صَوْم لَهُ "
وقرأ ذلك بعض قرّاء أهل البصرة: «فـاجْمِعُوا كَيْد كُمْ» بوصل الألف، وترك همزها، من جمعت الشيء، كأنه وجَّهه إلـى معنى: فلا تدَعوا من كيدكم شيئاً إلا جئتـم به. وكان بعض قارئي هذه القراءة يعتلّ فـيـما ذُكر لـي لقراءته ذلك كذلك بقوله:
{ فَتَوَّلـى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ }
قال أبو جعفر: والصواب فـي قراءة ذلك عندنا همز الألف من أجمع، لإجماع الـحجة من القرّاء علـيه، وأن السحرة هم الذين كانوا به معروفـين، فلا وجه لأن يقال لهم: اجمعوا ما دعيتـم له مـما أنتـم به عالـمون، لأن الـمرء إنـما يجمع ما لـم يكن عنده إلـى ما عنده، ولـم يكن ذلك يوم تزيد فـي علـمهم بـما كانوا يعملونه من السحر، بل كان يوم إظهاره، أو كان متفرّقا مـما هو عنده، بعضه إلـى بعض، ولـم يكن السحر متفرّقاً عندهم فـيجمعونه. وأما قوله:
{ فَجَمَعَ كَيْدَهُ }
فغير شبـيه الـمعنى بقوله { فَأجِمعُوا كَيْدَكُمْ } وذلك أن فرعون كان هو الذي يجمع ويحتفل بـما يغلب به موسى مـما لـم يكن عنده مـجتـمعاً حاضراً، فقـيـل: فتولـى فرعون فجمع كيده....
واختلفت القراءة فـي قراءة قوله: { يُخَيَّـلُ إلَـيْهِ } فقرأ ذلك عامة قرّاء الأمصار { يُخَيَّـلُ إلَـيْهِ } بـالـياء بـمعنى: يخيـل إلـيهم سعيها. وإذا قرىء ذلك كذلك، كانت «أن» فـي موضع رفع. ورُوي عن الـحسن البصري أنه كان يقرؤه: «تُـخَيَّـلُ» بـالتاء، بـمعنى: تـخيـل حبـالهم وعصيهم بأنها تسعى. ومن قرأ ذلك كذلك، كانت «أن» فـي موضع نصب لتعلق تـخيـل بها. وقد ذُكر عن بعضهم أنه كان يقرؤه: «تُـخَيَّـلُ إلَـيْهِ» بـمعنى: تتـخيـل إلـيه. وإذا قرىء ذلك كذلك أيضا ف«أن» فـي موضع نصب بـمعنى: تتـخيـل بـالسعي لهم.
والقراءة التـي لا يجوز عندي فـي ذلك غيرها { يُخَيَّـلُ } بـالـياء، لإجماع الـحجة من القراء علـيه...
وقوله: { وَلَتَعْلَـمُنَّ أيُّنا أشَدُّ عَذَابـاً وأبْقَـى } يقول: ولتعلـمنّ أيها السحرة أينا أشدّ عذابـاً لكم، وأدوم، أنا أو موسى.تعليق
-
واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله { لا تَـخافُ دَرَكاً } فقرأته عامَّة قرّاء الأمصار غير الأعمش وحمزة: { لا تَـخافُ دَرَكاً } علـى الاستئناف بلا، كما قال:
{ وَاصْطَبِرْ عَلَـيْها لا نَسألُكَ رِزْقاً }
فرفع، وأكثر ما جاء فـي هذا الأمر الـجواب مع «لا». وقرأ ذلك الأعمش وحمزة «لا تَـخَفْ دَرَكاً» فجزما لا تـخاف علـى الـجزاء، ورفعا { وَلا تَـخْشَى } علـى الاستئناف، كما قال جلّ ثناؤه:
{ يُوَلُّوكُمُ الأدْبـارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ }
فـاستأنف بثم، ولو نوى بقوله: { ولاَ تَـخْشَى } الـجزم، وفـيه الـياء، كان جائزاً، كما قال الراجز:
هُزّي إلَـيْكِ الـجِذْعَ يَجْنِـيكِ الـجَنى
وأعجب القراءتـين إلـيّ أن أقرأ بها: { لا تـخافُ } علـى وجه الرفع، لأن ذلك أفصح اللغتـين، وإن كانت الأخرى جائزة. وكان بعض نـحويـي البصرة يقول: معنى قوله: { لا تَـخافُ دَرَكاً } اضرب لهم طريقاً لا تـخاف فـيه دركاً، قال: وحذف فـيه، كما تقول: زيد أكرمت، وأنت تريد: أكرمته، وكما تقول:
{ وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَـجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً }
أي لا تـجزى فـيه. وأما نـحويو الكوفة فإنهم ينكرون حذف فـيه إلا فـي الـمواقـيت، لأنه يصلـح فـيها أن يقال: قمت الـيوم وفـي الـيوم، ولا يجيزون ذلك فـي الأسماء.تعليق
-
وقد اختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الـمدينة: «بِـمَلْكِنا» بفتـح الـميـم، وقرأته عامة قرّاء الكوفة: «بِـمُلْكِنا» بضم الـميـم، وقرأه بعض أهل البصرة { بِـمِلْكِنا } بـالكسر. فأما الفتـح والضمّ فهما بـمعنى واحد، وهما بقدرتنا وطاقتنا، غير أن أحدهما مصدر، والآخر اسم. وأما الكسر فهو بـمعنى ملك الشيء وكونه للـمالك.
واختلف أيضا أهل التأويـل فـي تأويـله، فقال بعضهم: معناه: ما أخـلفنا موعدك بأمرنا. ذكر من قال ذلك:
حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ عن ابن عبـاس، قوله: { ما أخْـلَفْنا مَوْعِدَكَ بِـمَلْكِنا } يقول: بأمرنا.
حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: { بِـمَلْكِنا } قال: بأمرنا.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.
وقال آخرون: معناه: بطاقتنا. ذكر من قال ذلك:
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { قالُوا ما أخْـلَفْنا مَوْعِدَكَ بِـمَلْكِنا }: أي بطاقتنا.
حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: { قالُوا ما أخْـلَفْنا مَوْعِدَكَ بِـمَلْكِنا } يقول: بطاقتنا.
وقال آخرون: معناه: ما أخـلفنا موعدك بهوانا، ولكنا لـم نـملك أنفسنا. ذكر من قال ذلك:
حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: { ما أخْـلَفْنا مَوْعِدَكَ بِـمَلْكِنا } قال: يقول بهوانا، قال: ولكنه جاءت ثلاثة، قال ومعهم حلـيّ استعاروه من آل فرعون، وثـياب.
وقال أبو جعفر: وكلّ هذه الأقوال الثلاثة فـي ذلك متقاربـات الـمعنى، لأن من لـم يهلك نفسه، لغلبة هواه علـى ما أمر، فإنه لا يـمتنع فـي اللغة أن يقول: فعل فلان هذا الأمر، وهو لا يـملك نفسه وفعله، وهو لا يضبطها وفعله وهو لا يطيق تركه. فإذا كان ذلك كذلك، فسواء بأيّ القراءات الثلاث قرأ ذلك القارىء، وذلك أن من كسر الـميـم من الـملك، فإنـما يوجه معنى الكلام إلـى ما أخـلفنا موعدك، ونـحن نـملك الوفـاء به لغلبة أنفسنا إيانا علـى خلافه، وجعله من قول القائل: هذا ملك فلان لـما يـملكه من الـمـملوكات، وأن من فتـحها، فإنه يوجه معنى الكلام إلـى نـحو ذلك، غير أنه يجعله مصدراً من قول القائل: ملكت الشيء أملكه ملكاً وملكة، كما يقال: غلبت فلاناً أغلبه غَلبـاً وغَلَبة، وأن من ضمها فإنه وجَّه معناه إلـى ما أخـلفنا موعدك بسلطاننا وقدرتنا، أي ونـحن نقدر أن نـمتنع منه، لأن كل من قهر شيئاً فقد صار له السلطان علـيه.
وقد أنكر بعض الناس قراءة من قرأه بـالضمّ، فقال: أيّ ملك كان يومئذٍ لبنـي إسرائيـل، وإنـما كانوا بـمصر مستضعفـين، فأغفل معنى القوم وذهب غير مرادهم ذهابـاً بعيداً وقارئو ذلك بـالضم لـم يقصدوا الـمعنى الذي ظنه هذا الـمنكر علـيهم ذلك، وإنـما قصدوا إلـى أن معناه: ما أخـلفنا موعدك بسلطان كانت لنا علـى أنفسنا نقدر أن نردّها عما أتت، لأن هواها غلبنا علـى إخلافك الـموعد....
وقرأته عامة قرّاء الكوفة والبصرة وبعض الـمكيـين: «حَمَلْنا» بتـخفـيف الـحاء والـميـم وفتـحهما، بـمعنى أنهم حملوا ذلك من غير أن يكلفهم حمله أحد.
قال أبو جعفر: والقول عندي فـي تأويـل ذلك أنهما قراءتان مشهورتان متقاربتا الـمعنى، لأن القوم حملوا، وأن موسى قد أمرهم بحمله، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب الصواب....
حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا مُعاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: { هَذَا إلهُكُمْ وَإلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ } يقول: نسي موسى ربه فأخطأه، وهذا العجل إله موسى.
قال أبو جعفر: والذي هو أولـى بتأويـل ذلك القول الذي ذكرناه عن هؤلاء، وهو أن ذلك خبر من الله عزّ ذكره عن السامريّ أنه وصف موسى بأنه نسي ربه، وأنه ربه الذي ذهب يريده هو العجل الذي أخرجه السامري، لإجماع الـحجة من أهل التأويـل علـيه، وأنه عقـيب ذكر موسى، وهو أن يكون خبراً من السامريّ عنه بذلك أشبه من غيره.تعليق
-
قال أبو جعفر: وأولـى القولـين فـي ذلك بـالصواب، القول الذي قاله ابن عبـاس من أن موسى عذل أخاه هارون علـى تركه اتبـاع أمره بـمن اتبعه من أهل الإيـمان، فقال له هارون: إنـي خشيت أن تقول، فرّقت بـين جماعتهم، فتركت بعضهم وراءك، وجئت ببعضهم، وذلك بـيِّن فـي قول هارون للقوم
{ يا قَومِ إنَّـمَا فُتِنْتُـمْ بِهِ وَإنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فـاتَّبِعُونِـي وأطِيعُوا أمْرِي }
وفـي جواب القوم له وقـيـلهم
{ لَنْ نَبْرَحَ عَلَـيْهِ عاكفِـينَ حتـى يَرْجِعَ إلَـيْنا مُوسَى }تعليق
-
وقوله: { لَنُـحَرَقَنَّهُ } اختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامَّة قرْاء الـحجاز والعراق لَنُـحَرّقَنَّهُ بضم النون وتشديد الراء، بـمعنى لنـحرقنه بـالنار قطعة قطعة. ورُوي عن الـحسن البصري أنه كان يقرأ ذلك: «لَنُـحْرِقَنَّهُ» بضم النون، وتـخفـيف الراء، بـمعنى: لنـحرقنه بـالنار إحراقة واحدة، وقرأه أبو وجعفر القارىء: «لَنَـحْرُقَنَّهُ» بفتـح النون وضم الراء بـمعنى: لنبردنه بـالـمبـارد من حرقته أحرقه وأحرّقه، كما قال الشاعر:
بِذِي فِرْقَـيْنِ يَوْمَ بَنُو حُبَـيْبٍ نُـيُوَبهُمُ عَلَـيْنا يَحْرُقُونا
والصواب فـي ذلك عندنا من القراءة { لَنُـحَرّقَنَّهُ } بضم النون وتشديد الراء، من الإحراق بـالنار، كما:
حدثنـي علـيّ قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: { لَنُـحَرّقَنَّهُ } يقول: بـالنار.تعليق
-
قال أبو جعفر: وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب قول من قال: عنى بـالعوج: الـميـل، وذلك أن ذلك هو الـمعروف فـي كلام العرب.
فإن قال قائل: وهل فـي الأرض الـيوم من عوج، فـيقال: لا ترى فـيها يومئذٍ عوجاً. قـيـل: إن معنى ذلك: لـيس فـيها أودية وموانع تـمنع الناظر أو السائر فـيها عن الأخذ علـى الاستقامة، كما يحتاج الـيوم من أخذ فـي بعض سبلها إلـى الأخذ أحيانا يـميناً، وأحياناً شمالاً، لـما فـيها من الـجبـال والأودية والبحار. وأما الأمت فإنه عند العرب: الانثناء والضعف. مسموع منهم: مدّ حبله حتـى ما ترك فـيه أمتا: أي انثناء وملأ سقاءه حتـى ما ترك فـيه أمتاً ومنه قول الراجز:
ما فِـي انْـجذَابِ سَيْرِهِ مِنْ أمْتِ
يعنـي: من وهن وضعف، فـالواجب إذا كان ذلك معنى الأمت عندهم أن يكون أصوب الأقوال فـي تأويـله: ولا ارتفـاع ولا انـخفـاض، لأن الانـخفـاض لـم يكن إلاَّ عن ارتفـاع. فإذا كان ذلك كذلك، فتأويـل الكلام: لا ترى فـيها ميلاً عن الاستواء، ولا ارتفـاعاً، ولا انـخفـاضاً، ولكنها مستوية ملساء، كما قال جلّ ثناؤه: { قاعاً صَفْصَفـاً }.تعليق
-
وقوله { يَعْلَـمُ ما بـينَ أيْدِيهِمْ وَما خَـلْفَهُمْ } يقول تعالـى ذكره: يعلـم ربك يا مـحمد ما بـين أيدي هؤلاء الذين يتبعون الداعي من أمر القـيامة، وما الذي يصيرون إلـيه من الثواب والعقاب { وَما خَـلفَهُمْ } يقول: ويعلـم أمر ما خـلفوه وراءهم من أمر الدنـيا، كما:
حدثنا بِشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { يَعْلَـمُ ما بـينَ أيْدِيهمْ } من أمر الساعة { وَما خَـلْفَهُمْ } من أمر الدنـيا.
وقوله: { وَلا يُحيطُونَ بهِ علْـماً } يقول تعالـى ذكره: ولا يحيط خـلقه به علـماً. ومعنى الكلام: أنه مـحيط بعبـاده علـماً، ولا يحيط عبـاده به علـماً. وقد زعم بعضهم أن معنى ذلك: أن الله يعلـم ما بـين أيدي ملائكته وما خـلفهم، وأن ملائكته لا يحيطون علـماً بـما بـين أيدي أنفسم وما خـلفهم، وقال: إنـما أعلـم بذلك الذين كانوا يعبدون الـملائكة، أن الـملائكة كذلك لا تعلـم ما بـين أيديها وما خـلفها، موبخهم بذلك ومقرّعهم بأن من كان كذلك، فكيف يعبد، وأن العبـادة إنـما تصلـح لـمن لا تـخفـى علـيه خافـية فـي الأرض ولا فـي السماء.تعليق
-
حدثني عبد الرحيـم البرقـيّ، قال: ثنا ابن أبـي مَريـم، قال: ثنا مـحمد بن جعفر وابن أبـي حازم، قالا: ثنا أبو حازم، عن النعمان بن أبـي عياش، عن أبـي سعيد الـخدريّ { مَعِيشَةً ضَنْكاً } قال: عذاب القبر.
قال أبو جعفر: وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب قول من قال: هو عذاب القبر الذي:
حدثنا به أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: ثنا عمي عبد الله بن وهب، قال: أخبرنـي عمرو بن الـحارث، عن درّاج، عن ابن حُجَيرة عن أبـي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " أتَدْرُونَ فِـيـمَ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: { فإنَّ لَهُ مَعيشَةً ضَنْكاً وَنـحْشُرُهُ يَوْمَ القـيامَةِ أعْمَى } أتَدْرُونَ ما الـمَعِيشَةً الضَّنْكُ؟ " قالوا: الله ورسوله أعلـم، قال: " عَذَابُ الكافرِ فـي قَبْرِهِ، والَّذِي نَفْسي بـيَدِهِ، إنَّه لَـيُسَلَّطُ عَلَـيْهِ تَسْعَةٌ وَتِسْعُونَ تِنِّـيناً، أتَدْرُونَ ما التِّنِـينُ: تسْعَةٌ وَتسْعُونَ حَيَّة، لكلّ حَيَّة سَبْعَةُ رُؤُوسٍ، يَنْفُخُونَ فـي جِسْمِهِ وَيَـلْسَعُونَهُ ويَخْدِشُونَهُ إلـى يَوْمِ القِـيامَةِ "
وإن الله تبـارك وتعالـى أتبع ذلك بقوله:
{ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أشَدُّ وأبْقَـى }
فكان معلوماً بذلك أن الـمعيشة الضنك التـي جعلها الله لهم قبل عذاب الآخرة، لأن ذلك لو كان فـي الآخرة لـم يكن لقوله
{ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أشَدُّ وأبْقَـى }
معنى مفهوم، لأن ذلك إن لـم يكن تقدّمه عذاب لهم قبل الآخرة، حتـى يكون الذي فـي الآخرة أشدّ منه، بطل معنى قوله
{ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أشَدُّ وأبْقَـى }
فإذ كان ذلك كذلك، فلا تـخـلو تلك الـمعيشة الضنك التـي جعلها الله لهم من أن تكون لهم فـي حياتهم الدنـيا، أو فـي قبورهم قبل البعث، إذ كان لأوجه لأن تكون فـي الآخرة لـما قد بـيَّنا، فإن كانت لهم فـي حياتهم الدنـيا، فقد يجب أن يكون كلّ من أعرض عن ذكر الله من الكفـار، فإن معيشته فـيها ضنك، وفـي وجودنا كثـيراً منهم أوسع معيشة من كثـير من الـمقبلـين علـى ذكر الله تبـارك وتعالـى، القائلـين له الـمؤمنـين فـي ذلك، ما يدلّ علـى أن ذلك لـيس كذلك، وإذ خلا القول فـي ذلك من هذين الوجهين صحّ الوجه الثالث، وهو أن ذلك فـي البرزخ....
حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله: { ونَـحْشُرُهُ يَوْمَ القِـيامَةِ أعْمَى } قال: عن الـحجة.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، مثله، وقـيـل: يحشر أعمى البصر.
قال أبو جعفر: والصواب من القول فـي ذلك ما قال الله تعالـى ذكره، وهو أنه يحشر أعمى عن الـحجة ورؤية الشيء كما أخبر جلّ ثناؤه، فعمّ ولـم يخصص....
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { قالَ رَبّ لِـمَ حَشَرْتَنِـي أعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً } قال: كان بعيد البصر، قصير النظر، أعمى عن الـحقّ.
قال أبو جعفر: والصواب من القول فـي ذلك عندنا، أن الله عزّ وجلّ ثناؤه، عمّ بـالـخبر عنه بوصفه نفسه بـالبصر، ولـم يخصص منه معنى دون معنى، فذلك علـى ما عمه فإذا كان ذلك كذلك، فتأويـل الآية، قال: ربّ لـم حشرتنـي أعمى عن حجتـي ورؤية الأشياء، وقد كنت فـي الدنـيا ذا بصر بذلك كله...
فإن قال قائل: وكيف قال هذا لربه: { لِـمَ حَشَرْتَنِـي أعْمَى } مع معاينته عظيـم سلطانه، أجهل فـي ذلك الـموقـف أن يكون لله أن يفعل به ما شاء، أم ما وجه ذلك؟ قـيـل: إن ذلك منه مسألة لربه يعرّفه الـجرم الذي استـحقّ به ذلك، إذ كان قد جهله، وظنّ أن لا جرم له، استـحق ذلك به منه، فقال: ربّ لأيّ ذنب ولأيّ جرم حشرتنـي أعمى، وقد كنت من قبل فـي الدنـيا بصيراً وأنت لا تعاقب أحداً إلا بدون ما يستـحق منك من العقاب.....
حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله: { كَذَلكَ أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها } قال: فتركتها { وكَذَلكَ الـيَوْمَ تُنْسَى } وكذلك الـيوم تترك فـي النار.
ورُوي عن قتادة فـي ذلك ما.
حدثنـي بِشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة { قالَ كَذَلكَ أتَتَكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وكَذَلكَ الـيَوْمَ تُنْسَى } قال: نسي من الـخير، ولـم ينس من الشرّ.
وهذا القول الذي قاله قَتادة قريب الـمعنى مـما قاله أبو صالـح ومـجاهد، لأن تركه إياهم فـي النار أعظم الشرّ لهم.تعليق
تعليق