إرشاد النحرير لترجيحات الامام ابن جرير

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • اسامة محمد خيري
    Registered User
    • Dec 2008
    • 12975

    #826
    لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ } اختلف أهل التأويل في معنى الأسباب في هذا الموضع، فقال بعضهم: أسباب السموات: طرقها. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا أحمد بن هشام، قال: ثنا عبد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن السديّ، عن أبي صالح { أسْبابَ السَّمَوَاتِ } قال: طُرُق السموات.

    حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ { أبْلُغُ الأسْبابَ أسْبابَ السَّمَوَاتِ } قال: طُرُق السموات.

    وقال آخرون: عُني بأسباب السموات: أبواب السموات. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { وَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لي صَرْحاً } وكان أوّل من بنى بهذا الآجر وطبخه { لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ أسْبابَ السَّمَوَاتِ }: أي أبواب السموات.

    وقال آخرون: بل عُني به مَنْزِل السماء. ذكر من قال ذلك:

    حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: { لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ أسْبابَ السَّمَوَاتِ } قال: منزل السماء.

    وقد بيَّنا فيما مضى قبل، أن السبب: هو كلّ ما تُسَبِّبَ به إلى الوصول إلى ما يطلب من حبل وسلم وطريق وغير ذلك.

    فأولى الأقوال بالصواب في ذلك أن يقال: معناه لعلي أبلغ من أسباب السموات أسباباً أتسبب بها إلى رؤية إله موسى، طرقاً كانت تلك الأسباب منها، أو أبواباً، أو منازل، أو غير ذلك....

    وقوله: { فأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسَى } اختلف القرّاء في قراءة قوله: { فأطَّلِعَ } فقرأت ذلك عامة قرّاء الأمصار: «فأطَّلِعُ» بضم العين: ردّا على قوله: { أبْلُغُ الأسْبابَ } وعطفاً به عليه. وذُكر عن حميد الأعرج أنه قرأ { فأطِّلِعَ } نصباً جواباً للعَلِّي، وقد ذكر الفرّاء أن بعض العرب أنشده:
    عَلِّ صُرُوفِ الدَّهْرِ أَوْ دُولاتِها يُدِيلْنَنا اللَّمَّةَ مِنْ لَمَّاتِها
    فَتَسْتَرِيحَ النَّفْسُ مِنْ زَفْرَاتِها
    فنصب فتستريحَ على أنها جواب للعلّ.

    والقراءة التي لا أستجيز غيرها الرفع في ذلك، لإجماع الحجة من القراء عليه...


    وقرأ ذلك حميد وأبو عمرو وعامة قرّاء البصرة «وَصَدَّ» بفتح الصاد، بمعنى: وأعرض فرعون عن سبيل الله التي ابتُعِث بها موسى استكباراً.

    والصواب من القول في ذلك أن يقال: إنهما قراءتان معروفتان في قرأة الأمصار، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب.

    تعليق

    • اسامة محمد خيري
      Registered User
      • Dec 2008
      • 12975

      #827
      وأنَّ المُسْرِفِينَ هُمْ أصحَابُ النَّارِ } يقول: وإن المشركين بالله المتعدّين حدوده، القتلة النفوس التي حرّم الله قتلها، هم أصحاب نار جهنم عند مرجعنا إلى الله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل على اختلاف منهم في معنى المسرفين في هذا الموضع، فقال بعضهم: هم سفاكو الدماء بغير حقها. ذكر من قال ذلك:

      حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد، في قوله: { وإن الُمْسرفين هُمُ أصحابُ النارِ } قال: هم السفاكون الدماء بغير حقها.

      حدثناعليّ بن سهل، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد في قول الله { وأنَّ المُسْرِفينَ هْمُ أصحابُ النارِ } قال: هم السفاكون الدماء بغير حقها.

      حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: { وأنَّ المُسْرِفينَ } قال: السفاكون الدماء بغير حقها، هم أصحاب النار.

      حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { وأنَّ المُسْرِفِينَ هُمْ أصحابُ النارِ } قال: سماهم الله مسرفين، فرعون ومن معه.

      وقال آخرون: هم المشركون. ذكر من قال ذلك:

      حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، { وأنَّ المُسْرِفينَ هُمْ أصحَابُ النَّارِ }: أي المشركون.

      وقد بيَّنا معنى الإسراف فيما مضى قَبْلُ بما فيه الكفاية من إعادته في هذا الموضع.

      وإنما اخترنا في تأويل ذلك في هذا الموضع ما اخترنا، لأن قائل هذا القول لفرعون وقومه، إنما قصد فرعون به لكفره، وما كان همّ به من قتل موسى، وكان فرعون عالياً عاتياً في كفره بالله سفاكاً للدماء التي كان محرّماً عليه سفكها، وكلّ ذلك من الإسراف، فلذلك اخترنا ما اخترنا من التأويل في ذلك.

      تعليق

      • اسامة محمد خيري
        Registered User
        • Dec 2008
        • 12975

        #828
        حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: { غُدُوّاً وَعَشِيًّا } قال: ما كانت الدنيا.

        وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبر أن آل فرعون يعرضون على النار غدوّاً وعشياً. وجائز أن يكون ذلك العرض على النار على نحو ما ذكرناه عن الهذيل ومن قال مثل قوله، وإن يكون كما قال قتادة، ولا خبر يوجب الحجة بأن ذلك المعنيّ به، فلا في ذلك إلا ما دلّ عليه ظاهر القرآن، وهم أنهم يعرضون على النار غدوّاً وعشياً، وأصل الغدوّ والعشيّ مصادر جعلت أوقاتاً....

        وقوله: { وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذَابِ } اختلفت القراء في قراءة ذلك فقرأته عامة قرّاء أهل الحجاز والعراق سوى عاصم وأبي عمرو { وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ } بفتح الألف من أدخلوا في الوصل والقطع بمعنى: الأمر بإدخالهم النار. وإذا قُرىء ذلك كذلك، كان الآل نصباً بوقوع أدخلوا عليه، وقرأ ذلك عاصم وأبو عمرو: «وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا» يوصل الألف وسقوطها في الوصل من اللفظ، وبضمها إذا ابتدىء بعد الوقف على الساعة، ومن قرأ ذلك كذلك، كان الآل على قراءته نصباً بالنداء، لأن معنى الكلام على قراءته: ادخلو يا آل فرعون أشدّ العذاب.

        والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال إنهما قراءتان معروفتان متقاربتا المعنى قد قرأ بكل واحدة منهما جماعة من القرّاء، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب. فمعنى الكلام إذن: ويوم تقوم الساعة يقال لآل فرعون: ادخلوا يا آل فرعون أشدّ العذاب، فهذا على قراءة من وصل الألف من ادخلوا ولم يقطع، ومعناه على القراءة الأخرى، ويوم تقوم الساعة يقول الله لملائكته { أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذَابِ }.

        تعليق

        • اسامة محمد خيري
          Registered User
          • Dec 2008
          • 12975

          #829
          واختلف أهل التأويل في الذين عنوا بهذه الآية، فقال بعضهم: عنى بها أهل القدر. ذكر من قال ذلك:

          حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى، قالا: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن داود بن أبي هند، عن محمد بن سيرين، قال: إن لم تكن هذه الآية نزلت في القدرية، فإني لا أدري فيمن نزلت: { ألَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ أنى يُصْرَفُونَ } إلى قوله:
          { لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً كذَلكَ يُضِلّ اللَّهُ الكافِرِينَ }
          حدثني عليّ بن سهل، قال: ثنا زيد بن أبي الزرقاء، عن سفيان، عن داود بن أبي هند، عن ابن سيرين، قال: إن لم يكن أهل القدر الذين يخوضون في آيات الله فلا علم لنا به.

          حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني مالك بن أبي الخير الزيادي، عن أبي قبيل، قال: أخبرني عقبة بن عامر الجهني، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " سَيَهْلِكُ مِنْ أُمَّتِي أهْلُ الكِتابِ، وأهْلُ اللِّينِ " فقال عقبة: يا رسول الله، وما أهل الكتاب؟ قال: " قَوْمٌ يَتَعَلَّمُونَ كِتابَ اللَّهِ يُجادِلُونَ الَّذِينَ آمَنُوا " فقال عقبة: يا رسول الله، وما أهل اللِّين؟ قال: " قَوْمٌ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ، ويُضَيِّعُونَ الصَّلَوَاتِ ". قال أبو قبيل: لا أحسب المكذّبين بالقدر إلا الذين يجادلون الذين آمنوا، وأما أهل اللِّين، فلا أحسبهم إلا أهل العمود ليس عليهم إمام جماعة، ولا يعرفون شهر رمضان.

          وقال آخرون: بل عنى به أهل الشرك. ذكر من قال ذلك:

          حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { ألَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ أنى يُصْرَفُونَ } قال: هؤلاء المشركون.

          والصواب من القول في ذلك ما قاله ابن زيد وقد بين الله حقيقة ذلك بقوله:
          { الَّذِينَ كَذَّبُوا بالْكِتَابِ وبِمَا أرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا }

          تعليق

          • اسامة محمد خيري
            Registered User
            • Dec 2008
            • 12975

            #830
            سورة فصلت

            اختلف أهل التأويل في ذلك، فقال بعضهم: معناه: الذين لا يعطون الله الطاعة التي تطهرهم، وتزَكِّي أبدانهم، ولا يوحدونه وذلك قول يُذكر عن ابن عباس. ذكر الرواية بذلك:

            حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: { وَوَيْلٌ للْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤتُونَ الزَّكاةَ } قال: هم الذين لا يشهدون أن لا إله إلا الله.

            حدثني سعد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا حفص، قال: ثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة، قوله: { وَوَيْلٌ للْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ }: الذين لا يقولون لا إله إلا الله.

            وقال آخرون: بل معنى ذلك: الذين لا يقرّون بزكاة أموالهم التي فرضها الله فيها، ولا يعطونها أهلها. وقد ذكرنا أيضاً قائلي ذلك قبلُ. وقد:

            حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { وَوَيْلٌ للْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤتُونَ الزَّكاةَ } قال: لا يقرّون بها ولا يؤمنون بها. وكان يقال: إن الزكاة قنطرة الإسلام، فمن قطعها نجا، ومن تخلف عنها هلك وقد كان أهل الردّة بعد نبيّ الله قالوا: أما الصلاة فنصلّي، وأما الزكاة فوالله لا تغصب أموالنا قال: فقال أبو بكر: والله لا أفرّق بين شيء جمع الله بينه واللَّهِ لو منعوني عِقالاً مما فرض الله ورسوله لقاتلناهم عليه.

            حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ { وَوَيْلٌ للْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤتُونَ الزَّكاةَ } قال: لو زَكّوا وهم مشركون لم ينفعهم.

            والصواب من القول في ذلك ما قاله الذين قالوا: معناه: لا يؤدّون زكاة أموالهم وذلك أن ذلك هو الأشهر من معنى الزكاة، وأن في قوله: { وَهُمْ بالآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ } دليلاً على أن ذلك كذلك، لأن الكفار الذين عنوا بهذه الآية كانوا لا يشهدون أن لا إله إلا الله، فلو كان قوله: { الَّذِينَ لا يُؤتُونَ الزَّكاةَ } مراداً به الذين لا يشهدون أن لا إله إلا الله لم يكن لقوله: { وَهُمْ بالآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ } معنى، لأنه معلوم أن من لا يشهد أن لا إله إلا الله لا يؤمن بالآخرة، وفي اتباع الله قوله: { وَهُمْ بالآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ } قوله: { الَّذِينَ لا يُؤتُونَ الزَّكاةَ } ما ينبىء عن أن الزكاة في هذا الموضع معنيٌّ بها زكاة الأموال.

            تعليق

            • اسامة محمد خيري
              Registered User
              • Dec 2008
              • 12975

              #831
              والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله تعالى أخبر أنه قدّر في الأرض أقوات أهلها، وذلك ما يقوتهم من الغذاء، ويصلحهم من المعاش، ولم يخصص جلّ ثناؤه بقوله: { وَقَدَّرَ فِيها أقْوَاتَها } أنه قدّر فيها قوتاً دون قوت، بل عمّ الخبر عن تقديره فيها جميع الأقوات، ومما يقوت أهلها ما لا يصلحهم غيره من الغذاء، وذلك لا يكون إلا بالمطر والتصرفّ في البلاد لما خصّ به بعضاً دون بعض، ومما أخرج من الجبال من الجواهر، ومن البحر من المآكل والحليّ، ولا قول في ذلك أصحّ مما قال جلّ ثناؤه: قدّر في الأرض أقوات أهلها، لما وصفنا من العلة.....

              واختلفت القراء في قراءة ذلك. فقرأته عامة قراء الأمصار غير أبي جعفر والحسن البصري: { سَوَاءً } بالنصب. وقرأه أبو جعفر القارىء: «سَوَاءٌ» بالرفع. وقرأ الحسن: «سَوَاءٍ» بالجر.

              والصواب من القراءة في ذلك ما عليه قراءة الأمصار، وذلك قراءته بالنصب لإجماع الحجة من القراء عليه، ولصحة معناه. وذلك أن معنى الكلام: قدر فيها أقواتها سواء لسائليها على ما بهم إليه الحاجة، وعلى ما يصلحهم....

              وقد اختلف أهل العربية في وجه نصب سواءً، فقال بعض نحويي البصرة: من نصبه جعله مصدراً، كأنه قال: استواء. قال: وقد قُرىء بالجرّ وجعل اسماً للمستويات: أي في أربعة أيام تامَّة. وقال بعض نحويي الكوفة: من خفض سواء، جعلها من نعت الأيام، وإن شئت من نعت الأربعة، ومن نصبها جعلها متَّصلة بالأقوات. قال: وقد تُرفع كأنه ابتداء، كأنه قال: ذلك { سَوَاءً للسَّائِلِينَ } يقول: لمن أراد علمه.

              والصواب من القول في ذلك أن يكون نصبه إذا نصب حالاً من الأقوات، إذ كانت سواء قد شبهت بالأسماء النكرة، فقيل: مررت بقوم سواء، فصارت تتبع النكرات، وإذا تبعت النكرات انقطعت من المعارف فنصبت، فقيل: مررت بإخوتك سواء، وقد يجوز أن يكون إذا لم يدخلها تثنية ولا جمع أن تشبه بالمصادر. وأما إذا رُفعت، فإنما تُرفع ابتداء بضمير ذلك ونحوه، وإذا جُرّت فعلى الإتباع للأيام أو للأربعة....

              تعليق

              • اسامة محمد خيري
                Registered User
                • Dec 2008
                • 12975

                #832
                وأولى القولين في ذلك بالصواب قول مجاهد، وذلك أن قوله: { صَرْصَراً } إنما هو صوت الريح إذا هبَّت بشدّة، فسُمع لها كقول القائل: صرر، ثم جعل ذلك من أجل التضعيف الذي في الراء، فقال ثم أبدلت إحدى الراءات صاداً لكثرة الراءات، كما قيل في ردّده: ردرده، وفي نههه: نهنهه، كما قال رؤبة:
                فالْيَوْمَ قَدْ نَهْنَهَنِي تَنَهْنُهِي وأوَّلُ حِلْمٍ لَيْسَ بالمُسَفَّهِ
                وكما قيل في كففه: كفكفه، كما قال النابغة:

                أُكَفْكِفُ عَبْرَةً غَلَبَتْ عُداتِي إذَا نَهْنَهْتُها عادَتْ ذُباحا
                وقد قيل: إن النهر الذي يسمى صرصراً، إنما سمي بذلك لصوت الماء الجاري فيه، وإنه «فعلل» من صرر نظير الريح الصرصر....

                وقال آخرون: النحسات: الشداد. ذكر من قال ذلك:

                حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول { في أيَّامٍ نَحِساتٍ } قال: شداد.

                وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال عنى بها: أيام مشائيم ذات نحوس، لأن ذلك هو المعروف من معنى النحس في كلام العرب.

                تعليق

                • اسامة محمد خيري
                  Registered User
                  • Dec 2008
                  • 12975

                  #833
                  وقال آخرون: معناه: وما كنتم تتقون. ذكر من قال ذلك:

                  حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: { وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ } قال: تتقون.

                  وقال آخرون: بل معنى ذلك: وما كنتم تظنون. ذكر من قال ذلك:

                  حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ } يقول: وما كنتم تظنون { أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أبْصَارُكُمْ } حتى بلغ { كَثِيراً مِمَّا } كنتم { تَعْملَونَ } ، والله إن عليك با ابن آدم لشهوداً غير متهمة من بدنك، فراقبهم واتق الله في سرّ أمرك وعلانيتك، فإنه لا يخفى عليه خافية، الظلمة عنده ضوء، والسرّ عنده علانية، فمن استطاع أن يموت وهو بالله حسن الظنّ فليفعل، ولا قوّة إلا بالله.

                  وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: وما كنتم تستَخْفُون، فتتركوا ركوب محارم الله في الدنيا حذراً أن يشهد عليكم سمعكم وأبصاركم اليوم.

                  وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال في ذلك بالصواب، لأن المعروف من معاني الاستتار الاستخفاء.

                  فإن قال قائل: وكيف يستخفى الإنسان عن نفسه مما يأتي؟ قيل: قد بيَّنا أن معنى ذلك إنما هو الأماني، وفي تركه إتيانه إخفاؤه عن نفسه....

                  تعليق

                  • اسامة محمد خيري
                    Registered User
                    • Dec 2008
                    • 12975

                    #834
                    وقال آخرون: معناه: إن الباطل لا يطيق أن يزيد فيه شيئاً من الحروف ولا ينقص منه شيئاً منها. ذكر من قال ذلك:

                    حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ { لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِنْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ } قال: الباطل: هو الشيطان لا يستطيع أن يزيد فيه حرفاً ولا ينقص.

                    وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب أن يقال: معناه: لا يستطيع ذو باطل بكيده تغييره بكيده، وتبديل شيء من معانيه عما هو به، وذلك هو الإتيان من بين يديه، ولا إلحاق ما ليس منه فيه، وذلك إتيانه من خلفه.

                    تعليق

                    • اسامة محمد خيري
                      Registered User
                      • Dec 2008
                      • 12975

                      #835
                      وقد خالف هذا القول الذي ذكرناه عن هؤلاء آخرون، فقالوا: معنى ذلك { لَوْلا فُصّلَتْ آياتُهُ } بعضها عربيّ، وبعضها عجميّ. وهذا التأويل على تأويل من قرأ { أعْجَمِيّ } بترك الاستفهام فيه، وجعله خبراً من الله تعالى عن قيل المشركين ذلك، يعني: هلا فصّلت آياته، منها عجميّ تعرفه العجم، ومنها عربي تفقهه العرب. ذكر من قال ذلك:

                      حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، قال: قالت قريش: لولا أنزل هذا القرآن أعجمياً وعربياً، فأنزل الله { وقَالُوا لَوْلا فُصّلَتْ آياتُهُ أعْجَمِيّ وَعَربِيّ، قُلْ هُوَ للَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفاءٌ } فأنزل الله بعد هذه الآية كل لسان، فيه
                      { حِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ }
                      قال: فارسية، أعربت: سنك وكَلَّ.

                      وقرأت قرّاء الأمصار: { أأعْجَمِيّ وَعَرَبِيّ } على وجه الاستفهام، وذُكر عن الحسن البصري أنه قرأ ذلك: أعجمي بهمزة واحدة على غير مذهب الاستفهام، على المعنى الذي ذكرناه عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير.

                      والصواب من القراءة في ذلك عندنا القراءة التي عليها قرّاء الأمصار لإجماع الحجة عليها على مذهب الاستفهام...

                      واختلف أهل العربية في موضع تمام قوله:
                      { إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بالذّكْر لَمَّا جاءَهُمْ }
                      فقال بعضهم: تمامه: { أُولَئكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ } وجعل قائلوا هذا القول خبر
                      { إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بالذّكْر }
                      { أُولَئكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ } وقال بعض نحويي البصرة: ذلك ويجوز أن يكون على الأخبار التي في القرآن يستغنى بها، كما استغنت أشياء عن الخبر إذا طال الكلام، وعرف المعنى، نحو قوله:
                      { وَلَوْ أنَّ قُرْآنا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ أوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ }
                      وما أشبه ذلك.

                      قال: وحدثني شيخ أهل العلم، قال: سمعت عيسى بن عمر يسأل عمرو بن عبيد
                      { إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بالذّكْر لَمَّا جاءَهُمْ }
                      أين خبره؟ فقال عمرو: معناه في التفسير: إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم كفروا به
                      { وإنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ }
                      فقال عيسى: أجدت يا أبا عثمان.

                      وكان بعض نحويي الكوفة يقول: إن شئت جعلت جواب { إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بالذّكْر أُولَئكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ } وإن شئت كان جوابه في قوله:
                      { وإنَّهُ لَكِتابٌ عَزيزٌ }
                      فيكون جوابه معلوماً، فترك فيكون أعرب الوجهين وأشبهه بما جاء في القرآن.

                      وقال آخرون: بل ذلك مما انصرف عن الخبر عما ابتدىء به إلى الخبر عن الذي بعده من الذكر فعلى هذا القول ترك الخبر عن الذين كفروا بالذكر، وجعل الخبر عن الذكر فتمامه على هذا القول وإنه لكتاب عزيز فكان معنى الكلام عند قائل هذا القول: إن الذكر الذي كفر به هؤلاء المشركون لما جاءهم، وإنه لكتاب عزيز، وشبهه بقوله:
                      { وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أزْوَاجاً يَتَربَّصْنَ بأنْفُسِهِنَّ }
                      وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يقال: هو مما ترك خبره اكتفاء بمعرفة السامعين بمعناه لما تطاول الكلام.

                      تعليق

                      • اسامة محمد خيري
                        Registered User
                        • Dec 2008
                        • 12975

                        #836
                        وقال آخرون: بل عنى بذلك أن يريهم نجوم الليل وقمره، وشمس النهار، وذلك ما وعدهم أنه يريهم في الآفاق. وقالوا: عنى بالآفاق: آفاق السماء، وبقوله: { وفِي أنْفُسِهِمْ } سبيل الغائط والبول. ذكر من قال ذلك:

                        حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الآفاقِ وفِي أنْفُسِهِمْ } قال: آفاق السموات: نجومها وشمسها وقمرها اللاتي يجرين، وآيات في أنفسهم أيضاً.

                        وأولى القولين في ذلك بالصواب القول الأوّل، وهو ما قاله السديّ، وذلك أن الله عزّ وجلّ وعد نبيه صلى الله عليه وسلم أن يُري هؤلاء المشركين الذين كانوا به مكذّبين آيات في الآفاق، وغير معقول أن يكون تهدّدهم بأن يريهم ما هم راؤوه، بل الواجب أن يكون ذلك وعداً منه لهم أن يريهم ما لم يكونوا رأوه قبل من ظهور نبيّ الله صلى الله عليه وسلم على أطراف بلدهم وعلى بلدهم، فأما النجوم والشمس والقمر، فقد كانوا يرونها كثيراً قبل وبعد ولا وجه لتهدّدهم بأنه يريهم ذلك.

                        تعليق

                        • اسامة محمد خيري
                          Registered User
                          • Dec 2008
                          • 12975

                          #837
                          سورة الشورى

                          وقد اختلف أهل التأويل في معنى قوله: { يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ } في هذا الموضع، فقال بعضهم: معنى ذلك: يخلقكم فيه. ذكر من قال ذلك:

                          حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: { يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ } قال: نسل بعد نسل من الناس والأنعام.

                          حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله: { يَذْرَؤُكُمْ } قال: يخلقكم.

                          حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزّة، عن مجاهد، في قوله: { يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ } قال: نسلاً بعد نسل من الناس والأنعام.

                          حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن منصور، أنه قال في هذه الآية: { يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ } قال: يخلقكم.

                          وقال آخرون: بل معناه: يعيشكم فيه. ذكر من قال ذلك:

                          حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: { جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أنْفُسِكُمْ أزْوَاجاً وَمِنَ الأنْعام أزْوَاجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ } يقول: يجعل لكم فيه معيشة تعيشون بها.

                          حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة { يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ } قال: يعيشكم فيه.

                          حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ } قال: عيش من الله يعيشكم فيه.

                          وهذان القولان وإن اختلفا في اللفظ من قائليهما فقد يحتمل توجيههما إلى معنى واحد، وهو أن يكون القائل في معناه يعيشكم فيه، أراد بقوله ذلك: يحييكم بعيشكم به كما يحيى من لم يخلق بتكوينه إياه، ونفخه الروح فيه حتى يعيش حياً. وقد بيَّنت معنى ذرء الله الخلق فيما مضى بشواهده المغنية عن إعادته.
                          ...

                          وقوله: { لَيْس كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } فيه وجهان: أحدهما أن يكون معناه: ليس هو كشيء، وأدخل المثل في الكلام توكيداً للكلام إذا اختلف اللفظ به وبالكاف، وهما بمعنى واحد، كما قيل:


                          ما إنْ نَدِيتُ بشَيْءٍ أنْتَ تَكْرَهُهُ
                          فأدخل على «ما» وهي حرف جحد «إن» وهي أيضاً حرف جحد، لاختلاف اللفظ بهما، وإن اتفق معناهما توكيداً للكلام، وكما قال أوس بن حَجَر:
                          وَقَتْلَى كمِثْلِ جُذوعِ النَّخيل ْتَغَشَّاهُمْ مُسْبِلٌ مُنْهَمِرْ
                          ومعنى ذلك: كجذوع النخيل، وكما قال الآخر:
                          سَعْدُ بْنُ زَيْدٍ إذَا أبْصَرْتَ فَضْلَهُمُ ما إنْ كمِثْلِهِمِ فِي النَّاسِ مِنَ أحَدِ
                          والآخر: أن يكون معناه: ليس مثله شيء، وتكون الكاف هي المدخلة في الكلام، كقول الراجز:

                          وَصَالِياتِ كَكَما يُؤْثَفَيْنِ
                          فأدخل على الكاف كافاً توكيداً للتشبيه، وكما قال الآخر:
                          تَنْفِي الغَيادِيقُ عَلى الطَّرِيقِ قَلَّصَ عَنْ كَبَيْضَةٍ فِي نِيقِ
                          فأدخل الكاف مع «عن»، وقد بيَّنا هذا في موضع غير هذا المكان بشرح هو أبلغ من هذا الشرح، فلذلك تجوّزنا في البيان عنه في هذا الموضع.

                          تعليق

                          • اسامة محمد خيري
                            Registered User
                            • Dec 2008
                            • 12975

                            #838
                            وقال آخرون: بل معنى ذلك: قل لا أسألكم أيها الناس على ما جئتكم به أجراً إلا أن تَوَدَّدوا إلى الله، وتتقرّبوا بالعمل الصالح والطاعة. ذكر من قال ذلك:

                            حدثني عليّ بن داود ومحمد بن داود أخوه أيضاً قالا: ثنا عاصم بن علي، قال: ثنا قزعة بن سويد، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: " قُلْ لا أسألُكُمْ على ما أتَيْتُكُمْ بِهِ مِنَ البَيِّناتِ وَالهُدَى أجْراً إلاَّ أنُ تَوَدَّدُوا للّهِ، وتَتَقَرَّبُوا إلَيْهِ بطاعَتِهِ "

                            حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن منصور بن زاذان، عن الحسن أنه قال في هذه الآية { قُلْ لا أسألُكُمْ عَلَيْه أجْراً إلاَّ المَوَدَّةَ فِي القُرْبَى } قال: القُربى إلى الله.

                            حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا عوف، عن الحسن، في قوله: { قُلْ لا أسألُكُمْ عَلَيْهِ أجْراً إلاَّ المَوَدَّةَ فِي القُرْبَى } قال: إلا التقرّب إلى الله، والتودّد إليه بالعمل الصالح.

                            حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: قال الحسن: في قوله: { قُلْ لا أسألُكُمْ عَلَيْهِ أجْراً إلاَّ المَوَدَّةَ فِي القُرْبَى } قل لا أسألكم على ما جئتكم به، وعلى هذا الكتاب أجراً، إلا المودّة في القربى، إلا أن تودّدوا إلى الله بما يقرّبكم إليه، وعمل بطاعته.

                            قال بشر: قال يزيد: وحدثنيه يونس، عن الحسن، حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: { قُلْ لا أسألُكُمْ عَلَيْهِ أجْراً إلاَّ المَوَدَّةَ فِي القُرْبى } إلا أن تودّدوا إلى الله فيما يقرّبكم إليه.

                            وقال آخرون: بل معنى ذلك: إلا أن تصلوا قرابتكم. ذكر من قال ذلك:

                            حدثنا بشر، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا قرة، عن عبد الله بن القاسم، في قوله: { إلاَّ المَوَدَّةَ فِي القُرْبَى } قال: أمرت أن تصل قرابتك.

                            وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، وأشبهها بظاهر التنزيل قول من قال: معناه: قل لا أسألكم عليه أجراً يا معشر قريش، إلا أن تودّوني في قرابتي منكم، وتصلوا الرحم التي بيني وبينكم.

                            وإنما قلت: هذا التأويل أولى بتأويل الآية لدخول «في» في قوله: { إلاَّ المَوَدَةَ فِي القُرْبَى } ، ولو كان معنى ذلك على ما قاله من قال: إلا أن تودّوا قرابتي، أو تقربوا إلى الله، لم يكن لدخول «في» في الكلام في هذا الموضع وجه معروف، ولكان التنزيل: إلا مودّة القربى إن عُنِيَ به الأمر بمودّة قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو إلا المودّة بالقُرْبَى، أو ذا القربَى إن عُنِيَ به التودّد والتقرّب...

                            وفي دخول «في» في الكلام أوضح الدليل على أن معناه: إلا مودّتي في قرابتي منكم، وأن الألف واللام في المودّة أدخلتا بدلاً من الإضافة، كما قيل: { فَإنَّ الجَنَّةَ هِيَ المَأوَى }. وقوله: «إلا» في هذا الموضع استثناء منقطع. ومعنى الكلام: قل لا أسألكم عليه أجراً، لكن أسألكم المودّة في القُربى، فالمودّة منصوبة على المعنى الذي ذكرت. وقد كان بعض نحويي البصرة يقول: هي منصوبة بمضمر من الفعل، بمعنى: إلا أن أذكر مودّة قرابتي........

                            تعليق

                            • اسامة محمد خيري
                              Registered User
                              • Dec 2008
                              • 12975

                              #839
                              يقول تعالى ذكره: ويجيب الذين آمنوا بالله ورسوله، وعملوا بما أمرهم الله به، وانتهوا عما نهاهم عنه لبعضهم دعاء بعض. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

                              حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثام، قال: ثنا الأعمش، عن شقيق بن سلمة، عن سلمة بن سبرة، قال: خطبنا معاذ، فقال: أنتم المؤمنون، وأنتم أهل الجنة، والله إني لأرجو أن من تصيبون من فارس والروم يدخلون الجنة، ذلك بأن أحدهم إذا عمل لأحدكم العمل قال: أحسنت رحمك الله، أحسنت غفر الله لك، ثم قرأ: { وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ }.

                              وقوله: { وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ } يقول تعالى ذكره: ويزيد الذين آمنوا وعملوا الصالحات مع إجابته إياهم دعاءهم، وإعطائه إياهم مسألتهم من فضله على مسألتهم إياه، بأن يعطيهم ما لم يسألوه. وقيل: إن ذلك الفضل الذي ضمن جلّ ثناؤه أن يزيدهموه، هو أن يشفعهم في إخوان إخوانهم إذا هم شفعوا في إخوانهم، فشفعوا فيهم. ذكر من قال ذلك:

                              حدثنا عبيد الله بن محمد الفريابيّ، قال: ثنا عمرو بن أبي سلمة، عن سعيد بن بشر، عن قتادة، عن إبراهيم النخعيّ في قول الله عزّ وجلّ: { وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ } قال: يُشَفَّعون في إخوانهم، ويزدهم من فضله، قال: يشفعون في إخوان إخوانهم.

                              وقوله: { والكافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ } يقول جلّ ثناؤه: والكافرون بالله لهم يوم القيامة عذاب شديد على كفرهم به.

                              واختلف أهل العربية في معنى قوله: { وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا } فقال بعضهم: أي استجاب فجعلهم هم الفاعلين، فالذين في قوله رفع، والفعل لهم. وتأويل الكلام على هذا المذهب: واستجاب الذين آمنوا وعملوا الصالحات لربهم إلى الإيمان به، والعمل بطاعته إذ دعاهم إلى ذلك.

                              وقال آخر منهم: بل معنى ذلك: ويجيب الذين آمنوا. وهذا القول يحتمل وجهين: أحدهما الرفع، بمعنى: ويجيب الله الذين آمنوا. والآخر ما قاله صاحب القول الذي ذكرنا.

                              وقال بعض نحويي الكوفة: { وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا } يكون «الذين» في موضع نصب بمعنى: ويجيب الله الذين آمنوا. وقد جاء في التنزيل:
                              { فاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ }
                              والمعنى: فأجاب لهم ربهم، إلا أنك إذا قلت استجاب، أدخلت اللام في المفعول وإذا قلت أجاب حذفت اللام، ويكون استجابهم، بمعنى: استجاب لهم، كما قال جلّ ثناؤه:
                              { وَإذَا كالُوهُمْ أوْ وَزَنُوهُمْ }
                              والمعنى والله أعلم: وإذا كالوا لهم، أو وزنوا لهم
                              { يُخْسِرُونَ }
                              قال: ويكون «الذين» في موضع رفع إن يجعل الفعل لهم، أي الذين آمنوا يستجيبون لله، ويزيدهم على إجابتهم، والتصديق به من فضله. وقد بيَّنا الصواب في ذلك من القول على ما تأوّله ومن ذكرنا قوله فيه.

                              تعليق

                              • اسامة محمد خيري
                                Registered User
                                • Dec 2008
                                • 12975

                                #840
                                يقول تعالى ذكره: والذين إذا بغى عليهم باغٍ، واعتدى عليهم هم ينتصرون.

                                ثم اختلف أهل التأويل في الباغي الذي حمد تعالى ذكره، المنتصر منه بعد بغيه عليه، فقال بعضهم: هو المشرك إذا بغى على المسلم. ذكر من قال ذلك:

                                حدثني يونس، قال: أخبرني ابن وهب قال: قال ابن زيد: ذكر المهاجرين صنفين، صنفاً عفا، وصنفاً انتصر، وقرأ { وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَوَاحِشَ وَإذَا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ } قال: فبدأ بهم
                                { وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبّهِمْ... }
                                إلى قوله:
                                { ومِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ }
                                وهم الأنصار. ثم ذكر الصنف الثالث فقال: { وَالَّذِينَ إذَا أصَابَهُمُ البَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ } من المشركين. وقال آخرون: بل هو كل باغٍ بغي فحمد المنتصر منه. ذكر من قال ذلك:

                                حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، في قوله: { وَالَّذِينَ إذَا أصَابَهُمُ البَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ } قال: ينتصرون ممن بغى عليهم من غير أن يعتدوا.

                                وهذا القول الثاني أولى في ذلك بالصواب، لأن الله لم يخصص من ذلك معنى دون معنى، بل حمد كلّ منتصر بحقّ ممن بغى عليه.

                                فإن قال قائل: وما في الانتصار من المدح؟ قيل: إن في إقامة الظالم على سبيل الحقّ وعقوبته بما هو له أهل تقويماً له، وفي ذلك أعظم المدح.

                                وقوله: { وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها } وقد بيَّنا فيما مضى معنى ذلك، وأن معناه: وجزاء سيئة المسيء عقوبته بما أوجبه الله عليه، فهي وإن كانت عقوبة من الله أوجبها عليه، فهي مَساءة له. والسيئة: إنما هي الفعلة من السوء، وذلك نظير قول الله عزّ وجلّ
                                { وَمَنْ جاءَ بالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إلاَّ مِثْلَها }
                                وقد قيل: إن معنى ذلك: أن يجاب القائل الكلمة القزعة بمثلها. ذكر من قال ذلك:

                                حدثني يعقوب، قال: قال لي أبو بشر: سمعت ابن أبي نجيح يقول في قوله: { وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها } قال: يقول أخزاه الله، فيقول: أخزاه الله.

                                حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، في قوله: { وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها } قال: إذا شتمك بشتيمة فاشتمه مثلها من غير أن تعتدي. وكان ابن زيد يقول في ذلك بما:

                                حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في: { وَالَّذِينَ إذَا أصَابَهُمُ البَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ } من المشركين { وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها، فَمَنْ عَفا وأصْلَحَ... } الآية، ليس أمركم أن تعفوا عنهم لأنه أحبهم
                                { وَلَمَنِ انْتَصَر بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ }
                                ، ثم نسخ هذا كله وأمره بالجهاد، فعلى قول ابن زيد هذا تأويل الكلام: وجزاء سيئة من المشركين إليكم، سيئة مثلها منكم إليهم، وإن عفوتم وأصلحتم في العفو، فأجركم في عفوكم عنهم إلى الله، إنه لا يحبّ الكافرين وهذا على قوله كقول الله عزّ وجلّ

                                { فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْل ما اعْتَدَى عَلَيْكُمْ، وَاتَّقُوا اللّهَ }
                                ، وللذي قال من ذلك وجه. غير أن الصواب عندنا: أن تحمل الآية على الظاهر ما لم ينقله إلى الباطن ما يجب التسليم له، وأن لا يحكم لحكم في آية بالنسخ إلا بخبر يقطع العذر، أو حجة يجب التسليم لها، ولم تثبت حجة في قوله: { وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها } أنه مراد به المشركون دون المسلمين، ولا بأن هذه الآية منسوخة، فنسلم لها بأن ذلك كذلك....

                                وقد اختلف أهل التأويل في المعنيّ بذلك، فقال بعضهم: عني به كلّ منتصر ممن أساء إليه، مسلماً كان المسيء أو كافراً. ذكر من قال ذلك:

                                حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع، قال: ثنا معاذ، قال: ثنا ابن عون، قال: كنت أسأل عن الانتصار { وَلَمن انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ... } الآية، فحدثني عليّ بن زيد بن جدعان، عن أمّ محمد امرأة أبيه، قال ابن عون: زعموا أنها كانت تدخل على أمّ المؤمنين قالت: قالت أمّ المؤمنين: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعندنا زينب بنت جحش، فجعل يصنع بيده شيئاً، ولم يفطن لها، فقلت بيدي حتى فطَّنته لها، فأمسك، وأقبلت زينب تقحم لعائشة، فنهاها، فأبت أن تنتهي، فقال لعائشة: «سُبيها» فسبتها وغلبتها وانطلقت زينب فأتت علياً، فقالت: إن عائشة تقع بكم وتفعل بكم، فجاءت فاطمة، فقال لها: «إنها حِبَّة أبيك ورَبّ الكَعْبَة»، فانصرفت وقالت لعليّ: إني قلت له كذا وكذا، فقال كذا وكذا قال: وجاء عليّ إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فكلَّمه في ذلك.

                                حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { وَلَمَنِ انْتَصَر بَعْدَ ظُلْمِهِ... } الآية، قال: هذا في الخمش يكون بين الناس.

                                حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: { وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ } قال: هذا فيما يكون بين الناس من القصاص، فأما لو ظلمك رجل لم يحلّ لك أن تظلمه.

                                وقال آخرون: بل عُنِي به الانتصار من أهل الشرك، وقال: هذا منسوخ. ذكر من قال ذلك:

                                حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { وَلَمَنِ انْتَصَر بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ } قال: لمن انتصر بعد ظلمه من المؤمنين انتصر من المشركين وهذا قد نسخ، وليس هذا في أهل الإسلام، ولكن في أهل الإسلام الذي قال الله تبارك وتعالى:
                                { ادْفَعْ بالَّتِي هِيَ أحْسَنُ، فإذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كأنَّهُ وَلِيّ حَمِيمٌ }


                                والصواب من القول أن يقال: إنه معنيّ به كلّ منتصر من ظالمه، وأن الآية محكمة غير منسوخة للعلة التي بينت في الآية قبلها.

                                تعليق

                                يعمل...