الجوهرة السادسة عشر بعد الخمسمائة
قال ابن كثير
يقول تعالى مخبراً عن كفار قريش أنهم قالوا لمن آمن منهم واتبع الهدى ارجعوا عن دينكم إلى ديننا، واتبعوا سبيلنا، { وَلْنَحْمِلْ خَطَـظ°يَـظ°كُمْ } أي وآثامكم إن كانت لكم آثام في ذلك علينا وفي رقابنا كما يقول القائل افعل هذا، وخطيئتك في رقبتي، قال الله تعالى تكذيباً لهم { وَمَا هُمْ بِحَـظ°مِلِينَ مِنْ خَطَـظ°يَـظ°هُمْ مِّن شَىْءٍ إِنَّهُمْ لَكَـظ°ذِبُونَ } أي فيما قالوه إنهم يحتملون عن أولئك خطاياهم، فإنه لا يحمل أحد وزر أحد، قال الله تعالى{ وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} فاطر 18 وقال تعالى{ وَلاَ يَسْـئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً يُبَصَّرُونَهُمْ } المعارج 10 ــــ 11. وقوله تعالى { وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ } إخبار عن الدعاة إلى الكفر والضلالة أنهم يحملون يوم القيامة أوزار أنفسهم، وأوزاراً أخر بسبب ما أضلوا من الناس، من غير أن ينقص من أوزار أولئك شيئاً كما قال تعالى{ لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَـظ°مَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ } النحل 25 الآية، وفي الصحيح " من دعا إلى هدى، كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه إلى يوم القيامة، من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة، كان عليه من الإثم مثل آثام من اتبعه إلى يوم القيامة، من غير أن ينقص من آثامهم شيئاً " وفي الصحيح " ما قتلت نفس ظلماً، إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه أول من سن القتل ". وقوله تعالى { وَلَيُسْـأَلُنَّ يَوْمَ ظ±لْقِيَـظ°مَةِ عَمَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } أي يكذبون ويختلقون من البهتان، وقد ذكر ابن أبي حاتم ههنا حديثاً فقال حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا صدقة، حدثنا عثمان بن حفص ابن أبي العالية، حدثني سليمان بن حبيب المحاربي عن أبي أمامة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغ ما أرسل به، ثم قال " إياكم والظلم، فإن الله يعزم يوم القيامة فيقول وعزتي وجلالي لا يجوزني اليوم ظلم، ثم ينادي مناد فيقول أين فلان بن فلان؟ فيأتي يتبعه من الحسنات أمثال الجبال، فيشخص الناس إليها أبصارهم، حتى يقوم بين يدي الرحمن عز وجل، ثم يأمر المنادي فينادي من كانت له تباعة أو ظلامة عند فلان بن فلان، فهلم، فيقبلون حتى يجتمعوا قياماً بين يدي الرحمن، فيقول الرحمن اقضوا عن عبدي، فيقولون كيف نقضي عنه؟ فيقول خذوا لهم من حسناته، فلا يزالون يأخذون منها حتى لا يبقى منها حسنة، وقد بقي من أصحاب الظلامات، فيقول اقضوا عن عبدي، فيقولون لم يبق له حسنة، فيقول خذوا من سيئاتهم، فاحملوها عليه "
ثم نزع النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الآية الكريمة { وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْـأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَـظ°مَةِ عَمَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ }. وهذا الحديث له شاهد في الصحيح من غير هذا الوجه " إن الرجل ليأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال، وقد ظلم هذا، وأخذ من مال هذا، وأخذ من عرض هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإذا لم تبق له حسنة، أخذ من سيئاتهم فطرح عليه " وقال ابن أبي حاتم حدثنا أحمد بن أبي الحواري، حدثنا أبو بشر الحذاء عن أبي حمزة الثمالي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم " يا معاذ إن المؤمن يسأل يوم القيامة عن جميع سعيه، حتى عن كحل عينيه، وعن فتات الطينة بإصبعيه، فلا ألفينك تأتي يوم القيامة، وأحد أسعد بما آتاك الله منك ".
انتهي
قال الطبري
{ وَلاَ تُجَادِلُواْ أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ وَقُولُواْ آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَـظ°هُنَا وَإِلَـظ°هُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ }
وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، جاء الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ذكر الرواية بذلك حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال ثنا عثمان بن عمر، قال أخبرنا علـيّ، عن يحيى بن أبـي كثـير، عن أبـي سلـمة عن أبـي هريرة، قال كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بـالعبرانـية، فـيفسرونها بـالعربـية لأهل الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تُصَدّقُوا أهْلَ الكِتابِ وَلا تُكَذّبُوهُمْ، وَقُولُوا آمَنَّا بـالَّذِي أُنْزِلَ إلَـيْنا وأُنْزِلَ إلَـيْكُمْ، وَإلهُنا وإلهُكُمْ وَاحِدٌ، ونَـحْنُ لَهُ مُسْلِـمُونَ«. " حدثنا ابن بشار، قال ثنا أبو عاصم، قال ثنا سفـيان، عن سعد بن إبراهيـم، عن عطاء بن يسار، قال كان ناس من الـيهود يحدثون ناساً من أصحاب النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فقال " لا تُصَدّقُوهُمْ وَلا تُكَذّبُوهُمْ، وَقُولُوا آمَنَّا بـالَّذِي أُنْزِلَ إلَـيْنا وأُنْزِلَ إلَـيْكُمْ« " ..
انتهي
قال الطبري
حدثنـي أحمد بن مـحمد الطَّوسي، قال: ثنا الـحميدي، قال: ثنا ابن عُيـينة وحدثنـي به القرقسانـي، عن ابن عيـينة، عن مطرف بن طريف، وابن أبجر، سمعنا الشعبـيّ يقول: سمعت الـمغيرة بن شعبة علـى الـمنبر يرفعه إلـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم: " إنَّ مُوسَى سألَ رَبَّهُ: أيْ رَبّ، أيُّ أهْلِ الـجَنَّةِ أدْنَى مَنْزِلةً؟ قال: رَجُلُ يَجيءُ بَعْدَ ما دَخَـلَ أهْلُ الـجَنَّةِ الـجَنَّةَ، فَـيُقالُ لَهُ: ادْخُـلْ، فَـيَقُولُ: كَيْفَ أدْخُـلُ وَقَدْ نَزَلُوا مَنازِلَهُمْ؟ فَـيُقالُ لَهُ: أتَرْضَى أنْ يَكُونَ لَكَ مِثْلُ ما كانَ لِـمَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الدُّنْـيا؟، فَـيَقُولُ: بَخ أيْ رَبّ قَدْ رَضِيتُ فَـيُقالُ لَهُ: إنَّ لَكَ هَذَا وَمِثْلَهُ وَمِثْلهُ ومِثْلَهُ، فَـيَقُولُ: رَضِيتُ أيْ رَبّ رَضِيتُ، فَـيُقالُ لَهُ: إنَّ لَكَ هَذَا وَعَشْرَةَ أمْثالِهِ مَعَهُ، فـيَقُول: رَضِيتُ أيْ رَبّ، فَـيُقالُ لَهُ: فإنَّ لَكَ مَعَ هَذَا ما اشْتَهَتْ نَفْسُكَ، وَلَذَّتْ عَيْنُكَ قالَ: فَقالَ مُوسَى: أيْ رَبّ، وأيُّ أهْل الـجَنَّةَ أرْفَعُ مَنْزِلَةً؟ قالَ: إيَّاها أرَدْتُ، وسأُحَدّثُكَ عَنْهُمْ غَرَسْتُ لَهُمْ كَرَامَتِـي بِـيَدِي، وَخَتَـمْتُ عَلَـيْها، فَلا عَيْنٌ رأتْ، وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلا خَطَرَ عَلـى قَلْبِ بَشَرٍ. قالَ: وَمِصْدَاق ذلكَ فِـي كِتابِ اللّهِ { فَلا تَعْلَـمُ نَفْسٌ ما أُخْفـيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أعْيُنٍ جَزَاءً بِـمَا كانُوا يَعْمَلُونَ } "
انتهي
قال الطبري
حدثنـي به عمران بن بكار الكلاعي، قال: ثنا مـحمد بن الـمبـارك، قال: ثنا إسماعيـل بن عياش، قال: ثنا عبد العزيز بن عبـيد الله، عن عبـادة بن نسيّ، عن جنادة بن أبـي أُميَّة، عن معاذ بن جبل، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ثَلاثٌ مَنْ فَعَلَهُنَّ فَقَدْ أجْرَمَ: مَنِ اعْتَقَدَ لِوَاءً فِـي غيرِ حَقّ، أوْ عَقَّ وَالِدَيْهِ، أوْ مَشَى مَعَ ظالِـمٍ يَنْصُرُهُ فَقَدْ أجْرَمَ. يَقُولُ اللّهُ: إنَّا مِنَ الـمُـجْرِمِينَ مُنْتَقِمُون« ".
انتهي
قال ابن كثير
وفي الصحيح: " والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إِليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين " وفي الصحيح أيضاً: أن عمر رضي الله عنه قال: يا رسول الله والله لأنت أحب إِلي من كل شيء إلا من نفسي، فقال صلى الله عليه وسلم " لا يا عمر حتى أكون أحب إِليك من نفسك " فقال: يا رسول الله والله لأنت أحب إِلي من كل شيء حتى من نفسي، فقال صلى الله عليه وسلم " الآن ياعمر " ولهذا قال تعالى في هذه الآية: { النَّبِىُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ }.
وقال البخاري عند هذه الآية الكريمة: حدثنا إبراهيم بن المنذر حدثنا محمد بن فليح، حدثنا أبي عن هلال بن علي عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما من مؤمن إِلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة، اقرؤوا إِن شئتم: { النَّبِىُّ أَوْلَىظ° بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ } ، فأيما مؤمن ترك مالاً، فليرثه عصبته من كانوا، وإِن ترك ديناً أو ضياعاً، فليأتني، فأنا مولاه " تفرد به البخاري، ورواه أيضاً في الاستقراض، وابن جرير وابن أبي حاتم من طرق عن فليح به مثله، ورواه أحمد من حديث أبي حصين عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحوه.
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري في قوله: { النَّبِىُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ } عن أبي سلمة عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: " أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، فأيما رجل مات وترك ديناً، فإِليّ، ومن ترك مالاً، فهو لورثته " ورواه أبو داود عن أحمد بن حنبل به نحوه.
انتهي
قال ابن كثير
إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا
وقال ابن جرير حدثني سعيد بن عمرو السكوني، حدثنا بقية، حدثنا عيسى بن إبراهيم عن موسى بن أبي حبيب عن الحكم بن عمير رضي الله عنه، وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الأمانة والوفاء نزلا على ابن آدم مع الأنبياء، فأرسلوا به، فمنهم رسول الله، ومنهم نبي، ومنهم نبي رسول، ونزل القرآن، وهو كلام الله، وأنزلت العجمية والعربية، فعلموا أمر القرآن، وعلموا أمر السنن بألسنتهم، ولم يدع الله تعالى شيئاً من أمره مما يأتون وما يجتنبون، وهي الحجج عليهم، إلا بينه لهم، فليس أهل لسان إلا وهم يعرفون الحسن والقبيح، ثم الأمانة أول شيء يرفع، ويبقى أثرها في جذور قلوب الناس، ثم يرفع الوفاء والعهد والذمم، وتبقى الكتب، فعالم يعمل، وجاهل يعرفها وينكرها ولا يحملها، حتى وصل إليَّ وإلى أمتي، ولا يهلك على الله إلا هالك، ولا يغفله إلا تارك، فالحذر أيها الناس وإياكم والوسواس الخناس، فإنما يبلوكم أيكم أحسن عملاً " هذا حديث غريب جداً، وله شواهد من وجوه أخرى. ثم قال ابن جرير حدثنا محمد بن خلف العسقلاني، حدثنا عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، حدثنا أبو العوام القطان، حدثنا قتادة وأبان بن أبي عياش عن خليد العصري، عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " خمس من جاء بهن يوم القيامة مع إيمان دخل الجنة من حافظ على الصلوات الخمس على وضوئهن وركوعهن وسجودهن ومواقيتهن، وأعطى الزكاة من ماله طيب النفس بها ــــ وكان يقول ــــ وايم الله لا يفعل ذلك إلا مؤمن وأدى الأمانة " قالوا يا أبا الدرداء وما أداء الأمانة؟ قال رضي الله عنه الغسل من الجنابة، فإن الله تعالى لم يأمن ابن آدم على شيء من دينه غيره، وهكذا رواه أبو داود عن محمد بن عبد الرحمن العنبري، عن أبي علي عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، عن أبي العوام عمران بن داود القطان به.
انتهي
قال ابن كثير
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجاً وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ }
وقال النسائي عند تفسير هذه الآية الكريمة حدثنا أحمد بن يحيى بن أبي زيد بن سليمان قال سمعت ابن وهب يقول حدثني يونس عن ابن شهاب عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " من سره أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره، فليصل رحمه " وقد رواه البخاري ومسلم وأبو داود من حديث يونس بن يزيد الأيلي به. وقال ابن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسين، حدثنا الوليد بن الوليد بن عبد الملك بن عبيد الله أبو سرح، حدثنا عثمان بن عطاء عن مسلمة بن عبد الله عن عمه أبي مشجعة بن ربعي عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال ذكرنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " إن الله تعالى لا يؤخر نفساً إذا جاء أجلها، وإنما زيادة العمر بالذرية الصالحة يرزقها العبد، فيدعون له من بعده، فيلحقه دعاؤهم في قبره، فذلك زيادة العمر " وقوله عز وجل { إِنَّ ذظ°لِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ } أي سهل عليه، يسير لديه علمه بذلك وبتفصيله في جميع مخلوقاته، فإن علمه شامل للجميع، لا يخفى عليه شيء منها.
انتهي
قال الطبري
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { ما يَنْظُرُونَ إلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ } ذُكر لنا أن النبـيّ صلى الله عليه وسلم كان يقول: " تَهِيجُ السَّاعَةُ بـالنَّاسِ وَالرَّجُلُ يَسْقِـي ماشِيَتَهُ، وَالرَّجُلُ يُصْلِـحُ حَوْضَهُ، وَالرَّجُلُ يُقِـيـمُ سِلْعَتَهُ فِـي سُوقِهِ والرَّجُلُ يَخْفِضُ مِيزَانَهُ وَيَرْفَعُهُ، وَتهِيجُ بِهِمْ وَهُمْ كَذلكَ، فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً ولا إلـى أهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ ". حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: { ما ينظُرُونَ إلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً } قال: النفخة نفخة واحدة.
حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا عبد الرحمن بن مـحمد الـمـحاربـيّ، عن إسماعيـل بن رافع، عمن ذكره، عن مـحمد بن كعب القرظيّ، عن أبـي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنَّ اللّهَ لـمَّا فَرَغَ مِنْ خَـلْقِ السَّمَوَاتِ والأرْضِ خَـلَقَ الصُّورَ، فأعْطاهُ إسْرَافِـيـلَ، فَهُوَ وَاضِعُهُ عَلـى فِـيهِ شاخِصٌ بِبَصَرِهِ إلـى العَرْشِ يَنْتَظِرُ مَتـى يُؤْمَرُ " قالَ أبو هريرة: يا رسول الله: وما الصور؟ قال: " قَرْنٌ " قال: وكَيْفَ هُوَ؟ قال: " قَرْنٌ عَظِيـمٌ يُنْفَخُ فِـيهِ ثَلاثُ نَفَخاتٍ، الأُولـى نَفْخَةُ الفَزَعِ، والثَّانِـيَةُ نَفْخَةُ الصَّعْقِ، والثَّالِثَةُ نَفْخَةُ القِـيام لِرَبّ العالَـمِينَ، يَأْمُرُ اللّهُ إسْرَافِـيـلَ بـالنَّفْخَةِ الأُولـى فَـيَقُولُ: انْفُخْ نَفْخَةَ الفَزَعِ، فَـيَفْزَعُ أهْلُ السَّمَوَاتِ وأهْلُ الأرْضِ إلاَّ مَنْ شاءَ اللّهُ، وَيأْمُرُهُ اللّهُ فَـيُدِيـمُها وَيُطَوّلُها، فَلا يَفْتُرُ، وَهِيَ التـي يَقُولُ اللّهُ: { ما يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً ما لَهَا مِنْ فَوَاقٍ } ، ثُمَّ يَأْمُرُ اللّهُ إسْرَافِـيـلَ بنَفْخَةِ الصَّعْقِ، فَـيَقُولُ: انْفُخْ نَفْخَةَ الصَّعْقِ، فَـيَصْعَقُ أهْلُ السَّمَوَاتِ والأرْضِ إلاَّ مَنْ شاءَ اللّهُ، فإذَا هُمْ خامِدُونَ، ثُمَّ يُـمِيتُ مَنْ بَقِـيَ، فإذَا لَـمْ يَبْقَ إلاَّ اللّهُ الوَاحِدُ الصَّمَدُ، بَدَّلَ الأرْضَ غيرَ الأرْضِ والسَّمَوَاتِ، فَـيَبْسُطُها وَيَسْطَحُها، وَيَـمُدُّها مَدَّ الأدِيـمِ العِكاظِيّ، لا تَرَى فِـيها عِوَجاً وَلا أمْتاً، ثُمَّ يَزْجُرُ اللّهُ الـخَـلْقَ زَجْرَةً، فإذَا هُمُ فِـي هَذِهِ الـمُبَدَّلَةِ فِـي مِثْلِ مَوَاضِعِهِمْ مِنَ الأُولـى ما كانَ فـي بَطْنها كان فـي بَطْنِها، وَما كانَ علـى ظَهْرِها كانَ عَلـى ظَهْرِها ".
قال ابن كثير
يقول تعالى مخبراً عن كفار قريش أنهم قالوا لمن آمن منهم واتبع الهدى ارجعوا عن دينكم إلى ديننا، واتبعوا سبيلنا، { وَلْنَحْمِلْ خَطَـظ°يَـظ°كُمْ } أي وآثامكم إن كانت لكم آثام في ذلك علينا وفي رقابنا كما يقول القائل افعل هذا، وخطيئتك في رقبتي، قال الله تعالى تكذيباً لهم { وَمَا هُمْ بِحَـظ°مِلِينَ مِنْ خَطَـظ°يَـظ°هُمْ مِّن شَىْءٍ إِنَّهُمْ لَكَـظ°ذِبُونَ } أي فيما قالوه إنهم يحتملون عن أولئك خطاياهم، فإنه لا يحمل أحد وزر أحد، قال الله تعالى{ وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} فاطر 18 وقال تعالى{ وَلاَ يَسْـئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً يُبَصَّرُونَهُمْ } المعارج 10 ــــ 11. وقوله تعالى { وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ } إخبار عن الدعاة إلى الكفر والضلالة أنهم يحملون يوم القيامة أوزار أنفسهم، وأوزاراً أخر بسبب ما أضلوا من الناس، من غير أن ينقص من أوزار أولئك شيئاً كما قال تعالى{ لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَـظ°مَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ } النحل 25 الآية، وفي الصحيح " من دعا إلى هدى، كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه إلى يوم القيامة، من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة، كان عليه من الإثم مثل آثام من اتبعه إلى يوم القيامة، من غير أن ينقص من آثامهم شيئاً " وفي الصحيح " ما قتلت نفس ظلماً، إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه أول من سن القتل ". وقوله تعالى { وَلَيُسْـأَلُنَّ يَوْمَ ظ±لْقِيَـظ°مَةِ عَمَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } أي يكذبون ويختلقون من البهتان، وقد ذكر ابن أبي حاتم ههنا حديثاً فقال حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا صدقة، حدثنا عثمان بن حفص ابن أبي العالية، حدثني سليمان بن حبيب المحاربي عن أبي أمامة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغ ما أرسل به، ثم قال " إياكم والظلم، فإن الله يعزم يوم القيامة فيقول وعزتي وجلالي لا يجوزني اليوم ظلم، ثم ينادي مناد فيقول أين فلان بن فلان؟ فيأتي يتبعه من الحسنات أمثال الجبال، فيشخص الناس إليها أبصارهم، حتى يقوم بين يدي الرحمن عز وجل، ثم يأمر المنادي فينادي من كانت له تباعة أو ظلامة عند فلان بن فلان، فهلم، فيقبلون حتى يجتمعوا قياماً بين يدي الرحمن، فيقول الرحمن اقضوا عن عبدي، فيقولون كيف نقضي عنه؟ فيقول خذوا لهم من حسناته، فلا يزالون يأخذون منها حتى لا يبقى منها حسنة، وقد بقي من أصحاب الظلامات، فيقول اقضوا عن عبدي، فيقولون لم يبق له حسنة، فيقول خذوا من سيئاتهم، فاحملوها عليه "
ثم نزع النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الآية الكريمة { وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْـأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَـظ°مَةِ عَمَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ }. وهذا الحديث له شاهد في الصحيح من غير هذا الوجه " إن الرجل ليأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال، وقد ظلم هذا، وأخذ من مال هذا، وأخذ من عرض هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإذا لم تبق له حسنة، أخذ من سيئاتهم فطرح عليه " وقال ابن أبي حاتم حدثنا أحمد بن أبي الحواري، حدثنا أبو بشر الحذاء عن أبي حمزة الثمالي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم " يا معاذ إن المؤمن يسأل يوم القيامة عن جميع سعيه، حتى عن كحل عينيه، وعن فتات الطينة بإصبعيه، فلا ألفينك تأتي يوم القيامة، وأحد أسعد بما آتاك الله منك ".
انتهي
قال الطبري
{ وَلاَ تُجَادِلُواْ أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ وَقُولُواْ آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَـظ°هُنَا وَإِلَـظ°هُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ }
وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، جاء الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ذكر الرواية بذلك حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال ثنا عثمان بن عمر، قال أخبرنا علـيّ، عن يحيى بن أبـي كثـير، عن أبـي سلـمة عن أبـي هريرة، قال كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بـالعبرانـية، فـيفسرونها بـالعربـية لأهل الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تُصَدّقُوا أهْلَ الكِتابِ وَلا تُكَذّبُوهُمْ، وَقُولُوا آمَنَّا بـالَّذِي أُنْزِلَ إلَـيْنا وأُنْزِلَ إلَـيْكُمْ، وَإلهُنا وإلهُكُمْ وَاحِدٌ، ونَـحْنُ لَهُ مُسْلِـمُونَ«. " حدثنا ابن بشار، قال ثنا أبو عاصم، قال ثنا سفـيان، عن سعد بن إبراهيـم، عن عطاء بن يسار، قال كان ناس من الـيهود يحدثون ناساً من أصحاب النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فقال " لا تُصَدّقُوهُمْ وَلا تُكَذّبُوهُمْ، وَقُولُوا آمَنَّا بـالَّذِي أُنْزِلَ إلَـيْنا وأُنْزِلَ إلَـيْكُمْ« " ..
انتهي
قال الطبري
حدثنـي أحمد بن مـحمد الطَّوسي، قال: ثنا الـحميدي، قال: ثنا ابن عُيـينة وحدثنـي به القرقسانـي، عن ابن عيـينة، عن مطرف بن طريف، وابن أبجر، سمعنا الشعبـيّ يقول: سمعت الـمغيرة بن شعبة علـى الـمنبر يرفعه إلـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم: " إنَّ مُوسَى سألَ رَبَّهُ: أيْ رَبّ، أيُّ أهْلِ الـجَنَّةِ أدْنَى مَنْزِلةً؟ قال: رَجُلُ يَجيءُ بَعْدَ ما دَخَـلَ أهْلُ الـجَنَّةِ الـجَنَّةَ، فَـيُقالُ لَهُ: ادْخُـلْ، فَـيَقُولُ: كَيْفَ أدْخُـلُ وَقَدْ نَزَلُوا مَنازِلَهُمْ؟ فَـيُقالُ لَهُ: أتَرْضَى أنْ يَكُونَ لَكَ مِثْلُ ما كانَ لِـمَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الدُّنْـيا؟، فَـيَقُولُ: بَخ أيْ رَبّ قَدْ رَضِيتُ فَـيُقالُ لَهُ: إنَّ لَكَ هَذَا وَمِثْلَهُ وَمِثْلهُ ومِثْلَهُ، فَـيَقُولُ: رَضِيتُ أيْ رَبّ رَضِيتُ، فَـيُقالُ لَهُ: إنَّ لَكَ هَذَا وَعَشْرَةَ أمْثالِهِ مَعَهُ، فـيَقُول: رَضِيتُ أيْ رَبّ، فَـيُقالُ لَهُ: فإنَّ لَكَ مَعَ هَذَا ما اشْتَهَتْ نَفْسُكَ، وَلَذَّتْ عَيْنُكَ قالَ: فَقالَ مُوسَى: أيْ رَبّ، وأيُّ أهْل الـجَنَّةَ أرْفَعُ مَنْزِلَةً؟ قالَ: إيَّاها أرَدْتُ، وسأُحَدّثُكَ عَنْهُمْ غَرَسْتُ لَهُمْ كَرَامَتِـي بِـيَدِي، وَخَتَـمْتُ عَلَـيْها، فَلا عَيْنٌ رأتْ، وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلا خَطَرَ عَلـى قَلْبِ بَشَرٍ. قالَ: وَمِصْدَاق ذلكَ فِـي كِتابِ اللّهِ { فَلا تَعْلَـمُ نَفْسٌ ما أُخْفـيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أعْيُنٍ جَزَاءً بِـمَا كانُوا يَعْمَلُونَ } "
انتهي
قال الطبري
حدثنـي به عمران بن بكار الكلاعي، قال: ثنا مـحمد بن الـمبـارك، قال: ثنا إسماعيـل بن عياش، قال: ثنا عبد العزيز بن عبـيد الله، عن عبـادة بن نسيّ، عن جنادة بن أبـي أُميَّة، عن معاذ بن جبل، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ثَلاثٌ مَنْ فَعَلَهُنَّ فَقَدْ أجْرَمَ: مَنِ اعْتَقَدَ لِوَاءً فِـي غيرِ حَقّ، أوْ عَقَّ وَالِدَيْهِ، أوْ مَشَى مَعَ ظالِـمٍ يَنْصُرُهُ فَقَدْ أجْرَمَ. يَقُولُ اللّهُ: إنَّا مِنَ الـمُـجْرِمِينَ مُنْتَقِمُون« ".
انتهي
قال ابن كثير
وفي الصحيح: " والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إِليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين " وفي الصحيح أيضاً: أن عمر رضي الله عنه قال: يا رسول الله والله لأنت أحب إِلي من كل شيء إلا من نفسي، فقال صلى الله عليه وسلم " لا يا عمر حتى أكون أحب إِليك من نفسك " فقال: يا رسول الله والله لأنت أحب إِلي من كل شيء حتى من نفسي، فقال صلى الله عليه وسلم " الآن ياعمر " ولهذا قال تعالى في هذه الآية: { النَّبِىُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ }.
وقال البخاري عند هذه الآية الكريمة: حدثنا إبراهيم بن المنذر حدثنا محمد بن فليح، حدثنا أبي عن هلال بن علي عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما من مؤمن إِلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة، اقرؤوا إِن شئتم: { النَّبِىُّ أَوْلَىظ° بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ } ، فأيما مؤمن ترك مالاً، فليرثه عصبته من كانوا، وإِن ترك ديناً أو ضياعاً، فليأتني، فأنا مولاه " تفرد به البخاري، ورواه أيضاً في الاستقراض، وابن جرير وابن أبي حاتم من طرق عن فليح به مثله، ورواه أحمد من حديث أبي حصين عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحوه.
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري في قوله: { النَّبِىُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ } عن أبي سلمة عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: " أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، فأيما رجل مات وترك ديناً، فإِليّ، ومن ترك مالاً، فهو لورثته " ورواه أبو داود عن أحمد بن حنبل به نحوه.
انتهي
قال ابن كثير
إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا
وقال ابن جرير حدثني سعيد بن عمرو السكوني، حدثنا بقية، حدثنا عيسى بن إبراهيم عن موسى بن أبي حبيب عن الحكم بن عمير رضي الله عنه، وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الأمانة والوفاء نزلا على ابن آدم مع الأنبياء، فأرسلوا به، فمنهم رسول الله، ومنهم نبي، ومنهم نبي رسول، ونزل القرآن، وهو كلام الله، وأنزلت العجمية والعربية، فعلموا أمر القرآن، وعلموا أمر السنن بألسنتهم، ولم يدع الله تعالى شيئاً من أمره مما يأتون وما يجتنبون، وهي الحجج عليهم، إلا بينه لهم، فليس أهل لسان إلا وهم يعرفون الحسن والقبيح، ثم الأمانة أول شيء يرفع، ويبقى أثرها في جذور قلوب الناس، ثم يرفع الوفاء والعهد والذمم، وتبقى الكتب، فعالم يعمل، وجاهل يعرفها وينكرها ولا يحملها، حتى وصل إليَّ وإلى أمتي، ولا يهلك على الله إلا هالك، ولا يغفله إلا تارك، فالحذر أيها الناس وإياكم والوسواس الخناس، فإنما يبلوكم أيكم أحسن عملاً " هذا حديث غريب جداً، وله شواهد من وجوه أخرى. ثم قال ابن جرير حدثنا محمد بن خلف العسقلاني، حدثنا عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، حدثنا أبو العوام القطان، حدثنا قتادة وأبان بن أبي عياش عن خليد العصري، عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " خمس من جاء بهن يوم القيامة مع إيمان دخل الجنة من حافظ على الصلوات الخمس على وضوئهن وركوعهن وسجودهن ومواقيتهن، وأعطى الزكاة من ماله طيب النفس بها ــــ وكان يقول ــــ وايم الله لا يفعل ذلك إلا مؤمن وأدى الأمانة " قالوا يا أبا الدرداء وما أداء الأمانة؟ قال رضي الله عنه الغسل من الجنابة، فإن الله تعالى لم يأمن ابن آدم على شيء من دينه غيره، وهكذا رواه أبو داود عن محمد بن عبد الرحمن العنبري، عن أبي علي عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، عن أبي العوام عمران بن داود القطان به.
انتهي
قال ابن كثير
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجاً وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ }
وقال النسائي عند تفسير هذه الآية الكريمة حدثنا أحمد بن يحيى بن أبي زيد بن سليمان قال سمعت ابن وهب يقول حدثني يونس عن ابن شهاب عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " من سره أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره، فليصل رحمه " وقد رواه البخاري ومسلم وأبو داود من حديث يونس بن يزيد الأيلي به. وقال ابن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسين، حدثنا الوليد بن الوليد بن عبد الملك بن عبيد الله أبو سرح، حدثنا عثمان بن عطاء عن مسلمة بن عبد الله عن عمه أبي مشجعة بن ربعي عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال ذكرنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " إن الله تعالى لا يؤخر نفساً إذا جاء أجلها، وإنما زيادة العمر بالذرية الصالحة يرزقها العبد، فيدعون له من بعده، فيلحقه دعاؤهم في قبره، فذلك زيادة العمر " وقوله عز وجل { إِنَّ ذظ°لِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ } أي سهل عليه، يسير لديه علمه بذلك وبتفصيله في جميع مخلوقاته، فإن علمه شامل للجميع، لا يخفى عليه شيء منها.
انتهي
قال الطبري
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { ما يَنْظُرُونَ إلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ } ذُكر لنا أن النبـيّ صلى الله عليه وسلم كان يقول: " تَهِيجُ السَّاعَةُ بـالنَّاسِ وَالرَّجُلُ يَسْقِـي ماشِيَتَهُ، وَالرَّجُلُ يُصْلِـحُ حَوْضَهُ، وَالرَّجُلُ يُقِـيـمُ سِلْعَتَهُ فِـي سُوقِهِ والرَّجُلُ يَخْفِضُ مِيزَانَهُ وَيَرْفَعُهُ، وَتهِيجُ بِهِمْ وَهُمْ كَذلكَ، فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً ولا إلـى أهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ ". حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: { ما ينظُرُونَ إلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً } قال: النفخة نفخة واحدة.
حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا عبد الرحمن بن مـحمد الـمـحاربـيّ، عن إسماعيـل بن رافع، عمن ذكره، عن مـحمد بن كعب القرظيّ، عن أبـي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنَّ اللّهَ لـمَّا فَرَغَ مِنْ خَـلْقِ السَّمَوَاتِ والأرْضِ خَـلَقَ الصُّورَ، فأعْطاهُ إسْرَافِـيـلَ، فَهُوَ وَاضِعُهُ عَلـى فِـيهِ شاخِصٌ بِبَصَرِهِ إلـى العَرْشِ يَنْتَظِرُ مَتـى يُؤْمَرُ " قالَ أبو هريرة: يا رسول الله: وما الصور؟ قال: " قَرْنٌ " قال: وكَيْفَ هُوَ؟ قال: " قَرْنٌ عَظِيـمٌ يُنْفَخُ فِـيهِ ثَلاثُ نَفَخاتٍ، الأُولـى نَفْخَةُ الفَزَعِ، والثَّانِـيَةُ نَفْخَةُ الصَّعْقِ، والثَّالِثَةُ نَفْخَةُ القِـيام لِرَبّ العالَـمِينَ، يَأْمُرُ اللّهُ إسْرَافِـيـلَ بـالنَّفْخَةِ الأُولـى فَـيَقُولُ: انْفُخْ نَفْخَةَ الفَزَعِ، فَـيَفْزَعُ أهْلُ السَّمَوَاتِ وأهْلُ الأرْضِ إلاَّ مَنْ شاءَ اللّهُ، وَيأْمُرُهُ اللّهُ فَـيُدِيـمُها وَيُطَوّلُها، فَلا يَفْتُرُ، وَهِيَ التـي يَقُولُ اللّهُ: { ما يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً ما لَهَا مِنْ فَوَاقٍ } ، ثُمَّ يَأْمُرُ اللّهُ إسْرَافِـيـلَ بنَفْخَةِ الصَّعْقِ، فَـيَقُولُ: انْفُخْ نَفْخَةَ الصَّعْقِ، فَـيَصْعَقُ أهْلُ السَّمَوَاتِ والأرْضِ إلاَّ مَنْ شاءَ اللّهُ، فإذَا هُمْ خامِدُونَ، ثُمَّ يُـمِيتُ مَنْ بَقِـيَ، فإذَا لَـمْ يَبْقَ إلاَّ اللّهُ الوَاحِدُ الصَّمَدُ، بَدَّلَ الأرْضَ غيرَ الأرْضِ والسَّمَوَاتِ، فَـيَبْسُطُها وَيَسْطَحُها، وَيَـمُدُّها مَدَّ الأدِيـمِ العِكاظِيّ، لا تَرَى فِـيها عِوَجاً وَلا أمْتاً، ثُمَّ يَزْجُرُ اللّهُ الـخَـلْقَ زَجْرَةً، فإذَا هُمُ فِـي هَذِهِ الـمُبَدَّلَةِ فِـي مِثْلِ مَوَاضِعِهِمْ مِنَ الأُولـى ما كانَ فـي بَطْنها كان فـي بَطْنِها، وَما كانَ علـى ظَهْرِها كانَ عَلـى ظَهْرِها ".
تعليق