إرشاد النحرير لترجيحات الامام ابن جرير

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • اسامة محمد خيري
    Registered User
    • Dec 2008
    • 12975

    #91
    حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله:
    { وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى ظ±لْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى ظ±لْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعاً بِظ±لْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى ظ±لْمُحْسِنِينَ }
    [البقرة: 236] فقال رجل: فإن أحسنت فعلت، وإن لم أرد ذلك لم أفعل. فأنزل الله: { وَلِلْمُطَلَّقَـظ°تِ مَتَـظ°عٌ بِظ±لْمَعْرُوفِ حَقّا عَلَى ظ±لْمُتَّقِينَ }.

    والصواب من القول في ذلك ما قاله سعيد بن جبير، من أن الله تعالى ذكره. أنزلها دليلا لعباده على أن لكل مطلقة متعة؛ لأن الله تعالى ذكره ذكر في سائر آي القرآن التي فيها ذكر متعة النساء خصوصا من النساء، فبين في الآية التي قال فيها:
    { لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ ظ±لنّسَاء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً }
    [البقرة: 236] وفي قوله:
    { يظ°أَيُّهَا ظ±لَّذِينَ آمَنُوغ¤اْ إِذَا نَكَحْتُمُ ظ±لْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ }
    [الأحزاب: 49] ما لهن من المتعة إذا طلقن قبل المسيس، وبقوله:
    { يظ°أَيُّهَا ظ±لنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ظ±لْحَيَاةَ ظ±لدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ }
    [الأحزاب: 28] حكم المدخول بهن. وبقي حكم الصبايا إذا طلقن بعد الابتناء بهن، وحكم الكوافر والإماء. فعم الله تعالى ذكره بقوله: { وللمطلقات متاع بالمعروف } ذكر جميعهن، وأخبر بأن لهن المتاع، كما أبان المطلقات الموصوفات بصفاتهن في سائر آي القرآن، ولذلك كرر ذكر جميعهن في هذه الآية.

    تعليق

    • اسامة محمد خيري
      Registered User
      • Dec 2008
      • 12975

      #92
      وأولى القولين في تأويل قوله: { وَهُمْ أُلُوفٌ } بالصواب، قول من قال: عنى بالألوف. كثرة العدد، دون قول من قال: عنى به الائتلاف، بمعنى ائتلاف قلوبهم، وأنهم خرجوا من ديارهم من غير افتراق كان منهم ولا تباغض، ولكن فرارا، إما من الجهاد، وإما من الطاعون. لإجماع الحجة على أن ذلك تأويل الآية، ولا يعارض بالقول الشاذ ما استفاض به القول من الصحابة والتابعين.

      تعليق

      • اسامة محمد خيري
        Registered User
        • Dec 2008
        • 12975

        #93
        ولا وجه لقول من زعم أن قوله: { وقاتلوا في سبيل الله } أمر من الله الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف بالقتال بعد ما أحياهم؛ لأن قوله: { وقاتلوا في سبيل الله } لا يخلو إن كان الأمر على ما تأولوه من أحد أمور ثلاثة: إما أن يكون عطفا على قوله:
        { فَقَالَ لَهُمُ ظ±للَّهُ مُوتُواْ }
        [البقرة: 243] وذلك من المحال أن يميتهم ويأمرهم وهم موتى بالقتال في سبيله. أو يكون عطفا على قوله:
        { ثُمَّ أَحْيَظ°هُمْ }
        [البقرة: 243] وذلك أيضاً مما لا معنى له، لأن قوله: { وقاتلوا في سبيل الله } أمر من الله بالقتال، وقوله:
        { ثُمَّ أَحْيَظ°هُمْ }
        [البقرة: 243] خبر عن فعل قد مضى. وغير فصيح العطف بخبر مستقبل على خبر ماض لو كانا جميعا خبرين لاختلاف معنييهما، فكيف عطف الأمر على خبر ماض؟ أو يكون معناه: ثم أحياهم، وقال لهم: قاتلوا في سبيل الله، ثم أسقط القول، كما قال تعالى ذكره:
        { وَلَوْ تَرَىظ° إِذِ ظ±لْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا }
        [السجدة: 12] بمعنى: يقولون: ربنا أبصرنا وسمعنا. وذلك أيضا إنما يجوز في الموضع الذي يدل ظاهر الكلام على حاجته إليه ويفهم السامع أنه مراد به الكلام وإن لم يذكر، فأما في الأماكن التي لا دلالة على حاجة الكلام إليه، فلا وجه لدعوى مدع أنه مراد فيها

        تعليق

        • اسامة محمد خيري
          Registered User
          • Dec 2008
          • 12975

          #94
          وأولى هذه القراءات عندنا بالصواب قراءة من قرأ: { فَيُضَاعِفَهُ لَهُ } بإثبات الألف، ورفع يضاعف، لأن في قوله: { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه } معنى الجزاء، والجزاء إذا دخل في جوابه الفاء لم يكن جوابه بالفاء لا رفعا؛ فلذلك كان الرفع في يضاعفه أولى بالصواب عندنا من النصب. وإنما اخترنا الألف في يضاعف من حذفها وتشديد العين، لأن ذلك أفصح اللغتين وأكثرهما على ألسنة العرب...

          تعليق

          • اسامة محمد خيري
            Registered User
            • Dec 2008
            • 12975

            #95
            وأولـى القولـين فـي ذلك بـالصواب، ما قاله ابن عبـاس ووهب بن منبه من أن التابوت كان عند عدوّ لبنـي إسرائيـل كان سلبهموه، وذلك أن الله تعالـى ذكره قال مخبراً عن نبـيه فـي ذلك الزمان قوله لقومه من بنـي إسرائيـل: { إنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أنْ يَأتِـيكُمُ التَّابُوتُ } والألف واللام لا تدخلان فـي مثل هذا من الأسماء إلا فـي معروف عند الـمتـخاطبـين به، وقد عرفه الـمخِبر والـمخبرَ. فقد علـم بذلك أن معنى الكلام: أن آية ملكه أن يأتـيكم التابوت الذي قد عرفتـموه الذي كنتـم تستنصرون به، فـيه سكينة من ربكم. ولو كان ذلك تابوتاً من التوابـيت غير معلوم عندهم قدره ومبلغ نفعه قبل ذلك لقـيـل: إن آية ملكه أن يأتـيكم تابوت فـيه سكينة من ربكم...

            وأولـى هذه الأقوال بـالـحقّ فـي معنى السكينة، ما قاله عطاء بن أبـي ربـاح من الشيء تسكن إلـيه النفوس من الآيات التـي تعرفونها. وذلك أن السكينة فـي كلام العرب الفعيـلة من قول القائل: سكن فلان إلـى كذا وكذا: إذا اطمأنّ إلـيه وهدأت عنده نفسه، فهو يسكن سكونا وسكينة، مثل قولك: عزم فلان هذا الأمر عزما وعزيـمة، وقضى الـحاكم بـين القوم قضاء وقضية، ومنه قول الشاعر:
            لِلَّهِ قَبْرٌ غالَهَا ماذَا يجِ نُ لَقَدْ أجَنَّ سَكِينَةً ووَقَارَا
            وإذا كان معنى السكينة ما وصفت، فجائز أن يكون ذلك علـى ما قاله علـيّ بن أبـي طالب علـى ما روينا عنه، وجائز أن يكون ذلك علـى ما قاله مـجاهد علـى ما حكينا عنه، وجائز أن يكون ما قاله وهب بن منبه، وما قاله السدي لأن كل ذلك آيات كافـيات تسكن إلـيهنّ النُّفوس وتثلـج بهنّ الصدور. وإذا كان معنى السكينة ما وصفنا، فقد اتضح أن الآية التـي كانت فـي التابوت التـي كانت النفوس تسكن إلـيها لـمعرفتها بصحة أمرها إنـما هي مسماة بـالفعل، وهي غيره لدلالة الكلام علـيه....

            وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب أن يقال: إن الله تعالـى ذكره أخبر عن التابوت الذي جعله آية لصدق قول نبـيه صلى الله عليه وسلم لأمته: { إنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً } أن فـيه سكينة منه، وبقـية مـما تركه آل موسى وآل هارون. وجائز أن يكون تلك البقـية: العصا، وكسر الألواح والتوراة، أو بعضها والنعلـين، والثـياب، والـجهاد فـي سبـيـل الله وجائز أن يكون بعض ذلك. وذلك أمر لا يدرك علـمه من جهة الاستـخراج، ولا اللغة، ولا يدرك علـم ذلك إلا بخبر يوجب عنه العلـم، ولا خبر عند أهل الإسلام فـي ذلك للصفة التـي وصفنا. وإذ كان كذلك، فغير جائز فـيه تصويب قول وتضعيف آخر غيره، إذ كان جائزاً فـيه ما قلنا من القول....

            وأولـى القولـين فـي ذلك بـالصواب، قول من قال: حملت التابوت الـملائكة حتـى وضعته فـي دار طالوت بـين أظهر بنـي إسرائيـل وذلك أن الله تعالـى ذكره قال: { تَـحْمِلُهُ الـمَلائِكَةُ } ولـم يقل: تأتـي به الـملائكة وما جرّته البقر علـى عجل. وإن كانت الـملائكة هي سائقتها، فهي غير حاملته، لأن الـحمل الـمعروف هو مبـاشرة الـحامل بنفسه حمل ما حمل، فأما ما حمله علـى غيره وإن كان جائزاً فـي اللغة أن يقال فـي حمله بـمعنى معونته الـحامل، أو بأن حمله كان عن سببه، فلـيس سبـيـله سبـيـل ما بـاشر حمله بنفسه فـي تعارف الناس إياه بـينهم وتوجيه تأويـل القرآن إلـى الأشهر من اللغات أولـى من توجيهه إلـى أن لا يكون الأشهر ما وجد إلـى ذلك سبـيـل.

            القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { إنَّ فـي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إنْ كنْتُـمْ مُؤْمِنِـينَ }.

            يعنـي تعالـى ذكره بذلك أن نبـيه أشمويـل قال لبنـي إسرائيـل: إن فـي مـجيئكم التابوت فـيه سكينة من ربكم وبقـية مـما ترك آل موسى وآل هارون، حاملته الـملائكة، { لآيَةً لَكُمْ } يعنـي لعلامة لكم ودلالة أيها الناس علـى صدقـي فـيـما أخبرتكم أن الله بعث لكم طالوت ملكاً إن كنتـم قد كذبتـمونـي فـيـما أخبرتكم به من تـملـيك الله إياه علـيكم واتهمتـمونـي فـي خبري إياكم بذلك { إنْ كُنْتُـمْ مُؤْمِنِـينَ } يعنـي بذلك: إن كنتـم مصدقـيَّ عند مـجيء الآية التـي سألتـمونـيها علـى صدقـي فـيـما أخبرتكم به من أمر طالوت وملكه.

            وإنـما قلنا ذلك معناه لأن القوم قد كانوا كفروا بـالله فـي تكذيبهم نبـيهم، وردّهم علـيه قوله: { إنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً } بقولهم: { أنَّى يَكُونُ لَهُ الـمُلْكُ عَلَـيْنا وَنـحْنُ أحَقّ بـالـمُلْكِ مِنْهُ } وفـي مسألتهم إياه الآية علـى صدقه. فإن كان ذلك منهم كفراً، فغير جائز أن يقال لهم وهم كفـار لكم فـي مـجيء التابوت آية إن كنتـم من أهل الإيـمان بـالله ورسوله ولـيسوا من أهل الإيـمان بـالله ولا برسوله، ولكن الأمر فـي ذلك علـى ما وصفنا من معناه، لأنهم سألوا الآية علـى صدق خبره إياهم لـيقرّوا بصدقه، فقال لهم فـي مـجيء التابوت علـى ما وصفه لهم آية لكم إن كنتـم عند مـجيئه كذلك مصدقـيّ بـما قلت لكم وأخبرتكم به.

            تعليق

            • اسامة محمد خيري
              Registered User
              • Dec 2008
              • 12975

              #96
              وأولـى القولـين فـي ذلك بـالصواب، ما روي عن ابن عبـاس وقاله السدي وهو أنه جاوز النهر مع طالوت الـمؤمن الذي لـم يشرب من النهر إلا الغرفة، والكافر الذي شرب منه الكثـير. ثم وقع التـميـيز بـينهم بعد ذلك برؤية جالوت ولقائه، وانـخذل عنه أهل الشرك والنفـاق، وهم الذين قالوا: { لا طاقَةَ لَنا الـيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ } ومضى أهل البصيرة بأمر الله علـى بصائرهم، وهم أهل الثبـات علـى الإيـمان، فقالوا: { كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِـيـلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِـيرَةً بإذْنِ اللَّهِ واللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ }.

              فإن ظنّ ذو غفلة أنه غير جائز أن يكون جاوز النهر مع طالوت إلا أهل الإيـمان الذين ثبتوا معه علـى إيـمانهم، ومن لـم يشرب من النهر إلا الغرفة، لأن الله تعالـى ذكره قال: { فَلَـمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ } فكان معلوماً أنه لـم يجاوز معه إلا أهل الإيـمان، علـى ما رُوي به الـخبر عن البراء بن عازب، ولأن أهل الكفر لو كانوا جاوزوا النهر كما جاوزه أهل الإيـمان لـما خصّ الله بـالذكر فـي ذلك أهل الإيـمان فإن الأمر فـي ذلك بخلاف ما ظنّ.

              وذلك أنه غير مستنكر أن يكون الفريقان، أعنى فريق الإيـمان وفريق الكفر جاوزوا النهر، وأخبر الله نبـيه مـحمداً صلى الله عليه وسلم، عن الـمؤمنـين بـالـمـجاوزة، لأنهم كانوا من الذين جاوزوه مع ملكهم وترك ذكر أهل الكفر، وإن كانوا قد جاوزوا النهر مع الـمؤمنـين. والذي يدلّ علـى صحة ما قلنا فـي ذلك قول الله تعالـى ذكره: { فَلَـمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لا طاقَةَ لَنا الـيَوْم بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِين يَظُنُّونَ أنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِـيـلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِـيرَةً بإذْنِ اللَّهِ } فأوجب الله تعالـى ذكره أن الذين يظنون أنهم ملاقو الله هم الذين قالوا عند مـجاوزة النهر: { كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِـيـلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِـيرَةً بإذْنِ اللَّهِ } دون غيرهم الذين لا يظنون أنهم ملاقو الله، وأن الذين لا يظنون أنهم ملاقو الله هم الذين قالوا: { لا طاقَةَ لَنا الـيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ } وغير جائز أن يضاف الإيـمان إلـى من جحد أنه ملاقـي الله أو شكّ فـيه.

              تعليق

              • اسامة محمد خيري
                Registered User
                • Dec 2008
                • 12975

                #97
                قال أبو جعفر: ولكل قول من هذه الأقوال وجه ومذهب، غير أن الذي هو أولـى بتأويـل الآية ما جاء به الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ما:

                حدثنـي به عبد الله بن أبـي زياد القطوانـي، قال: ثنا عبـيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيـل، عن أبـي إسحاق، عن عبد الله بن خـلـيفة، قال: أتت امرأة النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فقالت: ادع الله أن يدخـلنـي الـجنةظ° فعظم الربَّ تعالـى ذكره، ثم قال: " إنَّ كُرْسِيَّهُ وَسِعَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ، وَإنَّهُ لَـيَقْعُدُ عَلَـيْهِ فَمَا يَفْضُلُ مِنْهُ مِقْدَارُ أرْبَعِ أصَابِعَ " ثم قال بأصابعه فجمعها: " وَإنَّ لَهُ أطيطا كأطِيطِ الرَّحْلِ الـجَدِيدِ إذَا رُكِبَ مِنْ ثِقَلِه "

                حدثنـي عبد الله بن أبـي زياد، قال: ثنا يحيـى بن أبـي بكر، عن إسرائيـل، عن أبـي إسحاق، عن عبد الله بن خـلـيفة، عن عمر، عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم، بنـحوه.

                حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسرائيـل، عن أبـي إسحاق، عن عبد الله بن خـلـيفة، قال: جاءت امرأة، فذكر نـحوه.

                وأما الذي يدل علـى صحته ظاهر القرآن فقول ابن عبـاس الذي رواه جعفر بن أبـي الـمغيرة عن سعيد بن جبـير عنه أنه قال: هو علـمه، وذلك لدلالة قوله تعالـى ذكره: { وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا } علـى أن ذلك كذلك، فأخبر أنه لا يؤوده حِفظ ما علـم، وأحاط به مـما فـي السموات والأرض، وكما أخبر عن ملائكته أنهم قالوا فـي دعائهم:
                { رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَىْء رَّحْمَةً وَعِلْماً }
                [غافر: 7] فأخبر تعالـى ذكره أن علـمه وسع كل شيء، فكذلك قوله: { وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ظ±لسَّمَـظ°وَاتِ وَظ±لاْرْضَ }. وأصل الكرسي: العلـم، ومنه قـيـل للصحيفة يكون فـيها علـم مكتوب كُرّاسة، ومنه قول الراجز فـي صفة قانص:
                حتـى إذَا ما احْتازَها تَكَرَّسا
                يعنـي علـم. ومنه يقال للعلـماء: الكراسي، لأنهم الـمعتـمد علـيهم، كما يقال: أوتاد الأرض، يعنـي بذلك أنهم العلـماء الذين تصلـح بهم الأرض؛ ومنه قول الشاعر:
                يَحُفُّ بِهِمْ بِـيضُ الوُجُوهِ وَعُصْبَةٌ كَرَاسِيُّ بـالأحْدَاثِ حِينَ تَنُوبُ
                يعنـي بذلك علـماء بحوادث الأمور ونوازلها.

                والعرب تسمي أصل كل شيء: الكِرْس، يقال منه: فلان كريـم الكِرْس: أي كريـم الأرض، قال العجاج:
                قَدْ عَلِـمَ القُدُّوسُ مَوْلَـى القُدْسِ أنَّ أبـا العَبَّـاسِ أوْلَـى نَفْسِ
                بِـمَعْدن الـمُلْـكِ الكَرِيـمِ الكِـرْسِ
                يعنـي بذلك: الكريـم الأصل، ويُروى:
                فِـي مَعْـدِنِ العزّ الكَرِيـمِ الكِـرْسِ

                ملحوظة

                الحديث الذى اورده ابن جرير بالتأكيد ان صح ظاهره مستحيل علي الله

                تعليق

                • اسامة محمد خيري
                  Registered User
                  • Dec 2008
                  • 12975

                  #98
                  وأولـى هذه الأقوال بـالصواب قول من قال: نزلت هذه الآية فـي خاص من الناس، وقال: عنى بقوله تعالـى ذكره: { لا إِكْرَاهَ فِى ظ±لدّينِ } أهل الكتابـين والـمـجوس، وكل من جاء إقراره علـى دينه الـمخالف دين الـحق، وأخذ الـجزية منه. وأنكروا أن يكون شيء منها منسوخاً.

                  وإنـما قلنا هذا القول أولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب لـما قد دللنا علـيه فـي كتابنا كتاب «اللطيف من البـيان عن أصول الأحكام» من أن الناسخ غير كائن ناسخاً إلا ما نفـى حكم الـمنسوخ، فلـم يجز اجتـماعهما. فأما ما كان ظاهره العموم من الأمر والنهي وبـاطنه الـخصوص، فهو من الناسخ والـمنسوخ بـمعزل. وإذ كان ذلك كذلك، وكان غير مستـحيـل أن يقال: لا إكراه لأحد مـمن أخذت منه الـجزية فـي الدين، ولـم يكن فـي الآية دلـيـل علـى أن تأويـلها بخلاف ذلك، وكان الـمسلـمون جميعاً قد نقلوا عن نبـيهم صلى الله عليه وسلم أنه أكره علـى الإسلام قوماً، فأبى أن يقبل منهم إلا الإسلام، وحكم بقتلهم إن امتنعوا منه، وذلك كعبدة الأوثان من مشركي العرب، وكالـمرتدّ عن دينه دين الـحقّ إلـى الكفر ومن أشبههم، وأنه ترك إكراه آخرين علـى الإسلام بقبوله الـجزية منه، وإقراره علـى دينه البـاطل، وذلك كأهل الكتابـين، ومن أشبههم؛ كان بـيّناً بذلك أن معنى قوله: { لا إِكْرَاهَ فِى ظ±لدّينِ } إنـما هو لا إكراه فـي الدين لأحد مـمن حل قبول الـجزية منه بأدائه الـجزية، ورضاه بحكم الإسلام....

                  والصواب من القول عندي فـي الطاغوت: أنه كل ذي طغيان علـى الله فعبد من دونه، إما بقهر منه لـمن عبده، وإما بطاعة مـمن عبده له، إنساناً كان ذلك الـمعبود، أو شيطاناً، أو وثناً، أو صنـماً، أو كائناً ما كان من شيء. وأرى أن أصل الطاغوت: الطَّغَوُوت، من قول القائل: طغا فلان يطغو: إذا عدا قدره فتـجاوز حدّه، كالـجبروت من التـجبر، والخلبوت من الخَلْب، ونـحو ذلك من الأسماء التـي تأتـي علـى تقدير فعلوت بزيادة الواو والتاء. ثم نقلت لامه أعنـي لام الطغووت، فجعلت له عيناً، وحوّلت عينه فجعلت مكان لامه، كما قـيـل جذب وجبد وجابذ وجاذب وصاعقة وصاقعة، وما أشبه ذلك من الأسماء التـي علـى هذا الـمثال.

                  فتأويـل الكلام إذاً: فمن يجحد ربوبـية كل معبود من دون الله فـيكفر به؛ { وَيُؤْمِن بِظ±للَّهِ } يقول: ويصدق بـالله أنه إلهه وربه ومعبوده، { فَقَدِ ظ±سْتَمْسَكَ بِظ±لْعُرْوَةِ ظ±لْوُثْقَىظ° } يقول: فقد تـمسك بأوثق ما يتـمسك به من طلب الـخلاص لنفسه من عذاب الله وعقابه.

                  تعليق

                  • اسامة محمد خيري
                    Registered User
                    • Dec 2008
                    • 12975

                    #99
                    وإنـما قلنا ذلك أولـى بتأويـل الآية، لأن قوله: { وَٱنظُرْ إِلَى ٱلعِظَامِ } إنـما هو بـمعنى: وانظر إلـى العظام التـي تراها ببصرك كيف ننشزها، ثم نكسوها لـحماً، وقد كان حماره أدركه من البلـى فـي قول أهل التأويـل جميعاً نظير الذي لـحق عظام من خوطب بهذا الـخطاب، فلـم يـمكن صرف معنى قوله: { وَٱنظُرْ إِلَى ٱلعِظَامِ } إلـى أنه أمر له بـالنظر إلـى عظام الـحمار دون عظام الـمأمور بـالنظر إلـيها، ولا إلـى أنه أمر له بـالنظر إلـى عظام نفسه دون عظام الـحمار.

                    وإذا كان ذلك كذلك، وكان البلـى قد لـحق عظامه وعظام حماره، كان الأولـى بـالتأويـل أن يكون الأمر بـالنظر إلـى كل ما أدركه طرفه مـما قد كان البلـى لـحقه لأن الله تعالـى ذكره جعل جميع ذلك علـيه حجة وله عبرة وعظة...


                    والذي هو أولـى بتأويـل الآية من القول، أن يقال: إن الله تعالـى ذكره، أخبر أنه جعل الذي وصف صفته فـي هذه الآية حجة للناس، فكان ذلك حجة علـى من عرفه من ولده وقومه مـمن علـم موته، وإحياء الله إياه بعد مـماته، وعلـى من بعث إلـيه منهم...

                    والقول فـي ذلك عندي أن معنى الإنشار ومعنى الإنشاز متقاربـان، لأن معنى الإنشاز: التركيب والإثبـات وردّ العظام من العظام وإعادتُها لا شك أنه ردّها إلـى أماكنها ومواضعها من الـجسد بعد مفـارقتها إياها. فهما وإن اختلفـا فـي اللفظ، فمتقاربـا الـمعنى، وقد جاءت بـالقراءة بهما الأمة مـجيئاً يقطع العذر ويوجب الـحجة، فبأيهما قرأ القارىء فمصيب لانقـياد معنـيـيهما، ولا حجة توجب لإحداهما من القضاء بـالصواب علـى الأخرى.

                    فإن ظنّ ظان أن الإنشار إذا كان إحياء فهو بـالصواب أولـى، لأن الـمأمور بـالنظر إلـى العظام وهي تنشر إنـما أمر به لـيرى عيانا ما أنكره بقوله: { أَوْ كَٱلَّذِى مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِىَ } فإن إحياء العظام لا شك فـي هذا الـموضع إنـما عنى به ردّها إلـى أماكنها من جسد الـمنظور إلـيه، وهو يحيا، لا إعادة الروح التـي كانت فـارقتها عند الـمـمات. والذي يدل علـى ذلك قوله: { ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا } ولا شك أن الروح إنـما نفخت فـي العظام التـي أنشرت بعد أن كسيت اللـحم. وإذا كان ذلك كذلك، وكان معنى الإنشاز تركيب العظام وردّها إلـى أماكنها من الـجسد، وكان ذلك معنى الإنشار، وكان معلوماً استواء معنـيـيهما، وأنهما متفقا الـمعنى لا مختلفـاه، ففـي ذلك إبـانة عن صحة ما قلنا فـيه. وأما القراءة الثالثة فغير جائزة القراءة بها عندي، وهي قراءة من قرأ: «كَيْفَ نَنْشُرُها» بفتـح النون وبـالراء، لشذوذها عن قراءة الـمسلـمين وخروجها عن الصحيح الفصيح من كلام العرب...

                    وأولـى القراءتـين بـالصواب فـي ذلك قراءة من قرأ: «اعْلَـمْ» بوصل الألف وجزم الـميـم علـى وجه الأمر من الله تعالـى ذكره للذي قد أحياه بعد مـماته بـالأمر بأن يعلـم أن الله الذي أراه بعينـيه ما أراه من عظيـم قدرته وسلطانه من إحيائه إياه وحماره بعد موت مائة عام وبلائه حتـى عادا كهيئتهما يوم قبض أرواحهما، وحفظ علـيه طعامه وشرابه مائة عام حتـى ردّه علـيه كهيئته يوم وضعه غير متغير علـى كل شيء قادر كذلك.

                    وإنـما اخترنا قراءة ذلك كذلك وحكمنا له بـالصواب دون غيره؛ لأن ما قبله من الكلام أمر من الله تعالـى ذكره قولاً للذي أحياه الله بعد مـماته وخطابـا له به، وذلك قوله: { فَٱنظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَٱنظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَٱنظُرْ إِلَى ٱلعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا } فلـما تبـين له ذلك جوابـاً عن مسألته ربه: { أَوْ كَٱلَّذِى مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِىَ } ٰ قال الله له: اعلـم أن الله الذي فعل هذه الأشياء علـى ما رأيت علـى غير ذلك من الأشياء قدير كقدرته علـى ما رأيت وأمثاله، كما قال تعالـى ذكره لـخـلـيـله إبراهيـم صلى الله عليه وسلم، بعد أن أجابه عن مسألته إياه فـي قوله:
                    { رَبّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ }
                    [البقرة: 260]
                    { وَٱعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }
                    [البقرة: 260] فأمر إبراهيـم بأن يعلـم بعد أن أراه كيفـية إحيائه الـموتـى أنه عزيز حكيـم، وكذلك أمر الذي سأل فقال: { أَوْ كَٱلَّذِى مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِىَ } بعد أن أراه كيفـية إحيائه إياها أن يعلـم أن الله علـى كل شيء قدير.

                    تعليق

                    • اسامة محمد خيري
                      Registered User
                      • Dec 2008
                      • 12975

                      #100
                      وأولـى هذه الأقوال بتأويـل الآية، ما صحّ به الـخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال، وهو قوله: " نَـحْنُ أحَقُّ بـالشَّكّ مِنْ إِبْرَاهِيـمَ، قَالَ رَبّ أرِنِـي كَيْفَ تُـحْيِـي الـمَوْتَـى، قَالَ أَوَلَـمْ تُؤمِنْ " وأن تكون مسألته ربه ما سأله أن يريه من إحياء الـموتـى لعارض من الشيطان عرض فـي قلبه، كالذي ذكرنا عن ابن زيد آنفـاً من أن إبراهيـم لـما رأى الـحوت الذي بعضه فـي البرّ وبعضه فـي البحر قد تعاوره دوابّ البرّ ودوابّ البحر وطير الهواء، ألقـى الشيطان فـي نفسه فقال: متـى يجمع الله هذا من بطون هؤلاء؟ فسأل إبراهيـم حينئذٍ ربه أن يريه كيف يحيـي الـموتـى لـيعاين ذلك عياناً، فلا يقدر بعد ذلك الشيطان أن يـلقـي فـي قلبه مثل الذي ألقـى فـيه عند رؤيته ما رأى من ذلك، فقال له ربه: { أَوَلَمْ تُؤْمِن } يقول: أولـم تصدق يا إبراهيـم بأنـي علـى ذلك قادر؟ قال: بلـى يا ربّ، لكن سألتك أن ترينـي ذلك لـيطمئنّ قلبـي، فلا يقدر الشيطان أن يـلقـي فـي قلبـي مثل الذي فعل عند رؤيتـي هذا الـحوت...

                      ملحوظة

                      هذا الذى رجحه الطبري فى نظرى مرجوووح وشديد الضعف والاولي فى تفسيرها مانقله الطبري نفسه فقال:

                      { قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن } بأنـي خـلـيـلك، يقول تصدق، { قَالَ بَلَىظ° وَلَـظ°كِن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى } بخـلولتك.

                      حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد الزبـيري، قال: ثنا عمرو بن ثابت، عن أبـيه، عن سعيد بن جبـير: { وَلَـظ°كِن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى } قال: بـالـخُـلة......

                      فمعنى قوله: { فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ } اضمـمهنّ إلـيك ووجههن نـحوك، كما يقال: صُرْ وجهك إلـيّ، أي أقبل به إلـيّ. ومن وجه قوله: { فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ } إلـى هذا التأويـل كان فـي الكلام عنده متروك قد ترك ذكره استغناء بدلالة الظاهر علـيه، ويكون معناه حينئذٍ عنده، قال: فخذ أربعة من الطير فصرهنّ إلـيك، ثم قطعهن، ثم اجعل علـى كل جبل منهنّ جزءاً. وقد يحتـمل أن يكون معنى ذلك إذا قرىء كذلك بضم الصاد: قَطّعهن، كما قال تَوْبَة بن الـحُمَيِّر:
                      فلـمَّا جَذَبْتُ الـحبْلَ أطَّتْ نُسُوعُهُ بأطرافِ عِيدان شَديدٍ أُسُورُهَا
                      فَأدْنَتْ لِـيَ الأسْبـابَ حتـى بلغتُها بنَهْضِي وقَد كانَ ارتقائي يَصُورُها
                      يعنـي يقطعها. وإذا كان ذلك تأويـل قوله: { فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ } كان فـي الكلام تقديـم وتأخير، ويكون معناه: فخذ أربعة من الطير إلـيك فصرهن، ويكون إلـيك من صلة «خذ»....

                      وأولـى التأويلات بـالآية ما قاله مـجاهد، وهو أن الله تعالـى ذكره أمر إبراهيـم بتفريق أعضاء الأطيار الأربعة بعد تقطيعه إياهن علـى جميع الأجبـال التـي كان يصل إبراهيـم فـي وقت تكلـيف الله إياه تفريق ذلك وتبديدها علـيها أجزاء، لأن الله تعالـى ذكره قال له: { ثُمَّ ظ±جْعَلْ عَلَىظ° كُلّ جَبَلٍ مّنْهُنَّ جُزْءاً } والكل حرف يدل علـى الإحاطة بـما أضيف إلـيه لفظه واحد ومعناه الـجمع. فإذا كان ذلك كذلك فلن يجوز أن تكون الـجبـال التـي أمر الله إبراهيـم بتفريق أجزاء الأطيار الأربعة علـيها خارجة من أحد معنيين: إما أن تكون بعضاً أو جمعاً؛ فإن كانت بعضاً فغير جائز أن يكون ذلك البعض إلا ما كان لإبراهيم السبيل إلـى تفريق أعضاء الأطيار الأربعة عليه. أو يكون جمعا، فيكون أيضاً كذلك. وقد أخبر الله تعالى ذكره أنه أمره بأن يجعل ذلك على كل جبل، وذلك إما كل جبل وقد عرفهن إبراهيم بأعيانهن، وإما ما فـي الأرض من الجبال.

                      فأما قول من قال: إن ذلك أربعة أجبل، وقول من قال: هنّ سبعة؛ فلا دلالة عندنا علـى صحة شيء من ذلك فنستجيز القول به. وإنـما أمر الله إبراهيـم صلى الله عليه وسلم أن يجعل الأطيار الأربعة أجزاء متفرّقة علـى كل جبل لـيري إبراهيـم قدرته علـى جمع أجزائهن وهن متفرّقات متبددات فـي أماكن مختلفة شتّـى، حتـى يؤلف بعضهن إلـى بعض، فـيعدن كهيئتهن قبل تقطيعهن وتـمزيقهن وقبل تفريق أجزائهن علـى الـجبـال أطياراً أحياء يطرن، فـيطمئنّ قلب إبراهيـم ويعلـم أن كذلك يجمع الله أوصال الـموتـى لبعث القـيامة وتألـيفه أجزاءهم بعد البلـى وردّ كل عضو من أعضائهم إلـى موضعه كالذي كان قبل الرد.

                      تعليق

                      • اسامة محمد خيري
                        Registered User
                        • Dec 2008
                        • 12975

                        #101
                        وهذا التأويـل الذي ذكرناه عن مـجاهد والـحسن تأويـل بعيد الـمعنى مـما يدلّ علـيه ظاهر التلاوة، وذلك أنهم تأوّلوا قوله: { وَتَثْبِيتًا مّنْ أَنفُسِهِمْ } بـمعنى: وتثبتا، فزعموا أن ذلك إنـما قـيـل كذلك لأن القوم كانوا يتثبتون أين يضعون أموالهم. ولو كان التأويـل كذلك، لكان: وتثبتا من أنفسهم؛ لأن الـمصدر من الكلام إن كان علـى تفعلت التفعل، فـيقال: تكرمت تكرما، وتكلـمت تكلـما، وكما قال جل ثناؤه:
                        { أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىظ° تَخَوُّفٍ }
                        [النحل: 47] من قول القائل: تـخوّف فلان هذا الأمر تـخوّفـاً. فكذلك قوله: { وَتَثْبِيتًا مّنْ أَنفُسِهِمْ } لو كان من تثبت القوم فـي وضع صدقاتهم مواضعها لكان الكلام: «وتثبتاً من أنفسهم»، لا «وتثبـيتاً»، ولكن معنى ذلك ما قلنا من أنه وتثبـيت من أنفس القوم إياهم بصحة العزم والـيقـين بوعد الله تعالـى ذكره.

                        فإن قال قائل: وما تنكر أن يكون ذلك نظير قول الله عزّ وجلّ:
                        { وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً }
                        [المزمل: 8] ولـم يقل: تبتلاً؟ قـيـل: إن هذا مخالف لذلك، وذلك أن هذا إنـما جاز أن يقال فـيه: «تبتـيلاً» لظهور «وتبتل إلـيه»، فكان فـي ظهوره دلالة علـى متروك من الكلام الذي منه قـيـل: تبتـيلاً، وذلك أن الـمتروك هو: «تبتل فـيبتلك الله إلـيه تبتـيلاً»، وقد تفعل العرب مثل ذلك أحياناً تـخرج الـمصادر علـى غير ألفـاظ الأفعال التـي تقدّمتها إذا كانت الأفعال الـمتقدمة تدل علـى ما أخرجت منه، كما قال جل وعزّ:
                        { وَظ±للَّهُ أَنبَتَكُمْ مّنَ ظ±لاْرْضِ نَبَاتاً }
                        [نوح: 17] وقال:
                        { وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا }
                        [آل عمران: 37] والنبـات: مصدر نبت، وإنـما جاز ذلك لـمـجيء أنبت قبله، فدلّ علـى الـمتروك الذي منه قـيـل نبـاتا، والـمعنى: والله أنبتكم فنبّتـم من الأرض نبـاتاً. ولـيس قوله: { وَتَثْبِيتًا مّنْ أَنفُسِهِمْ } كلاما يجوز أن يكون متوهماً به أنه معدول عن بنائه. ومعنى الكلام: ويتثبتون فـي وضع الصدقات مواضعها، فـيصرف إلـى الـمعانـي التـي صرف إلـيها قوله: { وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً } وما أشبه ذلك من الـمصادر الـمعدولة عن الأفعال التـي هي ظاهرة قبلها.

                        تعليق

                        • اسامة محمد خيري
                          Registered User
                          • Dec 2008
                          • 12975

                          #102
                          وقد تنازع أهل التأويـل فـي تأويـل هذه الآية، إلا أن معانـي قولهم فـي ذلك وإن اختلفت تصاريفهم فـيها عائدة إلـى الـمعنى الذي قلنا فـي ذلك، وأحسنهم إبـانة لـمعناها وأقربهم إلـى الصواب قولاً فـيها السدي.

                          حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: { أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ظ±لانْهَـظ°رُ لَهُ فِيهَا مِن كُلّ ظ±لثَّمَرظ°تِ وَأَصَابَهُ } هذا مثل آخر لنفقة الرياء، أنه ينفق ماله يرائي الناس به، فـيذهب ماله منه وهو يرائي، فلا يأجره الله فـيه، فإذا كان يوم القـيامة واحتاج إلـى نفقته، وجدها قد أحرقها الرياء، فذهبت كما أنفق هذا الرجل علـى جنته، حتـى إذا بلغت وكثر عياله واحتاج إلـى جنته جاءت ريح فـيها سَموم فأحرقت جنته، فلـم يجد منها شيئاً، فكذلك الـمنفق رياء....

                          وإنـما دللنا أن الذي هو أولـى بتأويـل ذلك ما ذكرناه، لأن الله جل ثناؤه تقدم إلـى عبـاده الـمؤمنـين بـالنهي عن الـمنّ والأذى فـي صدقاتهم. ثم ضرب مثلاً لـمن منّ وآذى من تصدّق علـيه بصدقة، فمثله بـالـمرائي من الـمنافقـين، الـمنفقـين أموالهم رياء الناس. وكانت قصة هذه الآية وما قبلها من الـمثل نظيرة ما ضرب لهم من الـمثل قبلها، فكان إلـحاقها بنظيرتها أولـى من حمل تأويـلها علـى أنه مثل ما لـم يجر له ذكر قبلها ولا معها.

                          تعليق

                          • اسامة محمد خيري
                            Registered User
                            • Dec 2008
                            • 12975

                            #103
                            حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن يزيد بن إبراهيـم، عن الـحسن قال: كان الرجل يتصدّق برذالة ماله، فنزلت: { وَلاَ تَيَمَّمُواْ ظ±لْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ }.

                            حدثنا الـمثنى، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرنا عبد الله بن كثـير أنه سمع مـجاهدا يقول: { وَلاَ تَيَمَّمُواْ ظ±لْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ } قال: فـي الأقناء التـي تعلَّق، فرأى فـيها حشفـا، فقال: «ما هذا؟». قال ابن جريج: سمعت عطاء يقول: علق إنسان حشفـا فـي الأقناء التـي تعلق بـالـمدينة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما هَذَا؟ بِئْسَمَا عَلَّقَ هَذَاظ° " فنزلت: { وَلاَ تَيَمَّمُواْ ظ±لْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ }.

                            وقال آخرون: معنى ذلك: ولا تـيـمـموا الـخبـيث من الـحرام فيه تنفقون، وتدعوا أن تنفقوا الـحلال الطيب. ذكر من قال ذلك:

                            حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: وسألته عن قول الله عزّ وجلّ: { وَلاَ تَيَمَّمُواْ ظ±لْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ } قال: الـخبـيث: الـحرام، لا تتـيـمه: تنفق منه، فإن الله عزّ وجلّ لا يقبله.

                            وتأويـل الآية: هو التأويـل الذي حكيناه عمن حكينا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم واتفـاق أهل التأويـل فـي ذلك دون الذي قاله ابن زيد.....

                            وقال آخرون: معنى ذلك: ولستـم بآخذي الـحرام إلا أن تغمضوا علـى ما فـيه من الإثم علـيكم فـي أخذه. ذكر من قال ذلك:

                            حدثنـي يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: وسألته عن قوله: { وَلَسْتُم بِأَخِذِيهِ إِلا أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ } قال: يقول: لست آخذاً ذلك الـحرام حتـى تغمض علـى ما فـيه من الإثم ـ قال: وفـي كلام العرب: أما والله لقد أخذه ولقد أغمض علـى ما فـيه ـ وهو يعلـم أنه حرام بـاطل.

                            والذي هو أولـى بتأويـل ذلك عندنا أن يقال: إن الله عزّ وجلّ حثّ عبـاده علـى الصدقة وأداء الزكاة من أموالهم وفرضها علـيهم فـيها، فصار ما فرض من ذلك فـي أموالهم حقاً لأهل سهمان الصدقة، ثم أمرهم تعالـى ذكره أن يخرجوا من الطيبِ، وهو الـجيد من أموالهم، الطيبَ، وذلك أن أهل السهمان شركاء أربـاب الأموال فـي أموالهم بـما وجب لهم فـيها من الصدقة بعد وجوبها، فلا شكّ أن كل شريكين فـي مال فلكلّ واحد منهما بقدر ملكه، ولـيس لأحدهما منع شريكه من حقه من الـملك الذي هو فـيه شريكه بإعطائه بـمقدار حقه منه من غيره، مـما هو أردأ منه أو أحسن، فكذلك الـمزكي ماله حرم الله علـيه أن يعطي أهل السهمان مـما وجب لهم فـي ماله من الطيب الـجيد من الـحقّ، فصاروا فـيه شركاء من الـخبـيث الرديء غيره، ويـمنعهم ما هو لهم من حقوقهم فـي الطيب من ماله الـجيد، كما لو كان مال ربّ الـمال رديئاً كله غير جيد، فوجبت فـيه الزكاة وصار أهل سهمان الصدقة فـيه شركاء بـما أوجب الله لهم فـيه لـم يكن علـيه أن يعطيهم الطيب الـجيد من غير ماله الذي منه حقهم، فقال تبـارك وتعالـى لأربـاب الأموال: زكوا من جيد أموالكم الـجيد، ولا تـيـمـموا الـخبـيث الرديء، تعطونه أهل سهمان الصدقة، وتـمنعونهم الواجب لهم من الـجيد الطيب فـي أموالكم، ولستـم بآخذي الرديء لأنفسكم مكان الـجيد الواجب لكم قِبل من وجب لكم علـيه ذلك من شركائكم وغرمائكم وغيرهم إلا عن إغماض منكم وهضم لهم وكراهة منكم لأخذه.

                            يقول: ولا تأتوا من الفعل إلـى من وجب له فـي أموالكم حقّ ما لا ترضون من غيركم أن يأتـيه إلـيكم فـي حقوقكم الواجبة لكم فـي أموالهم؛ فأما إذا تطوّع الرجل بصدقة غير مفروضة فإنـي وإن كرهت له أن يعطي فـيها إلا أجود ماله وأطيبه؛ لأن الله عزّ وجلّ أحقّ من تقرّب إلـيه بأكرم الأموال وأطيبها، والصدقة قربـان الـمؤمن، فلست أحرّم علـيه أن يعطي فـيها غير الـجيد، لأن ما دون الـجيد ربـما كان أعمّ نفعا لكثرته، أو لعظم خطره، وأحسن موقعا من الـمسكين، ومـمن أعطيه قربة إلـى الله عزّ وجلّ من الـجيد، لقلته أو لصغر خطره وقلة جدوى نفعه علـى من أعطيه.

                            وبـمثل ما قلنا فـي ذلك قال جماعة أهل العلـم. ذكر من قال ذلك:

                            حدثنا مـحمد بن عبد الـملك بن أبـي الشوارب، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سلـمة بن علقمة، عن مـحمد بن سيرين، قال: سألت عبـيدة عن هذه الآية: { يأَيُّهَا ظ±لَّذِينَ ءامَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيّبَـظ°تِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مّنَ ظ±لاْرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُواْ ظ±لْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِأَخِذِيهِ } قال: ذلك فـي الزكاة، الدرهم الزائف أحبّ إلـيّ من التـمرة.

                            تعليق

                            • اسامة محمد خيري
                              Registered User
                              • Dec 2008
                              • 12975

                              #104
                              القول في تأويل قوله تعالى: { وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ }.

                              اختلف القراء في قراءة ذلك. فرُوي عن ابن عباس أنه كان يقرؤه: «وتُكَفِّرُ عَنْكُمْ» بالتاء. ومن قرأه كذلك. فإنه يعني به: وتكفر الصدقات عنكم من سيئاتكم. وقرأ آخرون: { وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ } بالياء بمعنى: ويكفر الله عنكم بصدقاتكم على ما ذكر في الآية من سيئاتكم. وقرأ ذلك بعد عامة قرّاء أهل المدينة والكوفة والبصرة: «وَنُكَفِّرْ عَنْكُمْ» بالنون وجزم الحرف، يعني: وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء نكفر عنكم من سيئاتكم، بمعنى: مجازاة الله عز وجل مخفي الصدقة بتكفير بعض سيئاته بصدقته التي أخفاها.

                              وأولى القراءات في ذلك عندنا بالصواب قراءة من قرأ: «وَنُكَفِّرْ عَنْكُمْ» بالنون وجزم الحرف، على معنى الخبر من الله عن نفسه أنه يجازي المخفي صدقته من التطوّع ابتغاء وجهه من صدقته بتكفير سيئاته. وإذا قرىء كذلك فهو مجزوم على موضع الفاء في قوله: { فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ } لأن الفاء هنالك حلت محلّ جواب الجزاء.

                              فإن قال لنا قائل: وكيف اخترت الجزم على النسق على موضع الفاء، وتركت اختيار نسقه على ما بعد الفاء، وقد علمت أن الأفصح من الكلام في النسق على جواب الجزاء الرفع، وإنما الجزم تجويز؟ قيل: اخترنا ذلك ليؤذن بجزمه أن التكفير، أعني تكفير الله من سيئات المصدّق لا محالة داخل فيما وعد الله المصدّق أن يجازيه به على صدقته، لأن ذلك إذا جزم مؤذن بما قلنا لا محالة، ولو رفع كان قد يحتمل أن يكون داخلاً فيما وعده الله أن يجازيه به، وأن يكون خبراً مستأنفاً أنه يكفر من سيئات عباده المؤمنين على غير المجازاة لهم بذلك على صدقاتهم، لأن ما بعد الفاء في جواب الجزاء استئناف، فالمعطوف على الخبر المستأنف في حكم المعطوف عليه في أنه غير داخل في الجزاء، ولذلك من العلة اخترنا جزم نكفر عطفاً به على موضع الفاء من قوله: { فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ } وقراءته بالنون.

                              فإن قال قائل: وما وجه دخول «مِنْ» في قوله: { وَنُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ }؟ قيل: وجه دخولها في ذلك بمعنى: ونكفر عنكم من سيئاتكم ما نشاء تكفيره منها دون جميعها، ليكون العباد على وجل من الله فلا يتكلوا على وعده ما وعد على الصدقات التي يخفيها المتصدّق فيجتزؤا على حدوده ومعاصيه.

                              وقال بعض نحويي البصرة: معنى «مِنْ» الإسقاط من هذا الموضع، ويتأوّل معنى ذلك: ونكفر عنكم سيئاتكم.

                              تعليق

                              • اسامة محمد خيري
                                Registered User
                                • Dec 2008
                                • 12975

                                #105
                                حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: { تَعْرِفُهُم بِسِيمَـظ°هُمْ } قال: السيـما: رثاثة ثـيابهم، والـجوع خفـيّ علـى الناس، ولـم تستطع الثـياب التـي يخرجون فـيها تـخفـى علـى الناس.

                                وأول الأقوال فـي ذلك بـالصواب: أن يقال: إن الله عزّ وجلّ أخبر نبـيه صلى الله عليه وسلم أنه يعرفهم بعلاماتهم وآثار الـحاجة فـيهم. وإنـما كان النبـيّ صلى الله عليه وسلم يدرك تلك العلامات والآثار منهم عند الـمشاهدة بـالعيان، فـيعرفهم وأصحابه بها، كما يدرك الـمريض فـيعلـم أنه مريض بـالـمعاينة.

                                وقد يجوز أن تكون تلك السيـما كانت تـخشعاً منهم، وأن تكون كانت أثر الـحاجة والضرّ، وأن تكون كانت رثاثة الثـياب، وأن تكون كانت جميع ذلك، وإنـما تدرك علامات الـحاجة وآثار الضرّ فـي الإنسان، ويعلـم أنها من الـحاجة والضرّ بـالـمعاينة دون الوصف، وذلك أن الـمريض قد يصير به فـي بعض أحوال مرضه من الـمرض نظير آثار الـمـجهود من الفـاقة والـحاجة، وقد يـلبس الغنـيّ ذو الـمال الكثـير الثـياب الرثة، فـيتزيا بزيّ أهل الـحاجة، فلا يكون فـي شيء من ذلك دلالة بـالصفة علـى أن الـموصوف به مختلّ ذو فـاقة، وإنـما يدري ذلك عند الـمعاينة بسيـماه، كما وصفهم الله نظير ما يعرف أنه مريض عند الـمعاينة دون وصفه بصفته.

                                تعليق

                                يعمل...