وأولـى هذه الأقوال بـالصواب فـي تأويـل قوله: { لاَ تَحْسَبَنَّ ظ±لَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْاْ }... الآية، قول من قال: عنـي بذلك أهل الكتاب الذين أخبر الله جلّ وعزّ أنه أخذ ميثاقهم، لـيبـيننّ للناس أمر مـحمد صلى الله عليه وسلم، ولا يكتـمونه، لأن قوله: { لاَ تَحْسَبَنَّ ظ±لَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْاْ }... الآية فـي سياق الـخبر عنهم، وهو شبـيه بقصتهم مع اتفـاق أهل التأويـل علـى أنهم الـمعنـيون بذلك، فإذ كان ذلك كذلك، فتأويـل الآية: لا تـحسبن يا مـحمد الذين يفرحون بـما أتوا من كتـمانهم الناس أمرك، وأنك لـي رسول مرسل بـالـحقّ، وهم يجدونك مكتوبـاً عندهم فـي كتبهم، وقد أخذت علـيهم الـميثاق بـالإقرار بنبوّتك، وبـيان أمرك للناس، وأن لا يكتـموهم ذلك، وهم مع نقضهم ميثاقـي الذي أخذت علـيهم بذلك، يفرحون بـمعصيتهم إياي فـي ذلك، ومخالفتهم أمري، ويحبون أن يحمدهم الناس بأنهم أهل طاعة لله وعبـادة وصلاة وصوم، واتبـاع لوحيه، وتنزيـله الذي أنزله علـى أنبـيائه، وهم من ذلك أبرياء أخـلـياء لتكذيبهم رسوله، ونقضهم ميثاقه الذي أخذ علـيهم، لـم يفعلوا شيئاً مـما يحبون أن يحمدهم الناس علـيه، فلا تـحسبنهم بـمفـازة من العذاب، ولهم عذاب ألـيـم. وقوله: { فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مّنَ ظ±لْعَذَابِ } فلا تظنهم بـمنـجاة من عذاب الله الذي أعدّه لأعدائه فـي الدنـيا من الـخسف والـمسخ والرجف والقتل، وما أشبه ذلك من عقاب الله، ولا هم ببعيد منه
إرشاد النحرير لترجيحات الامام ابن جرير
تقليص
X
-
-
وقال آخرون: معنى ذلك: ربنا إنك من تدخـل النار من مخـلد فـيها وغير مخـلد فـيها، فقد أخزي بـالعذاب. ذكر من قال ذلك:
حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا الـحرث بن مسلـم، عن يحيـى بن عمرو بن دينار، قال: قدم علـينا جابر بن عبد الله فـي عمرة، فـانتهيت إلـيه أنا وعطاء، فقلت: { رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ظ±لنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ }؟ قال: وما إخزاؤه حين أحرقه بـالنار! وإن دون ذلك لـخزياً.
وأولـى القولـين بـالصواب عندي قول جابر: إن من أدخـل النار فقد أخزي بدخوله إياها، وإن أخرج منها. وذلك أن الـخزي إنـما هو هتك ستر الـمخزي وفضيحته، ومن عاقبه ربه فـي الآخرة علـى ذنوبه، فقد فضحه بعقابه إياه، وذلك هو الـخزي.تعليق
-
حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: { رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِى لِلإِيمَـظ°نِ } قال: ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأولـى القولـين فـي ذلك بـالصواب قول مـحمد بن كعب، وهو أن يكون الـمنادي القرآن؛ لأن كثـيراً مـمن وصفهم الله بهذه الصفة فـي هذه الآيات لـيسوا مـمن رأى النبـي صلى الله عليه وسلم ولا عاينه، فسمعوا دعاءه إلـى الله تبـارك وتعالـى ونداءه، ولكنه القرآن. وهو نظير قوله جلّ ثناؤه مخبراً عن الـجن إذ سمعوا كلام الله يتلـى علـيهم أنهم قالوا:
{ إنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَبَاً يَهْدِى إِلَى ظ±لرُّشْدِ }
[]. وبنـحو ذلك:
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِى لِلإِيمَـظ°نِ } إلـى قوله: { وَتَوَفَّنَا مَعَ ظ±لاْبْرَارِ } سمعوا دعوة من الله فأجابوها، فأحسنوا الإجابة فـيها، وصبروا علـيها، ينبئكم الله عن مؤمن الإنس كيف قال، وعن مؤمن الـجنّ كيف قال. فأما مؤمن الـجنّ، فقال:
{ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً * يَهْدِيغ¤ إِلَى ظ±لرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَداً }
[الجن: 1-2]؛ وأما مؤمن الإنس، فقال: { إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِى لِلإِيمَـظ°نِ أَنْ ءامِنُواْ بِرَبّكُمْ فَـئَامَنَّا رَبَّنَا فَظ±غْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنا }... الآية.تعليق
-
{ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىظ° رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ ظ±لْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ ظ±لْمِيعَادَ }
إن قال لنا قائل: وما وجه مسألة هؤلاء القوم ربهم أن يؤتـيهم ما وعدهم، وقد علـموا أن الله منـجز وعده، وغير جائز أن يكون منه إخلاف موعد؟ قـيـل: اختلف فـي ذلك أهل البحث، فقال بعضهم: ذلك قول خرج مخرج الـمسألة، ومعناه الـخبر، قالوا: وإنـما تأويـل الكلام: ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيـمان أن آمنوا بربكم فآمنا، ربنا فـاغفر لنا ذنوبنا، وكفر عنا سيئاتنا، وتوفنا مع الأبرار، لتؤتـينا ما وعدتنا علـى رسلك، ولا تـخزنا يوم القـيامة، قالوا: ولـيس ذلك علـى أنهم قالوا: إن توفـيتنا مع الأبرار فـانـجز لنا ما وعدتنا لأنهم قد علـموا أن الله لا يخـلف الـميعاد، وأن ما وعد علـى ألسنة رسله لـيس يعطيه بـالدعاء، ولكنه تفضل بإيتائه، ثم ينـجزه.
وقال آخرون: بل ذلك قول من قائله علـى معنى الـمسألة والدعاء لله، بأن يجعلهم مـمن آتاهم ما وعدهم من الكرامة علـى ألسن رسله، لا أنهم كانوا قد استـحقوا منزلة الكرامة عند الله فـي أنفسهم، ثم سألوه أن يؤتـيهم ما وعدهم بعد علـمهم بـاستـحقاقهم عند أنفسهم، فـيكون ذلك منهم مسألة لربهم أن لا يخـلف وعده، قالوا: ولو كان القوم إنـما سألوا ربهم أن يؤتـيهم ما وعد الأبرار، لكانوا قد زكوا أنفسهم، وشهدوا لها أنها مـمن قد استوجب كرامة الله وثوابه، قالوا: ولـيس ذلك صفة أهل الفضل من الـمؤمنـين.
وقال آخرون: بل قالوا هذا القول علـى وجه الـمسألة، والرغبة منهم إلـى الله أن يؤتـيهم ما وعدهم من النصر علـى أعدائهم من أهل الكفر، والظفر بهم، وإعلاء كلـمة الـحق علـى البـاطل، فـيعجل ذلك لهم، قالوا: ومـحال أن يكون القوم مع وصف الله إياهم بـما وصفهم به كانوا علـى غير يقـين من أن الله لا يخـلف الـميعاد، فـيرغبوا إلـى الله جل ثناؤه فـي ذلك، ولكنهم كانوا وعدوا النصر، ولـم يوقت لهم فـي تعجيـل ذلك لهم، لـما فـي تعجله من سرور الظفر وراحة الـجسد.
والذي هو أولـى الأقوال بـالصواب فـي ذلك عندي: أن هذه الصفة، صفة من هاجر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من وطنه وداره، مفـارقاً لأهل الشرك بـالله إلـى الله ورسوله، وغيرهم من تبـاع رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين رغبوا إلـى الله فـي تعجيـل نصرتهم علـى أعداء الله وأعدائهم، فقالوا: ربنا آتنا ما وعدتنا من نصرتك علـيهم عاجلاً، فإنك لا تـخـلف الـميعاد، ولكن لا صبر لنا علـى أناتك وحلـمك عنهم، فعجل حربهم، ولنا الظفر علـيهم. يدل علـى صحة ذلك آخر الآية الأخرى، وهو قوله:
{ فَظ±سْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىظ° بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَظ±لَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَـظ°رِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَـظ°تَلُواْ وَقُتِلُواْ }
آل عمران: 195]... الآيات بعدها. ولـيس ذلك مـما ذهب إلـيه الذين حكيت قولهم فـي شيء، وذلك أنه غير موجود فـي كلام العرب أن يقال: افعل بنا يا رب كذا وكذا، بـمعنى: افعل بنا لكذا الذي ولو جاز ذلك، لـجاز أن يقول القائل لآخر: أقبل إلـيّ وكلـمنـي، بـمعنى: أقبل إلـيّ لتكلـمنـي، وذلك غير موجود فـي الكلام، ولا معروف جوازه، وكذلك أيضاً غير معروف فـي الكلام: آتنا ما وعدتنا، بـمعنى: اجعلنا مـمن آتـيته ذلك وإن كان كلّ من أعطى شيئاً سنـياً فقد صير نظيراً لـمن كان مثله فـي الـمعنى الذي أعطيه، ولكن لـيس الظاهر من معنى الكلام ذلك، وإن كان قد يؤول معناه إلـيه.
فتأويـل الكلام إذًا: ربنا أعطنا ما وعدتنا علـى ألسن رسلك أنك تعلـى كلـمتك كلـمة الـحق، بتأيـيدنا علـى من كفر بك وحادّك وعبد غيرك، وعجِّل لنا ذلك، فإنا قد علـمنا أنك لا تـخـلف ميعادك، ولا تـخزنا يوم القـيامة، فتفضحنا بذنوبنا التـي سلكت منا، ولكن كفّرها عنا واغفرها لنا. وقد:
حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قوله: { رَبَّنَا وَءاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىظ° رُسُلِكَ } قال: يستنـجز موعود الله علـى رسله.تعليق
-
وأولـى هذه الأقوال بتأويـل الآية ما قاله مـجاهد، وذلك أن الله جلّ ثناؤه عمّ بقوله: { وَإِن مِّنْ أَهْلِ ظ±لْكِتَـظ°بِ } أهل الكتاب جميعاً، فلـم يخصص منهم النصارى دون الـيهود، ولا الـيهود دون النصارى، وإنـما أخبر أن من أهل الكتاب من يؤمن بـالله، وكلا الفريقـين، أعنـي الـيهود والنصارى، من أهل الكتاب.
فإن قال قائل: فما أنت قائل فـي الـخبر الذي رويت عن جابر وغيره أنها نزلت فـي النـجاشي وأصحابه؟ قـيـل: ذلك خبر فـي إسناده نظر، ولو كان صحيحاً لا شكّ فـيه لـم يكن لـما قلنا فـي معنى الآية بخلاف، وذلك أن جابراً ومن قال بقوله إنـما قالوا: نزلت فـي النـجاشي، وقد تنزل الآية فـي الشيء ثم يعمّ بها كلّ من كان فـي معناه. فـالآية وإن كانت نزلت فـي النـجاشي، فإن الله تبـارك وتعالـى قد جعل الـحكم الذي حكم به للنـجاشي حكماً لـجميع عبـاده الذين هم بصفة النـجاشي فـي اتبـاعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والتصديق بـما جاءهم به من عند الله، بعد الذي كانوا علـيه قبل ذلك من اتبـاع أمر الله فـيـما أمر به عبـاده فـي الكتابـين: التوراة والإنـجيـل. فإذا كان ذلك كذلك، فتأويـل الآية: وإن من أهل الكتاب التوراة والإنـجيـل لـمن يؤمن بـالله، فـيقرّ بوحدانـيته، وما أنزل إلـيكم أيها الـمؤمنون، يقول: وما أنزل إلـيكم من كتابه ووحيه، علـى لسان رسوله مـحمد صلى الله عليه وسلم، وما أنزل إلـيهم، يعنـي: وما أنزل علـى أهل الكتاب من الكتب، وذلك التوراة والإنـجيـل والزبور، خاشعين لله، يعنـي: خاضعين لله بـالطاعة، مستكينـين له بها متذللـينتعليق
-
وقال آخرون: معنى ذلك: اصبروا علـى الـجهاد، وصابروا عدوّكم ورابطوهم. ذكر من قال ذلك:
حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا جعفر بن عون، قال: أخبرنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلـم فـي قوله: { ظ±صْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ } قال: اصبروا علـى الـجهاد، وصابروا عدوّكم، ورابطوا علـى عدوّكم.
حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا مطرف بن عبد الله الـمرّي، قال: ثنا مالك بن أنس، عن زيد بن أسلـم، قال: كتب أبو عبـيدة بن الـجراح إلـى عمر بن الـخطاب، فذكر له جموعاً من الروم وما يتـخوّف منهم، فكتب إلـيه عمر: أما بعد، فإنه مهما نزل بعبد مؤمن منزلة شدة يجعل الله بعدها فرجاً، وإنه لن يغلب عسر يسرين، وإن الله يقول فـي كتابه: { يَـأَيُّهَا ظ±لَّذِينَ ءامَنُواْ ظ±صْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَظ±تَّقُواْ ظ±للَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }.
وقال آخرون: معنى: { وَرَابِطُواْ }: أي رابطوا علـى الصلوات: أي انتظروها واحدة بعد واحدة.
....وكذلك قوله { وَرَابِطُواْ } معناه: ورابطوا أعداءكم وأعداء دينكم من أهل الشرك فـي سبـيـل الله. وأرى أنّ أصل الربـاط: ارتبـاط الـخيـل للعدوّ، كما ارتبط عدوّهم لهم خيـلهم، ثم استعمل ذلك فـي كل مقـيـم فـي ثغر، يدفع عمن وراءه من أراده من أعدائهم بسوء، ويحمي عنهم من بـينه وبـينهم، مـمن بغاهم بشرّ كان ذا خيـل قد ارتبطها، أو ذا رُجْلة لا مركب له.
وإنـما قلنا: معنى { وَرَابِطُواْ }: ورابطوا أعداءكم وأعداء دينكم، لأن ذلك هو الـمعنى الـمعروف من معانـي الربـاط. وإنـما توجه الكلام إلـى الأغلب الـمعروف فـي استعمال الناس من معانـيه دون الـخفـيّ، حتـى يأتـي بخلاف ذلك ما يوجب صرفه إلـى الـخفـيّ من معانـيه حجةٌ يجب التسلـيـم لها من كتاب أو خبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم، أو إجماع من أهل التأويـل.تعليق
-
سورة النساء
قال أبو جعفر: وعلـى هذا التأويـل قرأ ذلك من قرأه نصبـاً، بـمعنى: واتقوا الله الذي تساءلون به، واتقوا الأرحام أن تقطعوها، عطفـاً بـالأرحام فـي إعرابها بـالنصب علـى اسم الله تعالـى ذكره. قال: والقراءة التـي لا نستـجيز للقارىء أن يقرأ غيرها فـي ذلك النصب: { وَظ±تَّقُواْ ظ±للَّهَ ظ±لَّذِى تَسَاءلُونَ بِهِ وَظ±لأَرْحَامَ } بـمعنى: واتقوا الأرحام أن تقطعوها، لـما قد بـينا أن العرب لا تعطف بظاهر من الأسماء علـى مكنـيّ فـي حال الـخفض، إلا فـي ضرورة شعر، علـى ما قد وصفت قبل.تعليق
-
قال أبو جعفر: وأولـى هذه الأقوال بتأويـل الآية قول من قال: تأويـل ذلك: ولا تتبدّلوا أموال أيتامكم أيها الأوصياء الـحرام علـيكم الـخبـيث لكم، فتأخذوا رفـائعها وخيارها وجيادها «بـالطيب الـحلال لكم من أموالكم» { وتـجعلوا } الرديء الـخسيس بدلاً منه.
وذلك أن تَبَدّل الشيء بـالشيء فـي كلام العرب أخذ شيء مكان آخر غيره، يعطيه الـمأخوذ منه، أو يجعله مكان الذي أخذ. فإذا كان ذلك معنى التبديـل والاستبدال، فمعلوم أن الذي قاله ابن زيد من أن معنى ذلك: هو أخذ أكبر ولد الـميت جميع مال ميته ووالده دون صغارهم إلـى ماله، قول لا معنى له، لأنه إذا أخذ الأكبر من ولده جميع ماله دون الأصاغر منهم، فلـم يستبدل مـما أخذ شيئاً. فما التبدّل الذي قال جلّ ثناؤه: { أَمْوظ°لَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ ظ±لْخَبِيثَ بِظ±لطَّيّبِ } ولـم يبدّل الآخذ مكان الـمأخوذ بدلاً؟ وأما الذي قاله مـجاهد وأبو صالـح من أن معنى ذلك لا تتعجل الرزق الـحرام قبل مـجيء الـحلال، فإنهما أيضاً إن لـم يكونا أرادا بذلك نـحو القول الذي روي عن ابن مسعود أنه قال: إن الرجل لـيحرم الرزق بـالـمعصية يأتـيها، ففساده نظير فساد قول ابن زيد، لأن من استعجل الـحرام فأكله، ثم آتاه الله رزقه الـحلال فلـم يبدّل شيئاً مكان شيء، وإن كانا أرادا بذلك أن الله جلّ ثناؤه نهى عبـاده أن يستعجلوا الـحرام فـيأكلوه قبل مـجيء الـحلال، فـيكون أكلهم ذلك سببـاً لـحرمان الطيب منه، فذلك وجه معروف، ومذهب معقول يحتـمله التأويـل، غير أن الأشبه فـي ذلك بتأويـل الآية ما قلنا، لأن ذلك هو الأظهر من معانـيه، لأن الله جلّ ثناؤه إنـما ذكر ذلك فـي قصة أموال الـيتامى وأحكامها، فلا يكون ذلك من جنس حكم أوّل الآية، فأخرجها من أن يكون من غير جنسه.تعليق
-
قال أبو جعفر: وأولـى الأقوال التـي ذكرناها فـي ذلك بتأويـل الآية قول من قال: تأويـلها: وإن خفتـم ألا تقسطوا فـي الـيتامى، فكذلك فخافوا فـي النساء، فلا تنكحوا منهنّ إلا ما لا تـخافون أن تـجوروا فـيه منهنّ من واحدة إلا الأربع، فإن خفتـم الـجور فـي الواحدة أيضاً فلا تنكحوها، ولكن علـيكم بـما ملكت أيـمانكم، فإنه أحرى أن لا تـجوروا علـيهنّ.
وإنـما قلنا: إن ذلك أولـى بتأويـل الآية، لأن الله جلّ ثناؤه افتتـح الآية التـي قبلها بـالنهي عن أكل أموال الـيتامى بغير حقها، وخـلطها بغيرها من الأموال، فقال تعالـى ذكره:
{ وَءاتُواْ ظ±لْيَتَـظ°مَىظ° أَمْوظ°لَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ ظ±لْخَبِيثَ بِظ±لطَّيّبِ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوظ°لَهُمْ إِلَىظ° أَمْوظ°لِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً }
[النساء: 2]. ثم أعلـمهم أنهم إن اتقوا الله فـي ذلك فتـحرّجوا فـيه، فـالواجب علـيهم من اتقاء الله، والتـحرّج فـي أمر النساء مثل الذي علـيهم من التـحرّج فـي أمر الـيتامى، وأعلـمهم كيف التـخـلص لهم من الـجور فـيهنّ، كما عرّفهم الـمخـلص من الـجور فـي أموال الـيتامى، فقال: انكحوا إن أمنتـم الـجور فـي النساء علـى أنفسكم، ما أبحت لكم منهنّ وحللته، مثنى وثلاث وربـاع، فإن خفتـم أيضاً الـجور علـى أنفسكم فـي أمر الواحدة بأن تقدروا علـى إنصافها، فلا تنكحوها، ولكن تسرّوا من الـمـمالـيك، فإنكم أحرى أن لا تـجوروا علـيهنّ، لأنهنّ أملاككم وأموالكم، ولا يـلزمكم لهنّ من الـحقوق كالذي يـلزمكم للـحرائر، فـيكون ذلك أقرب لكم إلـى السلامة من الإثم والـجور، ففـي الكلام إذ كان الـمعنى ما قلنا، متروك استغنى بدلالة ما ظهر من الكلام عن ذكره. وذلك أن معنى الكلام: وإن خفتـم ألا تقسطوا فـي أموال الـيتامى فتعدّلوا فـيها، فكذلك فخافوا ألا تقسطوا فـي حقوق النساء التـي أوجبها الله علـيكم، فلا تتزّوّجوا منهنّ إلا ما أمنتـم معه الـجور، مثنى وثلاث وربـاع، وإن خفتـم أيضاً فـي ذلك فواحدة، وإن خفتـم فـي الواحدة فما ملكت أيـمانكم فترك ذكر قوله فكذلك فخافوا أن تقسطوا فـي حقوق النساء بدلالة ما ظهر من قوله تعالـى: { فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوظ°حِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـظ°نُكُمْ }.
فإن قال قائل: فأين جواب قوله: { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِى ظ±لْيَتَـظ°مَىظ° }؟ قـيـل: قوله: { فَظ±نكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ } غير أن الـمعنى الذي يدلّ علـى أن الـمراد بذلك ما قلنا: قوله: { فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوظ°حِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـظ°نُكُمْ ذظ°لِكَ أَدْنَىظ° أَلاَّ تَعُولُواْ }....تعليق
-
قال أبو جعفر: وأولـى التأويلات التـي ذكرناها فـي ذلك التأويـل الذي قلناه، وذلك أن الله تبـارك وتعالـى ابتدأ ذكر هذه الآية بخطاب الناكحين النساء، ونهاهم عن ظلـمهنّ والـجور علـيهنّ، وعرفهم سبـيـل النـجاة من ظلـمهنّ؛ ولا دلالة فـي الآية علـى أن الـخطاب قد صرف عنهم إلـى غيرهم. فإذا كان ذلك كذلك، فمعلوم أن الذين قـيـل لهم:
{ فَظ±نكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ظ±لنِّسَآءِ مَثْنَىظ° وَثُلَظ°ثَ وَرُبَظ°عَ }
[النساء: 3] هم الذين قـيـل لهم: { وَءاتُواْ ظ±لنِّسَاءَ صَدُقَـظ°تِهِنَّ } وأن معناه: وآتوا من نكحتـم من النساء صدقاتهنّ نـحلة، لأنه قال فـي الأوّل:
{ فَظ±نكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ظ±لنِّسَآءِ }
[النساء: 3] ولـم يقل: فـانكحوا، فـيكون قوله: { وَءاتُواْ ظ±لنِّسَاءَ صَدُقَـظ°تِهِنَّ } مصروفـاً إلـى أنه معنـيّ به أولـياء النساء دون أزواجهنّ، وهذا أمر من الله أزواج النساء الـمدخول بهنّ والـمسمى لهنّ الصداق أن يؤتوهنّ صدقاتهنّ دون الـمطلقات قبل الدخول مـمن لـم يسمّ لها فـي عقد النكاح صداق.تعليق
-
قال أبو جعفر: والصواب من القول فـي تأويـل ذلك عندنا أن الله جلّ ثناؤه عمّ بقوله: { وَلاَ تُؤْتُواْ ظ±لسُّفَهَاءَ أَمْوظ°لَكُمُ } فلـم يخصص سفـيهاً دون سفـيه، فغير جائز لأحد أن يؤتـي سفـيهاً ماله صبـياً صغيراً كان أو رجلاً كبـيراً ذكرا كان أو أنثى، والسفـيه الذي لا يجوز لولـيه أن يؤتـيه ماله، هو الـمستـحقّ الـحجر بتضيـيعه ماله وفساده وإفساده وسوء تدبـيره ذلك.
وإنا قلنا ما قلنا من أن الـمعنـيّ بقوله: { وَلاَ تُؤْتُواْ ظ±لسُّفَهَاءَ } هو من وصفنا دون غيره، لأن الله جلّ ثناؤه قال فـي الآية التـي تتلوها:
{ وَظ±بْتَلُواْ ظ±لْيَتَامَىظ° حَتَّىظ° إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً فَظ±دْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ }
[النساء: 6] فأمر أولـياء الـيتامى بدفع أموالهم إلـيهم إذا بلغوا النكاح وأونس منهم الرشد، وقد يدخـل فـي الـيتامى الذكور والإناث، فلـم يخصص بـالأمر يدفع مالهم من الأموال الذكور دون الإناث، ولا الإناث دون الذكور. وإذا كان ذلك كذلك، فمعلوم أن الذين أمر أولـياؤهم بدفعهم أموالهم إلـيهم، وأجيز للـمسلـمين مبـايعتهم، ومعاملتهم غير الذين أمر أولـياؤهم بـمنعهم أموالهم، وحظر علـى الـمسلـمين مداينتهم ومعاملتهم، فإذ كان ذلك كذلك، فبـين أن السفهاء الذين نهى الله الـمؤمنـين أن يؤتوهم أموالهم، هم الـمستـحقون الـحجر، والـمستوجبون أن يولـى علـيهم أموالهم، وهم من وصفنا صفتهم قبل، وأن من عدا ذلك، فغير سفـيه، لأن الـحجر لا يستـحقه من قد بلغ، وأونس رشده. وأما قول من قال: عنى بـالسفهاء النساء خاصة، فإنه جعل اللغة علـى غير وجهها، وذلك أن العرب لا تكاد تـجمع فعيلاً علـى فعلاء، إلا فـي جمع الذكور، أو الذكور والإناث؛ وأما إذا أرادوا جمع الإناث خاصة لا ذكران معهم، جمعوه علـى فعائل وفعيلات، مثل غريبة تـجمع غرائب وغريبـات؛ فأما الغربـاء فجمع غريب.تعليق
-
حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج: { فإنْ ءَانَسْتُم مِنْهُمْ رُشْداً } قال: صلاحاً وعلـماً بـما يصلـحه.
قال أبو جعفر: وأولـى هذه الأقوال عندي بـمعنى الرشد فـي هذا الـموضع: العقل وإصلاح الـمال؛ لإجماع الـجميع علـى أنه إذا كان كذلك لـم يكن مـمن يستـحقّ الـحجر علـيه فـي ماله، وحوز ما فـي يده عنه، وإن كان فـاجراً فـي دينه. وإذ كان ذلك إجماعاً من الـجميع، فكذلك حكمه إذا بلغ وله مال فـي يدي وصي أبـيه أو فـي يد حاكم قد ولـي ماله لطفولته، واجب علـيه تسلـيـم ماله إلـيه، إذا كان عاقلاً بـالغاً، مصلـحاً لـماله، غير مفسد؛ لأن الـمعنى الذي به يستـحقّ أن يولـي علـى ماله الذي هو فـي يده، هو الـمعنى الذي به يستـحقّ أن يـمنع يده من ماله الذي هو فـي يد ولـيّ، فإنه لا فرق بـين ذلك. وفـي إجماعهم علـى أنه غير جائز حيازة ما فـي يده فـي حال صحة عقله وإصلاح ما فـي يده، الدلـيـلُ الواضح علـى أنه غير جائز منع يده مـما هو له فـي مثل ذلك الـحال، وإن كان قبل ذلك فـي يد غيره لا فرق بـينهما. ومن فرق بـين ذلك عكس علـيه القول فـي ذلك، وسئل الفرق بـينهما من أصل أو نظير، فلن يقول فـي أحدهما قولاً إلا ألزم فـي الآخر مثله. فإن كان ما وصفنا من الـجميع إجماعاً، فبـين أن الرشد الذي به يستـحقّ الـيتـيـم إذا بلغ فأونس منه دفع ماله إلـيه، ما قلنا من صحة عقله وإصلاح ماله....
قال أبو جعفر: وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب، قول من قال بـالـمعروف الذي عناه الله تبـارك وتعالـى فـي قوله: { وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِظ±لْمَعْرُوفِ }: أكل مال الـيتـيـم عند الضرورة والـحاجة إلـيه علـى وجه الاستقراض منه، فأما علـى غير ذلك الوجه، فغير جائز له أكله. وذلك أن الـجميع مـجمعون علـى أن والـي الـيتـيـم لا يـملك من مال يتـيـمه إلا القـيام بـمصلـحته. فلـما كان إجماعاً منهم أنه غير مالكه، وكان غير جائز لأحد أن يستهلك مال أحد غيره، يتـيـماً كان ربّ الـمال أو مدركاً رشيداً، وكان علـيه إن تعدّى فـاستهلكه بأكل أو غيره ضمانه لـمن استهلكه علـيه بإجماع من الـجميع، وكان والـي الـيتـيـم سبـيـله سبـيـل غيره فـي أنه لا يـملك مال يتـيـمه، كان كذلك حكمه فـيـما يـلزمه من قضائه إذا أكل منه سبـيـله سبـيـل غيره وإن فـارقه فـي أن له الاستقراض منه عند الـحاجة إلـيه كما له الاستقراض علـيه عند حاجته إلـى ما يستقرض علـيه إذا كان قـيـماً بـما فـيه مصلـحته، ولا معنى لقول من قال: إنـما عنى بـالـمعروف فـي هذا الـموضع أكل والـي الـيتـيـم، من مال الـيتـيـم؛ لقـيامه علـى وجه الاعتـياض علـى عمله وسعيه، لأن الوالـي الـيتـيـم أن يؤاجر نفسه منه للقـيام بأموره إذا كان الـيتـيـم مـحتاجاً إلـى ذلك بأجرة معلومة، كما يستأجر له غيره من الأجراء، وكما يشتري له من نصيبه غنـياً كان الوالـي أو فقـيراً.
وإذا كان ذلك كذلك، وكان الله تعالـى ذكره قد دلّ بقوله: { وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِظ±لْمَعْرُوفِ } علـى أنه أكل مال الـيتـيـم إنـما أذن لـمن أذن له من ولاته فـي حال الفقر والـحاجة، وكانت الـحال التـي للولاة أن يؤجروا أنفسهم من الأيتام مع حاجة الأيتام إلـى الأجراء، غير مخصوص بها حال غنى ولا حال فقر، كان معلوماً أن الـمعنى الذي أبـيح لهم من أموال أيتامهم فـي كلّ أحوالهم، غير الـمعنى الذي أبـيح لهم ذلك فـيه فـي حال دون حال. ومن أبى ما قلنا مـمن زعم أن لولـيّ الـيتـيـم أكل مال يتـيـمه عند حاجته إلـيه علـى غير وجه القرض استدلالاً بهذه الآية، قـيـل له: أمـجمع علـى أن الذي قلت تأويـل قوله: { وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِظ±لْمَعْرُوفِ }؟ فإن قال لا، قـيـل له: فما برهانك علـى أن ذلك تأويـله، وقد علـمت أنه غير مالك مال يتـيـمه؟ فإن قال: لأن الله أذن له بأكله، قـيـل له: أذن له بأكله مطلقاً، أم بشرط؟ فإن قال بشرط، وهو أن يأكله بـالـمعروف، قـيـل له: وما ذلك الـمعروف وقد علـمت القائلـين من الصحابة والتابـيعن ومن بعدهم من الـخالفـين إن ذلك هو أكله قرضاً وسلفـاً؟ ويقال لهم أيضاً مع ذلك: أرأيت الـمولـى علـيهم فـي أموالهم من الـمـجانـين والـمعاتـيه ألولاة أموالهم أن يأكلوا من أموالهم عند حاجتهم إلـيه علـى غير وجه القرض لا الاعتـياض من قـيامهم بها، كما قلتـم ذلك فـي أموال الـيتامى فأبحتـموها لهم؟ فإن قالوا ذلك لهم، خرجوا من قول جميع الـحجة، وإن قالوا لـيس ذلك لهم، قـيـل لهم: فما الفرق بـين أموالهم وأموال الـيتامى وحكم ولاتهم واحد فـي أنهم ولاة أموال غيرهم؟ فلن يقولوا فـي أحدهما شيئاً إلا ألزموا فـي الآخر مثله. ويسألون كذلك عن الـمـحجور علـيه، هل لـمن يـلـي ماله أن يأكل ماله عند حاجته إلـيه؟ نـحو سؤالناهم عن أموال الـمـجانـين والـمعاتـيه....
حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال:قال ابن زيد فـي قوله: { وَإِذَا حَضَرَ ظ±لْقِسْمَةَ أُوْلُواْ ظ±لْقُرْبَىظ° وَظ±لْيَتَـظ°مَىظ° وَظ±لْمَسَـظ°كِينُ } قال: القسمة: الوصية، كان الرجل إذا أوصى قالوا: فلان يقسم ماله، فقال: ارزقوهم منه، يقول: أوصوا لهم، يقول للذي يوصي: { وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً } فإن لـم توصوا لهم، فقولوا لهم خيراً.
قال أبو جعفر: وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصحة قول من قال: هذه الآية مـحكمة غير منسوخة، وإنـما عنى بها: الوصية لأولـي قربى الـموصي، وعنى بـالـيتامى والـمساكين أن يقال لهم قول معروف.
وإنـما قلنا ذلك أولـى بـالصحة من غيره لـما قد بـينا فـي غير موضع من كتابنا هذا وغيره، أن شيئاً من أحكام الله تبـارك وتعالـى التـي أثبتها فـي كتابه أو بـينها علـى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم غير جائز فـيه أن يقال له ناسخ لـحكم آخر، أو منسوخ بحكم آخر، إلا والـحكمان اللذان قضى لأحدهما بأنه ناسخ، والآخر بأنه منسوخ ناف كل واحد منهما صاحبه، غير جائز اجتـماع الـحكم بهما فـي وقت واحد بوجه من الوجوه، وإن كان جائزاً صرفه إلـى غير النسخ، أو يقوم بأن أحدهما ناسخ والآخر منسوخ، حجة يجب التسلـيـم لها. وإذ كان ذلك كذلك لـما قد دللنا فـي غير موضع، وكان قوله تعالـى ذكره: { وَإِذَا حَضَرَ ظ±لْقِسْمَةَ أُوْلُواْ ظ±لْقُرْبَىظ° وَظ±لْيَتَـظ°مَىظ° وَظ±لْمَسَـظ°كِينُ فَظ±رْزُقُوهُمْ مِّنْهُ } مـحتـملاً أن يكون مراداً به: وإذا حضر قسمة مال قاسم ماله بوصية، أولو قرابته والـيتامى والـمساكين، فـارزقوهم منه، يراد: فأوصوا لأولـي قرابتكم الذين لا يرثونكم منه، وقولوا للـيتامى والـمساكين قولاً معروفـاً، كما قال فـي موضع آخر:
{ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ظ±لْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً ظ±لْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَظ±لأَقْرَبِينَ بِظ±لْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى ظ±لْمُتَّقِينَ }
[البقرة: 180] ولا يكون منسوخاً بآية الـميراث لـم يكن لأحد صرفه إلـى أنه منسوخ بآية الـميراث، إذ كان لا دلالة علـى أنه منسوخ بها من كتاب أو سنة ثابتة، وهو مـحتـمل من التأويـل ما بـينا.
وإذ كان ذلك كذلك، فتأويـل قوله: { وَإِذَا حَضَرَ ظ±لْقِسْمَةَ } قسمة الـموصي ماله بـالوصية أولو قرابته والـيتامى والـمساكين، فـارزقوهم منه، يقول: فـاقسموا لهم منه بـالوصية، يعنـي: فأوصوا لأولـي القربى من أموالكم، وقولوا لهم، يعنـي الآخرين وهم الـيتامى والـمساكين، قولاً معروفـاً، يعنـي: يدعى لهم بخير، كما قال ابن عبـاس وسائر من ذكرنا قوله قبل. وأما الذين قالوا: إن الآية منسوخة بآية الـمواريث، والذين قالوا: هي مـحكمة والـمأمور بها ورثة الـميت، فإنهم وجهوا قوله: { وَإِذَا حَضَرَ ظ±لْقِسْمَةَ أُوْلُواْ ظ±لْقُرْبَىظ° وَظ±لْيَتَـظ°مَىظ° وَظ±لْمَسَـظ°كِينُ فَظ±رْزُقُوهُمْ مِّنْهُ } يقول: فأعطوهم منه، وقولوا لهم قولاً معروفـاً. وقد ذكرنا بعض من قال ذلك، وسنذكر بقـية من قال ذلك مـمن لـم نذكره..تعليق
-
قال أبو جعفر: وأولـى التأويلات بـالآية قول من قال: تأويـل ذلك: ولـيخش الذين لو تركوا من خـلفهم ذرية ضعافـاً خافوا علـيهم العيـلة لو كانوا فرّقوا أمولهم فـي حياتهم، أو قسموها وصية منهم بها لأولـي قرابتهم وأهل الـيتـم والـمسكنة، فأبقوا أموالهم لولدهم خشية العيـلة علـيهم بعدهم مع ضعفهم وعجزهم عن الـمطالب، فلـيأمروا من حضروه، وهو يوصي لذوي قرابته ـ وفـي الـيتامى والـمساكين وفـي غير ذلك ـ بـماله بـالعدل، ولـيتقوا الله، ولـيقولوا قولاً سديداً، وهو أن يعرّفوه ما أبـاح الله له من الوصية وما اختاره الـمؤمنون من أهل الإيـمان بـالله وبكتابه وسنته.
وإنـما قلنا ذلك بتأويـل الآية أولـى من غيره من التأويلات لـما قد ذكرنا فـيـما مضى قبل، من أن معنى قوله:
{ وَإِذَا حَضَرَ ظ±لْقِسْمَةَ أُوْلُواْ ظ±لْقُرْبَىظ° وَظ±لْيَتَـظ°مَىظ° وَظ±لْمَسَـظ°كِينُ فَظ±رْزُقُوهُمْ مّنْهُ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً }
[النساء: 8] وإذا حضر القسمة أولو القربى والـيتامى والـمساكين فأوصوا لهم، بـما قد دللنا علـيه من الأدلة. فإذا كان ذلك تأويـل قوله: { وَإِذَا حَضَرَ ظ±لْقِسْمَةَ أُوْلُواْ ظ±لْقُرْبَىظ° وَظ±لْيَتَـظ°مَىظ° وَظ±لْمَسَـظ°كِينُ }... الآية، فـالواجب أن يكون قوله تعالـى ذكره: { وَلْيَخْشَ ظ±لَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ } تأديبـاً منه عبـاده فـي أمر الوصية بـما أذنهم فـيه، إذ كان ذلك عقـيب الآية التـي قبلها فـي حكم الوصية، وكان أظهر معانـيه ما قلنا، فإلـحاق حكمه بحكم ما قبله أولـى مع اشتبـاه معانـيهما من صرف حكمه إلـى غيره بـما هو له غير مشبه.تعليق
-
قل أبو جعفر: والصواب من القول فـي ذلك عندي أن الـمعنـي بقوله: { فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ } اثنان من إخوة الـميت فصاعداً، علـى ما قاله أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم دون ما قاله ابن عبـاس رضي الله عنهما، لنقل الأمة وراثة صحة ما قالوه من ذلك عن الـحجة وإنكارهم ما قاله ابن عبـاس فـي ذلك.
فإن قال قائل: وكيف قـيـل فـي الأخوين إخوة، وقد علـمت أن للأخوين فـي منطق العرب مثالاً لا يشبه مثال الإخوة فـي منطقها؟ قـيـل: إن ذلك وإن كان كذلك، فإن من شأنها التألـيف بـين الكلامين بتقارب معنـيـيهما وإن اختلفـا فـي بعض وجوههما. فلـما كان ذلك كذلك، وكان مستفـيضاً فـي منطقها منتشراً مستعملاً فـي كلامها: ضربت من عبد الله وعمرو رؤوسهما، وأوجعت منهما ظهورهما، وكان ذلك أشدّ استفـاضة فـي منطقها من أن يقال: أوجعت منهما ظهرهما، وإن كان مقولاً: أوجعت ظهرهما كما قال الفرزدق:
بِمَا في فُؤَادَيْنَا مِنَ الحب والهوى فَـيَبْرَأُ مِنْهَاضُ الفُؤَادِ الـمَشَغَّفُ
غير أن ذلك وإن كان مقولاً، فأفصح منه: بـما فـي أفئدتنا، كما قال جلّ ثناؤه: { إِن تَتُوبَا إِلَى ظ±للَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا }. فلـما كان ما وصفت من إخراج كل ما كان فـي الإنسان واحداً إذا ضمّ إلـى الواحد منه آخر من إنسان آخر، فصار اثنـين من اثنـين، فلفظ الـجمع أفصح فـي منطقها وأشهر فـي كلامها، وكان الأخوان شخصين كل واحد منهما غير صاحبه من نفسين مختلفـين أشبه معناهما معنى ما كان فـي الإنسان من أعضائه واحداً لا ثانـي له، فأخرج أنثـيـيهما بلفظ أنثى العضوين اللذين وصفت، فقـيـل إخوة فـي معنى الأخوين، كما قـيـل ظهور فـي معنى الظهرين، وأفواه فـي معنى فموين، وقلوب فـي معنى قلبـين.
...تعليق
-
حدثنـي يحيـى بن إبراهيـم الـمسعودي، قال: ثنا أبـي، عن أبـيه، عن جده، عن الأعمش، عن إسماعيـل بن مسلـم البصري، عن الـحسن، عن عبـادة بن الصامت، قال: كنا جلوساً عند النبـيّ صلى الله عليه وسلم إذ احمّر وجهه، وكان يفعل ذلك إذا نزل علـيه الوحي، فأخذه كهيئة الغَشْي لـما يجد من ثِقل ذلك، فلـما أفـاق قال: " خُذُوا عَنِّـي قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِـيلاً، والبِكْرَانِ يُجْلَدَانِ ويُنْفَـيانِ سَنَةً، والثَّـيِّبـانِ يُجْلَدَانِ وَيُرْجَمانِ "
قال أبو جعفر: وأولـى الأقوال بـالصحة فـي تأويـل قوله: { أَوْ يَجْعَلَ ظ±للَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً } قول من قال السبـيـل التـي جعلها الله جلّ ثناؤه للثـيبـين الـمـحصنـين الرجم بـالـحجارة، وللبكرين جلد مائة، ونفـي سنة لصحة الـخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رجم ولـم يجلد؛ وإجماع الـحجة التـي لا يجوز علـيها فـيـما نقلته مـجمعة علـيه الـخطأ والسهو والكذب؛ وصحة الـخبر عنه، أنه قضى فـي البكرين بجلد مائة، ونفـي سنة، فكان فـي الذي صحّ عنه من تركه، جلد من رجم من الزناة فـي عصره دلـيـل واضح علـى (وهي) الـخبر الذي روي عن الـحسن عن حطان عن عبـادة عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: السبـيـل للثـيب الـمـحصن: الـجلد والرجم. وقد ذكر أن هذه الآية فـي قراءة عبد الله: واللاتـي يأتـين بـالفـاحشة من نسائكم، والعرب تقول: أتـيت أمراً عظيـماً، وبأمر عظيـم، وتكلـمت بكلام قبـيح، وكلاماً قبـيحاً.تعليق
تعليق