إرشاد النحرير لترجيحات الامام ابن جرير

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • اسامة محمد خيري
    Registered User
    • Dec 2008
    • 12975

    #481
    حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: { أو لَـمْ يَرَوْا إلـى ما خَـلَقَ اللّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَـيَّأُ ظِلالُهُ } ما خـلق من كلّ شيء عن يـمينه وشمائله، فلفظ ما لفظ عن الـيـمين والشمائل، قال: ألـم تر أنك إذا صلـيت الفجر كان ما بـين مطلع الشمس إل مغربها ظلاًّ؟ ثم بعث الله علـيه الشمس دلـيلاً، وقبض الله الظلّ.

    وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب أن يقال: إن الله أخبر فـي هذه الآية أن ظلال الأشياء هي التـي تسجد، وسجودها: مَيَلانها ودورانها من جانب إلـى جانب وناحية إلـى ناحية، كما قال ابن عبـاس يقال من ذلك: سجدت النـخـلة إذا مالت، وسجد البعير وأسجد: إذا أميـل للركوب. وقد بـيَّنا معنى السجود فـي غير هذا الـموضع بـما أغنى عن إعادته....

    تعليق

    • اسامة محمد خيري
      Registered User
      • Dec 2008
      • 12975

      #482
      وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب القول الذي اخترناه، وذلك أن الإفراط الذي هو بـمعنى التقديـم، إنـما يقال فـيـمن قدَم مقدمَاً لإصلاح ما يقدم إلـيه إلـى وقت ورود من قدّمه علـيه، ولـيس بـمُقَدَّم من قُدِّم إلـى النار من أهلها لإصلاح شيء فـيها لوارد يرد علـيها فـيها فـيوافقه مصلـحاً، وإنـما تَقَدّم مَن قُدِّم إلـيها لعذاب يُعجَّل له. فإذا كان معنى ذلك الإفراط الذي هو تأويـل التعجيـل ففسد أن يكون له وجه فـي الصحة، صحّ الـمعنى الآخر وهو الإفراط الذي بـمعنى التـخـلـيف والترك وذلك أن يُحْكَى عن العرب: ما أفْرَطت ورائي أحداً: أي ما خَـلَّفته وما فرطته: أي لـم أخـلفه.

      واختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الـمِصرَينِ الكوفة والبصرة: { وأنَّهُم مُفْرَطُونَ } بتـخفـيف الراء وفتـحها، علـى معنى ما لـم يُسَمّ فـاعله من أُفرِط فهو مُفْرَط. وقد بـيَّنت اختلاف قراءة ذلك كذلك فـي التأويـل. وقرأه أبو جعفر القارىء: «وأنَّهُم مُفْرَطُونَ» بكسر الراء وتشديدها، بتأويـل: أنهم مفرِّطون فـي أداء الواجب الذي كان لله علـيهم فـي الدنـيا، من طاعته وحقوقه، مضيعو ذلك، من قول الله تعالـى:
      { يا حَسْرتَا علـى ما فَرَّطْتُ فـي جَنْبِ اللَّهِ }
      وقرأ نافع بن أبـي نعيـم: «وأنَّهُم مُفْرَطُونَ» بكسر الراء وتـخفـيفها.

      حدثنـي بذلك يونس، عن وَرْش عنه.

      بتأويـل: أنهم مُفْرِطون فـي الذنوب والـمعاصي، مُسْرِفون علـى أنفسهم مكثرون منها، من قولهم: أفرط فلان فـي القول: إذا تـجاوز حَدَّه، وأسرف فـيه.

      والذي هو أولـى القراءات فـي ذلك بـالصواب قراءة الذين ذكرنا قراءتهم من أهل العراق لـموافقتها تأويـل أهل التأويـل الذي ذكرنا قبل، وخروج القراءات الأخرى عن تأويـلهم.

      تعليق

      • اسامة محمد خيري
        Registered User
        • Dec 2008
        • 12975

        #483
        وعلـى هذا التأويـل، الآية غير منسوخة، بل حكمها ثابت.

        وهذا التأويـل عندي هو أولـى الأقوال بتأويـل هذه الآية، وذلك أن السكر فـي كلام العرب علـى أحد أوجه أربعة: أحدها: ما أسكر من الشراب. والثانـي: ما طُعِم من الطعام، كما قال الشاعر:
        جَعَلْتُ عَيْبَ الأكْرَمِينَ سَكَرَا
        أي طعماً. والثالث: السُّكُون، من قول الشاعر:

        جَعَلَتْ عينْ الـحَرُورِ تَسْكُرُ
        وقد بيَّنا ذلك فـيـما مضى. والرابع: الـمصدر من قولهم: سَكِرَ فلان يَسْكَرُ سُكْراً وسَكْراً وسَكَراً. فإذا كان ذلك كذلك، وكان ما يُسْكِر من الشراب حراماً بـما قد دللنا علـيه فـي كتابنا الـمسمى: «لطيف القول فـي أحكام شرائع الإسلام» وكان غير جائز لنا أن نقول: هو منسوخ، إذ كان الـمنسوخ هو ما نَفَـى حكمه الناسخ وما لا يجوز اجتـماع الـحكم به وناسخه، ولـم يكن فـي حكم الله تعالـى ذكره بتـحريـم الـخمر دلـيـل علـى أن السَّكَر الذي هو غير الـخمر، وغير ما يسكر من الشراب، حرام إذ كان السكر أحد معانـيه عند العرب، ومن نزل بلسانه القرآن هو كلّ ما طعم، ولـم يكن مع ذلك، إذ لـم يكن فـي نفس التنزيـل دلـيـل علـى أنه منسوخ، أو ورد بأنه منسوخ خبر من الرسول، ولا أجمعت علـيه الأمة، فوجب القول بـما قلنا من أن معنى السَّكَرَ فـي هذا الـموضع: هو كلّ ما حلّ شربه مـما يتـخذ من ثمر النـخـل والكرم، وفسد أن يكون معناه الـخمر أو ما يسكر من الشراب، وخرج من أن يكون معناه السَّكَر نفسه، إذ كان السَّكَر لـيس مـما يتـخذ من النَّـخْـل والكَرْم، ومن أن يكون بـمعنى السكون.

        تعليق

        • اسامة محمد خيري
          Registered User
          • Dec 2008
          • 12975

          #484
          حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: { فِـيهِ شِفـاءٌ للنَّاسِ } العسل.

          وهذا القول، أعنـي قول قتادة، أولـى بتأويـل الآية لأن قوله: { فِـيهِ } فـي سياق الـخبر عن العسل، فأن تكون الهاء من ذكر العسل، إذ كانت فـي سياق الـخبر عنه أولـى من غيره.

          تعليق

          • اسامة محمد خيري
            Registered User
            • Dec 2008
            • 12975

            #485
            والصواب من القول فـي ذلك عندي أن يقال: إن الله تعالـى أخبر عبـاده معرفَهم نعمه علـيهم، فـيـما جعل لهم من الأزواج والبنـين، فقال تعالـى: { وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أنْفُسِكُمْ أزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أزْوَاجِكُمْ بَنِـينَ وَحَفَدَةً } فأعلـمهم أنه جعل لهم من أزواجهم بنـين وحَفدة، والـحفَدة فـي كلام العرب: جمع حافد، كما الكذبة: جمع كاذب، والفسَقة: جمع فـاسق. والـحافد فـي كلامهم: هو الـمتـخفِّف فـي الـخدمة والعمل، والـحَفْد: خفة العمل يقال: مرّ البعير يحَفِدُ حفَدَاناً: إذا مرّ يُسرع فـي سيره. ومنه قولهم: «إلـيك نسعى ونَـحْفِدُ»: أي نسرع إلـى العمل بطاعتك.

            يقال منه: حَفَدَ له يَحْفِدُ حَفْداً وحُفُوداً وحَفَدَاناً ومنه قول الراعي:

            كَلَّفْتُ مَـجْهُوَلَها نُوقاً يَـمَانـيَةً إذا الـحُدَاةُ علـى أكْسائها حَفَدُوا
            وإذ كان معنى الـحفدة ما ذكرنا من أنهم الـمسرعون فـي خدمة الرجل الـمتـخففون فـيها، وكان الله تعالـى ذكره أخبرنا أن مـما أنعم به علـينا أن جعل لنا حفدة تـحفد لنا، وكان أولادنا وأزواجنا الذين يصلـحون للـخدمة منا ومن غيرنا وأختاننا الذين هم أزواج بناتنا من أزواجنا وخدمنا من مـمالـيكنا إذا كانوا يحفدوننا فـيستـحقون اسم حفدة، ولـم يكن الله تعالـى دلّ بظاهر تنزيـله ولا علـى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ولا بحجة عقل، علـى أنه عنى بذلك نوعاً من الـحفدة دون نوع منهم، وكان قد أنعم بكلّ ذلك علـينا، لـم يكن لنا أن نوجه ذلك إلـى خاصّ من الـحفدة دون عام، إلا ما اجتـمعت الأمة علـيه أنه غير داخـل فـيهم. وإذا كان ذلك كذلك فلكلّ الأقوال التـي ذكرنا عمن ذكرنا وجه فـي الصحة ومَخْرج فـي التأويـل وإن كان أولـى بـالصواب من القول ما اخترنا لـما بـيَّنا من الدلـيـل.

            تعليق

            • اسامة محمد خيري
              Registered User
              • Dec 2008
              • 12975

              #486
              وقال آخرون: بل كلا الـمثلـين للـمؤمن والكافر. وذلك قول يُروَى عن ابن عبـاس، وقد ذكرنا الرواية عنه فـي الـمثل الأوّل فـي موضعه.

              وأما فـي الـمثل الآخر:

              فحدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: { وَضَرَب اللَّهُ مْثَلاً رَجُلَـيْنِ أحَدُهُما أبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلـى شَيْءٍ وَهُوَ كَلّ عَلـى مَوْلاهُ }... إلـى آخر الآية، يعنـي بـالأبكم: الذي هو كَلٌّ علـى مولاه الكافر، وبقوله: { وَمَنْ يَأْمُرُ بـالعَدْلِ } الـمؤمن، وهذا الـمثل فـي الأعمال.

              حدثنا الـحسن بن الصبـاح البزار، قال: ثنا يحيى بن إسحاق السيـلـحينـي، قال: ثنا حماد، عن عبد الله بن عثمان بن خثـيـم، عن إبراهيـم، عن عكرمة، عن يَعْلـىَ بن أمية، عن ابن عبـاس، فـي قوله: { ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَـمْلُوكاً } قال: نزلت فـي رجل من قريش وعبده. وفـي قوله: { مَثَلاً رَجُلَـيْنِ أحَدُهُما أبْكَمُ لا يَقْدِرُ علـى شَيْءٍ }... إلـى قوله: { وَهُوَ عَلـى صِرَاطٍ مُسْتَقِـيـمٍ } قال: هو عثمان بن عفـان. قال: والأبكم الذي أينـما يُوَجَّهُ لا يأت بخير، ذاك مولـى عثمان بن عفَّـان، كان عثمان ينفق علـيه ويكفله ويكفـيه الـمئونة، وكان الآخر يكره الإسلام ويأبـاه وينهاه عن الصدقة والـمعروف، فنزلت فـيهما.

              وإنـما اخترنا القول الذي اخترناه فـي الـمثل الأوّل لأنه تعالـى ذكره مثَّل مثَل الكافر بـالعبد الذي وصف صفته، ومَثَّل مثل الـمؤمن بـالذي رزقه رزقاً حسناً فهو ينفق مـما رزقه سرّاً وجهراً، فلـم يجز أن يكون ذلك لله مثلاً، إذ كان الله إنـما مثَّل الكافر الذي لا يقدر علـى شيء بأنه لـم يرزقه رزقاً ينفق منه سرّاً ومثَّل الـمؤمن الذي وفَّقه الله لطاعته فهداه لرشده فهو يعمل بـما يرضاه الله، كالـحرّ الذي بسط له فـي الرزق فهو ينفق منه سرّاً وجهراً، والله تعالـى ذكره هو الرازق غير الـمرزوق، فغير جائز أن يـمثل إفضاله وجوده بإنفـاق الـمرزوق الرزق الـحسن. وأما الـمثل الثانـي، فإنه تـمثـيـل منه تعالـى ذكره مَنْ مثله الأبكم الذي لا يقدر علـى شيء والكفـار لا شكّ أن منهم من له الأموال الكثـيرة، ومن يضرّ أحياناً الضرّ العظيـم بفساده، فغير كائن ما لا يقدر علـى شيء، كما قال تعالـى ذكره مثلاً، لـمن يقدر علـى أشياء كثـيرة. فإذا كان ذلك كذلك كان أولـى الـمعانـي به تـمثـيـل ما لا يقدر علـى شيء كما قال تعالـى ذكره بـمثله ما لا يقدر علـى شيء، وذلك الوثن الذي لا يقدر علـى شيء، بـالأبكم الكَلّ علـى مولاه الذي لا يقدر علـى شيء كما قال ووصف.

              تعليق

              • اسامة محمد خيري
                Registered User
                • Dec 2008
                • 12975

                #487
                وقوله: { كذلكَ يُتِـمُّ نِعْمَتَهُ عَلَـيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِـمُونَ } يقول تعالـى ذكره: كما أعطاكم ربكم هذه الأشياء التـي وصفها فـي هذه الآيات نعمة منه بذلك علـيكم، فكذا يتُـمّ نعمته علـيكم لعلكم تسلـمون. يقول: لتـخضعوا لله بـالطاعة، وتذلّ منكم بتوحيده النفوس، وتـخـلصوا له العبـادة. وقد رُوِي عن ابن عبـاس أنه كان يقرأ: «لَعَلَّكُمْ تَسْلَـمُونَ» بفتـح التاء.

                حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن أبـي حماد، قال: ثنا ابن الـمبـارك، عن حنظلة، عن شهر بن حَوْشب، قال: كان ابن عبـاس يقول: «لَعَلَّكُمْ تَسْلَـمُونَ» قال: يعنـي من الـجراح.

                حدثنا أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم بن سلام، قال: ثنا عبـاد بن العوّام، عن حنظلة السَّدوسيّ، عن شهر بن حَوْشب، عن ابن عبـاس، أنه قرأها: «لَعَلَّكُمْ تَسْلَـمُونَ» من الـجرَاحات، قال أحمد بن يوسف: قال أبو عبـيدة: يعنـي بفتـح التاء واللام.

                فتأويـل الكلام علـى قراءة ابن عبـاس هذه: كذلك يتـمّ نعمته علـيكم بـما جعل لكم من السرابـيـل التـي تقـيكم بأسكم، لتسلـموا من السلاح فـي حروبكم. والقراءة التـي أستـجيز القراءة بخلافها بضم التاء من قوله: { لَعَلَّكُمْ تُسْلِـمُونَ } وكسر اللام من أسلـمت تُسْلِـم يا هذا، لإجماع الـحجة من قرّاء الأمصار علـيها....

                فإن قال لنا قائل: وكيف جعل لكم سرابـيـل تقـيكم الـحرّ، فخصّ بـالذكر الـحرّ دون البرد، وهي تقـي الـحرّ والبرد؟ أم كيف قـيـل: { وجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الـجِبـالِ أكْناناً } وترك ذكر ما جعل لهم من السهل؟ قـيـل له: قد اختُلف فـي السبب الذي من أجله جاء التنزيـل كذلك، وسنذكر ما قـيـل فـي ذلك ثم ندلّ علـى أولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب.

                فرُوِي عن عطاء الـخراسانـي فـي ذلك ما:

                حدثنـي الـحارث، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا مـحمد بن كثـير، عن عثمان بن عطاء، عن أبـيه، قال: إنـما نزل القرآن علـى قدر معرفتهم، ألا ترى إلـى قول الله تعالـى ذكره: { وَالله جَعَلَ لَكُمْ مِـمَّا خَـلَقَ ظِلالاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الـجِبـالِ أكْناناً } وما جعل لهم من السهول أعظم وأكثر، ولكنهم كانوا أصحاب جبـال، ألا ترى إلـى قوله: { وَمِنْ أصْوَافِها وأوْبـارِها وأشْعارِها أثاثاً وَمَتاعاً إلـى حِينٍ }؟ وما جعل لهم من غير ذلك أعظم منه وأكثر، ولكنهم كانوا أصحاب وَبَر وشَعَر ألا ترى إلـى قوله: { ويُنَزّلُ مِنَ السَّماءِ منْ جِبَـالٍ فِـيها مِنْ بَرَدٍ } يعجَّبهم من ذلك؟ وما أنزل من الثلـج أعظم وأكثر، ولكنهم كانوا لا يعرفون به، ألا ترى إلـى قوله: { سَرَابِـيـلَ تَقِـيكُمُ الـحَرَّ } وما تقـي من البرد أكثر وأعظم؟ ولكنهم كانوا أصحاب حرّ.

                فـالسبب الذي من أجله خصّ الله تعالـى ذكرهُ السرابـيـل بأنها تقـي الـحرّ دون البرد علـى هذا القول، هو أن الـمخاطبـين بذلك كانوا أصحاب حرّ، فذكر الله تعالـى ذكره نعمته علـيهم بـما يقـيهم مكروه ما به عرفوا مكروهه دون ما لـم يعرفوا مبلغ مكروهه، وكذلك ذلك فـي سائر الأحرف الأُخَر.

                وقال آخرون: ذكر ذلك خاصة اكتفـاء بذكر أحدهما من ذكر الآخر، إذ كان معلوماً عند الـمخاطبـين به معناه، وأن السرابـيـل التـي تقـي الـحرّ تقـي أيضاً البرد وقالوا: ذلك موجود فـي كلام العرب مستعمل، واستشهدوا لقولهم بقول الشاعر:

                وَما أدْرِي إذا يَـمَّـمْتُ وَجْهاً أُريدُ الـخَيْرَ أيُّهُما يَـلِـيِنـي
                فقال: أيهما يـلـينـي: يريد الـخير أو الشرّ، وإنـما ذكر الـخير لأنه إذا أراد الـخير فهو يتقـي الشرّ.

                وأولـى القولـين فـي ذلك بـالصواب، قول من قال: إن القوم خوطبوا علـى قدر معرفتهم، وإن كان فـي ذكر بعض ذلك دلالة علـى ما ترك ذكره لـمن عرف الـمذكور والـمتروك وذلك أن الله تعالـى ذكره إنـما عدّد نعمه التـي أنعمها علـى الذين قُصدوا بـالذكر فـي هذه السورة دون غيرهم، فذكر أياديه عندهم.

                تعليق

                • اسامة محمد خيري
                  Registered User
                  • Dec 2008
                  • 12975

                  #488
                  وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب وأشبهها بتأويـل الآية، قول من قال: عُنـي بـالنعمة التـي ذكرها الله فـي قوله { يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللّهِ } النعمة علـيهم بإرسال مـحمد صلى الله عليه وسلم إلـيهم داعياً إلـى ما بعثه بدعائهم إلـيه.

                  وذلك أن هذه الآية بـين آيتـين كلتاهما خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعما بعث به، فأولـى ما بـينهما أن يكون فـي معنى ما قبله وما بعده، إذ لـم يكن معنى يدلّ علـى انصرافه عما قبله وعما بعده فـالذي قبل هذه الآية قوله: { فإنْ تَوَلَّوْا فإنَّـمَا عَلَـيْكَ البَلاغُ الـمُبِـينُ يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها } وما بعده:
                  { وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلّ أُمَّةٍ شَهِيداً }
                  وهو رسولها. فإذا كان ذلك كذلك، فمعنى الآية: يعرف هؤلاء الـمشركون بـالله نعمة الله علـيهم يا مـحمد بك، ثم ينكرونك ويجحدون نبوّتك. { وأكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ } يقول: وأكثر قومك الـجاحدون نبوّتك، لا الـمقرّون بها

                  تعليق

                  • اسامة محمد خيري
                    Registered User
                    • Dec 2008
                    • 12975

                    #489
                    حدثنـي ابن البرَقـيّ، قال: ثنا ابن أبـي مَريـم، قال: أخبرنا نافع بن يزيد، قال: سألت يحيى بن سعيد، عن قول الله: { وَلا تَنْقُضُوا الأيـمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها } قال: العهود.

                    والصواب من القول فـي ذلك أن يقال: إن الله تعالـى أمر فـي هذه الآية عبـاده بـالوفـاء بعهوده التـي يجعلونها علـى أنفسهم، ونهاهم عن نقض الأيـمان بعد توكيدها علـى أنفسهم لآخرين بعقود تكون بـينهم بحقّ مـما لا يكرهه الله. وجائز أن تكون نزلت فـي الذين بـايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بنهيهم عن نقض بـيعتهم حذراً من قلة عدد الـمسلـمين وكثرة عدد الـمشركين، وأن تكون نزلت فـي الذين أرادوا الانتقال بحلفهم عن حلفـائهم لقلة عددهم فـي آخرين لكثرة عددهم، وجائز أن تكون فـي غير ذلك. ولا خبر تَثْبُت به الـحجة أنها نزلت فـي شيء من ذلك دون شيء، ولا دلالة فـي كتاب ولا حجة عقل أيّ ذلك عُنِـيَ بها، ولا قول فـي ذلك أولـى بـالـحقّ مـما قلنا لدلالة ظاهره علـيه، وأن الآية كانت قد نزلت لسبب من الأسبـاب، ويكون الـحكم بها عامًّا فـي كلّ ما كان بـمعنى السبب الذي نزلت فـيه....

                    وقوله: { وَتَذُوقُوا السُّوءَ } يقول: وتذوقوا أنتـم السوء وذلك السوء هو عذاب الله الذي يعذّب به أهل معاصيه فـي الدنـيا، وذلك بعض ما عذّب به أهل الكفر. { بِـمَا صَدَدْتُـمْ عَنْ سَبِـيـلِ اللَّهِ } يقول: بـما فَتنتـم من أراد الإيـمان بـالله ورسوله عن الإيـمان. { وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيـمٌ } فـي الآخرة، وذلك نار جهنـم. وهذه الآية تدلّ علـى أن تأويـل برَيُدة الذي ذكرنا عنه فـي قوله:
                    { وأوْفُوا بعَهْدِ اللَّهِ إذَا عاهَدْتُـمْ }
                    والآيات التـي بعدها، أنه عُنِـي بذلك: الذين بـايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم علـى الإسلام، عن مفـارقة الإسلام لقلة أهله، وكثرة أهل الشرك هو الصواب، دون الذي قال مـجاهد أنهم عنوا به، لأنه لـيس فـي انتقال قوم تـحالفوا عن حلفـائهم إلـى آخرين غيرهم صدّ عن سبـيـل الله ولا ضلال عن الهدى، وقد وصف تعالـى ذكره فـي هذه الآية فـاعِلِـي ذلك أنهم بـاتـخاذهم الأيـمان دخلا بـينهم ونقضهم الأيـمان بعد توكيدها، صادّون عن سبـيـل الله، وأنهم أهل ضلال فـي التـي قبلها، وهذه صفة أهل الكفر بـالله لا صفة أهل النُّقْلة بـالـحلف عن قوم إلـى قوم.

                    تعليق

                    • اسامة محمد خيري
                      Registered User
                      • Dec 2008
                      • 12975

                      #490
                      حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، فـي قوله: { مَنْ عَمِلَ صَالِـحاً مِنْ ذَكَرٍ أوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ } قال: الإيـمان: الإخلاص لله وحده، فبـين أنه لا يقبل عملاً إلا بـالإخلاص له.

                      وأولـى الأقوال بـالصواب قول من قال: تأويـل ذلك: فلنـحيـينه حياة طيبة بـالقناعة وذلك أن من قنعه الله بـما قسم له من رزق لـم يكثر للدنـيا تعبه ولـم يعظم فـيها نَصَبه ولـم يتكدّر فـيها عيشه بـاتبـاعه بغية ما فـاته منها وحرصه علـى ما لعله لا يدركه فـيها.

                      وإنـما قلت ذلك أولـى التأويلات فـي ذلك بـالآية لأن الله تعالـى ذكره أوعد قوماً قبلها علـى معصيتهم إياه إن عصوه أذاقهم السوء فـي الدنـيا والعذاب فـي الآخرة، فقال تعالـى:
                      { وَلا تَتَّـخِذُوا أيـمَانَكُمْ دَخَلاً بَـيْنَكُمْ فَتزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِـمَا صَدَدَتُـمْ عَنْ سَبِـيـلِ اللَّهِ }
                      فهذا لهم فـي الدنـيا، ولهم فـي الآخرة عذاب عظيـم، فهذا لهم فـي الآخرة. ثم أتبع ذلك ما لـمَن أوفـى بعهد الله وأطاعه فقال تعالـى: ما عندكم فـي الدنـيا ينفد، وما عند الله بـاق، فـالذي هذه السيئة بحكمته أن يعقب ذلك الوعد لأهل طاعته بـالإحسان فـي الدنـيا، والغفران فـي الآخرة، وكذلك فَعَلَ تعالـى ذكره.

                      وأما القول الذي رُوِي عن ابن عبـاس أنه الرزق الـحلال، فهو مـحَتـمَل أن يكون معناه الذي قلنا فـي ذلك، من أنه تعالـى يقنعه فـي الدنـيا بـالذي يرزقه من الـحلال وإن قلّ فلا تدعوه نفسه إلـى الكثـير منه من غير حله، لا أنه يرزقه الكثـير من الـحلال، وذلك أن أكثر العاملـين لله تعالـى بـما يرضاه من الأعمال لـم نرهم رُزِقوا الرزق الكثـير من الـحلال فـي الدنـيا، ووجدنا ضيق العيش علـيهم أغلب من السعة.

                      تعليق

                      • اسامة محمد خيري
                        Registered User
                        • Dec 2008
                        • 12975

                        #491
                        وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب، قول من قال: معناه: إنه لـيس له سلطان علـى الذين آمنوا فـاستعاذوا بـالله منه، بـما ندب الله تعالـى ذكره من الاستعاذة { وَعَلـى رَبهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } علـى ما عرض لهم من خطراته ووساوسه.

                        وإنـما قلنا ذلك أولـى التأويلات بـالآية لأن الله تعالـى ذكره أتبع هذا القول: { فإذَا قَرأتَ القُرآنَ فـاسْتَعِذْ بـاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيـمِ } وقال فـي موضع آخر:
                        { وَإمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فـاسْتَعِذْ بـاللَّهِ إنَّهُ سَمِيعٌ عَلِـيـمٌ }
                        فكان بـينا بذلك أنه إنـما ندب عبـاده إلـى الاستعاذة منه فـي هذه الأحوال لـيُعيذهم من سلطانه...

                        وأما قوله: { وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ } فإن أهل التأويـل اختلفوا فـي تأويـله، فقال بعضهم فـيه بـما قلنا إن معناه: والذين هم بـالله مشركون. ذكر من قال ذلك:

                        حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء وحدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل وحدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: { وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ } قال: يعدلون بربّ العالـمين.

                        حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد: { وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ } قال: يعدلون بـالله.

                        حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ، قال: ثنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول: فـي قوله: { وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ } عدلوا إبلـيس بربهم، فإنهم بـالله مشركون.

                        وقال آخرون: معنى ذلك: والذين هم به مشركون، أشركوا الشيطان فـي أعمالهم. ذكر من قال ذلك:

                        حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع: { وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ } أشركوه فـي أعمالهم.

                        والقول الأوّل، أعنـي قول مـجاهد، أولـى القولـين فـي ذلك بـالصواب وذلك أن الذين يتولون الشيطان إنـما يشركونه بـالله فـي عبـادتهم وذبـائحهم ومطاعمهم ومشاربهم، لا أنهم يشركون بـالشيطان. ولو كان معنى الكلام ما قاله الربـيع، لكان التنزيـل: الذين هم مشركوه، ولـم يكن فـي الكلام «به»، فكان يكون لو كان التنزيـل كذلك: والذين هم مشركوه فـي أعمالهم، إلا أن يوجه موجه معنى الكلام إلـى أن القوم كانوا يدينون بألوهة الشيطان ويشركون الله به فـي عبـادتهم إياه، فـيصحّ حينئذ معنى الكلام، ويخرج عما جاء التنزيـل به فـي سائر القرآن وذلك أن الله تعالـى وصف الـمشركين فـي سائر سور القرآن أنهم أشركوا بـالله ما لـم ينزل به علـيهم سلطاناً، وقال فـي كل موضع تقدّم إلـيهم بـالزجر عن ذلك: لا تشركوا بـالله شيئاً، ولـم نـجد فـي شيء من التنزيـل: لا تشركوا الله بشيء، ولا فـي شيء من القرآن خبراً من الله عنهم أنهم أشركوا الله بشيء فـيجوز لنا توجيه معنى قوله: { وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ } إلـى والذين هم بـالشيطان مشركو الله.

                        فبـين إذا إذ كان ذلك كذلك أن الهاء فـي قوله: { وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ } عائدة علـى «الربّ» فـي قوله: { وَعَلـى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ }.

                        تعليق

                        • اسامة محمد خيري
                          Registered User
                          • Dec 2008
                          • 12975

                          #492
                          اختلف أهل العربـية فـي العامل فـي «مَن» من قوله: { مَنْ كَفَرَ بـاللَّهِ } ومن قوله: { وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بـالكُفْرِ صَدْراً } ، فقال بعض نـحويـي البصرة: صار قوله: { فَعَلَـيْهِمْ } خبراً لقوله: { وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بـالكُفْرِ صَدْراً } ، وقوله: { مَنْ كَفَرَ بـاللَّهِ مِنْ بَعْدَ إيـمانِهِ } فأخبر لهم بخبر واحد، وكان ذلك يدلّ علـى الـمعنى. وقال بعض نـحويـي الكوفة: إنـما هذان جزءان اجتـمعا، أحدهما منعقد بـالآخر، فجوابهما واحد كقول القائل: من يأتنا فمن يحسن نكرمه، بـمعنى: من يحسن مـمن يأتنا نكرمه. قال: وكذلك كلّ جزاءين اجتـمعا الثانـي منعقد بـالأوّل، فـالـجواب لهما واحد. وقال آخر من أهل البصرة: بل قوله: { مَنْ كَفَرَ بـاللَّهِ } مرفوع بـالردّ علـى «الذين» فـي قوله: { إنَّـمَا يَفْتَرِي الكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بآياتِ اللَّهِ } ومعنى الكلام عنده: إنـما يفتري الكذب من كفر بـالله من بعد إيـمانه، إلا من أكره من هؤلاء وقلبه مطمئنّ بـالإيـمان. وهذا قول لا وجه له وذلك أن معنى الكلام لو كان كما قال قائل هذا القول، لكان الله تعالـى ذكره قد أخرج مـمن افترى الكذب فـي هذه الآية الذين وُلدوا علـى الكفر وأقاموا علـيه ولـم يؤمنوا قطّ، وخصّ به الذين قد كانوا آمنوا فـي حال، ثم راجعوا الكفر بعد الإيـمان والتنزيـل يدلّ علـى أنه لـم يخصص بذلك هؤلاء دون سائر الـمشركين الذين كانوا علـى الشرك مقـيـمين، وذلك أنه تعالـى أخبر خبر قوم منهم أضافوا إلـى رسول الله صلى الله عليه وسلم افتراء الكذب، فقال:
                          { وَإذَا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أعْلَـمُ بِـمَا يُنَزّلُ قَالُوا إنـمَا أنْتَ مُفْترٍ، بَلْ أكْثرُهُمْ لاَ يَعْلَـمُونَ }
                          وكذّب جميع الـمشركين بـافترائهم علـى الله وأخبر أنهم أحقّ بهذه الصفة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:
                          { إنـما يَفْتَرِي الكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بآياتِ اللَّهِ وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ }
                          ولو كان الذين عنوا بهذه الآية هم الذين كفروا بـالله من بعد إيـمانهم، وجب أن يكون القائلون لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنـما أنت مفتر حين بدّل الله آية مكان آية، كانوا هم الذين كفروا بـالله بعد الإيـمان خاصة دون غيرهم من سائر الـمشركين لأن هذه فـي سياق الـخبر عنهم، وذلك قول إن قاله قائلٌ فبـين فساده مع خروجه عن تأويـل جميع أهل العلـم بـالتأويـل.

                          والصواب من القول فـي ذلك عندي أن الرافع لـ «من» الأولـى والثانـية، قوله: { فَعَلَـيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ } والعرب تفعل ذلك فـي حروف الـجزاء إذا استأنفت أحدهما علـى آخر.

                          تعليق

                          • اسامة محمد خيري
                            Registered User
                            • Dec 2008
                            • 12975

                            #493
                            وكان بعضهم يقول: إنـما عنـي بقوله: { فَكُلُوا مِـمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّبـاً } طعاماً كان بعث به رسول الله صلى الله عليه وسلم إلـى الـمشركين من قومه فـي سِنِـي الـجدب والقحط رقة علـيهم، فقال الله تعالـى للـمشركـين: فكلوا مـما رزقكم الله من هذا الذي بعث به إلـيكم حلالاً طيبـاً. وذلك تأويـل بعيد مـما يدلّ علـيه ظاهر التنزيـل، وذلك أن الله تعالـى قد أتبع ذلك بقوله:
                            { إنَّـمَا حَرَّمَ عَلَـيْكُمُ الـمَيْتَةَ والدَّمَ... }
                            الآية والتـي بعدها، فبـين بذلك أن قوله: { فَكُلُوا مِـمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّبـاً } إعلام من الله عبـاده أن ما كان الـمشركون يحرّمونه من البحائر والسوائب والوصائل وغير ذلك مـما قد بـيَّنا قبل فـيـما مضى لا معنى له، إذ كان ذلك من خطوات الشيطان، فإن كلّ ذلك حلال لـم يحرّم الله منه شيئاً.

                            تعليق

                            • اسامة محمد خيري
                              Registered User
                              • Dec 2008
                              • 12975

                              #494
                              اختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامَّة قرّاء الـحجاز والعراق { وَلا تَقُولُوا لِـمَا تَصِفُ ألْسِنتُكُمُ الكَذِبَ } فتكون تصف الكذب، بـمعنى: ولا تقولوا لوصف ألسنتكم الكذب، فتكون «ما» بـمعنى الـمصدر. وذُكر عن الـحسن البصري أنه قرأ: «وَلا تَقُولُوا لِـمَا تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبِ» هذا بخفض الكذب، بـمعنى: ولا تقولوا للكذب الذي تصفه ألسنتكم، { هَذَا حَلاَلٌ وهذَا حَرَامٌ } فـيجعل الكذب ترجمة عن «ما» التـي فـي «لِـمَا»، فتـخفضه بـما تـخفض به «ما». وقد حُكي عن بعضهم: «لِـمَا تَصِفُ ألْسِنَتُكمُ الكُذُبُ» يرفع «الكُذُب»، فـيجعل الكُذُب من صفة الألسنة، ويخرج علـى فُعُل علـى أنه جمع كُذُوب وكُذُب، مثل شُكُور وشُكُر.

                              والصواب عندي من القراءة فـي ذلك نصب «الكَذِب» لإجماع الـحجة من القرّاء علـيه. فتأويـل الكلام إذ كان ذلك كذلك لـما ذكرنا: ولا تقولوا لوصف ألسنتكم الكذبَ فـيـما رزق الله عبـاده من الـمطاعم: هذا حلال، وهذا حرام، كي تفتروا علـى الله بقـيـلكم ذلك الكذبَ، فإن الله لـم يحرم من ذلك ما تـحرِّمون، ولا أحلّ كثـيراً مـما تُـحِلُّون.

                              تعليق

                              • اسامة محمد خيري
                                Registered User
                                • Dec 2008
                                • 12975

                                #495
                                حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد { وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ } لا تعتدوا.

                                حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

                                والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله تعالى ذكره، أمر من عوقب من المؤمنين بعقوبة أن يعاقب من عاقبه بمثل الذي عوقب به، إن اختار عقوبته، وأعلمه أن الصبر على ترك عقوبته، على ما كان منه إليه خير وعزم على نبيه صلى الله عليه وسلم أن يصبر، وذلك أن ذلك هو ظاهر التنزيل، والتأويلات التي ذكرناها عمن ذكروها عنه، محتملتها الآية كلها، فإذا كان ذلك كذلك، ولم يكن في الآية دلالة على أي ذلك عني بها من خبر ولا عقل كان الواجب علينا الحكم بها إلى ناطق لا دلالة عليه؛ وأن يقال: هي آية محكمة أمر الله تعالى ذكره عباده أن لا يتجاوزوا فيما وجب لهم قِبَل غيرهم من حق من مال أو نفس، الحقّ الذي جعله الله لهم إلى غيره، وأنها غير منسوخة، إذ كان لا دلالة على نسخها، وأن للقول بأنها محكمة وجهاً صحيحاً مفهوماً.

                                ...

                                واختلف القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامَّة قرّاء العراق { وَلا تَكُ في ضَيْقٍ } بفتح الضَّاد في الضيق على المعنى الذي وصفت من تأويله. وقرأه بعض قرّاء أهل المدينة { وَلا تَكُ في ضَيْقٍ } بكسر الضاد.

                                وأولى القراءتين بالصواب في ذلك عندنا قراءة من قرأه في ضَيْقٍ، بفتح الضاد، لأن الله تعالى إنما نهى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يَضيق صدره مما يلقى من أذى المشركين على تبليغه إياهم وحى الله وتنزيله، فقال له
                                { فَلاَ يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ }
                                وقال
                                { فَلَعَلَّك تَارِكٌ بَعْضَ ما يُوحَى إلَيْكَ وضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ، أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ، أوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إنَّمَا أنْتَ نّذِيرٌ }
                                ، وإذ كان ذلك هو الذي نهاه تعالى ذكره، ففتح الضاد هو الكلام المعروف من كلام العرب في ذلك المعنى، تقول العرب في ذلك المعنى، تقول العرب في صدري من هذا الأمر ضيق، وإنما تكسر الضاد في الشيء المعاش، وضيق المسكن، ونحو ذلك؛ فإن وقع الضَّيق بفتح الضاد في موضع الضِّيق بالكسر، كان على الذي يتسع أحياناً، ويضيق من قلة أحد وجهين، إما على جمع الضيقة،

                                تعليق

                                يعمل...