قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبر أن من هاجر في سبيله يجد في الأرض مضطرباً ومتسعاً؛ وقد يدخل في السَّعة، السعة في الرزق، والغنى من الفقر؛ ويدخل فيه السعة من ضيق الهمّ، والكرب الذي كان فيه أهل الإيمان بالله من المشركين بمكة، وغير ذلك من معاني السَّعة التي هي بمعنى الرَّوْح والفرج من مكروه ما كره الله للمؤمنين بمقامهم بين ظهري المشركين وفي سلطانهم. ولم يضع الله دلالة على أنه عنى بقوله: «وسعة» بعض معاني السعة التي وصفنا، فكل معاني السَّعة هي التي بمعنى الروح والفرج مما كانوا فيه من ضيق العيش وغمّ جوار أهل الشرك وضيق الصدر، بتعذّر إظهار الإيمان بالله وإخلاص توحيده وفراق الأنداد والآلهة، داخل في ذلك.
إرشاد النحرير لترجيحات الامام ابن جرير
تقليص
X
-
-
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: { وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِى ظ±لأَرْضِ }... الآية، قصر الصلاة إن لقيت العدوّ وقد حانت الصلاة أن تكبر الله وتخفض رأسك إيماء راكباً كنت أو ماشياً.
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال التي ذكرناها بتأويل الآية قول من قال: عَنَى بالقْصر فيها القصر من حدودها، وذلك ترك إتمام ركوعها وسجودها، وإباحة أدائها كيف أمكن أداؤها مستقبل القبلة فيها ومستدبرها وراكباً وماشياً، وذلك في حال الشبكة والمسايفة والتحام الحرب وتزاحف الصفوف، وهي الحالة التي قال الله تبارك وتعالى:
{ فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا }
[البقرة: 239] وأذن بالصلاة المكتوبة فيها راكباً إيماء بالركوع والسجود على نحو ما روي عن ابن عباس من تأويله ذلك.
وإنما قلنا ذلك أولى التأويلات بقوله: { وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِى ظ±لاْرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ظ±لصَّلوظ°ةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ } لدلالة قول الله تعالى:
{ فَإِذَا ظ±طْمأْنَنْتُمْ فَأقِيمُواْ ظ±لصَّلَظ°وةَ }
[النساء: 103] على أن ذلك كذلك؛ لأن إقامتها إتمام حدودها من الركوع والسجود وسائر فروضها دون الزيادة في عددها التي لم تكن واجبة في حال الخوف.
فإن ظنّ ظانّ أن ذلك أمر من الله باتمام عددها الواجب عليه في حال الأمن بعد زوال الخوف، فقد يجب أن يكون المسافر في حال قصره صلاته عن صلاة المقيم غير مقيم صلاته لنقص عدد صلاته من الأربع اللازمة كانت له في حال إقامته إلى الركعتين، فذلك قول إن قاله قائل مخالف لما عليه الأمة مجمعة من أن المسافر لا يستحقّ أن يقال له: إذا أتى بصلاته بكمال حدودها المفروضة عليه فيها، وقصر عددها عن أربع إلى اثنتين أنه غير مقيم صلاته. وإذا كان ذلك كذلك، وكان الله تعالى قد أمر الذي أباح له أن يقصر صلاته خوفاً من عدوّه أن يفتنه، أن يقيم صلاته إذا اطمأنّ وزال الخوف، كان معلوماً أن الذي فرض عليه من إقامة ذلك في حال الطمأنينة، عين الذي كان أسقط عنه في حال الخوف، وإذ كان الذي فرض عليه في حال الطمأنينة إقامة صلاته، فالذي أسقط عنه في غير حال الطمأنينة ترك إقامتها. وقد دللنا على أن ترك إقامتها، إنما هو ترك حدودها على ما بينا.]تعليق
-
قال أبو جعفر: فتأويل الآية على قول هؤلاء الذين قالوا هذه المقالة، ورووا هذه الرواية: وإذا كنت يا محمد فيهم، يعني في أصحابك خائفاً، فأقمت لهم الصلاة، فلتقم طائفة منهم معك؛ يعني ممن دخل معك في صلاتك، { فَإِذَا سَجَدُواْ } ، يقول: فإذا سجدت هذه الطائفة بسجودك، ورفعت رءوسها من سجودها { فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَائِكُمْ } يقول: فليصر من خلفك، خلف الطائفة التي حرستك وإياهم إذا سجدت بهم وسجدوا معك. { وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَىظ° لَمْ يُصَلُّواْ } يعني الطائفة الحارسة التي صلت معه غير أنها لم تسجد بسجوده، فمعنى قوله: { لَمْ يُصَلُّواْ } على مذهب هؤلاء: لم يسجدوا بسجودك: { فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ } يقول: فليسجدوا بسجودك إذا سجدت، ويحرسك وإياهم الذين سجدوا بسجودك في الركعة الأولى. { وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ } يعني الحارسة.
وأولى الأقوال التي ذكرناها بتأويل الآية قول من قال معنى ذلك: فإذا سجدت الطائفة التي قامت معك في صلاتها، { فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَائِكُمْ } يعني من خلفك وخلف من يدخل في صلاتك ممن لم يصلّ معك الركعة الأولى بإزاء العدوّ بعد فراغها من بقية صلاتها، { وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَىظ° } وهي الطائفة التي كانت بازاء العدوّ لم يصلوا، يقول: لم يصلوا معك الركعة الأولى { فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ } يقول: فليصلوا معك الركعة التي بقيت عليك. { وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ } لقتال عدوّهم بعد ما يفرغون من صلاتهم؛ وذلك نظير الخبر الذي رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه فعله يوم ذات الرقاع، والخبر الذي رَوَى سهل بن أبي حثمة.
وإنما قلنا ذلك أولى بتأويل الآية، لأن الله عزّ ذكره قال: { وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ ظ±لصَّلَوظ°ةَ } وقد دللنا على أن إقامتها إتمامها بركوعها وسجودها، ودللنا مع ذلك على أن قوله:
{ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ظ±لصَّلَظ°وةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ظ±لَّذِينَ كَفَرُوغ¤اْ }
[النساء: 101] إنما هو إذن بالقصر من ركوعها وسجودها في حال شدة الخوف. فإذا صحّ ذلك كان بيناً أن لا وجه لتأويل من تأوّل ذلك أن الطائفة الأولى إذا سجدت مع الإمام فقد انقضت صلاتها، لقوله: { فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَائِكُمْ } لاحتمال ذلك من المعاني ما ذكرت قبل، ولأنه لا دلالة في الآية على أن القصر الذي ذكر في الآية قبلها عنى به القصر من عدد الركعات. وإذ كان لا وجه لذلك، فقول من قال: أريد بذلك التقدم والتأخر في الصلاة على نحو صلاة النبيّ صلى الله عليه وسلم بعسفان أبعد، وذلك أن الله جلّ ثناؤه يقول: { وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَىظ° لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ } وكلتا الطائفتين قد كانت صلت مع النبيّ صلى الله عليه وسلم ركعته الأولى في صلاته بعسفان، ومحال أن تكون التي صلت مع النبيّ صلى الله عليه وسلم هي التي لم تصل معه.
فإن ظنّ ظانّ أنه أريد بقوله: { لَمْ يُصَلُّواْ }: لم يسجدوا، فإن ذلك غير الظاهر المفهوم من معاني الصلاة، وإنما توجه معاني كلام الله جلّ ثناؤه إلى الأظهر والأشهر من وجوههما ما لم يمنع من ذلك ما يجب التسليم له. وإذ كان ذلك كذلك ولم يكن في الآية أمر من الله عزّ ذكره للطائفة الأولى بتأخير قضاء ما بقي عليها من صلاتها إلى فراغ الإمام من بقية صلاته، ولا على المسلمين الذين بازاء العدوّ في اشتغالها بقضاء ذلك ضرر، لم يكن لأمرها بتأخير ذلك وانصرافها قبل قضاء باقي صلاتها عن موضعها معنى. غير أن الأمر وإن كان كذلك، فإنا نرى أن من صلاها من الأئمة فوافقت صلاته بعض الوجوه التي ذكرناها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه صلاها، فصلاته مجزئة عنه تامة لصحة الأخبار بكلّ ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه من الأمور التي علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته ثم أباح لهم العمل بأيّ ذلك شاءوا.تعليق
-
حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: { فَإِذَا ظ±طْمَأْنَنْتُمْ فَأقِيمُوا ظ±لصَّلَوظ°ةَ } قال: أتموها.
حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بتأويل الآية، تأويل من تأوّله: فإذا زال خوفكم من عدوّكم وأمنتم أيها المؤمنون واطمأنت أنفسكم بالأمن، فأقيموا الصلاة، فأتموها بحدودها المفروضة عليكم، غير قاصريها عن شيء من حدودها.
وأنما قلنا ذلك أولى التأويلين بالآية، لأن الله تعالى ذكره عرّف عباده المؤمنين الواجب عليهم من فرض صلاتهم بهاتين الآيتين في حالين: إحداهما شدة حال خوف أذن لهم فيها بقصر الصلاة، على ما بينت من قصر حدودها عن التمام، والأخرى حال غير شدّة الخوف أمرهم فيها بإقامة حدودها، وإتمامها على ما وصفه لهم جلّ ثناؤه من معاقبة بعضهم بعضاً في الصلاة خلف أئمتهم، وحراسة بعضهم بعضاً من عدوّهم وهي حالة لا قصر فيها، لأنه يقول جلّ ثناؤه لنبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الحال: وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة.
فمعلوم بذلك أن قوله: { فَإِذَا ظ±طْمَأْنَنْتُمْ فَأقِيمُوا ظ±لصَّلَوظ°ةَ } إنما هو: فإذا اطمأننتم من الحالة التي لم تكونوا مقيمين فيها صلاتكم فأقيموها، وتلك حالة شدة الخوف، لأنه قد أمرهم باقامتها في حال غير شدة الخوف بقوله:
{ وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ ظ±لصَّلَظ°وةَ }
[النساء: 102]... الآية...
قال أبو جعفر: وهذه الأقوال قريب معنى بعضها من بعض، لأن ما كان مفروضاً فواجب، وما كان واجباً أداؤه في وقت بعد وقت فمنجم. غير أن أولى المعاني بتأويل الكلمة قول من قال: إن الصلاة كانت على المؤمنين فرضاً منجماً، لأن الموقوت إنما هو مفعول من قول القائل: وَقَتَ اللّه عليك فرضه فهو يَقِتُهُ، ففرضُه عليك موقوت، إذا أخبر أنه جَعل له وقتاً يجب عليك أداؤه. فكذلك معنى قوله: { إنَّ ظ±لصَّلَوظ°ةَ كانَتْ علىظ° ظ±لمُؤْمِنِينَ كِتَـظ°باً مَّوْقُوتاً } إنما هو كانت على المؤمنين فرضاً وقت لهم وقت وجوب أدائه، فبَّين ذلك لهم. ]تعليق
-
واختلف أهل العربية في معنى قوله: { لاَّ خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ } فقال بعض نحويي البصرة: معنى ذلك: لا خير في كثير من نجواهم إلا في نجوى من أمر بصدقة. كأنه عطف «من» على الهاء والميم التي في «نجواهم». وذلك خطأ عند أهل العربية لأن إلا لا تعطف على الهاء والميم في مثل هذا الموضع من أجل أنه لم ينله الجحد. وقال بعض نحويي الكوفة: قد تكون «مَن» في موضع خفض ونصب؛ وأما الخفض فعل قولك: { لاَّ خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ } إلا فيمن أمر بصدقة، فتكون النجوى على هذا التأويل هم الرجال المناجون، كما قال جلّ ثناؤه:
{ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىظ° ثَلَـظ°ثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ }
[المجادلة: 7] وكما قال:
{ وَإِذْ هُمْ نَجْوَىظ° }
[الإسراء: 47]. وأما النصب، فعلى أن تجعل النجوى فعلاً فيكون نصباً، لأنه حينئذ يكون استثناء منقطعاً، لأنه من خلاف النجوى، فيكون ذلك نظير قول الشاعر:
...............وَما بالرَّبْعِ مِنْ أحَدِ إلاَّ أُوَارِيّ لاَءْياً مَا أُبَيِّنُها
وقد يحتمل «من» على هذا التأويل أن يكون رفعاً، كما قال الشاعر:
وَبَلْدَةٍ لَيْسَ بِها أنِيسُ إلاَّ اليَعافِيرُ وَإلاَّ العِيسُ
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك، أن تجعل «من» في موضع خفض بالردّ على النجوى، وتكون النجوى بمعنى جمع المتناجين، خرج مخرج السكرى والجرحى والمرضى، وذلك أن ذلك أظهر معانيه، فيكون تأويل الكلام: لا خير في كثير من المتناجين يا محمد من الناس، إلا فيمن أمر بصدقة أو معروف، أو إصلاح بين الناس، فإن أولئك فيهم الخير.تعليق
-
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهاد في قوله: { إِنَـٰثاً } قال: أوثاناً.
حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثنا سفيان، قال: ثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: كان في مصحف عائشة: «إنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إلاَّ إناثاً».
قال أبو جعفر: رُوي عن ابن عباس أنه كان يقرؤها: «أن يدعون من دونه إلا أُثُناً»، بمعنى جمع وثن، فكأنه جمع وَثَنَاً وُثُناً، ثم قلب الواو همزة مضمومة، كما قيل: ما أحسن هذه الأجوه، بمعنى الوجوه، وكما قيل: { وَإِذَا ٱلرُّسُلُ أُقّتَتْ } بمعنى: وُقّتت. وذكر عن بعضهم أنه كان يقرأ ذلك: «إن يدعون من دونه إلا أُنُثاً»، كأنه أراد جمع الإناث، فجمعها أُنُثاً، كما تُجمع الثمار ثُمُراً. والقراءة التي لا أستجيز القراءة بغيرها قراءة من قرأ: { إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَـٰثاً } بمعنى جمع أنثى، لأنها كذلك في مصاحف المسلمين، ولإجماع الحجة على قراءة ذلك كذلك.
وأولى التأويلات التي ذكرت بتأويل ذلك إذ كان الصواب عندنا من القراءة ما وصفت، تأويل من قال: عنى بذلك الآلهة التي كان مشركو العرب يعبدونها من دون الله، ويسمونها بالإناث من الأسماء كاللات والعزّى ونائلة ومناة، وما أشبه ذلك.
وإنما قلنا ذلك أولى بتأويل الآية، لأن الأظهر من معاني الإناث في كلام العرب ما عرف بالتأنيث دون غيره. فإذ كان ذلك كذلك، فالواجب توجيه تأويله إلى الأشهر من معانيه، وإذ كان ذلك كذلك فتأويل الآية: ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى، ويتبع غير سبيل المؤمنين، نولّه ما تولّى ونصله جهنم وساءت مصيراً، إن يدعون من دونه إلا إناثاً، يقول: ما يدعو الذين يشاقون الرسول ويتبعون غير سبيل المؤمنين شيئاً من دون الله بعد الله وسواه، إلاّ إناثاً، يعني: إلا ما سموه بأسماء الإناث كاللات والعزّى وما أشبه ذلك. يقول جلّ ثناؤه: فحسب هؤلاء الذين أشركوا بالله وعبدوا ما عبدوا من دونه من الأوثان والأنداد، حجة عليهم في ضلالتهم وكفرهم وذهابهم عن قصد السبيل، أنهم يعبدون إناثاً ويدعونها آلهة وأرباباً. والإناث من كلّ شيء أخّسه؛ فهم يقرّون للخسيس من الأشياء بالعبودية على علم منهم بخساسته، ويمتنعون من إخلاص العبودية للذي له ملك كل شيء وبيده الخلق والأمر.تعليق
-
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصواب في تأويل ذلك قول من قال: معناه: ولآمرنهم فليغيرنّ خلق الله، قال: دين الله، وذلك لدلالة الآية الأخرى على أن ذلك معناه، وهي قوله:
{ فِطْرَةَ ظ±للَّهِ ظ±لَّتِى فَطَرَ ظ±لنَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ظ±للَّهِ ذَلِكَ ظ±لدِّينُ ظ±لْقَيِّمُ }
[الروم: 30]. وإذا كان ذلك معناه دخل في ذلك فعل كل ما نهى الله عنه من خصاء ما لا يجوز خصاؤه، ووشم ما نهى عن وشمه ووَشْره، وغير ذلك من المعاصي، ودخل فيه ترك كلّ ما أمر الله به، لأن الشيطان لا شكّ أنه يدعو إلى جميع معاصي الله، وينهى عن جميع طاعته، فذلك معنى أمره نصيبه المفروض من عباد الله بتغيير ما خلق الله من دينه؛ ولا معنى لتوجيه من وجه قوله: { وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ظ±للَّهِ } إلى أنه وعد الأمر بتغيير بعض ما نهى الله عنه دون بعض، أو بعض ما أمر به دون بعض. فإذ كان الذي وجه معنى ذلك إلى الخصاء والوشم دون غيره، إنما فعل ذلك لأن معناه: كان عنده أنه عنى به تغيير الأجسام، فإنّ في قوله جلّ ثناؤه إخباراً عن قِيل الشيطان: { وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ظ±للَّهِ } ما ينبىء أن معنى ذلك غير ما ذهب إليه، لأن تَبْتيك آذان الأنعام من تغيير خلق الله، الذي هو أجسام.
وقد مضى الخبر عنه أنه وعد الأمر بتغيير خلق الله من الأجسام مفسراً، فلا وجه لإعادة الخبر عنه به مجملاً، إذ كان الفصيح في كلام العرب أن يترجم عن المجمل من الكلام بالمفسر وبالخاصّ عن العامّ دون الترجمة عن المفسر بالمجمل، وبالعامّ عن الخاص، وتوجيه كتاب الله إلى الأفصح من الكلام وأولى من توجيه إلى غيره ما وجد إليه السبيل.تعليق
-
قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بالصواب في ذلك، ما قال مجاهد من أنه عنى بقوله: { لَّيْسَ بِأَمَـظ°نِيِّكُمْ } مشركي قريش. وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن المسلمين لم يجر لأمانيهم ذكر فيما مضى من الآي قبل قوله: { لَّيْسَ بِأَمَـظ°نِيِّكُمْ } وإنما جرى ذكر أمانيّ نصيب الشيطان المفروض، وذلك في قوله:
{ وَلامَنِّيَنَّهُمْ وَلاَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءاذَانَ ظ±لأَنْعَـظ°مِ }
[النساء: 119] وقوله:
{ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ }
[النساء: 120] فإلحاق معنى قوله: { لَّيْسَ بِأَمَـظ°نِيِّكُمْ } بما قد جري ذكره قبل أحقّ وأولى من ادّعاء تأويل فيه، لا دلالة عليه من ظاهر التنزيل، ولا أثر عن الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا أجماع من أهل التأويل. وإذ كان ذلك كذلك، فتأويل الآية إذن: ليس الأمر بأمانيكم يا معشر أولياء الشيطان وحزبه التي يمنيكموها وليكم عدوّا لله من إنقاذكم ممن أرادكم بسوء، ونصرتكم عليه، وإظفاركم به، ولا أماني أهل الكتاب الذين قالوا اغترارا بالله وبحلمه عنهم: لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة، ولن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى، فإن الله مجازي كل عامل منكم جزاء عمله، من يعمل منكم سوء، أو من غيركم يجز به، ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً، ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة.
ومما يدلّ أيضاً على صحة ما قلنا في تأويل ذلك، وأنه عُني بقوله: { لَّيْسَ بِأَمَـظ°نِيِّكُمْ } مشركو العرب كما قال مجاهد: إن الله وصف وعد الشيطان ما وعد أولياءه، وأخبر بحال وعده، ثم أتبع ذلك بصفة وعده الصادق بقوله:
{ وَظ±لَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ظ±لصَّـظ°لِحَـظ°تِ سَنُدْخِلُهُمْ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّـظ°تٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ظ±لأَنْهَـظ°رُ خَـظ°لِدِينَ فِيهَا أَبَداً وَعْدَ ظ±للَّهِ حَقّاً }
[النساء: 122] وقد ذكر جلّ ثناؤه مع وصفه وعد الشيطان أولياءه، وتمنيته إياهم الأماني بقوله:
{ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ }
[النساء: 120] كما ذكر وعده إياهم، فالذي هو أشبه أن يتبع تمنيته إياهم من الصفة، بمثل الذي أتبع عدّته إياهم به من الصفة. وإذ كان ذلك كذلك صحّ أن قوله: { لَّيْسَ بِأَمَـظ°نِيِّكُمْ وَلا أَمَانِىِّ أَهْلِ ظ±لْكِتَـظ°بِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ }... الآية، إنما هو خبر من الله عن أمانيّ أولياء الشيطان وما إليه صائرة أمانيهم مع سيـىء أعمالهم من سوء الجزاء، وما إليه صائرة أعمال أولياء الله من حسن الجزاء. وإنما ضمّ جلّ ثناؤه أهل الكتاب إلى المشركين في قوله: { لَّيْسَ بِأَمَـظ°نِيِّكُمْ وَلا أَمَانِىِّ أَهْلِ ظ±لْكِتَـظ°بِ } لأن أماني الفريقين من تمنية الشيطان إياهم التي وعدهم أن يمنيهموها بقوله:
{ وَلاَضِلَّنَّهُمْ وَلامَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ }
[النساء: 119]....
قال أبو جعفر: وأولى التأويلات التي ذكرناها بتأويل الآية، التأويل الذي ذكرناه عن أبيّ بن كعب وعائشة، وهو أن كل من عمل سوءاً صغيراً أو كبيراً من مؤمن أو كافر، جوزي به. وإنما قلنا ذلك أولى بتأويل الآية، لعموم الآية كل عامل سوء، من غير أن يخص أو يستثنى منهم أحد، فهي على عمومها إذ لم يكن في الآية دلالة على خصوصها ولا قامت حجة بذلك من خبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم.
فإن قال قائل: وأين ذلك من قول الله:
{ إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَـظ°تِكُمْ }
[النساء: 31] وكيف يجوز أن يجازي على ما قد وعد تكفيره؟ قيل: إنه لم يعد بقوله:
{ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَـظ°تِكُمْ }
[النساء: 31] ترك المجازاة عليها، وإنما وَعَد التكفير بترك الفضيحة منه لأهلها في معادهم، كما فضح أهل الشرك والنفاق. فأما إذا جازاهم في الدنيا عليها بالمصائب ليكفرها عنهم بها ليوافوه ولا ذنب لهم، يستحقون المجازاة عليه، فإنما وفي لهم بما وعدهم بقوله:
{ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَـظ°تِكُمْ }
[النساء: 31] وأنجز لهم ما ضمن لهم بقوله:
{ وَظ±لَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ظ±لصَّـظ°لِحَـظ°تِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّـظ°تٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ظ±لأَنْهَـظ°رُ }
[النساء: 122].
وبنحو الذي قلنا في ذلك، تظاهرت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ذكر الأخبار الواردة بذلك:
حدثنا أبو كريب، وسفيان بن وكيع ونصر بن عليّ وعبد الله بن أبي زياد القَطَواني، قالوا: ثنا سفيان بن عيينة، عن ابن محيصن، عن محمد بن قيس بن مخرمة، عن أبي هريرة، قال: لما نزلت هذه الآية: { مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ } شقَّت على المسلمين، وبلغت منهم
أن تبلغ، فشكَوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: " قَاربوا وسَدِّدُوا، ففي كل ما يُصَابُ به المسلم كَفَّارَةٌ، حتّى النَّكْبَة يُنْكَبُها، أو الشوكة يُشَاكّها "
تعليق
-
وأولى هذه الأقوال التي ذكرنا عمن ذكرناها عنه بالصواب وأشبهها بظاهر التنزيل قول من قال: معنى قوله: { وَمَا يُتْلَىظ° عَلَيْكُمْ فِى ظ±لْكِتَـظ°بِ }: وما يتلى عليكم من آيات الفرائض في أوّل هذه السورة وآخرها.
وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن الصداق ليس مما كتب للنساء إلا بالنكاح، فما لم تنكح فلا صداق لها قِبَلَ أحَد، وإذا لم يكن ذلك لها قِبَل أحد لم يكن مما كتب لها، وإذا لم يكن مما كتب لها، لم يكن لقول قائل عني بقوله: { وَمَا يُتْلَىظ° عَلَيْكُمْ فِى ظ±لْكِتَـظ°بِ }: الإقساط في صدقات يتامى النساء وجه، لأن الله قال في سياق الآية مبيناً عن الفتيا التي وعدنا أن يفتيناها في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهنّ ما كتب لهنّ، فأخبر أن بعض الذي يفتينا فيه من أمر النساء أمر اليتيمة المحولة بينها وبين ما كتب الله لها، والصداق قبل عقد النكاح ليس مما كتب الله لها على أحد، فكان معلوماً بذلك أن التي عنيت بهذه الآية هي التي قد حيل بينها وبين الذي كتب لها مما يتلى علينا في كتاب الله. فإذا كان ذلك كذلك، كان معلوماً أن ذلك هو الميراث الذي يوجبه الله لهن في كتابه. فأما الذي ذكر عن محمد بن أبي موسى، فإنه مع خروجه من قول أهل التأويل، بعيد مما يدلّ عليه ظاهر التنزيل، وذلك أنه زعم أن الذي عنى الله بقوله: { وَمَا يُتْلَىظ° عَلَيْكُمْ فِى ظ±لْكِتَـظ°بِ } هو
{ وَإِنِ ظ±مْرَأَةٌ خَـظ°فَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً }
[النساء: 128]، وإذا وجه الكلام إلى المعنى الذي تأوّله صار الكلام مبتدأ من قوله: { فِى يَتَـظ°مَى ظ±لنِّسَاءِ ظ±لَّلَـظ°تِى لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ } ترجمة بذلك عن قوله { فِيهِنَّ } ويصير معنى الكلام: قل الله يفتيكم فيهن في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهنّ، ولا دلالة في الآية على ما قاله، ولا أثر عمن يعلم بقوله صحة ذلك. وإذا كان ذلك كذلك، كان وصل معاني الكلام بعضه ببعض أولى ما وجد إليه سبيل. فإذا كان الأمر على ما وصفنا، فقوله: { فِى يَتَـظ°مَى ظ±لنِّسَاءِ } بأن يكون صلة لقوله: { وَمَا يُتْلَىظ° عَلَيْكُمْ } أولى من أن يكون ترجمة عن قوله: { قُلِ ظ±للَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ } لقربه من قوله: { وَمَا يُتْلَىظ° عَلَيْكُمْ فِى ظ±لْكِتَـظ°بِ } ، وانقطاعه عن قوله: { يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ }.
وإذ كان ذلك كذلك، فتأويل الآية: ويستفتونك في النساء، قل الله يفتيكم فيهنّ، وفيما يتلى عليكم فِي كتابِ الله الذي أنزله على نبيه في أمر يتامى النساء اللاتي لا تعطونهنّ ما كتب لهنّ، يعني: ما فرض الله لهنّ من الميراث عمن ورثنه. كما:
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: { لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ } قال: لا تورثونهن.....
قال أبو جعفر: وأولى القولين بتأويل الآية قول من قال: معنى ذلك: وتَرْغَبُونَ عَنْ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ، لأن حبسهم أموالهن عنهنّ، مع عضلهم إياهنّ إنما كان ليرثوا أموالهن دون زوج إن تزوّجن.
ولو كان الذين حبسوا عنهنّ أموالهنّ إنما حبسوها عنهنّ رغبة في نكاحهنّ، لم يكن للحبس عنهنّ وجه معروف، لأنهم كانوا أولياءهن، ولم يكن يمنعهم من نكاحهنّ مانع فيكون به حاجة إلى حبس مالها عنها ليتخذ حبسها عنها سبباً إلى إنكاحها نفسها منه....تعليق
-
وقال آخرون: معنى ذلك: وأحضرت نفس كل واحد من الرجل والمرأة الشحّ بحقه قبَل صاحبه. ذكر من قال ذلك:
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سمعت ابن زيد يقول في قوله: { وَأُحْضِرَتِ ظ±لأنفُسُ ظ±لشُّحَّ } قال: لا تطيب نفسه أن يعطيها شيئاً فتحلله، ولا تطيب نفسها أن تعطيه شيئاً من مالها، فتعطفه عليها.
قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب، قول من قال: عني بذلك: أحضرت أنفس النساء الشحّ بأنصبائهن من أزواجهن في الأيام والنفقة. والشحّ: الإفراط في الحرص على الشيء، وهو في هذا الموضع: إفراط حرص المرأة على نصيبها من أيامها من زوجها ونفقتها.
فتأويل الكلام: وأحضرت أنفس النساء أهواءهن من فرط الحرص على حقوقهنّ من أزواجهنّ، والشحّ بذلك على ضرائرهن.
وبنحو ما قلنا في معنى الشحّ، ذكر عن ابن عباس أنه كان يقول.
حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: { وَأُحْضِرَتِ ظ±لأنفُسُ ظ±لشُّحَّ } والشحّ: هواه في الشيء يحرص عليه.
وإنما قلنا هذا القول أولى بالصواب من قول من قال: عني بذلك: وأحضرت أنفس الرجال والنساء الشحّ، على ما قاله ابن زيد، لأن مصالحة الرجل امرأته باعطائه إياها من ماله جعلاً على أن تصفح له عن القسم لها غير جائزة، وذلك أنه غير معتاض عوضاً من جعله الذي بذله لها، والجعل لا يصحّ إلا على عوض: إما عين، وإما منفعة.
والرجل متى جَعَل للمرأة جُعْلاً على أن تصفح له عن يومها وليلتها فلم يملك عليها عيناً ولا منفعة. وإذا كان ذلك كذلك، كان ذلك من معاني أكل المال بالباطل. وإذا كان ذلك كذلك، فمعلوم أنه لا وجه لقول من قال: عني بذلك: الرجل والمرأة. فإن ظنّ ظانّ أن ذلك إذ كان حقاً للمرأة، ولها المطالبة به، فللرجل افتداؤه منها بجعل، فإن شفعة المستشفع في حصة من دار اشتراها رل من شريك له فيها حقّ، له المطالبة بها، فقد يجب أن يكون للمطلوب افتداء ذلك منه بجعل، وفي إجماع الجميع على أن الصلح في ذلك على عوض غير جائز، إذ كان غير معتاض منه المطلوب في الشفعة عيناً ولا نفعاً، ما يدلّ على بطول صلح الرجل امرأته على عوض، على أن تصفح عن مطالبتها إياه بالقسمة لها. وإذ فسد ذلك صحّ أن تأويل الآية ما قلنا. وقد أبان الخبر الذي تركناه عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار، أن قوله: { وَإِنِ ظ±مْرَأَةٌ خَـظ°فَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً }... الآية، نزلت في أمر رافع بن خديج وزوجته، إذ تزوّج عليها شابة، فآثر الشابة عليها، فأبت الكبيرة أن تقرّ على الأثرة، فطلقها تطليقة وتركها، فلما قارب انقضاء عدتها، خيرها بين الفراق والرجعة والصبر على الأثرة، فاختارت الرجعة والصبر على الأثرة، فراجعها وآثر عليها، فلم تصبر فطلقها. ففي ذلك دليل واضح على أن قوله: { وَأُحْضِرَتِ ظ±لأنفُسُ ظ±لشُّحَّ } إنما عني به: وأحضرت أنفس النساء الشحّ بحقوقهنّ من أزواجهن على ما وصفنا.تعليق
-
قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بالصواب في ذلك تأويل من تأوّله: إنه ليّ الشاهد شهادته لمن يشهد له وعليه؛ وذلك تحريفه إياها لسانه وتركه إقامتها ليبطل بذلك شهادته لمن شهد له وعمن شهد عليه. وأما إعراضه عنها، فإنه تركه أداءها والقيام بها فلا يشهد بها. وإنما قلنا هذا التأويل أولى بالصواب، لأن الله جلّ ثناؤه قال: { كُونُواْ قَوَّامِينَ بِظ±لْقِسْطِ شُهَدَاء للَّهِ } فأمرهم بالقيام بالعدل شهداء، وأظهر معاني الشهداء ما ذكرنا من وصفهم بالشهادة.....
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية قول من قال: عني بذلك أهل الكتاب الذين أقرّوا بحكم التوراة، ثم كذبوا بخلافهم إياه، ثم أقرّ من أقرّ منهم بعيسى والإنجيل، ثم كذب به بخلافه إياه، ثم كذّب بمحمد صلى الله عليه وسلم والفرقان، فازداد بتكذيبه به كفراً على كفره.
وإنما قلنا: ذلك أولى بالصواب في تأويل هذه الآية، لأن الآية قبلها في قصص أهل الكتابين، أعني قوله:
{ يَظ°ـأَيُّهَا ظ±لَّذِينَ ءَامَنُواْ ءَامِنُواْ بِظ±للَّهِ وَرَسُولِهِ }
[النساء: 136] ولا دلالة تدلّ على أن قوله: { إِنَّ ظ±لَّذِينَ ءامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ } منقطع معناه من معنى ما قبله، فإلحاقه بما قبله أَوْلَى حتى تأٍّي دلالة دالة على انقطاعه منه.تعليق
-
قال أبو جعفر: وأولـى القراءتـين بـالصواب فـي ذلك قراءة من قرأ: { إلاَّ مَنْ ظُلِـمَ } بضمّ الظاء، لإجماع الـحجة من القرّاء وأهل التأويـل علـى صحتها، وشذوذ قراءة من قرأ ذلك بـالفتـح. فإذ كان ذلك أولـى القراءتـين بـالصواب، فـالصواب فـي تأويـل ذلك: لا يحبّ الله أيها الناس أن يجهر أحد لأحد بـالسوء من القول { إلاَّ مَنْ ظُلِـمَ } بـمعنى: إلا من ظُلـم فلا حرج علـيه أن يخبر بـما أسيء إلـيه. وإذا كان ذلك معناه، دخـل فـيه إخبـار من لـم يُقْرَ أو أسيء قِرَاه، أو نـيـل بظلـم فـي نفسه أو ماله عَنوة من سائر الناس، وكذلك دعاؤه علـى من ناله بظلـم أن ينصره الله علـيه، لأن فـي دعائه علـيه إعلاماً منه لـمن سمع دعاءه علـيه بـالسوء له. وإذ كان ذلك كذلك، فـ «مَنْ» فـي موضع نصب، لأنه منقطع عما قبله، وأنه لا أسماء قبله يستثنى منها، فهو نظير قول:
{ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ* إِلاَّ مَن تَوَلَّىظ° وَكَفَرَ }
[الغاشية: 22-23]....
وفـي قوله جلّ ثناؤه: { إنْ تُبْدُوا خَيْراً أوْ تُـخْفُوهُ أوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فإنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا } الدلالة الواضحة علـى أن تأويـل قوله: لا يُحِبُّ اللَّهُ الـجَهْرَ بـالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلاَّ مَنْ ظُلِـمَ بخلاف التأويـل الذي تأوّله زيد ابن أسلـم فـي زعمه أن معناه: لا يحبّ الله الـجهر بـالسوء من القول لأهل النفـاق، إلا من أقام علـى نفـاقه، فإنه لا بأس بـالـجهر له بـالسوء من القول. وذلك أنه جلّ ثناؤه قال عقـيب ذلك: { إنْ تُبْدُوا خَيْراً أوْ تُـخْفُوهُ أوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ } ومعقول أن الله جلّ ثناؤه لـم يأمر الـمؤمنـين بـالعفو عن الـمنافقـين علـى نفـاقهم، ولا نهاهم أن يُسَمُّوا من كان منهم معلن النفـاق منافقاً، بل العفو عن ذلك مـما لا وجه له معقول، لأن العفو الـمفهوم إنـما هو صفح الـمرء عما له قِبَل غيره من حقّ، وتسمية الـمنافق بـاسمه لـيس بحقّ لأحد قِبله فـيؤمر بعفوه عنه، وإنـما هو اسم له، وغير مفهوم الأمر بـالعفو عن تسمية الشيء بـما هو اسمه.تعليق
-
حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: قال ابن جريج، قوله: { يَسْئَلُكَ أهْلُ الكتابِ أنْ تُنَزِّلَ عَلَـيْهِمْ كِتابـاً مِنَ السَّماءِ } وذلك أن الـيهود والنصارى أتوُا النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فقالوا: لن نتابعك علـى ما تدعونا إلـيه، حتـى تأتـينا بكتاب من عند الله إلـى فلان أنك رسول الله، وإلـى فلان بكتاب أنك رسول الله قال الله جلّ ثناؤه: { يَسْئَلُكَ أهْلُ الكتابِ أنْ تُنَزِّلَ عَلَـيْهِمْ كِتابـاً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سألُوا مُوسَى أكْبَرَ مِنَ ذَلِكَ فقالُوا أرِنا الله جَهْرَةً }.
قال أبو جعفر: وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب أن يقال: إن أهل التوراة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسأل ربه أن ينزّل علـيهم كتابـاً من السماء آية، معجزة جميع الـخـلق عن أن يأتوا بـمثلها، شاهدة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بـالصدق، آمرة لهم بـاتبـاعه. وجائز أن يكون الذي سألوه من ذلك كتابـاً مكتوبـاً ينزل علـيهم من السماء إلـى جماعتهم، وجائز أن يكون ذلك كتبـاً إلـى أشخاص بأعينهم.
بل الذي هو أولـى بظاهر التلاوة أن تكون مسألتهم إياه ذلك كانت مسألة لـينزل الكتاب الواحد إلـى جماعتهم لذكر الله تعالـى فـي خبره عنهم الكتاب بلفظ الواحد، بقوله: { يَسْئَلُكَ أهْلُ الكتابِ أنْ تُنَزِّلَ عَلَـيْهِمْ كِتابـاً مِنَ السَّماءِ } ولـم يقل: «كتبـاً».تعليق
-
والصواب من القول فـي ذلك أن قوله: { فَبِـما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ } وما بعده منفصل معناه من معنى ما قبله وأنّ معنى الكلام: فبـما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله، وبكذا وبكذا، لعنّاهم وغضبنا علـيهم، فترك ذكر «لعناهم» لدلالة قوله: { بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَـيْها بِكُفْرِهِمْ } علـى معنى ذلك، إذ كان مَن طبع علـى قلبه فقد لُعن وسُخط علـيه.
وإنـما قلنا ذلك أولـى بـالصواب، لأن الذين أخذتهم الصاعقة إنـما كانوا علـى عهد موسى والذين قتلوا الأنبـياء والذين رَمَوْا مريـم بـالبهتان العظيـم، وقالوا: قتلنا الـمسيحَ، كانوا بعد موسى بدهر طويـل، ولـم يدرك الذين رَمَوْا مريـم بـالبهتان العظيـم زمان موسى ولا مَن صُعِق من قومه. وإذ كان ذلك كذلك، فمعلوم أن الذين أخذتهم الصاعقة لـم تأخذهم عقوبة لِرَميهم مريـم بـالبهتان العظيـم، ولا لقولهم: إنا قتلنا الـمسيح عيسى ابن مريـم. وإذ كان ذلك كذلك، فبـين أن القوم الذين قالوا هذه الـمقالة، غير الذين عوقبوا بـالصاعقة. وإذا كان ذلك كذلك، كان بـيناً انفصال معنى قوله: { فَبِـما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ } من معنى قوله:
{ فَأَخَذَتْهُمُ ظ±لصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ }
[النساء: 153].تعليق
-
قال أبو جعفر: وأولـى هذه الأقوال بـالصواب أحد القولـين اللذين ذكرناهما عن وهب بن منبه، من أن شبه عيسى ألقـى علـى جميع من كان فـي البـيت مع عيسى حين أحيط به وبهم، من غير مسألة عيسى إياهم ذلك، ولكن لـيخزي الله بذلك الـيهود وينقذ به نبـيه علـيه السلام من مكروه ما أرادوا به من القتل، ويبتلـى به من أراد ابتلاءه من عبـاده فـي قـيـله فـي عيسى وصدق الـخبر عن أمره. أو القول الذي رواه عبد العزيز عنه.
وإنـما قلنا: ذلك أولـى القولـين بـالصواب، لأن الذين شهدوا عيسى من الـحواريـين لو كانوا فـي حال ما رفع عيسى، وألقـى شبهه علـى من ألقـى علـيه شبهه، كانوا قد عاينوا عيسى هو يرفع من بـينهم، وأثبتوا الذي ألقـى علـيه شبهه، وعاينوه متـحوّلاً فـي صورته بعد الذي كان به من صورة نفسه بـمـحضر منهم، لـم يخف ذلك من أمر عيسى، وأمر من ألقـي علـيه شبهه علـيهم مع معاينتهم ذلك كله، ولـم يـلتبس ولـم يشكل علـيهم وإن أشكل علـى غيرهم من أعدائهم من الـيهود أن الـمقتول والـمصلوب كان غير عيسى، وأن عيسى رفع من بـينهم حياً.
وكيف يجوز أن يكون كان أشكل ذلك علـيهم، وقد سمعوا من عيسى مقالته: من يُـلْقَـى علـيه شبهي ويكون رفـيقـي فـي الـجنة؟ إن كان قال لهم ذلك، وسمعوا جواب مـجيبه منهم: أنا، وعاينوا تـحوّل الـمـجيب فـي صورة عيسى بعقب جوابه. ولكن ذلك كان إن شاء الله علـى نـحو ما وصف وهب بن منبه، إما أن يكون القوم الذين كانوا مع عيسى فـي البـيت الذي رفع منه من حواريه حوّلهم الله جميعاً فـي صورة عيسى حين أراد الله رفعه، فلـم يثبتوا عيسى معرفة بعينه من غيره لتشابه صُوَر جميعهم، فقتلت الـيهود منهم من قتلت وهم يرونه بصورة عيسى ويحسبونه إياه، لأنهم كانوا به عارفـين قبل ذلك، وظنّ الذين كانوا فـي البـيت مع عيسى مثل الذي ظنت الـيهود، لأنهم لـم يـميزوا شخص عيسى من شخص غيره لتشابه شخصه وشخص غيره مـمن كان معه فـي البـيت، فـاتفقوا جميعهم أعنـي الـيهود والنصارى من أجل ذلك علـى أن الـمقتول كان عيسى، ولـم يكن به، ولكنه شبه لهم، كما قال الله جلّ ثناؤه: { وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ }. أو يكون الأمر فـي ذلك كان علـى نـحو ما روى عبد الصمد بن معقل، عن وهب بن منبه، أن القوم الذين كانوا مع عيسى فـي البـيت تفرّقوا عنه قبل أن يدخـل علـيه الـيهود، وبقـي عيسى، وألقـي شبهه علـى بعض أصحابه الذين كانوا معه فـي البـيت بعد ما تفرّق القوم غير عيسى وغير الذي ألقـى علـيه شبهه، ورُفع عيسى. فقُتل الذي تـحوّل فـي صورة عيسى من أصحابه، وظنّ أصحابه والـيهود أن الذي قُتل وصلب هو عيسى لـما رأوا من شبهه به وخفـاء أمر عيسى علـيهم لأن رفعه وتـحوّل الـمقتول فـي صورته كان بعد تفرّق أصحابه عنه، وقد كانوا سمعوا عيسى من اللـيـل ينعي نفسه ويحزن لـما قد ظنّ أنه نازل به من الـموت، فحكوا ما كان عندهم حقاً، والأمر عند الله فـي الـحقـيقة بخلاف ما حكوا، فلـم يستـحقّ الذين حكوا ذلك من حواريـيه أن يكونوا كذبة، أو حكوا ما كان حقاً عندهم فـي الظاهر وإن كان الأمر عند الله فـي الـحقـيقة بخلاف الذي حكوا....
. { وَما قَتَلُوهُ يَقِـيناً } يقول: وما قتلوا هذا الذي اتبعوه فـي الـمقتول الذي قتلوه وهم يحسبونه عيسى يقـيناً أنه عيسى، ولا أنه غيره، ولكنهم كانوا منه علـى ظنّ وشبهة وهذا كقول الرجل للرجل: ما قتلت هذا الأمر علـماً وما قتلته يقـيناً، إذا تكلـم فـيه بـالظنّ علـى غير يقـين علـم فـالهاء فـي قوله: { وَما قَتَلُوهُ } عائدة علـى الظنّ.
وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:
حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية بن صالـح، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس، قوله: { وَما قَتَلُوهُ يَقِـيناً } قال: يعنـي: لـم يقتلوا ظنهم يقـيناً.تعليق
تعليق