إرشاد النحرير لترجيحات الامام ابن جرير

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • اسامة محمد خيري
    Registered User
    • Dec 2008
    • 12975

    #436
    حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن خـلف الأشجعي، عن سلـمة بن نبـيط، عن الضحاك فـي: { إنَّا نَرَاكَ مِنَ الـمُـحْسِنِـينَ } قال: كان يوسع للرجل فـي مـجلسه، ويتعاهد الـمرضى.

    وقال آخرون: معناه: { إنَّا نَرَاكَ مِنَ الـمُـحْسِنِـينَ } إذ نبأتنا بتأويـل رؤيانا هذه. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: استفتـياه فـي رؤياهما، وقالا له: { نَبَئِّنْا بتَأْوِيـلِهِ إنَّا نَرَاكَ مِنَ الـمُـحْسِنِـينَ } إن فعلت.

    وأولـى الأقوال فـي ذلك عندنا بـالصواب القول الذي ذكرناه عن الضحاك وقتادة.

    فإن قال قائل: وما وجه الكلام إن كان الأمر إذن كما قلت، وقد علـمت أن مسألتهما يوسف أن ينبئهما بتأويـل رؤياهما لـيست من الـخبر عن صفته بأنه يعود الـمريض ويقوم علـيه ويحسن إلـى من احتاج فـي شيء، وإنـما يقال للرجل: نبئنا بتأويـل هذا فإنك عالـم، وهذا من الـمواضع التـي تـحسن بـالوصف بـالعلـم لا بغيره؟

    قـيـل: إن وجه ذلك أنهما قالا له: نبئنا بتأويـل رؤيانا مـحسناً إلـينا فـي إخبـارك إيانا بذلك، كما نراك تـحسن فـي سائر أفعالك، إنا نراك من الـمـحسنـين.

    تعليق

    • اسامة محمد خيري
      Registered User
      • Dec 2008
      • 12975

      #437
      واختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأه بعض أهل الـمدينة والبصرة والكوفة: { وَفِـيهِ يَعْصِرُونَ } بـالـياء، بـمعنى ما وصفت من قول من قال: عصر الأعناب والأدهان. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفـيـين: «وَفِـيهِ تَعْصِرُونَ» بـالتاء. وقرأه بعضهم: «وَفِـيهِ يَعْصَرُونَ» بـمعنى: يُـمطرون، وهذه قراءة لا أستـجيز القراءة بها لـخلافها ما علـيه من قرّاء الأمصار.

      والصواب من القراءة فـي ذلك أن لقارئه الـخيار فـي قراءته بأيّ القراءتـين الأخريـين شاء، إن شاء بـالـياء ردًّا علـى الـخبر به عن الناس، علـى معنى: { فِـيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَفِـيهِ يَعْصِرُونَ } أعْنابهم وأدهانهم. وإن شاء بـالتاء ردًّا علـى قوله:
      { إلاَّ قَلِـيلاً مِـمَّا تُـحْصِنُونَ }
      وخطابـاً به لـمن خاطبه بقوله:
      { يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُـمْ لَهُنَّ إلاَّ قَلِـيلاً مِـمَّا تُـحْصِنُونَ }
      لأنهما قراءتان مستفـيضتان فـي قِرَاءَة الأمصار بـاتفـاق الـمعنى، وإن اختلفت الألفـاظ بهما. وذلك أن الـمخاطبـين بذلك كان لا شكّ أنهم أغيثوا وعصروا: أغيث الناس الذين كانوا بناحيتهم وعصروا، وكذلك كانوا إذا أغيث الناس بناحيتهم وعصروا، أغيث الـمخاطبون وعصروا، فهما متفقتا الـمعنى، وإن اختلفت الألفـاظ بقراءة ذلك. وكان بعض من لا علـم له بأقوال السلف من أهل التأويـل مـمن يفسر القرآن برأيه علـى مذهب كلام العرب يوجه معنى قوله: { وَفِـيهِ يَعْصِرُونَ } إلـى: وفـيه يَنْـجون من الـجدب والقحط بـالغيث، ويزعم أنه من العَصر والعصر التـي بـمعنى الـمنـجاة، من قول أبـي زبـيد الطائي:

      صَادِياً يَسْتَغِيثُ غَيْرَ مُغاثٍ وَلَقَدْ كانَ عُصْرَةَ الـمَنْـجُودِ
      أي الـمقهور، ومن قول لبـيد
      : فبـاتَ وأسْرَى القَوْمُ آخِرَ لَـيْـلهِمْ
      وَما كانَ وَقَّافـاً بغَيْرِ مُعَصَّرِ
      وذلك تأويـل يكفـي من الشهادة علـى خطئه خلافه قول جميع أهل العلـم من الصحابة والتابعين. وأما القول الذي روى الفَرج بن فضالة عن علـيّ بن أبـي طلـحة، فقول لا معنى له، لأنه خلاف الـمعروف من كلام العرب وخلاف ما يعرف من قول ابن عبـاس رضي الله عنهما.

      تعليق

      • اسامة محمد خيري
        Registered User
        • Dec 2008
        • 12975

        #438
        يعنـي بقوله: { ذلكَ لِـيَعْلَـمَ أنّـي لَـمْ أخْنْهُ بـالغَيْبِ } هذا الفعل الذي فعلته من ردّي رسول الـملك إلـيه، وتركي إجابته والـخروج إلـيه، ومسألتـي إياه أن يسأل النَّسْوَة اللاتـي قطَّعْنَ أيْدِيَهُن، عن شأنهنّ إذ قطعن أيديهن، إنـما فعلته لـيعلـم أنـي لـم أخنه فـي زوجته بـالغيب: يقول: لـم أركب منها فـاحشة فـي حال غيبته عنـي. وإذا لـم يركب ذلك بـمغيبه، فهو فـي حال مشهده إياه أحرى أن يكون بعيداً عن ركوبه. كما:

        حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: يقول يوسف: { ذلكَ لِـيَعْلَـمَ } إطفـير سيده، { أنّـي لَـمْ أخُنْهُ بـالغَيْبِ } أنـي لـم أكن لأخالفه إلـى أهله من حيث لا يعلـمه...

        وأولـى القولـين عندنا بـالصواب، قول من قال: معنى ذلك: إنـي حافظ لـما استودعتنـي، عالـم بـما أولـيتنـي، لأن ذلك عقـيب قوله: { اجْعَلْنِـي علـى خَزَائِنِ الأرْضِ } ومسألته الـملك استكفـاءة خزائن الأرض، فكان إعلامه بأن عنده خبرة فـي ذلك، وكفـايته إياه، أشبه من إعلامه حفظه الـحساب ومعرفته بـالألسن.

        تعليق

        • اسامة محمد خيري
          Registered User
          • Dec 2008
          • 12975

          #439
          واختلفت القراء فـي قراءة قوله: { نَكْتَلْ } ، فقرأ ذلك عامة قرّاء أهل الـمدينة وبعض أهل مكة والكوفة { نَكْتَلْ } بـالنون، بـمعنى: نكتل نـحن وهو. وقرأ ذلك عامة قرّاء أهل الكوفة: «يَكْتَلْ» بـالـياء، بـمعنى يكتل هو لنفسه كما نكتال لأنفسنا.

          والصواب من القول فـي ذلك أنهما قراءتان معروفتان متفقتا الـمعنى، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب الصواب. وذلك أنهم إنـما أخبروا أبـاهم أنه مَنَع منهم زيادة الكيـل علـى عدد رؤوسهم، فقالوا: { يا أبـانَا مُنِعَ مِنَّا الكَيْـلُ } ثم سألوه أن يرسل معهم أخاهم لـيكتال لنفسه، فهو إذاً اكتال لنفسه واكتالوا هم لأنفسهم، فقد دخـل الأخ فـي عَدَدهم. فسواء كان الـخبر بذلك عن خاصة نفسه، أو عن جميعهم بلفظ الـجميع، إذ كان مفهوماً معنى الكلام وما أريد به.

          تعليق

          • اسامة محمد خيري
            Registered User
            • Dec 2008
            • 12975

            #440
            وقوله: { فَأسَرَّها يُوسُفُ فِـي نَفْسِهِ ولَـمْ يُبْدِها لَهُمْ قالَ أنْتُـمْ شَرّ مَكاناً وَاللّهُ أعْلَـمُ بِـمَا تَصِفُونَ } يعنـي بقوله: «فأسرّها»: فأضمرها، وقال: «فأسرّها» فأنث، لأنه عنى بها الكلـمة، وهي: «أنتـمّ شرّ مكاناً، والله أعلـم بـما تصفون»، ولو كانت جاءت بـالتذكير كان جائزاً، كما قـيـل: تِلْكَ مِنْ أنْبـاءِ الغَيْبِ و ذلكَ منْ أنْبـاءِ القُرَى، وكنـى عن الكلـمة ولـم يجر لها ذكر متقدّم، والعرب تفعل ذلك كثـيراً، إذا كان مفهوماً الـمعنى الـمراد عند سامعي الكلام. وذلك نظير قول حاتـم الطائي:
            أماوِيَّ ما يُغْنِي الثَّرَاءُ عَنِ الفَتى إذَا حَشْرَجَتْ يَوْماً وَضَاقَ بِها الصَّدْرُ
            يريد: وضاق بـالنفس الصدر. فكنـى عنها ولـم يجر لها ذكر، إذ كان فـي قوله: «إذا حشرجت يوماً»، دلالة لسامع كلامه علـى مراده بقوله: «وضاق بها». ومنه قول الله:
            { ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ للَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحيـمٌ }
            فقال: «من بعدها»، ولـم يجر قبل ذلك ذكر لاسم مؤنث.

            وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

            حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { فَأسَرَّها يُوسُفُ فِـي نَفْسِهِ ولَـمْ يُبْدِها لَهُمْ } أما الذي أسرّ فـي نفسه فقوله: { أنْتُـمْ شَرّ مَكاناً وَاللّهُ أعْلَـمُ بِـمَا تَصِفُونَ }.

            تعليق

            • اسامة محمد خيري
              Registered User
              • Dec 2008
              • 12975

              #441
              وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصحة قول من قال: عنى بقوله: { قالَ كَبـيرُهُمْ } رُوبـيـل لإجماع جميعهم علـى أنه كان أكبرهم سنًّا، ولا تفهم العرب فـي الـمخاطبة إذا قـيـل لهم: فلان كبـير القوم مطلقاً بغير وصل إلاَّ أحد معنـيـين، إما فـي الرياسة علـيهم والسؤدد وإما فـي السنّ، فأما فـي العقل فإنهم إذا أرادوا ذلك وصلوه، فقالوا: هو كبـيرهم فـي العقل، فأما إذا أطلق بغير صلته بذلك فلا يفهم إلاَّ ما ذكرت. وقد قال أهل التأويـل: لـم يكن لشمعون وإن كان قد كان من العلـم والعقل بـالـمكان الذي جعله الله به علـى إخوته رياسة وسؤدد، فـيعلـم بذلك أنه عنى بقوله: { قالَ كَبِـيرُهُمْ } فإذا كان ذلك كذلك فلـم يبق إلاَّ الوجه الآخر، وهو الكبر فـي السنّ، وقد قال الذين ذكرنا جميعاً: رُوبـيـل كان أكبر القوم سنًّا، فصحّ بذلك القول الذي اخترناه.

              تعليق

              • اسامة محمد خيري
                Registered User
                • Dec 2008
                • 12975

                #442
                وأولى التأويلين بـالصواب عندنا فـي قوله: { وَما شَهِدْنا إلاَّ بِـمَا عَلِمْنا } قول من قال: وما شهدنا بأن ابنك سرق إلاَّ بـما علـمنا من رؤيتنا للصواع فـي وعائه لأنه عقـيب قوله: { إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ } فهو بأن يكون خبراً عن شهادتهم بذلك أولـى من أن يكون خبراً عما هو منفصل. وذكر أن الغيب فـي لغة حمير هو اللـيـل بعينه.

                تعليق

                • اسامة محمد خيري
                  Registered User
                  • Dec 2008
                  • 12975

                  #443
                  قال الـحارث: قال القاسم: يذهب ابن عيـينة إلـى أنهم لـم يقولوا ذلك إلاَّ والصدقة لهم حلال، وهم أنبـياء، فإن الصدقة إنـما حرمت علـى مـحمد صلى الله عليه وسلم، لا علـيهم.

                  وقال آخرون: إنـما عنى بقوله: { وَتَصَدَّقْ عَلَـيْنا } وتصدّق علـينا بردّ أخينا إلـينا. ذكر من قال ذلك:

                  حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قوله: { وَتَصَدَّقْ عَلَـيْنا } قال: ردّ إلـينا أخانا.

                  وهذا القول الذي ذكرناه عن ابن جريج، وإن كان قولاً له وجه، فلـيس بـالقول الـمختار فـي تأويـل قوله: { وَتَصَدَّقْ عَلَـيْنا } لأن الصدقة فـي الـمتعارف: إنـما هي إعطاء الرجل ذا الـحاجة بعض أملاكه ابتغاء ثواب الله علـيه، وإن كان كل معروف صدقة، فتوجيه تأويـل كلام الله إلـى الأغلب من معناه فـي كلام من نزل القرآن بلسانه أولـى وأحرى.

                  وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال مـجاهد.

                  تعليق

                  • اسامة محمد خيري
                    Registered User
                    • Dec 2008
                    • 12975

                    #444
                    وقد اختلف القرّاء فـي قراءة قوله: { إنكَ لأَنْتَ يُوسُفُ } فقرأ ذلك عامة قرّاء الأمصار: { أئنك } علـى الاستفهام. وذُكر أن ذلك فـي قراءة أبـيّ بن كعب: «أوَ أنْتَ يُوسُفُ». ورُوي عن ابن مـحيصن أنه قرأ: «إنَّكَ لأَنْتَ يُوسُفُ» علـى الـخبر، لا علـى الاستفهام.

                    والصواب من القراءة فـي ذلك عندنا، قراءة من قرأة بـالاستفهام، لإجماع الـحجة من القرّاء علـيه.

                    تعليق

                    • اسامة محمد خيري
                      Registered User
                      • Dec 2008
                      • 12975

                      #445
                      وقال آخرون: بل قوله: { إنْ شاءَ اللّهُ } استثناء من قول يعقوب لبنـيه
                      { أسْتَغفِرُ لَكُمْ رَبّـي }
                      قال: وهو من الـمؤخر الذي معناه التقديـم، قالوا: وإنـما معنى الكلام: قال: أستغفر لكم ربـي إن شاء الله إنه هو الغفور الرحيـم. { فَلَـمَّا دَخَـلُوا علـى يُوسُفَ آوَى إلَـيْهِ أبَوَيْهِ وقالَ ادْخـلوا مصْر } ورفع أبويه. ذكر من قال ذلك:

                      حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج:

                      { قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبّـي }
                      إن شاء الله آمنـين. وبـين ذلك ما بـينه من تقديـم القرآن.

                      يعنـي ابن جريج: «وبـين ذلك ما بـينه من تقديـم القرآن» أنه قد دخـل بـين قوله: { سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبّـي } وبـين قوله: { إنْ شاءَ اللّهُ } من الكلام ما قد دخـل، وموضعه عنده أن يكون عقـيب قوله: { سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبّـي }.

                      والصواب من القول فـي ذلك عندنا ما قاله السُّديّ، وهو أن يوسف قال ذلك لأبويه ومن معهما من أولادهما وأهالـيهم قبل دخولهم مصر حين تلقاهم، لأن ذلك فـي ظاهر التنزيـل كذلك، فلا دلالة تدلّ علـى صحة ما قال ابن جريج، ولا وجه لتقديـم شيء من كتاب الله عن موضعه أو تأخيره عن مكانه إلا بحجة واضحة...

                      تعليق

                      • اسامة محمد خيري
                        Registered User
                        • Dec 2008
                        • 12975

                        #446
                        حُدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: ثنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك فـي قوله: { حتـى إذَا اسْتَـيْأَسَ الرُّسُلُ } يقول: استـيأسوا من قومهم أن يجيبوهم، ويؤمنوا بهم، وظنوا: يقول: وظنّ قوم الرسل أن الرسل قد كذبوهم الـموعد.

                        والقراءة علـى هذا التأويـل الذي ذكرنا فـي قوله: { كُذِبُوا } بضم الكاف وتـخفـيف الذال، وذلك أيضاً قراءة بعض قرّاء أهل الـمدينة وعامَّة قرّاء أهل الكوفة.

                        وإنـما اخترنا هذا التأويـل وهذه القراءة، لأن ذلك عقـيب قوله:
                        { وَما أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إلاَّ رِجالاً نُوحِي إلَـيْهِمْ مِنْ أهْل القُرَى أفَلَـم يَسِيرُوا فـي الأرْضِ فَـيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ }
                        فكان ذلك دلـيلاً علـى أن إياس الرسل كان من إيـمان قومهم الذين أهلكوا، وأن الـمضمر فـي قوله: { وظَنُّوا أنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا } إنـما هو من ذكر الذين من قبلهم من الأمـم الهالكة، وزاد ذلك وضوحاً أيضاً إتبـاع الله فـي سياق الـخبر عن الرسل وأمـمهم قوله: { فَنُـجِّيَ مَنْ نَشاءُ } إذ الذين أهلكوا هم الذين ظنوا أن الرسل قد كذبتـم، فكَذَّبُوهم ظنًّا منهم أنهم قد كَذَبُوهم...
                        وقد ذهب قوم مـمن قرأ هذه القراءة إلـى غير التأويـل الذي اخترنا، ووجهوا معناه إلـى: حتـى إذا استـيأس الرسل من إيـمان قومهم، وظنت الرسل أنهم قد كذبوا فـيـما وعدوا من النصر. ذكر من قال ذلك:

                        حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا عثمان بن عمر، قال: ثنا ابن جريج، عن ابن أبـي ملـيكة، قال: قرأ ابن عبـاس: { حتـى إذَا اسْتَـيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا } قال: كانوا بشراً ضعفوا ويئسوا.

                        قال: ثنا حجاج بن مـحمد، عن ابن جريج، قال: أخبرنـي ابن أبـي ملـيكة، عن ابن عبـاس، قرأ: { وَظَنُّوا أنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا } خفـيفة. قال ابن جريج: أقول كما يقول: أخـلفوا. قال عبد الله: قال لـي ابن عبـاس: كانوا بشراً، وتلا ابن عبـاس:
                        { حتـى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتـى نَصْرُ اللّهِ ألا إنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ }
                        قال ابن جريج: قال ابن أبـي ملـيكة: ذهب بها إلـى أنهم ضعفوا فظنوا أنهم أخـلفوا.

                        حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفـيان، عن الأعمش، عن أبـي الضحى، عن مسروق عن عبد الله، أنه قرأ: { حتـى إذَا اسْتَـيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا } مخففة، قال عبد الله: هو الذي تكره.

                        قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا سفـيان، عن سلـيـمان، عن أبـي الضحى، عن مسروق، أن رجلا سأل عبد الله بن مسعود: { حَتـى إذا اسْتَـيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا } قال: هو الذي تكره، مخففة.

                        قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبـي بشر، عن سعيد بن جبـير، أنه قال فـي هذه الآية: { حتـى إذَا اسْتَـيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا } قلت: كُذِبُوا؟ قال: نعم ألـم يكونوا بشراً.

                        حدثنا الـحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا إسرائيـل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عبـاس، فـي قوله: { حتـى إذَا اسْتَـيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا } قال: كانوا بشراً قد ظنوا.

                        وهذا تأويـلٌ وقولٌ، غيره من أهل التأويـل أولـى عندي بـالصواب، وخلافه من القول أشبه بصفـات الأنبـياء والرسل، إن جاز أن يرتابوا بوعد الله إياهم ويشكوا فـي حقـيقة خبره مع معاينتهم من حجج الله وأدلته ما لا يعاينه الـمرسَل إلـيهم، فـيعذروا فـي ذلك أن الـمرسل إلـيهم لأولـى فـي ذلك منهم بـالعذر، وذلك قول إن قاله قائل لا يخفـى أمره. وقد ذكر هذا التأويـل الذي ذكرناه أخيراً عن ابن عبـاس لعائشة، فأنكرته أشدّ النكرة فـيـما ذُكر لنا. ذكر الرواية بذلك عنها رضوان الله علـيها:

                        حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا عثمان بن عمر، قال: ثنا ابن جريج، عن ابن أبـي ملـيكة، قال: قرأ ابن عبـاس: { حتـى إذَا اسْتَـيْأَسَ الرُّسُلُ وظَنُّوا أنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا } فقال: كانوا بشراً ضعفوا ويئسوا، قال ابن أبـي ملـيكة: فذكرت ذلك لعروة، فقال: قالت عائشة: معاذ الله، ما حدّث الله رسوله شيئاً قطّ إلا علـم أنه سيكون قبل أن يـموت، ولكن لـم يزل البلاء بـالرسل، حتـى ظنّ الأنبـياء أن من تبعهم قد كذبوهم.

                        فكانت تقرؤها: «قد كُذّبوا» تثقلها.

                        ورُوي عن مـجاهد فـي ذلك قول هو خلاف جميع ما ذكرنا من أقوال الـماضين الذين سمينا أسماءهم وذكرنا أقوالهم وتأويـل خلاف تأويـلهم وقراءة غير قراءة جميعهم، وهو أنه فـيـما ذكر عنه كان يقرأ: «وظَنُّوا أنَّهُمْ قَدْ كَذَبُوا» بفتـح الكاف والذال وتـخفـيف الذال. ذكر الرواية عنه بذلك:

                        حدثنـي أحمد بن يوسف، قال: ثنا أبو عبـيد، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، أنه قرأها: «كَذَبُوا» بفتـح الكاف بـالتـخفـيف. وكان يتأوّله كما:

                        حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد: استـيأس الرجل أن تَعذّبَ قومهم، وظنّ قومهم أن الرسل قد كذَبوا، جاءهم نصرنا، قال: جاء الرسل نصرُنا. قال مـجاهد: قال فـي الـمؤمن:
                        { فَلَـمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بـالبَـيِّناتِ فَرِحُوا بِـمَا عِنْدَهُمْ مِنَ العِلْـمَ }
                        قال: قولهم نـحن أعلـم منهم، ولن نعذَّب. وقوله:
                        { وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ }
                        قال: حاق بهم ما جاءت به رسلهم من الـحقّ.

                        وهذه القراءة لا أستـجيز القراءة بها لإجماع الـحجة من قرّاء الأمصار علـى خلافها، ولو جازت القراءة بذلك لاحتـمل وجهاً من التأويـل وهو أحسن مـما تأوّله مـجاهد، وهو: { حَتـى إذَا استَـيأس الرسُلُ } من عذاب الله قومَها الـمكذّبة بها، وظنت الرسلُ أن قومها قد كَذَّبوا وافتروا علـى الله بكفرهم بها. ويكون الظنّ موجهاً حينئذٍ إلـى معنى العلـم، علـى ما تأوّله الـحسن وقتادة.

                        تعليق

                        • اسامة محمد خيري
                          Registered User
                          • Dec 2008
                          • 12975

                          #447
                          يقول تعالـى ذكره: لقد كان فـي قصص يوسف وإخوته عِبرة لأهل الـحِجا والعقول، يعتبرون بها وموعظة يتعظون بها وذلك أن الله جلّ ثناؤه بعد أن ألقـي يوسف فـي الـجبّ لـيهلك، ثم بِـيع بـيع العبـيد بـالـخسيس من الثمن، وبعد الإسار والـحبس الطويـل ملَّكه مصر ومكَّن له فـي الأرض وأعلاه علـى من بغاه سوءاً من إخوته، وجمع بـينه وبـين والديه وإخوته بقدرته بعد الـمدّة الطويـلة، وجاء بهم إلـيه من الشُّقَّة النائية البعيدة. فقال جلّ ثناؤه للـمشركين من قريش من قوم نبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: لقد كان لكم أيُّها القوم فـي قَصَصهم عبرة لو اعتبرتـم به، أن الذي فعل ذلك بـيوسف وإخوته لا يتعذّر علـيه أن يفعل مثله بـمـحمد صلى الله عليه وسلم، فـيخرجه من بـين أظهركم ثم يظهره علـيكم ويـمكن له فـي البلاد ويؤيده بـالـجند والرجال من الأتبـاع والأصحاب، وإن مرّت به شدائد وأتت دونه الأيام واللـيالـي والدهور والأزمان.

                          وكان مـجاهد يقول: معنى ذلك: لقد كان فـي قصصهم عبرة لـيوسف وإخوته. ذكر الرواية بذلك:

                          حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله: { لَقَدْ كانَ فـي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ } لـيوسف وإخوته.

                          حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا شبـابة، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: عبرة لـيوسف وإخوته.

                          حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

                          حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، قوله: { لَقَدْ كانَ فِـي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولـى الألْبـاب } قال: يوسف وإخوته.

                          وهذا القول الذي قاله مـجاهد وإن كان له وجه يحتـمله التأويـل، فإن الذي قلنا فـي ذلك أولـى به لأن ذلك عقـيب الـخبر عن نبـينا صلى الله عليه وسلم وعن قومه من الـمشركين، وعقـيب تهديدهم ووعيدهم علـى الكفر بـالله وبرسوله مـحمد صلى الله عليه وسلم، ومنقطع عن خبر يوسف وإخوته، ومع ذلك أنه خبر عامّ عن جميع ذوي الألبـاب، أن قصصهم لهم عبرة، وغير مخصوص بعض به دون بعض. فإذا كان الأمر علـى ما وصفت فـي ذلك، فهو بأن يكون خبراً عن أنه عبرة لغيرهم أشبه، والرواية التـي ذكرناها عن مـجاهد من رواية ابن جريج أشبه به أن تكون من قوله لأن ذلك موافق القول الذي قلناه فـي ذلك.

                          تعليق

                          • اسامة محمد خيري
                            Registered User
                            • Dec 2008
                            • 12975

                            #448
                            سورة الرعد

                            وفـي قوله: { وَالَّذِي أُنْزِلَ إلَـيْكَ } وجهان من الإعراب: أحدهما الرفع علـى أنه كلام مبتدأ، فـيكون مرفوعاً بـ «الـحق» و «الـحق به». وعلـى هذا الوجه تأويـل مـجاهد وقتادة الذي ذكرنا قبل عنهما. والآخر: الـخفض علـى العطف به علـى الكتاب، فـيكون معنى الكلام حينئذٍ: تلك آيات التوراة والإنـجيـل والقرآن، ثم يبتدىء الـحقّ بـمعنى ذلك الـحقّ، فـيكون رفعه بـمضمر من الكلام قد استغنـي بدلالة الظاهر علـيه منه. ولو قـيـل: معنى ذلك: تلك آيات الكتاب الذي أنزل إلـيك من ربك الـحقّ، وإنـما أدخـلت الواو فـي «والذي»، وهو نعت للكتاب، كما أدخـلها الشاعر فـي قوله:

                            إلـى الـمَلِكِ القَرْمِ وابنِ الهُمام ولَـيْثِ الكَتِـيبَةِ فـي الـمُزْدَحَمْ
                            فعطف بــ(الواو)، وذلك كله من صفة واحد، كان مذهبـاً من التأويـل ولكن ذلك إذا تؤوّل كذلك فـالصواب من القراءة فـي «الـحقّ الـخفض» علـى أنه نعت لـ «الذي».

                            تعليق

                            • اسامة محمد خيري
                              Registered User
                              • Dec 2008
                              • 12975

                              #449
                              وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصحة أن يقال كما قال الله تعالـى: { اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها } فهي مرفوعة بغير عمد نراها، كما قال ربنا جلّ ثناؤه. ولا خبر بغير ذلك، ولا حجة يجب التسلـيـم لها بقول سواه.

                              تعليق

                              • اسامة محمد خيري
                                Registered User
                                • Dec 2008
                                • 12975

                                #450
                                وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصحة أن يقال كما قال الله تعالـى: { اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها } فهي مرفوعة بغير عمد نراها، كما قال ربنا جلّ ثناؤه. ولا خبر بغير ذلك، ولا حجة يجب التسلـيـم لها بقول سواه.

                                تعليق

                                يعمل...