إرشاد النحرير لترجيحات الامام ابن جرير

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • اسامة محمد خيري
    Registered User
    • Dec 2008
    • 12975

    #526
    واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله { تَفْجُرَ } فروي عن إبراهيـم النـخعيّ أنه قرأ { حتـى تَفْجُرَ لَنا } خفـيفة وقوله
    { فَتُفَجِّرَ الأنهَارَ خِلاَلَها تَفْجِيراً }
    بـالتشديد، وكذلك كانت قراء الكوفـيـين يقرءونها، فكأنهم ذهبوا بتـخفـيفهم الأولـى إلـى معنى: حتـى تفجر لنا من الأرض ماء مرّة واحدة. وبتشديدهم الثانـية إلـى أنها تفجر فـي أماكن شتـى، مرّة بعد أخرى، إذا كان ذلك تفجر أنهار لا نهر واحد والتـخفـيف فـي الأولـى والتشديد فـي الثانـية علـى ما ذكرت من قراءة الكوفـيـين أعجب إلـيّ لـما ذكرت من افتراق معنـيـيهما، وإن لـم تكن الأولـى مدفوعة صحتها.

    تعليق

    • اسامة محمد خيري
      Registered User
      • Dec 2008
      • 12975

      #527
      اختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: { كِسَفـاً } فقرأته عامَّة قرّاء الكوفة والبصرة بسكون السين، بـمعنى: أو تسقط السماء كما زعمت علـينا كِسفـاً، وذلك أن الكِسْف فـي كلام العرب: جمع كِسْفة، وهو جمع الكثـير من العدد للـجنس، كما تـجمع السِّدْرة بسِدْر، والتـمرة بتـمر، فحُكي عن العرب سماعاً: أعطنـي كِسْفة من هذا الثوب: أي قطعة منه، يقال منه: جاءنا بثريد كِسْف: أي قطع خبز. وقد يحتـمل إذا قرىء كذلك «كِسْفـاً» بسكون السين أن يكون مرادا به الـمصدر من كسف. فأما الكِسَفُ بفتـح السين، فإنه جمع ما بـين الثلاث إلـى العشر، يقال: كِسَفة واحدة، وثلاث كِسَف، وكذلك إلـى العشر. وقرأ ذلك عامة قرّاء أهل الـمدينة وبعض الكوفـيـين { كِسَفـاً } بفتـح السين بـمعنى: جمع الكِسْفة الواحدة من الثلاث إلـى العشر، يعنـي بذلك قِطَعاً: ما بـين الثلاث إلـى العشر.

      وأولـى القراءتـين فـي ذلك بـالصواب عندي قراءة من قرأه بسكون السين، لأن الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، لـم يقصدوا فـي مسألتهم إياه ذلك أن يكون بحدّ معلوم من القطع، إنـما سألوا أن يُسقط علـيهم من السماء قِطَعاً، وبذلك جاء التأويـل أيضاً عن أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

      حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله { كِسْفـاً } قال: السماء جمعاً...

      حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج { أوْ تَأْتـيَ بـاللّهِ وَالـمَلائِكَةِ قَبِـيلاً } فنعاينهم.

      ووجَّهه بعض أهل العربـية إلـى أنه بـمعنى الكفـيـل من قولهم: هو قَبـيـلُ فلان بـما لفلان علـيه وزعيـمه.

      وأشبه الأقوال فـي ذلك بـالصواب، القول الذي قاله قتادة من أنه بـمعنى الـمعاينة، من قولهم: قابلت فلانا مقابلة، وفلان قبـيـل فلان، بـمعنى قبـالته، كما قال الشاعر:
      نُصَالِـحُكُمْ حتـى تَبُوءُوا بِـمِثْلِها كصَرْخَةِ حُبْلَـى يَسَّرَتْها قَبِـيـلُها
      يعنـي قابِلَتها. وكان بعض أهل العلـم بكلام العرب من أهل البصرة يقول: إذا وصفوا بتقدير فعيـل من قولهم قابلت ونـحوها، جعلوا لفظ صفة الاثنـين والـجميع من الـمؤنث والـمذكر علـى لفظ واحد، نـحو قولهم: هذه قبـيـلـي، وهما قبـيـلـي، وهم قبـيـلـي، وهن قبـيـلـي.

      تعليق

      • اسامة محمد خيري
        Registered User
        • Dec 2008
        • 12975

        #528
        وأما قوله: { فـاسأَلْ بَنِـي إسْرَائيـلَ إذْ جاءَهُمْ } فإن عامَّة قرّاء الإسلام علـى قراءته علـى وجه الأمر بـمعنى: فـاسأل يا مـحمد بنـي إسرائيـل إذ جاءهم موسى ورُوي عن الـحسن البصري فـي تأويـله ما:

        حدثنـي به الـحارث، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا حجاج، عن هارون، عن إسماعيـل، عن الـحسن { فأسأَلْ بَنِـي إسْرَائِيـلَ } قال: سؤالك إياهم: نظرك فـي القرآن.

        ورُوي عن ابن عبـاس أنه كان يقرأ ذلك: «فَسَأَلَ» بـمعنى: فسأل موسى فرعون بنـي إسرائيـل أن يرسلهم معه علـى وجه الـخبر. ذكر من قال ذلك:

        حدثنا أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا حجاج، عن هارون، عن حنظلة السَّدوسيّ، عن شهر بن حوشب، عن ابن عبـاس، أنه قرأ: «فَسأَلَ بَنِـي إسْرَائِيـلَ إذْ جاءَهُمْ» يعنـي أن موسى سأل فرعونَ بنـي إسرائيـل أن يرسلهم معه.

        والقراءة التـي لا أستـجيز أن يُقرأ بغيرها، هي القراءة التـي علـيها قرّاء الأمصار، لإجماع الـحجة من القرّاء علـى تصويبها، ورغبتهم عما خالفهم.

        تعليق

        • اسامة محمد خيري
          Registered User
          • Dec 2008
          • 12975

          #529
          اختلفت القرّاء فـي قراءة قوله { لَقَدْ عَلِـمْتَ } فقرأ عامة قرّاء الأمصار ذلك { لَقَدْ عَلِـمْتَ } بفتـح التاء، علـى وجه الـخطاب من موسى لفرعون. ورُوي عن علـيّ بن أبـي طالب رضوان الله علـيه فـي ذلك، أنه قرأ: «لَقَدْ عَلِـمْتُ» بضمّ التاء، علـى وجه الـخبر من موسى عن نفسه. ومن قرأ ذلك علـى هذه القراءة، فإنه ينبغي أن يكون علـى مذهبه تأويـل قوله
          { إنّـي لأَظُنُّكَ يا مُوسَى مَسْحُوراً }
          إنـي لأظنك قد سُحِرت، فترى أنك تتكلـم بصواب ولـيس بصواب. وهذا وجه من التأويـل. غير أن القراءة التـي علـيها قرّاء الأمصار خلافها، وغير جائز عندنا خلاف الـحجة فـيـما جاءت به من القراءة مـجمعة علـيه.

          وبعد، فإن الله تعالـى ذكره قد أخبر عن فرعون وقومه أنهم جحدوا ما جاءهم به موسى من الآيات التسع، مع علـمهم بأنها من عند الله بقوله
          { وأدْخِـلْ يَدَكَ فِـي جَيْبِكَ تَـخْرُجْ بَـيْضَاءَ مِنْ غيرِ سُوءٍ فِـي تِسْعِ آياتٍ إلـى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ، إنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فـاسِقِـينَ فَلَـمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِـينٌ وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَـيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ ظُلْـماً وَعُلُوّاً }
          فأخبر جلّ ثناؤه أنهم قالوا: هي سحر، مع علـمهم واستـيقان أنفسهم بأنها من عند الله، فكذلك قوله: { لَقَدْ عَلِـمْتَ } إنـما هو خبر من موسى لفرعون بأنه عالـم بأنها آيات من عند الله. وقد ذُكر عن ابن عبـاس أنه احتـجّ فـي ذلك بـمثل الذي ذكرنا من الـحجة. قال:

          حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، أنه كان يقرأ: { لَقَدْ عَلِـمْتَ } يا فرعون بـالنصب { ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلاَّ رَبُّ السَّمَواتِ والأرْضِ } ، ثم تلا
          { وَجَحَدُوا بِها واسْتَـيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ ظُلْـماً وعُلُوّاً }
          فإذا كان ذلك كذلك، فتأويـل الكلام: قال موسى لفرعون: لقد علـمت يا فرعون ما أنزل هؤلاء الآيات التسع البـينات التـي أريتكها حجة لـي علـى حقـيقة ما أدعوك إلـيه، وشاهدة لـي علـى صدق وصحة قولـي، إنـي لله رسول، ما بعثنـي إلـيك إلا ربّ السموات والأرض، لأن ذلك لا يقدر علـيه، ولا علـى أمثاله أحد سواه. { بصائر } يعنـي بـالبصائر: الآيات، أنهنّ بصائر لـمن استبصر بهنّ، وهدى لـمن اهتدى بهنّ، يعرف بهنّ من رآهنْ أن من جاء بهنّ فمـحقّ، وأنهنّ من عند الله لا من عند غيره، إذ كنّ معجزات لا يقدر علـيهنّ، ولا علـى شيء منهنّ سوى ربّ السموات والأرض وهو جمع بصيرة.

          تعليق

          • اسامة محمد خيري
            Registered User
            • Dec 2008
            • 12975

            #530
            وَقُرآناً فَرَقْناهُ لَتَقْرأَهُ } اختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الأمصار { فَرَقْناهُ } بتـخفـيف الراء من فرقناه، بـمعنى: أحكمناه وفصلناه وبـيناه. وذُكر عن ابن عبـاس، أنه كان يقرؤه بتشديد الراء «فَرَّقْناهُ» بـمعنى: نزّلناه شيئا بعد شيء، آية بعد آية، وقصة بعد قصة.

            وأولـى القراءتـين بـالصواب عندنا، القراءة الأولـى، لأنها القراءة التـي علـيها الـحجة مـجمعة، ولا يجوز خلافها فـيـما كانت علـيه مـجمعة من أمر الدين والقرآن. فإذا كان ذلك أولـى القراءتـين بـالصواب، فتأويـل الكلام: وما أرسلناك إلا مبشراً ونذيراً، وفصلناه قرآناً، وبـيَّناه وأحكمناه، لتقرأه علـى الناس علـى مكث. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك من التأويـل، قال جماعة من أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

            حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: { وَقُرآناً فَرَقْناهُ } يقول: فصلناه.

            تعليق

            • اسامة محمد خيري
              Registered User
              • Dec 2008
              • 12975

              #531
              وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصحة، ما ذكرنا عن ابن عبـاس فـي الـخبر الذي رواه أبو جعفر، عن سعيد، عن ابن عبـاس، لأن ذلك أصحّ الأسانـيد التـي رُوِي عن صحابـيّ فـيه قولٌ مخرَّجا، وأشبه الأقوال بـما دلّ علـيه ظاهر التنزيـل، وذلك أن قوله: { وَلا تَـجْهِرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُـخافِتْ بِها } عقـيب قوله { قُلِ ادْعِوا اللّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أيَّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأسْماءُ الـحُسْنَى } وعقـيب تقريع الكفـار بكفرهم بـالقرآن، وذلك بعدهم منه ومن الإيـمان. فإذا كان ذلك كذلك، فـالذي هو أولـى وأشبه بقوله { وَلاَ تَـجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُـخافِتْ بِها } أن يكون من سبب ما هو فـي سياقه من الكلام، ما لـم يأت بـمعنى يوجب صرفه عنه، أو يكون علـى انصرافه عنه دلـيـل يعلـم به الانصراف عما هو فـي سياقه.

              فإذا كان ذلك كذلك، فتأويـل الكلام: قل ادعوا الله، أو ادعوا الرحمن، أيا ما تدعوا فله الأسماء الـحسنى، ولا تـجهر يا مـحمد بقراءتك فـي صلاتك ودعائك فـيها ربك ومسألتك إياه، وذكرك فـيها، فـيؤذيك بجهرك بذلك الـمشركون، ولا تـخافت بها فلا يسمعها أصحابك { وَابْتَغِ بـينَ ذلكَ سبِـيلاً } ولكن التـمس بـين الـجهر والـمخافتة طريقا إلـى أن تسمع أصحابك، ولا يسمعه الـمشركون فـيؤذوك. ولولا أن أقوال أهل التأويـل مضت بـما ذكرت عنهم من التأويـل، وأنا لا نستـجيز خلافهم فـيـما جاء عنهم، لكان وجها يحتـمله التأويـل أن يقال: ولا تـجهر بصلاتك التـي أمرناك بـالـمخافتة بها، وهي صلاة النهار لأنها عجماء، لا يجهز بها، ولا تـخافت بصلاتك التـي أمرناك بـالـجهر، وهي صلاة اللـيـل، فإنها يجهر بها { وَابْتَغِ بـينَ ذلكَ سَبِـيلاً } بأن تـجهر بـالتـي أمرناك بـالـجهر بها، وتـخافت بـالتـي أمرناك بـالـمخافتة بها، لا تجهز بجميعها، ولا تـخافت بكلها، فكان ذلك وجها غير بعيد من الصحة، ولكنا لا نرى ذلك صحيحا لإجماع الـحجة من أهل التأويـل علـى خلافه. فإن قال قائل: فأية قراءة هذه التـي بـين الـجهر والـمخافتة؟ قـيـل:

              حدثنـي مطر بن مـحمد، قال: ثنا قتـيبة، ووهب بن جرير، قالا: ثنا شعبة، عن الأشعث بن سلـيـم، عن الأسود بن هلال، قال: قال عبد الله: لـم يخافت من أسمع أذنـيه.

              حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا شعبة، عن الأشعث، عن الأسود بن هلال، عن عبد الله، مثله.

              تعليق

              • اسامة محمد خيري
                Registered User
                • Dec 2008
                • 12975

                #532
                سورة الكهف

                والصواب من القراءة فـي ذلك عندي، قراءة من قرأ: { كَبُرَتْ كَلِـمَةً } نصبـاً لإجماع الـحجة من القرّاء علـيها، فتأويـل الكلام: عَظُمت الكلـمة كلـمة تـخرج من أفواه هؤلاء القوم الذين قالوا: اتـخذ الله ولداً، والـملائكة بنات الله، كما:

                حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق { كَبُرَتْ كَلِـمَةً تَـخْرُجُ مِنْ أفْوَاهِهِمْ } قولهم: إن الـملائكة بنات الله.

                تعليق

                • اسامة محمد خيري
                  Registered User
                  • Dec 2008
                  • 12975

                  #533
                  وقال آخرون: بل معنى ذلك: أم حسبت يا مـحمد أن أصحاب الكهف والرقـيـم كانوا من آياتنا عَجَبـا، فإن الذين آتـيتك من العلـم والـحكمة أفضل منه. ذكر من قال ذلك:

                  حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: { أمْ حَسِبْتَ أنَّ أصحَابَ الكَهْفِ والرَّقِـيـمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَبـاً } يقول: الذي آتـيتك من العلـم والسنة والكتاب أفضل من شأن أصحاب الكهف والرقـيـم.

                  وإنـما قلنا: إن القول الأوّل أولـى بتأويـل الآية، لأنّ الله عزّ وجلّ أنزل قصة أصحاب الكهف علـى نبـيه احتـجاجاً بها علـى الـمشركين من قومه علـى ما ذكرنا فـي الرواية عن ابن عبـاس، إذ سألوه عنها اختبـاراً منهم له بـالـجواب عنها صدقه، فكان تقريعهم بتكذيبهم بـما هو أوكد علـيهم فـي الـحجة مـما سألوا عنهم، وزعموا أنهم يؤمنون عند الإجابة عنه أشبه من الـخبر عما أنعم الله علـى رسوله من النعم....

                  وأولى هذه الأقوال بـالصواب فـي الرقـيـم أن يكون معنـياً به: لوح، أو حجر، أو شيء كُتب فـيه كتاب. وقد قال أهل الأخبـار: إن ذلك لوح كُتب فـيه أسماء أصحاب الكهف وخبرهم حين أوَوْا إلـى الكهف. ثم قال بعضهم: رُفع ذلك اللوح فـي خزانة الـملك. وقال بعضهم: بل جُعل علـى بـاب كهفهم. وقال بعضهم: بل كان ذلك مـحفوظاً عند بعض أهل بلدهم. وإنـما الرقم: فعيـل. أصله: مرقوم، ثم صُرف إلـى فعيـل، كما قـيـل للـمـجروح: جريح، وللـمقتول: قتـيـل، يقال منه: رقمت كذا وكذا: إذا كتبته، ومنه قـيـل للرقم فـي الثوب رقم، لأنه الـخطّ الذي يعرف به ثمنه. ومن ذلك قـيـل للـحيَّة: أرقم، لـما فـيه من الآثار والعرب تقول: علـيك بـالرقمة، ودع الضفة: بـمعنى علـيك برقمة الوادي حيث الـماء، ودع الضفة الـجانبة. والضفتان: جانبـا الوادي. وأحسب أن الذي قال الرقـيـم: الوادي، ذهب به إلـى هذا، أعنـي به إلـى رقمة الوادي.

                  تعليق

                  • اسامة محمد خيري
                    Registered User
                    • Dec 2008
                    • 12975

                    #534
                    وفـي نصب قوله { أمَداً } وجهان: أحدهما أن يكون منصوبـاً علـى التفسير من قوله أحْصَى كأنه قـيـل: أيّ الـحزبـين أصوب عددا لقدر لبثهم.

                    وهذا هو أولـى الوجهين فـي ذلك بـالصواب، لأن تفسير أهل التفسير بذلك جاء.

                    والآخر: أن يكون منصوبـاً بوقوع قوله { لَبِثُوا } علـيه، كأنه قال: أيّ الـحزبـين أحصى للبثهم غاية.

                    تعليق

                    • اسامة محمد خيري
                      Registered User
                      • Dec 2008
                      • 12975

                      #535
                      وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب، قول من قال: الوصيد: البـاب، أو فناء البـاب حيث يغلق البـاب، وذلك أن البـاب يُوصَد، وإيصاده: إطبـاقه وإغلاقه من قول الله عزّ وجلّ:
                      { إنَّهَا عَلَـيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ }
                      وفـيه لغتان: الأصيد، وهي لغة أهل نـجد، والوصيد: وهي لغة أهل تهامة. وذُكِر عن أبـي عمرو بن العلاء، قال: إنها لغة أهل الـيـمن، وذلك نظير قولهم: ورّخت الكتاب وأرخته، ووكدت الأمر وأكدته فمن قال الوصيد، قال: أوصدت البـاب فأنا أُوصِده، وهو مُوصَد ومن قال الأصيد، قال: آصدت البـاب فهو مُؤْصَد، فكان معنى الكلام: وكلبهم بـاسط ذَراعيه بفناء كهفهم عند البـاب، يحفظ علـيهم بـابه.

                      تعليق

                      • اسامة محمد خيري
                        Registered User
                        • Dec 2008
                        • 12975

                        #536
                        وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب عندي قول من قال: إن الله تعالـى بعثهم من رقدتهم لـيتساءلوا بـينهم كما بـيَّنا قبل، لأن الله عزّ ذكره، كذلك أخبر عبـاده فـي كتابه، وإن الله أعثر علـيهم القوم الذين أعثرهم علـيهم، لـيتـحقق عندهم ببعث الله هؤلاء الفتـية من رقدتهم بعد طول مدتها بهيئتهم يوم رقدوا، ولـم يشيبوا علـى مرّ الأيام واللـيالـي علـيهم، ولـم يهرَموا علـى كرّ الدهور والأزمان فـيهم قدرته علـى بعث من أماته فـي الدنـيا من قبره إلـى موقـف القـيامة يوم القـيامة، لأن الله عزّ ذكره بذلك أخبرنا، فقال:
                        { وكذلكَ أعْثَرنْا عَلَـيْهمْ لِـيَعْلَـمُوا أنَّ وَعْدَ اللّهِ حَقّ وأنَّ السَّاعَة لا رَيْبَ فِـيها }..

                        حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، فـي قوله: { أزْكَى طَعاماً } قال: خير طعاماً.

                        وأولـى الأقوال عندي فـي ذلك بـالصواب: قول من قال: معنى ذلك: أحلّ وأطهر، وذلك أنه لا معنى فـي اختـيار الأكثر طعاماً للشراء منه إلا بـمعنى إذا كان أكثرهم طعاماً، كان خـلـيقاً أن يكون الأفضل منه عنده أوجد، وإذا شرط علـى الـمأمور الشراء من صاحب الأفضل، فقد أمر بشراء الـجيد، كان ما عند الـمشتري ذلك منه قلـيلاً الـجيد أو كثـيراً، وإنـما وجه من وجه تأويـل أزكى إلـى الأكثر، لأنه وجد العرب تقول: قد زكا مال فلان: إذا كثر، وكما قال الشاعر:
                        قَبـائِلُنا سَبْعٌ وأنُتُـمْ ثَلاثَةٌ وَللسَّبْعُ أزْكَى مِنْ ثَلاثٍ وأطْيَبُ
                        بمعنى: أكثر، وذلك وإن كان كذلك، فإن الـحلال الـجيد وإن قلّ، أكثر من الـحرام الـخبـيث وإن كثر. وقـيـل: { فَلْـيَنْظُرْ أيُّها } فأضيف إلـى كناية الـمدينة، والـمراد بها أهلها، لأن تأويـل الكلام: فلـينظر أيّ أهلها أزكى طعاماً لـمعرفة السامع بـالـمراد من الكلام. وقد يُحتـمل أن يكونوا عنوا بقولهم { أيُّها أزْكَى طَعاماً }: أيها أحلّ، من أجل أنهم كانوا فـارقوا قومهم وهم أهل أوثان، فلـم يستـجيزوا أكل ذبـيحتهم.

                        تعليق

                        • اسامة محمد خيري
                          Registered User
                          • Dec 2008
                          • 12975

                          #537
                          وإنـما قـيـل له ذلك فـيـما بلغنا من أجل أنه وعد سائلـيه عن الـمسائل الثلاث اللواتـي قد ذكرناها فـيـما مضى، اللواتـي إحداهنّ الـمسألة عن أمر الفتـية من أصحاب الكهف أن يجيبهم عنهنّ غد يومهم، ولـم يستثن، فـاحتبس الوحي عنه فـيـما قـيـل من أجل ذلك خمس عشرة، حتـى حزنه إبطاؤه، ثم أنزل الله علـيه الـجواب عنهنّ، وعرف نبـيه سبب احتبـاس الوحي عنه، وعلَّـمه ما الذي ينبغي أن يستعمل فـي عِدَاته وخبره عما يحدث من الأمور التـي لـم يأته من الله بها تنزيـل، فقال: { وَلا تَقُولَنَّ } يا مـحمد { لِشَيْءٍ إنّـي فـاعِلٌ ذلك غَداً } كما قلت لهؤلاء الذين سألوك عن أمر أصحاب الكهف، والـمسائل التـي سألوك عنها، سأخبركم عنها غدا { إلاَّ أنْ يَشاءَ اللّهُ }. ومعنى الكلام: إلا أن تقول معه: إن شاء الله، فترك ذكر تقول اكتفـاء بـما ذكر منه، إذ كان فـي الكلام دلالة علـيه. وكان بعض أهل العربـية يقول: جائز أن يكون معنى قوله: { إلاَّ أنْ يَشاءَ اللّهُ } استثناء من القول، لا من الفعل كأن معناه عنده: لا تقولنّ قولاً إلا أن يشاء الله ذلك القول، وهذا وجه بعيد من الـمفهوم بـالظاهر من التنزيـل مع خلافه تأويـل أهل التأويـل...

                          وأولـى القولـين فـي ذلك بـالصواب، قول من قال: معناه: واذكر ربك إذا تركت ذكره، لأن أحد معانـي النسيان فـي كلام العرب الترك، وقد بـيَّنا ذلك فـيـما مضى قبل.

                          فإن قال قائل: أفجائز للرجل أن يستثنـيَ فـي يـمينه إذ كان معنى الكلام ما ذكرت بعد مدة من حال حلفه؟ قـيـل: بل الصواب أن يستثنى ولو بعد حِنْثه فـي يـمينه، فـيقول: إن شاء الله لـيخرج بقـيـله ذلك مـما ألزمه الله فـي ذلك بهذه الآية، فـيسقط عنه الـحرج بتركه ما أمره بقـيـله من ذلك فأما الكفـارة فلا تسقط عنه بحال، إلا أن يكون استثناؤه موصولاً بـيـمينه.

                          فإن قال: فما وجه قول من قال له: ثُنْـياه ولو بعد سنة، ومن قال له ذلك ولو بعد شهر، وقول من قال ما دام فـي مـجلسه؟ قـيـل: إن معناهم فـي ذلك نـحو معنانا فـي أن ذلك له، ولو بعد عشر سنـين، وأنه بـاستثنائه وقـيـله إن شاء الله بعد حين من حال حلفه، يسقط عنه الـحرج الذي لو لـم يقله كان له لازما فأما الكفـارة فله لازمة بـالـحِنْث بكلّ حال، إلا أن يكون استثناؤه كان موصولاً بـالـحلف، وذلك أنا لا نعلـم قائلاً قال مـمن قال له الثُّنْـيا بعد حين يزعم أن ذلك يضع عنه الكفـارة إذا حنِث، ففـي ذلك أوضح الدلـيـل علـى صحة ما قلنا فـي ذلك، وأن معنى

                          القول فـيه، كان نـحو معنانا فـيه.

                          وقوله: { وَقُلْ عَسَى أنْ يَهْدِينِ رَبّـي لأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَداً } يقول عزّ ذكره لنبـيه صلى الله عليه وسلم: قل ولعلّ الله أن يهدينـي فـيسدّدنـي لأسدَّ مـما وعدتكم وأخبرتكم أنه سيكون، إن هو شاء.

                          وقد قـيـل: إن ذلك مـما أُمر النبـيّ صلى الله عليه وسلم أن يقوله إذا نسي الاستثناء فـي كلامه، الذي هو عنده فـي أمر مستقبل مع قوله: إن شاء الله، إذا ذكر. ذكر من قال ذلك:

                          حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا الـمعتـمر، عن أبـيه، عن مـحمد، رجل من أهل الكوفة، كان يفسر القرآن، وكان يجلس إلـيه يحيى بن عبـاد، قال: { وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنّـي فـاعِلٌ ذلكَ غَداً إلاَّ أنْ يَشاءَ اللّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أنْ يَهْدِيَنَ رَبّـي لأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَداً } قال فقال: وإذا نسي الإنسان أن يقول: إن شاء الله، قال: فتوبته من ذلك، أو كفَّـارة ذلك أن يقول: { عَسَى أنْ يَهْدِينِ رَبّـي لأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَداً }.

                          تعليق

                          • اسامة محمد خيري
                            Registered User
                            • Dec 2008
                            • 12975

                            #538
                            وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب أن يقال كما قال الله عزّ ذكره: ولبث أصحاب الكهف فـي كهفهم رقوداً إلـى أن بعثهم الله، لـيتساءلوا بـينهم، وإلـى أن أعثر علـيهم من أعثر، ثلاث مئة سنـين وتسع سنـين، وذلك أن الله بذلك أخبر فـي كتابه. وأما الذي ذُكر عن ابن مسعود أنه قرأ «وَقالُوا: وَلَبِثُوا فِـي كَهْفِهِم» وقول من قال: ذلك من قول أهل الكتاب، وقد ردّ الله ذلك علـيهم، فإن معناه فـي ذلك: إن شاء الله كان أن أهل الكتاب قالوا فـيـما ذكر علـى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن للفتـية من لدن دخـلوا الكهف إلـى يومنا ثلاث مئة سنـين وتسع سنـين، فردّ الله ذلك علـيهم، وأخبر نبـيه أن ذلك قدر لبثهم فـي الكهف من لدن أوَوا إلـيه أن بعثهم لـيتساءلوا بـينهم ثم قال جلّ ثناؤه لنبـيه صلى الله عليه وسلم: قل يا مـحمد: الله أعلـم بـما لبثوا بعد أن قبض أرواحهم، من بعد أن بعثهم من رقدتهم إلـى يومهم هذا، لا يعلـم بذلك غير الله، وغير من أعلـمه الله ذلك.

                            فإن قال قائل: وما يدلّ علـى أن ذلك كذلك؟ قـيـل: الدالّ علـى ذلك أنه جلّ ثناؤه ابتدأ الـخبر عن قدر لبثهم فـي كهفهم ابتداء، فقال: { وَلِبثُوا فـي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مئَةٍ سنـينَ وَازْدَادُوا تسْعاً } ولـم يضع دلـيلاً علـى أن ذلك خبر منه عن قول قوم قالوه، وغير جائز أن يضاف خبره عن شيء إلـى أنه خبر عن غيره بغير برهان، لأن ذلك لو جاز جاز فـي كلّ أخبـاره، وإذا جاز ذلك فـي أخبـاره جاز فـي أخبـار غيره أن يضاف إلـيه أنها أخبـاره، وذلك قلب أعيان الـحقائق وما لا يخيـل فساده.

                            فإن ظنّ ظانّ أن قوله: { قُلِ اللّهُ أعْلَـمُ بِـمَا لَبِثُوا } دلـيـل علـى أن قوله: { وَلِبثُوا فِـي كَهْفِهِمْ } خبر منه عن قوم قالوه، فإن ذلك كان يجب أن يكون كذلك لو كان لا يحتـمل من التأويـل غيره فأما وهو مـحتـمل ما قلنا من أن يكون معناه: قل الله أعلـم بـما لبثوا إلـى يوم أنزلنا هذه السورة، وما أشبه ذلك من الـمعانـي فغير واجب أن يكون ذلك دلـيلاً علـى أن قوله: { وَلِبِثُوا فـي كَهْفِهِمْ } خبر من الله عن قوم قالوه، وإذا لـم يكن دلـيلاً علـى ذلك، ولـم يأت خبر بأن قوله: { وَلِبِثُوا فـي كَهْفِهِمْ } خَبر من الله عن قوم قالوه، ولا قامت بصحة ذلك حجة يجب التسلـيـم لها، صحّ ما قلنا، وفسَد ما خالفه....

                            وأولـى القراءتـين فـي ذلك عندي بـالصواب قراة من قرأه: { ثلاثَ مِئَةٍ } بـالتنوين { سِنِـينَ } ، وذلك أن العرب إنـما تضيف الـمئة إلـى ما يفسرها إذا جاء تفسيرها بلفظ الواحد، وذلك كقولهم ثلاث مئة درهم، وعندي مئة دينار، لأن الـمئة والألف عدد كثـير، والعرب لا تفسر ذلك إلا بـما كان بـمعناه فـي كثرة العدد، والواحد يؤدّي عن الـجنس، ولـيس ذلك للقلـيـل من العدد، وإن كانت العرب ربـما وضعت الـجمع القلـيـل موضع الكثـير، ولـيس ذلك بـالكثـير. وأما إذا جاء تفسيرها بلفظ الـجمع، فإنها تنوّن، فتقول: عندي ألفٌ دراهمُ، وعندي مئةٌ دنانـير، علـى ما قد وصفت.

                            تعليق

                            • اسامة محمد خيري
                              Registered User
                              • Dec 2008
                              • 12975

                              #539
                              وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب، قول من قال: معناه: ضياعاً وهلاكاً، من قولهم: أفرط فلان فـي هذا الأمر إفراطاً: إذا أسرف فـيه وتـجاوز قدره، وكذلك قوله: { وكانَ أمْرُهُ فُرُطاً } معناه: وكان أمر هذا الذي أغفلنا قلبه عن ذكرنا فـي الرياء والكبر، واحتقار أهل الإيـمان، سرفـاً قد تـجاوز حدّه، فَضَيَّع بذلك الـحقّ وهلك

                              تعليق

                              • اسامة محمد خيري
                                Registered User
                                • Dec 2008
                                • 12975

                                #540
                                وأولـى القراءات فـي ذلك عندي بـالصواب قراءة من قرأ { وكانَ لَهُ ثُمُرٌ } بضمّ الثاء والـميـم لإجماع الـحجة من القرّاء علـيه وإن كانت جمع ثمار، كما الكتب جمع كتاب.

                                ومعنى الكلام: { وَفَجَّرْنا خِلاَلُهِما نَهَراً وكانَ لَهُ } منهما { ثُمُرٌ } بـمعنى من جنتـيه أنواع من الثمار. وقد بـين ذلك لـمن وفق لفهمه، قوله: { جَعَلْنا لأحَدِهِما جَنَّتَـيْنِ مِنْ أعْنابٍ وحَفَفْناهُما بنَـخْـلٍ وَجَعَلْنا بَـيْنَهُما زَرْعاً } ثم قال: وكان له من هذه الكروم والنـخـل والزرع ثمر.

                                تعليق

                                يعمل...